صحة هذا قوله تعالى بعدها: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ كما في "أسباب النزول" للإمام الواحديّ، ذكره ابن الجوزي، ولكن هذا القول ضعيف لأن السورة مكية.
التفسير وأوجه القراءة
٦١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)﴾ جملة مستأنفة (١) لبيان إهلاك من يستحق الهلاك، وتنجية من يستحق النجاة، فلفظة آل زائدة بدليل قوله: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾
٦٢ - ﴿قَالَ﴾ لوط مخاطبًا لهم ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾؛ أي: لا أعرفكم بل أنكركم، وإنما (٢) قال لوط هذه المقالة لأنهم دخلوا عليه وهم في زيِّ شبان مردان حسان الوجوه، فخاف أن يهجم عليهم قومه، فلهذا السبب قال هذه المقالة، وقيل إن النكرة ضد المعرفة، فقوله إنكم منكرون يعني لا أعرفكم، ولا أعرف من أي الأقوام أنتم، ولأي غرض دخلتم عليَّ؛ أي: فلما خرج الملائكة المرسلون من عند إبراهيم، وسافروا من قريته إلى قرية لوط، وكان بينهما أربعة فراسخ، ودخلوا عليه .. أنكرهم لوط ولم يعرفهم، وقال لهم من أيِّ الأقوام أنتم، ولأي غرض جئتم، وإني أخاف أن تمسوني بسوء، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، وعبارة البيضاوي: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ تنكركم نفسي، وتنفر عنكم، مخافة أن تطرقوني بشبرٍ اهـ.
قيل: وإنما قال لهم هذه (٣) المقالة لأنه لم يشاهد من المرسلين حين مقاساة الشدائد ومعاناة المكايد من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون إعانة ولا مساعدة فيما يأتي ويذر، حين تجشم الأهوال في تخليصهم، فأنكر خذلانهم له، وتركهم نصره حين المضايقة، التي حلت به بسببهم، حتى اضطر إلى أن يقول: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ كما جاء في سورة هود، لأن القصة سيقت هنا مختصرةً،
٦٣ - وذكرت هناك مبسوطة ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الرسل في
стр. 6512
جواب لوط: ما جئناك بما تنكرنا لأجله ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ أي: بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك، ويشفيك من عدوك، وهو العذاب الذي توعدتهم به، فيشكون فيه قبل مجيئه؛ أي: بل جئناك بالعذاب الذي يشكُّون فيه.
والمعنى: قالت الرسل مخاطبين لوطًا: ما جئناك يا لوط بما خطر ببالك من المكروه، بل جئناك بما فيه سرورك، وهو عذابهم الذي كنت تحذرهم منه، وهم يكذبونك فيه قبل مجيئه، فأنى لك بعد هذا أن تعتريك مساءة وضيق ذرعٍ.
وخلاصة ما أرادوا أن يقولوا (١): ما خذلناك وما خلينا بينك وبينهم، بل جئناك بما يدمرهم ويهلكهم من العذاب الذي كنت تتوعدهم به، وهم يكذبونك، واختاروا هذا الأسلوب ولم يقولوا: جئناك بعذابهم، لإفادة ذلك شيئين: تحقق عذابهم، وتحقق صدقه ﵇، بعد أن كابد منهم كثيرًا من الإنكار والتكذيب.
٦٤ - ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: باليقين الذي لا مرية فيه ولا تردد، وهو العذاب النازل بهم لا محالة، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في ذلك الخبر الذي أخبرناك من إهلاكهم؛ أي: وجئناك بالأمر المحقق المتقن، الذي لا مجال فيه للامتراء والشك، وهو العذاب الذي كتب وقدر لقوم لوط، وإنا لصادقون فيما أخبرناك به.
٦٥ - ثم شرعوا يرتبون له مبادئ النجاة قبل حلول العذاب بقومه، فقالوا له: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾؛ أي: فاذهب بهم، من السرى وهو السير في الليل ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: في طائفة من الليل؛ أي: في بعض منه والمراد بأهله ابنتاه، فلم يخرج من قريته إلا هو وابنتاه، قيل: ومعهم امرأته الصالحة، وفي "القرطبي" في سورة هود: فخرج لوط وطوى الله الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم؛ أي: فسر (٢) ببنتيك وامرأتك الصالحة في جزء من الليل عند السحر، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: امش خلفهم، لأجل أن تطمئن عليهم، وتعرف أنهم: ناجون، جمع دبر وهو من كل شيء عقبه ومؤخَّره؛ أي: وكن على إثرهم لتسوقهم وتسرع
стр. 6513
بهم، وتطلع على أحولهم، فلا تفرط منهم التفاتة استحياء منك، ولا غيرها من الهفوات، قال في "برهان القرآن": لأنه إذا ساقهم وكان من ورائهم .. علم نجاتهم، ولا يخفى عليه حالهم.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: منك ومنهم ﴿أَحَدٌ﴾ إلى ورائه إذا سمع الصيحة لئلا تراعوا من عظيم ما نزل بهم من البلاء، أو جعل (١) الالتفات كناية عن مواصلة السير، وترك التواني والتوقف؛ لأن من يلتفت لا بد له من أدنى وقفة ولم يقل هنا ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، كما في سورة هود اكتفاءً بما قبله، وهو قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.
﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾؛ أي: سيروا إلى المكان الذي أمركم بالذهاب إليه، وهو الشام أو مصر، أو زعر وهي قرية بالشام، وقيل الأردن، وقيل إلى حيث يأمركم جبريل، وذلك أن جبريل أمرهم أن يسيروا إلى قرية معينة، ما عمل أهلها عمل قوم لوط اهـ "خازن".
٦٦ - ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾؛ أي: وأوحينا (٢) إلى لوط ذلك الأمر الذي حكمنا به على قومه، وفرغنا منه، ثم إنه فسر ذلك الأمر الذي قضاه بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: أن آخر هؤلاء المجرمين ﴿مَقْطُوعٌ﴾؛ أي: مهلك حالة كونهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلين في الصباح؛ أي: إن هؤلاء القوم يستأصلون عن آخرهم بالعذاب وقت الصبح؛ أي: يتم استئصالهم حال ظهور الصبح، حتى لا يبقى منهم أحد، وإنما أبهم الأمر الذي قضاه عليهم أولًا وفسره ثانيًا تفخيمًا له، وتعظيمًا لشأنه، وقرأ الأعمش (٣) وزيد بن علي: ﴿إنَّ دابر﴾ بكسر الهمزة، لمَّا ضمن ﴿قضينا﴾ بمعنى أوحينا، فكان المعنى أعلمنا، علق الفعل فكسر إن، أو لما كان القضاء بمعنى الإيحاء فمعناه القول، كسر إن يؤيِّده قراءة عبد الله: ﴿وقلنا إن دابر﴾ وهي قراءة تفسير لا قرآنٍ، لمخالفتها سواد المصحف، والمعنى:
стр. 6514
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: فسر بأهلك، ابنتيك، أو هما وامرأتك الصالحة، على الخلاف فيه في بقيةٍ من الليل، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: وكن وراء أهلك الذين تسري بهم وعلى أثرهم لتذود عنهم، وتسرع بهم، وتراقب أحوالهم، حتى لا يتخلف منهم أحد لغرض فيصيبه عذاب.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ فيرى ما ينزل بقومه فيرق قلبه لهم، وليوطن نفسه على الهجرة، ويطيب نفسًا بالانتقال إلى المسكن الجديد، ثم أكدوا هذا النهي بقولهم: ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾؛ أي: واذهبوا حيث يأمركم ربكم، غير ملتفتين إلى ما ورائكم، كالذي يتحسر على مفارقة وطنه، فلا يزال يلوي له أخاديده.
والخلاصة: أنهم أمروا بمواصلة السير، ونهوا عن التواني والتوقف، ليكون ذلك أقطع للعوائق وأحق بالإسراع للوصول إلى المقصد الحقيقيّ، وهو بلاد الشام.
ثم بين العلة في الأمر بالإسراع السريع فقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾؛ أي: وأوحينا إليه أن ذلك الأمر مقضي مبتوت فيه، ثم فصل ذلك فقال: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: إن آخر قومك وأولهم مجذوذ مستأصل صباح ليلتهم، ولا يبقى منهم أحدٌ، ونحو الآية: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
٦٧ - ثم شرع يذكر ما صدر من القوم حين علموا بقدوم الأضياف، وما ترتب عليه مما أشير إليه أولًا على سبيل الإجمال فقال: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾؛ أي؛ أهل مدينة لوط المسماة بسذوم - بسين مهملة فذال معجمة، وأخطأ (١) من قال بمهملة - وهي التي ضرب بقاضيها المثل في الجور، ومدائن قوم لوط كانت أربعًا، وقيل سبعًا، وأعظمها سذوم، وفي "درياق الذنوب" لابن الجوزي: كانت خمسين قرية؛ أي: جاء أهل مدينة سذوم إلى منزل لوط حالة كونهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: يبشر (٢) بعضهم بعضًا بأضياف لوط، والاستبشار إظهار الفرح والسرور؛ أي: يظهرون الفرح والسرور بأضياف لوط طمعًا في ارتكاب الفاحشة منهم، وقالوا: نزل بلوط
стр. 6515
ثلاثة أضياف من المُرد ما رأينا قط أصبح وجهًا ولا أحسن شكلًا منهم، فذهبوا إلى دار لوط طلبًا منه لأولئك المرد،
٦٨ - فقال لهم لوط ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ المرد ﴿ضَيْفِي﴾؛ أي: أضيافي، وحق على الرجل إكرام ضيفه، وأفرد الضيف لأنه مصدر كما مر، والمراد أضيافي، وسماهم ضيفًا لأنه رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مرد حسان الوجوه، فلذلك طمعوا فيهم ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾؛ أي: فلا تظهروا عاري عندهم، فإن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموهم بالسوء .. كان ذلك إهانة فيَّ.
