فحقت عليه كلمة الله تعالى.
٣٢ - وجملة قوله: ﴿قَالَ﴾ الله ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ﴾؛ أي: أَيُّ عذر لك ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾؛ أي: في أن لا تكون ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدم، مستأنفة أيضًا، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله لإبليس بعد أن أبى السجود؟ وهذا (١) الخطاب له ليس للتشريف والتكريم، بل للتقريع والتوبيخ.
والمعنى: أيُّ غرض لك في الامتناع من السجود، وأيُّ سبب حملك على أن لا تكون مع الساجدين لآدم من الملائكة وهم في الشرف وعلو المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها.
فإن قلت: كيف (٢) يعقل هذا الخطاب، مع أن مكالمة الله تعالى بغير واسطة من أعظم المناصب، وأشرف المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة؟
قلتُ: إن مكالمة الله تعالى إنما تكون منصبًا عاليًا إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام، فأما إذا كانت على سبيل الإهانة والإذلال فلا اهـ. "كرخي".
٣٣ - ﴿قَالَ﴾ إبليس، وهو استئناف بياني أيضًا ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ واللام لتأكيد النفي؛ أي: ينافي حالي، ولا يستقيم مني، ولا يليق بي وأنا جوهر روحاني أن أسجد ﴿لِبَشَرٍ﴾؛ أي: لجسم كثيف ﴿خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ﴾؛ أي: من طين يابس كائن ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ أي: من طين أسود منتن، جعل (٣) العلة لترك سجوده كون آدم بشرًا مخلوقًا من صلصال من حمأ مسنون، زعمًا منه أنه مخلوق من عنصر أشرف من عنصر آدم، وفيه إشارة إجمالية في كونه خيرًا منه، وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وقال في موضع آخر: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾
٣٤ - فأجاب الله سبحانه عليه بقوله: ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لإبليس اللعين: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنة، أو من السماء، أو من زمرة
стр. 6477
الملائكة، أمر إهانة وإبعاد، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾، وخروجه (١) من الجنة لا ينافى دخولها بطريق الوسوسة، وكذا يستلزم خروجه من السموات أيضًا ﴿فإنك رجيم﴾؛ أي: مطرود من رحمة الله، ومن كل خير وكرامة، من الرجم بالحجارة؛ لأن من يطرد يرجم بالحجارة، أو من الرجم بالشهب، وهو كناية عن كونه شيطانًا؛ أي: من الشياطين الذين يرجمون بالشهب، والفاء في قوله: ﴿فَاخْرُجْ﴾ واقعة في (٢) جواب شرط مقدر؛ أي: فحيث عصيت وتكبرت فأخرج منها، وفي قوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ تعليلة.
٣٥ - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ﴾؛ أي: الطرد والإبعاد عن الرحمة، أو إن عليك لعنتي كما في سورة ص، فأل عوض عن المضاف إليه، فاختلاف العبارة للتفنن فلا اعتراض.
﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي يوم الجزاء؛ أي: إنك مدعو عليه باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الحساب، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم .. عذب عذابًا ينسى اللعن معه، فيصير اللعن حينئذٍ كالزائل، بسبب أن شدة العذاب تذهل، أو المعنى: عليك الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمرًّا عليك لازمًا لك إلى يوم الجزاء، وهو يوم القيامة، وجعل يوم القيامة غاية للعنةٍ لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت؛ لأن المراد دوامها من غير انقطاع، وذكر يوم الدين للمبالغة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في التأبيد، ويؤيده وقوع اللعن في ذلك اليوم كما قال تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وهو لعن مقارن بالعذاب الأليم، نسأل الله الفوز والسلامة.
فإن قلت (٣): إن حرف إلى لانتهاء الغاية، فهل ينقطع اللعن عنه يوم الدين، الذي هو يوم القيامة؟
قلتُ: لا بل يزداد عذابًا إلى اللعنة التي عليه، كأنه قال تعالى: وإن عليك اللعنة فقط إلى يوم الدين، ثم تزداد بعد ذلك عذابًا دائمًا مستمرًا لا انقطاع له.
стр. 6478
وحاصل معنى قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ الآيات؛ أي (١): واذكر أيها الرسول لقومك، حين نوه ربكم بذكر أبيكم آدم في ملائكته قبل خلقه، وتشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، وتخلف إبليس عن السجود له، من بين سائر الملائكة حسدًا وعنادًا واستكبارًا بالباطل، فقال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ إلخ. وحكي عنه في آية أخرى أنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وتقدم هذا القصص في سورة الأعراف، وقلنا هناك: إن الأمر بالسجود أمرٌ تكليفي، وأنه قد وقع حوار بين إبليس وربه، ويرى كثير من العلماء أن القصة بيان لغرائز البشر والملائكة والشيطان، إذ جعل الملائكة - وهم المدبرون لأمور الأرض بإذن ربهم - مسخرين لآدم وذريته، وجعل هذا النوع الإنساني مستعدًا للانتفاع بالأرض كلها، لعلمه بسنن الله فيها، وعمله بهذا السنن فانتفع بمائها وهوائها ومعادنها ونباتها وحيوانها وكهربائها ونورها، وبذا أظهر حكمة الله في خلقها، واصطفى بعض أفراده بوحيه ورسالته، وجعلهم مبشرين ومنذرين، وجعل الشيطان عاصيًا متمردًا على الإنسان وعدوا له، وجعل النفوس البشرية وسطًا بين النفوس الملكية، المفطورة على طاعة الله، وإقامة سننه في صلاح الخلق، وبين أرواح الجن الذين يغلب على شرارهم الشياطين التمرد والعصيان.
وقد ذكر سبحانه حجاج إبليس، وذكر سبب امتناعه عن السجود لآدم بأنه خير منه، فإنه خلق من النار، وآدم من الطين، والنار خير من الطين، وأشرف منه، والشريف لا يعظم من دونه، ولو أمره ربه بذلك.
وفي هذا ضروب من الجهالة (٢)، وأنواع من الفسق والعصيان، فإنه:
١ - اعترض على خالقه بما تضمنه جوابه.
٢ - احتج عليه بما يؤيد اعتراضه.
٣ - جعل امتثال الأمر موقوفًا على استحسانه وموافقته لهواه، وهذا رفض لطاعة الخالق، وترفع عن مرتبة العبودية.
стр. 6479
٤ - استدل على خيريته بالمادة التي منها التكوين، وخيرية المواد بعضها على بعض أمر اعتباريُّ، تختلف فيه الآراء، كما أن الملائكة خلقوا من النور، وهو قد خلق من النار، والنور خير من النار، وهم قد سجدوا امتثالًا لأمر ربهم.
٥ - قد جهل ما خص به آدم من استعداده العلمي والعملي أكثر من سواه، ومن تشريفه بأمر الملائكة بالسجود له، فكان بذلك أفضل منهم، وهم أفضل من إبليس بعنصر الخلقة والطاعة لربهم.
٣٦ - ﴿قَالَ﴾ إبليس - عليه لعنة الله -: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾؛ أي: أخرني، وأمهلني، ولا تمتني، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: آدم وذريته، للجزاء بعد فنائهم، والبعث إحياء الميت، كالنشر، والفاء (١) واقعة في شرط مقدر دل عليه قوله: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أي إذا جعلتني رجيمًا .. فأمهلني، وأخرني إلى يوم يبعثون، وهو يوم القيامة، أراد الملعون بذلك السؤال أن لا يذوق الموت لاستحالته بعد يوم البعث، وأن يجد فسحة لإغوائهم؛ ويأخذ منهم ثأره،
٣٧ - فأجابه إلى الثاني دون الأول كما قال تعالى: ﴿قَالَ﴾ الله ﴿فَإِنَّكَ﴾ يا لعين ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾؛ أي: من المؤجلين الذين أخرت آجالهم أزلًا، ودل على أن ثمة منظرين غير إبليس، وهم الملائكة، فهم ليسوا بذكور ولا إناث، ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يموتون إلى آخر الزمان، وأما الشياطين فذكور وإناث يتوالدون، ولا يموتون بل ينظرون كما أنظر إبليس، وأما الجن فيتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون.
٣٨ - ثم بين سبحانه الغاية التي أمهله إليها فقال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾؛ أي: المعين عند الله تعالى، لا يتقدم ولا يتأخر، وهو وقت موت الخلق عند النفخة الأولى، ثم لا يبقى بعد ذلك حي إلا الله تعالى أربعين سنة، إلى النفخة الثانية، وأراد اللعين بهذا السؤال أنه لا يموت أبدًا؛ لأنه إذا أمهل إلى يوم البعث الذي هو وقت النفخة الثانية لا يموت بعد ذلك؛ لانقطاع الموت حين النفخة الأولى، فعلم أنه إذا أمهل إلى يوم البعث .. أمهل إلى الأبد، فأجابه الله تعالى
стр. 6480
بقوله: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ يعني الوقت الذي يموت فيه جميع الخلائق، وهو وقت النفخة الأولى، فتموت فيها، ثم تبعث مع الناس، فمدة موته أربعون سنة، وهي ما بين النفختين، ولم تكن إجابة الله له في الإمهال إكرامًا له، بل زيادة في شقاوته وعذابه اهـ "خازن".
