← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.

стр. 6406

"القاموس": البلاغ: كسحاب الكفاية. وقوله: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾: معطوف على محذوف مع متعلقه تقديره: أنزل إليك ليبلغهم إلى ما فيه صلاحهم ورشادهم، ولينذروا به؛ أي: وليخوفوا بالقرآن ومواعظه وزواجره عما فيه هلاكهم وشقاؤهم ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ بما فيه من الحجج والبراهين ﴿أَنَّمَا هُوَ﴾؛ أي: الله ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: معبود منفرد في ذاته وصفاته وأفعاله لا شريك له، فيعبدوه ولا يعبدوا إلهًا غيره من الدنيا والهوى والشيطان وما يعبدون من دون الله؛ أي: وليعلموا بما فيه ويستدلوا على وحدانية الله تعالى ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: وليتعظ بهذا القرآن وما فيه من المواعظ أصحاب العقول الكاملة، والأفهام الثاقبة، والعقائد الصحيحة فهو عظة لمن اتعظ وعبرة لمن اعتبر. وقيل (١): هذه اللامات متعلقة بـ ﴿بَلَاغٌ﴾؛ أي: هذا القرآن بلاغ للناس؛ أي: كفاية لهم في أن ينصحوا وينذروا ويعلموا بما أقام الله تعالى فيه من الحجج والبراهين ووحدانيته ، وأنه لا شريك له، وليتعظ به أصحاب العقول التي تعقل وتدرك، وأسند التذكر والاتعاظ إلى من له لب؛ لأنهم هم الذين يجدي فيهم التذكر. واعلم: أنه (٢) ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي: الغاية والحكمة في إنزال الكتب، وتكميل الرسل للناس واستكمالهم القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوة العملية الذي هو التدرع بلباس التقوى. وقرأ (٣) مجاهد وحميد شذوذًا: ﴿ولتنذروا﴾ بتاء مضمومة وكسر الذال كأن البلاغ لعموم المخاطبين. وقرأ يحيى بن عمارة الذراع عن أبيه وأحمد بن يزيد بن أسيد السلمي: ﴿ولينذروا﴾ بفتح الياء والذال مضارع نذر بالشيء إذا علم به، فاستعد له قالوا: ولم يعرف لهذا الفعل مصدر، فهو مثل عسى وغيره مما استعمل من الأفعال، ولم يعرف له أصل. وناسب مختتم هذه السورة مفتتحها (٤)، وكثيرًا ما جاء في سور القرآن حتى إن بعضهم زعم أن قوله: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِه﴾ معطوف على قوله: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾.

стр. 6407

وجملة ما هذه السورة من الموضوعات ثمانية: ١ - هداية الناس إلى معرفة ربهم الخالق للسماوات والأرض. ٢ - ذم الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا، ويصدون عن الدين القويم. ٣ - بيان أن الرسل إنما يرسلون بلغات أقوامهم؛ ليسهل عليهم فهم الأوامر والنواهي. ٤ - التذكير بأيام الله تعالى ببيان ما حدث للرسل مع أقوامهم؛ ليكون في ذلك تسلية لرسوله وما هدد به الأمم رسلهم من الإخراج والنفي من الديار. ٥ - وعيد الكافرين على كفرهم، وذكر ما يلقونه من العذاب، وضرب الأمثلة لذلك. ٦ - وعد المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار، وضرب المثل لذلك. ٧ - دعوة إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام التي أضلت كثيرًا من الناس، ثم شكره على ما وهبه من الأولاد على كبر سنه، ثم طلبه المغفرة منه له ولوالديه وللمؤمنين يوم العرض والحساب. ٨ - بيان أن تأخير العذاب عن المجرمين ليوم معلوم إنما كان لحكمة اقتضت ذلك، وحينئذ يرون من الذلة والصغار وسوء العذاب ما يجل عنه الوصف. الإعراب ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾. ﴿وَلَا﴾ (الواو): استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾: فعل ومفعولان في مجل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿غَافِلًا﴾. ﴿يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عما يعمله. ﴿إِنَّمَا﴾؛ أداة حصر ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة

стр. 6408

مستأنفة لتعليل ما قبلها. ﴿لِيَوْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾. ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾: فعل وفاعل فيه متعلق بـ ﴿تَشْخَصُ﴾، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾، ولكنها صفة سببية. ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾. ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: حالان من المضاف المحذوف؛ إذ التقدير: أصحاب الأبصار، أو تكون (١) الأبصار دلت على أربابها، فجاءت الحال من المدلول عليه، ويجوز أن يكونا مفعولين لفعل محذوف تقديره: تراهم مهطعين مقنعي رؤوسهم، والإضافة في قوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ غير محضة؛ لأنه مستقبل أو حال. ﴿لَا يَرْتَدُّ﴾: فعل مضارع. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿طَرْفُهُمْ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير في ﴿مُقْنِعِي﴾، أو بدل من ﴿مُقْنِعِي﴾، أو مستأنفة. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿إِلَيْهِمْ﴾، والعامل فيه (٢) إما ﴿يَرْتَدُّ﴾، وإما ما قبله من العوامل، وأفرد ﴿هَوَاءٌ﴾ وإن كان خبرًا عن جمع؛ لأنه في معنى فارغة، ولو لم يقصد ذلك .. لقيل: أهوية؛ ليطابق الخبر مبتدأه. اهـ. "سمين". ومعنى الآية: أفئدتهم خالية فارغة لا تعي شيئًا، ولا تعقل من شدة الخوف. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾. ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ فـ ﴿يَوْمَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿وَأَنْذِرِ﴾، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: أهوال يوم وشدائده، فهو مفعول به لا مفعول فيه؛ إذ لا إنذار في ذلك اليوم وإنما الإنذار يقع في الدنيا اهـ شيخنا. ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على ﴿يَأْتِيهِمُ﴾. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل صلة

стр. 6409

الموصول. ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا﴾ إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول على كونه جواب النداء. ﴿أَخِّرْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَخِّرْنَا﴾. ﴿قَرِيبٍ﴾: صفة ﴿أَجَلٍ﴾. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾: فعل ومفعول مجزوم بالطلب السابق، وفاعله ضمير يعود على الظالمين. ﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿نُجِبْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الظالمين. ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام التقريري داخلة على محذوف، و (الواو): عاطفة على ذلك المحذوف، ويكون ذلك المحذوف مع ما عطف عليه مقولًا لقول محذوف، فيقال لهم: ألم تؤخروا في الدنيا ولم تكونوا أقسمتم؟ ﴿لم تكونوا﴾: فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿تكون﴾، وجملة ﴿تكون﴾ في محل النصب معطوفة على ذلك المحذوف على كونها مقولًا للقول المحذوف، وجملة القول المحذوف مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾ نافية حجازية، أو تميمية. ﴿لَكُمْ﴾: خبرها، أو خبر المبتدأ مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿زَوَالٍ﴾: اسمها مؤخر، أو مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾. ﴿وَسَكَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾. ﴿فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سكنتم﴾. ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿وَتَبَيَّنَ﴾: فعل ماض، وفاعله محذوف معلوم مما بعده تقديره: فعلنا بهم، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَقْسَمْتُمْ﴾، ولا يصح (١)

стр. 6410

أن يكون ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا﴾ فاعلًا لـ ﴿تبين﴾؛ لأن الاستفهام له الصدارة، وقال بعض الكوفيين: إن جملة ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ هو الفاعل وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلًا. ﴿لَكُمُ﴾ متعلقان به ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام تعجيب في محل النصب على التشبيه بالمفعول به لـ ﴿فَعَلْنَا﴾ مبني على الفتح. ﴿فَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَضَرَبْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْأَمْثَالَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾. ﴿وَقَدْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مَكْرُهُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿مَكَرُوا﴾. ﴿وَإِنْ﴾ (الواو): استئنافية. ﴿إن﴾: نافية. ﴿كَانَ مَكْرُهُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لِتَزُولَ﴾ (اللام): حرف جر وجحود. ﴿تزول﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿الْجِبَالُ﴾: فاعل مرفوع، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: وإن كان مكرهم لزوال الجبال منه، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿كَانَ﴾ تقديره: وإن كان مكرهم صالحًا لزوال الجبال منه، وجملة ﴿كَانَ﴾ مستأنفة. ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾. ﴿فَلَا﴾: (الفاء): تفريعية. ﴿لا تحسبن الله﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ وما بينهما جمل معترضة. ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه. ﴿رُسُلَهُ﴾: مفعول به لـ ﴿وَعْدِهِ﴾؛ لأنه مصدر مضاف لفاعله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾: صفة لـ ﴿عَزِيزٌ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 6411

