المقتدى به للطريق الواضح، بجامع الاهتداء في كل منهما.
ومنها: إطلاق الجمع على المفرد في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾؛ لأن المراد بها الناقة، تنزيلًا لها منزلة الجمع؛ لأن فيها آيات كثيرة وخوارق عديدة، كما مر في مبحث التفسير.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿آيَاتِنَا﴾.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حيث شبه إلانة الجانب بخفض الجناح، بجامع العطف والرقة في كلٍ، واستعير اسم المشبه به للمشبه، وهذا من أبلغ الاستعارات، لأن الطائر إذ كف عن الطيران بجناحيه .. خفض جناحيه.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: من المصلين لما فيه من إطلاق البعض وإرادة الكل.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾؛ لأن العبادة عامة شاملة للتسبيح والسجود وغيرهما.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم بمعاني كتابه وأسرار تنزيله
* * *
стр. 6547
خلاصة ما اشتملت عليه السورة الكريمة من الحكم والأحكام
١ - وصف القرآن الكريم.
٢ - الإعراض عن المشركين حتى يحل بهم ريب المنون.
٣ - استهزاء المشركين وإنكارهم لنبوة محمد ﷺ ، وتكذيبهم لما يرونه من الآيات.
٤ - إقامة الأدلة على وجود الله بما يرونه من الآيات في خلق السموات والأرض وفي الإنسان.
٥ - عصيان إبليس أمر ربه في السجود لآدم، وذكر الحوار بينه وبين ربه، وطلبه الإنظار إلى يوم الدين.
٦ - بيان حال أهل الجنة وأهل النار يوم القيامة.
٧ - قصص بعض الأنبياء، وذكر ما أهلك الله به كل أمة من الأمم المكذبة لرسلها.
٨ - بيان أن الحكمة في خلق السموات والأرض هي عبادة الله تعالى وحده، وإقامة العدل والنظام في المجتمع.
٩ - ذكر ما أنعم الله به على نبيه من السبع المثاني والقرآن العظيم.
١٠ - نهي نبيه والمؤمنين عن تمني زخرف الدنيا وزينتها.
١١ - أمره ﷺ بخفض الجناح والرفق بمن اتبعه من المؤمنين.
١٢ - التذكير بنعمة الله عليه بإهلاك أعدائه المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين.
١٣ - الأمر بالدعوة للدين جهرًا والصدع بها، وعدم المبالاة بالمشركين.
١٤ - أمره ﷺ بالتسبيح والعبادة إذا ضاق صدره باستهزاء المشركين والطعن فيه وفي كتابه الكريم (١).
стр. 6548
سورة النحل
سورة النحل مكية (١) إلا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة، فإنها نزلت بالمدينة في قتل حمزة ﵁ قاله ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه أنها مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وقال قتادة: هي مكية إلا خمس آيات، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخر السورة، زاد مقاتل قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية، وقيل: كان يقول لسورة النحل سورة النِّعم، لكثرة تعداد النعم فيها، وهي مئة وثمان وعشرون آية، وألفان وثمان مئة وأربعون كلمة، وسبعة آلاف وسبع مئة وسبعة أحرف.
والمقصود من هذه السورة (٢): الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم، فاعل بالاختيار، منزه عن شوائب النقص، وأدل ما فيها على هذا المعنى أمر النحلة لما ذكر من شأنها في دقة الفهم، من ترتيب بيوتها ورحبها وسائر أمرها، من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها، وجعله شفاءً، مع أكلها من الثمار النافعة والضارة، وغير ذلك من الأمور، ورسمها بالنعم واضح اهـ "خطيب".
المناسبة: ووجه المناسبة بين هذه السورة والسورة التي قبلها (٣): أنه لما قال في السورة السالفة: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾ كان ذلك تنبيهًا إلى حشرهم يوم القيامة، وسؤالهم عما فعلوه في الدنيا، فقيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا
стр. 6549
تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وأيضًا فإن قوله في آخرها: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ شدد الالتئام بقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال الإِمام أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: وجملة المنسوخ في هذه السورة خمس آيات:
أولاهن: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية (٦٧)، نسخت بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ الآية (٣٣) من سورة الأعراف، يعني الخمر، وقيل بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ الآية (٩١) أي: انتهوا.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ الآية (٨٢)، نسخت بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ الآية (١٠٦)، نسخت بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية (١٠٦) من سورة النحل، وقيل بآية السيف.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾ الآية (١٢٥).
والخامسة: قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ﴾ (١٢٨) نسخت كلتاهما بآية السيف، مع الاختلاف فيهما.
والله أعلم
* * *
الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمَّا ذكر (١) أنه منزه عن الشريك والولد، وأنه لا إله إلا هو، وأمر بتقواه وإخلاص العبادة له .. ذكر هنا أدلة التوحيد، واتصاف ذاته الكريمة بصفات الجلال والإكرام بأسلوب بديع، جمع فيه بين دلالة المصنوع على الصانع والنعمة على المنعم، ونبّه بذلك إلى أن كل واحد من هذا كاف في صرف المشركين عمّا هم عليه من الشرك.
وكلما بصَّرهم طائفة مما يرون ويشاهدون .. بكتهم على ما يقولون ويفعلون، وبيَّن لهم كفرانهم نعمتي الرعاية والهداية، فاحتج على وجوده بخلق الأجرام الفلكية، ثم ثنى بذكر أحوال الإنسان، ثم ثلث بذكر أحوال الحيوان، ثم ربع بذكر أحوال النبات، ثم اختتم القول بذكر أحوال العناصر الأربعة.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أنه تعالى لما امتن بإيجادهم بعد العدم وإيجاد ما ينتفعون به من الأنعام وغيرها من الركوب. ذكر ما امتن به عليهم من إنزال الماء الذي هو قوام حياتهم وحياة الحيوان، وما يتولد عنه من أقواتهم وأقواتها من الزرع، وما عطف عليه فذكر منها الأغلب، ثم عمم بقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ثم أتبع ذلك بخلق الليل الذي هو سكن لهم، والنهار الذي هو معاشٌ، ثم بالنيرين الذين جعلهما الله تعالى مؤثرين بإرادته في إصلاح ما يحتاجون إليه، ثم بما ذرأ في الأرض.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمَّا ذكر الاستدلال بما ذرأ في الأرض .. ذكر ما امتن به من تسخير البحر، ومعنى تسخيره كونه يتمكن الناس من الانتفاع به، للركوب في المصالح، وللغوص في استخراج ما فيه، وللاصطياد لما فيه.
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر الدلائل (٣) على
стр. 6552
وجود الإله القادر الحكيم على أحسن ترتيب وأكمل نظام، وكان في ذلك تفصيل وإيضاح لأنواع النعم، ووجوه الإحسان، وأردف ذلك بتبكيت الكفار، وإبطال شركهم وعبادتهم غير الله من الأصنام والأوثان، لما يلزم ذلك من المشابهة بينه تعالى وبينها، ثم أردف ذلك بيان أن لهذا الخالق نعمًا لا تحصى على عباده، وأنهم مهما بالغوا في الشكر واجتهدوا في العبادة .. فليسوا ببالغين شيئًا مما يجب عليهم نحوه، ولكنه يستر عليهم ما فرط من كفرانها، ويرحمهم بفيض النعم عليهم، مع عدم استحقاقهم لها، ثم أعقب هذا بذكر خواص الألوهية، وهي علم السر والنجوى والخلق، وهذه الأصنام ليس لها شيء من ذلك فهي مخلوقة لا خالقة، ولا شعور لها بحشر ولا نشر، ومن هذا كله يعلم أن الإله واحد لا شريك له، ثم ذكر الأسباب الداعية إلى الإشراك، وهي تحجر القلوب وإنكار التوحيد، فهي لا ترغب في الثواب ولا ترهب العقاب، وتستكبر عن عبادة الواحد الديان، لا جرم بقيت مصرة على ما كانت عليه من الجهل والضلال.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ .. قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد اقتربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعلمون حتى ننظر، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء .. قالوا ما نرى شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ فأشفقوا، وارتقبوا قرب الساعة، فلما امتدت الأيام .. قالوا: يا محمد ما نرى شيئًا مما تخوفنا به، فأنزل الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ فوثب رسول الله ﷺ ، ورفع الناس رؤوسهم، ونزل: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنوا، قاله ابن عباس ﵄.
وأخرج (٢) ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. ذعر
стр. 6553
أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى نزلت ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فسكتوا، وأخرج عبد الله بن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر ابن أبي حفص قال: لما نزلت ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ .. قاموا، فنزلت ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي (١): دنا واقترب ما وعدتم به أيها الكفرة؛ أي: أتى العذاب الموعود لكم أيها الكفرة ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، أي: أمر الله ووقوعه، إذ لا خير لكم فيه، ولا خلاص لكم منه، واستعجالهم وإن كان بطريق الاستهزاء، لكنه حمل على الحقيقة، ونهوا عنه بضرب من التهكم.
الاستعجال طلب الشيء قبل حينه، وقيل أمر الله يوم القيامة، وعبَّر بالماضي عن المضارع لقرب وقوعه وتحققه، والحاصل (٢) أن النبي ﷺ لما أكثر من تهديدهم بعذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولم يروا شيئًا .. نسبوه إلى الكذب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: قد حصل حكم الله بنزول العذاب من الأزل إلى الأبد، وإنما لم يحصل المحكوم به؛ لأنه تعالى خصص حصوله بوقت معين. ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ أي: فلا تطلبوا حصوله قبل حضور ذلك الوقت، ولما قالت الكفرة: إنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله، من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا، إما في الدنيا، وإما في الآخرة إلا أنَّا نعبد هذه الأصنام، فإنها شفعاؤنا عند الله، فهي تشفع لنا عنده، فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به، بسبب شفاعة هذه الأصنام، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا له وتقديسًا عن الصاحبة والولد ﴿وَتَعَالَى﴾؛ أي: تبرأ وترفع ﴿عمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عن إشراكهم به غيره، أو عما يشركون به تعالى من الأصنام والأوثان، فنزه الله تعالى نفسه عن شركة الشركاء، وأن يكون لأحد أن يشفع عنده إلا بإذنه، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿أَتَى﴾ بالإمالة ذكره في "زاد المسير".