٣٩ - ﴿قَالَ﴾ إبليس ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ ﴿الباء﴾ للقسم و ﴿ما﴾ مصدرية، وجواب القسم قوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾؛ أي: أقسم بإغوائك إياي لأزينن ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لذرية آدم، المعاصي والشهوات واللذات، فالمفعول محذوف ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في الدنيا التي هي دار الغرور، كما في قوله: ﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ لأن الأرض محل متاعها ودارها، وفي "التِبْيان": أُزين لهم المقام في الأرض، كي يطمئنوا إليها، وإقسامه بعزة الله المفسرة بسلطانه كما في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ لا ينافي إقسامه بهذا الإغواء، فإنه فرع من فروعها، وأثر من آثارها، فلعله أقسم بهما جميعًا، فحكى تارة قسمه بصفة فعله وهو الإغواء، وأخرى بصفة ذاته وهي العزة، والتزيين منه إما بتحسين المعاصي لهم وإيقاعهم فيها، أو بشغلهم بزينة الدنيا عن فعل ما أمرهم الله به، فلا يلتفتون إلى غيرها ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: ولأحملنهم ﴿أًجْمَعِينَ﴾ على الغواية والضلالة
٤٠ - ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾؛ أي: من ذرية آدم؛ أي: إلا عبادك ﴿المُخْلَصِينَ﴾ منهم، الذين أخلصتهم لطاعتك، وطهرتهم من شوائب الشرك الجلي والخفي، فلا يعمل فيهم كيدي، فإنهم أهل التوحيد الحقيقي، على بصيرة من أمرهم ويقظة، وكفاك في شرف الصدق أن اللعين ما رضي لنفسه الكذب حتى استثنى المخلصين.
والمعنى (١): أي قال إبليس: رب بسب إغوائك إياي وإضلالي لأزينن لذرية آدم، وأحببن إليهم المعاصي، وأرغبهم فيها، ولأغوينهم كما أغويتني وقدرت علي ذلك، إلا من أخلص منهم لطاعتك، ووفقته لهدايتك، فإن ذلك مما لا سلطان لي عليه ولا طاقة لي به.
وقرأ الكوفيون ونافع والحسن والأعرج (٢): ﴿المخلَصين﴾ بفتح اللام، ومعناه: أي اللذين أخلصهم الله تعالى للطاعة، بالتوفيق والعصمة، وعصمهم من
стр. 6481
كيد إبليس، فلا يؤثر فيه تزييني، وقرأ باقي السبعة والجمهور بكسرها، في كل القرآن؛ أي: إلا من أخلص العمل لله، ولم يشرك فيه غيره ولا رأى به؛ أي: الذين أخلصوا دينهم عن كل شائب يناقض التوحيد، قال أحمد ابن حنبل - رحمه الله تعالى -: أعداؤك أربعة:
١ - الدنيا، وسلاحها لقاء الخلق وسجنها العزلة.
٢ - والشيطان، وسلاحه الشبع وسجنه الجوع.
٣ - والنفس، وسلاحها النوم وسجنها السهر.
٤ - والهوى، وسلاحه الكلام وسجنه الصمت.
٤١ - قال الله تعالى لإبليس: ﴿هَذَا﴾ الإخلاص الذي يكون في عبادي ﴿صِرَاطٌ﴾؛ أي: طريق ﴿عَلَيَّ﴾ مراعاته وحفظه، لا سبيل لك عليه، وقيل: علي بمعنى إلى؛ أي: هذا الإخلاص طريق إليَّ؛ أي: يؤدي إلى كرامتي وثوابي ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: قويم لا عوج فيه. ولا انحراف، وقرأ الضحاك (١)، وإبراهيم، وابن سيرين، وأبو رجاء، ومجاهد، وقتادة، وقيس بن عباد، وحميد وعمرو بن ميمون، وعمارة ابن أبي حفصة، وأبو شرف مولى كندة، ويعقوب: ﴿عَلَيُّ﴾ بكسر السلام وبالرفع والتنوين على أنه صفة لـ ﴿صِرَاطٌ﴾؛ أي: هذا الإخلاص طريق رفيع عالٍ، لارتفاع شأنه، مستقيم لا عوج فيه، وهذه القراءة على أن الإشارة إلى الإخلاص، فإيثار (٢) حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة، والشهادة باستعلاء من ثبت عليه، فهو أدل على التمكين من الوصول، ومو تمثيل؛ إذ لا استعلاء لشيء على الله تعالى،
٤٢ - والإضافة في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ إضافة تشريف؛ أي: إن عبادي المخلصين الذين ذكرتهم ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على إغوائهم ﴿سُلْطَانٌ﴾؛ أي: قدرة أصلًا؛ أي: لا تسلط لك عليهم، بإيقاعهم في ذنب يهلكون به، ولا يتوبون منه، فلا ينافي هذا ما وقع من آدم وحواء ونحوهما، فإنه ذنب مغفور، لوقوع التوبة عنه، وقيل المراد بعبادي
стр. 6482
العموم، ليصح الاستثناء منه في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾؛ أي: إن عبادي سواء كانوا مخلصين، أو لم يكونوا مخلصين ليس لك عليهم تسلط، وتصرف بالإغواء، إلا من اتبعك باختيارهم من الغاوين؛ أي: الضالين، فإن له عليهم سلطانًا، بسبب كونهم منقادين له فيما يأمرهم به، وفيه إشارة إلى أن إغواءه للغاوين ليس بطريق السلطان، بمعنى القهر والجبر، بل بطريق اتباعهم له بسوء اختيارهم، فيسلط عليهم بالوسوسة والتزيين.
والمعنى: إن عبادي لا سلطان لك على أحد منهم، سواء أكانوا مخلصين أم غير مخلصين، لكن من اتبعك باختياره .. صار من أتباعك، وقال سفيان بن عيينة: ليس لك عليهم قوة ولا قدرة على أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي.
والخلاصة (١): أن إبليس أوهم أن له على بعض عباد الله سلطانًا، بقوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأكذبه الله بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ إلخ.
٤٣ - ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾ سجن الله في الآخرة، ﴿لَمَوْعِدُهُمْ﴾؛ أي: لمكان وعد المتبعين الغاوين ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضمير، والعامل (٢) الإضافة يعني الاختصاص، لا اسم مكان فإنه لا يعمل، أو حال منه؛ أي: وإنَّ جهنم موعد جميع من اتبع إبليس، وهي مقرهم وبئس المهاد، جزاء ما اجترحوا من السيئات، وكفاء ما دنسوا به أنفسهم من قبيح المعاصي.
و ﴿جَهَنَّمَ﴾: معرب، فارسي الأصل، وفي "تفسير الفاتحة" للفناري: سميت جهنم لبعد قعرها، يقال: بئر جهنام؛ أي: بعيدة القعر، وقعرها خمس وسبعون مئة من السنين، وهي أعظم المخلوقات، سجن الله في الآخرة،
٤٤ - ﴿لَهَا﴾؛ أي: لجهنم ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾؛ أي: سبع طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في الغواية والضلالة، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄: بأنها جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية، وهي أسفلها، وإنما كانت سبعة لكثرة أهلها؛ أي: لها سبعة أبواب، كل باب فوق باب، على قدر
стр. 6483
الطبقات، لكل طبقة باب.
﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾ من تلك الأبواب المنفتح على طبقة من الطبقات. وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من الأتباع الغواة حالٌ من قوله: ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾؛ أي: قدر معلوم وضرب معين مفرز من غيره، حسبما يقتضيه استعداده، قال ابن جريج: النار سبع دركات، وهي جهنم ثم لظى ثم السعير ثم الجحيم ثم الهاوية، فأعلاها للعصاة الموحدين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى، والرابعة للصابئين، والخامسة للمجوس، والسادسة للمشركين، والسابعة للمنافقين، فجهنم أعلى الطبقات، ثم ما بعدها تحتها وهكذا، ولا ريب أن من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان فإنه لا يبقى مخلدًا في جهنم، فتبقى جهنم خالية، وأما الطبقات السافلة فأهلها خالدون، واختلفت الروايات في ترتيب طبقات النار، وفي الأكثر جهنم أوَّلها، وفيما بعدها اختلاف أيضًا، وليس في هذا كله أثر مرفوع يمكن أن يركن إليه ويجعل حجة فيه، وقيل: خلق (١) الله تعالى للنار سبعة أبواب، دركات بعضها تحت بعضٍ، وللجنة ثمانية أبواب، درجات بعضها فوق بعض؛ لأن الجنة فضل، والزيادة في الفضل والثواب كرم، وفي العذاب جور، وقيل: الأذان سبع كلمات، والإقامة ثمان، فمن أذن وأقام .. غلقت عنه أبواب النيران، وفتحت له أبواب الجنة الثمانية.
وفي "الخطيب": تنبيه: تخصيص (٢) هذا العدد، لأن أهلها سبع فرق، وقيل جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة، من العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل؛ لأنها مصادر السيئات، فكانت مواردها الأبواب السبعة، ولما كانت هي بعينيها مصادر الحسنات بشرط النية، والنية من أعمال القلب .. زادت الأعضاء واحدًا، فجعلت أبواب الجنة ثمانية.
والمعنى: أن الله تعالى يجزيء أتباع إبليس سبعة أجزاء، فيدخل كل جزء وقسم دركة من النار، والسبب فيه أن مراتب الكفر مختلفة، فلذلك اختلفت
стр. 6484
مراتبهم في النار.
٤٥ - ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: إن الذين اتقوا الله وخافوا عقابه، فأطاعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه يمتعون ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ وبساتين، تجري من تحتها الأنهار ﴿وَعُيُونٍ﴾؛ أي: وأنهار من ماء غير أسنٍ وأنهار من لبن لم يتغير طعمه أي: مستقرون فيها، لكل واحد منهم جنة وعين، على ما تقضِ قاعدة مقابلة الجمع بالجمع، ويقال لهم عند وصولهم إلى الباب: ادخلوها بسلام آمنين، والقائل هو الله تعالى، أو بعض ملائكته؛ أي: ادخلوا الجنة، حالة كونكم متلبسين بسلام من الآفات والمنغصات، آمنين من سلب تلك النعم التي أنعم بها ربكم عليكم، وأكرمكم بها، تخافون إخراجًا ولا فناءً ولا زوالًا، أو مسلِّمين بعضكم على بعض، أو مسَلَّمَا عليكم من الملائكة، أو من الله .
وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام (١): ﴿وعيون﴾ بضم العين، وباقي السبعة بكسرها،
٤٦ - وقرأ الحسن ﴿أَدْخلُوها﴾ ماضيًا مبنيًّا للمفعول من الإدخال، وقرأ يعقوب في رواية رويسٍ كذلك، وبضم التنوين، وعنه فتحه، وما بعده أمر على تقدير: أدخلوها إياهم، من الإدخال، أمر الملائكة بإدخال المتقين الجنة، وتسقط الهمزة في القراءتين، وقرأ الجمهور: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أمرٌ من الدخول، فعلى قراءتي الأمر ثَم محذوف؛ أي: يقال لهم، أو يقال للملائكة.
٤٧ - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ﴾؛ أي: أخرجنا ما في قلوبهم ﴿مِنْ غِلٍّ﴾؛ أي: من حقد وحسد وبغض وعداوة كامنة، كانت بينهم في الدنيا، وصفيناهم منها، وقوله: ﴿إِخْوَانًا﴾ حال (٢) من الضمير في ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: إن المتقين مستقرون في جنات وعيون، حالة كونهم إخوة في المحبة والمودة والتعاطف، وزاد في هذه السورة ﴿إِخْوَانًا﴾ لأنها نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ ، وما سواها عام في المؤمنين، وحالة كونهم ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ مكللة بالجواهر، جمع سرير، وقيل هو المجلس الرفيع المهيأ للسرور، وحالة كونهم ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾؛ أي: يقابل بعضهم
стр. 6485
بعضًا، وينظر بعضهم وجه بعض، لدوران الأسرة بهم؛ أي إنهم (١) إذا اجتمعوا وتلاقوا، ثم أرادوا الانصراف .. يدور سرير كل واحد منهم بحيث يسير راكبه مقابلا بوجهه لمن كان عنده، وقفاه إلى الجهة التي يسير لها السرير، وهذا أبلغ في الأنس والإكرام. اهـ شيخنا.
والمعنى: وأخرجنا (٢) ما في صدور هؤلاء المتقين - الذين ذكرت صفتهم - من الحقد والضغينة من بعضهم لبعض، روى القاسم عن أبي أمامة قال: يدخل أهل الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من غلٍّ، ثم قرأ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.
٤٨ - والخلاصة: أن الله طهر قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة، ونزع منها كل غلٍّ، وألقى فيها التواد والتحاب والتصافي، حالة كونهم ﴿لَا يَمَسُّهُمْ﴾؛ أي: لا يمس المتقين ولا يصبهم ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة ﴿نَصَبٌ﴾؛ أي: تعب (٣) وإعياء، لعدم وجود ما يتسبب عنه ذلك في الجنة؛ لأنها نعيم خالص، ولذة محضة، تحصل لهم بسهولة، وتوافيهم مطالبهم بلا كسب ولا جهد، بل بمجرد خطور شهوة الشيء بقلوبهم يحصل ذلك الشيء عندهم صفوًا وعفوًا، روى الشيخان أن النبي ﷺ قال: "إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب".
﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: عن الجنات والعيون ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾ أبد الآباد؛ لأن تمام النعمة بالخلود؛ أي: وهم خالدون فيها أبدًا لا يبرحونها، يشعرون بلذة النعيم ودوامه، فهم في خلود بلا زوال، وكمال بلا نقصان، وفوز بلا حرمان.
والخلاصة (٤): أن المسرة بالنعيم لا تتم إلا إذا توافرت فيه أمور:
١ - أن يكون مقرونًا بالتعظيم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾.
стр. 6486
٢ - أن يكون خالصًا من شوائب الضرر، روحانية كانت كالحقد والحسد والغضب، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾، أو جسمانية كالإعياء والتعب، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾.
٣ - أن يكون دائمًا غير قابل للزوال، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ وفي هذا (١) الخلود الدائم وعلمهم به تمام اللذة وكمال النعيم، فإن علم من هو في نعمة ولذة بانقطاعها وعدمها بعد حين موجب لتنغص نعمته، وتكدر لذته.
٤٩ - ثم قال بعد أن قص علينا ما عنده للمتقين من الجزاء العظيم والأجر الجزيل ﴿نَبِّئْ﴾ يا محمد ﴿عِبَادِي﴾؛ أي: أعلمهم وأخبرهم بـ ﴿أَنِّي أَنَا﴾ وحدي، فهو لقصر المسند على المسند إليه ﴿الْغَفُورُ﴾؛ أي: الكثير المغفرة لذنوبهم ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: الكثير الرحمة لهم، كما حكمت به على نفسي، إن رحمتي سبقت غضبي، اللهم اجعلنا من عبادك الذين تفضلت عليهم بالمغفرة، وأدخلتهم تحت واسع الرحمة، وانغمسوا في بحار الرضا والمحبة.
ثم إنه لما أمر رسول الله بأن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة .. أمر بأن يذكر لهم شيئًا مما يضمن التخويف والتحذير، حتى يجتمع الرَّجاء والخوف، ويتقابل التبشير والتحذير، ليكونوا راجين خائفين فقال: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾؛ أي: الكثير الإيلام.
والمعنى (٢): أخبر أيها الرسول عبادي أنني أنا الذي أستر ذنوبهم إذا تابوا منها وأنابوا، بترك فضيحتهم بها، وعقوبتهم عليها، الرحيم بهم، بأن لا أعذبهم بعد توبتهم منها، وفي قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ إيماء إلى أنه ينبىء كل من كان معترفًا بعبوديته، فيشمل ذلك المؤمن المطيع والعاصي، ولا يخفى ما في ذلك من تغليب جانب الرحمة من قبله تعالى على جانب العقاب، ومن الأمر لهم بالإنابة والتوبة، وأخبرهم أيضًا بأن عذابي لمن أصر على المعاصي، وأقام عليها، ولم يتب منها،
стр. 6487
هو العذاب المؤلم الموجع، الذي لا يشبهه عذاب آخر، وفي هذا تهديد شديد وتحذيرٌ لخلقه أن يقدموا على معاصيه.
وفي هذه الآية لطائف (١):
منها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ وهذا تشريف وتعظيم لهم، ألا ترى أنه لما أراد أن يشرف محمدًا ﷺ ليلة الإسراء .. لم يزد على قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ فكل من اعترف على نفسه بالعبودية لله تعالى فهو داخل في هذا التشريف العظيم.
ومنها: أنه لمَّا ذكر الرحمة والمغفرة .. بالغ في التأكيد بألفاظ ثلاثة، أولها: قوله: ﴿أَنِّي﴾ وثانيها: ﴿أَنَا﴾، وثالثها: إدخال الألف واللام في: ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وهذا يدل على تغليب جانب الرحمة والمغفرة،
٥٠ - ولما ذكر العذاب .. لم يقل: إني أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك، بل قال: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ على سبيل الإخبار.
ومنها: أنه أمر رسوله ﷺ بأن يبلغ عباده هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة لعباده، ثم ذكر سبحانه قصصًا تقدم مثله بأسلوب آخر في سورة هود.