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يا محمد لأمتك قصة يوم تبدل الأرض، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ﴾: فعل ونائب فاعل، وهو المفعول الأول. ﴿غَيْرَ الْأَرْضِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿تُبَدَّلُ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾: معطوف على ﴿الْأَرْضِ﴾. ﴿وَبَرَزُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على ﴿تُبَدَّلُ﴾. ﴿لله﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿برزوا﴾. ﴿الْوَاحِدِ﴾: صفة للجلالة. ﴿الْقَهَّارِ﴾: صفة ثانية للجلالة، أو صفة لـ ﴿الْوَاحِدِ﴾. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾. ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾: فعل ومفعول به؛ لأن ﴿ترى﴾ بصرية، وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب، والجملة مستأنفة. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ترى﴾. ﴿مُقَرَّنِينَ﴾: حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾: متعلق به. ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، أو من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾، أو من ﴿مُقَرَّنِينَ﴾. ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾. ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿برزوا﴾، وما بينهما اعتراض، أو بمحذوف تقديره: فعلنا ذلك بهم للجزاء. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿يجزي﴾. ﴿كَسَبَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿نَفْسٍ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كسبته. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.

стр. 6412

﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾. ﴿هَذَا بَلَاغٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿بَلَاغٌ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿وَلِيُنْذَرُوا﴾: (الواو): عاطفة على محذوف تقديره: أنزل إليك هذا القرآن ليبلغهم إلى مراتب السعادة. و (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿ينذروا﴾: فعل ونائب فاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل تقديره: أنزل إليك لتبليغهم إلى مراتب السعادة ولإنذارهم به، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿بِهِ﴾ متعلقان به ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ (الواو): عاطفة. ﴿ليعلموا﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يعلموا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولعلمهم، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿ما﴾: كافة لكلها ما قبلها عن العمل فيما بعدها. ﴿هُوَ إِلَهٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة ﴿إِلَهٌ﴾، والجملة الاسمية صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم تقديره: وليعلموا كون المعبود إلهًا واحدًا لا شريك له، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور قبله. ﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ (الواو): عاطفة. و (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يذكر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ﴿يذكر﴾. ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه منصوب بأن مضمرة، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: ولتذكر أولي الألباب، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ قال الفراء: يقال: شخص الرجل بصره، وشخص البصر نفسه إلى السماء من هول ما يرى يشخص - من باب ذهب - شخوصًا إذا بقيت مفتوحة لا تتحرك من شدة الحيرة والدهشة. ﴿مُهْطِعِينَ﴾؛ أي: مسرعين إلى الداعي اسم فاعل (١) من أهطع الرباعي

стр. 6413

يهطع إهطاعًا إذا أسرع. وقيل: المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع، ومنه قول الشاعر: بِدَجْلَةَ دَارُهُمْ وَلَقَدْ أرَاهُمْ ... بِدَجْلَةَ مُهْطِعِيْنَ إِلَى السَّمَاءِ وقيل: المهطع الذي يديم النظر. قال أبو عبيدة: قد يكون الوجهان جميعًا يعني الإسراع مع إدامة النظر، وقيل: المهطع الذي لا يرفع رأسه. وقال ثعلب: المهطع الذي ينظر في ذل وخضوع. وقيل: هو الساكت. قال النحاس: والمعروف في اللغة: أهطع إذا أسرع. وفي "المختار": أهطع الرجل إذا مدّ عنقه وصوب رأسه، وأهطع في عدوه إذا أسرع. ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾؛ أي: رافعيها مع الإقبال بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شيء وإقناع الرأس رفعه وأقنع صوته إذا رفعه، والمعنى: أنهم يومئذ رافعون رؤوسهم إلى السماء ينظرون إليها نظر فزع وذل ولا ينظر بعضهم إلى بعض. وقيل: إن إقناع الرأس نكسه. وقيل: يقال أقنع إذا رفع رأسه وأقنع إذا طأطأ ذلة وخضوعًا، والآية محتملة للوجهين. قال المبرد: والقول الأول أعرف في اللغة. قال الشاعر: أنْغَضَ نَحْوِيْ رَأسَهُ وَأقْنَعَا ... كَأَنَّمَا أبْصَرَ شَيْئًا أَطْمَعَا وفي "السمين" (١): والإقناع: رفع الرأس وإدامة النظر من غير التفات إلى غيره. قاله القتبي. اهـ. وفي "القاموس": وأقنعه: أرضاه ورأسه نصبه ورفعه أولًا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، وجعل طرفه موازيًا. ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾؛ أي: لا ترجع إليهم أبصارهم، وأصل الطرف تحريك الأجفان، وسميت العين طرفًا؛ لأنه يكون بها، ومن إطلاق الطرف على العين قول عنترة: وَأَغُضُّ طَرْفِيْ مَا بَدَتْ لِيْ جَارَتِي ... حَتَّى يُوَارِي جَارتِيْ مَأوَاهَا وفي "السمين": والطرف في الأصل مصدر، والطرف أيضًا: الجفن، يقال:

стр. 6414

ما طبق طرفه؛ أي: جفنه على الآخر، والطرف أيضًا تحريك الجفن. اهـ. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ﴾؛ أي: قلوبهم جمع فؤاد. ﴿هَوَاءٌ﴾؛ أي: خالية (١) من العقل والفهم، لفرط الحيرة والدهشة، ويقال للجبان والأحمق: قلبه هواء؛ أي: لا قوة ولا رأي له، كما قال حسان يهجو أبا سفيان بن حرب: أَلاَ أَبْلِغْ أبَا سفيانَ عَنِّي ... فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءٌ وفي "المختار": الهواء ممدودًا ما بين السماء والأرض، والجمع أهوية، وكل خال هواء. اهـ. وإنما أفرد هواء مع كونه خبرًا عن جمع؛ لأنه في معنى فارغة، ولو لم يقصد ذلك .. لقيل: أهوية، ليطابق الخبر مبتدأه اهـ. "سمين". ومعنى الآية: أن القلوب يومئذٍ زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة، والرؤوس مرفوعة إلى السماء من هول ذلك اليوم وشدته. ﴿مِنْ زَوَالٍ﴾؛ أي: من انتقال من دار الدنيا إلى دار أخرى للجزاء. ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: بينا لكم (٢) أنهم مثلكم في الكفر واستحقاق العذاب. ﴿وَبَرَزُوا﴾؛ أي: خرجوا من قبورهم. ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾؛ أي: مشدودين في القيود والأغلال جمع مقرن والمقرن من جمع في القرن، وهو الحبل الذي يربط به. وروي أن كل كافر يقرن مع شيطانه في سلسلة. والأصفاد جمع صَفَد - بفتحتين -: وهو القيد. والأغلال جمع غُل - بضم الغين -: وهو طوق من حديد، يقال: صفده يصفده صفدًا - من باب ضرب - إذا قيده، والاسم الصفد، وصفّده مشددًا للتكثير. اهـ. "سمين". ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾: السرابيل: القمص، واحدها: سربال، ومنه قول كعب بن مالك: تَلْقَاكُمُ عُصَبٌ حَوْلَ النَّبِيِّ لَهُمْ ... مِنْ نَسْجِ دَاوُوْدَ فِيْ الْهَيْجَا سَرَابِيْلُ

стр. 6415

يقال: سربلته إذا ألبسته السربال. ﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ والقطران؛ دهن يتحلب من شجر الأبهل والعرعر والتوت، كالزفت تدهن به الإبل إذا جربت وهو الهنأ: يقال: هنأت البعير أهنؤه بالهنأ إذا طلبته بالهنأ؛ وهو أسود اللون منتن الريح. وفي "السمين": القطران: ما يستخرج من شجر فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب؛ ليذهب جربها لحدته، وفيه لغات ﴿قطران﴾ - بفتح القاف وكسر الطاء - وهي قراءة العامة المتواترة، ﴿قَطْران﴾ بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄. و ﴿قِطْران﴾ - بكسر القاف وسكون الطاء - بزنة سرحان، ولم يقرأ بها فيما علمت. وقرأ جماعة ﴿من قطر﴾ - بفتح القاف وكسر الطاء وتنوين الراء (آن) بوزن عان، وجعلوها كلمتين كما مر في مبحث القراءة وقد مر أيضًا أن هذه القراءات شاذة عدا قراءة الجمهور ﴿قَطِران﴾. ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾؛ أي: تعلوها وتحيط بها. ﴿هَذَا بَلَاغٌ﴾ والبلاغ: اسم مصدر لبلغ تبليغًا، فهو بمعنى اسم الفاعل؛ أي: مبلغ للناس إلى مراتب السعادة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآية ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التهديد في قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه، والأصل: وأفئدتهم كالهواء، لفراغها من جميع الأشياء، فصار التشبيه بليغًا. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ حذف منه والسماوات تبدل غير السماوات لدلالة ما سبق عليه. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية، حيث شبه شرائع الإِسلام ومعجزات

