إليهم، لا توجيهها إلى الحج، ولو كان هذا مرادًا .. لقال: تهوي إليه، والأفئدة: جمع فؤاد؛ وهو القلب عبر به عن جميع البدن؛ لأنه أشرف عضو فيه. قال مجاهد: لو قال إبراهيم ﵇: أفئدة الناس لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال ابن جبير: لَحجَّتهُ اليهود والنصارى.
وقرأ هشام في المتواتر بخلف عنه (١): ﴿أفئيدة﴾ بياء بعد الهمزة نص عليه الحلواني عنه، وخرج ذلك على الإشباع، ولما كان الإشباع لا يكون إلا في ضرورة الشعر .. حمل بعض العلماء هذه القراءة على أن هشامًا قرأ بتسهيل الهمزة كالياء، فعبر الراوي عنها بالياء، فظن من أخطأ فهمه أنها بياء بعد الهمزة، والمراد بياء عوضًا عن الهمزة، وقرىء: ﴿آفدة﴾ على وزن فاعلة، فاحتمل أن يكون اسم فاعل من أفد؛ أي: دنا وقرب، وأن يكون جمع فؤاد، ويكون من باب القلب، وصار بالقلب أأفدة، فأبدلت الهمزة الساكنة ألفًا. وقرىء: ﴿أفدَةَ﴾ على وزن فعلة، فاحتمل أن يكون جمع فؤاد. وقراءة أم الهشيم: ﴿أفودة﴾ بالواو المكسورة بدل الهمزة. وقرأ زيد بن علي: ﴿إفادة﴾ على وزن إشارة، وما عدا قراءة الجمهور وهشام شاذ.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ - بكسر الواو من باب ضرب -؛ أي: تسرع إليهم وتطير نحوهم شوقًا. وقرأ مسلمة بن عبد الله شاذ: ﴿تهوي﴾ بضم التاء مبنيًّا للمفعول من أهوى المنقولة بهمزة التعدية من هوى اللازم. وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر بن محمد ومجاهد شذوذًا أيضًا: ﴿تهوي﴾ - بفتح الواو مضارع هوى من باب فرح - بمعنى أحب وإلى زائدة، فيكون بمعنى، تحبهم.
﴿وَارْزُقْهُمْ﴾؛ أي: ذريتي الذين أسكنتهم هناك، أو هم ومن يساكنهم من الناس، وإنما لم يخص الدعاء بالمؤمنين كما في قوله: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ
стр. 6372
آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ اكتفاء بذكر إقامة الصلاة ﴿مِنْ﴾ أنواع الثمرات كما رزقت سكان القرى ذوات الماء والزروع، فيكون المراد عمارة قرى بقرب مكة لتحصل تلك الثمار. وقيل: يحتمل أن يكون المراد جلب الثمرات إلى مكة بطريق النقل والتجارة، فهو كقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقد حصل (١) كلاهما حتى أنه يجتمع في مكة الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد. روى عن ابن عباس أن الطائف وهي على ثلاث مراحل، من مكة كانت من أرض فلسطين، فلما دعا إبراهيم ﵇ بهذه الدعوة .. رفعها الله ووضعها رزقًا للحرم.
والمعنى: أي وارزق ذريتي الذين أسكنتهم في مكة من أنواع الثمار بأن تجبي إليهم ذلك من شاسع الأقطار، وقد استجاب الله ذلك كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ نعمك التي أنعمت بها عليهم؛ أي: رجاء أن يشكروا تلك النعم بإقامة الصلاة، وأداء واجبات العبودية. وفي هذا (٢) إيماء إلى أن تحصيل منافع الدنيا إنما هو ليستعان بها على أداء العبادات وتحصيل الطاعات، وفي دعائه ﵇ مراعاة للأدب والمحافظة على الضراعة، وعرض الحاجة واجتلاب الرأفة، ومن ثم من الله عليه بالقبول وإعطاء المسؤول، وقد أجاب دعائه، فألهم الناس الحج في آلاف السنين، وإلى ما شاء الله تعالى، لا في مدى حياته فحسب، ولا بدع في ذلك، فهو خليل الرحمن وأبو الأنبياء جميعًا.
٣٨ - والنداء المكرر في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾؛ أي: أنت تعلم ما تخفي وتسر قلوبنا حين سؤالك ما نسأل، وما نعلن ونظر من دعائنا فنجهر به (٣)، دليل التضرع واللجوء إلى الله تعالى، وقدم ما نخفي على ما نعلن؛ للدلالة على أنهما مستويان في علمه سبحانه. والمراد: ربنا إنك تعلم السر كما تعلم العلن، علمًا لا تفاوت فيه.
стр. 6373
والمعنى (١): إنك تعلم أحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا، وأنت أرحم بنا منا، فلا حاجة بنا إلى الدعاء والطلب إنما ندعوك إظهارًا للعبودية لك، وتخشعًا لعظمتك، وتذلّلًا لعزتك، وافتقارًا إلى ما عندك. وقيل: معناه تعلم ما نخفي من الوجد بفرقة إسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بواد غير ذي زرع، وما نعلن يعني: من البكاء. وقيل: ﴿مَا نُخْفِي﴾ يعني: من الحزن المتمكن في القلب: ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ يعني: ما جرى بينه وبين هاجر عند الوداع حين قالت لإبراهيم ﵇: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قالت: إذًا لا يضيعنا.
﴿وَمَا يَخْفَى﴾ دائمًا (٢)؛ إذ لا ماضي ولا مستقبل ولا حال بالنسبة إلى الله تعالى ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ علام الغيوب ﴿مِنْ﴾ للاستغراق ﴿شَيْءٍ﴾ ما ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأنه العالم بعلم ذاتي تستوي نسبته إلى كل معلوم لا عارض ولا كسبي، ليختص بمعلوم دون معلوم كعلم البشر والملك، تلخيصه لا يخفي عليك شيء ما في أي مكان، فافعل بنا ما هو مصلحتنا، فالظرف متعلق بـ ﴿يَخْفَى﴾، أو شيء ما كائن فيهما على أنه صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، وهذا على القول بأنه من كلام إبراهيم ﵇، قاله تحقيقًا لقوله الأول وتعميمًا بعد التخصيص، وقيل: هو من كلام الله تعالى قاله تصديقًا لإبراهيم ﵇، وهو اعتراض بين كلامي إبراهيم، فالوقف على ﴿نُعْلِنُ﴾ حسن كالوقف على ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، والمعنى عليه: وما يخفى على الله شيء من الأشياء الموجودة كائنًا ما كان، وإنما ذكر السماوات والأرض؛ لأنها المشاهدة للعباد، إلا فعلمه سبحانه محيط بكل ما هو داخل في العالم، وكل ما هو خارج عنه لا تخفى عليه منه خافية.
٣٩ - ثم حمد الله تعالى على بعض نعمه الواصلة إليه، فقال: ﴿الْحَمْدُ﴾ والشكر ﴿لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ﴾؛ أي: مع كبر سني. فـ ﴿عَلَى﴾ هنا (٣) بمعنى مع، وهو في موقع الحال؛ أي: وهب لي وأنا كبير آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر استعظامًا للنعمة وإظهارًا لشكرها؛ لأن زمان الكبر زمان العقم ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾
стр. 6374
سمي إسماعيل؛ لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولدًا، ويقول: إسمع يا إيل، وإيل هو الله، فلما رزق به سماه به كما في "معالم التنزيل". وقال في "إنسان العيون": معناه بالعبرانية: مطيع الله روي أنه ولد له إسماعيل، وهو ابن تسع وتسعين سنة. ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ اسمه بالعبرانية: الضحاك كما في "إنسان العيون" روي أنه ولد له إسحاق، وهو ابن مئة وثنتي عشرة سنة، وإسماعيل يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة. ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ ومالك أمري ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾؛ أي: لمجيب الدعاء من قولهم سمع الملك كلامه إذا اعتد به وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول.
والمعنى: إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك. وفيه بأنه دعاه ربه وسأل منه الولد، ما قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه، ليكون من أجل النعم وأجلاها، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ...﴾ إلخ. والظاهر (١): أن هذه الجمل التي تكلم بها إبراهيم ﵇ لم تقع منه في زمان واحد، وإنما حكى الله عنه ما وقع منه في أزمان مختلفة، يدل على ذلك أن إسحاق لم يكن موجودًا حالة دعائه؛ إذ ترك هاجر والطفل بمكة، فالظاهر أن حمده الله تعالى على هبة ولديه له كان بعد وجود إسحاق.
فإن قلت: كيف (٢) جمع بين إسماعيل وإسحاق ﵉ في وقت واحد، وإنما بشر بإسحاق بعد إسماعيل بزمان طويل؟
قلت: يحتمل أن إبراهيم ﵇ إنما أتى بهذا الدعاء عندما بشر بإسحاق، وذلك أنه لما عظمت المنة على قلبه بهبة ولدين عظيمين عند كبره قال عند ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ولا يرد على هذا ما ورد في الحديث أنه دعا بما تقدم عند مفارقة إسماعيل وأمه؛ لأن الذي صح في الحديث أنه دعا بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ إذا ثبت هذا، فيكون قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ في وقت آخر. والله أعلم بحقيقة الحال.
