المجرمون، ولا يؤمنون بكتابنا وسيحل بهم مثل ما حل بالأولين، وننصرك عليهم بعد حين، كما قال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾.
١٤ - ثم حكى الله إصرارهم على الكفر، وتصميمهم على التكذيب والاستهزاء فقال: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا﴾؛ أي: على هؤلاء المقترحين المعاندين لمحمد ﷺ ، الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة ﴿بَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: بابًا من أبوابها المعهودة، ومكناهم من الصعود إليه، أو بابًا (١) مَّا، لا بابًا من أبوابها المعهودة كما قيل، ويسرنا لهم الرقي والصعود إليه ﴿فَظَلُّوا فِيهِ﴾ أي: في ذلك الباب؛ أي: فصاروا ﴿يَعْرُجُونَ﴾؛ أي: يصعدون في ذلك الباب بآلةٍ أو بغير آلةٍ، حتى يشاهدوا ما في السماء من عجائب الملكوت التي لا يجحدها جاحد، ولا يعاند عند مشاهدتها معاند، وقيل: الضمير في: ﴿فَظَلُّوا﴾ للملائكة؛ أي: فظل الملائكة يعرجون في ذلك الباب، والكفار يشاهدونهم، وينظرون صعودهم من ذلك الباب ..
١٥ - ﴿لَقَالُوا﴾؛ أي: لقال هؤلاء الكفار المعاندون لمحمد ﷺ ، لفرط عنادهم، وزيادة عتوهم وتشكيكهم في الحق: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾، أي: سدت من باب الإحساس، أو حبست عن النظر وحيرت، أو غشيت وغطيت، ثم أضربوا عن قولهم ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ حيث قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ قد سحرنا محمد ﷺ ، كما قالوه عند ظهور سائر الآيات الباهرة، كما قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، تلخيصه: لو أوتوا بما طلبوا .. لكذبوا، لتماديهم في الجحود والعناد، وتناهيهم في ذلك. كما في "الكواشي".
وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالةٌ على أنهم يبيتون القول بذلك، وأن ما يرونه لا حقيقة له، وإنما هو أمر خيل إليهم بنوع من السحر، قالوا كلمة إنما تفيد الحصر في المذكور آخرًا، فيكون الحصر في الأبصار لا في التسكير، فكأنهم قالوا: سكرت أبصارنا لا عقولنا، فنحن وإن تخايلت بأبصارنا هذه الأشياء، لكنا نعلم بعقولنا أن الحال بخلافه، ثم قالوا: بل نحن، كأنهم أضربوا عن الحصر في الأبصار، وقالوا بل جاوز ذلك إلى عقولنا بسحر سحره لنا؛ أي: ولو فتحنا على
стр. 6442
هؤلاء المعاندين بابًا من السماء فظلوا في ذلك الباب يصعدون، فيرون من فيها من الملائكة، وما فيها من العجائب .. لقالوا - لفرط عنادهم وغلوهم في المكابرة -: إنما سدت أبصارنا، فما نراه تخيل لا حقيقة له، وقد سحرنا محمد بما يظهر على يديه من الآيات.
وقرأ الأعمش وأبو حيوة (١): ﴿يَعْرِجُون﴾ بكسر الراء، وهي لغة هذيل في العروج بمعنى الصعود، وقرأ الحسن ومجاهد وابنُ كثير: ﴿سُكِّرَتْ﴾ بتخفيف الكاف مبنيًّا للمفعول، وقرأ باقي السبعة .. بشدها مبنيًّا للمفعول، وقرأ الزهري: بفتح السين وكسر الكاف مخففة مبنيًّا للفاعل، شبهوا رؤية أبصارهم برؤية السكران، لقلة تصوره ما يراه، وقرأ أبان بن تغلب: ﴿سُحرت أبصارنا﴾، وينبغي أن تجعل هذه القراءة تفسير معنى لا تلاوةً، لمخالفتها لسواد المصحف.
١٦ - ولما ذكر سبحانه كفر الكافرين وعجزهم، وعجز أصنامهم .. ذكر قدرته الباهرة، وخلقه البديع، ليستدل بذلك على وحدانيته فقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد خلقنا ﴿فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾؛ أي: قصورًا وبيوتًا وطرقًا ومنازل، ينزلها السيارات السبع في السموات السبع، والمراد بها هنا: منازل الشمس والقمر، والنجوم السيارة ومواضع سيرها، وهي البروج الاثنا عشر المشهورة، المختلفة الهيئات والخواص، وأسماؤها: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وقد جمع تلك الأبراج بعضهم في بيتين فقال:
حَمَلَ الثَّوْرُ جَوْزَةَ السَّرَطَانِ ... وَرَعَى اللَّيْثُ سُنْبُلَةَ الْمِيْزَانِ
وَرَمَى عَقْرَبٌ بَقَوْسٍ لِجَدْيٍ ... نَزَحَ الْدَّلْوُ بِرْكَةَ الْحِيْتَانِ
والبروج: جمع برج، والمراد بها: منازل وطرق تسير فيها الكواكب السبعة السيارة، وقد جمعها (٢) بعضهم في بيت واحد على ترتيب وجودها في السماء، مبتدئًا من السابعة، فقال:
стр. 6443
زُحَلٌ شَرَى مِرِّيْخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ... فَتَزَاهَرَتْ لِعُطَارِدَ الأَقْمَارُ
فزحل في السماء السابعة، والمشتري في السادسة، والمريخ في الخامسة، والشمس في الرابعة، والزهرة في الثالثة، وعطارد في الثانية، والقمر في الأولى؛ أي: في سماء الدنيا، والعرب تعدُّ المعرفة بمواقع النجوم في منازلها من أجلِّ العلوم، ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب، ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾؛ أي: وزينا السماء بتلك البروج؛ أي: وجعلنا الكواكب زينة السماء، تظهر للناظرين إليها؛ أي: المتأملين فيها بأبصارهم وبصائرهم، فيستدلون بها على قدرة صانعها ووحدته.
والمعنى: أي وزينا السماء بتلك البروج المختلفة الأشكال والكواكب، سياراتٍ كانت أو ثوابت، وسميت (١) السيارة لسرعة حركاتها، وسميت الثابتة الثوابت إما لثبات أوضاعها أبدًا، وإما لقلة حركاتها الثابتة وغاية بطئها، فإن السماويات ليست بساكنة، وحركات الثوابت على رأي أكثر المتأخرين درجة واحدة في ست وستين سنة شمسية، وثمان وستين سنة قمرية، فيتم برجًا في ألف سنة، ودورة في أربعة وعشرين ألف سنة، وتسمى الثوابت بالكواكب البيابانية إذ يهتدى بها في الفلاة، وهي البيابانية بالعجميَّة، والكواكب الثابتة بأجمعها على الفلك الثامن، وهو الكرسي، وفوقه الفلك الأطلس؛ أي: فلك الأفلاك وهو العرش، سمي بالأطلس لخلوه عن الكواكب، تشبيهًا له بالثوب الأطلسي الخالي من النقش، ثم حركة الأفلاك بالإرادة، وحركة الكواكب بالعرض، إذ كل منها مركوز في الفلك كالكرة المنغمسة في الماء، والكواكب التي أدركها الحكماء بأرصادهم ألف وتسع وعشرون، فمنها سيارة ومنها ثوابت، والكل مما أدركوا، ومما لم يدركوا زينة السماء، كما أن في الأرض زينة لها. ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾؛ أي (٢): لكل من ينظر إليها، فمعنى التزيين ظاهر، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدرها، وحكمة مدبرها، فتزيينها: ترتيبها على نظام بديع مستتبع للآثار الحسنة، وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بها، وأما غيرهم فنظرهم كلا نظر.
стр. 6444
والخلاصة: أي (١) ولقد خلقنا في السماء نجومًا كبارًا ثوابت وسيارات، وجعلناها وكواكبها بهجة لمن تأمل، وكرر النظر فيما يرى من عجائبها الظاهرة وآياتها الباهرة، التي يحار الفكر في دقائق صنعتها، وقدرة مبدعها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾.
١٧ - ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾؛ أي: وحفظنا السماء ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾؛ أي: مرمي بالنجوم، فلا يقدر أن يصعد إليها، ويوسوس في أهلها، ويتصرف في أهلها، ويقف على أحوالها، فيلاحظ في الكلام معنى الإضافة، أي: من دخول كل شيطان، إذ الحفظ لا يكون من ذات الشيطان. وفي كلمة ﴿مِنْ﴾ ها هنا دلالة على أن اللام في الشيطان الرجيم في الاستعاذة لاستغراق الجنس. كما في "بحر العلوم".
والمعنى: أي ومنعنا كل شيطان رجيم من القرب منها، كما قال في آية أخرى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾؛ أي: وحفظناها من كل شيطان خارج من الطاعة برميه بالشهب، كما تحفظ المنازل من متجسس يخشى منه الفساد.
١٨ - ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾؛ أي: إلا من اختلس الكلام المسموع بسرعة، وأخذه سرًّا، ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾؛ أي: تبعه ولحقه ﴿شِهَابٌ﴾؛ أي: لهب محرق، وهي شعلة نار ساطعة ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر أمره للمبصرين، فالاستثناء إما متصل؛ أي: إلا من استرق السمع، ويجوز أن يكون منقطعًا؛ أي: ولكن من استرق السمع ... إلخ.
والمعنى (٢): حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره، إلا من استرق السمع فإنها تتبعه الشهب فتقتله، أو تخبله، ومعنى فأتبعه: تبعه ولحقه وأدركه، والشهاب الكوكب، أو النار المشتعلة الساطعة، وسمي الكوكب شهابًا؛ لبريقه شبه النار، والمبين: الظاهر للمبصرين، يرونه لا يلتبس عليهم.