стр. 6554
وقرأ الجمهور: ﴿تَسْتَعْجِلُوهُ﴾: بالتاء على الخطاب، وهو خطاب للمؤمنين، أو خطاب للكفار على معنى قل لهم: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾، وقر ابن جبير: بالياء نهيًا للكفار، والظاهر عود الضمير في: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ على الأمر؛ لأنه هو المحدث عنه، وقيل يعود على الله؛ أي: فلا تستعجلوا الله بالعذاب، أو بإتيان يوم القيامة، كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿تُشْرِكون﴾ بتاء الخطاب، وباقي السبعة والأعرج وأبو جعفر وابن وضاح وأبو رجاء والحسن: بالياء على الغيبة، وقرأ عيسى الأولى بالتاء من فوق، والثانية بالياء من تحت، وبالتاء من فوق معًا الأعمش وأبو العالية وطلحة وأبو عبد الرحمن وابن وثاب والجحدري.
وعبارة "المراغي" هنا: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ أي: قرب عذاب المشركين وهلاكهم، أما إتيانه بالفعل وتحققه فمنوط بحكم الله النافذ، وقضائه الغالب على كل شيء، فهو يأتي في الحين الذي قدره وقضاه، ونظم سبحانه المتوقع في صورة المحقق، إيذانًا بأنه واجب الوقوع، والشيء إذا كان بهذه المثابة يسوغ في عرف التخاطب أن يعد واقعًا، ومعنى قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لا تطلبوا حصوله قبل حضور الوقت المقدر في علمه تعالى.
وفي هذا (١): تهديد من الله لأهل الكفر به وبرسوله، وإعلامٌ منه لهم بقرب عذابهم وهلاكهم الذي لا بد منه، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: تبرأ الله تعالى عن الشريك والشفيع الذي يدفع الضر عنكم، وفي هذا رد لمقالهم حين قالوا: لئن حكم الله علينا بإنزال العذاب في الدنيا أو في الآخرة .. لتشفعن لنا هذه الأصنام التي نعبدها من دونه.
وخلاصة هذا: أن تلك الجمادات الخسيسة التي جعلتموها شركاء لله وعبدتموها هي أحقر الموجودات، وأضعف المخلوقات، فكيف تجعلونها شريكةً لله في التدبير والشفاعة في الأرض والسموات.
стр. 6555
٢ - ولمَّا (١) أخبرهم - أعني الكفار - رسول الله ﷺ عن أمر الله تعالى أنه قد قرب، ونهاهم عن الاستعجال .. ترددوا في الطريق التي علم بها رسول الله ﷺ بذلك، فأخبر أنه علم به بالوحي على ألسن رسل الله تعالى من ملائكته، فقال: ﴿يُنَزِّلُ﴾ الله ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي (٢): جبريل لأن الواحد يسمى باسم الجمع إذا كان رئيسًا تعظيمًا لشأنه ورفعًا لقدره، أو هو ومن معه من حفظة الوحي؛ لأنه قد ينزل بالوحي مع غيره حالة كونهم متلبسين ﴿بِالرُّوحِ﴾؛ أي: بالوحي الذي من جملته القرآن، على طريق الاستعارة، فإنه يحيي القلوب الميتة بالجهل، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، وقال بعضهم الباء بمعنى مع؛ أي: ينزل الملائكة مع جبريل، وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ بيان للروح الذي أريد به الوحي؛ أي: حالة كون الروح والوحي من أمره وحكمه وشرعه، أو هو متعلق بينزل، و ﴿مَنْ﴾ بمعنى الباء السببية؛ أي: بسبب أمره، وأجل إرادته؛ أي: ينزل الملائكة بالوحي من أمره ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي: على من يصطفيه من عباده للنبوة والرسالة وتبليغ الوحي إلى الخلق، وقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ بدل من الروح؛ أي: ينزل الله ملائكته بالوحي من أمره على من يريد من عباده المصطفين الأخيار حالة كونهم متلبسين بأنهم أنذروا؛ أي: بأن قولوا يا ملائكتي للأنبياء: أعلموا الناس أيها الأنبياء ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: الشأن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ الواحد القهار الملك الجبار ﴿فَاتَّقُونِ﴾؛ أي: فخافوا أيها الناس عقابي بالإتيان بعبادتي، والمخاطبون بالإنذار الأنبياء الذين نزلت عليهم الملائكة، والآمر هو الله تعالى، والملائكة نقلة للأمر، والإنذار التخويف من المحذور.
وتقدير هذا الكلام: (٣) أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده، ويأمر الله ذلك العبد الذي نزلت عليه الملائكة بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد، كلفهم بمعرفة التوحيد وبالعبادة له، وبين أنهم إن فعلوا .. فازوا بخيري الدنيا والآخرة، وإن تمردوا .. وقعوا في شر الدنيا والآخرة، فبهذا
стр. 6556
الطريق صار ذلك العبد مخصوصًا بهذه المعارف من دون سائر الخلق، فقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ إشارة إلى الأحكام الأصولية، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ إشارة إلى الأحكام الفرعية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (١): ﴿يُنَزِّلُ﴾ بإسكان النون وتخفيف الزاي، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿يُنَزِّلُ﴾ بالتشديد، وقرأ زيد بن علي والأعمش وأبو بكر: ﴿تُنَزَّلُ﴾ مشددًا مبنيًّا للمفعول ﴿المَلائِكَةُ﴾، وقرأ الجحدري كذلك إلا أنه خفَّف، وقرأ الحسن وأبو العالية والأعرج والمفضَّل عن عاصم ويعقوب: ﴿تَنَزَّلُ﴾ بفتح التاء مشددًا مبنيًّا للفاعل، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿نُنزِّلُ﴾ بنون العظمة والتشديد، وقتادة بالنون والتخفيف، قال ابن عطية: وفيهما شذوذ كثير. انتهى.
وشذوذهما أن ما قبله وبما بعده ضمير غيبة، ووجه بأنه التفات. وقرىء ﴿ليُنْذرُوا أنَّه﴾ وقرأ يعقوب ﴿فاتَّقُوني﴾ بالياء، ذكره "النسفيُّ"، وفي الآية إيماء (٢) إلى أن الوحى من الله إلى أنبيائه لا يكون إلا بواسطة الملائكة، ويؤيد ذلك قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ فقد بدأ بذكر الملائكة؛ لأنهم الذين يتلقون الوحي من الله بلا وساطة، وذلك الوحي هو الكتب، وهم يوصلون هذا الوحي إلى الأنبياء، لا جرم جاء الترتيب على هذا الوضع.
٣ - ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: خلق وأنشأ وأوجد العالم العلوي، وهو السموات، والعالم السفلي، وهو الأرض بما حوت على غير مثال سابق؛ أي: خلق الأجرام العلوية والآثار السفلية خلقًا متلبِّسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمة والمصلحة على نهج تقتضيه الحكمة، ولم يخلقهما عبثًا منفردًا بخلقهما لم يشركه في إنشائهما وإحداثهما شريك، ولم يعنه على ذلك معين ﴿تَعَالَى﴾ الله سبحانه عن ذلك، إذ ليس في قدرة أحد سواه أن ينشىء السموات والأرض، فلا تليق العبادة إلا له، تقدس سبحانه ﴿عمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عن إشراكهم أو عن
стр. 6557
شركه الذي يجعلونه شريكًا له من الباطل الذي لا يبدىء ولا يعيد، فينبغي للسالك أن يوحد الله تعالى ذاتًا وصفةً وفعلًا، وقرأ الأعمش: ﴿فتعالى﴾ بزيادة فاء، ولما احتج (١) سبحانه بخلق السموات والأرض على حدوثهما .. قال بعده: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فالقائلون بقدم السموات والأرض، كأنهم أثبتوا لله شريكًا في القدم، فنزَّه تعالى نفسه عن ذلك، وبين أنه لا قديم إلا هو، فالمقصود من قوله أولًا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إبطال قول من يقول إن الأصنام تشفع للكفار في دفع عقاب الله عنهم، والمقصود ها هنا إبطال قول من يقول: أجسام السموات والأرض قديمة، فنزه الله نفسه عن أن يشاركه غيره في القدم، ويقال: قبل أن يخلق الأرض كان موضع الأرض كله ماء، فاجتمع الزبد في موضع الكعبة، فصارت ربوة حمراء كهيئة التل، وكان ذلك يوم الأحد، ثم ارتفع بخار الماء كهيئة الدخان حتى انتهى إلى موضع السماء، وما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة عام، كما بين المشرق والمغرب، فجعل الله درّةً خضراء فخلق منها السماء، فلما كان يوم الاثنين .. خلق الشمس والقمر والنجوم، ثم بسط الأرض من تحت الربوة ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمة والمصلحة، لا بالباطل والعبث، ونعم ما قيل:
إِنَّما الْكَوْنُ خَيَالٌ ... وَهْوَ حَقٌّ فِي الْحَقِيْقَهْ
٤ - ثم لما كان النوع الإنساني أشرف أنواع المخلوقات السفلية .. قدمه وخصه بالذكر، فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: بني آدم لا غير؛ لأن أبويهم لم يخلقا من النطفة، بل خلق آدم من التراب، وحواء من الضلع الأيسر منه، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ أي: من جماد يخرج من حيوان، وهو المني، فنقله أطوارًا إلى أن كملت صورته، ونفخ فيه الروح، وأخرجه من بطن أمه إلى هذه الدار، فعاش فيها ﴿فَإِذَا هُوَ﴾؛ أي: الإنسان بعد خلقه على هذه الصفة، وأتى بالفاء إشارة إلى سرعة نسيانهم ابتداء خلقهم ﴿خَصِيمٌ﴾؛ أي: بليغ الخصومة شديد الجدل، والمعنى: أنه كالمخاصم لله سبحانه في قدرته ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر الخصومة واضحها،
стр. 6558
وقيل يبين عن نفسه ما يخاصم به عن الباطل، الآية تدل: (١) على وصف الإنسان بالإفراط في الوقاحة والجهل والتمادي في كفران النعمة، قالوا: خلق الله تعالى جوهر الإنسان من تراب أولًا ثم من نطفة ثانيًا، وهم ما ازدادوا إلا تكبرًا، وما لهم والكبر بعد أن خلقوا من نطفة قذرة؟!