стр. 6375
٤٠ - ثم سأل الله سبحانه بأن يجعله مقيم الصلاة محافظًا عليها غير مهمل لشيء منها حيث قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: معدلًا (١) لها بأركانها وشروطها وآدابها، من أقمت العود إذا قومته، أو مواظبًا عليها، من قامت السوق إذا نفقت؛ أي: راجت أو مؤديًّا لها محافظًا عليها في أوقاتها، والاستمرار يستفاد من العدول من الفعل إلى الاسم حيث لم يقل: اجعلني أقيم الصلاة. ﴿وَ﴾ اجعل ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ من يقيم الصلاة، وإنما أدخل لفظة ﴿مِنْ﴾ التي هي للتبعيض في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؛ لأنه علم بإعلام الله تعالى إياه أنه قد يوجد من ذريته جمع من الكفار لا يقيمون الصلاة، فلهذا قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وأراد بهم المؤمنين من ذريته.
والمعنى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾؛ أي (٢): رب اجعلني مؤديًّا ما ألزمتني من فريضتك التي فرضتها علي، واجعل أيضًا بعض ذريتي مقيمي الصلاة، وقد خصّ الصلاة من بين فرائض الدين؛ لأنها العنوان الذي يمتاز به المؤمن من غيره، ولما لها من المزية العظمى في تطهير القلوب بترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ثم سأل الله سبحانه أن يتقبل دعاءه على العموم، ويدخل في ذلك دعاءه في هذا المقام دخولًا أوليًّا حيث قال: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا، فاسمع ندائي ﴿وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾؛ أي (٣): واستجب دعائي هذا المتعلق باجعلني، واجعل بعض ذريتي مقيمي الصلاة ثابتين على ذلك مجتنبين عن عبادة الأصنام، ولذلك جيء بضمير الجماعة في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾. وقرأ (٤) ورش وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر: ﴿وتقبل دعائي﴾ بياء في الوصل. والبزي ويعقوب وصلًا ووقفًا، ويقف عليها بالهمزة الباقون. ﴿دُعَاءِ﴾ بغير ياء في الحالين. قال أبو علي: الوقف والوصل بياء هو القياس، والإشمام جائز لدلالة الكسرة على الياء.
٤١ - ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر له ما وقع منه مما يستحق أن يغفره الله، وإن لم يكن كبيرًا؛ لما هو معلوم من عصمة الأنبياء عن الكبائر، فقال: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي﴾؛ أي: ما فرط مني من ترك الأولى في باب الدين وغير ذلك مما لا
стр. 6376
يسلم منه البشر. ثم طلب من الله سبحانه أن يغفر لوالديه حيث قال: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾؛ أي: واغفر لوالدين لي ذنوبهما واهدهما إلى صراطك المستقيم. وقد قيل (١): إنه دعا لهما بالمغفرة قبل أن يعلم أنهما عدوان لله سبحانه، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. وقيل: كانت أمه مسلمة. وقيل: أراد بوالديه آدم وحواء.
ثم استغفر للمؤمنين حيث قال: ﴿و﴾ اغفر ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ والمؤمنات كلهم، وظاهره شمول كل مؤمن سواء كان من ذريته أو لم يكن منهم. وقيل: أراد المؤمنين من ذريته فقط، واكتفى بذكر (٢) مغفرة المؤمنين دون مغفرة المؤمنات؛ لأنهن تبع لهم في الأحكام، وللإيذان باشتراك الكل في الدعاء بالمغفرة، جيء بضمير الجماعة في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ وفي الحديث: "من عمم بدعائه المؤمنين والمؤمنات استجيب له". فمن السنة أن لا يخص نفسه بالدعاء قال في "الأسرار المحمدية": اعلم أنه يكره للإمام تخصيص نفسه بالدعاء بأن يذكر على صيغة الإفراد، لا على صيغة الجمع. قال رسول الله ﷺ : "لا يؤم عبد قومًا، فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم"، رواه ثوبان. بل الأولى أيضًا إن كان منفردًا أن يأتي بصيغة الجمع، فينوي نفسه وآباءه وأمهاته وأولاده وإخوانه وأصدقاءه المؤمنين الصالحين، فيعممهم بالدعاء، وينالهم بركة دعائه.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾؛ أي: يوم (٣) يبدو ويظهر فيه محاسبة أعمال المكلفين. وقيل: يوم يقوم الناس فيه للمحاسبة والمجازاة على أعمالهم، فاكتفى بذلك؛ أي: بذكر الحساب عن ذكر الناس، لكونه مفهومًا عند السامع، والأول أولى وهذا دعاء المؤمنين بالمغفرة، والله لا يرد دعاء خليله إبراهيم ﵇، ففيه بشارة عظيمة لجميع المؤمنين بالمغفرة.
والمعنى (٤): أي ربنا اغفر لي ما فرط مني من الذنوب ولأبوي. وقد روي عن الحسن أن أمه كانت مؤمنة، واستغفاره لأبيه عن موعدة وعدها إياه، فلما
стр. 6377
تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ﴾ .. الآية. وللمؤمنين بك ممن تبعني على الدين الذي أنا عليه، فأطاعك في أمرك ونهيك يوم تحاسب عبادك، فتجازيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وقرأ (١) ابن مسعود والنخعي والزهري وابن يعمر: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ - بغير ألف وبفتح اللام - يعني: إسماعيل وإسحاق يدل عليه ذكرهما قبل ذلك، وأنكر عاصم الجحدري هذه القراءة، وقال: إن في مصحف أبي بن كعب ﴿ولأبوي﴾. وقرأ عاصم الجحدري: ﴿ولوُلْدي﴾ - بضم الواو وسكون اللام - فاحتمل أن يكون جمع ولد، كأُسد في أسد، ويكون قد دعا لذريته، وأن يكون لغة في الولد، كما قالوا: العَدَم والعُدْم. وقرأ مجاهد وابن جبير: ﴿ولوالدي﴾ - بإسكان الياء - على إرادة الأب وحده، كقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾. وقرأ يحيى بن يعمر والجوني: ﴿ولولدَي﴾ بفتح الواو وكسر الدال على التوحيد، وما عدا قراءة الجمهور شاذ وليس بمتواتر.
الإعراب
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾.
﴿أَلَمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام التعجبي. ﴿لم﴾: حرف جزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾، وهو من رؤية البصر، عداه بـ ﴿إِلَى﴾ تضمينًا له بمعنى النظر، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق به، وهو في محل المفعول؛ أي: هل رأيت عجبًا مثل هؤلاء الذين بدلوا نعمة الله كفرًا. ﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول. ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَدَّلُوا﴾. ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَحَلُّوا﴾. ﴿جَهَنَّمَ﴾: عطف بيان من ﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾. ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب
стр. 6378
حال من ﴿قَوْمَهُمْ﴾، أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾، أو من الـ ﴿دَارَ﴾. ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾: فعل وفاعل، وهو لإنشاء الذم، والمخصوص محذوف وجوبًا تقديره: هي؛ أي: ﴿جَهَنَّمَ﴾، والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
﴿وَجَعَلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿بَدَّلُوا﴾ فهو من جملة الصلة المتعجب منها. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْدَادًا﴾. ﴿أَنْدَادًا﴾: مفعول ثان لجعل، والأول محذوف تقديره: وجعلوا الأصنام أندادًا لله. ﴿لِيُضِلُّوا﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يضلوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يضلوا﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلُوا﴾، والتقدير: وجعلوا لله أندادًا لإضلالهم الناس عن سبيله. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿تَمَتَّعُوا ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿تَمَتَّعُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿فَإِنَّ﴾: (الفاء): تعليلية؛ لتعليلها القلة المفهومة من ﴿تَمَتَّعُوا﴾، ﴿إن﴾: حرف نصب. ﴿مَصِيرَكُمْ﴾: اسمها. ﴿إِلَى النَّارِ﴾: خبرها، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول القول مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لِعِبَادِيَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قُلْ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة ﴿لِعِبَادِيَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم في جواب الطلب لفعل محذوف واقع مفعولًا لـ ﴿قُلْ﴾ تقديره: قل لعبادي أقيموا الصلاة .. يقيموا؛ أي: إن قلت لهم: أقيموا الصلاة .. يقيموا. ﴿وَيُنْفِقُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُقِيمُوا﴾، وفي "الفتوحات" قوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ ...﴾ إلخ. مفعول ﴿قُلْ﴾
стр. 6379
محذوف يدل عليه جوابه؛ أي: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا، وقوله: ﴿يُقِيمُوا﴾ ﴿وَيُنْفِقُوا﴾ مجزومان في جواب الأمر؛ أي: إن قلت لهم: أقيموا الصلاة وأنفقوا .. الخ: يقيموا وينفقوا. اهـ. شيخنا. وفي "البيضاوي": ويجوز أن يقدرا بلام الأمر؛ ليصح تعلق القول بهما. اهـ؛ أي: ليقيموا الصلاة ولينفقوا. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُوا﴾. ﴿رَزَقْنَاهُم﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: مما رزقناهم إياه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إياه. ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾: منصوبان على المفعولية المطلقة؛ أي: إنفاق سر وعلانية، أو على الحالية من فاعل ﴿يُنْفِقُوا﴾؛ أي: مسرين ومعلنين، أو على الظرفية؛ أي: وقتي سر وعلانية. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنْفِقُوا﴾. ﴿أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بالإضافة، والتقدير: وينفقوا من قبل إتيان يوم. ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل ليس. ﴿بَيْعٌ﴾: اسمها مرفوع. ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور خبر لا؛ أي: لا بيع موجودًا فيه. ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ معطوف على ﴿بَيْعٌ﴾، وجملة ﴿لَا﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿يَوْمٌ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾.
﴿اللَّهُ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: فعل ومفعول ومعطوف، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَأَنْزَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿مَاءً﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْزَلَ﴾. ﴿فَأَخْرَجَ﴾: (الفاء): عاطفة. ﴿أخرج﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. والجملة معطوفة على ﴿أنزل﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أخرج﴾. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿رِزْقًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿رِزْقًا﴾: مفعولُ ﴿أَخْرَج﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رِزْقًا﴾.
