← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

وفي "روح البيان"، و (الفاء): للدلالة على سببية الإتباع للاعتناء. اهـ. ﴿هل﴾: حرف للاستفهام التوبيخي. ﴿أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿عَنَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُغْنُونَ﴾. ﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مِن﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿مُغْنُونَ﴾؛ لأنه اسم فاعل يعمل عمل الفصيح الصحيح. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿هَدَانَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾: (اللام): رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾. ﴿هَدَيْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿سَوَاءٌ﴾: خبر مقدم لمبتدأ متصيد من الجملة التي بعدها. ﴿عَلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق به؛ لأنه بمعنى مستو. ﴿أَجَزِعْنَا﴾: (الهمزة): لتأكيد التسوية. ﴿جَزِعْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿أَمْ﴾: متصلة عاطفة. ﴿صَبَرْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَزِعْنَا﴾، وجملة ﴿جَزِعْنَا﴾ مع ما عطف عليه: في تأويل مصدر مرفوع على كونه مبتدا مؤخرًا لـ ﴿سَوَاءٌ﴾، والتقدير: جزعنا وصبرنا مستو علينا، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَا﴾: حجازية، أو تميمية. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿مَا﴾، أو للمبتدأ. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿مَحِيصٍ﴾: اسم ﴿مَا﴾ مؤخر، أو مبتدأ مؤخر، والتقدير: ما محيص كائنًا لنا، أو كائن لنا. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَمَّا﴾: حينية في محل النصب على الظرفية. ﴿قُضِيَ الْأَمْر﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، والظرف متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه.

стр. 6337

﴿وَعَدَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. و ﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جمة ﴿إِنَّ﴾ على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿أخلفتكم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَعَدْتُكُمْ﴾. ﴿وَمَا﴾: (الواو): عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لِيَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿سُلْطَانٍ﴾؛ لأنه بمعنى تسلط. ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخر، و ﴿من﴾: زائدة، والتقدير: وما كان سلطان عليكم كائنًا لي، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أخلفتكم﴾ على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء منقطع. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿دَعَوْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، والتقدير: وما كان لي عليكم من سلطان إلا دعوتي إياكم، فالاستثناء منقطع؛ لأن دعوته إياهم ليست من جنس السلطان حتى تستثنى منه؛ أي: لكن دعوتكم فاستجبتم لي. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿استجبتم﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿دَعَوْتُكُمْ﴾. ﴿لِيَ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿فَلَا﴾: (الفاء): حرف عطف وتفريع. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَلُومُونِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾. ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله ﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾. ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾. ﴿مَا﴾: نافية، أو حجازية. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ، أو اسم ﴿مَا﴾. ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿مَا﴾، والباء: زائدة، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية، أو تميمية. ﴿أَنْتُمْ﴾: اسم ﴿ما﴾، أو مبتدأ. ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾: (الياء): زائدة. ﴿مُصْرِخِيَّ﴾: خبر ﴿مَا﴾

стр. 6338

الحجازية منصوب، وعلامة نصبه الياء الممنوعة لاشتغال المحل بالياء المجلوبة لحرف جر زائد، وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، لأن أصله ما أنتم بمصرخين لي كما سيأتي في مباحث الصرف، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿كَفَرْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿بِمَا﴾: (الباء): حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾: فعل ماض مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير رفع متحرك، التاء ضمير لجماعة المخاطبين في محل الرفع فاعل، الميم: حرف دال على الجمع، الواو: حرف زائد لإشباع حركة الميم، والنون: نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَشْرَكْتُمُونِ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿كَفَرْتُ﴾، والتقدير: إني كفرت بإشراككم إياي بالله من قبل. ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة له وجملة الابتداء في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ إن قلنا: إنه من تمام كلام إبليس اللعين، أو مستأنفة إن قلنا: إنه من كلام الله. ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾. ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الوصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿جَنَّاتٍ﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿أُدْخِلَ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: متعلق به. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾، ولكنها سببية. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من اسم

стр. 6339

الموصول الواقع نائب فاعل لـ ﴿أُدْخِلَ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَلِدِينَ﴾. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أُدْخِلَ﴾. ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ضمير الغائبين. ﴿سَلَامٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو حال من مرفوع ﴿أدخل﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لمْ تَرَ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام تعجبي في محل النصب على الحال من المفعول الثاني الذي هو ﴿مَثَلًا﴾. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل بمعنى: صير يتعدى إلى مفعولين. ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان. ﴿كَلِمَةً﴾: مفعول أول، وأخرت عن المفعول الثاني، وهو ﴿مَثَلًا﴾، لئلا تبعد عن صفتها. ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةً﴾، والتقدير: ألم تر كيف صير كلمة طيبة مثلًا حالة كون ذلك المثل كيف؛ أي: حالة كونه مسؤولًا عن حاله من غرابته وإحكامه وتوضيحه، وجملة ﴿ضَرَبَ﴾: في محل النصب سادة مسد مفعولي رأى. ﴿كَشَجَرَةٍ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي؛ أي: الكلمة الطيبة كائنة كشجرة طيبة، والجملة الاسمية جملة مفسرة للمثل، لا محل لها من الإعراب. ﴿طَيِّبَةٍ﴾ مضاف إليه ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿شجرة﴾. ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها صفة لـ ﴿شجرة﴾. ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾. ﴿تُؤْتِي﴾: فعل مضارع بمعنى تعطي، وفاعله ضمير يعود على ﴿شَجَرَةٍ﴾. ﴿أُكُلَهَا﴾: مفعول ثان لأتى، والأول محذوف تقديره تؤتي أصحابها أكلها. ﴿كُلَّ حِينٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿تُؤْتِي﴾، وجملة ﴿تُؤْتِي﴾: في محل الجر صفة لـ ﴿شجرة﴾. ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُؤْتِي﴾. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة.

стр. 6340

﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾. ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿خَبِيثَةٍ﴾: صفة لـ ﴿كلمةٍ﴾. ﴿كَشَجَرَةٍ﴾: جار ومجرور خبر مبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿خَبِيثَةٍ﴾: صفة أولى لـ ﴿شجرة﴾. ﴿اجْتُثَّتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿شجرة﴾. ﴿مِن فَوْقِ اَلأَرضِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿شجرة﴾. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ قَرَارٍ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، والجملة الاسمية في محل الجر صفة لـ ﴿شجرة﴾، أو في محل النصب حال من الضمير في ﴿اجْتُثَّتْ﴾، وهذه الجملة بمنزلة التعليل. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾. ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِالْقَوْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُثَبِّتُ﴾. ﴿الثَّابِتِ﴾: صفة لـ ﴿القول﴾. ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُثَبِّتُ﴾ أيضًا. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُثَبِّتُ﴾. ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُثَبِّتُ﴾. ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يشاء، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ من عاد بمعنى صار؛ أي: لتصيرن داخلين في ملتنا، أصله لتعودونن، حذفت نون علامة الرفع لتوالي الأمثال وواو الجماعة لالتقاء الساكنين، فصار لتعودن، والملة: الدين والشريعة.

стр. 6341

﴿مَقَامِي﴾ والمقام: موقف الحساب. وفي "السمين": وفي ﴿مَقَامِي﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقحم، وهو بعيد، إذ الأسماء لا تقحم. الثاني: أنه مصدر مضاف للفاعل، قال الفراء: مقامي مصدر مضاف لفاعله؛ أي: قيامي عليه بالحفظ. الثالث: أنه اسم مكان، قال الزجاج: مكان وقوفه بين يدي للحساب، كقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾، والمقام - بفتح الميم -: مكان الإقامة، وبالضم فعل الإقامة. ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾؛ أي: وعيدي بالعذاب، أو عذابي الموعود للكفار على أن يكون الوعيد بمعنى الموعود. والخوف: غم يلحق لتوقع المكروه، والوعيد: الاسم من الوعد. ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾؛ أي: استنصروا الله تعالى ودعوا عليهم بالعذاب، من الاستفتاح استفعال من الفتح. وفي "القاموس": والفتح كالفِتاحة - بضم الفاء وكسرها -: الحكم بين الخصمين. اهـ. أي: طلبوا الفتح بالنصرة على الأعداء. ﴿وَخَابَ﴾؛ أي: هلك، وقيل: خسر. ﴿كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، والجبار: العاتي المتكبر عن طاعة الله، والعنيد: المعاند للحق المخالف له، وقيل: الجبار في صفة الإنسان، يقال لمن تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها، وهو صفة ذم في حق الإنسان. وقيل: الجبار الذي لا يرى فوقه أحدًا. وقيل: الجبار المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه. وقيل: العنيد هو المعوض عن الحق. وقيل: هو المعجب بما عنده، وهو فعيل بمعنى مفاعل؛ أي: بمعنى معاند، كالخليط بمعنى المخالط. اهـ. "كرخي". وقال الزجاج: العنيد الذي يعدل عن القصد، وبمثله قال الهروي، وقال أبو عبيد: هو الذي عند وبغى. ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾؛ أي (١): من بعده جهنم، والمراد بعد هلاكه، على أن

