وقال الأخفش (١): ثم الكلام عند قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ كلام منفصل عن الأول.
١٧ - ثم لما عدد الآيات الدالة على الصانع ووحدانيته وكمال قدرته .. أراد أن يوبخ أهل الشرك والعناد فقال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ وعبارة "الخازن" هنا: ولما ذكر الله (٢) من عجائب قدرته، وغرائب صنعته، وبديع خلقه، ما ذكر على الوجه الأحسن، والترتيب الأكمل، وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدمة كلها دالة على كمال قدرته تعالى ووحدانيته، وأنه تعالى هو المنفرد بخلقها جميعًا .. قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته، واشتغل بعبادة هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تقدر على شيء: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ يعني: هذه الأشياء الموجودة المرئية بالعيان وهو الله تعالى الخالق ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يعني هذه الأصنام العاجزة التي لا تخلق شيئًا ألبتةً؛ لأنها جمادات لا تقدر على شيء، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادتها، ويترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الله الخالق هذه الأشياء كلها، ولهذا المعنى ختم هذه الآية يقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ يعني: هذا القدر ظاهر غير خاف على أحد، فلا يحتاج فيه إلى دقيق الفكر والنظر، بل مجرد التذكر فيه كفاية لمن فهم وعقل واعتبر بما ذكر انتهت.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ للاستفهام (٣) الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد ظهور دلائل التوحيد تتصور المشابهة والمشاركة - فمن يخلق هذه المصنوعات العظيمة - وهو الله تعالى - كمن لا يخلق شيئًا منها - وهو الأصنام؟! وعبر عنها بمن التي للعقلاء لأنهم سموها آلهةً فأجريت مجرى العقلاء، أو للمشاكلة لأنه قابله بالخالق وجعله معه كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾.
وفي "الكرخي": وهذا من عكس التشبيه، إذ مقتضى الظاهر أن يقال: أفمن
стр. 6582
لا يخلق كمن يخلق، فخولف في خطابهم؛ لأنهم بالغوا في عبادتها، حتى صارت عندهم أصلًا في العبادة، وصار الخالق فرعًا فجاء الإنكار على وفق ذلك مجاراة على معتقدهم.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تلاحظون القدرة الباهرة للخالق سبحانه، والعجز الظاهر للأصنام، فلا تذكرون ذلك فتعرفون فساد ما أنتم عليه يا أهل مكة، فإنه بوضوحه بحيث لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر.
ومعنى الآية: أي أفمن (١) يخلق هذه الخلائق العجيبة التي عددناها عليكم، وينعم هذه النعم العظيمة .. كمن لا يخلق شيئًا ولا ينعم نعمًا صغيرة ولا كبيرة؟ أفلا تذكرون هذه النعم، وهذا السطان العظيم، والقدرة على ما شاء من الحكمة، وعجز أوثانكم وضعفها ومهانتها، وأنها لا تجلب إلى نفسها نفعًا ولا تدفع ضرًّا، فتعرفوا بذلك خطأ ما أنتم عليه من عبادتها، وإقراركم لها بالألوهية.
وخلاصة هذا: الإنكار عليهم، ورميهم بالجهل، وسوء التقدير، وقلة الشكر لمن أنعم عليهم بما لا يحصى من النعم، مع وضوح ذلك وقلة احتياجه إلى تدبر وتفكر وإطالة نظر، بل يكفي فيه تنبه العقل ليعلم أن العبادة لا تليق إلا للمنعم بكل هذه النعم، أما هذه الأصنام التي لا فهم لها ولا قدرة ولا اختيار، فلا تنبغي عبادتها ولا الاشتغال بطاعتها.
قال قتادة في الآية: الله هو الخالق الرازق، لا هذه الأوثان التي تعبد من دون الله، التي لا تخلق شيئًا، ولا تملك لأهلها ضرًّا ولا نفعًا اهـ.
١٨ - وبعد أن نبههم سبحانه إلى عظمته، ذكرهم بنعمه عليهم، وإحسانه إليهم فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الفائضة عليكم مما لم يذكر ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ أي (٢): لا تطيقوا إحصاءها وحصرها، وضبط عددها ولو إجمالًا، فضلًا عن القيام بشكرها، يقال: أحصاه؛ أي: عده كما في "القاموس"، وأصله
стр. 6583
أن الحساب كان إذا بلغ عددًا وضعت له حصاة، ثم استؤنف العدد.
والمعنى: لا توجد له غاية فتوضع له حصاة، وهذه الجملة تذكير إجمالي بنعمه تعالى، بعد تعداد طائفة منها، وكان الظاهر إيرادها عقبها تكملة لها، على طريقة قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكره أبو السعود.