٥١ - وبدأ قصص إبراهيم ﵇ فقال: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ الخليل ﵇، وهذا معطوف على ما قبله؛ أي: وأخبر يا محمد عبادي عن قصة ضيف إبراهيم، وقرأ أبو حيوة: ﴿ونبِّيْهم﴾ بإبدال الهمزة ياء، وأصل الضيف الميل، يقال: ضفت إلى كذا ملت إليه، والضيف من مال إليك نزولًا بك، وصارت صفة الضيافة متعارفة في القرى، وأصل الضيف مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع في عامة كلامهم، وقد يجمع فيقال: أضياف وضيوف وضيفان، وضيف إبراهيم هم الملائكة الذين أرسلهم الله ليبشروا إبراهيم بالولد، ويهلكوا قوم لوط، وفيهم جبريل وميكائيل ﵉،
стр. 6488
٥٢ - وانتصاب ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بفعل مضمر معطوف على ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾؛ أي: واذكر لهم دخولهم عليه، ﴿فَقَالُوا﴾ عند دخولهم عليه: ﴿سَلَامًا﴾؛ أي: نسلم عليك سلامًا، ﴿قَالَ﴾ سلام عليكم، فما لبثت أن جاء بعجل حنيذ، فلما رأى أيديهم لا تصل إليه .. نكرهم، وأوجس منهم خيفة، وقال إبراهيم للضيف ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾؛ أي: إنا خائفون منكم؛ لأنهم (١) دخلوا عليه بلا إذن، وفي وقت لا يجيء في مثله طارق، أو لأنه حين قرب إليهم العجل الحنيذ لم يأكلوا منه، والضيف إذا لم يأكل مما يقدم له من الطعام .. يظن أنه لم يأت لخير، ويؤيد هذا قوله في سورة هود: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾، والوجل اضطراب النفس لتوقع مكروه
٥٣ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال الضيوف الملائكة لإبراهيم: ﴿لَا تَوْجَلْ﴾؛ أي: لا تخف يا إبراهيم منَّا، وقوله: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ استئناف (٢) في معنى التعليل، للنهي عن الوجل، فإن المبشر به لا يكاد يحوم حول ساحته خوف ولا حزن، كيف لا وهو بشارة ببقائه وبقاء أهله في عافية وسلامة زمانًا طويلًا، والبشارة هي الإخبار بما يظهر سرور المخبر به؛ أي: لا تخف يا إبراهيم منا لأنا جئناك بالبشرى ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾؛ أي: بولد هو إسحاق، ذو علم وفطنة وفهم لدين الله، وسيكون له شأن، لأنه سيصير نبيًّا، ونحو الآية قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ وقيل: معناه عليم في صغره، حليم في كبره.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿لَا تَوْجَلْ﴾ مبنيًّا للفاعل، وقرأ الحسن بضم التاء مبنيًّا للمفعول من الإيجال، وقرىء ﴿لا تَاجَلْ﴾ بإبدال الواو ألفًا، كما قالوا تابة في توبة، وقرىء ﴿لا تواجل﴾ من واجله بمعنى أوجله،
٥٤ - ثم قال إبراهيم متعجبًا من مجيء ولد من شيخ وعجوز: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ وأثر فيَّ. والاستفهام (٤) فيه للتعجب والاستبعاد عادة، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى مع؛ أي: مع مس الكبر وإصابته إياي؛ أي: إن الولادة أمر مستنكر عادة مع الكبر، وأمر عجيب من بين الهرمين، وهو حال؛ أي: أبشرتموني حالة كوني كبير السن، أو بمعنى بعد؛
стр. 6489
أي: بعد ما أصابني الكبر والهرم، وقرأ الأعرج: ﴿بشرتموني﴾ بغير همزة الاستفهام، وقرأ ابن محيصن ﴿الكُبْر﴾ بضم الكاف وسكون الباء؛ أي: بشرتموني بذلك مع مس الكبر وتأثيره فيَّ، وتلك حال تنافي هذه البشرى، وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ استفهام تعجيب واستبعاد مؤكد للأول، وكأنه لم يعلم أنهم ملائكة رسل الله إليه، فلذلك استفهم، واستنكر أن يولد له، ولو علم أنهم رسل الله ... ما تعجب ولا استنكر، ولا سيما قد رأى من آيات الله عيانًا كيف أحيى الموتى؛ أي فبأي (١) أعجوبة تبشرون إذ لا سبيل في العادة إلى مثل ذلك، وكأنه ﵇ أراد أن يعرف أيعطى هذا الولد مع بقائه على حاله من الشيخوخة التامة، أو يرجع شابًّا ثم يعطي الولد، لما جرت به العادة من أن الولد لا يكون إلا حين الشباب، و ﴿ما﴾ في قوله: ﴿فَبِمَ﴾ هي ما الاستفهامية، دخلها معنى التعجب، حذفت ألفها في حالة الجر فرقًا بينها وبين ما الموصولة؛ وقرأ (٢) الحسن: ﴿تُبَشِّرُونِّي﴾ بنون مشددة وياء المتكلم، أدغم نون الرفع في نون الوقاية، وابن كثير بشدها مكسورة دون ياء، ونافع بكسرها مخففة، وغلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطرارًا، وخرجت على أنه حذف نون الوقاية، وكسر نون الرفع للياء، ثم حذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، وقرأ باقي السبعة بفتح النون، وهي علامة الرفع، قال الحسن: فبم تبشرون على وجه الاحتقار وعدم المبالاة بالمبشرات، لمضي العمر واستيلاء الكبر، وقال مجاهد: عجب من كبره وكبر امرأته، فأجابوه مؤكدين ما بشروه به، تحقيقًا لما قالوا، وليكون بشارة بعد بشارة بما بينه سبحانه.
٥٥ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال ضيف إبراهيم له ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بشرناك بما يكون حقًّا لا محالة فيه، وإنَّا لنعلم أن الله قد وهب لك غلامًا، ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾؛ أي: فلا تكن يا إبراهيم من الآيسين، الذين يقنطون وييئسون من فضل الله ورحمته، فييأسوا من خرق العادة، بل أبشر بما بشرناك به، واقبل البشرى.
стр. 6490
والخلاصة (١): أنه ﵇ استعظم نعمة الله عليه، فاستفهم هذا الاستفهام التعجبي المبني على السنن التي أجراها الله بين عباده، لا أنه استبعد ذلك على قدرة الله، فهو أجل من ذلك قدرًا، فإن الله تعالى قادر على أن يخلق بشرًا بغير أبوين، فكيف من شيخ عجوز فانٍ وعجوز عاقر، وقرأ الجمهور (٢): ﴿الْقَانِطِينَ﴾ بإثبات الألف، وقرأ يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش ورويت عن أبي عمرو: ﴿من القانطين﴾ من قنط يقنط من باب فرح،
٥٦ - والاستفهام في قوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ إنكاري؛ أي: قال إبراهيم للضيف لا يقنط ولا ييأس ﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾؛ أي: إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، فلا يعرفون سعة رحمته، وكمال علمه وقدرته، وغفل عن رجاء الله الذي لا يخيب من رجاه فضلَّ بذلك عن الرأي القيم، وهذا كقول يعقوب: ﴿لَا يَايْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾.
وخلاصة مقاله (٣): أنه نفى القنوط من نفسه على أتم وجه، فكأنه قال: ليس بي قنوط من رحمته تعالى، لكن حالي تنافي فيض تلك النعم الجليلة التي غمرني بها، وتوالي المكرمات التي شملت آل هذا البيت، وقرأ النحويان (٤) أبو عمرو والكسائي والأعمش: ﴿ومن يَقْنِط﴾ هنا وفي الروم والزمر بكسر النون من باب ضرب، وباقي السبعة بفتحها من باب فرح، وقرأ زيد بن علي والأشهب: بضمها من باب نصر.
٥٧ - وبعد أن تحقَّق ﵇ مصداق هذه البشرى، ورأى أنهم أتوا مختفين على غير ما عهد عليه ملك الوحي، سألهم عن أمرهم، ليزول عنه الوجل، كما بينه الله ﴿قَالَ﴾ إبراهيم للضيف ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾؛ أي: فما أمركم وشأنكم ﴿أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ وما الذي جئتم به غير ما قد بشرتموني به، والاستفهام استخبار، والخطب الأمر الخطير، والشأن العظيم؛ أي: قال (٥) لهم: ما الأمر العظيم الذي جئتم لأجله سوى البشرى، وكأنه ﵇ فهم من مجرى
стр. 6491
حديثهم في أثناء الحوار أن ليست هذه البشرى هي المقصودة، بل لهم شأن آخر لأجله أرسلوا؛ لأنهم كانوا عددًا، والبشارة لا تحتاج إلى مثل هذا العدد، ومن ثم اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم ﵉، وأيضًا لو كانت البشارة هي المقصودة لابتدؤوا بها،
٥٨ - فأجابوه بما بينه ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة لإبراهيم ﴿إنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ متناهين، وهم قوم لوط، واكتفوا بهذا القدر من الجواب؛ لأن إبراهيم يعلم أن الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين كان ذلك لهلاكهم وإبادتهم،
٥٩ - ومما يرشد إلى هذا الفهم قولهم ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾؛ أي: إلا أتباع لوط في الدين ﴿إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فلن نهلكهم، بل ننجيهم من العذاب الذي أمرنا أن نُعَذِّبَ به قوم لوط، وهو قلب مدائنهم، فالاستثناء (١) متصل من الضمير في ﴿مُجْرِمِينَ﴾؛ أي: أرسلنا إلى قوم أجرموا جميعًا إلا آل لوط، يريد أهله المؤمنين، فالقوم والإرسال شاملان للمجرمين وغيرهم.
والمعنى: إنَّا أرسلنا إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط، لنهلك الأولين وننجي الآخرين، واكتفى بنجاة (٢) الآل لأنهم إذا نجوا وهم تابعون فالمتبوع وهو لوط أولى بذلك. لوط: هو ابن هاران بن تارخ، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، كان قد آمن به، وهاجر معه إلى الشام، بعد نجاته من النار، واختتن لوط مع إبراهيم وهو ابن ثلاث وخمسين، وإبراهيم ابن ثمانين أو مدّة وعشرين سنة، فنزل إبراهيم فلسطين، وهي البلاد التي بين الشام ومصر، منها الرملة وغزة وعسقلان وغيرها، ونزل لوط الأردن، وهي كورة بالشام، فأرسل الله لوطًا إلى أهل سدوم بالدال، وكانت تعمل الخبائث، فأرسل الله إليهم ملائكة للإهلاك، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾ بالتخفيف من أنجا، وقرأ الباقون بالتشديد من نجى، واختار هذه القراءة الأخيرة أبو عبيدة وأبو حاتم، والتنجية والإنجاء التخلص مما وقع فيه غيرهم،
٦٠ - ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناء من الضمير في ﴿منجوهم﴾، وليس استثناء من استثناء، كما في "البحر" واسمها واهلة، ﴿قَدَّرْنَا﴾؛ أي: قضينا
стр. 6492
وحكمنا ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: الباقين مع الكفرة في العذاب، لتهلك معهم، وأسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم، وهو قول الله تعالى، لما لهم من القرب والاختصاص، كما يقول خاصة الملك أمرنا بكذا، والآمر هو الملك، وقرأ أبو بكر والمفضل: ﴿قَدَّرْنَا﴾ بالتخفيف ها هنا، وفي النمل، وباقي السبعة بالتشديد، وقال الهروي: هما بمعنى، وكُسِرَتْ ﴿إِنَّهَا﴾ إجراء لفعل التقدير مجرى العلم، إما لكونه بمعناه، وإما لترتبه عليه، والغابرين جمع غابر، والغابر الباقي والأغبار بقايا اللبن.