стр. 6342

وراء هنا بمعنى بعد، ومنه قول النابغة: حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيْبَةً ... وَلَيْس وَرَاءَ الله لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ أي: ليس بعد الله، ومثله قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾؛ أي: ومن بعده كذا، قال الفراء: وقيل: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾؛ أي: من أمامه. قال أبو عبيد هو من أسماء الأضداد، ومنه قول الشاعر: وَمِنْ وَرَائِكَ يَوْمٌ أَنْتَ بَالِغُهُ ... لاَ حَاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ وَلاَ بَادِيْ وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك، سواء كان خلفك أو قدامك. اهـ. ﴿صَدِيدٍ﴾: هو ما يسيل من جوف أهل النار مختلطًا بالقيح والدم. وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر. ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾؛ أي: يكلف (١) على جرعه وبلعه مرة بعد مرة، وتجرع من باب تفعل الخماسي، وفيه احتمالات: أحدها: أنه مطاوع جرعته بالتشديد، نحو علمته فتعلم. والثاني: أن يكون للتكلف نحو تحلم؛ أي: يتكلف جرعه، ولم يذكر الزمخشري غيره. ومعنى التكلف أن الفاعل يتعافى ذلك الفعل ليحصل بمعاناته، كتشجع، إذ معناه: استعمل الشجاعة وكلف نفسه إياها لتحصل. ذكره في "روح البيان". والثالث: أنه دال على المهلة نحو تفهمته؛ أي: يتناوله شيئًا فشيئًا بالجرع، كما يتفهم شيئًا فشيئًا بالتفهيم. والرابع: أنه بمعنى جرعه المجرد نحو: عدوت الشيء وتعديته. اهـ. "سمين". ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾؛ أي: ولا يقارب أن يسيغه فضلًا عن الإساغة، بل يغض به، والسواغ انحدار الشراب في الخلق بسهولة وقبول نفس، يقال: ساغ

стр. 6343

الشراب إذا جاز الخلق بسهولة، وقال بعض المفسرين: إن كاد هنا صلة، والمعنى: يتجرعه ولا يسيغه. اهـ. ﴿كَرَمَادٍ﴾ والرماد معروف، وهو ما سحقته النار من الأجرام، وجمعه في الكثرة رمد، وفي القلة على أرمد. اهـ. "سمين". وقال ابن عيسى (١): الرماد هو جسم يسحقه الإحراق سحق الغبار، ويجمع على رمد في الكثرة، وأرمدة في القلة، وشذ جمعه على أفعلاء، قالوا: أرمداء ورماد رمدد إذا صار هباء أرق ما يكون. ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ومعنى اشتدت به الريح، حملته بشدة وسرعة، والعصف: شدة الريح، وصف به زمانها مبالغة، كما يقال: يوم حار ويوم بارد، والحر والبرد فيهما لا منهما. ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾: جمع (٢): ضعيف، والضعف خلاف القوة، وقد يكون في النفس، وفي البدن، وفي الحال، وفي الرأي، والمناسب للمقام هو الأخير، فإنه لو كان في رأيهم قوة لما اتبعوهم في تكذيب الرسل والإعراض عن نصائحهم. ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾: جمع تابع، كخدم جمع خادم، وحرس جمع حارس، ورصد جمع راصد، وهو المستن بآثار من يتبعه؛ أي: تابعين لكم في تكذيب الرسل والإعراض عن نصائحهم مطيعين لكم فيما أمرتمونا به. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾؛ أي: دافعون عنا، يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع. ﴿أجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ الجزع (٣): عدم احتمال الشدة، وعدم الصبر على البلاء، وهو نقيض الصبر. قال الشاعر: جَزِعْتُ وَلَمْ أجْزَعْ مِنَ الْبَيْنِ مَجْزَعَا ... وَعَذَّبْتُ قَلْبًا بِالْكَوَاكِبِ مُوْلَعَا

стр. 6344

وفي "المصباح": وجزع الرجل جزعًا - من باب تعب - فهو جزع وجزوع مبالغة إذا ضعف من حمل ما نزل به، ولم يجد صبرًا وأجزع غيره. ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾؛ أي: من منجأ (١) ولا مهرب من عذاب الله، يقال: حاص فلان عن كذا؛ أي: فر وزاغ يحيص حيصًا وحيوصًا وحيصانًا، والمعنى: ما لنا وجه نتباعد به عن النار. وفي "المختار": حاص عنه إذا عدل وحاد، وبابه باع وحيوصًا ومحيصًا ومحاصًا وحيصًا بفتح الياء، يقال: ما عنه محيص؛ أي: محيد ومهرب، والانحياص مثله. اهـ. وهو يحتمل أن يكون مكانًا كالمبيت، ومصدرًا كالمغيب. ﴿وَعْدَ الْحَقِّ﴾؛ أي: وعدًا من حقه أن ينجز، أو وعدًا أنجزه. اهـ. "بيضاوي". وفي "السمين": يجوز أن يكون من إضافة الموصوف لصفته؛ أي: الوعد الحق، وأن يراد بالحق صفة الباري تعالى؛ أي: وعدكم الله تعالى وعده، وأن يراد بالحق البعث والجزاء على الأعمال، فتكون إضافة صريحة. اهـ. ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾؛ أي: أجبتموني، فالسين والتاء زائدتان ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ المصرخ (٢): المغيث. قال الشاعر: فَلاَ تَجْزَعُوْا إِنِّي لَكُمْ غَيْرَ مُصْرِخٍ ... وَلَيْسَ لَكُمْ عَنِّي غَنَاءٌ وَلاَ نَصْرُ والصارخ المستغيث، يقال: صرخ يصرخ صرخًا وصراخًا وصرخة. قال سلامة بن جندل: كُنَّا إِذَا مَا أَتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ ... كَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قَرْعُ الظَّنَابِيْبِ واصطرخ بمعنى صرخ وتصرخ إذا تكلف الصراخ، واستصرخ استغاث، فقال: استصرخني فأصرخته، والصريخ مصدر كالصهيل، ويوصف به المغيث والمستغيث من الأضداد. وفي "المصباح": صرخ يصرخ - من باب قتل - صراخًا فهو صارخ، وصريخ إذا صاح وصرخ، فهو صارخ إذا استغاث، واستصرخته، استغثت به فأغاثني فهو صريخ؛ أي: مغيث ومصرخ على القياس.

стр. 6345

﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أصله بمصرخين (١) لي جمع مصرخ، كمسلمين جمع مسلم، فياء الجمع ساكنة وياء الإضافة كذلك، فحذفت الام للتخفيف والنون للإضافة، فالتقى ساكنان وهما الياءان، فأدغمت ياء الجمع في ياء الإضافة، ثم حركت ياء الإضافة بالفتح على القراءة المشهورة طلبًا للخفة وتخلصًا من توالي ثلاث كسرات، وكسرت على غير المشهورة على أصل التخلص من التقاء الساكنين، أو اتباعًا لكسرة الخاء. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ المثل (٢): قول في شيء يشبه بقول في شيء آخر لما بينهما من المشابهة، ويوضح الأول بالثاني ليتم انكشاف حاله به. ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾؛ أي: ضارب بعروقه في الأرض ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾؛ أي: في جهة العلو، والفرع: الغصن من الشجرة، ويطلق على ما يولد من الشيء، والفرع أيضًا: الشعر، يقال: رجل أفرع وامرأة فرعاء لمن كثر شعره. وقال امرؤ القيس بن حجر: وَفَرْعٌ يُغَشِّي المَتْنَ أسوَدُ فَاحِمُ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾؛ أي: تعطي ثمرها. ﴿كُلَّ حِينٍ﴾؛ أي: كل وقت، والحين في اللغة (٣): الوقت يطلق على القليل والكثير واختلفوا في مقداره هنا، فقال مجاهد وعكرمة: الحين هنا: سنة كاملة؛ لأن النخلة تثمر في كل سنة مرة. وقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة أشهر يعني: من وقت طلعها إلى حين صرامها، وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا. وقال علي بن أبي طالب: ثمانية أشهر يعني: أن مدة حصلها باطنًا وظاهرًا ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر من حين ظهور حملها إلى إدراكها. وقال سعيد بن المسيب: شهران يعني: من وقت أن يؤكل منها إلى صرامها. وقال الربيع بن أمس: ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ يعني: كل غدوة وعشية؛ لأن ثمرة النخلة تؤكل أبدًا ليلًا ونهارًا صيفًا وشتاءً، فيؤكل منها الجمار

стр. 6346

والطلع والبلح والبسر والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى الطري الرطب، فأكلها دائم في كل وقت. اهـ. "خازن". ﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾؛ أي: بإرادة خالقها. ﴿اجْتُثَّتْ﴾؛ أي: استؤصلت وأخذت جثتها من الجث؛ وهو القطع باستئصال، فهو صفة لشجرة، ومعنى اجتثت، قلعت جثتها؛ أي: شخصها وذاتها من فوق الأرض، والجثة: شخص الإنسان قاعدًا وقائمًا. وقال لقيط الإياري: هو الجلاء الذي يجتث أصلكم ... فمن رأى مثل ذا آتٍ ومن سمعا ويقال (١): اجتثثت الشيء إذا قلعته، فهو افتعال من لفظ الجثة، وجثثت الشيء قلعته، والمعنى: على التشبيه؛ أي: كأنها اجتثت، وكأنها غير ثابتة بالكلية، وكأنها ملقاة على وجه الأرض. ﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾؛ أي: استقرار عليها يقال: قر الشيء قرارًا نحو ثبت ثباتًا. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ تسجيلًا عليهم باسم الظلم، فإن الشرك لظلم عظيم. ومنها: الذم في قوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ تسجيلًا (٢) عليهم باسم التجبر والعناد، لا أنهم بعضهم ليسوا كذلك، وأنه لم تصبهم الخيبة.