قال القرطبي" واختلف (٣) في الشهاب هل يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس:
стр. 6445
الشهاب: يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل، وقال الحسن وطائفةٌ: يقتل، فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان:
أحدهما: أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم، فلا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة.
والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استقروه من السمع إلى غيرهم من الجن، قال ذكره الماوردي، ثم قال: والقول الأول أصح، ومما يجب (١) التنبيه له: أن هذا حكاية فعل قبل النبي ﷺ ، وأن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال قبل أن يبعثه الله تعالى، فلما بعث رسول الله ﷺ .. كثر الرجم، وزاد زيادة ظاهرة، حتى تنبه لها الإنس والجن، ومنع الاستراق رأسًا وبالكلية.
ويعضده ما روي عن ابن عباس ﵄: إن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات كلها، فلما ولد عيسى ﵇ .. منعوا من ثلاث سموات، ولما ولد محمد ﷺ .. منعوا من السموات كلها بالشهب.
وما يوجد اليوم من أخبار الجن على ألسنة المخلوقين، إنما هو خبر منهم عما يرونه في الأرض، مما لا نراه نحن، كسرقة سارقٍ، أو خبية من مكان خفيّ ونحو ذلك، وإن أخبروا بما سيكون كان كذبًا. كما في "أكمام المرجان".
وخلاصة قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: لكن من أراد اختطاف شيء من علم الغيب، مما يتحدث به الملائكة في الملأ الأعلى .. تبعه كوكب مشتعل نارًا ظاهرًا للمبصرين فأحرقه، ولم يصل إلى معرفة شيءٍ مما يدبر في ملكوت السموات، وبهذا المعنى قوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.
وبعد فالكتاب الكريم أخبرنا بأن الشياطين أرادوا أن يختطفوا شيئًا من أخبار الغيب، مما لدى الملائكة الكرام، فسلطت عليهم الشهب المشتعلة، والنجوم المتقدة، فأحرقتهم، ولا نبحث عن معرفة كنه ذلك ولا نمعن في النظر
стр. 6446
لندرك حقيقته، لأنا لم نؤت من الوسائل والأسباب ما يمكننا من معرفة ذلك معرفة صحيحة، تجعلنا نؤمن به إيمانًا مبنيًّا على البرهان بوسائله المعروفة، وليس لنا إلا التصديق بما جاء في الكتاب، وأوحي إلى النبي الكريم، والبحث وراء ذلك لا يقفنا على علمٍ صحيحٍ، بل على حدس وتخمين لا حاجة للمسلم به للإطمئنان في دينه، فالأحرى به أن يعرض عنه، لئلا يحيد عن القصد، ويضل عن سواء السبيل.
١٩ - وبعد أن ذكر الدلائل السماوية على وحدانيته .. أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾؛ أي: ومددنا الأرض وبسطناها على وجه الماء العذب، وجعلناها (١) ممتدة الطول والعرض والعمق، ليمكن الانتفاع بها على الوجه الأكمل، وهذا فيما يظهر في مرأى العين، فلا يدل على نفي الكروية عن الأرض، لأن الكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي، وفي "الخازن": وزعم (٢) أرباب الهيئة أنها كرة عظيمة بعضها في الماء، وبعضها خارج عن الماء، وهو الجزء المعمور منها، واعتذروا عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بأن الكرة إذا كانت عظيمة .. كان كل جزء منها كالسطح العظيم، فثبت بهذا الأمر أن الأرض ممدودة مبسوطة، وأنها كروية، والله أعلم بمراده، وكيف مد الأرض. انتهى.
﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا﴾؛ أي: خلقنا في الأرض وجعلنا فيها جبالًا ﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: ثوابت لا تتحرك خوف أن تضطرب الأرض بسكانها، كما قال في آيات أخرى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾.
والمعنى (٣): وجعلنا في الأرض رواسي بقدرتنا الباهرة، وحكمتنا البالغة، وذلك بأن قال لها: كوني فكانت، فأصبحت الأرض، وقد أرسيت بالجبال، بعد أن كانت تمور مورًا، فلم يدر أحدٌ مم خلقت.
стр. 6447
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ وأنشأنا وأوجدنا في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من أنواع النباتات ﴿مَوْزُونٍ﴾؛ أي: مقدر معلوم، فعبر (١) عن ذلك بالوزن، لأنه مقدار تعرف به الأشياء، وقيل: معنى موزون: مقسوم، وقيل: معدود، وقيل: الضمير راجع إلى الجبال؛ أي: وأنبتنا في الجبال؛ أي: وأنبتنا في الجبال من كل شيء موزون، من الذهب والفضة والنحاس والرصاص ونحو ذلك، وقيل: موزون بميزان الحكمة، ومقدر بقدر الحاجة، وقيل: الموزون المحكوم بحسنه، كما يقال: كلام موزون؛ أي: حسن.
٢٠ - ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ﴾ أيها العباد ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض ﴿مَعَايِشَ﴾؛ أي: أسبابًا تعيشون بها، من المطاعم والمشارب والملابس، وغيرها مما يتعلق به البقاء، جمع: معيشةٍ، وقيل: هي الملابس، وقيل: هي التصرف في أسباب الرزق في مدة الحياة، والقول الأول أظهر؛ أي: إن (٢) أنواع معايشكم من غذاء وماء ولباس ودواء، قد سخَّرناها لكم في الأرض، فلا السمك في البحر غذيتموه، ولا الطير في الجو ربيتموه، ولا غيرهما من أشجار الجبال والغابات وحيوان البر والبحر خلقتموه.
﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ معطوف (٣) على معايش؛ أي: وجعلنا لكم في الأرض معايش، وجعلنا لكم فيها من لستم له برازقين، وهم المماليك والخدم والأولاد الذين رازقهم في الحقيقة هو الله تعالى، وإن ظن بعض العباد أنه الرازق لهم، باعتبار استقلاله بالكسب، ولهذا الظن ذكرهم بهذا العنوان؛ لرد حسبانهم أنهم يكفون موؤناتهم، ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم وإياكم، أو معطوف على محلِّ ﴿لَكُمْ﴾ وهو النصب؛ أي: جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لمن لستم له برازقين فيها معايش، فيكون من عطف الجار والمجرور على الجار والمجرور، ولا يجوز العطف على الضمير المجرور في ﴿لَكُمْ﴾ لأنه لا يجوز عند الأكثر إلا بإعادة الجار؛ أي: وجعلنا لكم فيها من لستم رازقيه من العيال
стр. 6448
والمماليك والخدم والدواب، وفي هذا إيماء إلى أن الله يرزقهم وإياهم، لا أنهم يرزقون منهم، وفي ذلك عظيم المنة، وجزيل الفضل والعطاء وواسع الرحمة لعباده.
وخلاصة هذا: أنه سبحانه يسر لكم أسباب المكاسب وصنوف المعايش، وسخر لكم الدواب التي تركبونها، والأنعام التي تأكلونها، والعبيد التي تستخدمونها، فكل أولئك رزقهم على خالقهم لا عليكم، فلكم منها المنفعة، ورزقها على الله تعالى، وهذا في غاية الامتنان.
وقرأ الجمهور: ﴿مَعَايِشَ﴾ بالياء، وقرأ الأعرج، وخارجة عن نافع: ﴿مَعائش﴾ وبالهمز، وهي شاذَّةٌ كما سيأتي في مبحث التصريف إن شاء الله تعالى.
٢١ - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إن نافية، وما مزيدة للتأكيد، وهذا التركيب عام لوقوع النكرة في حيز النفي مع زيادة (من)، ومع لفظ (شيء) المتناول لكل الموجودات، الصادق على كل فرد منها، والخزائن: جمع خزانة، وهو المكان الذي يحفظ نفائس الأموال، وذكر الخزائن تمثيل لاقتداره تعالى على كل مقدور؛ أي: وما كل الممكنات ﴿إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾؛ أي: إلا هي مقدورةٌ لنا ومملوكة، نخرجها من العدم إلى الوجود، بمقدار معلوم كيف نشاء، أو المراد بالخزائن: مفاتيحها؛ أي: وما شيء من أرزاق العباد إلا عندنا مفاتيحه، نعطيها كيف نشاء من البسط والقبض.
والخلاصة: أي ما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده، والإنعام به متى أردنا دون أن يكون تأخير ولا إبطاء، فخزائن ملكنا مليئة بما تحبون من النفائس، غير محجوبة عن الباحث الساعي إلى كسبها من وجوهها، بحسب السنن التي وضعناها، والنظم التي قدرناها، ولا يمنعها مانع، ولا يستطيع دفعها دافع، فهي تحت قبضة الطالب إذا أحسن المسعى، وأحكم الطلب، كما قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾؛ أي: وما ننزل ذلك الشيء من السماء إلى الأرض، أو نوجده للعباد ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي: إلا بمقدار معلوم وحساب معين، والقدر بمعنى المقدار.
стр. 6449
والمعنى: أن الله لا يوجد للعباد شيئًا من تلك الأشياء المذكورة إلا متلبسًا ذلك الإيجاد بمقدار معين (١)، حسبما تقتضيه مشيئته، على مقدار حاجة العباد إليه، كما قال : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾، وقد فسر الإنزال بالإعطاء؛ أي (٢): وما نعطي ذلك الشيء إلا بقسطٍ محدودٍ، نعلم أن فيه الكفاية لدى الحاجة، وفيه الرحمة بالعباد، كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وقد جرت عادة القرآن بأن يسمي ما يصل إلى العباد بفضل الله وجوده إنزالًا، كما قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وجملة قوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾ معطوفة على مقدر - أي: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ننزله، وما ننزله - أو في محل النصب على الحال.