والمعنى: أي وإن تعدوا نعم الله تعالى لا تضبطوا عددها، فضلًا عن أن تستطيعوا القيام بشكرها، فإن العبد مهما أتعب نفسه في طاعته، وبالغ في شكران نعمه، فإنه يكون مقصرًا، فنعم الله تعالى كثيرة، وعقل المخلوق قاصر عن الإحاطة بها، ومن ثم فهو يتجاوز عن ذلك التقصير، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أي: لستور فيستر عليكهم تقصيركم في القيام بشكرها، ويتجاوز عنه، ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أي: كثير الرحمة بكم، عظيم النعمة عليكم، لا يقطعها عنكم فيفيض عليكم نعمه مع استحقاقكم للقطع والحرمان، بسبب ما أنتم عليه من أصناف الكفر والعصيان، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها، ومن أفظع ذلك وأعظمه جرمًا المساواة بين الخالق والمخلوق، وتقديم (١) وصف المغفرة على نعت الرحمة لتقدم التخلية على التحلية.
قال بعض الحكماء (٢): إن أي جزء من البدن إذا اعتراه الألم نغص على الإنسان النعم، وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الألم، وهو سبحانه يدبر جسم الإنسان على الوجه الملائم له، مع أنه لا علم له بوجود ذلك، فكيف يطيق حصر نعمه عليه، أو يقدر على إحصائها، أو يتمكن من شكر أدناها انتهى.
واعلم (٣): أنه لو صرف جميع عمر الإنسان إلى الأعمال الصالحة، وإقامة الشكر .. لما كافىء نعمة الوجود، فضلًا عن سائر النعم، ولله در القائل:
لَوْ عِشْتُ ألْفَ عَامٍ ... في سَجْدَةٍ لِرَبِّي
стр. 6584
شُكرًا لِفَضلِ يَوْمٍ ... لَم أَقْضِ بِالتَّمَامِ
وَالْعَامُ ألْفُ شَهرٍ ... وَالشَّهْرُ أَلفُ يَوْمِ
وَالْيَومُ أَلْفُ حِيْنِ ... وَالْحِيْنُ ألفُ عَامِ
اللهم ربنا يا ربنا هذه نواصينا بيدك، خاضعة لعظم نعمك، معترفة بالعجز عن تأدية الشكر لشيء منها، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، ولا نطيق التعبير بالشكر لك فتجاوز عنا، واغفر لنا، وأسبل ذيول سترك على عوراتنا، فإنك إلا تفعل .. نهلك لتقصيرنا في شكر نعمك، فكيف بما فرط منا من التساهل في الائتمار بأوامرك، والانتهاء عن مناهيك.
الْعَفوُ يُرجَى مِن بَنِي آدمَ ... فَكَيفَ لاَ يُرجَى مِنَ الرَّبِّ
فَإنَّهُ أرْأفُ بِي مِنْهُمُ ... حَسْبِي بِهِ حَسْبِي بِهِ حَسْبِي
١٩ - وبعد (١) أن أبطل عبادة الأصنام، من قبل أنها لا قدرة لها على الخلق والإنعام، أبطل عبادتها بوجه آخر، وهو أن الإله يجب أن يكون عليمًا بالسرِّ والعلانية، وهذه الأصنام جماد لا معرفة لها بشيء، فكيف تجمل عبادتها، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾؛ أي: ما تضمرون في قلوبكم من العقائد والأعمال، ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ أي: وما تظهرونه منهما؛ أي: يستوي بالنسبة إلى علمه المحيط سركم وعلنكم، فحقه أن يتقى ويحذر، ولا يجترأ على شيء مما يخالف رضاه، أو المعنى: والله يعلم ما تسرون يا كفار مكة من المكر بالنبي ﷺ ، وما تعلنون؛ أي: تظهرونه من أذاه.
والمعنى: أي والله يعلم ما تسرونه في ضمائركم وتخفونه عن غيركم، وما تبدونه بألسنتكم وجوارحكم وأفعالكم، وهو محص ذلك كله عليكم، فيجازيكم به يوم القيامة، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء منكم بإساءته، وهو سائلكم عما كان منكم من الشكر في الدنيا على النعم التي أنعمها عليكم فيها، ما أحصيتم منها وما لم تحصوا.