стр. 6416

الرسول ﷺ بالجبال بجامع الثبات والقرار في كل. ومنها: الإظهار مقام الإضمار في قوله: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا﴾ لتقدم المرجع في قوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾. ومنها: العدول عن المضارع إلى الماضي في قوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ بدل: ويبرزون؛ للدلالة على تحقق الوقوع مثل: ﴿أتى أمر الله﴾ فكأنه حدث ووقع، فأخبر عنه بصيغة الماضي. ومنها: رد العجز على الصدر في قوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ فقد افتتحت هذه السورة بقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ... الخ، فهو من المحسنات البديعية. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين آمين آمين (١). * * *

стр. 6417

وما أحسن قول القائل: العَفوُ يُرْجَى مِنْ بَنِيْ آدَمِ ... فَكَيفَ لاَ يُرجَى مِنَ الرَّبِّ فإنَّه أرأفُ بي منهم ... حسبي به حسبي به حسبي آخرُ سبحانك لا علم لنا ... إلا ما أَلْهمتَ لنا آخرُ يا مَنْ مَلَكوت كُلِّ شَيءٍ بِيَدِه ... طُوْبَى لِمَنِ ارْتَضَاكَ ذُخْزًا لِغَدِهْ

стр. 6418

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الخامس عشر»

стр. 6419

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 6420

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١٥]

стр. 6421

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6422

وما أصَدْقَ قولَ القائل سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا ... إِلاَ ما أَلْهَمْتَ لَنَا لَكَ الشُّكْرُ يَا مَوْلاَنا ... عَلَى مَا أسْعَفتَ لَنَا شعر آخر عَلَيْكَ بِالْقَصْدِ لاَ تَطْلُبْ مُكَاثَرَةً ... فَالْقَصْدُ أَفْضَلُ شَيءٍ أَنْتَ طَالِبُهُ فَالْمَرْءُ يَفْرَحُ بِالدُّنْيَا وَبَهْجَتِهَا ... وَلاَ يُفَكِّرُ مَا كَانَتْ عَوَاقِبُهُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَتْ عَنْهُ وَفَارَقَهَا ... تَبَيَّنَ الْعُيْنَ فَاشْتَدَّتْ مَصَائِبُهُ ولقَدَ أجَادَ مَنْ قال لَوْ عِشْتُ عَامٍ ... في سَجْدَةٍ لَرَبَى شُكْرًا لِفَضْلِ يَوْمٍ ... لَمْ أَقْضِ بِالتَّمَامِ وَالْعَامُ أَلْفُ شَهْرٍ ... وَالشَّهْرُ أَلْفُ يَوْمِ وَالْيَوْمُ أَلْفُ حِيْنٍ ... وَالْحِيْنُ أَلْفُ عَامِ آخر وَلاَ تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إِلَّا تَوَاضُعًا ... فَكَمْ تَحْتَهَا قَوْمٌ هُمُ مِنْكَ أَرْفَعُ فَإِنْ كُنْتَ في عِزٍّ وَحِرْزٍ وَرِفْعَةٍ ... فَكَمْ مَاتَ مِنْ قَوْمٍ هُمُ مِنْكَ أَمْنَعُ

стр. 6423

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظةً وشفاء لما في الصدور، وجعَلَه مَنْهلًا عذبًا للورود والصدور، أظهره من مقام الجمع والتنزيه والنون، فألزمه حجة لأهل الظواهر والبطون، جمع فيه علوم الأولين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والصلاة والسلام على من أوحي إليه القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشأن، سيدنا محمد وآله وأصحابه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين من بحار أسراره، ومن تبعهم ممن تخلق بالقرآن في كل زمان، ما تعاقب الملوان وطلع المرزمان. أما بعد: فلما فرغت من تفسير الجزء الثالث عشر من القرآن .. أخذت في تفسير الجزء الرابع عشر منه بتوفيق الله وتيسيره. اللهم كما عودتني في الأول خيرًا كثيرًا، فيسر لي الأمر في الآخر تيسيرًا، فلك الحمد في الأولى والأخرى على عنايتك الكبرى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. سورة الحجر وهي كلها مكية بإجماع المفسرين، وهي تسع وتسعون آية، وكلماتها: ست مئة وأربع وخمسون كلمة، وألفان وسبع مئة وستون حرفًا. فائدة: أطول كلمة في القرآن: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ لأنها أحد عشر حرفًا، وأما: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ فعشرةٌ. اهـ "روح البيان".

стр. 6424

المناسبة: ومناسبتها لما قبلها من السورة من وجوهٍ (١): ١ - أنها افتتحت بمثل ما افتتحت به سابقتها، من وصف الكتاب المبين. ٢ - أنها شرحت أحوال الكفار يوم القيامة، وتمنيهم أن لو كانوا مسلمين، كما كانت السالفة كذلك. ٣ - أن في كل منهما وصف السموات والأرض. ٤ - أن في كل منهما قصصًا مفصلًا عن إبراهيم ﵇. ٥ - أن في كل منهما تسلية لرسول الله ﷺ بذكر ما لاقاه الرسل السالفون من أممهم، وكانت العاقبة للمتقين. فضلها: ومما ورد في فضلها: ما (٢) روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الحِجر .. كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمدٍ ﷺ " والله أعلم. الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الحجر جملة ما فيها من المنسوخ خمس آيات (٣): الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ الآية (٣) نسخت بآية السيف. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ الآية (٨٥) نسخت بآية السيف. الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ الآية (٨٨) نسخت بآية السيف.

стр. 6425

الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ الآية (٨٩) نسخ معناها أو لفظها بآية السيف. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية (٩٤) نصفها محكم ونصفها منسوخ بآية السيف. انتهى. والله أعلم * * *

стр. 6426

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾. المناسبة مناسبة أوَّل هذه السورة لآخر التي قبلها: أن الله لمَّا ذكر (١) في آخر السورة التي قبلها أشياء من أحوال القيامة، من تبديل السموات والأرض، وأحوال الكفار في ذلك اليوم، وأن ما أتى به هو على حسب التبليغ والإنذار .. ابتدأ في هذه السورة بذكر القرآن الذي هو بلاغ للناس، وأحوال الكفرة وودادتهم لو كانوا مسلمين. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه

стр. 6427

الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) استهزاء الكفار به ﷺ ، ونسبته إلى الجنون، واقتراح نزول الملائكة .. سلَّاه تعالى بأن من أرسل من قبلك كان ديدن المرسل إليهم مثل ديدن هؤلاء معك. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لمَّا هدَّد (٢) الكافرين وبالغ في ذلك أيما مبالغة .. شرع يذكر بعض مقالاتهم في محمد ﷺ المتضمنة للكفر بما جاء به، ثم يذكر ما هم فيه من جحود وعناد، بلغا مدى تنكر معه المشاهدات، ويدعى معه السحر والخداع حين رؤية المبصرات، ثم ذكر سبحانه لرسوله ﷺ تسليةً له أن ما صدر منهم من السفه ليس بدعًا، فهذا دأب كل محجوج، فكثيرٌ من الأمم السالفة فعلت مثل هذا مع أنبيائها، فلك أسوة بهم في الصبر على سفاهتهم وجهلهم. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر (٣) شديد جحودهم، وأنهم مهما أوتوا من الآيات لم يفدهم ذلك شيئًا، حتى بلغ من أمرهم أن ينكروا المشاهدات، ويدعوا الخداع حين رؤية المبصرات .. أعقب هذا ببيان أنهم قد كانوا في غنى عن كل هذا، فإن في السماء وبروجها العالية، وشموسها الساطعة وأقمارها النيِّرة، وسيَّاراتها الدائرة، وثوابتها الباسقة، عبرة لمن اعتبر، وحجة لمن اعتبر، وحجةً لمن ادكر، فهلَّا نظروا إلى الكواكب وحسابها ونظامها ومداراتها، وكيف حدثت بها الفصول والسنون، وكيف كان ذلك بمقادير محدودة، وأوقات معلومة لا تغيير فيها ولا تبديل، فبأمثال هذا يكون اليقين، وبالتدبر فيه تقوى دعائم الدين، ويشتد أزر سيد المرسلين، وهلَّا رأوا الأرض كيف مدت، وثبتت جبالها، وأنبتت نباتها بمقادير معلومة موزونة في عناصرها وأوراقها وأزهارها وثمارها، وجعل فيها معايش للإنسان والحيوان، أفلا يعتبرون بكل هذا؟ ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾.