والمعنى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾؛ أي (١): وجاء أهل مدينة سذوم حين سمعوا أن ضيفًا قد ضافوا لوطًا، حالة كونهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أي: مستبشرين بنزولهم مدينتهم طمعًا في ركوب الفاحشة منهم، وفي هذا إيماء إلى فظاعة فعلهم، إذ هم خالفوا ما جرى به العرف وركب في الأذواق السليمة، من إكرام الغريب وحسن معاملته، وقصدوا بهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين، وقد تقدم في سورة هود أن هذا المجيء قبل قول الملائكة: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ فما في سورة هود على الترتيب الواقعي، وما هنا على خلافه، إلا أن يقال إن الواو لا تقتضي ترتيبًا اهـ شيخنا. وفي "الكرخي": وذكر القصة في هود بترتيب الوقوع، وهنا أخر ذكر مجيئهم عن قول الرسل: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾ مع تقدمه، ليستقل الأول ببيان كيفية نصرة الصابرين والثاني بتساوي الأمم، ذكره في "الفتوحات": روي أن امرأة لوط أخبرتهم بأنه نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح منهم وجهًا ولا أحسن شكلًا، فذهبوا إلى دار لوط طلبًا لهم، مظهرين اغتباطًا وسرورًا بهم، ثم أخبر عن مقالة لوط لقومه حين رآهم يقصدون به السوء. ﴿قَالَ﴾ لوط لقومه ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ الذين جئتموهم، تريدون منهم الفاحشة ﴿ضَيْفِي﴾؛ أي: أضيافي ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ فيهم وأكرموني بترك التعرض لهم بمكروه،
٦٩ - ثم زاد النهي توكيدًا بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: وخافوا الله فيَّ وفي أنفسكم، أن يحل بكم عقابه في مباشرتكم لما يسوءني، أو في ركوب الفاحشة، واحفظوا ما أمركم به ونهاكم
стр. 6516
عنه، ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾؛ أي: ولا تذلوني ولا تهينوني بالتعرض لمن أجرتهم، بمثل تلك الفعلة القبيحة من الخزي وهو الهوان، وهذه الجملة آكد في الغرض من سابقتها، إذ التعرض للجار بعد حمايته والذب عنه أجلب للعار، ومن ثم عبر عن لجاجهم، ومجاهرتهم بمخالفته بالخزي، وأمرهم بتقوى الله تعالى في ذلك، وقد أثبت (١) يعقوب ياء تفضحوني ولا تخزوني في الوصل والوقف،
٧٠ - ثم أبانوا له أنه السبب في الفضيحة وفي هذا الخزي، كما ذكره الله سبحانه بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم لوط الذين جاؤوا إليه ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ﴾ يا لوط ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: عن أن تضيف أحدًا من العالمين، أو تؤويه في قريتنا، إذ هم كانوا يتعرضون لكل غريب بالسوء، وكان لوط ينهاهم عن ذلك على قدر حوله وقوته، ويحول بينهم وبين من يتعرضون له، وكانوا قد نهوه عن التعرض لهم في مثل ذلك، وخلاصة مقالهم: أن ما ذكرت من الخزي والفضيحة أنت مصدره، والجالب له، فلولا تعرضك لنا .. ما أصابك ما أصابك.
قال في "الإرشاد": قوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ﴾ الهمزة (٢) فيه للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم نقدم إليك وألم ننهك عن التعرض لهم بمنعهم عنا، وكانوا يتعرضون لكل واحد من الغرباء بالسوء، وكان ﵇ يمنعهم عن ذلك بقدر وسعه، وهم ينهونه عن أن يجير أحدًا، أو يوعدونه بقولهم: لئن لم تنته يا لوط .. لتكونن من المخرجين، وفي "الشوكاني" وغيره: إن الاستفهام للإنكار، وليس بصواب، لعدم صدق ضابط الإنكاري عليه، بل التقريري يصدق عليه لأنه حمل المخاطب على الإقرار بما بعد حرف النفي، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ ولما رآهم (٣) لوط متمادين في غيِّهم، لا يرعوون عن غوايتهم، ولا يقلعون عما هم عليه ..
٧١ - ﴿قَالَ﴾ لوط لقومه ﴿هَؤُلَاءِ﴾ النساء الموجودات بيننا ﴿بَنَاتِي﴾؛ أي: بنات قومي فأزوجهن إياكم، أو تزوجهوهن؛ أي: قال لوط لقومه تزوجوا النساء، ولا تفعلوا ما قد
стр. 6517
حرم الله عليكم من إتيان الرجال، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما أمركم به، منتهين إلى أمري، وقد سمى نساء قومه بناته، لأن رسول الأمة كالأب من حيث الشفقة والتربية، رجالهم بنوه، ونسائهم بناته، كما قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ شك في قبولهم لقوله، كأنه قال: إن فعلتم ما أقول لكم، وما أظنكم تفعلون، ذكره في "البحر". أو (١) أراد بناته الصلبية؛ أي: فتزوجوهن ولا تتعرضوا للأضياف، وقد كانوا من قبل يطلبونهن ولا يجيبهم، لخبثهم وعدم كفاءتهم لهن، لا لعدم مشروعية المناكحة بين المسلمات والكفار، فإن نكاح المؤمنات من الكفار كان جائزًا، فأراد أن يقي أضيافه ببناته كرمًا وحميةً؛ أي: فتزوجوا بناتي، وقيل كان لهم سيدان مطاعان، فأراد إن يزوجهما ابنتيه إيْثا وزعورا، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قضاء الشهوة فيما أحل الله دون ما حرم، فإن الله تعالى خلق النساء للرجال، لا الرجال للرجال.
وفي الآيات فوائد:
الأولى: أن إكرام الضيف ورعاية الغرباء من أخلاق الأنبياء، وهو من أسباب الذكر الجميل، وفي الحديث: "من أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وقرى الضيف .. دخل الجنة" كما في "الترغيب".
والثانية: أنه لا بد لكل مؤمن متق أن يسد باب الشر بكل ما أمكن له من الوجوه، ألا ترى أن لوطًا ﵇ لما لم يجد مجالًا لدفع الخبيثين .. عرض عليهم بناته بطريق النكاح، وإن كانوا غير أكفاء دفعًا للفساد.
والثالثة: أن محل التمتع هي النساء لا الرجال، كما قالوا: ضرر النظر في الأمرد أشد، لامتناع الوصول إليه في الشرع، لأنه لا يحل الاستمتاع بالأمرد أبدًا.
٧٢ - ﴿لَعَمْرُكَ﴾؛ أي: لحياتك يا محمد قسمي؛ أي: أقسمت لك بحياتك ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن قوم لوط ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أي: لدائمون في سكرتهم وغوايتهم،
стр. 6518
أو شدة غلمتهم، التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه، والصواب الذي يشار به إليهم، من ترك البنين إلى البنات، حالة كونهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: يتحيرون في غوايتهم ويتمارون، فكيف يسمعون النصح.
وقرأ الأشهب (١): ﴿سُكرتهم﴾ بضم السين، وابن أبي عبلة: ﴿سَكَراتِهم﴾ بالجمع، والأعمش: ﴿سَكْرِهم﴾ بغير تاء، وأبو عمرو في راوية الجهضمي: ﴿أنَّهم﴾ بفتح همزة ﴿أنَّهم﴾، والعمر (٢) والعُمْر بالفتح والضم واحد، وهو البقاء، إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف، لأن الحلف كثير الدوران على ألسنتهم، ولذلك حذفوا الخبر تقديره: لعمرك قسمي، كما حذفوا الفعل في قولهم: تالله.
وقال القاضي عياض: اتفق (٣) أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله ﷻ ، بمدة حياة محمد ﷺ ، وكذا حكى إجماع المفسرين على هذا المعنى أبو بكر بن العربي فقال: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياة محمد ﷺ تشريفًا له، قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله بحياةِ أحدٍ غير محمد ﷺ ؛ لأنه أكرم البرية عنده تعالى، قال ابن العربي: ما الذي يمنع أن يقسم الله بحياة لوط؟ قال القرطبي: ما قاله حسن، وذكر صاحب "الكشاف" وأتباعه: أن هذا القسم هو من الملائكة على تقدير القول والمعنى عليه؛ أي: قالت الملائكة للوط وحياتك أيها الرسول إن قومك لفي ضلالتهم التي جعلتهم حيارى، لا يعرفون ما أحاط بهم من البلاء، ولا ماذا يصيبهم من العذاب المنتظر، لما أصابهم من عمى البصيرة، فهم لا يميزون الخطأ من الصواب، ولا الحسن من القبيح.