стр. 6585
٢٠ - ثم وصف سبحانه هذه الأصنام بصفات تجعلها بمعزل عن استحقاق العبادة، تنبيهًا إلى كمال حماقة المشركين، وأنهم لا يفهمون ذلك إلا بالتصريح دون التلويح فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أي: والأوثان التي تعبدونها، والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: حالة كونكم مجاوزين الله، فإن (١) معنى ﴿دُونِ﴾ أدنى مكان من الشيء، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل من تجاوز حدًّا إلى حدٍّ، وتخطى حكمًا إلى حكم، والموصول مبتدأ خبره ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من الأشياء أصلًا؛ أي: ليس من شأنهم ذلك؛ لأنهم عجزة ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؛ أي: شأنهم ومقتضى ذاتهم المخلوقية، لأنها ذوات ممكنة مفتقرة في ماهيتها ووجدانها إلى الموجد، قال في "القاموس": الخالق هو المتفرد في صفاته المبدع للشيء، المخترع على غير مثال سبق، فإن قلت: قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ يدل على أن هذه الأصنام لا تخلق شيئًا، فقوله هنا لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون هذا هو نفس المعنى المذكور في تلك الآية، فما فائدة التكرار؟
قلت: فائدته أن المعنى المذكور في الآية المتقدمة أنهم لا يخلقون شيئًا فقط، والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئًا وأنهم مخلوقون كغيرهم، فكان هذا زيادةً في المعنى، وهو فائدة التكرار، ذكره في "الخازن".
والمعنى: والآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة، فكيف يكون إلهًا ما كان مصنوعًا، وغيره هو الذي دبر وجوده؟ ونحو الآية قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
٢١ - ﴿أَمْوَاتٌ﴾ جمع ميت خبر ثان للموصول؛ أي: هي جمادات لا حياة فيها، ولم يقل موات؛ لأنهم صوروا على شكل من تحله الروح، وفي "القاموس": الموات كغراب وكسحاب ما لا روح فيه، وأرضٌ لا مالك لها ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ جمع حيّ ضدُّ الميت؛ أي: غير قابلين للحياة، كالنطفة والبيضة فهي أموات على الإطلاق، والمعنى؛ أي: هي أمواتٌ ولا تعتريها الحياة بوجه، فلا تسمع ولا
стр. 6586
تبصر ولا تعقل، وفائدة (١) قوله: ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ بيان أن بعض ما لا حياة فيه قد تدركه الحياة بعد، كالنطفة التي ينشئها الله تعالى حيوانًا، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها، أما هذه الأصنام من الحجارة والأشجار، فلا يعقب موتها حياة، وذلك أتم في نقصها.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: وما تدري هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله متى تبعث عبدتها، فالضمير في يشعرون للأصنام، وفي يبعثون لعبدتها، وقيل: يجوز أن يكون الضمير في يبعثون للآلهة؛ أي: وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث، ويؤيد ذلك ما روي أن الله يبعث الأصنام، ويخلق لها أرواحًا معها شياطينها، فيؤمر بالكل إلى النار، ويدل على هذه قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ولا يخفى ما في ذلك من التهكم بها، لأن شعور الجماد بالأمور الظاهرة بديهي الاستحالة لدى كل أحد، فكيف بما لا يعلمه إلا العليم الخبير، كما أن فيه تهكمًا بالمشركين من قبل أن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم ليجازوهم على عبادتهم إياهم، وفيه تنبيه إلى أن البعث من لوازم التكليف؛ لأنه جزاء على العمل من خير أو شر، وأن معرفة وقته لا بد منه في الألوهية.
وقرأ الجمهور (٢) بالتاء من فوق في: ﴿تُسرون﴾ و ﴿تعلنون﴾ و ﴿تدعون﴾، وهي قراءة مجاهد والأعرج وشيبة وأبي جعفر وهبيرة عن عاصم، على معنى قل لهم، وقرأ عاصم في مشهوره ﴿يَدْعون﴾ بالياء من تحت، وبالتاء في السابقتين، وقرأ الأعمش وأصحاب عبد الله ﴿يَعْلَمُ الذي تُبدون وما تكتمون﴾ و ﴿تدعون﴾ بالتاء من فوق في الثلاثة، وقرأ طلحة ﴿ما يُخفون﴾ و ﴿ما يُعلنون﴾ و ﴿تدعون﴾ بالتاء من فوق، وهاتان القراءتان مخالفتان لسواد المصحف، والمشهور: ما روي عن الأعمش وغيره، فوجب حملها على التفسير لا على أنها قرآنٌ، وقرأ محمد اليمانيُّ ﴿يُدْعون﴾ بضم الياء وفتح العين مبينًا للمفعول، وقرأ أبو عبد الرحمن
стр. 6587
﴿إيَّان﴾ بكسر الهمزة، وهي لغة قومه سليم.