الإعراب
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ (الواو) استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾. ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿صَلْصَالٍ﴾، ﴿مَسْنُونٍ﴾: صفة ﴿حَمَإٍ﴾. ﴿وَالْجَانَّ﴾: منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وأنشأنا الجان خلقناه، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾، ﴿خَلَقْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: حال من ضمير ﴿خَلَقْنَاهُ﴾، والجملة جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته، كمسجد الجامع، وصلاة الوسطى.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿قَالَ رَبُّكَ﴾؛ فعل وفاعل، ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه
стр. 6493
لـ ﴿إذ﴾ ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا﴾ إلى ﴿سَاجِدِينَ﴾: مقول محكيٌّ، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي خَالِقٌ﴾: ناصب واسمه وخبره ﴿بَشَرًا﴾: مفعول ﴿خَالِقٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: جار مجرور، متعلق بـ ﴿خَالِقٌ﴾ ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾: جار ومجرور وصفة، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿صَلْصَالٍ﴾ ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿سَوَّيْتُهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، ﴿وَنَفَخْتُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿سَوَّيْتُهُ﴾ ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿نفخت﴾، ﴿مِنْ رُوحِي﴾: مفعول ﴿نفخت﴾، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ الشرطيّة، ﴿قَعُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿سَاجِدِينَ﴾ ﴿سَاجِدِينَ﴾: حال من فاعل ﴿قعوا﴾، وجملة ﴿قَعُوا﴾ جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾.
﴿فَسَجَدَ﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع، ﴿سجد الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل وفاعل، ﴿كُلُّهُمْ﴾: توكيد أول، ﴿أَجْمَعُونَ﴾: توكيد ثان، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿إِبْلِيسَ﴾: منصوب على الاستثناء، متصل أو منقطع على الخلاف فيه، ﴿أَبَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان كيفية عدم السجود، ﴿أَنْ يَكُونَ﴾: ناصب وفعل ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾ ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر ﴿يَكُونَ﴾ وجملة ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أَبَى﴾ تقديره: أبى كونه مع الساجدين.
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة
стр. 6494
﴿يَا إِبْلِيسُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يَا إِبْلِيسُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخي في محل الرفع مبتدأ، ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿لا﴾ نافية، ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أنْ﴾ واسمها ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، ﴿مَعَ السَّاجِدِينَ﴾: خبر ﴿تَكُونَ﴾، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: ما لك في عدم كونك مع الساجدين، الجار والمجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾. والجملة مستأنفة ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَمْ أَكُنْ﴾: جازم ومجزوم، وهي من الأفعال الناقصة، واسمها ضمير يعود على ﴿إبليس﴾ ﴿لِأَسْجُدَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وجحود ﴿أسجد﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، ﴿لِبَشَر﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بلام الجحود، تقديره: لم أكن لسجودي لبشر، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿أَكُن﴾ تقديره: لم أكن مريدًا لسجودي لبشرٍ، هذا على مذهب البصريين، كما مر مرارًا، وجملة ﴿أَكُن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿خَلَقْتَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقْتَهُ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر صفة ﴿لِبَشَرٍ﴾ ﴿مِنْ حَمَإٍ﴾: صفة لـ ﴿صَلْصَالٍ﴾، ﴿مَسْنُونٍ﴾: صفة لـ ﴿حَمَإٍ﴾.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿الدِّينِ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿فَاخْرُجْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب شرط محذوف، تقديره: فحيث عصيت وتكبرت فاخرج، وجملة الشرط المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿اخرج﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾ ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿اخرج﴾، ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾: ناصب واسمه
стр. 6495
وخبره، و ﴿الفاء﴾: تعليلية، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل نصب مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وَإِنَّ﴾ حرف نصب ﴿عَلَيْكَ﴾ خبر ﴿إن﴾ مقدم، ﴿اللَّعْنَةَ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ التي قبلها ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّين﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿إنَّ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦ ﴿قَالَ﴾ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة، ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ إلى آخر الآية مقول ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط مقدر دل عليه قوله: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾، تقديره: إذا جعلتني رجيمًا فأنظرني، وجملة الشرط المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿أنظرني﴾ فعل ومفعول ونون وقاية، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: متعلق به، وجملة ﴿يُبْعَثُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلة مستأنفة، ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿الفاء﴾: تعليلية لجملة محذوفة معلومة من السياق، تقديرها لا تطمع إنظارك إلى يوم يبعثون؛ لأنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إنك﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: جار ومجرور، خبره، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة للجملة المحذوفة. ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿الْمُنْظَرِينَ﴾، ﴿الْمَعْلُومِ﴾: صفة لـ ﴿الْوَقْتِ﴾.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿إبليس﴾، والجملة مستأنفة، ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ إلى ﴿قَالَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جرٍّ
стр. 6496
وقسم ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول، ونون وقاية، الجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بباء القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسمت بإغوائك إياي، وجملة القسم المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿لَأُزَيِّنَنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم ﴿أُزينن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على الشيطان، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول على كونها جواب القسم، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور، حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾. ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أغوينهم﴾: فعل ومفعول ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ على كونها جواب القسم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لضمير المفعول، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿عِبَادَكَ﴾: منصوب على الاستثناء، ﴿مِنْهُمُ﴾: متعلق بما بعده، ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾: صفة لـ ﴿عِبَادَكَ﴾.
﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾ إلى قوله: ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿عَلَيَّ﴾: جار ومجرور، صفة أولى لـ ﴿صِرَاطٌ﴾ وعليَّ بمعنى إلى، والتقدير: هذا صراط موصل إليَّ، ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: صفة ثانية له. ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾: ناصب واسمه، ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص ﴿لَكَ﴾: خبره مقدم، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بما بعده، ﴿سُلْطَانٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء، ﴿اتَّبَعَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾ الموصولة، ﴿مِنَ الْغَاوِينَ﴾: حال من فاعل ﴿اتَّبَعَكَ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول.
стр. 6497
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.
﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾: ناصب واسمه وخبره، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لضمير الغائبين، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ الأولى، ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور، خبر مقدم، ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو في محل الرفع خبر ثان خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾: جار ومجرور ومضاف خبر مقدم ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿جُزْءٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرًا مقدمًا أعني قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ﴾ ﴿جُزْءٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مَقْسُومٌ﴾: صفة ﴿جُزْءٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾، والتقدير: سبعة أبواب كائنة هي لها حالة كون كل باب منها له جزء مقسوم منهم.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: خبره، ﴿وَعُيُونٍ﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿ادْخُلُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: ويقال لهم ادخلوها، ﴿يَمَسُّهُمْ﴾: جار ومجرور حال أول من فاعل ﴿ادْخُلُوهَا﴾، تقديره: حالة كونكم ملتبسين بسلام، ﴿آمِنِينَ﴾: حال ثانية، ﴿وَنَزَعْنَا مَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿مِنْ غِلٍّ﴾: جار ومجرور، حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله، ﴿إِخْوَانًا﴾: حال من ضمير الغائبين؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه، فيجوز مجيء الحال من المضاف إليه، ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾: حال من الضمير في ﴿إِخْوَانًا﴾ ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾: حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور قبله، ﴿لَا يَمَسُّهُمْ﴾:
стр. 6498
فعل ومفعول، ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، أو حال من ضمير المفعول، ﴿نَصَبٌ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة، أو حال من الضمير المستكن في ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، أو اسم ﴿ما﴾ ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بما بعده، ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾: خبر المبتدأ، أو خبر ﴿ما﴾، والباء زائدة، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ﴾.
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾.
﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ فعل وفاعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة، ﴿أَنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿أَنَا﴾: تأكيد لضمير النصب، أو ضميره فصل، أو مبتدأ، ﴿الْغَفُورُ﴾: خبر أول لـ ﴿أن﴾، ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان، أو صفة لـ ﴿الْغَفُورُ﴾، وجملة ﴿أنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسدَّ مفعولي ﴿نَبِّئْ﴾ الثاني والثالث؛ لأنه يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، والتقدير: نبىء عبادي كوني الغفور الرحيم، أو مجرورة بحرف جر محذوف؛ أي: بأني أنا الغفور. ﴿وَأَنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿أن عذابي﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْعَذَابُ﴾ خبر ﴿أن﴾ ﴿الْأَلِيمُ﴾: صفة لـ ﴿الْعَذَابُ﴾، وجملة ﴿أن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أنَّ﴾ الأولى. ﴿وَنَبِّئْهُمْ﴾: فعل ومفعول أول، ﴿عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَبِّئْ﴾ الأولى.
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد إذ دخلوا، ﴿دَخَلُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر
стр. 6499
مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾، ﴿فَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿دَخَلُوا﴾ ﴿سَلَامًا﴾: مفعول ﴿قالوا﴾ لأنه بمعنى ذكروا، أو منصوب بفعل مضارع مقدر؛ أي: نسلم عليك سلامًا، أو ماضي؛ أي: سلمنا عليك سلامًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مفعول ﴿قالوا﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق بما بعده، ﴿وَجِلُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَا تَوْجَلْ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا تَوْجَلْ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿نُبَشِّرُكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الملائكة، ﴿بِغُلَامٍ﴾: متعلق بـ ﴿نُبَشِّرُكَ﴾، ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ﴿غلام﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معللة لما قبلها.
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة، ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي﴾: إلى قوله ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التعجبي ﴿بشرتموني﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية، والواو حرف زائد من إشباع حركة الميم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿عَلَى﴾: حرف جر بمعنى مع، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب، ﴿مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية، في محل النصب مبنيٌّ على الفتح، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلَى﴾، تقديره: على مس الكبر إياي؛ أي: مع مس الكبر إياي، الجار والمجرور حال من ياء ﴿بشرتموني﴾؛ أي: أبشرتموني حالة كوني كبير السن، ﴿فَبِمَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، ﴿الباء﴾: حرف جر، ﴿م﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي، في محل الجر بالباء، والجار والمجرور متعلق بما بعده، ﴿تُبَشِّرُونَ﴾: فعل وفاعل، مرفوع وعلامة
стр. 6500
رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، على قراءة كسر النون، والنون المذكورة نون الوقاية، حذفت ياء المتكلم اجتزاءً عنها بكسر النون، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة الاستفهام الأول، على كونها مقولًا لـ ﴿قال﴾.