٧٣ - ثم ذكر سبحانه عاقبة أمرهم فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾؛ أي: فأخذت قوم لوط وأهلكتهم ﴿الصَّيْحَةُ﴾ العظيمة، أو صيحة جبريل ﵇، حال كونهم
стр. 6519
﴿مُشْرِقِينَ﴾؛ أي: داخلين وقت شروق الشمس وطلوعها، وكان ابتداء (١) العذاب حين أصبحوا كما قال: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ وتمامه حين أشرقوا، لأن جبريل قلع الأرضين بهم، ورفعها إلى السماء ثم هوى بها نحو الأرض، ثم صاح بهم صيحة عظيمة، فالجمع بين مصبحين ومشرقين باعتبار الابتداء والانتهاء فمقطوع على حقيقته، فإن دلالة اسمي الفاعل والمفعول على الحال، وحال القطع هو حال المباشرة لا حال انقضائه، لأنه مجاز حينئذٍ، وذلك بأن تقول مقطوع بمعنى يقطع عن قريب، وقيل (٢): أراد شروق الفجر، وقيل: كان أول العذاب عند شروق الفجر، وامتد إلى طلوع الشمس، والمعنى؛ أي: فنزل بهم العذاب المنتظر، وأخذتهم الصاعقة وقت الشروق، وكان ابتداؤها من الصبح، وانتهاؤها حين الشروق، ومن ثم قال أولًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقال هنا ﴿مُشْرِقِينَ﴾، وأخذ الصيحة قهرها لهم وتمكنها منهم، ومن ثم يقال للأسد أخيذ.
٧٤ - ثم بين سبحانه كيفية أخذها لهم ولقريتهم فقال: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾؛ أي: عالي المدينة وأعلاها وظاهرها أولًا أو عالي قرى قوم لوط ﴿سَافِلَهَا﴾؛ أي: أسفلها وباطنها وتحتها مقلوبة، وذلك بأن رفعناها إلى قريب من السماء على جناح جبريل، ثم قلبناها عليهم، فصارت منقلبة بهم، وكانت قراهم (٣) أربعة، فيها أربع مئة ألف مقاتل، وقوله: ﴿عَالِيَهَا﴾ مفعول أول لجعلنا، لأنه بمعنى صيرنا، و ﴿سَافِلَهَا﴾ مفعول ثان له، وهو أدخل في الهول والفظاعة من العكس.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أهل المدينة؛ أي: وأنزلنا عليهم في تضاعيف ذلك قبل تمام الإنقلاب، أو على من كان منهم خارجا عن المدينة، بأن كان غائبًا في سفر أو غيره ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾؛ أي: من طين مطبوخ بالنار متحجر مكتوب عليه اسم من يرمى به، فهلكوا بالخسف والحجارة، وفي "الكواش": وأمطرنا على شذاذهم؛ أي: على من غاب عن تلك البلاد، والمعنى (٤): أي: فجعلنا عالي المدينة - وهو ما على وجه الأرض - سافلها، فانقلبت عليهم،
стр. 6520
وأمطرنا عليهم أثناء ذلك حجارة من طين متحجر، وقد تقدم ذكر ذلك في سورة هود.
وخلاصة ذلك: أنه تعالى أرسل عليهم ثلاثة أنوع من العذاب:
١ - الصيحة المنكرة الهائلة والصوت المفزع المخيف.
٢ - أنه قلب عليهم القرية فجعل عاليها سافلها.
٣ - أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل.
٧٥ - ثم ذكر أن في هذا القصص عبرة لمن اعتبر فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما ذكر من القصة من تعرض قوم لوط لضيف لوط طمعًا فيهم، وقلب المدينة على من فيها، وإمطار الحجارة عليها وعلى من غاب منهم ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لعلامات يستدل بها على حقية الحق، وعبرات يعتبر بها، ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾؛ أي: للمتفكرين المتفرسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته.
أي: إن فيما فعلناه بقوم لوط من الهلاك والعذاب لدلالات للمفكرين، الذين يصبرون ما يحدث في الكون من عظات وعبر، ويستدلون بذلك على ما يكون لأهل الكفر والمعاصي من عقاب بئيس بما كانوا يكسبون.
أخرج البخاري في "التاريخ"، والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو نعيم وابن مردويه؛ عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى" ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ والفراسة (١) ما يوقعه الله في قلوب الصلحاء، فيعلمون بذلك أحوال الناس بالحدس والظن (٢) ما يحصل بدلائل التجارب والأخلاق، وقد صنف الناس في القديم والحديث كتبًا في ذلك، وبعض العلماء يجعلها دليلًا يحكم به، كما فعل إياس بن معاوية؛ كان قاضيًا ذكيًّا في عهد التابعين،
٧٦ - ثم لفت أنظار أهل مكة إلى الاعتبار بها لو أرادوا، فقال: ﴿وَإِنَّهَا﴾، أي: قوى قوم لوط ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾؛
стр. 6521
أي (١): لطريق ثابت يسلكه الناس، ويرون آثار تلك البلاد بين مكة والشام تندرس بعد، فاتعظوا بآثارهم يا قريش إذا ذهبتم إلى الشام؛ لأنها في طريقكم، والمعنى؛ أي: وإن هذه المدينة مدينة سدوم، التي أصابها ما أصابها من العذاب لطريق واضحة لا تخفى على السالكين، فآثارها باقية إلى اليوم، لم تندثر ولم تخف، فالذين يمرون عليها من الحجاز إلى الشام يشاهدون آثارها، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾
٧٧ - ثم أيْأَسَ من اعتبارهم بها، إذ هي لا يعبر بها إلا المؤمنون، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي (٢): إن فيما فعلناه بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجائنا لوطًا وأهله ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لدلالة جلية واضحة، وعبرة عظيمة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين بالله ورسله، إذ هم يعرفون أن ذلك إنما كان انتقامًا من الله لأنبيائه من أولئك الجهال، الذين عصوا أمر ربهم، وكفروا برسله، ولم يرعووا عن غيهم وضلالهم، بعد إنذارهم ونصحهم.
أما الذين لا يؤمنون باللهِ فيجعلون ذلك حوادث كونية، لأسباب فلكية وشؤون أرضيةٍ، جَعلت الأرض تنهار لحدوث فراغ في بعض أجزائها، كما يشاهد اليوم في البلاد ذات البراكين من اختفاء بلاد في باطن الأرض، وابتلاع الأرض لها، كما حدث في مدينة مسينا بإيطاليا سنة ١٩٠٩، وظهور جزائر في وسط المحيطات لم تكن من قبل.
وإفراد (٣) الآية هنا بعد جمعها فيما سبق، لما أن المشاهد ها هنا بقية الآثار لا كل القصة، كما فيما سلف، وقال في "برهان القرآن": ما جاء في القرآن من الآيات فلجمع الدلائل، وما جاء من الآية فلوحدانية المدلول عليه، فلما ذكر عقيبه المؤمنين، وهم مقرون بوحدانية الله تعالى .. وحد الآية. انتهى.
وفي الآيات فائدتان:
الأولى: مدح الفراسة، وهي الإصابة في النظر.
стр. 6522
والثانية: أن في إهلاك الأمم الماضية وإنجاء المؤمنين منهم إيقاظًا وانتباهًا ووعدًا ووعيدًا وتأديبًا لهذه الأمة المعتبرين، فاعتبروا بأحوالهم، واجتنبوا عن أفعالهم، وابكوا فهذه ديار الظالمين ومصارعهم، وفقنا الله وإياكم للهدى وعصمنا من أسباب الجهل والردى، وسلمنا من شرور النفوس، فإنها شر العدى، وجعلنا من المنتفعين بوعظ القرآن، والمعتبرين بآيات الفرقان، ما دام الروح في البدن وقام في المقام والوطن.
٧٨ - وبعد أن ذكر قصص قوم لوط .. أتبعه بقصص قوم شعيب ﵉ فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن المحذوف، والأيكة الغيضة، وهي جماع الشجر، أي: وإنه كان أصحاب بقعة الأشجار المجتمعة، وهم قوم شعيب ﵇ وكانوا يسكنونها، وكان عامة أشجارهم الدوم، وقيل الأيكة اسم القرية التي كانوا فيها، وقال أبو عبيدة: الأيكة وليكة مدينتهم كمكة وبكة، ﴿لَظَالِمِينَ﴾ أنفسهم وغيرهم بتكذيبهم رسل الله تعالى؛ أي: إن أصحاب الأيكة كانوا بجبلتهم ظالمين كفارًا، ليس لديهم استعدادٌ للإيمان بالله ورسله، أرسل الله تعالى إليهم وإلى أهل مدين شعيبًا فكذبوه، وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهم شعيبًا ﵇".
٧٩ - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ جزاء ما دنسوا به أنفسهم من الكفر والمعاصي؛ أي؛ فأهلكناهم وعاقبناهم لما كذبوا شعيبًا، روي أن (١) الله سلَّط عليهم الحر سبعة أيام، حتى أخذ بأنفاسهم، وقربوا من الهلاك، فبعث الله لهم سحابة كالظلة، فالتجأوا إليها واجتمعوا تحتها، للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها نارًا فأحرقتهم جميعًا، فهو عذاب يوم الظلة، ونعم ما قيل، والشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم ﴿وَإِنَّهُمَا﴾؛ أي: وإن مدينة أصحاب الأيكة ومدينة قوم لوط ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: لبطريق واضح يأتمون به في سفرهم، ويهتدون به في مسيرهم؛ أي: يمر أهل مكة عليهما في سفرهم إلى الشام للتجارة، وقال الفراء والزجاج: سمي الطريق
стр. 6523
إمامًا لأنه يؤتم ويتبع، وقال ابن قتيبة: لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده، وقيل الضمير للأيكة ومدين؛ لأن شعيبًا كان ينسب إليهما.