стр. 6347

ومنها: الإبهام ثم البيان في قوله: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ أبهم الماء أولًا، ثم بيَّن بالصديد تعظيمًا وتهويلًا لأمره، وتخصيصه بالذكر من بين عذابها يدل على أنه من أشد أنواعه. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾؛ أي: لا يقارب أن يسيغه ويبتلعه فضلًا عن الإساغة، بل يغص به. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾؛ لأنه مجاز عن أسبابه، ففيه إطلاق المسبب وإرادة السبب. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ﴾، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾. ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾؛ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد، شبه (١) الله صنائع الكفار - جمع صنيعه - من الصدقة وصلة الرحم وعتق الرقاب وفك الأسير وإغاثة الملهوف ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها وذهابها هباءً منثورًا لبنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى وتوحيده، وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف، ووجه الشبه أن الريح العاصف تطير الرماد، وتفرق أجزائه بحيث لا يبقى له أثر، فكذلك كفرهم أبطل أعمالهم وأحبطها بحيث لا يبقى لها أثر، وقد بين مقصوده ومحصله بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾؛ لأن العصف اشتداد الريح وصف به زمانه للمبالغة كقولهم: نهاره صائم وليله قائم. ومنها: فذلكة التمثيل والتشبيه في قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ لأن العصف اشتداد الريح وُصف به زمانه للمبالغة كقولهم: نهاره صائم وليله قائم.

стр. 6348

ومنها: فذلكة التمثيل والتشبيه في قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ فأسند البعد الذي هو من أحوال الضال إلى الضلال الذي هو فعله مجازًا مبالغة. ومنها: الطباق في قوله: ﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾. ومنها: إيثار (١) صيغة الماضي في قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وإن كان معناه الاستقبال؛ للدلالة على تحقق وقوعه؛ لأن كل (٢) ما أخبر الله عنه فهو حق وصدق كائن لا محالة، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود، وكذا في قوله: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ﴾ دلالة على أن وقوعه محقق. ومنها: الطباق بين ﴿الضُّعَفَاءُ﴾ و ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾. ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾. ومنها: الطباق في ﴿جَزِعْنَا﴾ و ﴿صَبَرْنَا﴾. ومنها: إيثار صيغة الماضي في قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ﴾ وإن كان معناه مستقبلًا. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾. ومنها: التجوز في قوله: ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾؛ لأن الإخلاف (٣) حقيقة هو عدم إنجاز من يقدر على إنجاز وعده، وليس الشيطان كذلك، فقوله: ﴿أخلفتكم﴾، يكون مجازًا جعل تبين خلف وعده كالإخلاف منه، كأنه كان قادرًا على إنجازه، وأنى له ذلك. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ شبه طاعته باتباعه فيما زينه

стр. 6349

لهم بإشراكه مع الله بجامع الاتباع في كل على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية كما في "الشهاب". ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. ومنها: الاستفام التعجبي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وقوله: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾. ومنها: الطباق في قوله: ﴿أَصْلُهَا﴾، ﴿وَفَرْعُهَا﴾، وفي ﴿طَيِّبَةٍ﴾، ﴿خَبِيثَةٍ﴾. ومنها تغيير (١) الأسلوب في قوله: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ .. الخ. حيث لم يقل: وضرب الله مثلًا كلمة خبيثة .. الخ للإيذان بأن ذلك غير مقصود بالضرب والبيان. اهـ. "أبو السعود". ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ حيث شبه النجم؛ وهو ما لا ساق له بالشجر، وهو ما له ساق بجامع أن كلًّا منهما نبات، فاستعار له اسم الشجر، وقيل: تسميتها شجرة للمشاكلة. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾. ومنها: الإظهار (٢) في مقام الإضمار في قوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ وفي قوله: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ﴾ لتربية المهابة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6350

قال الله سبحانه جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمّا ذكر (١) حال المؤمنين وهداهم، وحال الكافرين وإضلالهم .. ذو السبب في إضلالهم. وعبارة "المراغي" هنا: مناسبتها لما قبلها؛ أن الله لما ذكر (٢) الأمثال بيانًا لحالي الفريقين، وذكر ما يليه من التوفيق في الدارين

стр. 6351

للسعداء، وما ينال الأشقياء من الخذلان والإضلال جزاء ما كسبت أيديهم من تدسيتهم لأنفسهم باجتراحهم للشرور والآثام، وبين أن كل ذلك يفعله على حسب ما يرى من الحكمة والمصلحة .. ذكر (١) هنا الأسباب التي أوصلتهم إلى سوء العاقبة معجبًا رسوله ﷺ مما صنعوا من الأباطيل التي لا تكاد تصدر ممن له حظ من الفكر والنظر، ولم تكن هذه الطامة خاصة بهم، بل كانت فتنة شعواء عمتهم جميعًا ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. ذاك أنهم بدلوا النعمة كفرًا، والشكر جحدًا، وإنكارًا، وليت البلية كانت واحدة، بل أضافوا إليها أخرى، فاتخذوا لله الأنداد والشركاء، ثم تلبثوا بضلال غيرهم، فكانوا دعاة الكفر وأعوان الفتنة: فَلَوْ كَانَ هَمٌّ وَاحِدٌ لاحْتَمَلْتُهُ ... وَلَكِنَّهُ هَمٌّ وَثَانٍ وَثَالِثُ ومن ثم كانت عاقبتهم التي لا مرد لها العذاب الأليم في جهنم وبئس المصير، ثم بين لرسوله ﷺ أن مثل هؤلاء لا تجدي فيه العظة، فذرهم يتمتعوا في هذه الحياة حتى حين، ثم لا بد لهم من النصيب المحتوم. قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٢): أنه لما ذكر حال الكفار وكفرهم نعمته، وجعلهم له أندادًا، وهددهم .. أمر المؤمنين بلزوم الطاعة والتيقظ لأنفسهم، وإلزام عمودي الإِسلام: الصلاة والزكاة قبل مجيء يوم القيامة. وعبارة المراغي هنا (٣): بعد أن أمر الله الكافرين على سبيل الوعيد والتهديد بالتمتع بنعيم الدنيا .. أمر عباده المؤمنين بعدم المغالاة في التمتع بها، والجد في مجاهدة النفس والهوى ببذل النفس والمال في كل ما يرفع شأنهم ويقربهم من ربهم، وينيلهم الفوز لديه في يوم لا تنفع فيه فدية ولا صداقة ولا خلة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.

стр. 6352

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر أحوال الكافرين لنعمه حين بدلوا الشكر بالكفر، واتخذوا لله أندادًا، فكان جزاؤهم جهنم وبئس المهاد، ثم أمر المؤمنين بإقامة شعائر الدين من صلاة وزكاة شكرًا لربهم على ما أوتوا من النعم، وحثًّا لهم على الجهاد في سبيل كمالهم ورقيهم، ببذل النفس والنفيس، وهو المال لتكمل لهم السعادة في الدارين .. شرع بذكر الأدلة المنصوبة في الآفاق والأنفس التي توجب على عباده المثابرة على شكره ودوام الطاعة له، ويذكر النعم الجسام التي يتقلبون في أعطافها آناء الليل وأطراف النهار؛ ليكون في ذلك حث لهم على التدبر فيما يأتون وفيما يذرون، وفيه عظيم الدلالة على وجوب شكر الصانع لها، كما فيه أشد التقريع للكافرين الذين أعرضوا عن النظر والتفكر في تلك النعم، فكان هذا داعية كفرها وجحودها وغمطها وكنودها. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما ذكر (١) الأدلة على أن لا معبود سواه، وأنه لا يجوز بحال أن يعبد غيره، وطلب إلى رسوله أن يعجب من حال قومه إذ بدلوا نعمة الله كفرًا وعبدوا الأوثان والأصنام .. ذكر هنا أن الأنبياء جميعًا حثوا على ترك عبادة الأصنام، فإبراهيم صلوات الله عليه وسلامه؛ وهو أبوهم نعى على قومه عبادتها، وطلب إلى الله أن يجنبه وبنيه ذلك، فإنها كانت سببًا في ضلال كثير من الناس، وشكر الله على أن وهب له على كبره ولديه إسماعيل وإسحاق، ثم ختم مقاله بأن يغفر له ولوالديه وللمؤمنين ذنوبهم عند العرض والحساب. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ...﴾ الآيات، قال أبو حيان: مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أنه تعالى لما ذكر التعجيب من الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وجعلوا لله أندادًا؛ وهم قريش ومن تابعهم من العرب الذين

стр. 6353

اتخذوا آلهة من دون الله، وكان عن نعم الله عليهم، وإسكانه إياهم حرمه ... أردف ذلك بذكر أصلهم إبراهيم، وأنه صلوات الله عليه دعا الله تعالى أن يجعل مكة آمنة، ودعا بأن يجنب بنيه عبادة الأصنام، وأنه أسكنه وذريته في بيته ليعبدوه وحده بالعبادة التي هي أشرف العبادة، وهي الصلاة لينظروا في دين أبيهم، وأنه مخالف لما ارتكبوه من عبادة الأصنام، فيزدجروا ويرجعوا عنها. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن عطاء بن يسار قال (١): نزلت هذه الآية في الذين قتلوا يوم بدر قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ ...﴾ الآية. وقد ذهب (٢) جمهور المفسرين إلى أن الآية نزلت في كفار مكة، وقيل: نزلت في الذين قاتلوا رسول الله ﷺ يوم بدر، وقيل: نزلت في بطنين من بطون قريش بني مخزوم وبني أمية، وقيل: إنها عامة في جميع المشركين، وقيل غير ذلك. التفسير وأوجه القراءة ٢٨ - والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام تعجيب لرسول الله ﷺ ، أو لكل مخاطب، والخطاب فيه لرسول الله ﷺ ، أو لكل من يصلح له؛ أي: هل رأيت يا محمد عجبًا مثل عجب هؤلاء المذكورين؛ أي: ألم تنظر يا محمد ﴿إِلَى﴾ حال الكفار ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أي: جعلوا بدل شكر نعمة الله التي هي إرسال محمد ﷺ إليهم ﴿كُفْرًا﴾؛ أي: جحدًا وتكذيبًا له، وشكرها الإيمان به ﷺ في جميع ما جاء به، وهم أهل مكة حيث أسكنهم الله حرمه الآمن، ووسع عليهم أبواب رزقه، وشرفهم بمحمد ﷺ ، فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين، فقتلوا وأسروا يوم بدر؛ لأن (٣) شكرها الذي وجب عليهم وضعوا مكانه كفرًا، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر، وبدلوه تبديلًا ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الذين تابعوهم على الكفر