وقرأ الأعمش (٣): ﴿وما نرسله﴾ مكان ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾، والإرسال أعم، وهي قراءة تفسير ومعنى، لا أنها لفظ قرآن، لمخالفتها سواد المصحف، وفي "روح البيان": ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾؛ أي: ما نوجد وما نكوِّن شيئًا من تلك الأشياء متلبسًا بشيء من الأشياء إلا بقدر معلوم؛ أي: إلا متلبسًا بمقدار معين، تقتضيه الحكمة، وتستدعيه المشيئة التابعة لها، وفي "تفسير أبي الليث": ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾؛ أي: مفاتيح رزقه، ويقال: خزائن المطر، ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾؛ أي: المطر ﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي: إلا بكيل ووزن معروف.
٢٢ - ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ معطوف على ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ وما بينهما اعتراض، والرياح: جمع ريح، وهو جسم لطيف منبث في الجو سريع المرور. اهـ "خطيب"، واللواقح: جمع لاقحة؛ أي: حاملة لأنها تحمل الماء إلى السحاب، فهي ملقحة، يقال: ناقة ملقحة إذا حملت الولد؛ أي: وأرسلنا الرياح وأنشأناها حالة كونها لواقح وحوامل للماء إلى السحاب، فهي حالة مقدرة، وقال
стр. 6450
ابن مسعود: يرسل الله الريح وينشؤها، فتحمل الماء فتمجه في السحاب، ثم تمر به فتدره كما تدر الملقحة، ثم تمطر، وقال أبو عبيد: يبعث الله الريح المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة، فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض، فتجعله ركامًا، ثم يبعث اللواقح فتلقحه. اهـ "خطيب".
وقرأ حمزة (١): ﴿الريح﴾ بالإفراد، وقرأ من عداه: ﴿الرِّيَاحَ﴾ بالجمع، وعلى قراءة حمزة تكون اللام في الريح للجنس، وقالوا: الرياح للخير، والريح للشر؛ لقوله ﷺ : "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا".
والمعنى: أي إن (٢) من فضله على عباده وإحسانه إليهم أن أرسل إليهم الرياح لواقح، ويكون ذلك على ضروب:
١ - أن يرسلها حاملات للسحاب، فتلقح بها الأشجار بما تنزل عليها من الأمطار، فتغيرها من حال إلى حال، فتعطيها حياة جديدة، إذ تزدهر أزهارها، وتثمر أغصانها، بعد أن كانت قد ذبلت وصوحت، وأصبحت في مرأى العين كأنها ميتة لا حياة فيها، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾.
٢ - أن يرسلها ناقلة لقاح الأزهار الذكور إلى الأزهار الإناث، لتخرج الثمر والفواكه للناس.
٣ - أن يرسلها لتزيل عن الأشجار ما علق بها من الغبار، لينفذ الغذاء إلى مسامها، فيكون ذلك رياضة للشجر والزرع، كرياضة الحيوان.
﴿فَأَنْزَلْنَا﴾ بعد ما أنشانا بتلك الرياح سحابًا ماطرًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من جانب العلو، فإن كل ما علاك فهو سماء، وهو الظاهر هنا، لا الفلك يعني من السحاب ﴿ماء﴾؛ أي: بعض ماء المطر، كما يفيده التنكير، فإنه معلوم عند الناس علمًا يقينيًّا أنه لم ينزل من السماء الماء كله، بل قدر ما يصلون به إلى
стр. 6451
المنفعة، ويسلمون معه من المضرة ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾؛ أي: جعلنا ذلك المطر سقيًا لكم ولدوابكم وأراضيكم، قال أبو علي: يقال: سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي، وأسقيته نهرًا؛ أي: جعلته شربًا له، وعلى هذا ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أبلغ من سقيناكموه، لما فيه من الدلالة على جعل الماء معدًّا لهم، يرتفقون به متى شاؤوا، وهي أطول كلمة في القرآن، وحروفها أحد عشر، وحروف ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ عشرة.
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ﴾؛ أي: لذلك المطر المنزل ﴿بِخَازِنِينَ﴾؛ أي: بقادرين على إيجاده وخزنه في السحاب، وجمعه فيه، وإنزاله، بل نحن القادرون على إيجاده وجمعه في السحاب وإنزاله، وقيل: المعنى: وما أنتم بخازنين له بعد ما أنزلناه في الغدران والآبار والعيون، بل نحن نخزن ونجمع في هذه المخازن، ونحفظه فيها، لنجعله لكم سقيًا، ويكون ذخيرة لكم عند الحاجة إليه، مع أن طبيعة الماء تقتضي الغور.
والمعنى: أي فأنزلنا من (١) السماء مطرًا، فأسقيناكم ذلك المطر لشرب زرعكم ومواشيكم، وفي ذلك استقامة أمور معايشكم، وتدبير شؤون حياتكم إلى حين، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾؛ أي: ولستم بخازنين الماء الذي أنزلته فتمنعوه من أن أسقيه من أشاء؛ لأن ذلك بيدي، وهو خاضع لسلطاني، إن شئت حفظته، وإن شئت غار في باطنها ويتخلل طبقاتها، فلا أبقي منه شيئًا ينفع الناس والحيوان، ويسقي الزرع الذي عليه عماد حياتكم.
والخلاصة (٢): نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب، وإنزاله، وما أنتم على ذلك بقادرين.
٢٣ - وبعد أن ذكر نظم المعيشة في هذه الحياة .. ذكر إحياء الإنسان وإماتته فقال: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة، وتقديم (٣) الضمير للحصر، وهو إما تأكيد للأول، أو مبتدأ خبره الفعل، والجملة خبر
стр. 6452
لـ ﴿إنَّا﴾، ولا يجوز كونه ضمير الفصل، لأنه لا يقع إلا بين الاسمين، ﴿وَنُمِيتُ﴾ بإعدامها وإزالتها عنها، وقد يعم الإحياء والإماتة لما يشمل الحيوان والنبات، والله تعالى يحيي الأرض بالمطر أيام الربيع؛ ويميتها أيام الخريف، ويحيي بالإيمان وميت بالكفر؛ أي: إنا نحن نوجد الحياة في المخلوقات، ونسلبها عنها متى شئنا، والغرض من ذلك الاستدلال بهذه الأمور على كمال قدرته تعالى، وأنه القادر على البعث والنشور، والجزاء لعباده على حسب ما يستحقونه، وتقضيه مشيئته، ولهذا قال: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾؛ أي: للأرض ومن عليها، لأنه سبحانه الباقي بعد فناء خلقه، الحي الذي لا يموت، الدائم الذي لا ينقطع وجوده، ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أَي: نحن الباقون بعد فناء الخلق، المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك المجازي،
والمعنى (١): أي وإنا لنحيي من كان ميتًا إذا أردنا، ونميت من كان حيًّا إذا شئنا، ونحن نرث الأرض ومن عليها، فنميتهم جميعًا، ولا يبقى حي سوانا، ثم نبعثهم كلهم ليوم السحاب، فيلاقي كل امرئٍ جزاء ما عمل، إن خيرًا وإن شرًّا.
٢٤ - ثم أقام الدليل على إمكان ذلك، وأثبت قدرته عليه فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد علمنا منكم أيها العباد ولادة وموتًا؛ يعني: الأولين من زمان آدم إلى هذا الوقت (٢)، واستقدم بمعنى تقدَّم، كما سيأتي في مبحت التصريف، وكذلك استأخر بمعنى تأخر فيما سيأتي، واللام فيه موطئة للقسم كما فسرنا، وكذا اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ منكم موطئة له؛ أي: وعزتي وجلالي لقد علمنا من تأخر منكم ولادة وموتًا، يعني الآخرين إلى يوم القيامة، وقيل: من تقدم طاعة ومن تأخر فيها، وقيل: من تقدم في صف القتال ومن تأخر، وقيل: المراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياء، وقيل: المستقدمون هم الأمم المتقدمون على أمة محمد ﷺ ، والمستأخرون: هم أمة محمد ﷺ ، وقيل: المستقدمون مَنْ قُتل في الجهاد، والمستأخرون من لم يُقتل.
стр. 6453
والمعنى (١): أي ولقد علمنا من مضى منكم، وأحصيناهم وما كانوا يعلمون، ومن هو حي، ومن سيأتي بعدكم، فلا تخفى علينا أحوالكم، ولا أكمالكم، فليس بالعسير علينا جمعكم يوم التناد للحساب والجزاء، يوم ينفخ في الصور.
٢٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿هُوَ﴾ لا غيره ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أي: يحشر الخلائق في عرصات القيامة، فيجمع الأولين والآخرين عنده يوم القيامة، من أطاعه منهم ومن عصاه، ويجازي كلًّا بما عمل، بحسب ما وضع من السنن وقدَّر من ارتباط المسببات بأسبابها، وجعل لكل عمل جزاءً له، فهو المتولي لذلك القادر عليه لا غيره، كما يفيده ضمير الفصل من الحصر، وقرأ (٢) الأعمش: ﴿يَحْشِرهم﴾ بكسر الشين. ثم أكد هذا وزاده إيضاحًا فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: (٣) بالغ الحكمة، متقن في أفعاله، فإنها عبارة عن العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والإتيان بالأفعال على ما ينبغي، وهي صفة من صفاته تعالى، لا من صفات المخلوقين.
وما يسميه الفلاسفة الحكمة هي المعقولات، وهي من نتائج العقل، والعقل من صفات المخلوقين، فكما لا يجوز أن يقال لله العاقل، لا يجوز للمخلوق الحكيم، إلا بالمجاز لمن آتاه الحكمة، كما في "التأويلات النجمية". ﴿عَلِيمٌ﴾ واسع العلم، وسع علمه كل شيء، ولعل تقديم صفة الحكمة للإيذان باقتضائها للحشر والجزاء (٤) فهو تعالى يفعل ما يشاء على مقتضى الحكمة والعدل، وما يؤيده من سعة العلم والفضل.
الإعراب
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾.