стр. 6428

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما بيَّن فيما سلف أنه أنزل النبات وجعل لنا فيه معايش في هذه الحياة .. أتبعه هنا بذكر ما هو كالسبب في ذلك، وهو أنه تعالى مالك كل شيء وأن كل شيء سهلٌ عليه، يسيرٌ لديه، فإن عنده خزائن الأشياء من النبات والمعادن النفيسة والمخلوقات البديعة مما لا حصر له. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما رواه الترمذي والنسائي والحاكم وغيرهم عن ابن عباس ﵄ قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ ، حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾. وأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح أنه سأل سهل بن حنيفة الأنصاري عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ أأنزلت في سبيل الله؛ قال: لا، ولكنَّها في صفوف الصلاة. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿الر﴾ تقدم القول في بيان معاني هذه الحروف ومبانيها، فذكرنا أنها حروف تنبيه بمنزلة ألا ويا، وينطق بأسمائها ساكنة، فيقال: ﴿ألف لام را﴾، وقيل (٢): اسم للسورة، وعليه الجمهور؛ أي: هذه السورة مسماة بـ ﴿الر﴾، ﴿تِلْكَ﴾؛ أي: هذه السورة العظيمة الشأن ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾؛ أي: آيات من الكتاب المنزل عليك، الكامل الحقيق باختصاص اسم الكتاب به على الإطلاق، على ما يدل عليه اللام؛ أي: بعض من جميع المنزل عليك، أو من جميع المنزل إذ

стр. 6429

ذاك، أو آيات من اللوح المحفوظ، ﴿و﴾ آيات من ﴿قرآن﴾ عظيم الشأن ﴿مُبِينٍ﴾؛ أي: مظهرٍ للحق من الباطل، والرشد من الغيّ، والحلال من الحرام، فهو من أبان المتعدِّي، ويمكن أن يجعل من اللازم؛ أي: الظاهر أمره في الإعجاز، أو الواضحة معانيه للمتدبرين، أو البين للذين أنزل عليهم؛ لأنه بلغتهم وأساليبهم. وعطف القرآن على الكتاب من عطف إحدى الصفتين على الأخرى؛ لأن المقصود منهما واحد؛ أي: هذه السورة آيات من الكلام الجامع بين صفتي الكتابية والقرآنية، ذكره في "روح البيان". وتنكير القرآن للتفخيم كتعريف الكتاب. ٢ - ﴿رُبَمَا﴾ رب ها هنا للتكثير، كما في "مغني اللبيب"؛ أي: كثيرًا، ﴿يَوَدُّ﴾ ويتمنى في الآخرة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقرآن وبكونه من عند الله تعالى ﴿لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾؛ أي: كونهم مسلمين في الدنيا، مستسلمين لأحكام الله تعالى وأوامره ونواهيه. وإنما دخلت (١) رب هنا على المستقبل مع كونها لا تدخل إلا على الماضي؛ لأن المترقب في أخباره تعالى كالواقع المتحقق، فكأنه قيل: ربما ود الذين كفروا لو كانوا مسلمين؛ أي: منقادين لحكمه، مذعنين له من جملة أهله، وكانت هذه الودادة منهم عند موتهم أو يوم القيامة، والمراد: أنه لما انكشف لهم الأمر، واتضح بطلان ما كانوا عليه من الكفر، وأن الدين عند الله سبحانه هو الإِسلام، لا دين غيره .. حصلت منهم هذه الودادة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي لمجرد التحسر والتندم، ولوم النفس على ما فرطت في جنب الله تعالى. وقيل: كانت هذه الودادة منهم عند معاينة حالهم وحال المسلمين. وقيل: عند خروج عصاة الموحدين من النار. والظاهر: أن هذه الودادة كائنة منهم في كل وقت، مستمرة في كل لحظة بعد انكشاف الأمر لهم. وبالجملة: فهذا إخبار (٢) من الله سبحانه عن الكفار بأنهم سيندمون في الآخرة على ما كانوا عليه من الكفر، ويتمنون أن لو كانوا في الدنيا مسلمين. وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اجتمع

стр. 6430

أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة .. قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم الإِسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأُخذنا بها، فسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار .. قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما خرجوا"، قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾. قال الزجاج: إن الكافر كلما رأى حالًا من أحوال العذاب، ورأى حالًا من أحوال المسلم .. ود أن لو كان مسلمًا. وقصارى ذلك (١): قد يتمنى الذين كفروا لو كانوا مسلمين، حينما يعاينون العذاب وقت الموت والملائكة باسطوا أيدهم، أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون، وفي الموقف حينما يرون هول العذاب، وقد انصرف المسلمون إلى الجنة، وسيقوا هم إلى النار، والمسلمون المذنبون عذبوا بذنوبهم ثم خرجوا منها، وبقي الكافرون في جهنم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي (٢): ﴿رُبَّما﴾ مشددة، وقرأ نافع وعاصم وعبد الوارث: ﴿رُبَما﴾ مخففة، وقرأ طلحة بن مصرف وزيد بن علي: ﴿رُبَتَما﴾ بزيادة تاء، قال الفراء: أسدٌ وتميمٌ يقولون: ﴿رُبَّمَا﴾ بالتشديد، وأهل الحجاز وكثير من قيس يقولون: ﴿رُبَما﴾ بالتخفيف، وتيم الرباب يقولون: ﴿رَبَما﴾ بفتح الراء، وقيل إنما قرئت بالتخفيف لما فيها من التضعيف، والحروف المضاعفة قد تحذف نحو: (إن) و (لكن) فإنهم قد خففوها، قال الزجاج: يقولون: رُبَّ رجل جاءني، بالتشديد، ورُبَ رجل جاءني بالتخفيف، وإنما زيدت (ما) مع (ربَّ) ليليها الفعل، وقال الأخفش: أدخل (ما) مع (ربَّ) ليتكلم بالفعل بعدها، فرب (٣) للتكثر باعتبار مرات التمني، وللتقليل باعتبار أزمان الإفاقة، فأزمان إفاقتهم قليلة بالنسبة لأزمان الدهشة، وكونها للتقليل أبلغ في التهديد،

стр. 6431

ومعناه: أنه يكفيك قليل الندم في كونه زاجرًا لك عن هذا العمل، فكيف كثيره، وأيضًا أنه يشغلهم العذاب عن تمني ذلك إلا في القليل. فائدة: وقال عبد الله بن المبارك: ما خرج أحد من الدنيا من مؤمن وكافر إلا على ندامة وملامة لنفسه، فالكافر لما يرى من سوء ما يجازى به، والمؤمن لرؤية تقصيره في القيام بموجب الخدمة وترك الحرمة وشكر النعمة اهـ. ٣ - ﴿ذَرْهُمْ﴾؛ أي: دع الكفار يا محمد، واتركهم عن النهي عما هم عليه بالتذكرة والنصحية، لا سبيل إلى ارعوائهم عن ذلك، والآية منسوخة بآية القتال كما في "بحر العلوم". ﴿يَأْكُلُوا﴾ كالأنعام ﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾ بدنياهم وشهواتها؛ أي: إن تركتهم على حالهم، يأكلوا كما تأكل الأنعام، ويأخذوا حظوظهم من دنياهم. فتلك أخلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرة. والمراد (١): دوامهم على ذلك لا إحداثه، فإنهم كانوا كذلك، وهما أمران بتقدير اللام، لدلالة ﴿ذَرْهُمْ﴾ عليه، أو جواب أمر على التجوز؛ لأن الأمر بالترك يتضمن الأمر بهما؛ أي: دعهم وبالغ في تخليتهم وشأنهم، بل مرهم بتعاطي ما يتعاطون. ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾؛ أي: الكفار؛ أي: يشغلهم عن اتباعك أو عن الاستعداد للمعاد، ﴿الْأَمَلُ﴾؛ أي: التوقع لطول الأعمار، وبلوغ الأوطار، واستقامة الأحوال، وأن لا يلقوا في العاقبة والمال إلا خيرًا، وفي: ﴿يلههم﴾ ثلاث قراءات: كسر الهاء والميم، وضمهما، وكسر الهاء وضم الميم، وأما الهاء الأولى فمكسورة لا غير اهـ. شيخنا ذكره في "الجمل". وهذا (٢) تهديدٌ لهم؛ أي: دعهم عما أنت بصدده من الأمر والنهي لهم، فهم لا يرعوون أبدًا، ولا يخرجون من باطل، ولا يدخلون في حق، بل مرهم بما هم فيه من الاشتغال بالأكل، والتمتع بزهرة الدنيا، فإنهم كالأنعام التي لا تهتم إلا بذلك ولا تشتغل بغيره.