стр. 6380
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾.
﴿وَسَخَّرَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿سَخَّرَ﴾. ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول ﴿سَخَّرَ﴾. ﴿لِتَجْرِيَ﴾: (اللام): لام كي، ﴿تجري﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْفُلْكَ﴾. ﴿فِي الْبَحْرِ﴾: متعلق بـ ﴿تجري﴾. ﴿بِأَمْرِهِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تجري﴾؛ أي: حالة كونها متلبسة بأمره، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لجريانها في البحر بأمره، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سخر﴾. ﴿وَسَخَّرَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿الْأَنْهَارَ﴾: مفعول به.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾.
﴿وَسَخَّرَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: مفعولان لـ ﴿سخر﴾. ﴿دَائِبَيْنِ﴾: حال من ﴿الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾. ﴿وَسَخَّرَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق به. ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾: مفعولان لـ ﴿سخر﴾.
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.
﴿وَآتَاكُمْ﴾: فعل ومفعول أول معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿مِنَ﴾: حرف جر وتبعيض، أو زائد في المفعول الثاني. ﴿كُلِّ﴾: مجرور بـ ﴿مِنْ﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿آتَاكُمْ﴾، والمفعول الثاني محذوف تقديره: وآتاكم شيئًا من كل ما سألتموه. ﴿كُلِّ﴾: مضاف. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾: مصدرية ﴿سَأَلْتُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والضمير فيه عائد إلى الله تعالى، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره ما
стр. 6381
سألتموه تعالى إياه، والمصدر المؤول من الفعل على كون ﴿ما﴾ مصدرية هو المفعول الثاني لـ ﴿آتاكم﴾ تقديره: وآتاكم مسؤولكم. ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾: جازم وفعل وفاعل. ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: مفعول به. ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول جواب الشرط، وجملة الشرط مستأنفة. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَظَلُومٌ﴾: (اللام): حرف ابتداء، ﴿ظلوم﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿كَفَّارٌ﴾: صفته، أو خبر ثان، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
﴿وَإِذْ﴾: (الواو): استئنافية. ﴿إذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد إذ قال؛ أي: قصة إذ قال إبراهيم. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾. ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ إلى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف حرف النداء للتخفيف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اجعَل هَذَا﴾: فعل دعاء، ومفعول أول. ﴿الْبَلَدَ﴾: بدل من إسم الإشارة، أو عطف بيان منه، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿آمِنًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب للنداء. ﴿وَاجْنُبْنِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿وَبَنِيَّ﴾: معطوف على ياء المتكلم، والجملة معطوفة على جملة ﴿اجْعَلْ﴾. ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾: ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم وذريته، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: من عبادتنا الأصنام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿اجْنُبْنِي﴾.
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّهُنَّ﴾: ناصب واسمه. ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: صفة لـ ﴿كَثِيرًا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. (﴿فمَنَ﴾: (الفاء): تفصيلية.
стр. 6382
﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿تَبِعَنِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿فَإِنَّهُ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إنه﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنِّي﴾: جار ومجرور خبره، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾: الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: (الواو): عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب. ﴿عَصَانِي﴾: فعل ومفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها فعل شرط لـ ﴿من﴾، ﴿فَإِنَّكَ﴾: (الفاء): رابطة لجواب ﴿من﴾. ﴿إنك﴾: ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول له. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان، أو صفة لـ ﴿غَفُورٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، والرابط محذوف تقديره: رحيم له، وجملة ﴿من﴾: الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى.
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾.
﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿أَسْكَنْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: جار ومجرور متعلق به، و ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، والمفعول محذوف، والتقدير: ذرية بعض ذريتي، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿بِوَادٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾. ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾: صفة ومضاف إليه. ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾. ﴿الْمُحَرَّمِ﴾: صفة للبيت. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف مؤكد للنداء الأول. ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإقامتهم الصلاة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَسْكَنْتُ﴾. ﴿فَاجْعَلْ﴾: (الفاء): عاطفة تفريعية. ﴿اجعل﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿أَفْئِدَةً﴾: مفعول أول لجعل. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾: صفة
стр. 6383
لـ ﴿أَفْئِدَةً﴾. ﴿تَهْوِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَفْئِدَةً﴾. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَهْوِي﴾: وجملة ﴿تَهْوِي﴾ في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿اجعل﴾، وجملة ﴿اجعل﴾: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ في قوله: ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ مع كونها جواب النداء. ﴿وَارْزُقْهُمْ﴾: فعل ومفعول. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اجعل﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَشْكُرُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)﴾.
﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿تَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿مَا﴾: في محل النصب مفعول ﴿تَعْلَمُ﴾؛ لأنه بمعنى عرف. ﴿نُخْفِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبراهيم﴾ وسائر العباد، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما نخفيه. ﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾: معطوف على ﴿مَا نُخْفِي﴾، ﴿وَمَا﴾: (الواو): اعتراضية، أو عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَخْفَى﴾: فعل مضارع. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: فاعل ﴿يَخْفَى﴾، و ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، أو متعلق بـ ﴿يَخْفَى﴾. ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: معطوف على ﴿فِي الْأَرْضِ﴾، والجملة الفعلية جملة معترضة لا محل لها من الإعراب إن قلنا: إنها من كلام الله؛ لاعتراضها بين كلامي إبراهيم، أو في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ إن قلنا: إنها من كلام إبراهيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
стр. 6384
﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر صفة للجلالة. ﴿وَهَبَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿لِيَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَهَبَ﴾. ﴿عَلَى اَلكِبَرِ﴾: جار ومجرور حال من ياء المتكلم، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى: مع، التقدير: وهب لي حالة كوني مصاحبًا بالكبر. ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾: مفعول ﴿وَهَبَ﴾. ﴿وَإِسْحَاقَ﴾: معطوف عليه. ﴿إِنَّ رَبِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾: خبره ومضاف إليه، واللام: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾.
﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾: فعل ومفعولان ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: جار ومجرور صفة لمحذوف معطوف على المفعول الأول لجعل، والتقدير: رب اجعلني وبعضًا من ذريتي مقيم الصلاة. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَتَقَبَّلْ﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿دُعَاءِ﴾: مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والجملة الفعلية معطوفة على مقدر تقديره: ربنا فاسمع ندائي وتقبل دعائي، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾.
﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اغْفِرْ﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿لِيَ﴾: متعلق بـ ﴿اغْفِرْ﴾. ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على ﴿لِيَ﴾. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾: معطوف عليه أيضًا. ﴿يَومَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿اغْفِرْ﴾. ﴿يَقُومُ الْحِسَابُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾.
стр. 6385
التصريف ومفردات اللغة
﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾؛ أي: الهلاك، يقال: رجل بسائر وقوم بور، كما قال: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ ومنه قول الشاعر:
فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ أَبْطَالَ حَرْبٍ ... غَدَاةَ الْحَرْبِ إِذْ خِيْفَ الْبَوَارُ
وفي "المصباح": بار الشيء يبور بورًا - بالضم - هلك، وبار الشيء بوارًا إذا كسد.
﴿يَصْلَوْنَهَا﴾؛ أي: يقاسون حرها، يقال: صلى النار صليًّا قاسى حرها كتصلاها، والمرادَ بيصلونها: الدخول مع المقاساة لشدة حرها، وإلا فمطلق الدخول قد استفيد من قوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾. وفي "المصباح": صلى الله بالنار، وصليها، صلى - من باب تعب -: وجد حرها، والصِّلاء - وزان كتاب -: حر النار، وصليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته. اهـ.
﴿أَنْدَادًا﴾ والأنداد: الشركاء جمع ند، وهو المثل الشبيه.
﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ﴾؛ أي: مرجعكم ومردكم، والمصير: مصدر (١) صار التامة بمعنى: رجع. ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ اسما مصدر لأسر وأعلن الرباعيين.
﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾؛ أي: فدية. ﴿وَلَا خِلَالٌ﴾ الخلال: المخالة والصداقة، وفي "القرطبي" الخلال (٢): جمع خلة كقلة وقلال. قال الشاعر:
فَلَسْتُ بِمَقْلِيِّ الْخِلاَلِ وَلاَ قَالِي
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ السماء: السحاب، وكل ما علا الإنسان فأظله فهو سماء، مشتق من السمو؛ وهو الارتفاع، وسمي السحاب سماء لارتفاعه.
﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: جمع ثمر، والثمر: اسم يقع على ما يحصل من الشجر، وقد يقع على الزرع أيضًا بدليل قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
стр. 6386
﴿رِزْقًا﴾ والرزق: كل ما ينتفع به مأكولًا كان أو مشروبًا أو غيرهما. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ التسخير: التيسير والإعداد، والفلك: السفن.
﴿دَائِبَيْنِ﴾: الدأب: العادة المستمرة دائمًا على حالة واحدة، ودأب في السير إذا داوم عليه، ودأب في العمل إذا سار فيه على عادة مطردة، كما قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾. وفي "المختار": دأب في عمله جد وتعب، وبابه قطع وخضع فهو دائب بالألف لا غير، والدائبان: الليل والنهار، والدأب - بسكون الهمزة - العادة والشأن وقد يحرك. اهـ. وفي "القاموس": دأب في عمله - كمنع - دأبًا، ويحرك ودؤوبًا بالضم جد وتعب. اهـ.