﴿الر﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه السورة ﴿الر﴾؛ أي: مسماة
стр. 6454
بهذه اللفظة إن قلنا إنه عَلَمٌ على السورة، وإلا فلا محلَّ لها من الإعراب، ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَقُرْآنٍ﴾: معطوف على ﴿الْكِتَابِ﴾: وسوغ العطف التغاير في اللفظ مع زيادة الصفة، ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿قرآن﴾.
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾.
﴿رُبَمَا﴾: حرف جر وتكثير، ولكن بطل عملها لدخول ﴿ما﴾ الكافة عليها، ولذلك دخلت على الجملة الفعلية ما الكافة؛ لكفها ما قبلها عن العمل فيما بعدها، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وسوغ دخول رب على المضارع مع أنها مختصة بالماضي كونه بمنزلة الماضي في تحقق الوقوع، من حيث إنه من أخبار الله تعالى، وهي صدق لا تتخلف، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿لَوْ﴾ مصدرية، ﴿كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: كثيرًا يود الذين كفروا كونهم مسلمين. ويحتمل كون ﴿لَوْ﴾ حرف شرط وامتناع، جوابها محذوف، وكذا مفعول الود محذوف، والتقدير: ربما يود الذين كفروا النجاة لو كانوا مسلمين لسروا بذلك أو تخلصوا مما هم فيه.
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.
﴿ذَرْهُمْ﴾ فعل أمر ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿يَأْكُلُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف النون، وكذا تقول في ﴿يَتَمَتَّعوا﴾، والجملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿وَيَتَمَتَّعُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿يَأْكُلُوا﴾. ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿يَأْكُلُوا﴾ على كونه مجزومًا بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الياء؛ لأنه من ألهى يلهي ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿سوف﴾: حرف تنفيس واستقبال، ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿ذَرْهُمْ﴾.
стр. 6455
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: مفعول به، و ﴿مِن﴾: زائدة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿وَلَهَا﴾ ﴿الواو﴾: واو الحال، ﴿لها﴾: خبر مقدم، ﴿كِتَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مَعْلُومٌ﴾: صفة ﴿كِتَابٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿قَرْيَةٍ﴾، وسوَّغ مجيء الحال منها دخول من الزائدة عليها، والتقدير: وما أهلكنا قرية من القرى في حال من الأحوال إلا حال كون أجل معلوم لهلاكها، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿تَسْبِقُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾: فاعل، و ﴿مِنْ﴾ زائدة لتأكيد النفي، ﴿أَجَلَهَا﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تَسْبِقُ﴾، ومتعلق ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره: عنه ولوقوعه فاصلة، وحمل (١) على لفظ ﴿أُمَّةٍ﴾ في قوله: ﴿أَجَلَهَا﴾، فأفرد وأنث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ فجمع وذكر.
﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يَا أَيُّهَا﴾: منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء في محل النصب مقول قال، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿أي﴾، ﴿نُزِّلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، ﴿الذِّكْرُ﴾: نائب فاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، والجملة في محل النصب مقول قال، على كونها جواب النداء، ﴿لَوْ مَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلَّا، ﴿تَأْتِينَا﴾: فعل ومفعول، ﴿بِالْمَلَائِكَةِ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في
стр. 6456
محل النصب مقول قال، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتَ﴾: فعل واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، معلوم مما قبلها تقديره: ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فأتنا بالملائكة، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول قال.
﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
﴿مَا﴾: نافية ﴿نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿نُنَزِّلُ﴾؛ أي: حالة كوننا ملتبسين بالحق، أو صفة لمصدر محذوف، تقديره: إلا تنزيلًا ملتبسًا بالحق ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: نافية ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء، ولكن لا عمل لها، لعدم دخولها عل الفعل، ﴿مُنْظَرِينَ﴾: خبر كان، وجملة كان معطوفة على جملة ﴿نُنَزِّلُ﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿نَحْنُ﴾: تأكيدٌ لاسم ﴿إنَّ﴾ أو مبتدأ، ولا يصح كونه ضمير فصل لعدم وقوعه بين اسمين، ﴿نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في فصل الرفع خبر ﴿إن﴾ أو خبر المبتدأ، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إنا﴾: ناصب واسمه ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده، ﴿لَحَافِظُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾ و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ معوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ الأولى.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: رسلًا، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة للمفعول المحذوف، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية
стр. 6457
﴿يَأْتِيهِمْ﴾: فعل ومفعول، ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ ومن زائدة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَد أَرسَلنَا﴾ على كونها جواب القسم، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ خبر كان، وجملة كان في محل النصب حال مقدرة من مفعول ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ تقديره: وما يأتيهم رسول إلا حالة كونهم مستهزئين به، ويجوز (١) أن تكون صفة لرسول فيكون في محلها وجهان؛ الجر باعتبار المحل، وإذا كانت حالًا فهي حال مقدرة.
﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾.
﴿كَذَلكَ﴾: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف، ﴿نَسْلُكُهُ﴾ فعل ومفعول، ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والتقدير: نسلك الاستهزاء في قلوب المجرمين سلكًا مثل يسلكه في قلوب أولئك الكفرة، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ أو جملة مفسرة لقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة.
﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لو﴾: شرطية، ﴿فَتَحْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿بَابًا﴾ مفعول به، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَابًا﴾، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿فَظَلُّوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ظَلُّوا﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بحسب بعدها، وجملة ﴿يَعْرُجُونَ﴾ في محل النصب خبر ظل، وجملة ﴿ظَلُّوا﴾ معطوفة على جملة ﴿فَتَحْنَا﴾ على كونها فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. (﴿لَقَالُوا﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية،
стр. 6458
﴿قالوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب لـ ﴿لَوْ﴾، وجملة ﴿لو﴾ مستأنفة ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿إنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿بَل﴾: حرف إضراب وابتداء، ﴿نَحْنُ قَوْمٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿مَسْحُورُونَ﴾: صفة لـ ﴿قَوْمٌ﴾ مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾.
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿فِي السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾ إن كان جعل بمعنى خلق، و ﴿بُرُوجًا﴾: مفعول به، ويجوز (١) أن يكون بمعنى صيرنا، فيكون مفعوله الأول ﴿بُرُوجًا﴾، ومفعوله الثاني الجار والمجرور، فيتعلق بمحذوف اهـ "سمين"، ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿زينا﴾. ﴿وَحَفِظْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿حفظنا﴾. ﴿رَجِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿شَيْطَانٍ﴾.
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ﴿اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾، والجملة صلة ﴿مَنِ﴾ الموصولة ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ الفاء: عاطفة ﴿أتبعه﴾: فعل ومفعول، ﴿شِهَابٌ﴾: فاعل، ﴿مُبِينٌ﴾: صفة لـ ﴿شِهَابٌ﴾، والجملة معطوفة على جملة الصلة، والعائد ضمير المفعول في ﴿أتبعه﴾. وفي "أبي السعود" قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ (٢)
стр. 6459
محله النصب على الاستثناء المتصل، إن فسر الحفظ بمنع الشياطين من التعرض لها على الإطلاق، والوقوف على: ما فيها في الجملة، أو المنقطع إن فسر ذلك بالمنع من دخولها، والتصرف فيها.
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾.
﴿وَالْأَرْضَ﴾: منصوب على الاشتغال، بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، وبسطنا الأرض مددناها، بسطنا الأرض: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾ على كونها جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿مَدَدْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مفسرة للمحذوف لا محل لها من الإعراب، ﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة وبسطنا الأرض، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿ألقينا﴾، ﴿رَوَاسِيَ﴾ مفعول به لـ ﴿أَلْقَيْنا﴾. ﴿وَأَنْبَتْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على بسطنا، ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾ والمفعول محذوف، تقديره: ضروبًا، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة للمفعول المحذوف، ﴿مَوْزُونٍ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل بمعنى وضعنا، معطوف على بسطنا الأرض، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿جعلنا﴾، ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال ﴿مَعَايِشَ﴾، ﴿مَعَايِشَ﴾: مفعول به، ﴿وَمَن﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿مَعَايِشَ﴾، ﴿لَسْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بما بعده، ﴿بِرَازِقِينَ﴾: خبر ليس، والباء زائدة.
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إنْ﴾ نافية، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مبتدأ و ﴿مِنْ﴾ زائدة، وسوَّغ الابتداء بالنكرة وقوعه في سياق النفي، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿عِنْدَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه، خبرٌ مقدم، ﴿خَزَائِنُهُ﴾: مبتدأ ثان مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره مستأنفة. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية: ﴿نُنَزِّلُهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء
стр. 6460
مفرغ، ﴿بِقَدَرٍ﴾: متعلق بـ ﴿نزل﴾، ﴿مَعْلُومٍ﴾: صفة لـ ﴿قدر﴾، والجملة معطوفة على الجملة الاسمية.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾.
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿جَعَلْنا﴾. ﴿لَوَاقِحَ﴾: حال من ﴿الرِّيَاحَ﴾، ﴿فَأَنْزَلْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أنزلنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أرسلنا﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾، ﴿مَا﴾: مفعول به بـ ﴿أنزلنا﴾، ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والواو حرف متولد من إشباع حركة الميم، والجملة معطوفة على جملة ﴿أنزلنا﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿مَا﴾: حجازية أو تميمية ﴿أَنْتُمْ﴾: اسم ﴿مَا﴾، أو مبتدأ، ﴿لَهُ﴾: متعلق بما بعده، ﴿بِخَازِنِينَ﴾: خبر ﴿ما﴾، أو خبر المبتدأ، والباء زائدة، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ضمير المخاطبين.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.
﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه، ﴿لَنَحْنُ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿نحن﴾: مبتدأ، ﴿نُحْيِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿وَنُمِيتُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿نُحْيِي﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الرفع معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، على كونها خبرًا لـ ﴿إنَّ﴾، ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾: فعل ومفعول، ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾، أو متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم قبله، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾
стр. 6461
مبتدأ، وجملة ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ مع خبره في محل الرفع خير ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة، ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان لـ ﴿إنَّ﴾ أو صفة لـ ﴿حَكِيمٌ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ ربما بضم الراء وتخفيف الباء وتشديدها: كلمة (١) تدل على أن ما بعدها قليل الحصول أو كثيره، فإذا قيل: ربما زارنا فلان .. دل على أن حصول الزيارة منه قليل، ولكنها هنا للتكثير كما في "مغني اللبيب"، قال أبو حاتم (٢): أهل الحجاز يخففونها، ومنه قول الشاعر:
رُبَّما ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيْلٍ ... بَيْنَ بُصْرَى وَطَعْنَةٍ نَجْلاَءِ
وتميمٌ وربيعة يثقلونها، وقد تزاد التاء الفوقية، وأصلها: أن تستعمل في القليل، وقد تستعمل في الكثير، وقد جمع (٣) معناها وشروطها بعضهم في بيتين فقال:
خَلِيْلَيَّ لِلتَّكْثِيْرِ رُبَّ كَثِيْرَةٌ ... وَجَاءَتْ لِتَقْلِيْلٍ وَلَكِنَّهُ يَقِلّ
وَتَصدِيْرُهَا شَرْطٌ وَتَأخِيْرُ عَامِلٍ ... وَتَنْكِيْرُ مَجَرُوْرٍ بِهَا هَكَذَا نُقِلْ
وقيل: هنا للتقليل لأنهم ودوا ذلك في بعض المواضع، لا في كلها لشغلهم بالعذاب، قيل: و ﴿ما﴾ هنا لحقت رب لتهيئها للدخول على الفعل، ﴿يَوَدُّ﴾ مضارع ودد من باب فعل المسكور، يقال وددت لو تفعل كذا - بالكسر ودًّا بالضم والفتح وودادًا وودادة بالفتح فيهما -؛ أي: تمنيت وددت لو أنك تفعل كذا مثله اهـ "مختار".
стр. 6462
﴿ذَرْهُمْ﴾: هذا (١) الأمر لا يستعمل له ماض إلا قليلًا استغناء عنه بترك، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ومن مجيء الماضي قوله ﷺ : "ذَرُوا الحبشة ما وذرتكم".
﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الهاء الأولى من بنية الفعل، والثانية مفعول به، يقال ألهاه كذا إذا شغله، ولهى هو عن الشيء يلهى إذا شغل، ومنه قولهم لهيت عن الشيء ألهى لهيًا إذا أعرضت عنه، والأمل التوقع في طول الحياة، وبلوغ الأوطار، واستقامة الأحوال، وفي" المصباح" أملته أملًا - من باب طلب - ترقبته، وأكثر ما يستعمل الأمل فيما يستبعد حصوله.
﴿لَوْ مَا﴾ مثل هلَّا، كلمة تفيد الحث والحض على فعل ما يقع بعدها، وفي "السمين" لَوْ ما حرف تحضيض كهلا وتكون أيضًا حرف امتناع لوجود، وذلك كما أن لولا مترددة بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أن التحضيضية لا يليها إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والامتناعية لا يليها إلا الأسماء لفظًا أو تقديرًا عند البصريين، واختلف فيها هل هي بسيطةٌ أم مركبةٌ؟، فقال الزمخشري: لو ركبت تارةً مع لا وتارةً مع ما لمعنيين، وأما هل فلم تركب إلا مع لا وحدها للتحضيض، واختلف أيضًا في لوما هل هي أصل بنفسها؟، أو فرع من لولا، وأن الميم مبدلة من اللام؟.
﴿فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ﴾ والشيع جمع شيعة، وهي الجماعة المتفقة على مبدأ واحد في الدين والمعتقدات، أو المذاهب والآراء، من شاعه إذا تبعه، وأصله الشياع، وهو الحطب الصغار توقد به الكبار، وفي"المصباح": الشيعة الاتباع والأنصار، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة، ثم صارت الشيعة اسمًا لجماعةٍ مخصوصة، والجمع شيع مثل سدرة وسدر، والأشياع جمع الجمع.
﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ أي: ندخله، يقال: سلكت الخيط في الإبرة؛ أي: أدخلته فيها، وفي" المختار": السلك بالكسر الخيط، وبالفتح مصدر سلك في الشيء
стр. 6463
فانسلك؛ أي: أدخله فيه فدخل، وبابه نصر قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وأسلك لغة فيه، ولم يذكر في الأصل سلك الطريق إذا ذهب فيه، وبابه دخل، وأظنه سها عن ذكره؛ لأنه مما لا يترك قصدًا.
﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾؛ أي: يصعدون، يقال: ظل فلان يفعل كذا إذا فعله بالنهار، وهو من أخوات كان الناقصة.
﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾؛ أي: سدت ومنعت من الإبصار بالتخفيف والتشديد سبعيتان كما مر، فعلى التخفيف يقال سكرت النهر سكرًا - من باب قتل - سددته، والسكر بالكسر ما يسدُّ به اهـ "مصباح" وقولنا بالتشديد؛ أي: لأجل التكثير والمبالغة اهـ "زاده".
﴿مَسْحُورُونَ﴾. أي: سحرنا محمد ﷺ ، بظهور ما أبداه من الآيات.
﴿بُرُوجًا﴾ البروج واحدها برج، وهي النجوم العظام، ومنها نجوم البروج الاثني عشر المعروفة في علم الفلك؛ أي: منازل ومحال وطرقًا تسير فيها الكواكب السيارة.
﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾؛ أي: المفكرين المستدلين بذلك على قدرة مقدرها، وحكمة مدبرها، وفي "السمين": والنظر هنا عينيٌّ، وقيل قلبيٌّ، وحذف متعلقة ليعم.
﴿حفظناها﴾؛ أي: منعناها.
﴿رَجِيمٍ﴾ والرجيم؛ أي: المرجوم المرمي بالرجام؛ أي: الحجارة، والمراد بالرجيم هنا المرميُّ بالنجوم.
﴿إلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ والاستراق: افتعال من السرقة، وهي أخذ الشيء خفية، شبه به خطفتهم اليسيرة من الملأ الأعلى، والمسترق المستمع خفية، كما في "القاموس"، والسمع المراد به هنا ما يسمع، واستراق السمع اختلاسه سرًّا.
﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ يقال: تبعت القوم تبعًا وتباعةً - بالفتح -؛ أي: مشيت خلفهم، أو مروا بك فمضيت معهم، وأتبعت القوم إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم، والشهاب الشعلة الساطعة من النار الموقدة، ومن السحاب في الجوِّ، واختلف المفسرون في المراد من الشهاب هنا على قولين:
стр. 6464
أحدهما: أن الذي ينزل على الشيطان نفس الكوكب فيصيبه، ثم يرجع إلى مكانه.
والقول الثاني: أن الشهاب الذي يصيب الشيطان شعلة نار تنفصل من الكوكب، وتسميتها بالشهاب مجاز لانفصالها منه اهـ من "الخازن". وأما المبين فمعناه البين الواضح الظاهر، ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ أي: بسطناها ومهدناها للسكنى، ﴿رَوَاسِيَ﴾ جمع راسية وهي الجبال الثوابت، يقال وما يرسو رسوًا ورسوًّا، إذا ثبت كأرسى.
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ بالياء التصريحية، لأنه من العيش فالياء أصلية، فوجب تصريحها، وذلك لأنها في المفرد أصلية؛ لأن مفرده معيشة من العيش، والمد في المفرد. لا يُقْلب همزًا في الجمع إلا إذا كان زائدًا في المفرد، كما قال ابن مالك:
وَالْمَدُّ زيدَ ثَالِثًا فِي الوَاحِدِ ... هَمْزًا يُرَى فِي مِثْلِ كَالْقَلاَئِدِ؟
وهذا في قراءة الجمهور، وقرىء بالهمز على التشبيه بشمائل، وقد ذكر في الأعراف وهي شاذة اهـ "كرخي". ﴿خَزَائِنُهُ﴾ الخزائن جمع خزانةٍ، وهي المكان الذي تحفظ فيه نفائس الأموال للحفظ، والمراد مفاتيحها، ﴿الرِّيَاحَ﴾ جمع ريح، وهو جسم لطيف منتشر في الهواء كما مر في مبحث التفسير، ﴿لَوَاقِحَ﴾ وفي اللواقح أقوال:
أحدها: أنها جمع ملقح، لأنه من ألقح يلقح فهو ملقح، فجمعه ملاقح، فحذفت الميم تخفيفًا، يقال ألقحت الريح السحاب، كما يقال ألقح الفحل الأنثى، وهذا قول أبي عبيدة.
والثاني: أنها جمع لاقح، يقال: لقحت الريح إذا حملت الماء، وقال الأزهري: حوامل تحمل السحاب، كقولك ألقحت الناقة إذا حملت الجنين في بطنها، فشبهت الريح بها.
والثالث: أنها جمع لاقح على النسب، كلابن وتامر؛ أي: ذات لقاح، قاله الفراء. اهـ "سمين". وفي "المختار": ألقح الفحل الناقة، والريح السحاب،
стр. 6465
ورياح لواقح، ولا تقل ملاقح، وهو من النوادر، وفي "القاموس": وألقحت الرياح، فهي لواقح وملاقح.
﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾؛ أي: جعلناه لكم سقيًا لمزارعكم ومواشيكم، تقول العرب إذا سَقَت الرجل ماء أو لبنًا .. سقيته، وإذا أعدوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته .. قالوا أسقيته، أو أسقيت أرضه أو ماشيته. ﴿الْوَارِثُونَ﴾ جمع وارث، وجمعه هنا للتعظيم، لأنه لا تاني له تعالى، والوارث في الأصل من يتخلف الميت في تملك تركته، وهذا المعنى مستحيل في حقه تعالى؛ لأنه مالك للموجودات بأسرها، أصالة لا خلافة، فوجب جعله مستعارًا لمعنى الباقي بعد فناء خلقه، تشبيها له بوارث الميت في بقائه بعد فنائه اهـ "زاده".
﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ اسم فاعل من استقدم بمعنى تقدم، فالسين زائدة، وكذا ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ من استأخر بمعنى تأخر، ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أي: يجمعهم، من حشر من باب نصر.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: تعريف الكتاب وتنكير القرآن في قوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ للدلالة على التفخيم والتعظيم، كما ذكره "البيضاوي".
ومنها: عطف إحدى الصفتين على الأخرى في قوله: ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ إشعارًا بأنه الكلام الجامع بين الكتابية والقرآنية، كما في "روح البيان".
ومنها: الإتيان بلفظ الغيبة في قوله: ﴿كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ نظرًا إلى أنه مخبر عنهم، ولو نظر إلى الحكاية لقيل: لو كنا مسلمين.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ فالمراد أهلها وهو من باب إطلاق المحل وإرادة الحال، فالمجاز حينئذٍ في الظرف، ويصح أن يكون من مجاز الحذف.
стр. 6466
ومنها: إيراد الفعل على صيغة جمع المذكر في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ للحمل على معنى أمة مع التغليب، ولرعاية الفواصل، ولذلك حذف الجار والمجرور، وفيه الإتيان بصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك، مع طلبهم له.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ لأن (١) كلمة إنما تفيد الحصر في المذكور آخرًا، فيكون الحصر في الأبصار لا في التسكير، فكأنهم قالوا: سكرت أبصارنا لا عقولنا، كما في "الجمل".
ومنها: الدلالة على التكثير والمبالغة في: ﴿سُكِّرَتْ﴾ على قراءة التشديد، وهي قراءة الجمهور.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿إلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ شبه اختطافهم الكلام المسموع بسرعة بأخذ المال خفية، فاستعار له الاستراق بمعنى الاختطاف، فاشتق منه استرق بمعنى اختطف، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾ لأن الشهاب حقيقة في شعلة نار ساطعة، فاستعاره للكوكب.
ومنها: المجاز في قوله ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ لأنه بمعنى معلوم المقدار، فيكون (٢) إطلاق الوزن عليه مجازًا؛ لأن الناس لا يعرفون مقادير الأشياء إلا بالوزن كما في "الخازن".
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ (٣) شبَّه الجبال الرواسي - استحقارًا لها، واستقلالًا لعددها، وإن كانت خلقًا عظيمًا - بحصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن، وما هو إلا تصوير لعظمته، وتمثيل لقدرته، وأن كل فعل عظيم يتحير فيه الأذهان، فهو هين عليه.
ومنها: الاستعارة التخييلية في قوله: ﴿إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ (٤) شبهت
стр. 6467
مقدوراته تعالى في كونها مستورة عن علوم العالمين، ومصونة من وصول أيديهم، مع كمال افتقارهم إليها، وكونها مهيأة متأتية لإيجاده وتكوينه، بحيث متى تعلقت الإرادة بوجودها .. وجدت بلا تأخير، بنفاس الأموال المخزونة السلطانية، فذكر الخزائن على طريقة الاستعارة التخييلية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لَوَاقِحَ﴾ حيث شبهت الريح التي تجيء بالخير - من إنشاء سحاب ماطرٍ - بالحامل، كما شبه بالعقيم ما ليس كذلك.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ لأن السماء حقيقة في الفلك، فاستعارها للسحاب بجامع العلو في كل.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿مَاءً﴾ إشعار بأن النازل بعض الماء لا كله، بل قدر ما يصلون به إلى المنفعة، ويسلمون معه من المضرة.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ أكد بالجملة الاسمية، وبإن، وبالضمير.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿نَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ حيث استعار الوارث الباقي بعد فناء الميت، للباقي بعد فناء الخلق كلهم، بجامع حصول البقاء في كلٍّ، بعد فناء غيره.
ومنها: الطباق بين: ﴿نُحْيِي﴾ ﴿وَنُمِيتُ﴾، وبين: ﴿الْمُسْتَقْدِمِينَ﴾ و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿خَزَائِنُهُ﴾ و ﴿خَازِنِينَ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
لعدوه إبليس من المحاورة مع الله تعالى، وتقدم شيء من هذه القصة في أوائل البقرة، عقب ذكر الأمانة والإحياء، والرجوع إليه تعالى، وفي الأعراف بعد ذكر يوم القيامة وذكر الموازين فيه، ويأتي ذكرها في الكهف بعد ذكر الحشر، وكذا في سورة ص بعد ذكر ما أعد من الجنة والنار لخلقه، فحيث ذكر منتهى هذا الخلق .. ذكر مبدأهم، وقصته مع عدوه إبليس، ليحذرهم في كيده، ولينظروا ما جرى له معه، حتى أخرجه من الجنة مقر السعادة والراحة، إلى الأرض قر التكليف، فيتحرزوا في يده.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) ما أعد لأهل النار .. ذكر ما أعد لأهل الجنة، ليظهر تباين ما بين الفريقين، ولما كان حال المؤمنين معتنىً به .. أخبر أنهم في جنات وعيون، وجعل ما يستقرن فيه في الآخرة كأنهم مستقرون فيه في الدنيا، ولذلك جاء: ﴿أدخلوها﴾ على قراءة الأمر؛ لأن من استقر في الشيء .. لا يقال له أدخل فيه، وجاء حال الغاوين موعودًا به في قوله: ﴿لموعدهم﴾ لأنهم لم يدخلوها.
وعبارة "المراغي" هنا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله (٢) لما ذكر حال أهل الغواية، وبين أنهم في نار جهنم، يخلدون فيها أبدًا، وأنم يكونون في طبقات بعضها أسفل من بعض، بمقدار ما اجترحوا من السيئات، واقترفوا من المعاصي .. أردفه بذكر حال أهل الجنة، وما يتمتعون به في نعيم مقيم، ووفاق بعضهم مع بعض، لا ضغن بينهم ولا حقد، وهم يتحدثون على سرر متقابلين، ولا يجدون مس التعب والنصب، ولا يخرجون منها أبدًا.
قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه
стр. 6470
الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) ذكر ما أوعد به أهل الغواية في يوم القيامة من دخول جهنم، وذكر أنها دركات لأولئك الغاوين، بحسب اختلاف أحوالهم، بمقدار ما دنسوا به أنفسهم، من اتخاذ الأنداد والشركاء، وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ثم أعقبه بذكر ما أعد لعباده المؤمنين، من الجنات والعيون، والنعيم المقيم، والراحة التي لا نصب بعدها ولا تعب، وجلوس بعضهم مع بعض يتنادمون، ويتجاذبون أطراف الأحاديث، وهم في سرور وحبور على سرر متقابلين .. أردف ذلك فذلكة وخلاصة لما سبق، فأمر نبيه ﷺ أن يبلغ عباده أنه غفار لذنوب من تابوا وأنابوا إلى ربهم، وأن عذابه مؤلم لمن أصروا على المعاصي، ولم يتوبوا منها، ثم فصل ذلك الوعد والوعيد فذكر البشارة لإبراهيم بغلام عليم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (٢) الثعلبي عن سلمان الفارسي لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ فر ثلاثة أيام هاربًا من الخوف لا يعقل، فجيء به إلى النبي ﷺ ، فسأله، فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فوالذي بعثك بالحق قطعت قلبي، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عليِّ بن الحسين: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر يعني قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ قيل: وأي غل؟ قال: غلُّ الجاهلية، إن بني تميم وبني عدي وبني هاشم كان بينهم في الجاهلية عداوة فلما أسلم هؤلاء القوم تحابوا، فأخذت أبا بكر الخاصرة، فجعل عليٌّ يسخن يده فيكمد بها خاصرة أبي بكر، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ...﴾ الآيتان، سبب
стр. 6471
نزولهما: ما أخرجه (١) الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: مر رسول الله ﷺ بنفرٍ من أصحابه يضحكون، فقال: "أتضحكون والنار بين أيديكم؟ " فنزلت هذه الآية ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾، وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: اطلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: "لا أراكم تضحكون، ثم أدبر، ثم رجع القهقرى، فقال: "إني خرجت حتى إذا كنت عند الحجر .. جاء جبريل فقال: يا محمد إن الله تعالى يقول لك لم تقنط عبادي؟ ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٢٦ - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد خلقنا وأوجدنا ﴿الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: آدم سمي إنسانًا لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل من النسيان لأنه عهد إليه فنسي اهـ "خازن" أو (٢) خلقنا هذا النوع الإنساني بأن خلقنا أصله وأول فردٍ من أفراده خلقًا بديعًا منطويًا على خلق سائر أفراده إنطواءً إجماليًّا. ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾؛ أي: من طين يابس غير مطبوخ، يصلصل؛ أي: يصوت عند نقره، وإذا طبخ؛ أي: مسته النار .. فهو فخار؛ أي: خلقنا آدم من صلصال كائن ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾؛ أي: من طين تغير واسود بطول مجاورة الماء ﴿مَسْنُونٍ﴾ صفة حمأ؛ أي: منتنٍ، أو مصور بصورة آدمي، من سنة الوجه، وهي صورته، أو مصبوب من سنَّ الماء إذا صبه؛ أي: مفرغ على هيئة الإنسان، كما تفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب، كالرصاص والنحاس ونحوهما، كأنه سبحانه أفرغ الحمأ، فصور من ذلك تمثال إنسان أجوف فيبس، إذا نقر صوَّت، ثم غيره إلى جوهر آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين.