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ مقولٌ محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت ﴿بَشَّرْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، واسمها ضمير يعود على إبراهيم، ﴿مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: خبر ﴿تَكُنْ﴾، وجملة ﴿تَكُنْ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿بَشَّرْنَاكَ﴾، على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة ﴿وَمَن يَقنَطُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام للاستفهام الإنكاري، في محل الرفع مبتدأ، ﴿يَقْنَطُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَقْنَطُ﴾، ﴿إلا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿الضَّالُّونَ﴾: فاعل ﴿يَقْنَطُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، وعلى هذا الوجه فلا ضمير في ﴿يَقْنَطُ﴾ والرابط للخبر بالمبتدأ ﴿الهاء﴾ من ﴿رَبِّهِ﴾، وهذا الإعراب على ما قاله: ابن عنقاء، كما ذكره صاحب "الكواكب الدرية"، وأما على مذهب الجمهور ففي ﴿يَقْنَطُ﴾ ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿الضَّالُّونَ﴾: بدل من فاعل ﴿يَقْنَطُ﴾ المستتر فيه بدل كل من كل، ولم يؤت معه بضمير؛ لأن قوة تعلق المستثنى بالمستثنى منه تغني عن الضمير، كما قاله الفاكهي، وابن عنقاء، والعصاميُّ.
стр. 6501
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة، ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم زيادة محاورتي لكم .. فأقول لكم ﴿ما خطبكم﴾، ﴿ما﴾: اسم استفهام للاستفهام الإستخباري في محل الرفع مبتدأ، ﴿خَطْبُكُمْ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدر، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَيُّهَا﴾ منادي نكرة مقصودة، ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾: صفة لـ ﴿أيُّ﴾ تابع للفظه.
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿أُرْسِلْنَا﴾: فعل ونائب فاعل، ﴿إِلَى قَوْمٍ﴾ متعلق به، ﴿مُجْرِمِينَ﴾: صفة ﴿قَوْمٍ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿آلَ لُوطٍ﴾: منصوب على الاستثناء، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمُنَجُّوهُمْ﴾: خبر ﴿إن﴾ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، و ﴿الهاء﴾ مضاف إليه، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لضمير ﴿منجوهم﴾، ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: استثناء من ضمير ﴿منجوهم﴾ منصوب، ﴿قَدَّرْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِنَّهَا﴾: ناصب واسمه، ﴿لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مفعول ﴿قَدَّرْنَا﴾، ولكنها معلقة عنها باللام، وجملة ﴿قَدَّرْنَا﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الاستثناء قبلها. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾؛ أي: طين يابس، يصلصل ويصوت إذا
стр. 6502
نقر، أي: صدم وضرب بجسم آخر، وهو غير مطبوخ، فإذا طبخ فهو فخار، وقال أبو عبيدة (١): الصلصال الطين إذا خلط بالرمل وجف، وقال أبو الهيثم: الصلصال صوت اللجام وما أشبهه، وهو مثل القعقعة في الثوب، وقيل: التراب المدقق، وصلصل الرمل إذا صوت، وصلصال بمعنى مصلصل، كالقضقاض، أي: المقضقض وهو فيه كثير، ويكون هذا النوع من المضعف مصدرًا، فتقول: زلزل زلزالًا بالفتح وزلزالًا، ووزنه عند البصريين: فعلان، وهكذا جميع المضاعف حروفه كلها أصول، لا فعفع خلافًا للفراء، وكثير من النحويين، ولا فعفل خلافًا لبعض البصريين وبعض الكوفيين، ولا أن أصله فعّل بتشديد العين، أبدل من الثاني حرف من جنس الحرف الأول، خلافًا لبعض الكوفيين، وينبني على هذه الأقوال وزن صلصال.
﴿مِنْ حَمَإٍ﴾؛ أي: من طين تغير واسود من مجاورة الماء له، واحدته حمأة، وقال الليث (٢): الحمأ طين أسود منتن واحدته حمأة بتحريك الميم، ووهم في ذلك، وقالوا: لا نعرف في كلام العرب الحمأة إلا ساكنة الميم، قاله أبو عبيدة والأكثر، قال أبو الأسود:
يَجِيءُ بِمِلْئِهَا طَوْرًا وَطَوْرًا ... يَجِيءُ بِحَمْأةِ وَقَلِيْلِ مَاءِ
وعلى هذا لا يكون حمأ بينه وبين مفرده ثاء التأنيث لاختلاف الوزن، قال ابن (٣) السكيت: تقول منه حمات البئر حمأً بالتسكين .. إذا نزعت حمأتها، وحمئت البئر حمأً بالتحريك كثرت حمأتها، وأحميتها إحماء ألقيت فيها الحمأة، قال أبو عبيدة: الحمأ بسكون الميم مثل الحمأة، يعني بالتحريك، والجمع حمءٌ، مثل تمرةٍ وتمرٍ، والحمأ المصدر، مثل الهلع والجزع، ثم سُمِّي به.
﴿مَسْنُونٍ﴾ والمسنون قال الفراء هو المتغير، وأصله من سننتُ الحجر على
стр. 6503
الحجر إذا حككته، وما يخرج بين الحجرين يقال له السنانة والسنين ويكون منتنًا، ومنه قول عبد الرحمن بن حسان:
ثُمَّ حَاصَرْتُهَا إلى الْقُبَّةِ الْحَمْـ ... ـرَاءِ تَمْشِيْ في مَرْمَرٍ مَسْنُوْنِ
أي: محكوك، ويقال: أسن الماء إذا تغير ومنه قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، وقوله: ﴿مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، وكلا الاشتقاقين يدل على التغير؛ لأن ما يخرج بين الحجرين لا يكون إلا منتنًا، وقال أبو عبيدة: المسنون المصبوب، وهو من قول العرب سننت الماء على الوجه إذا صببته، والسن الصب، وقال سيبويه: المسنون المصور، مأخوذ من سنة الوجه وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة:
تُرِيْكَ سُنَّةَ وَجْه غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ ولا نَدَبُ
وقال الأخفش: المسنون المنصوب القائم، من قولهم وجه مسنون إذا كان فيه طولٌ، والحاصل على هذه الأقوال أن التراب لما بل صار طينًا، فلما أنتن .. صار حمأ مسنونًا، فلما يبس .. صار صلصالًا، فأصل الصلصال هو الحمأ المسنون، ولهذا وصف بهما.
﴿وَالْجَانَّ﴾؛ أي: هذا (١) الجنس، كما أن الإنسان يراد به ذلك، فإذا أريد بالإنسان آدم .. أريد بالجان أبو الجن، وإبليس أبو الشيطان، وهما نوعان يجمعهما وصف الاستتار عنا، وسمي جانًّا لتواريه عن الأعين، يقال جن الشيء إذا ستره، فالجان يستر نفسه عن أعين بني آدم.
﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ السموم الحرٌّ المفرط (٢) من نار أو شمس أو ريح، يدخل في المسام فيقتل، والمسام هي ثقب البدن، جمع سمٍّ بكسر السين على غير قياس، كمحاسن جمع حسنٍ، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: من نار ذات سموم؛ أي: صاحبة حرارة شديدة قاتلة.
стр. 6504
﴿بَشَرًا﴾؛ أي: إنسانًا، وسمي بذلك لظهور بشرته؛ أي: ظاهر جلده.
﴿سَوَّيْتُهُ﴾؛ أي: أتممت خلقه، وهيأته لنفخ الروح فيه.
﴿وَنَفَخْتُ﴾ والنفخ إجراء الريح من الفم أو غيره في تجويف جسم صالح لإمساكها والامتلاء بها، ويراد به هنا إضافة ما به الحياة إلى المادة القابلة لها.
﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ أمر من وقع يقع من باب وضع إذا سقط وخر، وحذفت الواو من الأمر على حد قول ابن مالك:
فأمر أو مضارع من كوعد احذف ... إلخ.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ من أبلس (١) إذا يئس وتحير، ومنه إبليس أو هو أعجمي.
﴿فإنَّك رجيمٌ﴾؛ أي: مرجوم مطرود من كل خير وكرامة، وفي "المصباح": الرجم بفتحتين الحجارة، والرجم القبر، سمي بذلك لما يجتمع عليه من الأحجار، ورجمته رجمًا من باب قتل ضربته بالرجم اهـ. وفي "القاموس": الرجم اللعن والشتم والطرد والهجران اهـ.
﴿اللَّعْنَةَ﴾ الإبعاد على سبيل السخط ﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي: يوم الجزاء، ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهو يوم النفخة الثانية، ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾؛ أي: أمهلني وأخرني ولا تمتني، ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾. هو يوم النفخة الأولى حين يموت الخلائق، ﴿والإغواء﴾ الإضلال يقال غوى غواية إذا ضل في نفسه، وأغوى إذا أضل غيره؛ أي: دعاه إلى غواية. ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ﴾؛ أي: هذا صراط حق لا بد أن أراعيه وأحفظه ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أي: لا انحراف فيه، فلا يعدل عنه إلى غيره، ﴿سُلْطَانٌ﴾ والسلطان التسلط والتصرف بالإغواء، ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾؛ أي: سبع طبقات، ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾؛ أي: فريق معين مفروز من غيره.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين اتقوا الكفر والفواحش، ولهم ذنوب من الصغائر تكفرها الصلوات وغيرها. ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين، ﴿وَعُيُونٍ﴾؛ أي: أنهار جارية ﴿بِسَلَامٍ﴾؛ أي: بسلامة من الآفات، وأمن من المخافات، ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ الغل الحقد
стр. 6505
الكامن في القلب، يطلق على الشحناء والعداوة والبغضاء والحقد والحسد، فكل هذه الخصال المذمومة داخلة في الغل، لأنها كامنة في القلب.
﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ السرر جمع سرير، وهو مجلس عال رفيع موطأ للسرور، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرور، قال ابن عباس؛ أي: على سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية اهـ "خازن".