﴿وَآتَاكُمْ﴾: أعطاكم. ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: لا تطيقوا إحصاءها وحصرها من أحصى الرباعي، والإحصاء: العد بالحصى، وكان العرب يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع.
﴿ظَلُومٌ﴾؛ أي: كثير الظلم لنفسه بإغفال شكر النعمة. ﴿كَفَّارٌ﴾؛ أي: شديد الكفران والجحود لها.
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ يقال: جنبته كنصرته وأجنبته وجنبته؛ أي: أبعدته، والمعنى: بعدني وإياهم. وفي "الفتوحات" يقال (١): جنبه شرًّا وأجنبه إياه ثلاثيًّا ورباعيًّا: وهي لغة نجد، وجنَّبه إياه مشددًا: وهي لغة الحجاز وهو المنع، وأصله من الجانب، وأصل التجنب أن يكون الرجل في جانب غير ما عليه غيره، ثم استعمل في البعد مطلقًا. وقال الراغب: وقوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ﴾ من جنبته عن كذا؛ أي: أبعدته منه. وقيل: من جنبت الفرس كأنه سأله أن يبعده عن جانب الشرك بإلطاف منه وأسباب خفية، وأن نعبد على حذف حرف الجر؛ أي: عن أن نعبد. اهـ. "سمين". وفي "القاموس": والجنب: محركة أن يجنب فرسًا إلى فرسه في السباق، فإذا فاز المركوب تحول إلى المجنوب. اهـ.
وفي "المصباح": وجنبت الرجل الشر جنوبًا - من باب قعد - أبعدته عنه،
стр. 6387
وجنبته بالتثقيل مبالغة. اهـ. وفي "المختار": وجنبه الشيء - من باب نصر - وجنبه الشيء تجنيبًا بمعنى؛ أي: نحاه عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ اهـ. ﴿وَبَنِيَّ﴾ أصله: وبنين لي، حذفت النون للإضافة واللام للتخفيف، فأدغمت يا علامة الإعراب في ياء المتكلم.
﴿بِوَادٍ﴾؛ أي: في وادٍ، والوادي: المنخفض بين الجبلين. ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾؛ أي: لا يصلح للإنبات؛ لأنه أرض حجرية لا تنبت شيئًا.
﴿أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ﴾ الأفئدة (١): جمع فؤاد، وهو القلب عبر به عن جميع البدن؛ لأنه أشرف عضو فيه، وقيل: هو جمع وفد، والأصل: أوفدة فقدمت الفاء وقلبت الواو ياء، فكأنه قال: واجعل وفودًا من الناس تهوي إليهم.
﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: تسرع شوقًا وحبًّا إليهم. قال الأصمعي: يقال (٢): هوى يهوي - من باب رمى - هويًا إذا سقط من عُلوٍ إلى سُفلٍ. وقال الفراء: تهوي إليهم تريدهم، كما تقول: رأيت فلانًا يهوي نحوك، معناه يريدك. وقال أيضًا: تهوي: تسرع إليهم. وقال ابن الأنباري: معناه: تنحط إليهم وتنحدر وتنزل، هذا قول أهل اللغة في هذا الحرف. وأما أقوال المفسرين فيه، فقد تقدمت في مبحث التفسير.
﴿لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾؛ أي: إنك لكثير إجابة الدعاء لمن يدعوك، وإضافة (٣) السميع إلى الدعاء من إضافة الصفة إلى مفعولها، وأصله: لسميعٌ الدعاء، وقد ذكر سيبويه فعيلًا في جملة أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، كقولك: هذا رحيم أباه. وفي "البيضاوي": وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله، أو فاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تعالى على المجاز، وهذا الأخير بعيدٌ جدًّا. قال أبو حيان: والظاهر (٤) إضافة سميع إلى المفعول، وهو من إضافة المثال الذي على وزن فعيل إلى المفعول، فيكون إضافة من نصب، ويكون
стр. 6388
ذلك حجة على إعمال فعيل الذي للمبالغة في المفعول على ما ذهب إليه سيبويه. وقد خالف في ذلك جمهور البصريين، وخالف الكوفيون فيه، وفي إعمال باقي الخمسة الأمثلة فعول وفعال ومفعال وفعل، وهذا مذكور في علم النحو، ويمكن أن يقال في هذا: ليس ذلك إضافة من نصب، فيلزم جواز إعماله، بل هي إضافة كإضافة اسم الفاعل في نحو: هذا ضارب زيد أمس.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ فإنه تعجيب (١) لرسول الله ﷺ ولكل أحد مما صنع الكفرة من الأباطيل التي لا تكاد تصدر عمن له أدنى إدراك.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أي: شكر نعمة الله.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ لما فيه من الإسناد إلى السبب؛ لأنه أسند (٢) الإحلال وهو فعل الله إلى أكابرهم؛ لأن سببه كفرهم وسبب كفرهم أمر أكابرهم إياهم بالكفر.
ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ لأنه ليس الإضلال غرضًا حقيقيًّا لهم من اتخاذ الأنداد، ولكن لما كان نتيجة له كما كان الإكرام في قولك: جئتك لتكرمني نتيجة المجيء، شبه بالغرض وأدخل اللام عليه بطريق الاستعارة التبعية، ونسب الإضلال الذي هو فعل الله تعالى إليهم؛ لأنهم سبب الضلالة حيث يأمرون بها ويدعون إليها.
ومنها: التهديد والوعيد لأولئك الضالين المضلين في قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.
стр. 6389
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لأن الله شرف عباده بهذه الياء، وهي خير لهم من الدنيا وما فيها؛ لأن فيها إضافة إلى نفسه، والإضافة تدل على العتق.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ﴾ في أربعة مواضع.
ومنها: الاستغراق المفاد من قوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ لأن المفرد المضاف يفيد الاستغراق.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾؛ لأن فعول وفعال من صيغ المبالغة.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾؛ أي: آمنًا أهله؛ لأن إسناد الأمن إلى البلد مجاز لوقوع الأمن فيه، وإنما الآمن في الحقيقة أهل البلد.
ومنها: جمع الأصنام في قوله: ﴿أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ليشتمل على كل صنم عبد من دون الله؛ لأن الجمع المعرف باللام يشمل كل واحد من الأفراد كالمفرد باتفاق جمهور أئمة التفسير والأصول والنحو.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾ لأن (١) نسبة الإضلال إليها مجاز من باب نسبة الشيء إلى سببه. اهـ. "كرخي"؛ أي: فهذا مجاز؛ لأن الأصنام جمادات وحجارة لا تعقل شيئًا حتى تضل من عبدها إلا أنه لما حصل الضلال بعبادتها أضيف إليها، كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرتهم، وإنما فتنوا وغروا بسببها. اهـ. "خازن".
ومنها: الطباق في قوله: ﴿تَبِعَنِي﴾ و ﴿عَصَانِي﴾. وفي ﴿نُخْفِي﴾ و ﴿نُعْلِنُ﴾. وفي ﴿الْأَرْضِ﴾ و ﴿السَّمَاءِ﴾.
стр. 6390
ومنها: التكرار في قوله: ﴿رَبَّنَا﴾ وفي قوله: ﴿رَبِّ﴾ لتأكيد الكلام.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. قال (١) الشريف الرضي: وهذه من محاسن الاستعارة، وحقيقة الهوي: النزول من علو إلى انخفاض كالهبوط، والراد: تسرع إليهم شوقًا، وتطير إليهم حبًّا، ولو قال: تحنّ إليهم. لم يكن فيه من الفائدة ما في التعبير بـ ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾؛ لأن الحنين قد يكون من المقيم بالمكان.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾؛ أي: يوم (٢) يثبت حساب المكلفين في المحشر، استعير له لفظ ﴿يَقُومُ﴾ الذي هو حقيقة في قيام الرجل، للدلالة على أنه في غاية الاستقامة، كما يقال: قامت الحرب على ساق.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ إن قلنا: إنه من كلام الله معترض بين كلامي إبراهيم؛ لأن حق العبارة حينئذٍ أن يقال: وما يخفى علي من شيء.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 6391
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر أن جزاء من بدلوا نعمة الله كفرًا، وجعلوا له الأنداد جهنم يصلونها وبئس المهاد، وطلب إلى عباده المؤمنين مجاهدة النفس والهوى وإقامة فرائض الدين .. ذكر هنا تسلية لرسوله وتهديدًا للظالمين من أهل مكة أن تأخيرهم وتمتعهم بالحظوظ الدنيوية ليس بإهمال للعقوبة، ولا لغفلة عن حالهم، وإنما كان لحكمة اقتضت ذلك، وهم مرصدون ليوم شديد الهول له من الأوصاف ما بين بعد، وعليك أيها الرسول أن تنذر الناس بقرب حلوله، وأنهم في ذلك اليوم سيطلبون المرد إلى الدنيا ليجيبوا دعوة الداعي، وهيهات هيهات.
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ ... ردَّ فِيْ الضَّرْعِ مَا قَرَى في الْحِلاَبِ
وقد كان لكم معتبر في تلك المساكن التي تسكنونها، فإنها كانت لقوم أمثالكم كفروا بأنعم الله، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. ألا إن وعد الله لرسله لا
стр. 6392
يخلف وهو ناصرهم وخاذل أعدائه، كما قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾، وقال: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ومحاسبهم في يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات، يوم يخرجون من قبورهم للحساب أمام الواحد القهار، وترى حال المجرمين يجل عن الوصف، وهذا الذي قصصته عليكم تبليغ وإنذار؛ ليتذكر به ذوو العقول الراجحة، وليعلموا أن الله واحد لا شريك له.