стр. 6354

وأنزلوهم ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾؛ أي: دار الهلاك جهنم: عطف بيان ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾؛ أي: يقاسون حرها؛ أي: حالة كونهم يدخلونها يوم القيامة مقاسين لحرها؛ أي: أنزل (١) بعض قريش المطمعون يوم بدر - وهم بنو أمية وبنو المغيرة - أتباعهم، وهم بقية قريش بسبب إضلالهم إياهم وإرشادهم إلى طريقة الشرك دار الهلاك التي هي جهنم يوم القيامة حالة كون كلهم من الأتباع والمتبوعين يدخلون جهنم مقاسين لحرها كفاء ضلالهم وإضلالهم، وعدم (٢) التعرض لحلولهم لدلالة الإحلال عليه، إذ هو فرعه ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾؛ أي: وقبح المستقر والمنزل لهم يوم القيامة، والمخصوص بالذم جهنم دارًا لهم. والمعنى: أي ألم (٣) تعلم وتعجب من قوم بدلوا شكر النعمة غمطًا لها، وجحودًا بها كأهل مكة الذين أسكنهم الله حرمًا آمنًا يجبي إليه ثمرات كل شيء، وجعلهم قوام بيته، وشرفهم بإرسال رسوله محمد ﷺ من بينهم، فكفروا بتلك النعمة، فأصابهم الجدب والقحط سبع سنين دأبًا، وأسروا يوم بدر وصفدوا في السلاسل والأغلال، وقتل منهم العدد العديد من صناديدهم ورجالاتهم ممن كانوا يضنون بهم ويحتفظون بمواضيعهم ليوم كريهة وسداد ثغر. ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾؛ أي: وأحلوا من شايعهم على الكفر دار الهلاك الذي لا هلاك بعده. ٢٩ - ثم بين هذه الدار، فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾؛ أي: هذه الدار هي جهنم دار العذاب التي يقاسون حر نارها وبئس المستقر هي لمن أراد الله به النكال والوبال، ٣٠ - وقوله: ﴿وَجَعَلُوا﴾ عطف على ﴿أحل﴾ داخل معه في حكم التعجب؛ أي: جعلوا في اعتقادهم الباطل وزعمهم الفاسد ﴿لِلَّهِ﴾ الفرد الأحد الذي لا شريك له في الأرض ولا في السماء ﴿أَنْدَادًا﴾؛ أي: أشباهًا في التسمية حيث سموا الأصنام آلهة، أو في العبادة، أو في الربوبية ﴿لِيُضِلُّوا﴾ قومهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ القويم الذي هو التوحيد، ويوقعوهم في ورطة الكفر والضلال، وليس الإضلال (٤) غرضًا

стр. 6355

حقيقيًّا لهم من اتخاذ الأنداد، ولكن لما كان نتيجة له كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني نتيجة المجيء شبه بالغرض، وأدخل اللام عليه بطريقة الاستعارة التبعية، ونسب الإضلال الذي هو فعل الله تعالى إليهم؛ لأنهم سبب الضلالة حيث يأمرون بها ويدعون إليها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (١): ﴿لِيُضِلُّوا﴾ هنا، و ﴿ليضل﴾ في الحج ولقمان والروم بفتح الياء؛ أي: ليضلوا بأنفسهم عن سبيل الله، وتكون اللام للعاقبة؛ أي: ليتعقب جعلهم لله أندادًا ضلالهم؛ لأن العاقل لا يريد ضلال نفسه. وقرأ باقي السبعة بضمها؛ أي: ليوقعوا قومهم في الضلال عن سبيل الله، فهذا هو الغرض من جعلهم لله أندادًا. والمعنى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾؛ أي (٢): واتخذوا لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي ليس له كفوًا أحد أندادًا وشركاء من الأصنام والأوثان أشركوهم به في العبادة، كما قالوا في الحجّ: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: لتكون عاقبة أمر الذين شايعوهم على ضلالهم الصد والإعراض عن سبيله القويم ودينه الحنيف، والوقوع في حمأة الكفر والضلال. ولما حكى الله عنهم هذه الهنات الثلاث تبديل النعمة واتخاذ الأنداد والأمثال وإضلال قومهم، ٣١ - أمر نبيه ﷺ أن يقول لهم على سبيل التهديد والوعيد: سيروا على ما أنتم عليه، فإنه لا فائدة في نصحكم وإرشادكم وعاقبتكم النار بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد تهديدًا لهؤلاء الضالين المضلين ﴿تَمَتَّعُوا﴾؛ أي (٣): انتفعوا والتذوا بما أنتم عليه من الشهوات التي من جملتها كفران النعم العظام، وعبادة الأوثان والأصنام، والسعي في إضلال الناس والصد عن سبيله. ثم بين جزاءهم المحتوم، فقال: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ﴾ يوم القيامة؛ أي: إن مرجعكم وموثلكم فيه ﴿إِلَى النَّارِ﴾ المؤبدة ليس إلا، فلا بد لكم من تعاطي ما يوجب ذلك، أو يقتضيه من أحوالكم، كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى

стр. 6356

عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾. وسمى الله تعالى ذلك تمتعًا (١)؛ لأنهم تلذذوا به، وأحسوا بغبطة وسرور، كما يتلذذون بالمشتهيات من النعم، وهذا الأسلوب التهكمي يستعمل في التخاطب كثيرًا، فترى الطبيب يأمر مريضه بالاحتماء من بعض ما يضره ويؤذيه، ثم لا يرى منه إلا تماديًا في الإعراض عن أوامره واتباعًا لشهواته، فيقول له: كل ما تريد، فإن مصيرك إلى الموت، وما مراده من ذلك إلا التهديد ليرتدع ويقبل ما يقول، وكما يقال لمن سعى في مخالفة السلطان، إصنع ما شئت، فإن مصيرك إلى السيف. ودلت الآيتان على أمور: الأول: أنَّ الكفران سبب لزوال النعمة بالكلية، كما أن الشكر سبب لزيادتها. والثاني: أنَّ القرين السوء يجر المرء إلى النار، ويحله دار البوار، فينبغي للمؤمن المخلص السني أن يجتنب عن صحبة أهل الكفر والنفاق والبدعة حتى لا يسرق طبعه اعتقادهم السوء وعملهم السيء. ولهم كثرة في هذا الزمان. والثالث: أن جهنم دار القرار للأشرار، وشدة حرها مما لا يوصف. وبعد أن هدد الكفار على انغماسهم في اللذات أمر نبيه ﷺ أن يأمر خُلَّصَ عباده بإقامة العبادات البدنية، وأداء الفرائض المالية، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: أقيموا (٢) الصلاة الواجبة على وجهها وأدوها كما طلب ربكم، وداوموا عليها، فهي عماد الدين وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي المصباح للمؤمن يستضيء به للقرب من ربه. و ﴿عبادي﴾ يقرأ بثبوت الياء مفتوحة وبحذفها لفظًا لا خطأ، والقراءتان

стр. 6357

سبعيتان، ويجريان في خمس مواضع من القرآن هذا، وقوله في سورة "الأنبياء": ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ وقوله في "العنكبوت": ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾، وقوله في "سبأ": ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وقوله في سورة "الزمر": ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. اهـ. "شيخنا". ﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: وتصدقوا بعض ما أعطيناكم من الرزق والعطاء، وأدوا الزكاة الواجبة شكرًا له على نعمه الجزيلة، ورأفةً بعباده الفقراء، وسدًّا لخلتهم، وإيجادًا للتضامن والتعاون بين الأخوة في الدين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ﴿سِرًّا﴾؛ أي: خفية ﴿وَعَلَانِيَةً﴾؛ أي: جهرًا؛ أي: أنفقوها إنفاق سر وخفية في صدقة التطوع، وإنفاق جهر وعلانية في صدقة الواجب. قيل: أراد (١) بهذا الإنفاق إخراج الزكاة الواجبة، وقيل: أراد به جميع الإنفاق في جميع وجوه الخير والبر، وحمله على العموم أولى؛ ليدخل فيه إخراج الزكاة والإنفاق في جميع وجوه البر، والمراد: حث المؤمنين على الشكر لنعم الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية، وعلى ترك التمتع بمتاع الدنيا، كما هو صنيع الكفرة، وإنما خصهم (٢) بالإضافة تنويهًا لهم وتنبيهًا على أنهم المقيمون لحقوق العبودية. وهذان الفعلان (٣): إما مجزومان في جواب أمر محذوف؛ أي: قل لهم أقيموا الصلاة، فإن قلت لهم ذلك .. يقيموا الصلاة، أو مجزومان بلام أمرٍ مقدر؛ أي: ليقيموا الصلاة؛ أي: الواجبة. قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ قال في "الإرشاد": الظاهر أن ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿يُنْفِقُوا﴾ ﴿يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ فيبتاع المقصر ما يتلافى تقصيره به، وتخصيص (٤) البيع بالذكر؛ لاستلزام نفيه نفي الشراء ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ فيه؛ أي: ولا مخالة وصداقة فيه، فيشفع له خليل، والمراد بالمخالة المنفية: المخالة بسبب