﴿لَا يَمَسُّهُمْ﴾؛ أي: لا يصيبهم، ﴿نَصَبٌ﴾: والنصب الإعياء والتعب، ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ تقول أنبأت القوم إنباء ونبأتهم تنبئة إذا أخبرتهم، ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ والأفصح في كلمة الضيف أن لا تثنى ولا تجمع حين تستعمل للمثنى والجمع والمؤنث، بل تستعمل بلفظ واحد لكل ذلك.
﴿لَا تَوْجَلْ﴾ والوجل اضطراب النفس لخوفها من توقع مكروه يصيبها.
﴿عَلِيمٍ﴾؛ أي: ذي علم كثير.
﴿بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالأمر المحقق الذي لا شك في وقوعه، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ يقال قنط من كذا إذا يئس من حصوله، وفي "المختار": القنوط اليأس، وبابه جلس ودخل وطرب وسلم، فهو قانط وقنوط.
﴿إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ الكفار الذين لا يعرفون كمال قدرته تعالى وسعة رحمته.
﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾؛ أي: أمركم وشأنكم الذي لأجله أرسلتم، ﴿قَدَّرْنَا﴾؛ أي: قضينا وكتبنا، يقال قضى الله عليه كذا، وقدره عليه أي: جعله على مقدار الكفاية في الخير والشر، وقدر الله الأقوات جعلها على مقدار الحاجة.
﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؛ أي الباقين مع الكفار ليهلكوا معهم، وأصله من الغبرة، وهي بقية اللبن في الضرع، وفي "المختار": غير الشيء بقي وغبر أيضًا مضى، وهو من الأضداد وبابه دخل.
البلاغة
وقد تضمَّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
стр. 6506
فمنها: المقابلة في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾، وقوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿مِنْ رُوحِي﴾.
ومنها: جمع تأكيدين في قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ للمبالغة وزيادة تقرير الشيء في الذهن، وشدة الاعتناء به.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾.
ومنها: التعبير (١) بصيغة اسم الفاعل في قوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ إشعارًا بتحقق وقوعه واستمراره.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ لأنه إما (٢) كناية عن الطرد والإبعاد؛ لأن يطرد يرجم بالحجارة على أثره، أو كناية عن كونه شيطانًا من الشياطين الذين يرجمون بالشهب.
منها: جناس الاشتقاق بين: ﴿أنظرني﴾ و ﴿المنظرين﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿أغويتني﴾ و ﴿أغوينهم﴾.
منها: إيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء في قوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ لتأكيد الاستقامة، والشهادة باستعلاء من ثبت عليه، فهو أدل على التمكين من الوصول وهو تمثيل، إذ لا استعلاء لشيء على الله تعالى.
ومنها: الإضافة في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ للتشريف ولتفخيم شأنهم.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾؛ أي: يقال لهم ادخلوها.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ﴾؛ أي: في قلوبهم
стр. 6507
فهو من إطلاق المحل وإرادة الحال؛ لأن الصدور محل القلوب.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿نَصَبٌ﴾ للتقليل لا غير؛ أي: أيُّ شيء منه.
ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩)﴾ مع قوله: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ فقد قابل بين العذاب والمغفرة، وبين الرحمة الواسعة والعذاب الأليم، وهذا من المحسنات البديعية.
ومنها: القصر في قوله: ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فهو (١) من قصر المسند على المسند إليه.
ومنها: الاستفهام التعجبيُّ في قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق بين: ﴿الْقَانِطِينَ﴾ و ﴿يَقْنَطُ﴾ وبين ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وَأَرْسَلْنَا﴾.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ فأسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مجازًا، وهو فعل الله تعالى لما لهم من القرب والاختصاص؛ لأنهم رسل الله، أرسلوا بأمره تعالى، كما يقول خاصة الملك: أمرنا بكذا، والآمر هو الملك.
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله أعلم
* * *
الوعد والوعيد، فذكر بشارة إبراهيم ﵇ بغلام عليم .. ذكر هنا (١) إهلاك قوم لوط بما اجترحوا من كبرى الموبقات وفظيع الجنايات، بفعلهم فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، حتى صاروا كالأمس الدابر، وأصبحوا أثرًا بعد عين، وذكر إهلاك أصحاب الأيكة قوم شعيب جزاء ظلمهم بشركهم بالله، ونقصهم للمكاييل والموازين، فانتقم الله منهم بعذاب يوم الظلة، وإهلاك أصحاب الحجر وهم ثمود الذين كذبوا صالحًا، وكانوا ذوي حول وطول، وغنى ومال وقوة وبطش، فأعرضوا عن آيات ربهم حينما جاءتهم على يدي رسوله، فأخذتهم الصيحة وقت الصباح، ولم يغن عنهم ما لهم من دون الله شيئًا حين جاء أمره.
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر في القصص السالف إهلاك الأمم المكذبة لرسلها، وعذابها بشيء من أنواع العذاب كفاء ما دنسوا به أنفسهم، من فظائع الشرك وأنواع المعاصي، التي تقوض دعائم الإخلاص لبارىء النسم، وتهد أركان نظم المجتمع بعبادة الأصنام والأوثان وتطفيف الكيل والميزان، وإتيان الفاحشة التي تشمئز منها النفوس، وتنفر منها الأذواق السليمة .. أرشد (٢) هنا إلى أنهم بعملهم هذا قد تركوا ما قد قضت به الحكمة الإلهية في خلق السموات والأرض، من عبادة خالقهما وطاعته، واستقرار نظم المجتمع على وجه صالح صحيح، ودأبوا على عبادة غيره من الأصنام والأوثان، فكان من العدل تطهير الأرض منهم دفعًا لشرورهم، وإصلاحًا لمن يأتي بعدهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أمر رسوله ﷺ أن يصبر على أذى قومه، وأن يصفح عنهم الصفح الجميل .. أردف ذلك بذكر ما أولاه من النعم، وما أغدق عليه من الإحسان، ليسهل عليه الصفح، ويكون فيه سلوة له على احتمال الأذى، فذكر أنه آتاه السبع المثاني - الفاتحة - والقرآن العظيم الجامع لما فيه
стр. 6510
هدى البشر، وصلاحهم في دنياهم وآخرتهم، وبعد أن ذكر له تظاهر نعمه عليه .. نهاه عن الرغبة في الدنيا ومد العينين إليها، يتمنى ما فيها من متاع، ونهاه عن الحسرة على الكفار إن لم يؤمنوا بالقرآن، وبما جاء به، وأمره بالتواضع لفقراء المسلمين بإنذاره قومه المشركين، بتبليغهم ما أمر به الدين وما نهى عنه، بالبيان الكافي والإعذار الشافي، وبيان عاقبة أمرهم بتحذيرهم أن يحل بهم ما حل بالمقتسمين - اليهود والنصارى - الذين جعلوا القرآن أقسامًا، فآمنوا بما وافق التوراة، وكفروا بما عدا ذلك، ويبين لهم أن ربهم سيسألهم عن جريرة أعمالهم.
ثم أمره (١) أن يعلن ما أمر به من الشرائع، ولا يلتفت إلى لوم المشركين وتتريبهم له، ولا يبالي بما سيكون منهم، فالله تعالى كفاه أمر المستهزئين به، وأزال كيدهم، وإذا ساوره ضيق الصدر من سماع سفههم واستهزائهم كما هو دأب البشر .. فليسبح ربه وليحمده، وليكثر المطاعة، فالعبد إذا حزبه أمر نزع إلى طاعة ربه، وقد كفل سبحانه أن يكشف عنه ما أهمه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ الجمهور على أنها نزلت في خمسة نفر، كانوا يبالغون في إيذاء رسول الله ﷺ والاستهزاء به، فأهلكهم الله ، وهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن يغوث، والحرث بن قيس، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان سبب هلاكهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: أن سبع قوافل أقبلت من بصرى وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد، فيها أنواع من البر والطيب والجواهر وسائر الأمتعة، فقال المسلمون لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فقال تعالى: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خيرٌ لكم من هذه القوافل السبع، ويدل على
стр. 6511
صحة هذا قوله تعالى بعدها: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ كما في "أسباب النزول" للإمام الواحديّ، ذكره ابن الجوزي، ولكن هذا القول ضعيف لأن السورة مكية.
التفسير وأوجه القراءة
٦١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)﴾ جملة مستأنفة (١) لبيان إهلاك من يستحق الهلاك، وتنجية من يستحق النجاة، فلفظة آل زائدة بدليل قوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾
٦٢ - ﴿قَالَ﴾ لوط مخاطبًا لهم ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾؛ أي: لا أعرفكم بل أنكركم، وإنما (٢) قال لوط هذه المقالة لأنهم دخلوا عليه وهم في زيِّ شبان مردان حسان الوجوه، فخاف أن يهجم عليهم قومه، فلهذا السبب قال هذه المقالة، وقيل إن النكرة ضد المعرفة، فقوله إنكم منكرون يعني لا أعرفكم، ولا أعرف من أي الأقوام أنتم، ولأي غرض دخلتم عليَّ؛ أي: فلما خرج الملائكة المرسلون من عند إبراهيم، وسافروا من قريته إلى قرية لوط، وكان بينهما أربعة فراسخ، ودخلوا عليه .. أنكرهم لوط ولم يعرفهم، وقال لهم من أيِّ الأقوام أنتم، ولأي غرض جئتم، وإني أخاف أن تمسوني بسوء، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، وعبارة البيضاوي: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ تنكركم نفسي، وتنفر عنكم، مخافة أن تطرقوني بشبرٍ اهـ.