٨٠ - ثم إن الله سبحانه ختم القصص بقصة ثمود فقال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ والحجر (١) بكسر الحاء وسكون الجيم اسم لأرض ثمود قوم صالح ﵇ بين المدينة والشام، عند وادي القرى التي كانوا يسكنونها، وكانوا عربًا، وكان صالح ﵇ من أفضلهم نسبًا، فبعثه الله إليهم رسولًا - وهو شاب - فدعاهم حتى شمط، ولم يتبعه إلا قليل مستضعفون، وقال (٢): ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ ولم يرسل إليهم إلا صالح لأن من كذب واحدًا من الرسل .. فقد كذب الباقين، لكونهم متفقين في الدعوة إلى الله، وقيل: كذبوا صالحًا ومن تقدمه من الأنبياء، وقيل: كذبوا صالحًا ومن معه من المؤمنين.
أي: وعزتي وجلالي لقد كذب ثمود نبيهم صالحًا ﵇ ومن كذب رسولًا من رسل الله .. فكأنما كذب الجميع، لاتفاق كلمتهم على التوحيد، والأصول العامة التي لا تختلف باختلاف الأمم والأزمان
٨١ - ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: وآتينا ثمود وأريناهم ﴿آيَاتِنَا﴾؛ أي: حججنا الدالة على نبوة صالح ﵇ الناقة وغيرها، وقيل الآية: الناقة فقط، وإنما جمعها لأن فيها آيات جمة، كخروجها من الصخرة، ودنو نتاجها عند خروجها، وعظمها وكثرة لبنها، وإنما (٣) أضاف الآية إليهم وإن كانت لصالح؛ لأنه مرسل إليهم بهذه الآيات ﴿فَكَانُوا عَنْهَا﴾؛ أي: عن تلك الآيات ﴿مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: تاركين لها، غير ملتفتين إليها، ولا معتبرين بها، ولهذا عقروا الناقة، وخالفوا ما أمرهم به نبيهم
٨٢ - ﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: وكان قوم صالح ﴿يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾؛ أي: ينجرون وينقرون ﴿بُيُوتًا﴾ ومساكن من الجبال بالمعاويل ويثقبونها فيها حالة كونهم ﴿آمِنِينَ﴾ فيها من الانهدام، ونقب اللصوص وتخريب الأعداء، لوثاقتها، ومن الموت لاغترارهم بطول الأعمار، فهي حال مقدرة، أو من العذاب والحوادث لفرط غفلتهم، أو حسبانهم أن
стр. 6524
الجبال تحميهم منه، وقرأ الجمهور (١): ﴿يَنْحِتُونَ﴾ بكسر الحاء وقرأ الحسن وأبو حيوة بفتحها، وقرىء: ﴿بيوتًا﴾ بضم الباء وكسرها سبعيتان.
٨٣ - ثم ذكر ميقات هلاكهم فقال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾؛ أي: أهلكتهم صيحة من السماء فيها صوت صاعقةٍ، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم حالة كونهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أي: داخلين في وقت الصبح؛ أي: فأخذتهم صيحة الهلاك حين كانوا في صحوة اليوم الرابع من اليوم الذي أوعدوا فيه بالعذاب، كما جاء في قوله: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ وفي (٢) سورة الأعراف ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: الزلزلة، ولعلها من لوازم الصيحة المستشبعة لتموج الهواء تموجًا شديدًا، يفضي إليها، فهي مجاز عنها، وقوله ﴿مُصْبِحِينَ﴾ حال من الضمير المنصوب؛ أي: داخلين في وقت الصبح ذهب اليوم الرابع، وهو يوم الأحد، والصبح يطلق على زمان ممتد إلى الضحوة، وأول يوم من الثلاثة اصفرت وجوه القوم، وفي الثاني احمرت، وفي الثالث اسودت؛ فلما كملت الثلاثة .. صح استعدادهم للفساد والهلاك، فكان اصفرار وجوه الأشقياء في موازنة إسفار وجوه العداء.
٨٤ - ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾؛ أي: فما دفع عنهم ما نزل بهم من عذاب الله ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من نحت البيوت وجمع الأموال، وكثرة العدد وجمع العدد، بل خروا جاثمين هلكى حين حل بهم قضاء الله تعالى، روي (٣) أن صالحًا ﵇ انتقل بعد هلاك قومه إلى الشام بمن أسلم معه، فنزلوا رملة فلسطين، ثم انتقل إلى مكة فتوفي بها، وهو ابن ثمان وخمسين سنةً، وكان أقام في قومه عشرين سنة، وعن أبي هريرة ﵁ قال لما مر رسول الله ﷺ بالحجر وهو ذاهب إلى تبوك قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين" ثم قنع رأسه، أسرع السير حتى جاوز الوادي، متفق عليه.
стр. 6525
وأخرج (١) ابن مردويه عن عمر قال: نزل رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك بالحجر عند بيوت ثمود، فاستسقى الناس من مياه الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، وعجنوا منها، ونصبوا القدور باللحم، فأمرهم بإهراق القدور، وعلف العجين للإبل، ثم ارتحل عن البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا، وقال: "إني أخشى عليكم أن يصيبكم مثل الذي أصابهم، فلا تدخلوا عليهم".
٨٥ - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: وما بين جنس السموات والأرضين، ولو أراد بين أجزاء المذكور .. لقال بينهن، وفيه إشارة إلى أن أصل السموات واحدة عند بعضهم، ثم قست كذا في "الكواشي". ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: إلا (٢) خلقًا متلبسًا بالحق والحكمة لا باطلًا وعبثًا، أو للحق والحكمة، والباء توضع موضع اللام، يعني لينظر عبادي إليهما فيعتبروا، والمراد بالحق ما فيهما من الفوائد والمصالح، وقيل المراد بالحق مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وقيل المراد بالحق الزوال؛ لأنها مخلوقة وكل مخلوق زائلٌ، ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ﴾ أي (٣): القيامة لتوقعها كل ساعة كما في "المدارك" وقال ابن مالك: هي اسم لوقت تقوم فيه القيامة، سمي بها لأنها ساعة خفية يحدث فيها أمرٌ عظيم، وقال ابن الشيخ سميت الساعة ساعةً لسعيها إلى جانب الوقوع، ومسافتها الأنفاس.
﴿لَآتِيَةٌ﴾ أي: لكائنة لا محالة، فينتقم الله سبحانه لك يا محمد فيها من أعدائك، وهم المكذبون، ويجازيك على حسناتك ويجازيهم على سيئاتهم، فإنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا ليجازي كل محسن بإحسانه، وكل مسيء بإساءته، وفيه وعيد للعصاة وتهديد لهم.
стр. 6526
ثم أمر الله سبحانه رسوله بأن يصفح عن قومه فقال: ﴿فَاصْفَحِ﴾ يا محمد واعف وأعرض عن المكذبين من قومك، وتجاوز عن إساءتهم ﴿الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾؛ أي: الإعراض الجميل، والعفو الحسن، وتحمل أذيتهم، ولا تعجل بالانتقام منهم، وعاملهم معاملة الصفوح الحليم، وهذا منسوخ بآية السيف.
٨٦ - وخلاصة ذلك (١): خالقهم بخلق حسن، وتأن عليهم واحلم وأنذرهم، وادعهم إلى ربك قبل أن تقاتلهم ﴿إن ربك﴾ الذي يبلغك يا محمد إلى غاية الكمال ﴿هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ لك ولهم ولسائر الموجودات على الإطلاق ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالك وأحوالهم بتفاصيلها، فلا يخفى عليه شيء مما جرى بينك وبينهم، فهو حقيق بأن تَكِل جميع الأمور إليه، ليحكم بينك وبينهم، وقد علم أن الصفح الجميل أولى بهم، إلى أن يحكم السيف بينك وبينهم، وفي الآية (٢) أمر بالمخالقة بالخلق الحسن، وكان النبي ﷺ أحسن الناس خلقًا، وأرجح الناس حلمًا، وأعظم الناس عفوًا، وأسخى الناس كفًّا.