والمعنى: أي (٢) خلق الله الإنسان من نطفة؛ أي: من ماء مهين خلقًا عجيبًا في أطوار مختلفة، ثم أخرجه إلى ضياء الدنيا بعد ما تم خلقه، ونفخ فيه الروح، فغذاه ونماه ورزقه القوت، حتى إذا استقل ودرج نسي الذي خلقه خلقًا سويًّا من ماء مهين، بل خاصمه فقال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ وعبد ما لا يضر ولا ينفع ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥ ٥)﴾ وكان حقه والواجب عليه أن يطيع وينقاد لأمر الله، وأكثر ما ذكر الإنسان في القرآن في معرض الذم، أو مردفًا بالذم، ذكره أبو حيان في "البحر".
٥ - ولمَّا ذكر (٣) الله أنه خلق السموات والأرض، ثم أتبعه بذكر خلق الإنسان .. ذكر بعده ما ينتفع به في سائر ضروراته، ولمَّا كان أعظم ضرورات الإنسان الأكل واللباس اللذين يقوم بهما بدن الإنسان .. بدأ بذكر الحيوان المنتفع به في ذلك، وهو الأنعام فقال: ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾؛ أي: الإبل والبقر والغنم والمعز، جمع نعم، وهي الأجناس الأربعة، المسماة بالأزواج الثمانية، اعتبارًا للذكر والأنثى، فالخيل والبغال والحمير خارجة من الأنعام، وانتصابها بفعل مضمر يفسره قوله: ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾؛ أي: خلق الله الأنعام المذكورة لمنافعكم ومصالحكم يا بني آدم، وكذا سائر المخلوقات، فإنها خلقت لمصالح العباد ومنافعهم لا لها، يدل عليه قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وأمَّا الإنسان فقد خلق له تعالى كما قال: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ وقرىء: ﴿الأنعامُ﴾ بالرفع شاذًّا، كما ذكره
стр. 6559
أبو البقاء، حالة كون تلك الأنعام ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾؛ أي: ما يتدفأ به من البرودة ويستحسن من اللباس المتخذة من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ﴿و﴾ حالة كونها فيها ﴿منافع﴾ أخرى غير الدفء، من نسلها ودرها وركوبها، والحراثة بها وثمنها وأجرتها ﴿و﴾ حالة كونها ﴿منها﴾؛ أي: من لحومها وشحومها وأكبادها وكروشها وغير ذلك أصالةً، وغالبًا ﴿تَأْكُلُونَ﴾ يا بني آدم (١)، بخلاف القُبل والدبر والذَّكر والخصيتين والمرارة والمثانة ونخاع الصلب والعظم والدم فإنها حرام، وتقديم الظرف لرعاية الفاصلة، أو لأن الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم، وأما الأكل من غيرها من الطيور وصيد البر والبحر .. فعلى وجه التداوي، أو التفكه والتلذذ، فيكون القصر إضافيًّا بالنسبة إلى سائر الحيوانات، حتى لا ينتقض بمثل خبز ونحوه من المأكولات المعتادة.
وقرأ الزهري وأبو جعفر (٢): ﴿دِفْءٌ﴾ بضم الفاء وشدِّها وتنوينها، ووجهه أنه نقل الحركة من الهمزة إلى الفاء ثم حذفها ثم شدد الفاء إجراء للوصل مجرى الوقف، إذ يجوز تشديدها في الوقف، وقرأ زيد بن عليّ ﴿دفٌ﴾ بنقل الحركة وحذف الهمزة دون تشديد الفاء، وقال صاحب "اللوامح" قرأ ﴿دفٌ﴾ بضم الفاء من غير همزٍ، والفاء محركة بحركة الهمزة المحذوفة، ومنهم من يعوض من هذه الهمزة فيشدد الفاء، وهو أحد وجهي حمزة بن حبيب وقفًا.
وخص منفعة (٣) الأكل بالذِّكر مع دخولها تحت المنافع لأنها أعظمها، وقيل: خصها لأن الانتفاع بلحمها وشحمها تعدم عنده عينها، بخلاف غيره من المنافع التي فيها، وتقديم الظرف المؤذن بالاختصاص للإشارة إلى أن الأكل منها هو الأصل، وغيره نادر،
٦ - ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في هذه الأنعام مع ما فُصِّل من أنواع المنافع ﴿جَمَالٌ﴾؛ أي: زينةٌ في أعين الناظرين إليها ووجاهة عندهم ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾؛ أي: حين تردونها بالعشي من مسارحها إلى منازلها، التي تأوي إليها ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾؛ أي: وحين تخرجونها من مراحها إلى مسارحها بالغداة،
стр. 6560
وخصص هذين الوقتين بالذكر لأن الأفنية تتزين بها، ويتجاوب رغاؤها في الإبل، وثغاؤها في الشاة حين الذهاب والإياب.
فيعظم أربابها في أعين الناظرين إليها، وقدم المَرَاح على السَّرَاح مع تأخرها في الوجود لأن الجمال فيها أظهر، وجلب السرور فيها أكمل، ففيها حضور بعد غيبه، وإقبال بعد إدبار، على أحسن ما يكون، إذ تكون ملأى البطون حافلة الضروع.
وفي "الخازن" (١): فإن قلت: لِمَ قدمت الإراحة على التسريح؟
قلتُ: لأن الجمال في الإراحة، وهو رجوعها إلى البيوت أكثر منها وقت التسريح؛ لأن النعم تقبل من المرعى ملأى البطون، حافلة الضروع، فيفرح أهلها بها، بخلاف تسريحها إلى المرعى، فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع من اللبن، ثم تأخذ في التفرق والانتشار للرعي في البرية، فثبت بهذا البيان أن التجمل في الإراحة أكثر منه من التسريح، فوجب تقديمه، وقرأ عكرمة والضحاك والجحدري: ﴿حِيْنًا﴾ فيهما بالتنوين وفك الإضافة، وجعلوا الجملتين صفتين حذف منهما العائد، كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي﴾.
٧ - ﴿و﴾ هذه الأنعام ﴿تَحْمِلُ﴾ أيضًا ﴿أَثْقَالَكُمْ﴾؛ أي: أمتعتكم وأحمالكم، والمراد بها هنا الإبل خاصة، جمع ثقل بفتحتين وهو متاع المسافر ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ بعيدٍ غير بلدكم أيًّا ما كان، فيدخل فيه إخراج أهل مكة متاجرهم إلى اليمن ومصر والشام ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾؛ أي: بالغي ذلك البلد الذي تقصدونه؛ أي: واصلين إليه بأنفسكم مجردين عن الأثقال لولا الإبل؛ لو لم تخلق الإبل فرضًا، والاستثناء في قوله (٢): ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾؛ أي: إلا بتعب الأنفس، فضلًا عن استصحابها معكم؛ أي: عن أن تحملوها على ظهوركم إليه مفرغ من أعم الأشياء؛ أي: لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بكلفةٍ ومشقةٍ وجهدٍ شديدٍ وعناءٍ وتعبٍ، والشقُّ نصف الشيء، والمعنى على هذا: لم تكونوا بالغيه إلا
стр. 6561
بنقصان بقوة النفس وذهاب نصفها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨ ٠)﴾.
وقد امتن الله (١) سبحانه على عباده بخلق الأنعام على العموم، ثم خص الإبل بالذكر لما فيها من نعمة حمل الأثقال دون البقر والغنم، ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ﴾ ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أي: عظيم الرأفة والرفق بكم ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أي: عظيم الإنعام عليكم، ومن ثم أسبغ عليكم نعمه الجليلة، ويسر لكم الأمور الشاقة العسيرة، ومن رأفته ورحمته بكم أن خلق لكم الأنعام لمنافعكم ومصالحكم، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾.
وقال أبو حيان: وناسب (٢) الامتنانَ بهذه النعمة من حملها الأثقال الختم بصفة الرأفة والرحمة، لأن من رأفته تيسير هذه المصالح وتسخير الأنعام لكم اهـ.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿بِشِق﴾ بكسر الشين، وقرأ مجاهد والأعرج وأبو جعفر وعمر بن ميمون وابن أرقم: بفتحها، ورويت عن نافع وأبي عمرو، وهما مصدران معناهما المشقة، وقيل الشق بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم،
٨ - وقوله: ﴿وَالْخَيْلَ﴾ عطف على الأنعام؛ أي: وخلق الله لكم الخيل ﴿وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ تعليلٌ بمعظم منافعها، وإلا فالانتفاع بها بالحمل أيضًا مما لا ريب في تحققه ﴿و﴾ جعلها لكم ﴿زينة﴾ تتزينون بها إلى ما لكم فيها من منافع أخرى.
وقرأ الجمهور (٤): ﴿وَالْخَيْلَ﴾ وما عطف بالنصب، عطفًا على قوله:
стр. 6562
﴿وَالْأَنْعَامَ﴾، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع، ولما كان الركوب أعظم منافعها اقتصر عليه، ولا يدل ذلك على أنه لا يجوز أكل الخيل، خلافًا لمن استدل بذلك، كأبي حنيفة كما يأتي بيانه، والخيل اسم جنس للفرس لا وحد له من لفظه كالإبل، وسمي الخيل خيلًا لاختيالها في مشيها، والخيل نوعان: عتيق وهجين، والفرق بينهما: أن عظم البرذون أعظم من عظم الفرس، وعظم الفرس أصلب وأنقل، والبرذون أجمل من الفرس، والفرس أسرع منه، والعتيق بمنزلة الغزال، والبرذون بمنزلة الشاة، فالعتيق ما أبواه عربيان، سمي بذلك لعتقه من العيوب، وسلامته من الطعن فيه بالأمور المنقصة، كما سميت الكعبة بالبيت العتيق لسلامتها من عيب الرق؛ لأنه لم يملكها مالك قط، والهجين الذي أبوه عربي وأمه عجمية، وخلق الله الخيل من ريح الجنوب، وكان خلقها قبل آدم ﵇ لأن الدواب خلقت يوم الخميس، وآدم خلق يوم الجمعة بعد العصر، والذكر من الخيل خلق قبل الأنثى لشرفه، كآدم وحواء، وأول من ركب الخيل إسماعيل ﵇ وكانت وحوشًا، ولذلك قيل لها العراب، وفي الحديث: "اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل"، وكان له ﷺ سبعة أفراس، وروي أن موسى ﵇ قال للخضر: أيُّ الدواب أحب إليك، قال: الفرس والحمار والعير، لأن الفرس مركب أولي العزم من الرسل، والعير مركب هود وصالح وشعيب ومحمد ﵈، والحمار مركب عيسى والعزير ﵉ فكيف لا أحب شيئًا أحياه الله بعد موته قبل الحشر.