стр. 6432

والمعنى: أي (١) دعهم أيها الرسول في غفلاتهم، يأكلون كما تأكل الأنعام، ويتمتعون بلذات الدنيا وشهواتها، وتلهيهم الآمال عن الآجال، فيقول الرجل منهم: غدًا سأنال ثروة عظيمة، وأحظى بما أشتهي، ويعلو ذكري، ويكثر ولدي، وأبني القصور، وأكثر الدور، وأغرس البساتين، وأقهر الأعداء، وأفاخر الأنداد، إلى نحو ذلك مما يغرق فيه من بحار الأماني والآمال وطلب المحال. ثم علل الأمر بتركهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوء صنيعهم إذا هم عاينوا سوء جزائهم، ووخامة عاقبتهم، وفي هذا وعيد بعد تهديد، وإلزام لهم بالحجة، ومبالغة في الإنذار، وإيماء إلى أن التلذذ والتنعم وعدم الاستعداد للآخرة والتأهب لها ليس من أخلاق المؤمنين. والخلاصة (٢): اتركهم على ما هم عليه من الاشتغال بالأكل، ونحوه من متاع الدنيا، ومن إلهاء الأمل لهم عن اتباعك، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم، وسوء صنيعهم، وما زالوا في الآمال الفارغة والتمنيات الباطلة حتى أسفر الصبح لذي عينين، وانكشف الأمر، ورأوا العذاب يوم القيامة، فعند ذلك يذوقون وبال ما صنعوا، والأفعال الثلاثة مجزومة على أنها جواب الأمر كما مرَّ. أخرج أحمد والطبراني والبيهقي: عن عمرو بن شعيب مرفوعًا قال: "صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ولهلك آخرها بالبخل والأمل"، وروي عن الحسن أنه قال: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل. وروي عن علي أنه قال: إنما أخشى عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى، فإن طول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق. قال بعضهم: الأمل (٣) إرادة الحياة للوقت للتراخي بالحكم والجزم، أعني: بلا استثناء ولا شرط صلاح، وهو مذموم في الشرع جدًّا، وغوائله أربع: الكسل في الطاعة وتأخيرها، وتسويف التوبة وتركها، وقسوة القلب بعدم ذكر الموت،

стр. 6433

والحرص على جمع الدنيا والاشتغال بها عن الآخرة. وبعد أن هدد من كذب الرسول بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ ذكر سر تأخر عذابهم إلى يوم القيامة، وعدم التعجيل به، كما فعل بكثير من الأمم السالفة ٤ - فقال: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾، أي: وما أهلكنا قرية من القرى، بنوع من أنواع العذاب، بالخسف بها وبأهلها، كما فعل ببعضها، أو بإخلائها من أهلها بعد إهلاكهم، كما فعل بأخرى ﴿إِلَّا وَلَهَا﴾ في ذلك الشأن؛ أي: لتلك القرية ﴿كِتَابٌ﴾؛ أي: أجل مقدر مكتوب في اللوح المحفوظ، واجب المراعاة بحيث لا يمكن تبديله؛ لوقوعه حسب الحكمة المقتضية له ﴿مَعْلُومٌ﴾ لا ينسى ولا يغفل، حتى يتصور التخلف عنه بالتقدم والتأخر. وخلاصة ذلك (١): أننا لو شئنا لعجلنا لهم العذاب، فصاروا كأمس الدابر، ولكن لكل أجلٍ كتاب، وشأننا الإمهال لا الإهمال، فـ ﴿كِتَابٌ﴾ (٢): مبتدأ، خبره الظرف، والجملة حال من قرية، لأنها وإن كانت نكرة قد صارت بما فيها من العموم في حكم الموصوفة، لا سيما بعد تأكده بكلمة ﴿مِنْ﴾. والمعنى: وما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا حال أن يكون لها كتابٌ؛ أي: أجلٌ مؤقتٌ لهلاكها، قد كتبناه، لا نهلكها قبل بلوغه، معلوم لا نغفل عنه، حتى تمكن مخالفته بالتقدم والتأخر، و ﴿الواو﴾ للفرق بين كون هذه الجملة حالًا أو صفة؛ لأنها تعينها للحالية، أو صفة للقرية المقدرة، التي هي بدل من المذكورة على المختار، فيكون بمنزلة كونه صفة للمذكورة؛ أي: وما أهلكنا قرية من القرى إلا قرية لها كتاب معلوم، وتوسيط الواو حينئذٍ بين الصفة والموصوف - وإن كان القياس عدمها - للإيذان بكمال الالتصاق بينهما، من حيث إن الواو شأنها الجمع والربط. ٥ - وبعد أن بين (٣) سبحانه أن الأمم المهلكة كان لكل منهم وقت معين

стр. 6434

لهلاكهم، بحسب ما هو مكتوب في اللوح .. بين أن كل أمة منهم ومن غيرهم لها أجلٌ، لا يمكن التقدم عليه ولا التأخر عنه، فقال: ﴿مَا تَسْبِقُ﴾ ما نافية ﴿مِنْ﴾ زائدة؛ أي: ما تسبق أمة من الأمم الهالكة وغيرهم ﴿أَجَلَهَا﴾ المضروب لها، المكتوب في اللوح المحفوظ؛ أي: لا يأتي هلاكها قبل مجيء أجلها المكتوب لها، ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أي: وما يتأخرون عنه، فيكون مجيء هلاكهم بعد مضي الأجل المضروب، وإنما حذف (١) الجار والمجرور .. لأنه معلوم مما قبله، ولرعاية الفواصل، والإتيان بصيغة الاستفعال، للإشعار بعجزهم عن ذلك، مع طلبهم له، وأما تأنيث ضمير أمة في أجلها وتذكيره في يستأخرون .. فللحمل على اللفظ تارة وعلى المعنى أخرى، قال الفراء: إنما قال ﴿أَجَلَهَا﴾ لأن الأمة لفظها مؤنث، وإنما قال: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ إخراجًا له على معنى الرجال. انتهى ذكره في "زاد المسير". وهذه الجملة (٢) مبينة لما قبلها، فكأنه قيل: إن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتر به العقلاء، فإن لكل أمة وقتًا معينًا في نزول العذاب، لا يتقدم ولا يتأخر، وفي هذا تنبيه (٣) لأهل مكة، وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والإلحاد، الذي يستحقون به الهلاك، وزجر لهم بأن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغتروا به، فالهلاك مدخر لهم لا يتقدم ولا يتأخر. ٦ - ولما فرغ من تهديد الكفار .. شرع في بيان بعض عتوهم في الكفر، وتماديهم في الغي، مع تضمنه لبيان كافرهم بمن أنزل عليه الكتاب، بعد بيان كفرهم بالكتاب فقال: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: مشركوا مكة وكفار العرب لغاية تماديهم في العتو والغي مخاطبين لرسول الله ﷺ ، قال (٤) مقاتل: نزلت في عبد الله بن أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن خويلد، والوليد بن المغيرة. انتهى. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ الرجل ﴿الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ والقرآن في زعمه، وعلى وفق ما يدعيه، نادوا به النبي ﷺ على وجه التهكم، ولذا اتهموه بالجنون بقولهم: ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾؛ أي: إنك بسبب هذه الدعوى التي تدعيها، من كونك رسولًا لله،