٨٧ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أعطيناك يا محمد سبع آيات تسمى بالمثاني، وهي الفاتحة، سميت بذلك لأنها تثنى وتكرر في كل ركعة من الصلاة، وهذا قول عمر وعليّ وابن مسعود وأبي هريرة، والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة، لما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أم القرآن السبع المثاني التي أعطيتها"، أو لأنها قسمت قسمين: ثناء ودعاء، وقد روي أن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"، وأعطيناك أيضًا ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾: وأكرمناك به، فهو معطوف على سبعًا من المثاني، ويكون من عطف العام على الخاص؛ لأن الفاتحة بعض من القرآن، وتخصيص الفاتحة بالذكر من بين القرآن الكريم لمزيد فضلها، على نحو ما جاء في قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، وقيل (٣): السبع المثاني هي السبع الطوال: البقرة وآل عمران والنساء
стр. 6527
والمائدة والأنعام والأعراف، والسابعة الأنفال والتوبة، لأنهما كسورة واحدة، إذ ليس بينهما تسمية، روي هذا القول عن ابن عباس، وقيل: المراد بالسبع المثاني السبعة الأحزاب، فإنها سبع صحائف، وعلى القول الأول وجه تسمية الفاتحة مثاني؛ لأنها تثنى؛ أي: تكرر في كل صلاة كما مرَّ، وعلى القول بأنها السبع الطوال فوجه التسمية: أن العبر والأحكام والحدود كررت فيها، وعلى القول بأنها السبعة الأحزاب يكون وجه التسمية هو تكرير ما في القرآن من القصص ونحوها، وقد ذهب إلى أن المراد بالسبع المثاني القرآن كله الضحاك وطاووس وأبو مالك وهو راوية عن ابن عباس، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته، ومما يقوي كون السبع المثاني هي الفاتحة أن هذه السورة مكية، وأكثر السبع الطوال مدنية، وظاهر قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ أنه قد تقدم إيتاء السبع على نزول هذه الآية.
٨٨ - ثم لما بين الله سبحانه لرسوله ﷺ ما أنعم به عليه من هذه النعمة الدِّينية .. نفره عن اللذات العاجلة الزائلة فقال: ﴿لَا تَمُدَّن عَينَيكَ﴾؛ أي: نظر عينيك، ولا تطمح ببصرك طموح راغب، ولا تدم نظرك ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا﴾؛ أي: إلى ما أعطينا به ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: رجالًا ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي الكفرة من متاع الدنيا وزخارفها، فإن ما في الدنيا بالنسبة إلى ما أعطيت مستحقر؛ أي (١): لا تتمنين أيها الرسول ما جعلنا من زينة الدنيا متاعًا للأغنياء من اليهود والنصارى والمشركين، فإن من وراء ذلك عقابًا غليظًا، والخطاب وإن كان موجَّهًا إلى النبي ﷺ ، فهو تعليم لأمته كما تقدم مثله، يؤيد هذا ما سبق في أسباب نزول الآية، وإن كان ضعيفًا، من أنه أتت من بصرى وأذرعات سبع قوافل لقريظة والنضير إلخ، وخلاصة ذلك لقد أوتيت النعمة العظمى، التي إذا قيست بها كل النعم كانت حقيرةً، فقد أوتيت سبع آيات هي خير من السبع القوافل، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الكفرة؛ أي: لا تحزن ولا تتأسف لأجل عدم إيمانهم حيث (٢) لم يؤمنوا، ولم ينتظموا في سلك أتباعك، ليتقوى بهم ضعفاء المسلمين؛ لأن تَقْدُيري عليهم الكُفْرُ، وقد كان ﷺ يود أن
стр. 6528
يؤمن به كل من بعث إليه، ويتمنى لمزيد شفقته عدم إصرار الكفار على كفرهم، وبعد أن نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، أمره بالتواضع لفقراء المسلمين فقال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾؛ أي: ألن جانبك وحالك ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وتواضع لمن معك من المؤمنين وارفق بهم، ولا تجف بهم، ولا تغلظ عليهم (١)، مستعار من خفض الطائر جناحه، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقوله في صفة أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
٨٩ - ثم بين وظيفة الرسول ﷺ فقال: ﴿وَقُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: المنذر لقومه ما يصيبهم من عذاب الله، إن لم يؤمنوا؛ أي (٢): أنا النذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تماديهم في غيهم، كما حل بمن تقدم من الأمم المكذبة لرسلها، فانتقم الله منهم لإنزال العذاب بهم.
وفي "الصحيحين": عن أبي موسى الأشعري إن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق"،
٩٠ - وقوله: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾ هو (٣) من قول الله تعالى، لا من قول الرسول ﷺ ، متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ لأنه بمعنى أنزلنا؛ أي: أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، إنزالًا مماثلًا لإنزال الكتابين التوراة والإنجيل، على اليهود والنصارى المقتسمين؛ أي:
٩١ - ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ﴾ المنزل عليك يا محمد ﴿عِضِينَ﴾؛ أي: أجزاء؛ أي: الذين اقتسموا القرآن وجزؤوه وجعلوه أجزاءً، فآمنوا ببعضه الذي وافق كتابيهما، وكفروا بعضه وهو ما خالفهما، أخرج هذا المعنى البخاري وسعيد بن منصور
стр. 6529
والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس من عدة طرق، والموصول (١) مع صلته صفة مبينة لكيفية اقتسامهم؛ أي: قسموا القرآن إلى حق وباطل، حيث قالوا عنادًا وعدوانًا: بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما، والغرض بيان المماثلة بين الإتيانين لا بين متعلقيهما، كما في الصلاة الإبراهيمية، فإن التشبيه فيها ليس لكون رحمة الله الفائضة على إبراهيم وآله أتم وأكمل مما فاض على محمد ﷺ ، وإنما ذلك للتقدم في الوجود، فليس في التشبيه إشعارٌ بأفضلية المشبه به من المشبه، فضلًا عن إيهام أفضلية ما تعلق به الأول مما تعلق به الثاني، فإنه ﷺ أوتي ما لم يؤت أحد قبله ولا بعده مثله.
وفي "القرطبي": واختلف في المقتسمين على أقوال سبعة (٢):
الأول: قال مقاتل والفراء: هم ستة عشر رجلًا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا أعقاب مكة وأنقابها وفجاجها، يقولون لمن سلكها لا تغتر بهذا الخارج فينا يدعي النبوة، فإنه مجنون، وربما قالوا ساحرٌ، وربما قالوا شاعرٌ، وربما قالوا كاهنٌ، وسموا المقتسمين لأنهم اقتسموا هذه الطرق، فأماتهم شر ميتةٍ، وكانوا نصبوا الوليد بن المغيرة حكمًا على باب المسجد، فإذا سألوه عن النبي ﷺ .. قال صدق أولئك.
الثاني: قال قتادة: هم قوم كفار من قريش اقتسموا كتاب الله فجعلوا بعضه شعرًا، وبعضه سحرًا، وبعضه كهانة، وبعضه أساطير الأولين.
الثالث: قال ابن عباس: هم أهل الكتاب آمنوا ببعضه وكفروا ببعضه،
الرابع: قال عكرمة: هم أهل الكتاب، وسموا مقتسمين لأنهم كانوا مستهزئين، فيقول بعضهم هذه السورة لي وهذه لك.
الخامس: قال قتادة: اقتسموا كتابهم ففرقوه وبدَّدوه.
السادس: قال زيد بن أسلم: المراد قوم صالح تقاسموا على قتله، فسموا مقتسمين، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾.
стр. 6530
السابع: قال الأخفش: هم قوم أقسموا أيمانًا تحالفوا عليها، وقيل إنهم العاص بن وائل، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وشيبة بن الحجاج، ذكره الماوردي بحروفه.
٩٢ - وبعد أن بين وظيفة الرسول، ذكر أن الحساب على الأعمال موكولٌ إلى الله سبحانه، لا إليه فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾؛ أي؛ فأقسمت لك يا محمد بربك الذي ربَّاك بالوحي ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾؛ أي (١): لنسألن أصناف الكفرة من المقتسمين وغيرهم، سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استعلام، بأن يقال لم فعلتم كذا وكذا، فلا يعارض قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾؛ أي: لا يسألون أي شيء فعلتم ليعلم ذلك من جهتهم؛ لأن المنفي في هذه الآية سؤال استعلام، لأن سؤال الاستعلام محال على الملك العلام، ويجوز أن يكون السؤال مجازًا من المجازاة، لأنه سببها؛ أي: فوربك لنسألن الكفرة ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يوم القيامة
٩٣ - ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ في الدنيا من قول وفعل وتركٍ، والمعنى (٢)؛ أي: فلنسألن الكفار جميعًا يوم القيامة، سؤال تأنيبٍ وتوبيخٍ لهم على ما كانوا يقولون ويفعلون فيما بعثناك به إليهم، وفيما دعوناهم إليه من الإقرار بي وبتوحيدي والبراءة من الأنداد والأوثان.
٩٤ - وبعد أن ذكر أن وظيفته التبليغ، شدد عليه في الجهر به جهد المستطاع فقال: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾؛ أي: فاجهر بإبلاغ ما أمرت بتبليغه من الشرائع وأظهره، وافرق بين الحق والباطل ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: وأعرض عن الاهتمام باستهزائهم، ولا تبال بهم، ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة وتبليغ الرسالة، ولا تخفهم، فإن الله كافيكهم وحافظك منهم، وهذا ليس بمنسوخ؛ لأن معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم،
٩٥ - ولمَّا (٣) كان هذا الصدع شديدًا عليه، لكثرة ما يلاقيه من أذى المشركين. ذكر أنه حارسه وكالئه منهم، فلا يخشى بأسهم فقال: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾؛ أي: إنا كفيناك يا محمد شر المستهزئين وضررهم، الذين يسخرون منك ومن القرآن، وهم طائفة من
стр. 6531
المشركين لهم قوةٌ وشوكةٌ، كانوا كثيري السفاهة والأذى لرسول الله ﷺ ، حين يرونه أو يمر بهم، أفناهم الله تعالى، وأبادهم وأزال كيدهم، وقد اختلف في عدتهم، فقوم يقولون: هم خمسة الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعديُّ بن قيس، والأسود بن عبد يغوث والأسود بن عبد المطلب، وقد ماتوا جميعًا بأهون الأسباب، فتعلق بثوب الوليد سهم فتكبر أن يبعده، فأصاب عرقًا في عقبه فمات، ومات العاص بشوكةٍ في أخمص قدمه، وأصاب عديَّ بن قيس مرضٌ في أنفه فمات، وأصيب الأسود بن عبد يغوث بداءٍ وهو قاعدٌ في أصل شجرةٍ، فجعل ينطح رأسه بالشجرة، ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، وعمي الأسود بن عبد المطلب. وقوم يقولون: هم سبعةٌ من أشراف قريش ومشركيها.