قال المفسرون (٣): خلق الله آدم ﵇ من طين، فصوره وتركه في
стр. 6472
الشمس أربعين سنة، فصار صلصالًا كالخزف، ولا يدري أحد ما يراد به، ولم يروا شيئًا من الصور يشبهه، إلى أن نفخ فيه الروح.
والمعنى (١): وعزتي وجلالي لقد خلقنا أول فرد من أفراد الإنسان من طين يابس، يصلصل ويصوت إذا نقر، أسود متغير مفرغ في قالب ليجف، ويبس كالجواهر المذابة التي تصب في القوالب، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ وقد جاء خلق آدم على أطوار مختلفة، وكان أوَّلًا ترابًا، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ ثم كان طينًا كما قال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ ثم كان صلصالًا من حمأ مسنون، كما جاء في هذه الآية، وإنما خلقه على ذلك ليكون خلقه أعجب وأتم في الدلالة على القدرة.
٢٧ - ﴿وَالْجَانَّ﴾ منصوب على الإشتغال ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل خلق آدم ﵇، قال ابن عباس (٢): الجان أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، وقال قتادة: هو إبليس، وقيل: الجان أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين، وفي الجن مسلمون وكافرون، يأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم، وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون، ولا يموتون إلا إذا مات إبليس، وقال وهب: إن من الجن من يولد له، ويأكلون ويشربون، وهم بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هو بمنزلة الريح، لا يتوالدون ولا يشربون ولا يأكلون، وهم الشياطين، والأصح (٣) أن الشياطين نوع من الجن لاشتراكهم في الاستتار، سموا جنًّا لتواريهم واستتارهم عن الأعين، من قولهم: جن الليل إذا ستر، والشيطان هو العاتي المتمرد الكافر، والجن منهم المؤمن ومنهم الكافر.
﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾؛ أي: من نار هي السموم، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع؛ أي: النار السموم، كما ذكره في "البحر"؛ أي: "من" نار هي الريح الحارة، النافذة في مسام الإنسان من لطفها وقوة حرارتها فتقتله،
стр. 6473
والمسام ثقب الشعر في البدن، وتعمُّ جميع ثقبه كالفم والمنخر والأذن، فإن السموم في اللغة الريح الحارة، والريح الحارة فيها نار، والفرق بين السموم والحرور: أن السموم الريح الحارة التي تكون في النهار، والحرور الريح الحارة التي تكون بالليل، وقد تكون بالنهار، وقال أبو صالح: السموم نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء والحجاب، فإذا حدث أمر .. خرقت الحجاب، فهوت إلى ما أمرت به، فالهدة التي تسمعون من خرق ذلك الحجاب، وقيل: من نار السموم؛ أي: من نار جهنم، وقال ابن مسعود: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجانُّ، وتلا هذه الآية، وقال ابن عباس: كان إبليس من حيٍّ من الملائكة يسمون الجان، خلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وخلقت الملائكة من النور، وذكر (١) خلق الإنسان والجان في هذا الموضع للدلالة على القدرة الإلهية، وبيان أن القادر على النشاة الأولى قادر على النشأة الأخرى.
وقدم (٢) خلق الإنسان على الجان، مع أنه خلق قبله تعظيمًا لشأنه، وإظهارًا لفضله، وكان بين خلق آدم والجن ستون ألف سنة، واتفق أهل العلم من أهل التحقيق على أن عالم الملك مقدم خلقه على عالم الجان، وعالم الجان مقدم على عالم الإنسان، وانتقل ملك الدنيا إلى آدم، ليحصل له الاعتبار بالسابقين، ويظهر له الفضل على الكل بتأخيره عن جميع المخلوقات، لأنه كالخاتم على الباب، وهو خاتم المخلوقات، ونتيجة الكائنات، ونسخة الكليات من المحسوسات والمعقولات، وبه تم كمال الوجود، لتحققه بوصفي الجمال والجلال، واللطف والقهر، بخلاف الملك فإنه مخلوقٌ على جناح واحد هو اللطف، ولم يكن قبل آدم خلق من التراب، فخلق آدم منه ليكون عبدًا خضوعًا وضوعًا ذلولًا مائلًا إلى السجود؛ لأنه مقام العبودية الكاملة، فكل جنس يميل إلى جنسه، ولهذا تواضع آدم لله، واستكبر إبليس عن التواضع، فأبى وعلا وتكبر،
стр. 6474
فمال إلى جنسه؛ لأنه خلق من نار.
والمعنى (١): أي وخلقنا هذا الجنس من نار الريح الحارة، التي لها لفح وتقتل من أصابته، وعلينا أن نؤمن بأن الجن خلقت من النار، ولكنا لا نعرف كُنْهَ ذلك ولا حقيقته، فذلك ما لا سبيل إلى معرفته إلا من طريق الوحي، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ﴿والجَأْن﴾ بالهمز، ذكره في "البحر".
٢٨ - وبعد أن ذكر سبحانه خلق الإنسان الأول في معرض الاستدلال على قدرته .. ذكر ما قاله للملائكة في شأنه فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لأمتك قصة ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الذين كانوا (٢) في الأرض، وهم كانوا عشرة آلاف، كذا قالوا، والظاهر العموم وعدم التخصيص، لأنه تخصيص بلا مختص ولا نص ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾؛ أي: إني أخلق آدميًّا ظاهر البشرة غير مستورها بالشعر، لأنه جسم كثيف ظاهر الجلد، والبشر مأخوذ من البشرة، وهي ظاهر الجلد، وعبر باسم الفاعل الدال على التحقيق إشعارًا بتحققه ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ أي من طينٍ يابسٍ مصوت عند نقره، متعلق بـ ﴿خَالِقٌ﴾، أو صفة لـ ﴿بَشَرًا﴾؛ أي: بشرًا كائنًا من صلصال كائن ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: من طين أسود منتن.
شاورهم الله بصورة الامتحان، ليميز الطيب؛ أي: الملك من الخبيث؛ أي: إبليس، فسلم الملك وهلك إبليس، ولذلك قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وقيل: أخبرهم سبحانه بتكوين آدم قبل أن يخلقه، ليوطنوا أنفسهم على فناء الدنيا، وزوال ملكوتها، كما قال تعالى لآدم ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ والسكنى لا تكون إلا على وجه العارية، ليوطن نفسه على الخروج من الجنة
٢٩ - ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾؛ أي: سويت خلقه، وعدلت صورته الإنسانية، وكملت أجزاءه. ﴿وَنَفَخْتُ﴾؛ أي: وأجريت وأدخلت ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك الإنسان المسوى ﴿مِنْ رُوحِي﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة؛ أي: نفخت فيه روحي، أو
стр. 6475
تبعيضية أي: نفخت فيه روحًا هي بعض الأرواح التي خلقتها؛ أي: أدخلتها وأجريتها فيه، والإضافة في روحي للتشريف، كبيت الله، وناقة الله، كما سيأتي في مبحث البلاغة إن شاء الله تعالى، قال القرطبي: والروح جسم لطيف، أجرى الله العادة بأن يخلق الحياة في البدن مع ذلك الجسم، انتهى. والنفخ (١) إجراء الريح إلى تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، وليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما هو تمثيل لإفاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها، فإذا كملت استعداده، وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي من أمري .. ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾؛ أي: فاسقطوا وخروا، حالة كونكم ساجدين تجاه ذلك الإنسان سجود تحية وإكرام، لا سجود عبادة وتعظيم، بأن تسجدوا لله متوجهين لآدم، كالقبلة تشريفًا له، ولله أن يكرم من يشاء من مخلوقاته بما يشاء وكيف يشاء، وفي قوله: ﴿فَقَعُوا﴾ (٢) دليل على أنه ليس المأمور به مجرد الإنحناء كما قيل؛ أي: اسقطوا له ساجدين، امتثالًا لأمر الله تعالى، وتحية لآدم وتكريمًا له، واسجدوا لله على أنه ﵇ بمنزلة القبلة، حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته وحكمته
٣٠ - ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح، وجعل فيه الحياة، فسجد له الملائكة ﴿كُلُّهُمْ﴾ بحيث لم يشذ منهم أحد أرضيًّا كان أو سماويًّا ﴿أَجْمَعُونَ﴾ بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن السجود، بل سجدوا مجتمعين دفعة واحدة، ولا ريب في أن السجود معًا أكمل أصناف السجود فيحمل عليه،
٣١ - ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ كان (٣) بينهم مأمورًا معهم بالسجود، فغلب اسم الملائكة، ثم استثنى بعد التغليب، كقولك: رأيتهم إلا هذا، وجملة قوله ﴿أَبَى﴾ إبليس وامتنع ﴿أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: أن يكون مع الملائكة الذين أمروا بالسجود، ﴿فسجدوا﴾ مستأنفة استئنافًا بيانيًّا واقعًا في جواب سؤال قائل يقول: هلا سجد؟ فقيل: أبي ذلك واستكبر عنه؛ أي: عدم سجوده لم يكن من تردده، بل من إبائه واستكباره، ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعًا، فيتصل به ما بعده؛ أي: لكن إبليس أبي أن يكون معهم في السجود لآدم استكبارًا واستعظامًا لنفسه، وحسدًا لآدم
стр. 6476
فحقت عليه كلمة الله تعالى.
٣٢ - وجملة قوله: ﴿قَالَ﴾ الله ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ﴾؛ أي: أَيُّ عذر لك ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾؛ أي: في أن لا تكون ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدم، مستأنفة أيضًا، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله لإبليس بعد أن أبى السجود؟ وهذا (١) الخطاب له ليس للتشريف والتكريم، بل للتقريع والتوبيخ.
والمعنى: أيُّ غرض لك في الامتناع من السجود، وأيُّ سبب حملك على أن لا تكون مع الساجدين لآدم من الملائكة وهم في الشرف وعلو المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها.