стр. 6435

مأمورًا بتبليغ أحكامه لمجنون؛ أي: مسلوب العقل، فإنه لا يدَّعي مثل هذه الدعوى العظيمة عندهم من كان عاقلًا، فقولهم هذا لمحمد ﷺ هو كقول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، وإنما نسبوه (١) إلى الجنون لأنه ﷺ كان يظهر منه عند نزول الوحي عليه ما يشبه الغشي، فظنوا أن ذلك جنون، فلهذا السبب نسبوه إلى الجنون، وقيل: إن الرجل إذا سمع كلامًا مستغربًا من غيره .. فربما نسبه إلى الجنون، ولما كانوا يستبعدون كونه رسولًا من عند الله، وأتى بهذا القرآن العظيم .. أنكروه، ونسبوه إلى الجنون، وإنما قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ على طريق الاستهزاء، وقيل: معناه يا أيها الذي نزل عليه الذكر في زعمه واعتقاده، واعتقاد أصحابه وأتباعه، إنك لمجنون في ادعائك الرسالة، وقرأ (٢) زيد بن علي: ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ ماضيًا مخففًا مبنيًّا للفاعل، وقرأ: ﴿يا أيها الذي أُلقي إليه الذكرُ﴾ وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسيرًا؛ لأنها مخالفة لسواد المصحف. والمعنى: أي وقالوا استهزاء وتهكمًا: يا أيها الرجل الذي زعم أنه نزل عليه القرآن إن ما تقوله أملاه عليك الجنون، وليس له معنى معقول، وهو مخالف لآرائنا، بعيد من معتقداتنا، فكيف نقبل ما لا تقبله العقول، ولا ترضاه الفحول من رجالاتنا الفخام، وعشائرنا العظام. ٧ - ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ ﴿لَوْ مَا﴾: حرف (٣) تحضيض بمعنى هلَّا، مركب من (لو) المفيدة للتمني، ومن (ما) المزيدة، فأفاد المجموع الحث على الفعل الداخلةُ هي عليه. والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة ليشهدوا على صدقك، ويعضدوك على إنذارك، وقيل: المعنى لو ما تأتينا بالملائكة فيعاقبونا على تكذيبنا لك، كما أتت الأمم المكذبة لرسلهم، ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك الرسالة، فإن قدرة الله على ذلك مما لا ريب فيه، وكذا احتياجك إليه في تمشية أمرك؛ أي: إن كان (٤) ما تدعيه حقًّا وقد أيدك الله، وأرسلك .. فما منعك أن تسأله أن ينزل

стр. 6436

معك ملائكة من السماء، يشهدون بصدق نبوتك. وخلاصة لك (١): أنَّ من يخالف آراءنا إما مجنون، وإما له سلطان عظيم من ربه، وحينئذٍ فماذا يمنعه أن يقويه بالملائكة ليشهدوا بصدقه، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إلى نحو ذلك من الآيات، ٨ - وقد أجاب الله عن اقتراحهم فقال: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ما (٢) ننزل الملائكة إلا بالحكمة والفائدة، وليس في نزول الملائكة من السماء وأنتم تشاهدونهم فائدة لكم؛ لأنكم إذا رأيتموهم قلتم إنهم بشر، لأنكم لا تطيقون رؤيتهم إلا وهم على الصورة البشرية، إذ هم من عالم غير عالمكم، وإذا قالوا نحن ملائكة كذبتموهم؛ لأنهم على صورتكم، فيحصل اللبس، ولا تنتفعون بهم، وإلى هذا أشار في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾. والمعنى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: لا بما قلتم واقترحتم من إخبارها لكم بصدقه، وقال الزمخشري: ما ننزل الملائكة إلا تنزيلًا متلبسًا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم عيانًا تشاهدونهم، ويشهدون لكم بصدق النبي ﷺ ؛ لأنكم حينئذٍ مصدقون عن اضطرار، وقرأ (٣) الحرميان: نافع وابن كثير، والعربيان: أبو عمرو وابن عامر: ﴿ما تنزل﴾ مضارع تنزل؛ أي: ما تتنزل ﴿المَلاَئِكَةُ﴾ بالرفع. وقرأ أبو بكر ويحيى بن وثاب: ﴿ما تنزل﴾ بضم التاء وفتح النون والزاي، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي، وحفص وابن مصرف: ﴿مَا نُنَزِّلُ﴾ بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الزاي، وقرأ زيد بن علي: ﴿ما نزل﴾ ماضيًا مخففًا مبنيًّا للفاعل ﴿الملائكة﴾ بالرفع. ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا﴾؛ أي: إذ نزلت عليهم الملائكة فلم يؤمنوا ﴿مُنْظَرِينَ﴾؛ أي: مؤخرين ساعة؛ أي: ولو نزلنا الملائكة ما أخر عذابهم، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة، فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة.

стр. 6437

والمعنى: أي إن (١) في نزول الملائكة ضررًا لهم لا محالة، لأنا نهلكهم ولا نؤخرهم، إذ قد جرت عادتنا في الأمم قبلهم أنهم إذا اقترحوا آية وأنزلناها عليهم، ولم يؤمنوا بها، يكون العذاب في إثرها، فلو أنا أنزلناهم ولم يؤمنوا بهم ... لحق عليهم عذاب الاستئصال، ولم ينظروا ساعة من نهار، وقال الشوكاني: في الكلام حذف، والتقدير: ولو أنزلنا الملائكة لعوجلوا بالعقوبة، وما كانوا إذًا منظرين، فالجملة المذكورة جزاء للجملة الشرطية المحذوفة. انتهى. و ﴿إِذًا﴾ حرف جواب (٢) وجزاء لشرط مقدر، وهي مركبة من إذ وهو اسم بمعنى الحين، ثم ضم إليه إن فصار: إذ إن، ثم استثقلوا الهمزة فحذفوها، فمجيء لفظة إنْ .. دليل على إضمار فعل بعدها، والتقدير: وما كانوا إذ إنْ كان ما طلبوه منظرين، والإنظار التأخير. والمعنى: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا مؤخرين بعد نزولهم طرفة عين، كدأب سائر الأمم المكذبة المستهزئة، ومع استحقاقهم لذلك قد جرى قلم القضاء بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، لتعلق العلم والإرادة بازديادهم عذابًا، وبإيمان بعض ذراريهم. ٩ - ثم أجاب سبحانه عن قولهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ورد إنكارهم تنزيل الذكر واستهزاءهم برسول الله ﷺ ، وسلَّاه على ذلك بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾ لعظم شأننا، وعلو جنابنا، و (نحن) ليست بفصل؛ لأنها ليست بين اسمين، ﴿نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾؛ أي: نحن (٣) نزلنا ذلك الذكر والقرآن الذي أنكروه، وأنكروا نزوله عليك، ونسبوك بسببه إلى الجنون، وعموا منزله، حيث بنوا الفعل للمفعول، إيماء إلى أنه أمر لا مصدر له، وفعل لا فاعل له؛ أي: وليس إنزاله عليك بزعمك، كما اعتقدوا أنه مختلق من عنده. اهـ شيخنا. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ في كل وقت وزمان من كل ما لا يليق به، كالطعن فيه، والمجادلة في حقيته، والتكذيب له، والاستهزاء به، والتحريف والتبديل والزيادة

стр. 6438

والنقصان ونحوها، وأما الكتب المتقدمة فلما لم يتول حفظها، واستحفظها الناس، أعني: الربانيين والأحبار .. تطرق إليهم الخلل، وفي هذا وعيد (١) شديد للمكذبين به، المستهزئين برسول الله ﷺ ، وقيل: الضمير في: ﴿لَهُ﴾ لرسول الله ﷺ ، والأول أولى بالمقام. والمعنى: أي إنما (٢) أنتم قوم ضالون مستهزئون بنبينا، وليس استهزاؤكم بضائره؛ لأنا نحن نزلنا القرآن ونحن حافظوه، فقولوا أنتم إنه مجنون، ونحن نقول إنا نحفظ الكتاب الذي أنزلناه عليه من الزيادة والنقص والتغيير والتبديل والتحريف والمعارضة والإفساد والإبطال، وسيأتي في مستقبل الأزمان من يتولون حفظه والذب عنه، ويدعون الناس إليه، ويستخرجون لهم ما فيه من عبر وحكم وآداب وعلوم، تناسب ما تستخرجه العقول من المخترعات، وتستنبطه الأفكار من نظريات وآراء، فيستنير بها العارفون ويهتدي بهديها المفكرون، فلا تبتئس أيها الرسول بما يقولون وما يفعلون. ١٠ - ثم سلَّى رسوله ﷺ عما أصابه من سفه قومه، وادعائهم جنونه، بأن هذا دأب الأمم المكذبة لرسلها من قبل، فلقد أصابهم مثل ما أصابك من قومك، فاستهزؤوا بهم كما استهزأ قومك بك، فنصرنا رسلنا وكبتنا أعداءهم، وسيكون أمرك وأمرهم كذلك، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا رسلًا كائنة ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد، وحذف المفعول لدلالة الإرسال عليه ﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: في شيع الأمم الأولين؛ أي: الأقدمين، وفرقهم وأحزابهم وطوائفهم، جمع شيعة: وهي الفرقة (٣) المتفقة على طريقة ومذهب، سموا بذلك لأن بعضهم يشايع بعضًا ويتابعه، من شايعه إذا تبعه، ومنه الشيعة: وهم الذين شايعوا عليًّا، وقالوا: إنه الإِمام بعد رسول الله ﷺ ، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده، وإضافته إلى الأولين من إضافة الموصوف إلى صفته عند الفراء، والأصل: في الشيع الأولين، ومن ثم حذف الموصوف