٩٦ - ثم وصف هؤلاء المستهزئين بالشرك فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: هم الذين اتخذوا مع الله إلهًا آخر، يعبدونه من دون الله تعالى، وفي وصفهم بهذا الوصف تسلية لرسوله ﷺ ، وتهوينٌ للخطب عليه، إذ أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء بمقام النبوة، بل تعدوا إلى الإشراك بربهم المدبر لأمورهم، والمحسن إليهم، ثم توعدهم على ما كانوا يصنعون فقال: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمرهم حين يحل بهم عذاب ربهم، يوم تجزى كل نفس بما عملت، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
٩٧ - وبعد أن سلّاه بكفاية شرهم ودفع مكرهم، ذكر تسلية أخرى فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ يا محمد ﴿بِمَا يَقُولُونَ﴾؛ أي: بما يقول المشركون من الأقوال الكفرية الاستهزائية، المتضمنة للطعن على رسول الله ﷺ بالسحر والجنون والكهانة والكذب، وقد كان يحصل ذلك مع رسول الله ﷺ بمقتضى الجبلية البشرية، والمزاج الإنساني،
٩٨ - ثم أمره (١) سبحانه بأن يفزع لكشف ما نابه من ضيق الصدر إلى تسبيح الله سبحانه وحمده فقال: ﴿فَسَبِّحْ﴾ يا محمد ونزه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به حالة كونك متلبسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي: متلبسًا
стр. 6532
بحمده وثنائه ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: المصلين، فإنك إذا فعلت ذلك .. كشف الله همك، وأذهب غمك، وشرح صدرك،
٩٩ - ثم أَمره بعبادة ربه؛ أي: بالدوام عليها بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ إلى غاية هي قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾؛ أي: الموت المتيقن، قال الزجاج: المعنى (١) اعبد ربك أبدًا؛ لأنه لو قيل اعبد ربك بغير توقيت .. لجاز إذا عبد الإنسان مرةً أن يكون مطيعًا، فإذا قال حتى يأتيك اليقين فقد أمره بالإقامة على العبادة أبدًا ما دام حيًّا، والمعنى (٢)؛ أي: إذا نزل بك الضيق ووجهت نفسك فافزع إلى ربك، ونزهه عما يقولون، حامدًا له على توفيقك للحق، وهدايتك إلى سبيل الرشاد، وصلِّ آناء الليل وأطراف النهار، فإن في مناجاة ربك ما يقربك إلى حضرة القدس، ويسمو نفسك إلى الملا الأعلى كما ورد في الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، ودم على ما أتت عليه، طالبًا المزيد من فضله، حتى يأتيك الموت، فهناك الجزاء بلا عملٍ، وهنا العمل ولا جزاء، وقصارى ذلك: أنه تعالى أرشده إلى كشف ما يجده في نفسه من الغم بفعل الطاعات، والإكثار من العبادات، وقد كان ﷺ إذا حزبه أمر واشتدَّ عليه خطب .. فزع إلى الصلاة، روى أحمد عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره " وفي هذه (٣) دلالة على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على المرء ما دام ثابت العقل، روى البخاري عن ابن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع .. فقاعدًا، فإن لم تستطع .. فعلى جنب"، اللهم وفقنا لطاعتك، واهدنا لعبادتك، واجعلنا من المتقين الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
الإعراب
﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾.
стр. 6533
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فخرجوا من عند إبراهيم، وسافروا من قريته إلى قرية لوط، فلما دخلوا قريته، وجاءوا إليه .. قال لوط، ﴿لمَّا﴾: حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿لُوطٍ﴾، والجملة جواب ﴿لمَّا﴾، وجملة ﴿لمَّا﴾ معطوفة على ذلك المحذوف، ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، ﴿مُنْكَرُونَ﴾: صفة ﴿قَوْمٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَضَيْنَا﴾ مقولٌ محكي، وإن شئت قلت: ﴿بَلْ﴾: حرف ابتداء وإضراب عن محذوف، إضرابًا إبطاليًّا تقديره: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، ﴿جِئْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿فِيهِ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَمْتَرُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير ﴿فِيهِ﴾.
﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾.
﴿وَأَتَيْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿أَتَيْنَاكَ﴾، تقديره: حالة كوننا متلبسين بالحق، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، واللام حرف ابتداء، والجملة الاسمية في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿أتيناك﴾. ﴿فَأَسْرِ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿أسر﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة في محل النصب معطوفة على قوله ﴿وَأَتَيْنَاكَ﴾. ﴿بِأَهْلِكَ﴾: جار ومجرور، حال
стр. 6534
من فاعل ﴿أسْر﴾؛ أي: فأسر حالة كونك متلبسًا بأهلك، ﴿بِقِطْعٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أسر﴾ و ﴿الباء﴾ بمعنى في؛ أي: في قطعٍ، ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿قطع﴾، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَسْرِ﴾، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من ﴿أَحَدٌ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿أَحَدٌ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَسْرِ﴾، ﴿وَامْضُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿فَأَسْرِ﴾. ﴿حَيْثُ﴾: في محل النصب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿امْضُوا﴾ ﴿تُؤْمَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾.
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾.
﴿وَقَضَيْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿قَضَيْنَا﴾ ﴿ذَلِكَ﴾: مفعول، ﴿الْأَمْرَ﴾: بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان منه، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾: اسمها ومضاف إليه، ﴿مَقْطُوعٌ﴾: خبر ﴿أَنَّ﴾ ﴿مُصْبِحِينَ﴾: حال من الضمير المستتر في ﴿مَقْطُوعٌ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على البدلية من اسم الإشارة، أو من الأمر، تقديره: وقضينا إليه ذلك الأمر قطع دابر هؤلاء مصبحين، أو مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وقضينا إليه ذلك الأمر بقطع دابر هؤلاء ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ في محل النصب حال من ﴿أهْلُ الْمَدِينَةِ﴾.
﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة مستأنفة، ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ ناصب واسمه، ﴿ضَيْفِي﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَفْضَحُونِ﴾: فعل مضارع
стр. 6535
مجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل و ﴿النون﴾: نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة على قراءة الجمهور اجتزاءً عنها بكسرة النون مبني على السكون، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِن﴾. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: جازم وفعل وفاعل، ونون وقاية ومفعول محذوف على قراءة الجمهور، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ كونها مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم نقدم لك ولم ننهك، ﴿لَمْ نَنْهَكَ﴾: جازم وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على قوم لوط ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على لوط، والجملة مستأنفة ﴿هَؤُلَاءِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: جازم وفعل ناقص واسمه وخبره، والجملة فعل شرط لـ ﴿إن﴾، والجواب محذوف تقديره: إن كنتم فاعلين قضاء الشهوة فيما أحل الله .. فتزوجوا بناتي، والجملة الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَعَمْرُكَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿عمرك﴾: مبتدأ ومضاف إليه، والخبر محذوف وجوبا لسد جواب القسم مسده والتقدير: لعمرك قسمي، وجملة القسم مستأنفة، ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿لَفِي﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿فِي سَكْرَتِهِمْ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ في محل النصب حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور.
стр. 6536
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت استمرارهم في غوايتهم، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول: أخذتهم الصيحة ﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، ﴿مُشْرِقِينَ﴾: حال من ضمير المفعول، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿فَجَعَلْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿جعلنا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَالِيَهَا﴾: مفعول أول، ﴿سَافِلَهَا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾. ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جعلنا﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به ﴿حِجَارَةً﴾: مفعول به، ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: صفة لـ ﴿حِجَارَةً﴾.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: صفة لآيات، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَإِنَّهَا﴾: ناصب واسمه ﴿لَبِسَبِيلٍ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء؛ ﴿بِسَبِيلٍ﴾: جار ومجرور خبره، ﴿مُقِيمٍ﴾: صفة ﴿سبيل﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: صفة ﴿لَآيَةً﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن ﴿كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، ﴿لَظَالِمِينَ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة مستأنفة.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)
стр. 6537
وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾.
﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت كونهم ظالمين، وأردت بيان عاقبة أمرهم .. فأقول لك انتقمنا، ﴿انتقمنا﴾ فعل وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَإِنَّهُمَا﴾: ناصب واسمه ﴿لَبِإِمَامٍ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿بإمام﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾ ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿إمام﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿انْتَقَمْنَا﴾ على كونهم مقولًا لجواب إذا المقدرة، ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: مفعول به، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾: فعل وفاعل ومفعولان؛ لأن آتى بمعنى أعطى، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿فَكَانُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿كانوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿عَنْهَا﴾: متعلق بما بعده، ﴿مُعْرِضِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿آتيناهم﴾.
﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾.
﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَنْحِتُونَ﴾ خبره، ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾: حال مقدرة من ﴿بُيُوتًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول، ﴿آمِنِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يَنْحِتُونَ﴾ وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حالهم وظلمهم، وأردت بيان عاقبتهم .. فأقول لك ﴿أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، ﴿مُصْبِحِينَ﴾: حال من ضمير المفعول، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة، ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿ما﴾: نافية ﴿أَغْنَى﴾: فعل ماض، ﴿عَنْهُمْ﴾ متعلق به، ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو موصوفة في محل الرفع فاعل،
стр. 6538
والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ ﴿كاَنُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَكْسِبُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يكسبونه.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾ نافية، ﴿خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، والجملة مستأنفة ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا خلقًا متلبسًا بالحق.
﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾.
﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ ناصب واسمه وخبره، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، والجملة مستأنفة، ﴿فَاصْفَحِ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أن الساعة آتية، وأن الله ينتقم من أعدائك .. فأقول لك اصفح، ﴿اصْفَحِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿الصَّفْحَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿الْجَمِيلَ﴾: صفة لـ ﴿الصَّفْحَ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿الْخَلَّاقُ﴾. خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الْعَلِيمُ﴾ صفة له، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة جواب للقسم
стр. 6539
المحذوف، وجملة القسم المحذوف مستأنفة، ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾: صفة لـ ﴿سَبْعًا﴾، ﴿وَالْقُرْآنَ﴾: معطوف على ﴿سَبْعًا﴾، ﴿الْعَظِيمَ﴾: صفة ﴿القرآن﴾، ﴿لَا تَمُدَّنَّ﴾ ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَمُدَّنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لَا﴾ مبني على الفتح، والنون نون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿عَيْنَيْكَ﴾: مفعول به، ﴿إِلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَمُدَّنَّ﴾، ﴿مَتَّعْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾: متعلق به، ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول به ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾، وجملة ﴿مَتَّعْنَا﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾: جازم وفعل مجزوم، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿لَا تَمُدَّنَّ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿وَاخْفِضْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على محمد، ﴿جَنَاحَكَ﴾: مفعول به، ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿اخْفِضْ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة النهي.
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.
﴿وَقُلْ﴾: فعل أمر معطوف على ﴿اخْفِضْ﴾، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: مقولٌ محكيٌّ، وإن شئت قلت: ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه، ﴿أَنَا﴾: ضمير فصل، أو تأكيد لياء المتكلم، ﴿النَّذِيرُ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفةٌ له، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قل﴾ ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: صفة لمصدر محذوف معمول لآتيناك سبعًا من المثاني؛ لأنه بمعنى أنزلنا، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صفةٌ لمصدر محذوف، تقديره: ولقد أنزلنا عليك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم إنزالًا مثل إنزالنا على المقتسمين، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾. ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ ﴿الفاء﴾: استثنائية، ﴿وربك﴾ جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف، تقديره: أقسم بربك يا محمد، وجملة القسم مستأنفة، ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿نسألنهم﴾: فعل ومفعول أول، ونون
стр. 6540
توكيد، وفاعله ضمير يعود على الربِّ، ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لضمير المفعول، والجملة الفعلية جواب القسم. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَسْأَلَنَّ﴾ وهو في محل المفعول الثاني، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفةٌ لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: عمّا كانوا يعملونه.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾:
﴿فَاصْدَعْ﴾ الفاء فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك. اصدع بما تؤمر، ﴿اصدع﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمدٍ، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿تُؤْمَرُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على محمد، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: بما تؤمر به، ﴿وَأَعْرِضْ﴾: فعل أمر معطوف على اصدع، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: متعلق به، ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه، ﴿كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: صفة للمستهزئين، ﴿يَجْعَلُونَ﴾ فعل وفاعل، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لجعل، ﴿إِلَهًا﴾: مفعول أول، ﴿آخَرَ﴾: صفة له، والجملة صلة الموصول، ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿سوف﴾: حرف استقبال وتنفيس، ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف، تقديره: فسوف يعلمون عاقبة أمرهم، والجملة مستأنفة، ويحتمل كون ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والفاء رابطة الخبر بالمبتدأ لما في المبتدأ من
стр. 6541
معنى الشرط، ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿نَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة جواب القسم المحذوف، ﴿أَنَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَضِيقُ﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما يقولونه.
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.
﴿فَسَبِّحْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك ... فأقول لك سبح بحمد وبك، ﴿سبح﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿سبح﴾ تقديره: حالة كونك متلبسًا بحمد ربك، والجملة الفعلية في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدرة، ﴿وَكُنْ﴾ فعل أمر ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود على محمد، ﴿مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: خبر ﴿كُنْ﴾، وجملة ﴿كُنْ﴾ في محل النصب معطوف على ﴿سبح﴾ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على جملة ﴿سبح﴾، ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، والتقدير: وأعبد ربك إلى إتيان اليقين، الجار والمجرور معلق بـ ﴿اعْبُدْ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: اذهب بهم ليلًا، والقطع من الليل الطائفة منه، كما قال:
افتحي البَابَ وانظُري في النُّجُوم ... كم علينا مِن قِطْعِ لَيلٍ بَهِيمِ
﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾؛ أي: كن على أثرهم لتسرع بهم، وتطلع على أحوالهم،
стр. 6542
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أوحينا ﴿دَابِرَ﴾ آخر ﴿مَقْطُوعٌ﴾؛ أي: مهلك مستأصل، ﴿أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ والمدينة هي سذوم على وزن فعول - بالذال المعجمة - مدينة قوم لوط، والاستبشار إظهار السرور، والفضيحة إظهار ما يوجب العار، يقال: فضحه كمنعه يمنعه فضيحة وفضحًا إذا كشف مساويه، وأظهر من أمره ما يلزمه العار بسببه، وفي "المختار": فضحه فافتضح كشف مساويه، وبابه قطع، والاسم الفضيحة والفضوح أيضًا بضمتين اهـ. ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾؛ أي: لا تذلون، من الخزي وهو الهوان، أو ولا تخجلون فيهم، من الخزاية وهي الحياء اهـ "بيضاوي".
﴿لعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ والعمر والعمر بالفتح والضم الحياة، وإذا أريد به القسم تفتح عينه، وقيل والعمر بالفتح لغة في العمر بضمتين، فهما بمعنى واحد، وهو مدة عيش الإنسان؛ أي: مدة حياته في الدنيا، لكن لم يرد القسم في كلام العرب إلا بالضبط الأول؛ أي: فتح اللام وفتح العين المهملة اهـ شيخنا، وفي "السمين": لعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا، و ﴿إِنَّهُمْ﴾ وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي أو يميني إنهم ... إلخ، والعمر بالفتح والضم هو البقاء، إلا إنهم التزموا الفتح في القسم، قال الزجاج: لأنه أخف عليهم، وهم يكثرون القسم بعمرك، وفي "الدر المنثور" وعمرك بفتح العين وسكون الميم لغة في العمر بضمهما، وهو اسم لمدة عمارة بدن الإنسان بالحياة والروح.
﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: في غوايتهم وضلالهم يتحيرون، ويقال عمه يعمه من باب تعب، إذا تحير، كما في "المختار".
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ والصيحة الصاعقة، وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة، أخرجه ابن المنذر عن ابن جرير، ﴿مُشْرِقِينَ﴾؛ أي: داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس وطلوعه، و ﴿السجيل﴾ الطين المتحجر، وهو معرب لا عربيٌّ في المشهور، وفي "القاموس": السجيل كسكيت حجارة كالمدر معرب. سَنْكِ وكل اهـ. ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾؛ أي: للمتفكرين، يقال توسمت في فلان كذا؛ أي:
стр. 6543
عرفت وسمه فيه؛ أي: أثره وعلامته، وتوسم الشيء تحيره وتفرسه، وفي "السَّمين" قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ من التوسم تفعل من الوسم، والوسم أصله التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البقر أو غيره، وقال ثعلب: الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك، وفيه معنى التثبت، وقيل: أصله استقصار التعرف، تقول توسمت؛ أي: تعرفت مستقصيًا وجوه التعرف، وقيل هو تفعل من الوسم وهو العلامة، ويقال توسمت في فلان خيرا إذا ظهرت لي منه علاماته، قال عبد الله بن رواحة يمدح النبي ﷺ :
إِنِّي تَوَسَّمْتُ فِيْكَ الخَيْرَ أَعْرِفُهُ ... وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي ثَابِتُ الْبَصَرِ
﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾؛ أي: لبطريق واضح معلم ليس بخفيّ ولا زائل الآثار، يسلكه الناس ويرون آثار القرى فيه "بيضاوي"، ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ والأيكة الغيضة، وهي الشجر الملتف بعضه على بعض، وقد كانت في مكان كثير الأشجار كثير الغبار، وكان عامة شجرهم المقل؛ أي: الدوم، وفي "المختار": الأيك الشجر الكثير الملتف، الواحدة أيكة مثل تمر وتمرة، فمن قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ فهي الغيضة، ومن قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ فهي اسم القرية، وقيل هما مثل مكة وبكَّة، ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: لبطريق واضح، وأصل الإِمام ما يؤتم سمي به الطريق لأنه يؤتم ويتبع؛ أي: لأن المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده اهـ "خازن"، و ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ هم ثمود، والحجر واد بين المدينة والشام كانوا يسكنونه، وآثاره باقية يمر عليها ركب الشام في ذهابه إلى الحجاز، ويسمى كل مكان أحيط بالحجارة حجرًا، ومنه حجر الكعبة المشرفة.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ هي الناقة، وفيها آيات كثيرة: كعظم خلقها، وكثرة لبنها، وكثرة شربها كما مر، ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾؛ أي: يخرقون فيها بيوتًا بالمعاويل، حتى تصير مساكن من غير بنيان يسكنونها زمن الشتاء، والنحت في كلام العرب البري والنجر، يقال تحته ينحته بالكسر نحتًا - من باب ضرب - إذا براه ونقبه، والجبال جمع جبل، قال في "القاموس": الجبل محركة كل وتد للأرض عظم وطال، فإن انفرد فأكمة، أو قنة ﴿بيُوُتًا﴾ جمع بيت، وهو اسم مبنى
стр. 6544
مسقف، مدخله من جانب واحد، بني للبيتوتة، سواء كان حيطانه أربعة أو ثلاثةٌ، والدار تطلق على العرصة المجردة، بلا ملاحظة البناء معها ذكره في "روح البيان".