فإن قلت: كيف (٢) يعقل هذا الخطاب، مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب، وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة؟
قلتُ: إن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبًا عاليًا إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كانت على سبيل الإهانة والإذلال فلا اهـ. "كرخي".
٣٣ - ﴿قَالَ﴾ إبليس، وهو استئناف بياني أيضًا ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ واللام لتأكيد النفي؛ أي: ينافي حالي، ولا يستقيم مني، ولا يليق بي وأنا جوهر روحاني أن أسجد ﴿لِبَشَرٍ﴾؛ أي: لجسم كثيف ﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ﴾؛ أي: من طين يابس كائن ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: من طين أسود منتن، جعل (٣) العلة لترك سجوده كون آدم بشرًا مخلوقًا من صلصال من حمأ مسنون، زعمًا منه أنه مخلوق من عنصر أشرف من عنصر آدم، وفيه إشارة إجمالية في كونه خيرًا منه، وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وقال في موضع آخر: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾
٣٤ - فأجاب الله سبحانه عليه بقوله: ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لإبليس اللعين: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنة، أو من السماء، أو من زمرة
стр. 6477
الملائكة، أمر إهانة وإبعاد، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾، وخروجه (١) من الجنة لا ينافى دخولها بطريق الوسوسة، وكذا يستلزم خروجه من السموات أيضًا ﴿فإنك رجيم﴾؛ أي: مطرود من رحمة الله، ومن كل خير وكرامة، من الرجم بالحجارة؛ لأن من يطرد يرجم بالحجارة، أو من الرجم بالشهب، وهو كناية عن كونه شيطانًا؛ أي: من الشياطين الذين يرجمون بالشهب، والفاء في قوله: ﴿فَاخْرُجْ﴾ واقعة في (٢) جواب شرط مقدر؛ أي: فحيث عصيت وتكبرت فأخرج منها، وفي قوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ تعليلة.
٣٥ - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾؛ أي: الطرد والإبعاد عن الرحمة، أو إن عليك لعنتي كما في سورة ص، فأل عوض عن المضاف إليه، فاختلاف العبارة للتفنن فلا اعتراض.
﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي يوم الجزاء؛ أي: إنك مدعو عليه باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الحساب، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم .. عذب عذابًا ينسى اللعن معه، فيصير اللعن حينئذٍ كالزائل، بسبب أن شدة العذاب تذهل، أو المعنى: عليك الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمرًّا عليك لازمًا لك إلى يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وجعل يوم القيامة غاية للعنةٍ لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت؛ لأن المراد دوامها من غير انقطاع، وذكر يوم الدين للمبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في التأبيد، ويؤيده وقوع اللعن في ذلك اليوم كما قال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وهو لعن مقارن بالعذاب الأليم، نسأل الله الفوز والسلامة.
فإن قلت (٣): إن حرف إلى لانتهاء الغاية، فهل ينقطع اللعن عنه يوم الدين، الذي هو يوم القيامة؟
قلتُ: لا بل يزداد عذابًا إلى اللعنة التي عليه، كأنه قال تعالى: وإن عليك اللعنة فقط إلى يوم الدين، ثم تزداد بعد ذلك عذابًا دائمًا مستمرًا لا انقطاع له.
стр. 6478
وحاصل معنى قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ الآيات؛ أي (١): واذكر أيها الرسول لقومك، حين نوه ربكم بذكر أبيكم آدم في ملائكته قبل خلقه، وتشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، وتخلف إبليس عن السجود له، من بين سائر الملائكة حسدًا وعنادًا واستكبارًا بالباطل، فقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ إلخ. وحكي عنه في آية أخرى أنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وتقدم هذا القصص في سورة الأعراف، وقلنا هناك: إن الأمر بالسجود أمرٌ تكليفي، وأنه قد وقع حوار بين إبليس وربه، ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة - وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم - مسخرين لآدم وذريته، وجعل هذا النوع الإنساني مستعدًا للانتفاع بالأرض كلها، لعلمه بسنن الله فيها، وعمله بهذا السنن فانتفع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذا أظهر حكمة الله في خلقها، واصطفى بعض أفراده بوحيه ورسالته، وجعلهم مبشرين ومنذرين، وجعل الشيطان عاصيًا متمردًا على الإنسان وعدوا له، وجعل النفوس البشرية وسطًا بين النفوس الملكية، المفطورة على طاعة الله، وإقامة سننه في صلاح الخلق، وبين أرواح الجن الذين يغلب على شرارهم الشياطين التمرد والعصيان.
وقد ذكر سبحانه حجاج إبليس، وذكر سبب امتناعه عن السجود لآدم بأنه خير منه، فإنه خلق من النار، وآدم من الطين، والنار خير من الطين، وأشرف منه، والشريف لا يعظم من دونه، ولو أمره ربه بذلك.
وفي هذا ضروب من الجهالة (٢)، وأنواع من الفسق والعصيان، فإنه:
١ - اعترض على خالقه بما تضمنه جوابه.
٢ - احتج عليه بما يؤيد اعتراضه.
٣ - جعل امتثال الأمر موقوفًا على استحسانه وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق، وترفع عن مرتبة العبودية.
стр. 6479
٤ - استدل على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية المواد بعضها على بعض أمر اعتباريُّ، تختلف فيه الآراء، كما أن الملائكة خلقوا من النور، وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالًا لأمر ربهم.
٥ - قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة والطاعة لربهم.
٣٦ - ﴿قَالَ﴾ إبليس - عليه لعنة الله -: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾؛ أي: أخرني، وأمهلني، ولا تمتني، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: آدم وذريته، للجزاء بعد فنائهم، والبعث إحياء الميت، كالنشر، والفاء (١) واقعة في شرط مقدر دل عليه قوله: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أي إذا جعلتني رجيمًا .. فأمهلني، وأخرني إلى يوم يبعثون، وهو يوم القيامة، أراد الملعون بذلك السؤال أن لا يذوق الموت لاستحالته بعد يوم البعث، وأن يجد فسحة لإغوائهم؛ ويأخذ منهم ثأره،
٣٧ - فأجابه إلى الثاني دون الأول كما قال تعالى: ﴿قَالَ﴾ الله ﴿فَإِنَّكَ﴾ يا لعين ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: من المؤجلين الذين أخرت آجالهم أزلًا، ودل على أن ثمة منظرين غير إبليس، وهم الملائكة، فهم ليسوا بذكور ولا إناث، ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يموتون إلى آخر الزمان، وأما الشياطين فذكور وإناث يتوالدون، ولا يموتون بل ينظرون كما أنظر إبليس، وأما الجن فيتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون.
٣٨ - ثم بين سبحانه الغاية التي أمهله إليها فقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾؛ أي: المعين عند الله تعالى، لا يتقدم ولا يتأخر، وهو وقت موت الخلق عند النفخة الأولى، ثم لا يبقى بعد ذلك حي إلا الله تعالى أربعين سنة، إلى النفخة الثانية، وأراد اللعين بهذا السؤال أنه لا يموت أبدًا؛ لأنه إذا أمهل إلى يوم البعث الذي هو وقت النفخة الثانية لا يموت بعد ذلك؛ لانقطاع الموت حين النفخة الأولى، فعلم أنه إذا أمهل إلى يوم البعث .. أمهل إلى الأبد، فأجابه الله تعالى
стр. 6480
بقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ يعني الوقت الذي يموت فيه جميع الخلائق، وهو وقت النفخة الأولى، فتموت فيها، ثم تبعث مع الناس، فمدة موته أربعون سنة، وهي ما بين النفختين، ولم تكن إجابة الله له في الإمهال إكرامًا له، بل زيادة في شقاوته وعذابه اهـ "خازن".
٣٩ - ﴿قَالَ﴾ إبليس ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ﴿الباء﴾ للقسم و ﴿ما﴾ مصدرية، وجواب القسم قوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾؛ أي: أقسم بإغوائك إياي لأزينن ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لذرية آدم، المعاصي والشهوات واللذات، فالمفعول محذوف ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في الدنيا التي هي دار الغرور، كما في قوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ لأن الأرض محل متاعها ودارها، وفي "التِبْيان": أُزين لهم المقام في الأرض، كي يطمئنوا إليها، وإقسامه بعزة الله المفسرة بسلطانه كما في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ لا ينافي إقسامه بهذا الإغواء، فإنه فرع من فروعها، وأثر من آثارها، فلعله أقسم بهما جميعًا، فحكى تارة قسمه بصفة فعله وهو الإغواء، وأخرى بصفة ذاته وهي العزة، والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها، أو بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل ما أمرهم الله به، فلا يلتفتون إلى غيرها ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: ولأحملنهم ﴿أًجْمَعِينَ﴾ على الغواية والضلالة
٤٠ - ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾؛ أي: من ذرية آدم؛ أي: إلا عبادك ﴿المُخْلَصِينَ﴾ منهم، الذين أخلصتهم لطاعتك، وطهرتهم من شوائب الشرك الجلي والخفي، فلا يعمل فيهم كيدي، فإنهم أهل التوحيد الحقيقي، على بصيرة من أمرهم ويقظة، وكفاك في شرف الصدق أن اللعين ما رضي لنفسه الكذب حتى استثنى المخلصين.
والمعنى (١): أي قال إبليس: رب بسب إغوائك إياي وإضلالي لأزينن لذرية آدم، وأحببن إليهم المعاصي، وأرغبهم فيها، ولأغوينهم كما أغويتني وقدرت علي ذلك، إلا من أخلص منهم لطاعتك، ووفقته لهدايتك، فإن ذلك مما لا سلطان لي عليه ولا طاقة لي به.
وقرأ الكوفيون ونافع والحسن والأعرج (٢): ﴿المخلَصين﴾ بفتح اللام، ومعناه: أي اللذين أخلصهم الله تعالى للطاعة، بالتوفيق والعصمة، وعصمهم من