والبغال جمع بغل وهو مركب من الفرس والحمار، ويقال أول من استنتجتها قارون، وله صبر الحمار وقوة الفرس، وهو مركب الملوك في أسفارهم، ومعبرة الصعاليك في قضاء أوطارهم، وعن عليِّ بن أبي طالب ﵁: أنَّ البغال كانت تتناسل، وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم خليل الرحمن ﵇ فدعا عليها فقطع الله نسلها، وهذه الرواية تستدعي أن يكون استنتاجها قبل قارون؛ لأن إبراهيم مقدم على موسى بأزمنة كثيرة، وإذا بخر البيت بحافر البغل الذكر .. هرب منه الفأر وسائر الهوام، كما في "حياة الحيوان"، وكان له ﷺ بغال ست، والحمير جمع حمار، وكان
стр. 6563
له ﷺ من الحمر اثنان: يعفور وعفير، والعفرة الغبرة، والحمار من أذل خلق الله تعالى كما قال الشاعر:
وَلاَ يُقِيْمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إلا الأذَلَّانِ عِيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتَدُ
هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوْطٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يُشَجُّ فَلاَ يَرْثِى لَهُ أَحَدُ
ثم علل (١) خلق هذه الثلاثة الأنواع بقوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ وهذه العلة هي باعتبار معظم منافعها؛ لأن الانتفاع بها في غير الركوب معلوم، كالتحميل عليها، وعطف ﴿زينة﴾ على محل ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ لأنه في محل نصب على أنه علةٌ لخلقها، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن، وهو الخالق، والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر المقصود، بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية؛ لأنه يورث العجب، فكأنه سبحانه قال: خلقتها لتركبوها فتدفعوا عن أنفسكم بواسطتها ضرر الإعياء والمشقة، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر، ولكنه غير مقصود بالذات.
فصلٌ في ذكر الاختلاف في لحوم الخيل
وقد استدل (٢) بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم الخيل، قائلين بأن التعليل بالركوب يدل على أنها مخلوقةٌ لهذه المصلحة دون غيرها، قالوا: ويؤيد ذلك إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر وإخراجها عن الأنعام، فيفيد ذلك اتحاد حكمها في تحريم الأكل، قالوا: ولو كان أكل الخيل جائزًا .. لكان ذكره والامتنان به أولى من ذكر الركوب؛ لأنه أعظم فائدة منه، وقد ذهب إلى هذا مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، والأوزاعي ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم، وذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين وغيرهم إلى حل لحوم الخيل، ولا حجة لأهل القول الأول في التعليل بقوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾؛ لأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها لا ينافي غيره،
стр. 6564
ولا نسلم أن الأكل أكثر فائدة من الركوب حتى يذكر، ويكون ذكره أقدم من ذكر الركوب، وأيضًا لو كانت هذه الآية تدل على تحريم الخيل .. لدلت على تحريم الحمر الأهلية، وحينئذٍ لا يكون ثم حاجة لتجديد التحريم لها عام خيبر، وقد قدمنا أن هذه السورة مكية، والحاصل أن الأدلة الصحيحة قد دلت على حل أكل لحوم الخيل، فلو سلمنا أن في هذه الآية متمسكًا للقائلين بالتحريم .. لكانت السنة المطهرة الثابتة رافعةً لهذا الاحتمال، ودافعة لهذا الاستدلال، واحتجوا (١) على إباحة لحوم الخيل بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت: نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه، وفي رواية قالت: ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسًا ونحن في المدينة فأكلناه، أخرجه البخاري ومسلم، وبما روي عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل، وفي رواية قال: أكلنا زمن خيبر لحوم الخيل وحمر الوحش، ونهى النبي ﷺ عن الحمار الأهلي، متفق عليه، وهذه رواية البخاري ومسلم، وفي رواية أبي داود قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، وكنا قد أصابتنا مخمصة، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل.
وقال البغوي (٢): ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها: تعريف الله عباده نعمه، وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أن السنَّة مبنية للكتاب، ولما كان نص الآية يقتضي أن الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة وكان الأكل مسكوتًا عنه .. دار الأمر فيه على الإباحة والتحريم، فوردت السنة بإباحة لحوم الخيل، وتحريم لحوم البغال والحمير فأخذنا بها جمعًا بين النصين، والله أعلم.
﴿وَيَخْلُقُ﴾ ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أيها العباد؛ أي: ما لا يحيط علمكم به من المخلوقات، غير ما عدده هنا من أنواع الحشرات والهوام في
стр. 6565
أسافل الأرض، وفي البحر مما لم يره البشر، ولم يسمعوا به، مما يهدي إليه العلم، وتستنبطه العقول، كالقطر البرية والبحرية، والطائرات التي تحمل أمتعتكم وتركبونها من بلد إلى بلد آخر، ومن قطر إلى قطر، والمطاود الهوائية التي تسير في الجو، والغواصات التي تجري تحت الماء، إلى نحو أولئك مما تعجبون منه، ويقوم مقام الخيل والبغال والحمير في الركوب والزينة.
والتعبير (١) هنا بلفظ المستقبل لاستحضار الصورة بالنسبة إلى ما ظهر؛ لأنه تعالى قد خلق ما لا يعلم به العباد،
٩ - وبعد أن شرح سبحانه دلائل وحدانيته، أرشد إلى أنه كفيل ببيان الطريق السوي لمن أراده، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾؛ أي: وعلى الله بموجب رحمته وبمقتضى وعده المحتوم، لا واجب عليه إذ لا يجب عليه شيءٌ، بيان قصد المسبيل؛ أي: بيان الطريق المستقيم، الموصل من سلكه إلى الحق والتوحيد بنصب الأدلة وإرسال الرسل ﵈، وإنزال الكتب لدعوة الناس إليه، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ونحو الآية قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.
والقصد (٢): مصدر بمعنى اسم الفاعل، يقال: سبيل قصد وقاصد؛ أي: مستقيم، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: إلى سبيل القصد؛ أي: المستوي المستقيم، أو المعنى: وعلى الله قاصد السبيل؛ أي: هداية قاصد الطريق المستقيم، بموجب وعده المحتوم وتفضله الواسع.
﴿وَمِنْهَا﴾؛ أي: من السبل سبيل ﴿جَائِرٌ﴾؛ أي: طريق مائلٌ عن الاستقامة، معوج زائغ عن الحق، فالسبيل القاصد هو الإِسلام، والجائر منها هو غيره من الأديان الأخرى، سماويةً كانت كاليهودية والنصرانية، أو أرضية كالوثنية والمجوسية.
стр. 6566
وخلاصة هذا (١): أن ثمة طرقًا تسلك للوصول إلى الله، وليس يصل إليه منها إلا الطريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها وأمر بها، وهي طريق الإِسلام له، والإخبات إليه وحده، كما أرشد إلى ذلك بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ وما عداها فهو جائزٌ، وعلى الله بيان ذلك، ليهتدي إليه الناس، ويبتعدوا عن سواه.
ثم أخبر سبحانه: بأن الهداية والضلال بقدرته ومشيئته، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ الله أن يهديكم إلى ما ذكر من التوحيد هدايةً موصلة إليه .. ﴿لَهَدَاكم﴾ الله ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: لفعل ذلك، ولكن لم يشأ؛ لأن مشيئته متابعة للحكمة الداعية إليها، ولا حكمة في تلك المشيئة؛ أي (٢): ولو شاء سبحانه لجعلكم كالنمل والنحل في حياتكم الاجتماعية، أو جعلكم كالملائكة مفطورين على العبادة وتقوى الله، فلا تتجه نفوسكم إلى المعصية، ولا تسعى إلى الشر، ولكنه شاء أن يجعلكم تعملون أعمالكم باختياركم، وتسعون إليها بعد بحثها وفحصها من سائر وجوهها، ثم ترجحون منها ما تميل إليه نفوسكم، وما ترون فيه الفائدة لكم، كما قال عز من قائل: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾؛ أي: طريق الخير والشر ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
والمعنى (٣): ولو شاء أن يهديكم جميعًا إلى الطريق الصحيح والمنهج الحق .. لفعل ذلك، ولكنه لم يشأ، بل اقتضت مشيئته إراءة الطريق والدلالة، وأما الإيصال إليها بالفعل فذلك يستلزم أن لا يوجد في العباد كافرٌ، ولا يستحقُّ النار من المسلمين، وقد اقتضت المشيئة الربانية أنه يكون البعض مؤمنًا، والبعض كافرًا، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع.
فإن قلت (٤): لِمَ غير أسلوب الكلام في قوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾؟
стр. 6567
قلت: ليعلم بما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز، ولو كان كما تزعم المجبرة .. لقيل: وعلى الله قصد السبيل، وعليه جائرها، أو عليه الجائر، وقرأ عبد الله: ﴿ومنكم جائر﴾ عن القصد بسوء اختياره، والله بريء منه.
١٠ - وبعد أن ذكر سبحانه نعمته عليهم بتسخير الدواب والأنعام، شرع بذكر نعمته عليهم في إنزال المطر فقال: ﴿هُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي أَنْزَلَ﴾ بقدرته القاهرة ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى السحاب ومنه إلى الأرض ﴿مَاءً﴾ عذبًا؛ أي: نوعًا منه وهو المطر، وفي "بحر العلوم": تنكيره للتبعيض؛ أي: بعض الماء، فإنه لم ينزل من السماء الماء كله ﴿لَكُمْ﴾ أيها الآدميون ولكلِّ حيٍّ ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من ذلك الماء المنزل ﴿شَرَابٌ﴾؛ أي: ما تشربونه، والظرف (١) الأول وهو لكم خبرٌ مقدم لشرابٌ، والثاني حال منه، ومن تبعيضية، قال الخطيب: وإن قيل: ظاهر هذا أن شرابنا ليس إلا من المطر .. أجيب بأنه تعالى لم ينف أن نشرب من غيره، وبتقدير الحصر لا يمتنع أن يكون الماء العذب الذي تحت الأرض من جملة ماء المطر أسكن هناك، بدليل قوله تعالى في سورة المؤمنون: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿وَمِنْهُ﴾؛ أي: ومن ذلك المنزل ﴿شَجَرٌ﴾ فـ ﴿من﴾ ابتدائية؛ أي: ومنه وبسببه يحصل شجر ترعاه المواشي، والمراد به: ما ينبت من الأرض سواء كان له ساق أو لا ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك الشجر ﴿تُسِيمُونَ﴾؛ أي: ترعون مواشيكم، قدم الشجر على الزرع وعلى ما بعده لحصوله بغير صنع من البشر.