التفسير وأوجه القراءة
٤٢ - ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: ولا تظنن الله يا محمد أو أيها المخاطب ﴿غَافِلًا﴾؛ أي: ساهيًا ﴿عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ من ظلمهم، فلا ينتقم منهم، والظالمون أهل مكة وغيرهم من كل أهل شرك وظلم، وهو خطاب لرسول الله ﷺ ، والمعنى: دم على ما كنت عليه من عدم حسبانه تعالى غافلًا عن أعمالهم، ولا تحزن بتأخير ما يستحقونه من العذاب الأليم. ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ قرئ بفتح السين وكسرها قراءتان سبعيتان، وكذا يقال: في قوله الآتي: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾. اهـ. شيخنا. والغفلة (١): معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقائق الأمور. وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وهذا في حق الله محال، فلا بدّ من تأويل الآية، فالمقصود منها أنه ينتقم من الظالم للمظلوم، ففيه وعيد وتهديد للظالم، وإعلام له بأن لا يعامله معاملة الغافل عنه، بل ينتقم ولا يتركه مغفلًا. قال سفيان بن عيينة: فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم.
فإن قلت: تعالى الله عن السهو والغفلة، فكيف يحسبه رسول الله ﷺ غافلًا وهو أعلم الناس به أنه لم يكن غافلًا حتى قيل له: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾؟
قلتُ: إذا كان المخاطب به رسول الله ﷺ ، ففيه وجهان:
أحدهما: التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلًا، فهو
стр. 6393
كقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وكقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾؛ أي: اثبتوا على ما أنتم عليه من الإيمان.
الوجه الثاني: أن المراد بالنهي عن حسبانه غافلًا: الإعلام بأنه عالم بما يفعل الظالمون لا يخفى عليه شيء، وأنه ينتقم منهم فهو على سبيل الوعيد والتهديد لهم.
والمعنى: ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عنهم، ولكن يعاملهم معالمة الرقيب الحفيظ عليهم، والمحاسب لهم على الصغير والكبير، والنقير والقطمير. وفي الآية وعند كظيم للظالمين وتسلية للمظلومين، وإن كان المخاطب غير النبي ﷺ فلا إشكال فيه ولا سؤال؛ لأن أكثر الناس غير عارفين بصفات الله، فمن جوز أن يحسبه غافلًا فلجهله بصفاته.
والخلاصة على الوجه الأول: ولا تحسبن الله يا محمد غافلًا عما يعمل الظالمون؛ أي (١): تاركًا عقوبة المشركين بما عملوا، والمراد تثبته ﷺ على ما كان عليه من أنه ﷺ لا يحسب الله غافلًا، والمقصود: تنبيهه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم .. للزم عليه تعالى أحد الأمور الثلاثة: إما أن يكون غافلًا عن ذلك الظالم، أو عاجزًا عن الانتقام، أو راضيًا بذلك الظلم، وكل ذلك محال عليه تعالى، فامتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم.
ثم أوعدهم حلول يوم يحاسبون فيه على أعمالهم، وفيه من الهول ما يحير اللب واللبيب، ويدهش العقل والعقيل، فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ أي: إنما يمهلهم بلا عذاب الاستئصال، ويمتعهم بكثير من لذات الحياة، ولا يعجل عقوبتهم ﴿لِيَوْمٍ﴾؛ أي: إلى يوم شديد الهول ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: ترتفع فيه أبصار أهل الموقف، وتبقى مفتوحة لا تطرف ولا تتحرك أجفانهم من الفزع والاضطراب والدهشة؛ أي: أعينهم مفتوحة لا تتحرك (٢) أجفانهم من هول ما يرونه، يعني أن تأخيره للتشديد والتغليظ، لا للغفلة عن أعمالهم. ولا لإهمالهم،
стр. 6394
ومعنى شخوص البصر حدّة النظر، وعدم استقراره في مكانه، واللام في قوله: ﴿لِيَوْمٍ﴾ تعليل للنهي؛ أي: لا يؤخر عذابهم إلا لأجل يوم هائل. وقيل: بمعنى إلى التي للغاية. وقرأ طلحة بن مصرف شذوذًا (١): ﴿ولا تحسب﴾ بغير نون التوكيد، وكذا: ﴿فلا تحسب الله مخلف وعده رسله﴾. وقرأ عبد الرحمن السلمي والحسن والأعرج والمفضل عن عاصم وعباس بن الفضل وهارون العتكي ويونس بن حبيب عن أبي عمرو شذوذًا أيضًا: ﴿نؤخرهم﴾ بنون العظمة، والجمهور بالياء؛ أي: إنما يؤخرهم الله ، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾،
٤٣ - وقوله: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ حال مقدرة من مفعول ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ أي: يؤخرهم إلى يوم تشخص فيه الأبصار حالة كونهم مهطعين في ذلك اليوم؛ أي: مسرعين إلى الداعي وإجابته ومقبلين عليه بالخوف والذل والخضوع، كإسراع الأسير والخائف والداعي للخلائق هو إسرافيل حيث يدعو إلى الحشر. وعبارة المحلي في سورة ق: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يا مخاطب ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ وهو إسرافيل ﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من السماء، وهو صخرة بيت المقدس أقرب موضع من الأرض إلى السماء يقول: أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة: إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. اهـ. وحالة كونهم ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾؛ أي: رافعيها إلى السماء مع إدامة النظر إليها من غير التفات إلى شيء ولا ينظر أحد إلى أحد ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾؛ أي: لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم، كما كانوا يفعلون في الدنيا في كل لحظة، بل تبقى أعينهم مفتوحة لا تطرف؛ أي: لا تضم من شد الفزع والخوف. وقال في "الكواشي": أصل الطرف تحريك الجفون في النظر، ثم سميت العين طرفًا مجازًا.
والمعنى: أنهم لا يلتفتون ولا ينظرون مواقع أقدامهم لما بهم من الدهشة انتهى. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ﴾؛ أي: قلوبهم ﴿هَوَاءٌ﴾؛ أي: صفر خالية من العقل والفهم؛ لفرط الحيرة والدهشة، كأنها نفس الهواء الخالي عن كل شاغل، والهواء (٢): الخلاء الذي لم تشغله الأجرام، فوصف به، فقيل: قلب فلان هواء إذا كان جبانًا
стр. 6395
لا قوة في قلبه ولا جراءة. وقيل: جوف لا عقول لهم.
ومعنى الآية (١): إن أفئدتهم خالية فارغة لا تعي شيئًا ولا تعقل من شدة الخوف. وفي "الكواشي": تلخيصه: الأبصار شاخصة، والرؤوس مقنعة، والقلوب فارغة زائلة لهول ذلك اليوم، ثبتنا الله وإياكم فيه، والآية تسلية لرسول الله ﷺ ، وتعزية للمظلوم، وتهديد للظالم، وحصول هذه الصفات الخمسة عند المحاسبة.
٤٤ - ثم ذكر مقالتهم حين يرون هذا الهول وما فيه من العذاب، فقال: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾؛ أي: خوف الناس جميعًا يا محمد ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: خوفهم من عذاب يوم يأتيهم العذاب؛ أي: خوفهم هذا اليوم، وهو يوم القيامة؛ لأنه يوم إتيان العذاب، وإنما (٢) اقتصر على ذكر إتيان العذاب فيه مع كونه يوم إتيان الثواب؛ لأن المقام مقام تهديد. وقيل: المراد به يوم موتهم، فإنه أول أوقات إتيان العذاب حيث يعذبون بالسكرات. وقيل: المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل، والأول أولى، وهذا الإنذار للكفرة أصالة، وللمؤمنين تبعية، وإن لم يكونوا معذبين، وانتصاب ﴿يَوْمَ﴾ على أنه مفعول ثان لـ ﴿وَأَنْذِرِ﴾. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ منهم بالشرك والتكذيب. قيل: المراد بـ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هنا هم الناس المذكورون؛ أي: فيقولون، والعدول من الإضمار إلى الإظهار للإشعار بأن الظلم هو العلة فيما نزل بهم، هذا إذا كان المراد بالناس هم الكفار، وعلى تقدير كون المراد بهم من يعم المسلمين، فالمعنى: فيقول الذين ظلموا منهم؛ وهم الكفار. ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ردنا إلى الدنيا و ﴿أَخِّرْنَا﴾؛ أي: أمهلنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾؛ أي: إلى أمد من الزمان معلوم غير بعيد. قال بعضهم: لعل في التركيب تضمينًا كما أشرنا إليه، والتقدير: ردنا إلى ذي أجل قريب؛ أي: قليل وهو الدنيا مؤخّرًا عذابنا، أو المعنى: أخر آجالنا وأبقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك. وقوله: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ جواب الأمر؛ أي: إن أخرتنا نجب دعوتك لعبادك على ألسنة رسلك إلى توحيدك وطاعتك. ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ المرسلين منك إلينا، فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك، ونتدارك ما فرط منا من الإهمال، وإنما جمع الرسل؛
стр. 6396
لأن دعوتهم إلى التوحيد متفقة، فاتباع واحد منهم اتباع لجميعهم، وهذا منهم سؤال للرجوع إلى الدنيا لما ظهر لهم الحق في الآخرة: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
ثم حكى سبحانه ما يجاب به عنهم عندما قالوا هذه المقالة، فقال: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، فالهمزة فيه للاستفهام التقريري التوبيخي التبكيتي داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، ويكون ذلك المحذوف على ما عطف عليه مقولًا لقول محذوف، والتقدير: فيقال (١) لهم توبيخًا وتبكيتًا: ألم تؤخروا في الدنيا، ولم تكونوا أقسمتم من قبل؛ أي: من قبل هذا اليوم؛ أي: حلفتم إذ ذاك بألسنتكم تكبرًا وغرورًا ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾؛ أي: ما لكم انتقال من دار الدنيا وارتحال منها إلى دار أخرى للمجازاة إنكارًا للبعث والنشور، أو بألسنة حالكم حيث استغرقتم في الشهوات وأخلدتم إلى الحياة الدنيا، وأملتم بعيدًا ولم تحدثوا بأنفسكم بالانتقال عن هذه الحال، فكأنكم لا تموتون. وجواب القسم جملة قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ وإنما (٢) جاء بلفظ الخطاب في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ لمراعاة ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾، ولولا ذلك لقال: ما لنا من زوال. وقيل: قسمهم هذا هو ما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.