قيل: وإنما قال لهم هذه (٣) المقالة لأنه لم يشاهد من المرسلين حين مقاساة الشدائد ومعاناة المكايد من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون إعانة ولا مساعدة فيما يأتي ويذر، حين تجشم الأهوال في تخليصهم، فأنكر خذلانهم له، وتركهم نصره حين المضايقة، التي حلت به بسببهم، حتى اضطر إلى أن يقول: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ كما جاء في سورة هود، لأن القصة سيقت هنا مختصرةً،
٦٣ - وذكرت هناك مبسوطة ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الرسل في
стр. 6512
جواب لوط: ما جئناك بما تنكرنا لأجله ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك، ويشفيك من عدوك، وهو العذاب الذي توعدتهم به، فيشكون فيه قبل مجيئه؛ أي: بل جئناك بالعذاب الذي يشكُّون فيه.
والمعنى: قالت الرسل مخاطبين لوطًا: ما جئناك يا لوط بما خطر ببالك من المكروه، بل جئناك بما فيه سرورك، وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه، وهم يكذبونك فيه قبل مجيئه، فأنى لك بعد هذا أن تعتريك مساءة وضيق ذرعٍ.
وخلاصة ما أرادوا أن يقولوا (١): ما خذلناك وما خلينا بينك وبينهم، بل جئناك بما يدمرهم ويهلكهم من العذاب الذي كنت تتوعدهم به، وهم يكذبونك، واختاروا هذا الأسلوب ولم يقولوا: جئناك بعذابهم، لإفادة ذلك شيئين: تحقق عذابهم، وتحقق صدقه ﵇، بعد أن كابد منهم كثيرًا من الإنكار والتكذيب.
٦٤ - ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد، وهو العذاب النازل بهم لا محالة، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في ذلك الخبر الذي أخبرناك من إهلاكهم؛ أي: وجئناك بالأمر المحقق المتقن، الذي لا مجال فيه للامتراء والشك، وهو العذاب الذي كتب وقدر لقوم لوط، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به.
٦٥ - ثم شرعوا يرتبون له مبادئ النجاة قبل حلول العذاب بقومه، فقالوا له: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾؛ أي: فاذهب بهم، من السرى وهو السير في الليل ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: في طائفة من الليل؛ أي: في بعض منه والمراد بأهله ابنتاه، فلم يخرج من قريته إلا هو وابنتاه، قيل: ومعهم امرأته الصالحة، وفي "القرطبي" في سورة هود: فخرج لوط وطوى الله الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم؛ أي: فسر (٢) ببنتيك وامرأتك الصالحة في جزء من الليل عند السحر، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: امش خلفهم، لأجل أن تطمئن عليهم، وتعرف أنهم: ناجون، جمع دبر وهو من كل شيء عقبه ومؤخَّره؛ أي: وكن على إثرهم لتسوقهم وتسرع
стр. 6513
بهم، وتطلع على أحولهم، فلا تفرط منهم التفاتة استحياء منك، ولا غيرها من الهفوات، قال في "برهان القرآن": لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم .. علم نجاتهم، ولا يخفى عليه حالهم.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: منك ومنهم ﴿أَحَدٌ﴾ إلى ورائه إذا سمع الصيحة لئلا تراعوا من عظيم ما نزل بهم من البلاء، أو جعل (١) الالتفات كناية عن مواصلة السير، وترك التواني والتوقف؛ لأن من يلتفت لا بد له من أدنى وقفة ولم يقل هنا ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، كما في سورة هود اكتفاءً بما قبله، وهو قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.
﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾؛ أي: سيروا إلى المكان الذي أمركم بالذهاب إليه، وهو الشام أو مصر، أو زعر وهي قرية بالشام، وقيل الأردن، وقيل إلى حيث يأمركم جبريل، وذلك أن جبريل أمرهم أن يسيروا إلى قرية معينة، ما عمل أهلها عمل قوم لوط اهـ "خازن".
٦٦ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾؛ أي: وأوحينا (٢) إلى لوط ذلك الأمر الذي حكمنا به على قومه، وفرغنا منه، ثم إنه فسر ذلك الأمر الذي قضاه بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: أن آخر هؤلاء المجرمين ﴿مَقْطُوعٌ﴾؛ أي: مهلك حالة كونهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلين في الصباح؛ أي: إن هؤلاء القوم يستأصلون عن آخرهم بالعذاب وقت الصبح؛ أي: يتم استئصالهم حال ظهور الصبح، حتى لا يبقى منهم أحد، وإنما أبهم الأمر الذي قضاه عليهم أولًا وفسره ثانيًا تفخيمًا له، وتعظيمًا لشأنه، وقرأ الأعمش (٣) وزيد بن علي: ﴿إنَّ دابر﴾ بكسر الهمزة، لمَّا ضمن ﴿قضينا﴾ بمعنى أوحينا، فكان المعنى أعلمنا، علق الفعل فكسر إن، أو لما كان القضاء بمعنى الإيحاء فمعناه القول، كسر إن يؤيِّده قراءة عبد الله: ﴿وقلنا إن دابر﴾ وهي قراءة تفسير لا قرآنٍ، لمخالفتها سواد المصحف، والمعنى:
стр. 6514
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: فسر بأهلك، ابنتيك، أو هما وامرأتك الصالحة، على الخلاف فيه في بقيةٍ من الليل، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: وكن وراء أهلك الذين تسري بهم وعلى أثرهم لتذود عنهم، وتسرع بهم، وتراقب أحوالهم، حتى لا يتخلف منهم أحد لغرض فيصيبه عذاب.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ فيرى ما ينزل بقومه فيرق قلبه لهم، وليوطن نفسه على الهجرة، ويطيب نفسًا بالانتقال إلى المسكن الجديد، ثم أكدوا هذا النهي بقولهم: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾؛ أي: واذهبوا حيث يأمركم ربكم، غير ملتفتين إلى ما ورائكم، كالذي يتحسر على مفارقة وطنه، فلا يزال يلوي له أخاديده.
والخلاصة: أنهم أمروا بمواصلة السير، ونهوا عن التواني والتوقف، ليكون ذلك أقطع للعوائق وأحق بالإسراع للوصول إلى المقصد الحقيقيّ، وهو بلاد الشام.
ثم بين العلة في الأمر بالإسراع السريع فقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾؛ أي: وأوحينا إليه أن ذلك الأمر مقضي مبتوت فيه، ثم فصل ذلك فقال: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: إن آخر قومك وأولهم مجذوذ مستأصل صباح ليلتهم، ولا يبقى منهم أحدٌ، ونحو الآية: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
٦٧ - ثم شرع يذكر ما صدر من القوم حين علموا بقدوم الأضياف، وما ترتب عليه مما أشير إليه أولًا على سبيل الإجمال فقال: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾؛ أي؛ أهل مدينة لوط المسماة بسذوم - بسين مهملة فذال معجمة، وأخطأ (١) من قال بمهملة - وهي التي ضرب بقاضيها المثل في الجور، ومدائن قوم لوط كانت أربعًا، وقيل سبعًا، وأعظمها سذوم، وفي "درياق الذنوب" لابن الجوزي: كانت خمسين قرية؛ أي: جاء أهل مدينة سذوم إلى منزل لوط حالة كونهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يبشر (٢) بعضهم بعضًا بأضياف لوط، والاستبشار إظهار الفرح والسرور؛ أي: يظهرون الفرح والسرور بأضياف لوط طمعًا في ارتكاب الفاحشة منهم، وقالوا: نزل بلوط
стр. 6515
ثلاثة أضياف من المُرد ما رأينا قط أصبح وجهًا ولا أحسن شكلًا منهم، فذهبوا إلى دار لوط طلبًا منه لأولئك المرد،
٦٨ - فقال لهم لوط ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ المرد ﴿ضَيْفِي﴾؛ أي: أضيافي، وحق على الرجل إكرام ضيفه، وأفرد الضيف لأنه مصدر كما مر، والمراد أضيافي، وسماهم ضيفًا لأنه رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مرد حسان الوجوه، فلذلك طمعوا فيهم ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾؛ أي: فلا تظهروا عاري عندهم، فإن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموهم بالسوء .. كان ذلك إهانة فيَّ.
والمعنى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾؛ أي (١): وجاء أهل مدينة سذوم حين سمعوا أن ضيفًا قد ضافوا لوطًا، حالة كونهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: مستبشرين بنزولهم مدينتهم طمعًا في ركوب الفاحشة منهم، وفي هذا إيماء إلى فظاعة فعلهم، إذ هم خالفوا ما جرى به العرف وركب في الأذواق السليمة، من إكرام الغريب وحسن معاملته، وقصدوا بهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، وقد تقدم في سورة هود أن هذا المجيء قبل قول الملائكة: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ فما في سورة هود على الترتيب الواقعي، وما هنا على خلافه، إلا أن يقال إن الواو لا تقتضي ترتيبًا اهـ شيخنا. وفي "الكرخي": وذكر القصة في هود بترتيب الوقوع، وهنا أخر ذكر مجيئهم عن قول الرسل: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾ مع تقدمه، ليستقل الأول ببيان كيفية نصرة الصابرين والثاني بتساوي الأمم، ذكره في "الفتوحات": روي أن امرأة لوط أخبرتهم بأنه نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح منهم وجهًا ولا أحسن شكلًا، فذهبوا إلى دار لوط طلبًا لهم، مظهرين اغتباطًا وسرورًا بهم، ثم أخبر عن مقالة لوط لقومه حين رآهم يقصدون به السوء. ﴿قَالَ﴾ لوط لقومه ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ الذين جئتموهم، تريدون منهم الفاحشة ﴿ضَيْفِي﴾؛ أي: أضيافي ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ فيهم وأكرموني بترك التعرض لهم بمكروه،
٦٩ - ثم زاد النهي توكيدًا بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وخافوا الله فيَّ وفي أنفسكم، أن يحل بكم عقابه في مباشرتكم لما يسوءني، أو في ركوب الفاحشة، واحفظوا ما أمركم به ونهاكم