وقرأ زيد بن علي (٢): ﴿تُسِيمُونَ﴾ بفتح التاء، فإن سمع متعديًا .. كان هو وأسام بمعنى واحد، وإن كان لازمًا .. فتأويله على حذف مضاف تسيمون؛ أي: تسيم مواشيكم لما ذكر.
والمعنى (٣): أي إن الذي خلق لكم الأنعام والخيل وسائر البهائم لمنافعكم
стр. 6568
ومصالحكم هو الإله الذي أنزل المطر من السماء عذبًا زلالًا تشربون منه، وتسقون أشجاركم ونباتكم التي تسيمون فيها أنعامكم وفيها ترعى.
١١ - ثم استأنف (١) إخبارًا عن منافع الماء، فقال جوابًا لمن قال: هل له منفعة غير ذلك؟ ﴿يُنْبِتُ﴾ الله ﴿لَكُمْ﴾ أيها العباد؛ أي: ينبت لمصالحكم ومنافعكم ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما أنزل من السماء ﴿الزَّرْعَ﴾ الذي هو أصل الأغذية وعمود المعاشر، قال في "بحر العلوم": الزرع كل ما استنبت بالبذر مسمى بالمصدر وجمعه زروع.
قال كعب الأحبار: لما أهبط الله تعالى آدم ﵇ .. جاء ميكائيل بشيء من حيث الحنطة وقال: هذا رزقك ورزق أولادك، قم فاضرب الأرض، وابذر البذر، قال: ولم يزل الحب من عهد آدم إلى زمن إدريس كبيضة النعام، فلما كفر الناس .. نقص إلى بيضة الدجاجة، ثم إلى بيضة الحمامة، ثم إلى قدر البندقة، ثم إلى قدر الحمصة، ثم إلى المقدار المحسوس الآن، يقال: إن اليوم لا يأكل الحنطة ولا يشرب الماء، أما الأول: فلأن آدم عصى بالحنطة ربه، وأما الثاني: فلأن قوم نوح أهلكوا بالماء.
وقرأ أبو بكر (٢): ﴿نُنْبِتُ﴾ بنون العظمة، وقرأ الزهري ﴿نُنَبِّتُ﴾ بالتشدد، قيل للتكثير والتكرير، والذي يظهر أنه تضعيف التعدية، وقرأ أُبيٌّ: ﴿يَنْبُت﴾ من نبت، ورفع الزرع وما عطف عليه، ﴿و﴾ ينبت لكم بذلك الماء ﴿الزيتون﴾ الذي هو إدام من وجه، وفاكهة من وجه، قال في "إنسان العيون": شجرة الزيتون تعمِّر ثلاثة آلاف سنة، وهو جمع زيتونة، ويقال للشجرة نفسها: زيتونة، ﴿و﴾ وينبت لكم ﴿النخيل﴾ والنخيل والنخل بمعنى واحد، وهو اسم جمع، والواحدة نخلة كالثمرة والثمر، وفي الحديث: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من فضل طينة آدم، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم ابنة عمران، فأطعموا نسائكم الولَّد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمرٌ"، كما في
стр. 6569
"المقاصد الحسنة"، ﴿و﴾ ينبت لكم ﴿الأعناب﴾ جمع عنب، وإنما جمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفة، وفيه إشارة: إلى أن تسمية العنب كرمًا لم يكن بوضع الواضع، ولكنه كان من الجاهلية، كأنهم قصدوا به الاشتقاق من الكرم؛ لكون الخمر المتخذة تحثُّ على الكرم والسخاء، فنهى النبي ﷺ عن أن يسموه بالاسم الذي وضعه الجاهلية، وأمرهم بالتسمية اللغوية بوضع الواضع حيث قال: "لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب والحبلة" ثم بين قبح تلك الاستعارة بقوله: "إنما الكرم قلب المؤمن" يعني أن ما ظنوه من السخاء والكرم فإنما هو من قلب المؤمن لا من الخمر؛ إذ أكثر تصرفات السكران عن غلبةٍ من عقله، فلا يعتبر ذلك العطاء كرمًا ولا سخاء؛ إذ هو في تلك الحالة كصبي لا يعقل السخاء، ويؤثر بماله سرفًا وتبذيرًا، فكما لا يُحمل ذلك على الكرم، فكذا إعطاء السكران، كذا في "أبكار الأفكار".
وخصص هذه الأنواع الأربعة بالذكر للإشعار بفضلها وشرفها، وفي "البحر": وخص (١) الأربعة بالذكر؛ لأنها أشرف ما ينبت، وأجمعه للمنافع، وبدأ بالزرع لأنه قوت أكثر العالم، ثم بالزيتون لما فيه من فائدة الاستصباح بدهنه، وهي ضرورية مع منفعة أكله، والائتدام به، وبدهنه والإطلاء بدهنه، ثم بالنخل لأن ثمرته من أطيب الفواكه، وقوت في بعض البلاد، ثم بالأعناب لأنها فاكهة محضة.
ثم عمَّم فقال (٢): ﴿و﴾ ينبت لكم ﴿من كل الثمرات﴾؛ أي: بعض كلها، وأتى بلفظ ﴿من﴾ التي للتبعيض؛ لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وإنما أُنبت في الأرض بعضٌ من كلها للتذكرة.
ويحتمل كون المراد ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ التي يحتملها هذه النشأة الدنيوية، وترى بها، وهي الثمرات المتعارفة عند الناس بأنواعها وأصنافها، فتكون كلمة ﴿مِنْ﴾ صلة كما في قوله تعالى: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ على رأي الكوفية وهو
стр. 6570
اللائح الواضح.
والمعنى: أي ينبت لكم بالماء الذي أنزله من السماء زرعكم وزيتونكم ونخيلكم وأعنابكم، ومن كل الثمرات غير ذلك أرزاقًا لكم، وأقواتًا نعمةً منه عليكم، وحجة على من كفر به، ولما ذكر الحيوانات المنتفع بها على التفصيل .. أعقبه بقوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كذلك هنا ذكر الأنواع المنتفع بها من النبات، ثم قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ تنبيهًا على أن تفصيل القول في أجناسها وأنواعها وصفاتها ومنافعها مما لا يكاد يحصر، كما أنَّ تفصيل ما خُلق من باقي الحيوان لا يكاد يحصر، وختم ذلك تعالى بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في إنزال الماء، وإنبات ما فصل ﴿لَآيَةً﴾ عظيمة دالة على تفرده تعالى بالألوهية، لاشتماله على كمال العلم والقدرة والحكمة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: لقوم يعتبرون مواعظ الله، ويتفكرون فيها، حتى تطمئن قلوبهم بها، وينبلج نور الإيمان فيها يضيء أفئدتهم، ويزكي نفوسهم، فإن (١) من تفكر في أن الحبة والنواة تقع في الأرض، وتصل إليها نداوة تنفذ فيها، فينشق أسفلها، فيخرج منه عروق تنبسط في أعماق الأرض، وينشق أعلاها إن كانت منتكسة في الوقوع ويخرج منه ساق فينمو، ويخرج منه الأوراق والأزهار والحبوب والثمار، على أجسام مختلفة الأشكال والألوان والخواص والطبائع، وعلى نواةٍ قابلةٍ لتوليد الأمثال على النمط المحرر لا إلى نهاية، مع اتحاد المواد واستواء نسبة الطبائع السفلية، والتأثيرات العلوية بالنسبة إلى الكل .. علم أن من هذه أفعاله وآثاره لا يمكن أن يشبهه شيء في شيء من صفات الكمال، فضلًا عن أن يشاركه أخس الأشياء في صفاته التي هي الألوهية، واستحقاق العبادة، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب، قالوا: الذكر طريق والفكر وسيلة المعرفة التي هي أعظم الطاعات، ولله (٢) در القائل:
تَأمَّلْ في رِياضِ الْوَرْدِ وَانْظُرْ ... إلى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيْكُ
стр. 6571
عُيُوْنٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ ... عَلَى أَهْدَابِهَا ذَهَبٌ لسَبِيْكُ
عَلَى قَضْبِ الزَبَرَّجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأنَّ اللهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكُ
١٢ - ﴿وَسَخَّرَ﴾ ﴿لَكُمُ﴾؛ أي: لمنامكم ومعاشكم، ولعقد الثمار وإنضاجها ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان خلفةً، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ قال (١) بعضهم: الليل ذكر كآدم، والنهار أنثى كحواء، والليل من الجنة، والنهار من النار، ومن ثمة كان الأنس بالليل أكثر، ﴿و﴾ سخر لكم ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ تسخرًا في سيرهما وإنارتهما أصالة وخلافة، وإصلاحهما لما نيط بهما صلاحه، كل ذلك لمصالحكم ومنافعكم، وليس المراد بتسخير هذه لهم تمكنهم من تصريفها كيف شاؤوا، كما في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ ونظائره، بل هو تصريفه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافعهم ومصالحهم، لا أن ذلك تسخير لهم وتصرف من قبلهم حسب إرادتهم.
﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ مبتدأ وخبر؛ أي: سائر النجوم في حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوها مسخرات؛ أي: مذللات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء، أو لما خلقت له ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بإرادته ومشيئته، وحيث لم يكن عود منافع النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من الملوين والقمرين، لم ينسب تسخيرها إليهم بأداة الاختصاص، بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ملكوته تعالى، من غير دلالة على شيء آخر، ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث، إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار.