٢٢ - ولمَّا أبطل (١) طريق عبدة الأصنام، وبين فساد مذهبهم .. صرح بالمدعى، ولخص النتيجة بعد إقامة الحجة فقال: ﴿إِلَهُكُمْ﴾؛ أي: معبودكم الذي يستحق العبادة، وإفراد الطاعة له دون سائر الأشياء ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: معبود واحد، لا تصلح العبادة إلا له، فأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا معه شريكًا سواه، ثم ذكر الأسباب التي لأجلها أصر الكفار على الشرك وإنكار التوحيد فقال: ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وأحوالها من البعث والجزاء وغير ذلك؛ أي: فالذين لا يصدقون بوعد الله ووعيده، ولا يقرون بالمعاد إليه بعد الممات ﴿قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾؛ أي: جاحدة لما قصصناه عليكم من قدرة الله وعظمته، وجزيل نعمه عليهم، وأن العبادة لا تصلح إلَّا له، والألوهية ليست لشيء سواه، فلا يؤثر فيها وعظ ولا ينجع فيها تذكير ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن قبول الحق، متعظمون عن الإذعان للصواب، مستمرون على الجحد، تقليدًا لما مضى عليه آباؤهم من الشرك به، كما حكى سبحانه عنهم قولهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ وقال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ والمعنى؛ أي: وهم قوم لا يزال الاستكبار عن اعتراف الوحدانية والتعظيم عن قبول الحق دأبهم، كما أن الإنكار سجيتهم.
٢٣ - ثم ذكر وعيدهم على أعمالهم فقال: ﴿لَا جَرَمَ﴾ كلمة مركبة من كلمتين حرفٍ وفعلٍ، فقد ركبت لا مع جرم وجعل كلمةً واحدة، وتلك الكلمة مصدر بمعنى حقًّا، أو فعل بمعنى حقَّ وثبت، وقوله ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ إلخ فاعل بفعل ذلك المصدر المأخوذ من لا جرم، وذلك المصدر منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: حقَّ حقًّا وثبت ثبوتًا ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ عنك من أقوالهم وأفعالهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من ذلك؛ أي: حق وثبت أن الله يعلم ما
стр. 6588
يسر هؤلاء المشركون من إنكارهم لما قصصته عليك، واستكبارهم على الله تعالى، ويعلم ما يعلنون ويظهرون من كفرهم به وافترائهم عليه، ثم علل سوء صنيعهم بشدة استكبارهم فقال: ﴿إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾؛ أي: لا يحب هؤلاء الذين يستكبرن عن توحيده، وعن الاستجابة لأنبيائه ورسله، بل يبغضهم أشد البغض وينتقم منهم أعظم الانتقام.
وقرأ عيسى الثقفي: ﴿إنَّ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف والقطع عما قبله، والمعنى (١): أنه لا يحب جنس المستكبرين، سواء كانوا مشركين أو مؤمنين، والاستكبار رفع النفس فوق قدرها وجحود الحق، والفرق بين المتكبر والمستكبر أن التكبر عام لإظهار الكبر الحق، كما في أوصاف الله تعالى، فإنه جاء في أسمائه الحسنى الجبَّار المتكبر، وفي قوله ﵇: "التكبُّر على المتكبر صدقةٌ"، ولإظهار الكبر الباطل كما في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، والاستكبار إظهار الكبر باطلًا كما في قوله تعالى في حق إبليس ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ ومنه ما في هذا المقام.
أخرج مسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، فقال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق وغمص الناس".
وفي "الصحيح": "إن المتكبرين أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم" وقال العلماء: كل ذنب يمكن ستره وإخفاؤه إلا التكبر، فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان كله ذكره القرطبي، وحكى أنه (٢) افتخر رجلان عند موسى ﵇ بالنسب والحسب، فقال أحدهما: أنا فلان
стр. 6589
ابن فلان حتى عد تسعةً، فأوحى الله تعالى إليه قل له: هم في النار، وأنت عاشرهم، وأنشد بعضهم:
وَلاَ تَمْشِ فَوْقَ الأرْضِ إلا تَوَاضُعًا ... فَكَمْ تَحْتَهَا قومٌ هُمُ مِنْكَ أَرفَعُ
فَإِنْ كُنْتَ في عِزٍّ وَحِرْزٍ وَرِفْعَةٍ ... فَكَمْ مَات مِنْ قَوْمٍ هُمُ مِنْكَ أَمْنَعُ
فعليك بالتواضع وعدم الفخر على أحدٍ، فإن التواضع باب من أبواب الجنة، والفخر باب من أبواب النار، واللازم فتح أبواب الجنان وسد أبواب النيران، وتحصيل الفقر المعنوي الذي لمس الفخر في الحقيقة إلا به، فإنه لا يليق المرء بدولة المعنى ورياسة الحال وسلطنة المقام إلا بتحلية ذاته بحلية التواضع وزينة الفناء، اللهم اجعلنا من أهل التواضع لا من أرباب التملق، واجعلنا من أصحاب التحقق بعد التخلق.