٤٥ - وجملة قوله: ﴿وَسَكَنْتُمْ ...﴾ إلخ. معطوف على ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾؛ أي: أولم تكونوا أقسمتم وسكنتم؛ أي: استقررتم ونزلتم ﴿فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ﴾؛ أي: منازل الذين ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالشرك والمعاصي، كعاد وثمود وغيرهما غير محدثين لأنفسكم بما لقوا من العذاب بسبب ما اكتسبوا من السيئات ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ﴾؛ أي: وظهر لكم بمشاهدة الآثار وتواتر الأخبار ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد. وفاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ ما دلت عليه الجملة
стр. 6397
المذكورة بعده؛ أي: تبين لكم فعلنا العجيب بهم، وليست (١) جملة ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا﴾ فاعلًا لـ ﴿تَبَيَّنَ﴾؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، ولأن ﴿كَيْفَ﴾ لا يكون إلا ظرفًا أو خبرًا أو حالًا، بل فاعله ما دلت هي عليه دلالة واضحة؛ أي: وظهر لكم فعلنا العجيب بهم من الإهلاك والعقوبة جزاء على شركهم وفسادهم. ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ﴾؛ أي: وبينا لكم في القرآن العظيم ﴿الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: صفات ما فعلوا وما فعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة لكل ظالم لتعتبروا بها، وتقيسوا أعمالكم على أعمالهم، ومآلكم على مآلهم، وتنتقلوا من حلول العذاب العاجل إلى حلول العذاب الآجل، فترتدعوا عما كنتم عليه من الكفر والمعاصي يعني: أنكم سمعتم هذا كله في الدنيا، فلم تعتبروا، فلو رجعتم بعد هذا اليوم .. لا ينفعكم الموعظة أيضًا.
والمعنى (٢): وأقمتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم واطمأننتم فيها، وسرتم سيرة من قبلكم في الظلم والفساد، لم تفكروا فيما سمعتم من أخبار من سكنوها قبلكم، ولم تعتبروا بأيام الله فيهم، وأنه أهلكهم بظلمهم، وأنكم إن سرتم سيرتهم حاق بكم مثل ما حاق بهم بعد أن تبين لكم ما فعلنا بهم من الإهلاك والعقوبة بمعاينة آثارهم وتواتر أخبارهم، ومثلنا لكم فيما كنتم مقيمين عليه من الشرك الأشباه والنظائر، فلم ترعووا ولم تتوبوا من كفركم.
الآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم من العذاب ما نزل، فهيهات هيهات قد فات ما فات، ولن يكون ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط. وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَتَبَيَّنَ﴾ فعلًا ماضيًا، وفاعله ضمير يعود على ما يفهم من الجملة الاستفهامية المذكورة بعده؛ أي: وتبين لكم فعلنا العجيب. وقرأ السلمي شذوذًا: ﴿ونُبَيِّنُ﴾ بضم النون ورفع النون الأخيرة مضارع بين، ويكون على إضمار ونحن نبين، والجملة حالية. وقال المهدوي عن السلمي أنه قرأ كذلك إلا أنه جزم النون عطفًا على ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا﴾؛ أي: ولم نبين فهو مشارك له في التقرير.
стр. 6398
فائدة: واعلم أنه ينبغي للمؤمن أن يكثر ذكر الموت، فإنه لا غنية للمؤمن عن ست خصال (١):
أولاها: علم يدله على الآخرة.
والثانية: رفيق يعينه على طاعة الله، ويمنعه عن عصية الله.
والثالثة: معرفة عدوه والحذر منه.
والرابعة: عبرة يعتبر بها.
والخامسة: إنصاف الخلق؛ لكيلا تكون له يوم القيامة خصماء.
والسادسة: الاستعداد للموت قبل نزوله؛ لكيلا يكون مفتضحًا يوم القيامة.
٤٦ - ثم بين أن حالهم كحال من سبقهم حذو القذة بالقذة، فقال: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ الجملة في محل النصب على الحال؛ أي: فعلنا بالذين ظلموا ما فعلنا، والحال أنهم قد مكروا في إبطال الحق وتقرير الباطل مكرهم العظيم الذي استفرغوا في عمله المجهود وجاوزوا فيه كل حدّ محدود بحيث لا يقدر عليهم غيرهم، والمكر: الخديعة. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾؛ أي: وعند (٢) الله جزاء مكرهم الذي فعلوه، أو: وعند الله مكتوب مكرهم، فهو مجازيهم، أو عند الله مكرهم الذين يمكرهم به على أن يكون المكر مضافًا إلى المفعول. قيل: المراد بهم قوم محمد ﷺ مكروا بالنبي ﷺ حين هموا بقتله أو نفيه. وقيل: والمراد ما وقع من النمروذ حيث حاول الصعود إلى السماء، فاتخذ لنفسه تابوتًا، وربط قوائمه بأربعة نسور.
والخلاصة (٣): عند الله جزاؤهم وما هو أعظم منه فرأيهم آفن؛ إذ هم سلكوا طريقًا كان ينبغي البعد عنها بعد أن استبان فسادها.
стр. 6399
ثم ذكر أن عاقبة مكرهم الخسران والبوار، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ ﴿إن﴾: نافية ﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ واللام: فيه مكسورة، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، وهي لام الجحود الواقعة بعد الكون المنفي على قراءة الجمهور. قال ابن جرير: الاختيار قراءة الجمهور؛ أي: وما (١) كان مكرهم لتزول به آيات الله وشرائعه ومعجزاته الظاهرة على أيدي الرسل التي هي كالجبال في الرسوخ والثبات.
والخلاصة: تحقير شأن مكرهم، وأنه ما كان لتزول منه الآيات والنبوات الثابتة ثبوت الجبال، فليس بمزيل شيئًا منها مهما قوي، وكان غاية في المتانة والعظم. وقيل: ﴿إنّ﴾. ﴿إن﴾ زائدة، واللام: لام الابتداء مفتوحة، والفعل بعدها مرفوع.
والمعنى (٢): وكان مكرهم في العظم والشدة لتزول وتتحرك منه الجبال الظاهرة؛ أي: مسوى لإزالة الجبال عن مقارها معدًّا لذلك. قال في "الإرشاد"؛ أي: وإن كان مكرهم في غاية المتانة والشدة، وعبر عن ذلك بكونه مسوى ومعدًا لذلك؛ لكونه مثلًا في ذلك. وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ بالنون. وقرأ عمر وعلي وعبد الله وأبيّ وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو إسحاق السبيعي وزيد بن علي شذوذًا: ﴿وإن كاد﴾ بالدال بدل النون ﴿لِتَزُولَ﴾ بفتح اللام الأولى ورفع الثانية. وروي كذلك عن ابن عباس. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن وثاب والكسائي كذلك إلا أنهم قرؤوا ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ بالنون فعلى هاتين القرائتين تكون إن هي المخففة من الثقيلة، و (اللام): هي الفارقة، وذلك على مذهب البصريين. وأما على مذهب الكوفيين فـ ﴿إن﴾ نافية، واللام بمعنى إلا، فمن قرأ: ﴿كاد﴾ - بالدال - فالمعنى أنه يقرب زوال الجبال بمكرهم ولا يقع الزوال. وعلى قراءة ﴿كَانَ﴾ - بالنون - يكون زوال الجبال قد وقع، ويكون في ذلك تعظيم مكرهم وشدته، وهو بحيث يزول منه الجبال وتتقطع عن أماكنها، ويحتمل أن يكون معنى ﴿لِتَزُولَ﴾: ليقرب زوالها، فيصير المعنى، كمعنى قراءة كاد، ويؤيد هذا التأويل
стр. 6400
ما ذكره أبو حاتم من أن في قراءة أبيّ: ﴿ولولا كلمة الله لزال من مكرهم الجبال﴾. وينبغي أن تحمل هذه القراءة على التفسير لمخالفتها لسواد المصحف المجمع عليه. وقرأ الجمهور باقي السبعة: ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ بالنون، ﴿مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ - بكسر اللام الأولى ونصب الأخيرة -. ورويت هذه القراءة عن علي أيضًا، وعلى هذه القراءة تكون ﴿إن﴾ نافية و (اللام): المكسورة؛ لتأكيد النفي، والمعنى: ومحال (١) أن تزول الجبال بمكرهم على أن الجبال مثل لآيات الله وشرائعه الثابتة على حالها مدى الدهر. فالجملة على هذا المعنى حال من الضمير في ﴿مَكَرُوا﴾ لا من قوله: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾؛ أي: مكروا، والحال أن مكرهم لم يكن لتزول منه الجبال. وأما على (٢) قراءة الكسائي ومن معه: ﴿لِتَزُولَ﴾ - بفتح اللام الفارقة ورفع الفعل - فالجملة حينئذ حال من قوله: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾؛ أي: وعند الله المكر بهم، والحال أن مكرهم في غاية القوة بحيث تزول منه الجبال.