стр. 6358

ميل الطبع ورغبة النفس، فلا يعارض قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾؛ لأن الواقع فيما بينهم المخالة لله، أو من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة، وإنما ينتفع فيه بالطاعة التي من جملتها إقامة الصلاة والإنفاق لوجه الله تعالى وادخار المال، وترك إنفاقه إنما يقع غالبًا للتجارات والمهاداة، فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة، فلا وجه لادخاره إلى وقت الموت. والمعنى (١): أن يوم القيامة لا بيع فيه حتى يفتدى المقصر في العمل نفسه من عذاب الله بدفع عوض عن ذلك، وليس هناك مخاللة حتى يشفع الخليل لخليله، وينقذه من العذاب، فأمرهم سبحانه بالإنفاق في وجوه الخير مما رزقهم ما داموا في الحياة الدنيا قادرين على إنفاق أموالهم من قبل أن يأتي يوم القيامة، فإنهم لا يقدرون على ذلك، بل لا مال لهم إذ ذاك، فالجملة أعني (٢): ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ لتأكيد مضمون الأمر بالإنفاق مما رزقهم الله تعالى، ويمكن أن يكون فيها أيضًا تأكيد لمضمون الأمر بإقامة الصلاة، وذلك لأن تركها كثيرًا ما يكون بسبب الاشتغال بالبيع ورعاية حقوق الأخلاء. والخلاصة (٣): وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه فدية، ولا تجدي فيه صداقة، فلا يشفع خليل لخليل، ولا يصفح عن عقابه لمخالته لصديقه، بل هناك العدل والقسط، كما قال ﷻ : ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقال أيضًا: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾. ٣٢ - ولما (٤) أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء، كان حصول السعادة بمعرفة الله وصفاته، والشقاوة بالجهل بذلك .. ختم وصفه بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ

стр. 6359

السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ وذكر عشرة أنواع من "الدلائل" فذكر أولًا إبداعه وإنشاءه السماوات والأرض، ثم أعقب بباقي الدلائل وأبرزها في جملة مستقلة، ليدل وينبه على أن كل جملة منها مستقلة في الدلالة، ولم يجعل متعلقاتها معطوفات عطف المفرد على المفرد. وفي "الفتوحات" (١): ذكر لهذا الموصول سبع صلات تشتمل على عشرة أدلة على وحدانية الله تعالى، ولفظ الجلالة مبتدأ، أو الموصول خبره. والمعنى: الله الذي يستحق منكم العبادة هو الإله الذي أبدع واخترع وأوجد السماوات السبع على غير مثال سبق، وأوجد ما فيها من الأجرام العلوية، وخلق الأرض وما فيها من المخلوقات، وقدم السماوات على الأرض؛ لأنها بمنزلة الذكر من الأنثى، وبدأ بذكر خلق السماوات والأرض؛ لأنهما أعظم المخلوقات الشاهدة الدالة على وجود الصانع المختار القادر الحكيم. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب، فإن كل ما علاك سماء، أو من الفلك، فإن المطر منه يبتدىء إلى السحاب، ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه ظواهر النصوص، وهذا القول أرجح عند بعضهم؛ لأن الله تعالى زاد بيان نعمه على عباده، فبين أولًا خلق السماوات والأرض، ثم أشار إلى ما فيها من كليات المنافع، لكنه قدم وأخر كتأخير تسخير الشمس والقمر؛ ليدل على أن كلا من هذه النعم نعمة على حدة، ولو أريد السحاب لم يوجد التقابل التام وأيًّا ما كان، فـ ﴿مِنَ﴾ ابتدائية ﴿مَاءً﴾؛ أي: نوعًا من أنواع الماء، وهو المطر، فتنكير الماء هنا للنوعية ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾؛ أي: فأنبت بذلك الماء الذي أودع فيه القوة الفاعلية، كما أنه أودع في الأرض القوة القابلية ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ المتنوعة ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ يا بني آدم تعيشون به، وهو بمعنى المرزوق شامل للمطعوم والملبوس، وهو مفعول به لـ ﴿أخرج﴾ و ﴿من﴾ للتبيين حال منه، كقولك: أنفقت من الدراهم ألفًا؛ أي: رزقًا هو الثمرات، و ﴿لَكُمْ﴾ صفة له. وقيل: للتبعيض؛ لأن الثمرات منها ما هو رزق لبني آدم، ومنها ما ليس برزق لهم، وهو ما لا يأكلونه ولا ينتفعون به، كأنه قيل: أنزل من

стр. 6360

السماء بعض الماء، فأخرج به بعض الثمرات؛ ليكون بعض رزقكم. والمعنى (١): الله الذي خلق لكم السماوات والأرض هنا أكبر خلقًا منكم، وفيهما من المنافع لكم ما تعلمون وما لا تعلمون وتقدم تفصيل هذا في مواضع متعددة من كتابه الكريم، وأنزل من السماء غيثًا أحيا به الشجر والزرع، فأثمرت لكم رزقًا تأكلون منه وتعيشون به. ولما ذكر (٢) الله إنعامه بإنزال المطر وإخراج الثمر، لأجل الرزق والانتفاع به من ذكر نعمته على عباده بتسخير السفن الجارية على الماء؛ لأجل الانتفاع بها في جلب ذلك الرزق الذي هو الثمرات وغيرها من بلد إلى بلد آخر فهي من تمام نعمة الله على عباده، فقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾؛ أي: وذلل لكم السفن - جمع ذلك بمعنى سفينة - بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك ﴿لِتَجْرِيَ﴾؛ أي: تلك الفلك والسفن ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بإرادته إلى حيث توجهتم وانطوى (٣) في تسخير الفلك تسخير البحار وتسخير الرياح. وفي "أنوار المشارق": يجوز ركوب البحر للرجال والنساء عند غلبة السلامة، كذا قال الجمهور، وكره ركوبه للنساء؛ لأن الستر فيه لا يمكنهن غالبًا ولا غض البصر عن المتصرفين فيه، ولا يؤمن من انكشاف عوراتهن في تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن إلى قضاء الحاجة بحضرة الرجال. والمعنى: أي وذلل لكم السفن بأن أقدركم على صنعها وجعلها طافية على وجه الماء تجري عليه بأمره تعالى، وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها المسافات الشاسعة من إقليم إلى إقليم؛ لجلب ما هناك إلى هنا ونقل ما هنا إلى هناك ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾؛ أي: المياه العظيمة الجارية في الأنهار العظام تشق الأرض شقًّا من قطر إلى قطر، وتسخيرها: جعلها معدة لانتفاعكم بها حيث تشربون منها، وتتخذون منها جداول تسقون بها زروعكم وحدائقكم وما أشبه ذلك. ولما (٤) كان ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزرع والثمرات ولا في الشراب أيضًا .. ذكر نعمته على عباده في تسخير الأنهار، وتفجير العيون؛ لأجل

стр. 6361

هذه الحاجة، فهو من أعظم نعم الله على عباده. قال في "بحر العلوم": اللام فيها للجنس أو للعهد أشير بها إلى خمسة أنهار: سيحون: نهر الهند، وجيحون: نهر بلخ، ودجلة والفرات: نهري العراق، والنيل: نهر مصر، أنزلها الله تعالى من عين واحدة من عيون الجنة، فاستودعها الجبال، وأجراها في الأرض، وسخرها للناس، وجعل فيها منافع لهم في أصناف معاشهم، وسائر الأنهار تبع لها، وكأنها أصولها. انتهى. ٣٣ - ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ حالة كونهما ﴿دَائِبَيْنِ﴾؛ أي: دائمين في الحركة متصلين في سيرهما لا ينقطعان ولا يفتران؛ أي: لا يضعفان بسبب سيرهما في فلكهما ومقرهما: وهو السماء الرابعة للشمس، وسماء الدنيا للقمر إلى انقضاء عمر الدنيا وقيام الساعة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ وقال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. والمعنى: وسخر لكم الشمس والقمر حالة كونهما دائبين؛ أي (١): مجدين في سيرهما وإنارتهما ودرئهما الظلمات، وإصلاحهما يصلحان الأرض والأبدان والنبات، لا يفتران أصلًا، ويفضل الشمس على القمر؛ لأن الشمس معدن الأنوار الفلكية من البدور والنجوم، وأصلها في النورانية، وأن أنوارهم مقتبسة من نور الشمس على قدر تقابلهم وصفوة أجرامهم. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان بالزيادة والنقصان؛ والإضاءة والإظلام، والحركة والسكون فيما، فالنهار لسعيكم في أمور معاشكم وما تحتاجون إليه في أمور دنياكم، ولإنضاج الثمار، والليل لتسكنوا فيه ولعقد الثمار، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارضان، فتارة يأخذ هذا من