الإعراب
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾.
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع ﴿لاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿سُبْحَانَهُ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبحه سبحانًا، أو سبحوه سبحانًا، والجملة مستأنفة، ﴿وَتَعَالَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة معطوفة على جملة التسبيح، ﴿عَمَّا﴾ ﴿عَنْ﴾: حرف جر، ﴿ما﴾ اسم موصول، أو موصوفة في محل الجر بـ ﴿عَنْ﴾، أو ﴿ما﴾ مصدرية، ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: عمَّا يشركونه به من الأصنام، أو صلةٌ ﴿ما﴾ المصدرية، تقديره: عن إشراكهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَعَالَى﴾ أو بـ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ على سبيل التنازع، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾،
стр. 6590
والجملة مستأنفة، ﴿بِالرُّوحِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ أي: حالة كونهم مُتلَبسِينَ بالروح والوحي ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾: جار ومجرور حالٌ من ﴿الرُّوح﴾ ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُنَزِّلُ﴾، ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: على من يشاؤه، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من الموصول أو من العائد المحذوف. ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى: أي، ﴿أَنْذِرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مفسرة للروح، بمعنى الوحي الدال على القول، وإن شئت قلت: ﴿أَنْ﴾: مصدرية، ﴿أَنْذِرُوا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية مبني على حذف النون، وجملة ﴿أَنْ﴾ المصدرية مع صلتها في تأويل مصدر مجرور على كونه بدلًا من ﴿الرُّوحِ﴾ تقديره: ينزل الملائكة بالروح من أمره، ينزل الملائكة بإنذارهم للناس، ﴿أنَّه﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب، و ﴿الهاء﴾: ضمير الشأن في محل النصب، ﴿لَاَ﴾: نافية تعمل عمل إن ﴿إلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَاَ﴾ محذوف جوازًا تقديره: لا إله موجود، ﴿إِلَاَ﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَنَا﴾: ضمير رفع منفصل في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَاَ﴾، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أنَّ﴾، وجملة ﴿أنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أَنْذِرُوا﴾ تقديره: أن أنذروا عدم كون إله غيري. ﴿فَاتَّقُونِ﴾ ﴿الفاء﴾ (١): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كما ذكر، من جريان عادته تعالى بتنزيل الملائكة على الأنبياء، وأمرهم بأن ينذروا الناس أنه لا شريك له في الألوهية، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿اتقوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ويحتمل كون الفاء تفريعية كما في "الشهاب".
стр. 6591
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل ومفعول به، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور، صفة لمصدر محذوف، تقديره: خلقًا متلبسًا بالحق والحكمة، لا بالعبث، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: حالة كونه محقًّا، ﴿تعالى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: خلق السموات حالة كونه متعاليًا عن النقائص، ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَعَالَى﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾ صلةٌ لـ ﴿ما﴾، أو صفةٌ لها، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية، كما مر آنفًا ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾، ﴿فَإذَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب ﴿إذا﴾: حرف مفاجأة ﴿هُوَ خَصِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿خَصِيمٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾.
﴿وَالْأَنْعَامَ﴾: مفعول بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: وأوجد الأنعام، والجملة مستأنفة، ﴿خَلَقَهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة الفعلية جملة مفسرة، لا محلَّ لها من الإعراب. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿خَلَق﴾ ﴿فِيهَا﴾: خبر مقدم، ﴿دِفْءٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب حالٌ من ﴿الْأَنْعَامَ﴾، أو من الضمير المنصوب، ﴿وَمَنَافِعُ﴾: معطوف على ﴿دِفْءٌ﴾ ﴿وَمِنْهَا﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿تَأْكُلُونَ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾. ﴿وَلَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أو حال من ﴿جَمَالٌ﴾، ﴿جَمَالٌ﴾: مبتدأ مؤخر،
стр. 6592
والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فِيهَا دِفْءٌ﴾، ﴿حِينَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، وجملة ﴿تُرِيحُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾، والظرف متعلق بـ ﴿جَمَالٌ﴾ لأنه بمعنى تجمل، أو صفة له، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ معطوف على ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾.