و ﴿الصَّفْحَ﴾ ترك التثريب واللوم، والصفح الجميل ما خلا من العتب ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ جمع مثنى من التثنة، وهو التكرير والإعادة، ﴿لَا تَمُدَّنَّ﴾ يقال مد عينيه إلى مال فلان: اشتهاه وتمناه، ﴿أَزْوَاجًا﴾ جمع زوج، وهو الصنف، وخفض الجناح يراد به التواضع واللين، وأصل ذلك أن الطائر إذا أراد أن يضم فرخه إليه .. بسط جناحه، والجناحان من الإنسان جانباه، و (﴿النَّذِيرُ﴾ المخوف بعذاب الله من لا يؤمن به.
﴿عِضِينَ﴾؛ أي: أجزاء، واحدها عضةٌ من عضيت الشاة، جعلتها أعضاء وأقسامًا، وفي "البيضاوي" عضين جمع عضة، وأصلها عضوة فعلة، من عضى الشاة إذا جعلها أعضاءً وأجزاء، فيكون المعنى على هذا: الذين جعلوا القرآن أجزاء متفرقة، بعضه شعرٌ وبعضه سحرٌ وبعضه كهانةٌ ونحو ذلك، وقيل هو مأخوذ من عضته إذا بهته، فالمحذوف منه الهاء لا الواو، وفي "المختار": قال الكسائيُّ: العضة الكذب والبهتان، وجمعها عضون، مثل عزة وعزون، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ قيل ونقصان الواو، وهو من عضوته؛ أي: فرقته؛ لأن المشركين فرقوا أقاويلهم فيه، فجعلوه كذبًا وسحرًا وكهانة وشعرًا، وقيل نقصانه الهاء، وأصله عضهةٌ؛ لأن العضة والعضين في لغة قريش السحر، يقولون للساحر عاضه، ومنه قول الشاعر:
أعُوْذُ بِرَبِّي مِنَ النَّافِثَا ... تِ في عُقَدِ الْعَاضِهِ الْعَضِهِ
وجمعت العضة على المعنيين جمع العقلاء، لما لحقها من الحذف، فجعلوا ذلك عوضًا عما لحقها من الحذف، ومما يؤيد أن معنى عضين التفريق قول رؤبة:
وَلَيسَ دِينُ الله بِالعِضِيْنِ
стр. 6545
أي: بالمفرق، ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾؛ أي: اجهر به، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا، ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾ أن ينقبض من الحسرة والحزن، ﴿السَّاجِدِينَ﴾ المصلين، ﴿الْيَقِينُ﴾ الموت، وسمي به لأنه أمر متيقن لا شك فيه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الكناية في قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لأنه كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف؛ لأن من يلتفت لا بد له من أدنى وقفةٍ.
ومنها: ترك الاستثناء هنا، حيث لم يقل: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، اكتفاءً بما قبله وهو قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ كنى به عن عذاب الاستئصال.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾، وجناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ﴾.
ومنها: إطلاق العام وإرادة الخاص في قوله: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾؛ لأن الجائي بعضهم لا كلهم.
ومنها: إطلاق الضيف على الملائكة بحسب اعتقاده ﵇ لكونهم في زيِّ الضيف في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ حيث استعار السكرة التي هي زوال العقل من الشراب لغوايتهم وضلالتهم، بجامع عدم التمييز بين الصواب والخطأ في كل منهما.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ حيث استعار الإِمام بمعنى
стр. 6546
المقتدى به للطريق الواضح، بجامع الاهتداء في كل منهما.
ومنها: إطلاق الجمع على المفرد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾؛ لأن المراد بها الناقة، تنزيلًا لها منزلة الجمع؛ لأن فيها آيات كثيرة وخوارق عديدة، كما مر في مبحث التفسير.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿آيَاتِنَا﴾.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حيث شبه إلانة الجانب بخفض الجناح، بجامع العطف والرقة في كلٍ، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وهذا من أبلغ الاستعارات، لأن الطائر إذ كف عن الطيران بجناحيه .. خفض جناحيه.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: من المصلين لما فيه من إطلاق البعض وإرادة الكل.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾؛ لأن العبادة عامة شاملة للتسبيح والسجود وغيرهما.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم بمعاني كتابه وأسرار تنزيله
* * *
стр. 6547
خلاصة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من الحكم والأحكام
١ - وصف القرآن الكريم.
٢ - الإعراض عن المشركين حتى يحل بهم ريب المنون.
٣ - استهزاء المشركين وإنكارهم لنبوة محمد ﷺ ، وتكذيبهم لما يرونه من الآيات.
٤ - إقامة الأدلة على وجود الله بما يرونه من الآيات في خلق السموات والأرض وفي الإنسان.
٥ - عصيان إبليس أمر ربه في السجود لآدم، وذكر الحوار بينه وبين ربه، وطلبه الإنظار إلى يوم الدين.
٦ - بيان حال أهل الجنة وأهل النار يوم القيامة.
٧ - قصص بعض الأنبياء، وذكر ما أهلك الله به كل أمة من الأمم المكذبة لرسلها.
٨ - بيان أن الحكمة في خلق السموات والأرض هي عبادة الله تعالى وحده، وإقامة العدل والنظام في المجتمع.
٩ - ذكر ما أنعم الله به على نبيه من السبع المثاني والقرآن العظيم.
١٠ - نهي نبيه والمؤمنين عن تمني زخرف الدنيا وزينتها.
١١ - أمره ﷺ بخفض الجناح والرفق بمن اتبعه من المؤمنين.
١٢ - التذكير بنعمة الله عليه بإهلاك أعدائه المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين.
١٣ - الأمر بالدعوة للدين جهرًا والصدع بها، وعدم المبالاة بالمشركين.
١٤ - أمره ﷺ بالتسبيح والعبادة إذا ضاق صدره باستهزاء المشركين والطعن فيه وفي كتابه الكريم (١).
стр. 6548
سورة النحل
سورة النحل مكية (١) إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة، فإنها نزلت بالمدينة في قتل حمزة ﵁ قاله ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه أنها مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وقال قتادة: هي مكية إلا خمس آيات، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخر السورة، زاد مقاتل قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية، وقيل: كان يقول لسورة النحل سورة النِّعم، لكثرة تعداد النعم فيها، وهي مئة وثمان وعشرون آية، وألفان وثمان مئة وأربعون كلمة، وسبعة آلاف وسبع مئة وسبعة أحرف.
والمقصود من هذه السورة (٢): الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم، فاعل بالاختيار، منزه عن شوائب النقص، وأدل ما فيها على هذا المعنى أمر النحلة لما ذكر من شأنها في دقة الفهم، من ترتيب بيوتها ورحبها وسائر أمرها، من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها، وجعله شفاءً، مع أكلها من الثمار النافعة والضارة، وغير ذلك من الأمور، ورسمها بالنعم واضح اهـ "خطيب".
المناسبة: ووجه المناسبة بين هذه السورة والسورة التي قبلها (٣): أنه لما قال في السورة السالفة: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ كان ذلك تنبيهًا إلى حشرهم يوم القيامة، وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا، فقيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا
стр. 6549
تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وأيضًا فإن قوله في آخرها: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ شدد الالتئام بقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال الإِمام أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: وجملة المنسوخ في هذه السورة خمس آيات:
أولاهن: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية (٦٧)، نسخت بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ الآية (٣٣) من سورة الأعراف، يعني الخمر، وقيل بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ الآية (٩١) أي: انتهوا.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ الآية (٨٢)، نسخت بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية (١٠٦)، نسخت بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية (١٠٦) من سورة النحل، وقيل بآية السيف.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ الآية (١٢٥).
والخامسة: قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ (١٢٨) نسخت كلتاهما بآية السيف، مع الاختلاف فيهما.
والله أعلم
* * *