والمعنى (٢): أي ومن نعمه تعالى عليكم مضافةً إلى النعم التي سلف ذكرها أن سخر لكم الليل والنهار، يتعاقبان خلفةً، لمنامكم واستراحتكم وتصرفكم في معايشكم وسعيكم في مصالحكم، وسخر لكم الشمس والقمر يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالةً وخلافة، وأدائهما ما نيط بهما من تربية الأشجار والزرع وإنضاج الثمرات وتلوينها، إلى نحو ذلك من الآثار والمنافع التي ربطها سبحانه
стр. 6572
بوجودهما، وبهما يعرف عدد السنين والشهور، وفي ذلك صلاح معايشكم، وسخر لكم النجوم بأمره وإرادته، تجري في أفلاكها بحركة مقدرة لا تزيد ولا تنقص، لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ التسخير المتعلق بما ذكر مجملًا ومفصلًا ﴿لَآيَاتٍ﴾ باهرة ودلالات واضحة متكاثرة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ حجج الله، ويفتحون عقولهم للنظر والاستدلال، ويفهمون ما نبههم إليه بها، ويعتبرون، وعبر هنا (١) بالعقل، وفي خاتمة الآية السابقة بالتفكر، من قبل أن الآثار العلوية متعددة، ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية ظاهرة لا تحتاج إلا إلى العقل من غير تفكر ولا تأمل، بل تدرك بالبديهة، بخلاف الآثار السفلية من الزرع والنخيل والأعناب فهي تحتاج في دلالتها على وجود الصانع إلى فكر وتدبر ونظر شديد، وجمع الآيات هنا ليطابق قوله: ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾، وفي "البحر": وجمع (٢) الآيات هنا، وذكر العقل وأفرد فيما قبل، وذكر التفكر؛ لأن فيما قبل استدلالًا بإنبات الماء، وهو واحد وإن كثرت أنواع النبات، والاستدلال هنا متعدد، ولأن الآثار العلوية أظهر دلالة على القدرة الباهرة، وأبين شهادة للكبرياء والعظمة، وقد ذكر لفظ الآية في هذه السورة سبع مرات، خمس بالإفراد، واثنتان بالجمع، قال الكرماني: ما جاء بلفظ الإفراد فلوحدة المدلول، وهو الله تعالى، وما جاء منها بلفظ الجمع فلمناسبة مسخرات اهـ.
والأوَلَى أن يقال: إن هذه المواضع الثلاثة التي أفرد الآية في بعضها وجمعها في بعضها، كل واحد منها يصلح للجمع باعتبار، وللأفراد باعتبار، فلم يجرها على طريقة واحدة افتنانًا وتنبيهًا على جواز الأمرين، وحسن كل واحد منهما.
فائدة: قال أهل العلم (٣): العقل جوهر مضيء، خلقه الله في الدماغ،
стр. 6573
وجعل نوره في القلب، يدرك الغائبات بالوسائط، والمحسوسات بالمشاهدة، وهو للقلب بمنزلة الروح للجسد، فكل قلب لا عقل له فهو ميت، وهو بمنزلة قلب البهائم، وسئل النبي ﷺ : من أحسن الناس عقلًا؟ قال: "المسارع إلى مرضاة الله تعالى، والمجتنب عن محارم الله تعالى"، قالوا أخف حلمًا من العصفور، قال حسان بن ثابت الأنصاري ﵁:
لاَ بَأسَ بِالْقَوْمِ مِنْ طُوْلٍ وَمِن عِظَمٍ ... جِسْمُ الْبِغَالِ وَأحْلاَمُ الْعَصَافِيْرِ
وقرأ ابن عامر: ﴿والشمس﴾ وما بعده بالرفع على الابتداء، والخبر ﴿مسخرات﴾، وقرأ حفص: و ﴿النجوم﴾ ﴿مسخراتٌ﴾ برفعهما، وقرأ ابن مسعود والأعمش وابن مصرف. ﴿والرِّياحُ﴾ ﴿مسخراتٌ﴾ بدل و ﴿النجومُ﴾ ﴿مسخرات﴾ وهي مخالفة لسواد المصحف، والظاهر في قراءة نَصْبِ الجميع أنَّ ﴿والنجومُ﴾ معطوف على ما قبله، و ﴿مسخرات﴾ حالٌ مؤكدة من الجميع.
١٣ - وقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على الليل والنهار رفعًا ونصبًا؛ أي: وسخر لكم ما خلق لكم في الأرض، من عجائب الأمور ومختلف من حيوان ونبات ومعادن حالة كونه: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ وهيئات من خضرة وبياض وحمرة وسواد، وغير ذلك على اختلاف أجناسها وأشكالها ومنافعها وخواصِّها ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من التسخيرات ونحوها، أو إن في اختلاف ما في الأرض ﴿لآيَةً﴾ دالة على أن من هذا شأنه واحد لا شريك له ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ آلاء الله ونعمه، فيشكرونه على ما أنعم، ويخبتون إليه على ما تفضل به وأحسن، فإن ذلك غير محتاج إلا إلى تذكر ما عسى يفضل عنه من العلوم الضرورية.
وختم هذا بقوله (١): ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾ ومعناه الاعتبار والاتعاظ، كأن علمهم بذلك سابق طرأ عليه النسيان، فقيل يذكرون؛ أي: يتذكرون ما نسوا من تسخير هذه المكونات في الأرض.
стр. 6574
قيل: وإنما (١) خص المقام الأول بالتفكر لإمكان إيراد الشبهة المذكورة، وخص المقام الثاني بالعقل لذكره بعد إماطة الشبهة وإزاحة العلة، فمن لم يعترف بعدها بالوحدانية .. فلا عقل له، وخص المقام الثالث بالتذكر لمزيد الدلالة، فمن شك بعد ذلك .. فلا حس له، وفي هذا من التكلف ما لا يخفي، والأولى أن يقال هنا كما قلنا فيما تقدم في إفراد الآية في البعض وجمعها في البعض الآخر، وبيانه أن كلًّا من هذه المواضع الثلاثة يصلح لذكر التفكر ولذكر التعقل ولذكر التذكر، لاعتبارات ظاهرة غير خفية، فكان في التعبير في كل موضع بواحد منها افتنان حسن، لا يوجد في التعبير بواحد منها في جميع المواضع الثلاثة، والله أعلم بأسرار كتابه.
١٤ - وبعد أن ذكر أنواع النعم في البر شرع يفصل نعمه في البحر، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي سَخَّرَ﴾ وذلل لكم ﴿الْبَحْرَ﴾ العذب والملح، والبحر: الماء الكثير، أو الملح فقط؛ أي: جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والغوص والاصطياد.
قال بعضهم (٢): هذه البحور على وجه الأرض ماء السماء النازل وقت الطوفان، فإن الله تعالى أمر الأرض بعد هلاك القوم فابتلعت ماءها، وبقي ماء السماء لم تبتلعه الأرض، وأما البحر المحيط فغير ذلك، بل هو جزر عن الأرض حين خلق الله الأرض من زبده، ويجوز ركوب البحر بشرط علم السباحة وعدم دوران الرأس، وإلا فقد ألقى نفسه إلى التهلكة، وأقدم على ترك الفرائض، وذلك للرجال والنساء، كما قاله الجمهور، وكره ركوبه للنساء، لأن حالهن على الستر، وذا متعسر في السفينة، لا سيما في الزورق وهي السفينة الصغيرة.
امتن الله (٣) بتسخير البحر بإمكان الركوب عليه، واستخراج ما فيه من صيد وجواهر، لكونه من جملة النعم التي أنعم الله بها على عباده، مع
стр. 6575
ما فيه من الدلالة على وحدانية الرب سبحانه وكمال قدرته، وقد جمع الله سبحانه لعباده في هذا المقام بين التذكير لهم بآياته الأرضية والسماوية والبحرية، فأرشدهم إلى النظر والاستدلال بالآيات المتنوعة المختلفة الأمكنة إتمامًا للحجة، وتكميلًا للإنذار، وتوضيحًا لمنازع الاستدلال ومناطات البرهان ومواضع النظر والاعتبار.
ثم ذكر العلة في تسخير البحر فقال: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾؛ أي: وهو تعالى الذي سخر لكم البحر لتصطادوا منه؛ أي: من حيوانه، فهو على حذف مضاف ﴿لَحْمًا﴾؛ أي: سمكًا طريًّا، أي: رطبًا؛ أي: سخر لكم لتأكلوا سمكًا رطبًا تصطادونه منه أي من حيوانه.
والتعبير (١) عن السمك باللحم مع كونه حيوانًا، لانحصار الانتفاع به في الأكل، وفي وصفه (٢) بالطراوة والرطوبة تنبيه إلى أنه ينبغي المسارعة إلى أكله، لأنه يسرع إليه الفساد والتغير، وقد أثبت الطب أن تناوله بعد ذهاب طراوته من أضر الأشياء، فسبحان الخبير بخلقه، وبما يضر استعماله وما ينفع، وفيه أيضًا إيماء إلى كمال قدرته تعالى في خلقه الحلو الطري في الماء المر الذي لا يشرب.
وقد كره العلماء أكل الطافي منه على وجه الماء، وهو الذي يموت حتف أنفه في الماء فيطفو على وجهه، لحديث جابر عن النبي ﷺ : "ما نضب عنه الماء فكلوا، وما لفظه فكلوا، وما طفا فلا تأكلوا". فالمراد منه ميتة البحر في الحديث: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" هو ما لفظه، لا ما مات فيه من غير سبب، ﴿و﴾ سخر لكم البحر أيضًا (﴿لتستخرجوا منه﴾؛ أي: من جواهره ﴿حِلْيَةً﴾؛ أي: زينة ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾؛ أي: تتزينون أنتم ونساؤكم بها، والمراد بالحلية المذكور في الآية اللؤلؤ المخلوق في صدفه العائش في البحار، ولا سيما المحيط الهندي، والمرجان الذي ينبت في قيعانها، لقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ فهما حلالان للرجال والنساء، ولا حاجة لما تكلَّفه جماعة
стр. 6576
من المفسرين في تأويل قوله: ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ بقوله: تلبسه نساؤهم؛ لأنهن من جملتهم، أو لكونهن يلبسنها لأجلهم، وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان، ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلا النساء خاصة، فإن ذلك ممنوع من جهة كونه تشبهًا بهن، وقد ورد الشرع بمنعه، لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾؛ أي: وتبصر أيها المخاطب السفن حالة كونها ﴿مَوَاخِرَ﴾؛ أي: جواري ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في البحر؛ أي: لو حضرت أيها المخاطب لرأيت السفن جواري في البحر، تجري جريًا وتشقه شقًّا بحيزومها ومقدمها، مقبلة مدبرة، من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى آخر، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى هنا، وما هنا إلى هناك، ومن ثم قال: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: لتطلبوا فضل الله ورزقه، بركوبه للتجارة، وهذا معطوف على ﴿تستخرجوا﴾ وما بينهما اعتراض، أو معطوف على علةٍ محذوفةٍ؛ أي: لتنتفعوا بذلك، ولتطلبوا من سعة رزقه بركوبه للتجارة، فإن تجارته أربح.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي (١): تعرفون حقوق نعمه الجليلة، فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد، ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر؛ لأنه أقوى في باب الإنعام، من حيث إنه جعل المهالك سببًا للانتفاع وتحصيل المعاش.