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الأنعام﴾، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَى بَلَدٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تحمل﴾. ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾: جازم وفعل ناقص واسمه وخبره ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر صفة لـ ﴿بَلَدٍ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، حال من الضمير المستكن في ﴿بَالِغِيهِ﴾ مشقوقًا عليكم. ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَرَءُوفٌ﴾ خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿رَحِيمٌ﴾: صفة ﴿رؤوف﴾، أو خبر ثان، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾.
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ معطوفات على ﴿الأنعام﴾. ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿تركبوها﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿خَلَق﴾؛ أي: وخلق الخيل والبغال والحمير لركوبكم إياها، ﴿وَزِينَةً﴾: مفعول (١) مطلق لفعل محذوف، معطوف على ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾؛ أي: وخلقها لتركبوها، ولتتزينوا بها زينة، ويجوز أن يكون مفعولًا لأجله؛ أي: وللزينة، وقيل التقدير: وجعلها زينةً، ويقرأ بغير واو، وفيه الوجوه المذكور، وفيها وجهان آخران:
стр. 6593
أحدهما أن يكون مصدرًا في موضع الحال من الضمير في ﴿تركبوا﴾.
والثاني: أن تكون حالًا من الهاء؛ أي: لتركبوها تزينًا بها، ﴿وَيَخْلُقُ مَا﴾: فعل ومفعول، وفاعل ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط المفعول المحذوف؛ أي: ما لا تعلمونه.
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾.
﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: خبر مقدم، ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والمعنى: وعلى الله بيان السبيل القصد وهو الإِسلام، والقصد بمعنى المقصود كما في "الجَمَل"، ﴿وَمِنْهَا﴾: خبر مقدم، ﴿جَائِرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، وهو صفة لموصوف محذوف؛ أي: ومنها سبيل جائر، والسبيل: تذكر وتؤنث، ﴿وَلَوْ﴾: حرف شرط، ﴿شَاءَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، ﴿لَهَدَاكُمْ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾، ﴿هداكم﴾: فعل ومفعول، وفعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد لضمير المفعول، والجملة جواب ﴿لو﴾، وجملة ﴿لو﴾ مستأنفة.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾.
﴿هُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة، ﴿أَنْزَلَ﴾: فعل ماضي، وفاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ أو صفة لـ ﴿مَاءً﴾، ﴿مِنْهُ﴾: خبر مقدم، ﴿شَرَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لـ ﴿مَاءً﴾ أو مستأنفة و ﴿من﴾ في قوله: ﴿منه﴾ ابتدائية، ويصح أن يكون ﴿لَكُمْ﴾ خبرًا مقدمًا لـ ﴿شَرَابٌ﴾، ﴿وَمِنْهُ﴾: حال من الضمير المستكن في الخبر كما في "روح البيان" و ﴿مِنْ﴾ فيه
стр. 6594
تبعيضية على هذا الوجه، ﴿وَمِنْهُ﴾: خبر مقدم، وهي هنا سببية، ﴿شَجَرٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بما بعده، ﴿تُسِيمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية صفة لـ ﴿شَجَرٌ﴾.
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾.
﴿يُنْبِتُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُنْبِتُ﴾ وكذا تعلق به قوله ﴿بِهِ﴾، أي: بسببه، ﴿الزَّرْعَ﴾: مفعول به، ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾: معطوفات على الزرع. ﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿مِنْ﴾ زائدةٌ على رأي الكوفيين، ﴿كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: معطوف على ﴿الزَّرْعَ﴾، أو ﴿وَمِنْ﴾ اسم بمعنى بعض معطوف على ﴿الزَّرْعَ﴾ على رأي البصريين، ﴿كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ مضاف إليه كذا في "روح البيان". ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور صفةٌ ﴿لَآيَةً﴾، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾: صفة لـ ﴿لِقَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾.
﴿وَسَخَّرَ﴾: فعل ماض، وفعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿لَكُمُ﴾: متعلق به، ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول به، ﴿وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: معطوفات على ﴿اللَّيْلَ﴾، ﴿وَالنُّجُومُ﴾ عل قراءة النصب معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾ أيضًا، ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾: حال من الجميع، ﴿بِأَمْرِهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾، وعلى قراءة الرفع ﴿النجوم﴾: مبتدأ، ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾، خبره، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم لـ ﴿لَآيَاتٍ﴾ اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة لـ ﴿لَآيَاتٍ﴾، وجملة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ صفة لـ ﴿لِقَوْمٍ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
стр. 6595
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾.