٤٧ - ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بتعذيب الظالمين ونصر المؤمنين؛ أي: ما وعدهم سبحانه بقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾. وأصله (٣): مخلف رسله وعده، وقدم المفعول الثاني إعلامًا بأن لا يخلف وعده أحدًا، فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته من خلقه، والوعد: عبارة عن الإخبار بإيصال المنفعة قبل وقوعها، والمعنى: دم على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافنا رسلنا وعدنا. وهذه الجملة تفريع (٤) على قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ فكأنه قيل: وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة وأخبرناك بما يلقونه من الشدائد وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا، وبما أجبناهم به وقرعناهم بعدم تأملهم في أحوال من سبقهم من الأمم الذين أهلكناهم بظلمهم بعدما وعدنا رسلهم بإهلاكهم، فدم على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافنا رسلنا وعدنا: فـ ﴿مُخْلِفَ﴾: إما متعد لاثنين
стр. 6401
مضاف لمفعوله الثاني؛ وإما متعد لواحد مضاف لمفعوله، و ﴿رُسُلَهُ﴾، مفعول لـ ﴿وَعْدِهِ﴾.
وقرىء شاذًا (١): ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بجر رسله ونصب وعده. قال الزمخشري: وهذه القراءة في الضعف كقراءة من قرأ: ﴿قتل أولادهم شركائهم﴾ لما فيها من الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وتقدم الكلام عليها مشبعًا في سورة الأنعام. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أي: غالب لا يماكر ولا يغالبه أحد ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ ينتقم لأوليائه في أعدائه، وفي "القاموس": انتقم منه إذا عاقبه، والجملة تعليل للنهي.
والمعنى (٢): أن الله عزيز؛ أي: غالب على أمره لا يمتنع منه من أراد عقوبته قادر على كل من طلبه لا يفوته بالهرب منه، وهو ذو انتقام ممن كفر برسله وكذبهم وجحد بنبوتهم وأشرك به، واتخذ معه إلهًا غيره،
٤٨ - ثم ذكر زمان الانتقام، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؛ أي: إنه تعالى ذو انتقام من أعدائه، يوم تبدل الأرض غير الأرض بأن تتطاير هذه الأرض كالهباء وتصير كالدخان المنتشر، ثم ترجع أرضًا أخرى بعد ذلك، وتبدل السماوات غير السماوات بانتشار كواكبها وانفطارها، وتكوير شمسها وخسوف قمرها، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ معطوف على ﴿الْأَرْضُ﴾، وإنما قدم تبديل الأرض لقربها هنا، ولكون تبديلها أعظم أثرًا بالنسبة إلينا اهـ "كرخي". وقرىء شاذًا: ﴿نبدل﴾ بالنون، ﴿الأرض﴾ بالنصب؛ ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ معطوف على الأرض. وعلى هذا التفسير فالظرف متعلق بـ ﴿انْتِقَامٍ﴾، ويحتمل أن يكون متعلقًا باذكر محذوفًا؛ أي: واذكر يا محمد ﷺ لأمتك قصة يوم تبدل هذه الأرض المعروفة أرضًا أخرى غير معروفة، وتبدل السماوات غير السماوات، ويكون الحشر وقت التبديل عند الظلمة دون الجسر؛ أو يكون الناس على صراط.
стр. 6402
روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط".
وروي عن ابن مسعود وأنس ﵄ من قولهما: يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطيء عليها أحد خطيئة، ولا بدع في أن تكون أرضًا جديدة لم يسكنها أحد، بل تخلق خلقًا جديدًا.
وفي "الخازن": ذكر المفسرون في معنى هذا التبديل قولين (١):
أحدها: أنه تبدل صفة الأرض والسماء، لا ذواتهما. فأما تبديل الأرض فيتغيير صفتها وهيئتها مع بقاء ذاتها: وهو أن تدكدك جبالها وتسوى وهادها وأوديتها، وتذهب أشجارها وجميع ما عليها من عمارة وغيرها لا يبقى على وجهها شيء إلا ذهب وتمد مد الأديم. وأما تبديل السماء فهو أن تنتثر كواكبها وتطمس شمسها وقمرها، ويكوران، وكونها تارة كالدهان وتارة كالمهل، وبهذا القول قال جماعة من العلماء، ويدل على صحة هذا القول ما روي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس بها علم لأحد". أخرجاه في "الصحيحين". العفراء - بالعين المهملة - البيضاء إلى حمرة. ولهذا شبهها بقرصة النقي وهو الخبز الجيد البياض الفائق المائل إلى حمرة، كأن النار ميلت بياض وجهها إلى الحمرة. وقوله: ليس بها علم لأحد يعني: ليس فيها علامة لأحد بتبديل هيئتها وزوال جبالها وجميع بنائها، فلا يبقى فيها أثر يستدل به.
والقول الثاني: هو تبديل ذوات الأرض والسماء، وهذا قول جماعة من العلماء، ثم اختلفوا في معنى هذا التبديل. فقال ابن مسعود في معنى هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاء نقية، لم يسفك بها دم، ولم يعمل عليها خطيئة. وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأرض من فضة والسماء من ذهب.
стр. 6403
وقال أبي بن كعب في معنى التبديل بأن تفسير الأرض نيرانًا والسماء جنانا. وقال أبو هريرة وسعد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل من تحت قدميه. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار سبحانه بيده، كما يتكفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة". أخرجاه في "الصحيحين" بزيادة فيه.
فإن قلت: إذا فسرت التبديل بما ذكرت، فكيف يمكن الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ وهو أن تحدث بكل ما عمل عليها؟
قلتُ: وجه الجمع بين الآيتين أن الأرض تبدل أولًا صفتها مع بقاء ذاتها، كما تقدم فيومئذ تحدث أخبارها، ثم بعد ذلك تبدل تبديلًا ثانيًا، وهو أن تبدل ذاتها بغيرها، كما تقدم أيضًا، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط". أخرجه مسلم. وروى ثوبان أن حبرًا من اليهود سأل رسول الله ﷺ : أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ قال: "هم في الظلمة دون الجسر" ذكره البغوي بغير سند. ففي هذين الحديثين دليل على أن تبديل الأرض ثاني مرة يكون بعد الحساب، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه انتهى.
وقوله: ﴿وَبَرَزُوا﴾ معطوف على ﴿تُبَدَّلُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لأمتك قصة يوم برز الخلائق وخرجوا جميعًا من قبورهم ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لحكم الله تعالى وقضائه، والوقوف بين يديه للحساب؛ أي: خرجوا من قبورهم للقاء الله. ﴿الْوَاحِدِ﴾ الذي لا ثاني له ولا شريك معه المنزه عن الشبه والضد والند. ﴿الْقَهَّار﴾؛ أي: الغالب الذي يقهر عباده على ما يريد ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وقرأ زيد بن علي شذوذًا: ﴿وَبَرَزُوا﴾ - بضم الباء وكسر الراء مشددة - جعله مبنيًّا للمفعول على سبيل التكثير بالنسبة إلى العالم وكثرتهم لا بالنسبة إلى تكرير الفعل. ذكره في "البحر".
стр. 6404
وعبر (١) عن المستقبل بلفظ الماضي للتنبيه على تحقق وقوعه، كما في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وفي (٢) هذا من تهويل الخطب ما لا يخفى؛ لأنهم إذا وقفوا عند ملك عظيم قهار لا يشاركه سواه في سلطانه كانوا على خطر، إذ لا منازع له ولا مغيث سواه، وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب، فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار.
٤٩ - وبعد أن وصف سبحانه نفسه بكونه قهارًا بين عجز المجرمين وذلتهم، فقال: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: وتبصر يا محمد ﷺ ، أو أيها المخاطب الكافرين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ برزوا لله الواحد القهار حالة كونهم ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾؛ أي: مشدودين في الأغلال والقيود؛ أي: حالة كون بعضهم يقرن مع بعض الأصفاد بحسب مشاركتهم في العقائد الفاسدة، أو قرنوا مع الشياطين الذين أغووهم، أو قرنت أيديهم وأرجهلهم إلى رقابهم بالأغلال والأصفاد - جمع صفد - القيود والأغلال، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، أو حال من ضميره.
٥٠ - ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ جمع سربال؛ أي: قمصانهم ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ تطلى به جلودهم حتى يعود ذلك الطلاء كالسرابيل، وخصّ القطران لسرعة اشتعال النار فيه مع نتن رائحته. والقطران (٣): هو عصارة الأبهل والأرز ونحوهما. وقال بعضهم: هو ما يتحلب من الأبهل، فيطبخ فتهناء به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحدته، وقد تصل حرارته إلى الجوف، وهو أسود منتن يسرع فيه اشتعال النار يطلى به جلود أهل النار، يعود طلاؤه لهم كالسرابيل، ليجتمع عليهم الألوان الأربعة من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الموحش، ونتن الريح على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾؛ أي: تعلو وجوههم وتضربها النار وتحيط بها، وخصّ الوجوه (٤) بالذكر مع أن ذلك يكون لسائر الجسم لأنها أشرف ما في البدن وفيها الحواس المدركة
стр. 6405
فهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات والجملة في محل نصب على الحال أيضًا.