стр. 6362

ذلك، فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا، فيقصر، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾. واختلفوا في الليل والنهار أيهما أفضل (١). قال بعضهم: قدم الليل على النهار؛ لأن الليل لخدمة المولى، والنهار لخدمة الخلق، ومعارج الأنبياء ﵈ كانت بالليل، ولذا قال الإِمام النيسابوري: الليل أفضل من النهار. ٣٤ - ولما ذكر (٢) الله النعم العظام التي أنعم الله بها على عباده وسخرها لهم .. بين بعد ذلك أنه تعالى لم يقتصر على تلك النعم، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها العد والحصر: حيث قال: ﴿وَآتَاكُمْ﴾؛ أي: وأعطاكم مصلحة لكم ﴿مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾؛ أي: بعض جميع ما سألتموه، فإن الموجود من كل صنف بعض ما قدره الله تعالى، فـ ﴿من﴾ للتبعيض. وقال الأخفش (٣): أي أعطاكم من كل مسؤول سألتموه شيئًا، فحذف شيئًا، وقيل: المعنى: وآتاكم من كل ما سألتموه ومن كل ما لم تسألوه، فحذفت الجملة الأخرى. قاله ابن الأنباري، وقيل: ﴿من﴾ زائدة؛ أي: آتاكم كل ما سألتموه. وقيل: للتبعيض؛ أي: آتاكم بعض كل ما سألتموه. وقرأ ابن عباس والضحاك والحسن ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في رواية (٤): ﴿من كلٍ﴾ - بالتنوين - وهي شاذة؛ أي: من كل هذه المخلوقات المذكورات، و ﴿ما﴾ موصولة مفعول ثان؛ أي: ما شأنه أن يسأل بمعنى يطلب الانتفاع به؛ أي: آتاكم من كل شيء الذي سألتموه. ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ نافية؛ أي: آتاكم من جميع ذلك حال كونكم غير سائلين له. والمعنى: أي هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم من كل

стр. 6363

الذي هو حقيق أن تسألوه، سواء أسألتموه أم لم تسألوه؛ لأن هذه الدنيا قد وضع الله تعالى فيها منافع يجهلها الناس، وهي معدة لهم، فلم يسأل الله أحد في الأمم الماضية أن يعطيهم الطائرات والمغناطيس والكهرباء، بل خلقها وأعطاها للناس بالتدريج، ولم يزل عجائب ستظهر لمن بعدها. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ التي أنعم بها عليكم بسؤال وبغيره ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾؛ أي: لا تطيقوا حصرها (١) وعدها ولو إجمالًا لكثرتها وعدم نهايتها. وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة. وأصل الإحصاء أن الحساب كان إذا بلغ عقدًا معينًا من عقود الأعداد وضعت له حصاة ليحفظ بها، ثم استؤنف العدد. والمعنى: لا توجد له غاية فتوضع له حصاة. والنعم على قسمين: نعمة المنافع؛ لصحة البدن والأمن والعافية، والتلذذ بالمطاعم والمشارب والملابس والمناكح والأموال والأولاد، ونعمة دفع المضار من الأمراض والشدائد، والفقر والبلاء، وأجل النعم استواء الخلقة، وإلهام المعرفة. والمعنى: أي (٢) لا تطيقوا عد أنواعها فضلًا عن القيام بشكرها وفي "صحيح البخاري" أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم لك الحمد غير مكفي، ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا". وأثر عن الشافعي أنه قال: الحمد لله الذي لا يؤدِّي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها. وقال شاعرهم: لَوْ كَانَ جَارِحَةٌ مِنِّي لَهَا لُغَةٌ ... تُثْنِي عَلَيْكَ بِمَا أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ لَكَانَ مَا زَادَ شُكْرِيْ إِذْ شَكَرْتُ بِهِ ... إِلَيْكَ أبْلَغَ في الإِحْسَانِ وَالْمِنَنِ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: إن جنس الإنسان ﴿لَظَلُومٌ﴾؛ أي (٣): لبليغ في الظلم يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو بوضعها في غير موضعها، أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان. ﴿كَفَّارٌ﴾؛ أي: شديد الكفران لها، أو ظلوم في الشدة

стр. 6364

يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع، واللام في الإنسان للجنس. والمعنى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾؛ أي: إن الإنسان الذي بدل نعمة الله كفرًا لشاكر غير من أنعم عليه، فهو بذلك واضع للشكر في غير موضعه ذاك أن الله هو الذي أنعم عليه بما أنعم واستحق إخلاص العبادة له، فعبد هو غيره، وجعل له أندادًا ليضل عن سبيله، وذلك هو ظلمه وهو جحود لنعمه التي أنعم بها عليه، لصرفه العبادة إلى غير من أنعم بها عليه، وتركه طاعة من أنعم عليه. فإن قلت (١): لم ختم الآية هنا بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ وختمها في سورة النحل بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فما الفرق بين الختمين؟ قلتُ: إن الله لما قدم هنا قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ وذكر بعده: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ فكان ذلك نصًّا على ما فعلوا من القبائح من كفران النعمة والظلم الذي هو الشرك بجعل الأنداد له تعالى .. ناسب أن يختم الآية هنا بذم من وقع ذلك منه، فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. وأما في النحل، فلما ذكر عدة تفضلات وأطنب فيها، وقال بعد ذلك: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾؛ أي: أفمن أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن لا يقدر على الخلق، وعلى كل شيء منه .. ناسب أن يذكر هنا وهناك من تفضلاته اتصافه بالعذاب والرحمة تحريضًا على الرجوع إليه، وأن هاتين الصفتين هو متصف بهما، كما هو متصف بالخلق، ففي ذلك إطماع لمن آمن به، وانتقل من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق في أنه يغفر زلَلَه السابق، ويرحمه. ذكره أبو حيان. ٣٥ - ﴿و﴾ اذكر يا محمد لقومك مذكرًا لهم بأيام الله قصة ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ الخليل ﵇ في مناجاته لربه حين فرغ من بناء البيت ﴿رَبِّ﴾ المحسن إلي بإجابة دعائي ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ مكة المشرفة بلدًا ﴿آمِنًا﴾؛ أي: ذا أمن

стр. 6365

يأمن فيه أهله بحيث لا يخاف فيه من المخاوف والمكاره، كالقتل والغارة والأمراض المنفرة من البرص والجذام ونحوهما، فإسناد الأمن إلى البلد مجاز؛ لوقوع الأمن فيه، وإنما الآمن في الحقيقة أهل البلد. والغرض من سياق ما قاله إبراهيم ﵇ في هذا الموضع (١): بيان كفر قريش بالنعم الخاصة بهم وهي إسكانهم مكة بعد ما بين كفرهم بالنعم العامة، وقيل: إن ذكر قصة إبراهيم ها هنا لمثال الكلمة الطيبة وقيل: لقصد الدعاء إلى التوحيد وإنكار عبادة الأصنام. وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفزغ الإنسان لشيء آخر من أمور الدين والدنيا. فإن قلت (٢): لم قال في سورة البقرة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ بالتنكير وقال هنا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ بالتعريف، فأي فرق بين الموضعين؟ قلتُ: الفرق بينهما أنه سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن فيها أهلها ولا يخافون، وذلك قبل بناء البيت حين وضع هاجر وإسماعيل في مكان البيت، وسأل في الثاني أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن كأنه قال: وهو بلد مخوف، فاجعله آمنًا، وذلك بعد بناء البيت. والحاصل: أن هذا الدعاء وقع مرتين (٣) مرة قبل بنائها ومرة بعده، ولذلك كتب الكرخي في سورة البقرة ما نصه: ونكر البلد هنا وعرّفه في إبراهيم؛ لأن الدعوة هنا كانت قبل جعل المكان بلدًا، فطلب من الله أن يُجعل ويُصيَّرَ بلدًا آمنًا، وهناك كانت الدعوة بعد جعله بلدًا. والخلاصة: أن الفرق بين ما هنا وما هنالك أن المطلوب هنا مجرد الأمن للبلد، والمطلوب هنالك البلدية والأمن. وقد أجاب الله تعالى دعاءه، فجعله حرمًا لا يسفك فيه دم، ولا يظلم فيه أحد، ولا يصاد صيده، ولا يختلى خلاه،

стр. 6366

كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ﴾. ﴿وَاجْنُبْنِي﴾ يا رب؛ أي: باعدني ﴿و﴾ باعد ﴿بَنِيَّ﴾ وذريتي عن ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ والأوثان؛ أي: ثبتنا على ما نحن عليه من التوحيد وملة الإِسلام، والبعد عن الأصنام، وقد استجيب دعاؤه في بعض بنيه دون بعض ولا ضير في ذلك. قيل: أراد (١) بنيه من صلبه، وكانوا ثمانية، وقيل: أراد من كان موجودًا حال دعوته من بنيه وبني بنيه، وقيل: أراد جميع ذريته ما تناسلوا، ويؤيد القول الأول ما قيل من أنه لم يعبد أحد من أولاد إبراهيم صنمًا، والصنم: هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها فيعبدونه؛ أي: واجعلنا في جانب بعيد من عبادتها؛ أي: ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإِسلام، والبعد عن عبادة الأصنام، وإلا فهو معصوم عن عبادتها، وكذا بعض بنيه معصومون كإسماعيل وإسحاق. قال بعضهم (٢): رأى إبراهيم قومًا يعبدون الأصنام، فخاف على بنيه فدعا. والجمهور على أن العرب من عهد إبراهيم استمرت على دينه من رفض عبادة الأصنام إلى زمن عمرو بن لحي كبير خزاعة، فهو أول من غير دين إبراهيم، وشرع للعرب الضلالات، وهو أول من نصب الأوثان في الكعبة وعبدها، وأمر الناس بعبادتها، وقد كان أكثر الناس في الأرض المقدسة عبدة الأوثان، وكان إبراهيم يعرفه، فخاف سرايته إلى كل بلد فيه واحد من أولاده، فعصم أولاده الصلبية من ذلك، وهي المرادة من قوله: ﴿وَبَنِيَّ﴾ فإنه لم يعبد أحد منهم الصنم لا هو ولا أحفاده. وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر الثقفي شذوذًا (٣): ﴿وأجنبني﴾ بقطع الهمزة على أنه من أجنب الرباعي. ٣٦ - وقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ تعليل لقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾

стр. 6367

وأما إعادة النداء بقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ ...﴾ إلخ فلتأكيد النداء الأول، وكثرة الابتهال والتضرع إليه، وأنث الأصنام؛ لأنه جمع ما لا يعقل يخبر عنه أخبار المؤنث؛ أي: وإنما سألت منك العصمة، واستعذت بك من إضلالهن؛ لأنهن؛ أي: لأن الأصنام أضللن كثيرًا من الناس. أسند الإضلال إلى الأصنام مع كونها جمادات لا تعقل؛ لأنها سبب لضلالهم، فكأنها أضلتهم؛ أي: يا رب إن الأصنام أزلن كثيرًا من الناس عن طريق الهدى وسبيل الحق حتى عبدوهن، وكفروا بك ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ من الناس على ما أنا عليه من الإيمان بك، وإخلاص العبادة لك، والبعد عن عبادة الأوثان ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ أي: من أهل ديني، ومستن بسنتي، وجارٍ على طريقتي. جعل أهل ملته كنفسه مبالغة. ﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ وخالف أمري، فلم يتابعني، ولم يقبل مني ما دعوته إليه، وأشرك بك ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ له؛ أي: فإنك قادر على أن تغفر له وترحمه بالتوبة عليه، وهدايته إلى الصراط المستقيم. قيل: قال هذا (١) قبل أن يعلم أن الله لا يغفر أن يشرك به، كما وقع منه الاستغفار لأبيه وهو مشرك، كذا قال ابن الأنباري. وقيل: المراد هنا: عصيانه فيما دون الشرك. وقيل: إن هذه المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك. فصل واعلم: أنه قد توجه على هذه الآية إشكالات، وهي من وجوه (٢): الأول: أن إبراهيم ﵇ دعا ربه أن يجعل مكة آمنة، ثم إن جماعة من الجبابرة وغيرهم قد أغاروا عليها، وأخافوا أهلها. الوجه الثاني: أن الأنبياء عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام معصومون من عبادة الأصنام، وإذا كان كذلك، فما الفائدة في قوله: اجنبني عن عبادتها؟

стр. 6368

الوجه الثالث: أن إبراهيم ﵇ سأل ربه أيضًا أن يُجنب بنيه عبادة الأصنام، وقد وجد كثير من بنيه عبد الأصنام مثل كفار قريش، وغيرهم ممن ينسب إلى إبراهيم ﵇. وقد يجاب عنها بوجوه كثيرة، فالجواب عن الوجه الأول من وجهين: أحدهما: أن إبراهيم ﵇ لما فرع من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله تعالى، ولم يقدر أحد على خراب مكة، وأورد على هذا ما ورد في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة". أخرجاه في "الصحيحين". وأجيب عنه بأن قوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، يعني: إلى قرب القيامة وخراب الدنيا. وقيل: هو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين، فلا تعارض بين النصين. الوجه الثاني: أن يكون المراد: اجعل أهل هذا البلد آمنين، وعلى هذا الوجه أكثر العلماء من المفسرين وغيرهم، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر الله بقوله: ﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وأهل مكة آمنون من ذلك حتى إن من التجأ إلى مكة .. أمن على نفسه وماله من ذلك، وحتى أن الوحوش إذا كانت خارجة من الحرم استوحشت، فإذا دخلت الحرم .. أمنت واستأنست لعلمها أنه لا يهيجها أحد في الحرم، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها. وأما الجواب عن الوجه الثاني فمن وجوه أيضًا: الوجه الأول: أن دعاء إبراهيم ﵇ لنفسه لزيادة العصمة، والتثبيت، فهو كقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾. والوجه الثاني: أن إبراهيم ﵇ وإن كان يعلم أن الله يعصمه من عبادة الأصنام إلا أنه دعا بهذا الدعاء هضمًا للنفس، وإظهارًا للعجز والحاجة والفاقة إلى فضل الله تعالى ورحمته، وأن أحدًا لا يقدر على نفع نفسه

стр. 6369

بشيء لم ينفعه الله به، فلهذا السبب دعا لنفسه بهذا الدعاء. وأما دعاؤه لبنيه، وهو الوجه الثالث من الإشكالات، فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن إبراهيم دعا لبنيه من صلبه، ولم يعبد منهم أحد صنمًا قط. الوجه الثاني: أنه أراد أولاده وأولاد أولاده الموجودين حالة الدعاء، ولا شك أن إبراهيم ﵇ قد أجيب فيهم. الوجه الثالث: قال الواحدي دعا لمن أذن الله أن يدعو له، فكأنه قال: وبني الذين أذنت لي في الدعاء لهم؛ لأن دعاء الأنبياء مستجاب، وقد كان من بنيه من عبد الصنم، فعلى هذا الوجه يكون هذا الدعاء من العام المخصوص. الوجه الرابع: أن هذا مختص بالمؤمنين من أولاده، والدليل عليه أنه قال في آخر هذه الآية: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه، فليس منه، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه اهـ من "الخازن". ٣٧ - ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ كرر النداء (١) رغبة في الإجابة وإظهارًا للتذلل والالتجاء إلى الله تعالى، وأتى بضمير جماعة المتكلمين؛ لأنه تقدم ذكره وذكر بنيه في قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ و ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال الفراء (٢): ﴿مِنَ﴾ للتبعيض؛ أي: بعض ذريتي وهو إسماعيل ومن سيولد له، فإن إسكانه متضمن إسكانهم. وقال ابن الأنباري: أنها زائدة؛ أي: أسكنت ذريتي. والأول أولى؛ لأنه إنما أسكن إسماعيل، وهو بعض ولده. ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾؛ أي: بواد ليس فيه زرع وهو وادي مكة؛ لأنه واد بين جبلين جبل أبي قبيس وجبل أجياد، فإنها حجرية لا يوجد فيها زرع ولا ماء. وفي "بحر العلوم": وأما في زماننا فقد رزق الله أهله ماء جاريًا، وإنما لم يقل غير ذي ماء؛ لأنه كان علم أن الله لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقها الماء، وعلم بالوحي أنه سيكون فيها ماء كثير، والله أعلم. وقوله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ ظرف لـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾

стр. 6370

والإضافة فيه للتشريف؛ أي: الذي يحرم فيه ما يستباح في غيره؛ لأنه عظيم الحرمة حرم الله التعرض له بسوء يوم خلق السماوات والأرض، وحرم فيه القتال والاصطياد، وأن يدخل فيه أحد بغير إحرام. وقيل غير ذلك. فإن قلت (١): كيف قال عند بيتك المحرم، ولم يكن هناك بيت حينئذٍ، وإنما بناه إبراهيم بعد ذلك؟ .. قلت: يحتمل أن الله أوحى إليه وأعلمه أن له هناك بيتًا قد كان في سالف الزمان، وأنه سيعمر، فلذلك قال: عند بيتك المحرم. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: عند بيتك الذي كان، ثم رفع عند الطوفان. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى عند بيتك الذي جرى في سابق علمك أنه سيحدث في هذا المكان. والمعنى: أي يا رب إني أسكنت بعض ذريتي وهم أولاد إسماعيل بواد غير ذي زرع، وهو وادي مكة عند بيتك الذي حرمت التعرض له والتهاون به، وجعلت ما حوله حرمًا لمكانه. ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ كرر النداء (٢) لإظهار كمال العناية بما بعده، واللام فيه لام كي متعلقة بـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾؛ أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع الخالي من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم متوجهين إليه متبركين به بدلالة قوله: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ على أنه لا غرض له دنيوي في إسكانهم عند البيت المحرم، وتخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر شعائر الدين لفضلها، ولأن بيت الله لا يسعه إلا الصلاة وما في معناها وهي الأصل في إصلاح النفس، وكان قريش يمتنعون عن ذلك لزيادة كبرهم. ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: قلوب بعض الناس ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: تسرع إلى ذريتي بنقل المعاشات إليهم بسبب التجارات، وتحن إليهم لطلب حج البيت لا لأعيانهم، وتطير نحوهم محبة، و ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ للتبعيض. وقيل: زائدة، ولا (٣) يلزم منه أن يحج اليهود والنصارى بدخولهم تحت لفظ الناس؛ لأن المطلوب توجيه قلوب الناس إليهم للسكون معهم والجلب

стр. 6371

إليهم، لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مرادًا .. لقال: تهوي إليه، والأفئدة: جمع فؤاد؛ وهو القلب عبر به عن جميع البدن؛ لأنه أشرف عضو فيه. قال مجاهد: لو قال إبراهيم ﵇: أفئدة الناس لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال ابن جبير: لَحجَّتهُ اليهود والنصارى. وقرأ هشام في المتواتر بخلف عنه (١): ﴿أفئيدة﴾ بياء بعد الهمزة نص عليه الحلواني عنه، وخرج ذلك على الإشباع، ولما كان الإشباع لا يكون إلا في ضرورة الشعر .. حمل بعض العلماء هذه القراءة على أن هشامًا قرأ بتسهيل الهمزة كالياء، فعبر الراوي عنها بالياء، فظن من أخطأ فهمه أنها بياء بعد الهمزة، والمراد بياء عوضًا عن الهمزة، وقرىء: ﴿آفدة﴾ على وزن فاعلة، فاحتمل أن يكون اسم فاعل من أفد؛ أي: دنا وقرب، وأن يكون جمع فؤاد، ويكون من باب القلب، وصار بالقلب أأفدة، فأبدلت الهمزة الساكنة ألفًا. وقرىء: ﴿أفدَةَ﴾ على وزن فعلة، فاحتمل أن يكون جمع فؤاد. وقراءة أم الهشيم: ﴿أفودة﴾ بالواو المكسورة بدل الهمزة. وقرأ زيد بن علي: ﴿إفادة﴾ على وزن إشارة، وما عدا قراءة الجمهور وهشام شاذ. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ - بكسر الواو من باب ضرب -؛ أي: تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقًا. وقرأ مسلمة بن عبد الله شاذ: ﴿تهوي﴾ بضم التاء مبنيًّا للمفعول من أهوى المنقولة بهمزة التعدية من هوى اللازم. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر بن محمد ومجاهد شذوذًا أيضًا: ﴿تهوي﴾ - بفتح الواو مضارع هوى من باب فرح - بمعنى أحب وإلى زائدة، فيكون بمعنى، تحبهم. ﴿وَارْزُقْهُمْ﴾؛ أي: ذريتي الذين أسكنتهم هناك، أو هم ومن يساكنهم من الناس، وإنما لم يخص الدعاء بالمؤمنين كما في قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ

стр. 6372

آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ اكتفاء بذكر إقامة الصلاة ﴿مِنْ﴾ أنواع الثمرات كما رزقت سكان القرى ذوات الماء والزروع، فيكون المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك الثمار. وقيل: يحتمل أن يكون المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل والتجارة، فهو كقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقد حصل (١) كلاهما حتى أنه يجتمع في مكة الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد. روى عن ابن عباس أن الطائف وهي على ثلاث مراحل، من مكة كانت من أرض فلسطين، فلما دعا إبراهيم ﵇ بهذه الدعوة .. رفعها الله ووضعها رزقًا للحرم. والمعنى: أي وارزق ذريتي الذين أسكنتهم في مكة من أنواع الثمار بأن تجبي إليهم ذلك من شاسع الأقطار، وقد استجاب الله ذلك كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ نعمك التي أنعمت بها عليهم؛ أي: رجاء أن يشكروا تلك النعم بإقامة الصلاة، وأداء واجبات العبودية. وفي هذا (٢) إيماء إلى أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وتحصيل الطاعات، وفي دعائه ﵇ مراعاة للأدب والمحافظة على الضراعة، وعرض الحاجة واجتلاب الرأفة، ومن ثم من الله عليه بالقبول وإعطاء المسؤول، وقد أجاب دعائه، فألهم الناس الحج في آلاف السنين، وإلى ما شاء الله تعالى، لا في مدى حياته فحسب، ولا بدع في ذلك، فهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء جميعًا. ٣٨ - والنداء المكرر في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾؛ أي: أنت تعلم ما تخفي وتسر قلوبنا حين سؤالك ما نسأل، وما نعلن ونظر من دعائنا فنجهر به (٣)، دليل التضرع واللجوء إلى الله تعالى، وقدم ما نخفي على ما نعلن؛ للدلالة على أنهما مستويان في علمه سبحانه. والمراد: ربنا إنك تعلم السر كما تعلم العلن، علمًا لا تفاوت فيه.

стр. 6373

والمعنى (١): إنك تعلم أحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا، وأنت أرحم بنا منا، فلا حاجة بنا إلى الدعاء والطلب إنما ندعوك إظهارًا للعبودية لك، وتخشعًا لعظمتك، وتذلّلًا لعزتك، وافتقارًا إلى ما عندك. وقيل: معناه تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع، وما نعلن يعني: من البكاء. وقيل: ﴿مَا نُخْفِي﴾ يعني: من الحزن المتمكن في القلب: ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ يعني: ما جرى بينه وبين هاجر عند الوداع حين قالت لإبراهيم ﵇: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قالت: إذًا لا يضيعنا. ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ دائمًا (٢)؛ إذ لا ماضي ولا مستقبل ولا حال بالنسبة إلى الله تعالى ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ علام الغيوب ﴿مِنْ﴾ للاستغراق ﴿شَيْءٍ﴾ ما ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأنه العالم بعلم ذاتي تستوي نسبته إلى كل معلوم لا عارض ولا كسبي، ليختص بمعلوم دون معلوم كعلم البشر والملك، تلخيصه لا يخفي عليك شيء ما في أي مكان، فافعل بنا ما هو مصلحتنا، فالظرف متعلق بـ ﴿يَخْفَى﴾، أو شيء ما كائن فيهما على أنه صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، وهذا على القول بأنه من كلام إبراهيم ﵇، قاله تحقيقًا لقوله الأول وتعميمًا بعد التخصيص، وقيل: هو من كلام الله تعالى قاله تصديقًا لإبراهيم ﵇، وهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، فالوقف على ﴿نُعْلِنُ﴾ حسن كالوقف على ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، والمعنى عليه: وما يخفى على الله شيء من الأشياء الموجودة كائنًا ما كان، وإنما ذكر السماوات والأرض؛ لأنها المشاهدة للعباد، إلا فعلمه سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم، وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه منه خافية. ٣٩ - ثم حمد الله تعالى على بعض نعمه الواصلة إليه، فقال: ﴿الْحَمْدُ﴾ والشكر ﴿لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾؛ أي: مع كبر سني. فـ ﴿عَلَى﴾ هنا (٣) بمعنى مع، وهو في موقع الحال؛ أي: وهب لي وأنا كبير آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر استعظامًا للنعمة وإظهارًا لشكرها؛ لأن زمان الكبر زمان العقم ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾

стр. 6374

سمي إسماعيل؛ لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولدًا، ويقول: إسمع يا إيل، وإيل هو الله، فلما رزق به سماه به كما في "معالم التنزيل". وقال في "إنسان العيون": معناه بالعبرانية: مطيع الله روي أنه ولد له إسماعيل، وهو ابن تسع وتسعين سنة. ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ اسمه بالعبرانية: الضحاك كما في "إنسان العيون" روي أنه ولد له إسحاق، وهو ابن مئة وثنتي عشرة سنة، وإسماعيل يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة. ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ومالك أمري ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾؛ أي: لمجيب الدعاء من قولهم سمع الملك كلامه إذا اعتد به وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. والمعنى: إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك. وفيه بأنه دعاه ربه وسأل منه الولد، ما قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه، ليكون من أجل النعم وأجلاها، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ...﴾ إلخ. والظاهر (١): أن هذه الجمل التي تكلم بها إبراهيم ﵇ لم تقع منه في زمان واحد، وإنما حكى الله عنه ما وقع منه في أزمان مختلفة، يدل على ذلك أن إسحاق لم يكن موجودًا حالة دعائه؛ إذ ترك هاجر والطفل بمكة، فالظاهر أن حمده الله تعالى على هبة ولديه له كان بعد وجود إسحاق. فإن قلت: كيف (٢) جمع بين إسماعيل وإسحاق ﵉ في وقت واحد، وإنما بشر بإسحاق بعد إسماعيل بزمان طويل؟ قلت: يحتمل أن إبراهيم ﵇ إنما أتى بهذا الدعاء عندما بشر بإسحاق، وذلك أنه لما عظمت المنة على قلبه بهبة ولدين عظيمين عند كبره قال عند ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ولا يرد على هذا ما ورد في الحديث أنه دعا بما تقدم عند مفارقة إسماعيل وأمه؛ لأن الذي صح في الحديث أنه دعا بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ إذا ثبت هذا، فيكون قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ في وقت آخر. والله أعلم بحقيقة الحال.

стр. 6375

٤٠ - ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظًا عليها غير مهمل لشيء منها حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: معدلًا (١) لها بأركانها وشروطها وآدابها، من أقمت العود إذا قومته، أو مواظبًا عليها، من قامت السوق إذا نفقت؛ أي: راجت أو مؤديًّا لها محافظًا عليها في أوقاتها، والاستمرار يستفاد من العدول من الفعل إلى الاسم حيث لم يقل: اجعلني أقيم الصلاة. ﴿وَ﴾ اجعل ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ من يقيم الصلاة، وإنما أدخل لفظة ﴿مِنْ﴾ التي هي للتبعيض في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؛ لأنه علم بإعلام الله تعالى إياه أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون الصلاة، فلهذا قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وأراد بهم المؤمنين من ذريته. والمعنى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾؛ أي (٢): رب اجعلني مؤديًّا ما ألزمتني من فريضتك التي فرضتها علي، واجعل أيضًا بعض ذريتي مقيمي الصلاة، وقد خصّ الصلاة من بين فرائض الدين؛ لأنها العنوان الذي يمتاز به المؤمن من غيره، ولما لها من المزية العظمى في تطهير القلوب بترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم، ويدخل في ذلك دعاءه في هذا المقام دخولًا أوليًّا حيث قال: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا، فاسمع ندائي ﴿وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾؛ أي (٣): واستجب دعائي هذا المتعلق باجعلني، واجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة ثابتين على ذلك مجتنبين عن عبادة الأصنام، ولذلك جيء بضمير الجماعة في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾. وقرأ (٤) ورش وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر: ﴿وتقبل دعائي﴾ بياء في الوصل. والبزي ويعقوب وصلًا ووقفًا، ويقف عليها بالهمزة الباقون. ﴿دُعَاءِ﴾ بغير ياء في الحالين. قال أبو علي: الوقف والوصل بياء هو القياس، والإشمام جائز لدلالة الكسرة على الياء. ٤١ - ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله، وإن لم يكن كبيرًا؛ لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر، فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي﴾؛ أي: ما فرط مني من ترك الأولى في باب الدين وغير ذلك مما لا
следующие страницы →