стр. 6439

وذكر صفته عند البصريين؛ أي: في شيع الأمم الأولين، ومعنى إرسالهم فيهم: جعل كل منهم رسولًا فيما بين طائفة منهم، ليتابعوه في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين. والمعنى: نبأنا رجالًا فيهم، وجعلنا رسلًا فيما بينهم. اهـ "بيضاوي". ١١ - ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾؛ أي: وما أتى شيعة من تلك الشيع رسول خاص بها ﴿إلَّا كَانُوا بِهِ﴾؛ أي: بذلك الرسول ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: إلا كانت تلك الشيعة يستهزئون بذلك الرسول الذي أتى إليهم، كما يفعله هؤلاء الكفار مع محمد ﷺ ، وفيه تسلية لرسول الله ﷺ بأن هذه عادة الجهال مع الأنبياء ﵈، والجملة (١) في محل النصب على أنها حال مقدرة من ضمير المفعول في يأتيهم؛ أي: وما يأتيهم رسول من الرسل إلا حالة كونهم مستهزئين به، أو في محل الرفع صفة لرسول، فإن محله الرفع على الفاعلية؛ أي: وما يأتيهم (٢) إلا رسول كانوا يستهزئون به، أو في محل جر على أنها صفة له على اللفظ على المحل. والمعنى: أي إننا أرسلنا قبلك رسلًا لأمم قد مضت، وما أتى أمةً رسولٌ إلا كذبوه واستهزؤوا، لما جرت به العادة من أن فعل الطاعات وترك اللذات مستثقلٌ على النفوس، إلى أنهم يدعونهم إلى ترك ما ألفوا من المعتقدات الخبيثة، وترك عبادة الأوثان الباطلة، وذلك مما يشق على النفوس، إلى أن الرسول قد يكون فقيرًا، لا أعوان له ولا أنصار ولا مال ولا جاء، فلا يتبعه الرؤساء وذوو البأس والقوة، بل يعملون على مشاكسته ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، إلى أن الله يخذلهم، ويلقي دواعي الكفر في قلوبهم بحسب السنن التي سنها لعباده، ١٢ - كما يرشد إلى ذلك قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كإدخالنا الاستهزاء في قلوب الأولين ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ أي: نسلك الاستهزاء وندخله ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ من مشركي مكة، ومن شايعهم في الاستهزاء والتكذيب، على معنى أنه يخلقه ويزينه في قلوبهم، والسلك إدخال الشيء في الشيء، كإدخال الخيط في المخيط؛ أي: الإبرة، حالة كون المجرمين من أهل مكة ١٣ - ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بالذكر والقرآن.

стр. 6440

والمعنى (١): أي مثل ذلك المسلك الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم، وبما جاؤوا به من الكتب، نسلك الاستهزاء في قلوب المجرمين من أهل مكة وغيرهم، حالة كونهم مكذبين بالذكر، غير مؤمنين به، لأنهم كانوا يعتقدون أنه من عند محمد ﷺ لا من عند الله تعالى. وقال ابن عطية (٢): الضمير في ﴿نَسْلُكُهُ﴾ عائد على الاستهزاء والشرك ونحوه، وهو قول الحسن وقتادة وابن جريج وابن زيد، ويكون الضمير في: ﴿بِهِ﴾ يعود أيضًا على ذلك الاستهزاء نفسه، وتكون ﴿الباء﴾ سببية؛ أي: لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ في موضع الحال، ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ عائدًا على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر، وهو القرآن؛ أي: نسلكه في قلوب المجرمين مكذبًا به مستهزءًا، ويكون الضمير في: ﴿بِهِ﴾ عائدًا عليه أيضًا، ويحتمل أن يكون الضمير في: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ عائدًا على الاستهزاء والشرك، والضمير في: ﴿بِهِ﴾ يعود على القرآن، فيختلف على هذا عود الضميرين. انتهى. والمعنى: أي (٣) كذلك نلقيه في قلوب المجرمين مستهزءًا به غير مقبول لديهم؛ لأنه ليس في نفوسهم استعداد لتلقي الحق، ولا تضيء نفوسهم بمصابيح هدايته الربانية، كما كانت حال الأمم الماضية حين ألقيت عليهم الكتب المنزلة من الملأ الأعلى. ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: قد مضت طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم، حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاء؛ أي: وقد جرت سنة الله في الأولين ممن بعث إليهم الرسل أن يخذلهم، ويدخل الكفر والاستهزاء في قلوبهم، ثم يهلكهم، وتكون العاقبة للمتقين، والنصر حليف رسله والمؤمنين، ذلك أسوة بالرسل قبلك مع أممهم المكذبة، ولست بأوحدي في ذلك. والخلاصة (٤): هكذا نفعل باللاحقين كما فعلنا بالسابقين، ويستهزىء بك

стр. 6441

المجرمون، ولا يؤمنون بكتابنا وسيحل بهم مثل ما حل بالأولين، وننصرك عليهم بعد حين، كما قال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾. ١٤ - ثم حكى الله إصرارهم على الكفر، وتصميمهم على التكذيب والاستهزاء فقال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا﴾؛ أي: على هؤلاء المقترحين المعاندين لمحمد ﷺ ، الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة ﴿بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: بابًا من أبوابها المعهودة، ومكناهم من الصعود إليه، أو بابًا (١) مَّا، لا بابًا من أبوابها المعهودة كما قيل، ويسرنا لهم الرقي والصعود إليه ﴿فَظَلُّوا فِيهِ﴾ أي: في ذلك الباب؛ أي: فصاروا ﴿يَعْرُجُونَ﴾؛ أي: يصعدون في ذلك الباب بآلةٍ أو بغير آلةٍ، حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت التي لا يجحدها جاحد، ولا يعاند عند مشاهدتها معاند، وقيل: الضمير في: ﴿فَظَلُّوا﴾ للملائكة؛ أي: فظل الملائكة يعرجون في ذلك الباب، والكفار يشاهدونهم، وينظرون صعودهم من ذلك الباب .. ١٥ - ﴿لَقَالُوا﴾؛ أي: لقال هؤلاء الكفار المعاندون لمحمد ﷺ ، لفرط عنادهم، وزيادة عتوهم وتشكيكهم في الحق: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، أي: سدت من باب الإحساس، أو حبست عن النظر وحيرت، أو غشيت وغطيت، ثم أضربوا عن قولهم ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ حيث قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قد سحرنا محمد ﷺ ، كما قالوه عند ظهور سائر الآيات الباهرة، كما قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، تلخيصه: لو أوتوا بما طلبوا .. لكذبوا، لتماديهم في الجحود والعناد، وتناهيهم في ذلك. كما في "الكواشي". وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالةٌ على أنهم يبيتون القول بذلك، وأن ما يرونه لا حقيقة له، وإنما هو أمر خيل إليهم بنوع من السحر، قالوا كلمة إنما تفيد الحصر في المذكور آخرًا، فيكون الحصر في الأبصار لا في التسكير، فكأنهم قالوا: سكرت أبصارنا لا عقولنا، فنحن وإن تخايلت بأبصارنا هذه الأشياء، لكنا نعلم بعقولنا أن الحال بخلافه، ثم قالوا: بل نحن، كأنهم أضربوا عن الحصر في الأبصار، وقالوا بل جاوز ذلك إلى عقولنا بسحر سحره لنا؛ أي: ولو فتحنا على