والمعنى (٢): أي ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم، إذ جعل ركوب البحر مع كونه مظنة للهلاك سببًا للانتفاع وحصول المعاش، مع عدم الحاجة إلى الحل والترحال والاستراحة والسكون، ولله در القائل:
وَإنَّا لَفِي الدُّنْيَا كَرَكْبِ سَفِيْنَةٍ ... نُظَنُّ وُقُوْفًا وَالزَّمَانُ بِنَا يَسْرِيْ
وفي "الشوكاني" هنا: قيل (٣): ولعل وجه تخصيص هذه النعمة بالتعقيب بالشكر، من حيث إن فيها قطعًا لمسافةٍ طويلةٍ مع أحمال ثقيلة، من غير مزاولة
стр. 6577
أسباب السفر، بل من غير حركة أصلًا، مع أنها في تضاعيف المهالك، ويمكن أن يضم إلى ما ذكر من قطع المسافة على الصفة المذكورة ما اشتمل عليه البحر من كون ما فيه أطيب مأكول وأنفس ملبوسٍ، وكثرة النعم مع نفاستها وحسن موقعها من أعظم الأسباب المستدعية للشكر الموجبة له.
١٥ - ثم أردف هذه النعم الموجبة للتوحيد الموجبة للاستدلال على المطلوب بنعمة أخرى، وآيةٍ أخرى فقال: ﴿وَأَلْقَى﴾ الله ونصب بقدرته القاهرة ﴿في الْأَرْضِ﴾ هي (١) كروية الشكل، محلها وسط العالم، وسميت بالأرض لأنها تأرض؛ أي: تأكل أجساد بني آدم.
﴿رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت من غير سبب ولا ظهير ولا معين، كأنهن حصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن في الأرض، فهو تصوير لعظمته وتمثيلٌ لقدرته، وإن كل عسير، فهو عليه يسير.
أي (٢): وجعل فيها رواسي، بأن قال لها كوني فكانت، فأصبحت الأرض وقد أرسيت وأثبتت بالجبال، بعد أن كانت تمور مورًا، فلم يدر أحد مم خلقت، من رسا الشيء إذا ثبت جمع راسية والتاء للتأنيث على أنها صفة جبال، كراهية ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ وتتحرك الأرض ﴿بِكُمْ﴾ أيها العباد الأرضيون، على ما قاله البصريون، أو لئلا تميد بكم على ما قاله الكوفيون، والميد: الاضطراب والميل يمينًا وشمالًا، يقال: ماد الشيء يميد ميدًا إذا تحرك، ومنه سميت المائدة.
والمعنى: كراهية أن تميد بكم وتضطرب، وقد خلق الله الأرض مضطربة لكونها على الماء، ثم أرساها بالجبال، وهي ستة آلاف وست مئة وثلاثة وسبعون جبلًا، سوى التلول على ما قاله الجغرافيون، على جريان عادته في جعل الأشياء منوطة بالأسباب، فالأرض بلا جبال كاللحم بلا عظام، فكما أن وجود الحيوان وجسده إنما يستمسك بالعظم، فكذا الأرض إنما تقوم بالرواسي، ألا ترى أن سطيحًا الكاهن لم يكن في بدنه عظم سوى القفا، لكونه من ماء المرأتين، وكان
стр. 6578
لا يستمسك وإنما يخرج في السنة مرة ملفوفًا في خرقة، أو موضوعًا على صحيفة من فضة ﴿و﴾ جعل في الأرض ﴿أنهارًا﴾ لأن (١) في ﴿ألقى﴾ معنى الجعل، إذ الإلقاء جعل مخصوص، وهي جمع نهر، ويحرك وهو مجرى الماء، وذلك مثل الفرات نهر الكوفة، ودجلة نهر بغداد، وجيحون نهر بلخ، وجيحان نهر أذنة في بلاد الأرمن، وسيحون نهر الهند، وسيحان نهر المصيصة، والنيل نهر مصر، وغيرها من الأنهار الجارية في أقطار الأرض.
وحاصل المعنى: أي (٢) وألقى في الأرض جبالًا ثوابت، لتقر الأرض ولا تضطرب بما عليها من الحيوان، فلا يهنأ لهم عيشٌ بسبب ذلك، كما قال: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ وما الأرض إلا كسفينةٍ على وجه البحر، فإذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة .. تضطرب وتميل من جانب إلى جانب بأدنى الأسباب، وإذا وضعت فيها أجرام ثقيلة .. استقرت على حال واحدة، فكذا الأرض لو لم يكن عليها هذه الجبال لاضطربت.
﴿و﴾ جعل فيها ﴿أنهارًا﴾ تجري من مكان إلى آخر رزقًا للعباد، وهي تنبع في مواضع وهي رزق لأهل مواضع أخرى، فهي تقطع البقاع والبراري، وتخترق الجبال والآكام حتى تصل إلى البلاد التي سخر لأهلها أن تنتفع بها، كما يشاهد في نهر النيل إذ ينبع من أواسط أفريقية، ويمر بجبال ووهاد في السودان، ويستفيد منه الفائدة الكبرى أهل مصر دون سواها، وكل ذلك بتقدير اللطيف الخبير، وذكر الأنهار عقب الجبال، لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من الجبال كما في "الخازن" ﴿و﴾ كذلك جعل في الأرض ﴿سبلًا﴾ وطرقًا مختلفة، نسلك فيها من بلاد إلى بلاد أخرى، وقد تحدث ثلمة في الجبل لتكون ممرًا طريقًا، كما قال تعالى في وصف الجبال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا ...﴾ الآية، جمع سبيل، وهو الطريق وما وضح.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لكي تهتدوا بها في أسفاركم إلى مقاصدكم
стр. 6579
ومنازلكم، أو إرادة أن تهتدوا بها في أسفاركم، فلعل مستعارة لمعنى الإرادة كما في "روح البيان".
قال بعضهم (١): خذوا الطريق ولو دارت، واسكنوا المدن ولو جارت، وتزوجوا البكر ولو بارت؛ أي: ولو كانت البكر بورًا؛ أي: فاسدة هالكة لا خير فيها.
١٦ - ﴿و﴾ كذلك جعل في الأرض ﴿علامات﴾؛ أي: معالم ودلائل، يهتدي ويستدل بها السابلة في النهار، وهم القوم المختلفة على الطريق من جبال كبار وآكام صغار، وسهول ومياه وأشجار وريح، كما قال الإِمام الرازي: رأيت جماعة يشمون التراب وبواسطة ذلك الشم يتعرفون الطرقات، حتى إذا ضلوا الطريق، كانت تلك العلامات عونًا لهم، وهدتهم إلى السبيل السوي في البر والبحر.
﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بالليل في البراري أو البحار، حيث لا علامة غيره، ولعل (٢) الضمير لقريش، فإنهم كانوا كثيري التردد للتجارة مشهورين بالاهتداء بالنجوم في أسفارهم، وصرف النظم عن سنن الخطاب، وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص، كأنه قيل: وبالنجم خصوصًا هؤلاء يهتدون، فالاعتبار بذلك ألزم لهم، والشكر عليه أوجب عليهم، والمراد بالنجم الجنس، أو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي، وذلك لأنها تعلم بها الجهات ليلًا لأنها دائرة حول القطب الشمالي، فهي لا تغيب، والقطب في وسط بنات نعش الصغرى، والجدي هو النجم السابع من بنات النعش الصغرى، والفرقدان هما النجمان الأولان من النعش الصغرى، وهما من النعش، والجدي من البنات، ويقرب من بنات نعش الصغرى بنات نعش الكبرى، وهي سبعة أيضًا أربعة نعش وثلاث بنات، وبإزاء الأوسط من البنات السهى: وهو كوكب خفي صغير كانت الصحابة ﵃ تمتحن فيه أبصارهم، كذا في "التكملة" لابن عساكر، وفي
стр. 6580
"الخطيب": ولما كانت الدلالة من النجم أنفع الدلالات وأعمها، وأوضحها برًّا وبحرًا ليلًا ونهارًا .. نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة، لإفهام العموم، لئلا يظن أن المخاطب مخصوص، وليس كذلك فقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾؛ أي: الجنس هم؛ أي: أهل الأرض كلهم، وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش ثم العرب كلها، لفرط معرفتهم بالنجوم، وقدم الجار تنبيهًا على أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة، وقيل: المراد بالنجم الثريا والفرقدان وبنات لنعش، وقيل: الضمير لقريش لأنهم كثير الأسفار للتجارة، مشهورون بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم.
قال عمر بن الخطاب ﵁: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في طرقكم وقبلتكم، ثم كفوا، وتعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم. قيل: أول من نظر في النجوم والحساب إدريس النبي ﵇ قال بعض السلف: العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنجوم للأزمان، والنحو للسان. وفي الآية إيماء إلى أن مراعاة النجوم أصل في معرفة الأوقات والطرق والقبلة، ويحسن أن نتعلم من علم الفلك ما يفيد تلك المعرفة، قال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينةً للسماء، ومعالم للطرق، ورجومًا للشياطين، فمن قال غير ذلك، فقد تكلم بما لا علم له به.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ بفتح النون وسكون الجيم على أنه اسم جنس، ويؤيد ذلك قراءة ابن وثاب ﴿وبالنجم﴾ بضم النون والجيم، ومراده النجوم فقصره بحذف الواو منه، أو هو جمع، كسقف وسقف، وفي "زاد المسير": وقرأ (٢) الحسن والضحاك وأبو المتوكل ويحيى بن وثاب: ﴿وبالنجم﴾ بضم النون وإسكان الجيم، وقرأ الجحدري ﴿وبالنجم﴾ بضم النون والجيم، وقرأ مجاهد: ﴿وبالنجوم﴾ بواو على الجمع.