٥١ - وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: يفعل ذلك بهم ليجزي ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ مجرمة جزاء ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من أنواع الكفر والمعاصي جزاء موافقًا لعملها ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيتمه في أعجل ما يكون من الزمان. قيل: يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك، فلا يشغله حساب عن حساب، فيوفى الجزاء بحسبه، ولا يظلمهم ولا يزيدهم على عقابهم الذي يستحقونه. وقرأ (١) علي وأبو هريرة وابن عباس وعكرمة وابن جبير وابن سيرين والحسن بخلاف عنه وسنان بن سلمة بن المخنق وزيد بن علي وقتادة وأبو صالح والكلبي وعيسى الهمذاني وعمرو بن فائد وعمرو بن عبيد ﴿من قَطِرٍ﴾ بفتح القاف وكسر الطاء وتنوين الراء ﴿آن﴾ بوزن عان، وهي قراءة شاذة وليست متواترة، وجعلوا كلمتين، والقطر: النحاس، والآني: اسن فاعل من أنى يأنى؛ أي: تناهى في الحرارة كقوله: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. وقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب: ﴿من قَطْران﴾ - بفتح القاف وإسكان الطاء - بزنة سكران وهي قراءة شاذة أيضًا. وقرأ الجمهور: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ﴾ بالنصب وقرىء بالرفع، فالأول على نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ فهو على حقيقة الغشيان، والثانية على التجوز جعل ورود الوجه على النار غشيانًا. وقرىء: ﴿وتغشى وجوههم﴾ بمعنى تتغشى.
٥٢ - ﴿هَذَا﴾ القرآن الذي أنزل إليك يا محمد ﷺ ﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: مبلغ (٢) للناس إلى مراتب السعادة، وموصل لهم إليها، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل. وميل: المعنى ﴿هَذَا﴾ القرآن الذي أنزل إليك يا محمد بما فيه من فنون العظات والقوارع ﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: كفاية لهم في الموعظة والتذكير. قال في
стр. 6406
"القاموس": البلاغ: كسحاب الكفاية. وقوله: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾: معطوف على محذوف مع متعلقه تقديره: أنزل إليك ليبلغهم إلى ما فيه صلاحهم ورشادهم، ولينذروا به؛ أي: وليخوفوا بالقرآن ومواعظه وزواجره عما فيه هلاكهم وشقاؤهم ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ بما فيه من الحجج والبراهين ﴿أَنَّمَا هُوَ﴾؛ أي: الله ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: معبود منفرد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له، فيعبدوه ولا يعبدوا إلهًا غيره من الدنيا والهوى والشيطان وما يعبدون من دون الله؛ أي: وليعلموا بما فيه ويستدلوا على وحدانية الله تعالى ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: وليتعظ بهذا القرآن وما فيه من المواعظ أصحاب العقول الكاملة، والأفهام الثاقبة، والعقائد الصحيحة فهو عظة لمن اتعظ وعبرة لمن اعتبر. وقيل (١): هذه اللامات متعلقة بـ ﴿بَلَاغٌ﴾؛ أي: هذا القرآن بلاغ للناس؛ أي: كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله تعالى فيه من الحجج والبراهين ووحدانيته ، وأنه لا شريك له، وليتعظ به أصحاب العقول التي تعقل وتدرك، وأسند التذكر والاتعاظ إلى من له لب؛ لأنهم هم الذين يجدي فيهم التذكر.
واعلم: أنه (٢) ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي: الغاية والحكمة في إنزال الكتب، وتكميل الرسل للناس واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوة العملية الذي هو التدرع بلباس التقوى. وقرأ (٣) مجاهد وحميد شذوذًا: ﴿ولتنذروا﴾ بتاء مضمومة وكسر الذال كأن البلاغ لعموم المخاطبين. وقرأ يحيى بن عمارة الذراع عن أبيه وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي: ﴿ولينذروا﴾ بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء إذا علم به، فاستعد له قالوا: ولم يعرف لهذا الفعل مصدر، فهو مثل عسى وغيره مما استعمل من الأفعال، ولم يعرف له أصل.
وناسب مختتم هذه السورة مفتتحها (٤)، وكثيرًا ما جاء في سور القرآن حتى إن بعضهم زعم أن قوله: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِه﴾ معطوف على قوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾.
стр. 6407
وجملة ما هذه السورة من الموضوعات ثمانية:
١ - هداية الناس إلى معرفة ربهم الخالق للسماوات والأرض.
٢ - ذم الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا، ويصدون عن الدين القويم.
٣ - بيان أن الرسل إنما يرسلون بلغات أقوامهم؛ ليسهل عليهم فهم الأوامر والنواهي.
٤ - التذكير بأيام الله تعالى ببيان ما حدث للرسل مع أقوامهم؛ ليكون في ذلك تسلية لرسوله وما هدد به الأمم رسلهم من الإخراج والنفي من الديار.
٥ - وعيد الكافرين على كفرهم، وذكر ما يلقونه من العذاب، وضرب الأمثلة لذلك.
٦ - وعد المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار، وضرب المثل لذلك.
٧ - دعوة إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام التي أضلت كثيرًا من الناس، ثم شكره على ما وهبه من الأولاد على كبر سنه، ثم طلبه المغفرة منه له ولوالديه وللمؤمنين يوم العرض والحساب.
٨ - بيان أن تأخير العذاب عن المجرمين ليوم معلوم إنما كان لحكمة اقتضت ذلك، وحينئذ يرون من الذلة والصغار وسوء العذاب ما يجل عنه الوصف.
الإعراب
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾.
﴿وَلَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾: فعل ومفعولان في مجل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿غَافِلًا﴾. ﴿يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عما يعمله. ﴿إِنَّمَا﴾؛ أداة حصر ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة
стр. 6408
مستأنفة لتعليل ما قبلها. ﴿لِيَوْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾. ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾: فعل وفاعل فيه متعلق بـ ﴿تَشْخَصُ﴾، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾، ولكنها صفة سببية.
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾.
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: حالان من المضاف المحذوف؛ إذ التقدير: أصحاب الأبصار، أو تكون (١) الأبصار دلت على أربابها، فجاءت الحال من المدلول عليه، ويجوز أن يكونا مفعولين لفعل محذوف تقديره: تراهم مهطعين مقنعي رؤوسهم، والإضافة في قوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ غير محضة؛ لأنه مستقبل أو حال. ﴿لَا يَرْتَدُّ﴾: فعل مضارع. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿طَرْفُهُمْ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير في ﴿مُقْنِعِي﴾، أو بدل من ﴿مُقْنِعِي﴾، أو مستأنفة. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿إِلَيْهِمْ﴾، والعامل فيه (٢) إما ﴿يَرْتَدُّ﴾، وإما ما قبله من العوامل، وأفرد ﴿هَوَاءٌ﴾ وإن كان خبرًا عن جمع؛ لأنه في معنى فارغة، ولو لم يقصد ذلك .. لقيل: أهوية؛ ليطابق الخبر مبتدأه. اهـ. "سمين". ومعنى الآية: أفئدتهم خالية فارغة لا تعي شيئًا، ولا تعقل من شدة الخوف.
﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾.
﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ فـ ﴿يَوْمَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿وَأَنْذِرِ﴾، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: أهوال يوم وشدائده، فهو مفعول به لا مفعول فيه؛ إذ لا إنذار في ذلك اليوم وإنما الإنذار يقع في الدنيا اهـ شيخنا. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على ﴿يَأْتِيهِمُ﴾. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل صلة
стр. 6409
الموصول. ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا﴾ إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول على كونه جواب النداء. ﴿أَخِّرْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَخِّرْنَا﴾. ﴿قَرِيبٍ﴾: صفة ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾: فعل ومفعول مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الظالمين. ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿نُجِبْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الظالمين.
﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام التقريري داخلة على محذوف، و (الواو): عاطفة على ذلك المحذوف، ويكون ذلك المحذوف مع ما عطف عليه مقولًا لقول محذوف، فيقال لهم: ألم تؤخروا في الدنيا ولم تكونوا أقسمتم؟ ﴿لم تكونوا﴾: فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿تكون﴾، وجملة ﴿تكون﴾ في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا للقول المحذوف، وجملة القول المحذوف مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾ نافية حجازية، أو تميمية. ﴿لَكُمْ﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿زَوَالٍ﴾: اسمها مؤخر، أو مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب.
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾.
﴿وَسَكَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾. ﴿فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سكنتم﴾. ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿وَتَبَيَّنَ﴾: فعل ماض، وفاعله محذوف معلوم مما بعده تقديره: فعلنا بهم، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾، ولا يصح (١)
стр. 6410
أن يكون ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا﴾ فاعلًا لـ ﴿تبين﴾؛ لأن الاستفهام له الصدارة، وقال بعض الكوفيين: إن جملة ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ هو الفاعل وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلًا. ﴿لَكُمُ﴾ متعلقان به ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام تعجيب في محل النصب على التشبيه بالمفعول به لـ ﴿فَعَلْنَا﴾ مبني على الفتح. ﴿فَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَضَرَبْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْأَمْثَالَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة.
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.
﴿وَقَدْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مَكْرُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿مَكَرُوا﴾. ﴿وَإِنْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿إن﴾: نافية. ﴿كَانَ مَكْرُهُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لِتَزُولَ﴾ (اللام): حرف جر وجحود. ﴿تزول﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْجِبَالُ﴾: فاعل مرفوع، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: وإن كان مكرهم لزوال الجبال منه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كَانَ﴾ تقديره: وإن كان مكرهم صالحًا لزوال الجبال منه، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة.
﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾.
﴿فَلَا﴾: (الفاء): تفريعية. ﴿لا تحسبن الله﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وما بينهما جمل معترضة. ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿رُسُلَهُ﴾: مفعول به لـ ﴿وَعْدِهِ﴾؛ لأنه مصدر مضاف لفاعله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾: صفة لـ ﴿عَزِيزٌ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.