стр. 6442

هؤلاء المعاندين بابًا من السماء فظلوا في ذلك الباب يصعدون، فيرون من فيها من الملائكة، وما فيها من العجائب .. لقالوا - لفرط عنادهم وغلوهم في المكابرة -: إنما سدت أبصارنا، فما نراه تخيل لا حقيقة له، وقد سحرنا محمد بما يظهر على يديه من الآيات. وقرأ الأعمش وأبو حيوة (١): ﴿يَعْرِجُون﴾ بكسر الراء، وهي لغة هذيل في العروج بمعنى الصعود، وقرأ الحسن ومجاهد وابنُ كثير: ﴿سُكِّرَتْ﴾ بتخفيف الكاف مبنيًّا للمفعول، وقرأ باقي السبعة .. بشدها مبنيًّا للمفعول، وقرأ الزهري: بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنيًّا للفاعل، شبهوا رؤية أبصارهم برؤية السكران، لقلة تصوره ما يراه، وقرأ أبان بن تغلب: ﴿سُحرت أبصارنا﴾، وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسير معنى لا تلاوةً، لمخالفتها لسواد المصحف. ١٦ - ولما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم، وعجز أصنامهم .. ذكر قدرته الباهرة، وخلقه البديع، ليستدل بذلك على وحدانيته فقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد خلقنا ﴿فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾؛ أي: قصورًا وبيوتًا وطرقًا ومنازل، ينزلها السيارات السبع في السموات السبع، والمراد بها هنا: منازل الشمس والقمر، والنجوم السيارة ومواضع سيرها، وهي البروج الاثنا عشر المشهورة، المختلفة الهيئات والخواص، وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وقد جمع تلك الأبراج بعضهم في بيتين فقال: حَمَلَ الثَّوْرُ جَوْزَةَ السَّرَطَانِ ... وَرَعَى اللَّيْثُ سُنْبُلَةَ الْمِيْزَانِ وَرَمَى عَقْرَبٌ بَقَوْسٍ لِجَدْيٍ ... نَزَحَ الْدَّلْوُ بِرْكَةَ الْحِيْتَانِ والبروج: جمع برج، والمراد بها: منازل وطرق تسير فيها الكواكب السبعة السيارة، وقد جمعها (٢) بعضهم في بيت واحد على ترتيب وجودها في السماء، مبتدئًا من السابعة، فقال:

стр. 6443

زُحَلٌ شَرَى مِرِّيْخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ... فَتَزَاهَرَتْ لِعُطَارِدَ الأَقْمَارُ فزحل في السماء السابعة، والمشتري في السادسة، والمريخ في الخامسة، والشمس في الرابعة، والزهرة في الثالثة، وعطارد في الثانية، والقمر في الأولى؛ أي: في سماء الدنيا، والعرب تعدُّ المعرفة بمواقع النجوم في منازلها من أجلِّ العلوم، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب، ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾؛ أي: وزينا السماء بتلك البروج؛ أي: وجعلنا الكواكب زينة السماء، تظهر للناظرين إليها؛ أي: المتأملين فيها بأبصارهم وبصائرهم، فيستدلون بها على قدرة صانعها ووحدته. والمعنى: أي وزينا السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والكواكب، سياراتٍ كانت أو ثوابت، وسميت (١) السيارة لسرعة حركاتها، وسميت الثابتة الثوابت إما لثبات أوضاعها أبدًا، وإما لقلة حركاتها الثابتة وغاية بطئها، فإن السماويات ليست بساكنة، وحركات الثوابت على رأي أكثر المتأخرين درجة واحدة في ست وستين سنة شمسية، وثمان وستين سنة قمرية، فيتم برجًا في ألف سنة، ودورة في أربعة وعشرين ألف سنة، وتسمى الثوابت بالكواكب البيابانية إذ يهتدى بها في الفلاة، وهي البيابانية بالعجميَّة، والكواكب الثابتة بأجمعها على الفلك الثامن، وهو الكرسي، وفوقه الفلك الأطلس؛ أي: فلك الأفلاك وهو العرش، سمي بالأطلس لخلوه عن الكواكب، تشبيهًا له بالثوب الأطلسي الخالي من النقش، ثم حركة الأفلاك بالإرادة، وحركة الكواكب بالعرض، إذ كل منها مركوز في الفلك كالكرة المنغمسة في الماء، والكواكب التي أدركها الحكماء بأرصادهم ألف وتسع وعشرون، فمنها سيارة ومنها ثوابت، والكل مما أدركوا، ومما لم يدركوا زينة السماء، كما أن في الأرض زينة لها. ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾؛ أي (٢): لكل من ينظر إليها، فمعنى التزيين ظاهر، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدرها، وحكمة مدبرها، فتزيينها: ترتيبها على نظام بديع مستتبع للآثار الحسنة، وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بها، وأما غيرهم فنظرهم كلا نظر.

стр. 6444

والخلاصة: أي (١) ولقد خلقنا في السماء نجومًا كبارًا ثوابت وسيارات، وجعلناها وكواكبها بهجة لمن تأمل، وكرر النظر فيما يرى من عجائبها الظاهرة وآياتها الباهرة، التي يحار الفكر في دقائق صنعتها، وقدرة مبدعها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾. ١٧ - ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾؛ أي: وحفظنا السماء ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾؛ أي: مرمي بالنجوم، فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوس في أهلها، ويتصرف في أهلها، ويقف على أحوالها، فيلاحظ في الكلام معنى الإضافة، أي: من دخول كل شيطان، إذ الحفظ لا يكون من ذات الشيطان. وفي كلمة ﴿مِنْ﴾ ها هنا دلالة على أن اللام في الشيطان الرجيم في الاستعاذة لاستغراق الجنس. كما في "بحر العلوم". والمعنى: أي ومنعنا كل شيطان رجيم من القرب منها، كما قال في آية أخرى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾؛ أي: وحفظناها من كل شيطان خارج من الطاعة برميه بالشهب، كما تحفظ المنازل من متجسس يخشى منه الفساد. ١٨ - ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾؛ أي: إلا من اختلس الكلام المسموع بسرعة، وأخذه سرًّا، ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾؛ أي: تبعه ولحقه ﴿شِهَابٌ﴾؛ أي: لهب محرق، وهي شعلة نار ساطعة ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر أمره للمبصرين، فالاستثناء إما متصل؛ أي: إلا من استرق السمع، ويجوز أن يكون منقطعًا؛ أي: ولكن من استرق السمع ... إلخ. والمعنى (٢): حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره، إلا من استرق السمع فإنها تتبعه الشهب فتقتله، أو تخبله، ومعنى فأتبعه: تبعه ولحقه وأدركه، والشهاب الكوكب، أو النار المشتعلة الساطعة، وسمي الكوكب شهابًا؛ لبريقه شبه النار، والمبين: الظاهر للمبصرين، يرونه لا يلتبس عليهم. قال القرطبي" واختلف (٣) في الشهاب هل يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس:

стр. 6445

الشهاب: يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن وطائفةٌ: يقتل، فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استقروه من السمع إلى غيرهم من الجن، قال ذكره الماوردي، ثم قال: والقول الأول أصح، ومما يجب (١) التنبيه له: أن هذا حكاية فعل قبل النبي ﷺ ، وأن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال قبل أن يبعثه الله تعالى، فلما بعث رسول الله ﷺ .. كثر الرجم، وزاد زيادة ظاهرة، حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق رأسًا وبالكلية. ويعضده ما روي عن ابن عباس ﵄: إن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات كلها، فلما ولد عيسى ﵇ .. منعوا من ثلاث سموات، ولما ولد محمد ﷺ .. منعوا من السموات كلها بالشهب. وما يوجد اليوم من أخبار الجن على ألسنة المخلوقين، إنما هو خبر منهم عما يرونه في الأرض، مما لا نراه نحن، كسرقة سارقٍ، أو خبية من مكان خفيّ ونحو ذلك، وإن أخبروا بما سيكون كان كذبًا. كما في "أكمام المرجان". وخلاصة قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: لكن من أراد اختطاف شيء من علم الغيب، مما يتحدث به الملائكة في الملأ الأعلى .. تبعه كوكب مشتعل نارًا ظاهرًا للمبصرين فأحرقه، ولم يصل إلى معرفة شيءٍ مما يدبر في ملكوت السموات، وبهذا المعنى قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾. وبعد فالكتاب الكريم أخبرنا بأن الشياطين أرادوا أن يختطفوا شيئًا من أخبار الغيب، مما لدى الملائكة الكرام، فسلطت عليهم الشهب المشتعلة، والنجوم المتقدة، فأحرقتهم، ولا نبحث عن معرفة كنه ذلك ولا نمعن في النظر
следующие страницы →