стр. 6581
وقال الأخفش (١): ثم الكلام عند قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ كلام منفصل عن الأول.
١٧ - ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته .. أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ وعبارة "الخازن" هنا: ولما ذكر الله (٢) من عجائب قدرته، وغرائب صنعته، وبديع خلقه، ما ذكر على الوجه الأحسن، والترتيب الأكمل، وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرته تعالى ووحدانيته، وأنه تعالى هو المنفرد بخلقها جميعًا .. قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته، واشتغل بعبادة هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تقدر على شيء: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ يعني: هذه الأشياء الموجودة المرئية بالعيان وهو الله تعالى الخالق ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يعني هذه الأصنام العاجزة التي لا تخلق شيئًا ألبتةً؛ لأنها جمادات لا تقدر على شيء، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادتها، ويترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الله الخالق هذه الأشياء كلها، ولهذا المعنى ختم هذه الآية يقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ يعني: هذا القدر ظاهر غير خاف على أحد، فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر والنظر، بل مجرد التذكر فيه كفاية لمن فهم وعقل واعتبر بما ذكر انتهت.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ للاستفهام (٣) الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد ظهور دلائل التوحيد تتصور المشابهة والمشاركة - فمن يخلق هذه المصنوعات العظيمة - وهو الله تعالى - كمن لا يخلق شيئًا منها - وهو الأصنام؟! وعبر عنها بمن التي للعقلاء لأنهم سموها آلهةً فأجريت مجرى العقلاء، أو للمشاكلة لأنه قابله بالخالق وجعله معه كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾.
وفي "الكرخي": وهذا من عكس التشبيه، إذ مقتضى الظاهر أن يقال: أفمن
стр. 6582
لا يخلق كمن يخلق، فخولف في خطابهم؛ لأنهم بالغوا في عبادتها، حتى صارت عندهم أصلًا في العبادة، وصار الخالق فرعًا فجاء الإنكار على وفق ذلك مجاراة على معتقدهم.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تلاحظون القدرة الباهرة للخالق سبحانه، والعجز الظاهر للأصنام، فلا تذكرون ذلك فتعرفون فساد ما أنتم عليه يا أهل مكة، فإنه بوضوحه بحيث لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر.
ومعنى الآية: أي أفمن (١) يخلق هذه الخلائق العجيبة التي عددناها عليكم، وينعم هذه النعم العظيمة .. كمن لا يخلق شيئًا ولا ينعم نعمًا صغيرة ولا كبيرة؟ أفلا تذكرون هذه النعم، وهذا السطان العظيم، والقدرة على ما شاء من الحكمة، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعًا ولا تدفع ضرًّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه من عبادتها، وإقراركم لها بالألوهية.
وخلاصة هذا: الإنكار عليهم، ورميهم بالجهل، وسوء التقدير، وقلة الشكر لمن أنعم عليهم بما لا يحصى من النعم، مع وضوح ذلك وقلة احتياجه إلى تدبر وتفكر وإطالة نظر، بل يكفي فيه تنبه العقل ليعلم أن العبادة لا تليق إلا للمنعم بكل هذه النعم، أما هذه الأصنام التي لا فهم لها ولا قدرة ولا اختيار، فلا تنبغي عبادتها ولا الاشتغال بطاعتها.
قال قتادة في الآية: الله هو الخالق الرازق، لا هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، التي لا تخلق شيئًا، ولا تملك لأهلها ضرًّا ولا نفعًا اهـ.
١٨ - وبعد أن نبههم سبحانه إلى عظمته، ذكرهم بنعمه عليهم، وإحسانه إليهم فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الفائضة عليكم مما لم يذكر ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ أي (٢): لا تطيقوا إحصاءها وحصرها، وضبط عددها ولو إجمالًا، فضلًا عن القيام بشكرها، يقال: أحصاه؛ أي: عده كما في "القاموس"، وأصله
стр. 6583
أن الحساب كان إذا بلغ عددًا وضعت له حصاة، ثم استؤنف العدد.
والمعنى: لا توجد له غاية فتوضع له حصاة، وهذه الجملة تذكير إجمالي بنعمه تعالى، بعد تعداد طائفة منها، وكان الظاهر إيرادها عقبها تكملة لها، على طريقة قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكره أبو السعود.
والمعنى: أي وإن تعدوا نعم الله تعالى لا تضبطوا عددها، فضلًا عن أن تستطيعوا القيام بشكرها، فإن العبد مهما أتعب نفسه في طاعته، وبالغ في شكران نعمه، فإنه يكون مقصرًا، فنعم الله تعالى كثيرة، وعقل المخلوق قاصر عن الإحاطة بها، ومن ثم فهو يتجاوز عن ذلك التقصير، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أي: لستور فيستر عليكهم تقصيركم في القيام بشكرها، ويتجاوز عنه، ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أي: كثير الرحمة بكم، عظيم النعمة عليكم، لا يقطعها عنكم فيفيض عليكم نعمه مع استحقاقكم للقطع والحرمان، بسبب ما أنتم عليه من أصناف الكفر والعصيان، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها، ومن أفظع ذلك وأعظمه جرمًا المساواة بين الخالق والمخلوق، وتقديم (١) وصف المغفرة على نعت الرحمة لتقدم التخلية على التحلية.
قال بعض الحكماء (٢): إن أي جزء من البدن إذا اعتراه الألم نغص على الإنسان النعم، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الألم، وهو سبحانه يدبر جسم الإنسان على الوجه الملائم له، مع أنه لا علم له بوجود ذلك، فكيف يطيق حصر نعمه عليه، أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها انتهى.
واعلم (٣): أنه لو صرف جميع عمر الإنسان إلى الأعمال الصالحة، وإقامة الشكر .. لما كافىء نعمة الوجود، فضلًا عن سائر النعم، ولله در القائل:
لَوْ عِشْتُ ألْفَ عَامٍ ... في سَجْدَةٍ لِرَبِّي
стр. 6584
شُكرًا لِفَضلِ يَوْمٍ ... لَم أَقْضِ بِالتَّمَامِ
وَالْعَامُ ألْفُ شَهرٍ ... وَالشَّهْرُ أَلفُ يَوْمِ
وَالْيَومُ أَلْفُ حِيْنِ ... وَالْحِيْنُ ألفُ عَامِ
اللهم ربنا يا ربنا هذه نواصينا بيدك، خاضعة لعظم نعمك، معترفة بالعجز عن تأدية الشكر لشيء منها، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق التعبير بالشكر لك فتجاوز عنا، واغفر لنا، وأسبل ذيول سترك على عوراتنا، فإنك إلا تفعل .. نهلك لتقصيرنا في شكر نعمك، فكيف بما فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك، والانتهاء عن مناهيك.
الْعَفوُ يُرجَى مِن بَنِي آدمَ ... فَكَيفَ لاَ يُرجَى مِنَ الرَّبِّ
فَإنَّهُ أرْأفُ بِي مِنْهُمُ ... حَسْبِي بِهِ حَسْبِي بِهِ حَسْبِي
١٩ - وبعد (١) أن أبطل عبادة الأصنام، من قبل أنها لا قدرة لها على الخلق والإنعام، أبطل عبادتها بوجه آخر، وهو أن الإله يجب أن يكون عليمًا بالسرِّ والعلانية، وهذه الأصنام جماد لا معرفة لها بشيء، فكيف تجمل عبادتها، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾؛ أي: ما تضمرون في قلوبكم من العقائد والأعمال، ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ أي: وما تظهرونه منهما؛ أي: يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم، فحقه أن يتقى ويحذر، ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه، أو المعنى: والله يعلم ما تسرون يا كفار مكة من المكر بالنبي ﷺ ، وما تعلنون؛ أي: تظهرونه من أذاه.
والمعنى: أي والله يعلم ما تسرونه في ضمائركم وتخفونه عن غيركم، وما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محص ذلك كله عليكم، فيجازيكم به يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء منكم بإساءته، وهو سائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على النعم التي أنعمها عليكم فيها، ما أحصيتم منها وما لم تحصوا.
стр. 6585
٢٠ - ثم وصف سبحانه هذه الأصنام بصفات تجعلها بمعزل عن استحقاق العبادة، تنبيهًا إلى كمال حماقة المشركين، وأنهم لا يفهمون ذلك إلا بالتصريح دون التلويح فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أي: والأوثان التي تعبدونها، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: حالة كونكم مجاوزين الله، فإن (١) معنى ﴿دُونِ﴾ أدنى مكان من الشيء، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل من تجاوز حدًّا إلى حدٍّ، وتخطى حكمًا إلى حكم، والموصول مبتدأ خبره ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من الأشياء أصلًا؛ أي: ليس من شأنهم ذلك؛ لأنهم عجزة ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: شأنهم ومقتضى ذاتهم المخلوقية، لأنها ذوات ممكنة مفتقرة في ماهيتها ووجدانها إلى الموجد، قال في "القاموس": الخالق هو المتفرد في صفاته المبدع للشيء، المخترع على غير مثال سبق، فإن قلت: قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئًا، فقوله هنا لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون هذا هو نفس المعنى المذكور في تلك الآية، فما فائدة التكرار؟
قلت: فائدته أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون شيئًا فقط، والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئًا وأنهم مخلوقون كغيرهم، فكان هذا زيادةً في المعنى، وهو فائدة التكرار، ذكره في "الخازن".
والمعنى: والآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة، فكيف يكون إلهًا ما كان مصنوعًا، وغيره هو الذي دبر وجوده؟ ونحو الآية قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
٢١ - ﴿أَمْوَاتٌ﴾ جمع ميت خبر ثان للموصول؛ أي: هي جمادات لا حياة فيها، ولم يقل موات؛ لأنهم صوروا على شكل من تحله الروح، وفي "القاموس": الموات كغراب وكسحاب ما لا روح فيه، وأرضٌ لا مالك لها ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ جمع حيّ ضدُّ الميت؛ أي: غير قابلين للحياة، كالنطفة والبيضة فهي أموات على الإطلاق، والمعنى؛ أي: هي أمواتٌ ولا تعتريها الحياة بوجه، فلا تسمع ولا