﴿وَمَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب معطوفة على ﴿اللَّيْلَ﴾ على ما ذكره الزمخشري، أو منصوب بفعل محذوف تقديره: وخلق لكم ما ذرأ لكم، على ما ذكره أبو البقاء، ﴿ذَرَأَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿لكم﴾: متعلق به، وكذا يتعلَّق به قوله: ﴿في الأرض﴾، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وما ذرأ لكم في الأرض ﴿مُخْتَلِفًا﴾ حال من ما الموصولة، أو من العائد المحذوف، ﴿أَلْوَانُهُ﴾: فاعل ﴿مُخْتَلِفًا﴾، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَةً﴾: اسمها، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿لَآيَةً﴾، ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: صفة لـ ﴿لِقَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾.
﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ ﴿اللام﴾: لام كي، ﴿تأكلوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تأكلوا﴾ و ﴿من﴾ لابتداء الغاية، ﴿لَحْمًا﴾: مفعول به، ﴿طَرِيًّا﴾: صفة ﴿لَحْمًا﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لأكلكم منه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿سَخَّرَ﴾، ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿تأكلوا﴾، ﴿مِنهُ﴾: متعلق به، ﴿حِلْيَةً﴾: مفعول به، ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صفة لـ ﴿حِلْيَةً﴾، ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، ﴿مَوَاخِرَ﴾: حال من ﴿الْفُلْكَ﴾ لأن رأى هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿مَوَاخِرَ﴾ والجملة الفعلية معترضة، لاعتراضها بين
стр. 6596
المعطوف الذي هو ﴿لتبتغوا﴾ والمعطوف عليه الذي هو ﴿لِتَأْكُلُوا﴾، ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعلَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿لِتَأْكُلُوا﴾ لأنها تعليلية.
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾:
﴿وَأَلْقَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهِ﴾، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿سَخَّرَ﴾، أو مستأنفة، ﴿رَوَاسِيَ﴾: صفة لمفعول محذوف؛ أي: جبالًا رواسي، ولم ينون لأنه اسم لا ينصرف، لكونه على زنة مفاعل، ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿تَمِيدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿الْأَرْضِ﴾، ﴿بِكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر الواقع مفعولًا لأجله، والتقدير: وألقى في الأرض رواسي خشية ميدها وتحركها بكم، ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾: معطوفان على ﴿رَوَاسِيَ﴾، ولكنه على تأويل ﴿ألقى﴾ بمعنى خلق، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَهتَدُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعلَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾: معطوف على ﴿رَوَاسِيَ﴾ أيضًا، ﴿وَبِالنَّجْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَهْتَدُونَ﴾، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَهْتَدُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾.
﴿أَفَمَن﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتتصور المشابهة والمشاركة بين الخالق وغيره بعد ظهور الدلائل، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿يَخلُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة صلة الموصول،
стр. 6597
﴿كَمَن﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، ﴿لَا يَخْلُقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿أفَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفام التوبيخي داخلةٌ على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لا﴾: نافية، ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة، والتقدير: ألا تلاحظون القدرة الباهرة للخالق سبحانه والعجز الظاهر للأصنام فلا تذكرون ذلك، فتعرفون فساد ما أنتم عليه، كما مرَّ في مبحث التفسير.
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾.
﴿وَإِن﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِن تعدوا نعمة الله﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعولي ومضاف إليه، مجزوم بـ ﴿إنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾: ناف وفعل وفاعل ومفعول، مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَغَفُورٌ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿رَحِيمٌ﴾: صفة ﴿غفور﴾ أو خبر ثان، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل النصب مفعول به؛ لأنَّ علم هنا بمعنى عرف، ﴿تُسِرُّونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: يعلم ما تسرون، ﴿وَمَا تُعْلِنُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا تُسِرُّونَ﴾، ويجري فيه من الإعراب ما جرى فيه.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: مبتدأ، ﴿يَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، العائد محذف تقديره: والأصنام الذين يدعونهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم متجاوزين الله في دعائهم إلى
стр. 6598
الأصنام، ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُخْلَقُونَ﴾ خبر أول له، ﴿أَمْوَاتٌ﴾: خبر ثان له، والجملة مستأنفة مؤكدة لما قبلها، ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾: صفة مؤكدة لـ ﴿أَمْوَاتٌ﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة: ﴿ما﴾: نافية، وجملة ﴿يَشْعُرُونَ﴾ معطوفة على جملة قوله ﴿يُخْلَقُونَ﴾ على كونها خبرًا ثالثًا لهم، ﴿أَيَّانَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية مبني على الفتح، والظرف متعلق بـ ﴿يُبْعَثُونَ﴾، ﴿يُبْعَثُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في موضع نصب بـ ﴿يَشْعُرُونَ﴾؛ لأنه معلق عنها باسم الاستفهام، إذ معناه العلم كما ذكره في "البحر".
﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾.
﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة لازمة له والجملة مستأنفة، ﴿فَالَّذِينَ﴾: مبتدأ أول، و ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق به، ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: مبتدأ ثان، ﴿مُنْكِرَةٌ﴾: خبر له، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول مستأنفة ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿قُلُوبُهُمْ﴾؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه.
﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾.
﴿لَا جَرَمَ﴾: اسم مركب تركيب خمسة عشر، وبعد التركيب صار معناها معنى فعلٍ، وهو حق، فإذًا نقول في إعرابها: ﴿لَا جَرَمَ﴾: فعل ماض بمعنى حق مبني على الفتح، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿لَا جَرَمَ﴾، والتقدير: حق وثبت علم الله، ما يسرون وما يعلنون ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿يُسِرُّونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يسرونه، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ معطوف على ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة
стр. 6599
مسوقة لتعليل ما قبلها.
وفي "الشهاب": في هذه اللفظة أعني ﴿لَا جَرَمَ﴾ خلاف بين النحاة، فذهب الخليل وسيبويه والجمهور إلى أن ﴿جرم﴾ اسم مركب مع ﴿لا﴾ تركيب خمسة عشر، وبعد التركيب صار معناها معنى فعلٍ، وهو حق، وما بعدها مرتفع بالفاعلية بمجموع لا جرم لتأويله بالفعل، أو بمصدر قائم مقامه، وهو حقًّا على ما ذكره أبو البقاء، وقيل: هو مركب أيضًا - كلا رجل - وما بعدها خبر، ومعناها لا محالة ولا بد، وقيل: إنه على تقدير جارٍّ؛ أي: من أن الله إلخ انتهى.
وقيل: إن لا نافية لكلام مقدر تكلم به الكفرة، وجرم بمعنى حق ووجب اهـ: "زاده"، وقد تقدم لها مزيد بسط في سورة هود فراجعه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: قرب ودنا، ويقال في مجرى العادة لما يجب وقوعه: قد أتى وقد وقع، فيقال لمن طلب مساعدة حان مجيؤها: جاءك الغوث، و ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾: عذابه للكافرين أو يوم القيامة.
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الاستعجال طلب الشيء قبل وقته، كما في "الخازن"، وهو من استفعل السداسي.
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾: الوحي، وهو قائم في الدين مقام الروح من الجسد، فهو محيي القلوب التي أماتها الجهل.
﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ والإنذار (١) الإعلام، خلا إنه مختص بإعلام المحذور، من نذر بالشيء من باب فرح إذا علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارًا إذا أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه، كذا في "القاموس"؛ أي: أعلموا الناس أيها الأنبياء.
﴿فَاتَّقُونِ﴾؛ أي: خافوا عقابي، لمخالفة أمري وعبادة غيري.
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾؛ أي: غير آدم، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ والنطفة القطرة من الماء،
стр. 6600
يقال: نطف رأسه ماء؛ أي: قطر وقيل هي الماء الصافي، ويعبر بها عن ماء الرجل، اهـ "سمين".
وفي "المصباح" نطف (١) الماء ينطف - من باب قتل - سال، وقال أبو زيد: نطفت القربة تنطف وتنطف نطفانًا إذا قطرت، والنطفة ماء الرجل والمرأة، وجمعها نطف ونطاف، مثل برمة وبرم وبرام، والنطفة أيضًا الماء الصافي قل أو كثر، ولا فعل للنطفة؛ أي: لا يستعمل لها فعل من لفظها اهـ.
وفي "المختار": أن نطف من باب قتل وضرب اهـ، والمراد (٢) بالنطفة هنا مادة التلقيح.
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ والخصيم بمعنى المخاصم، كالخليط بمعنى المخالط، والعشير بمعنى المعاشر، والمراد به هنا المنطيق المجادل عن نفسه المنازع للخصوم، والمبين المظهر للحجة، أو المفصح عما في ضميره بمنطقه.
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قال الجوهري: والنعم واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل اهـ. الدفءُ: السخانة، والمراد به هنا ما يستدفأ به من الأكسية المتخذة من أصوافها وأوبارها وأشعارها.
﴿وَمَنَافِعُ﴾ والمراد بها درها وركوبها، والحرث بها، وحملها للماء ونحو ذلك.
﴿جَمَالٌ﴾ والجمال ما يتجمل به ويتزين، والجمال الحسن، والمعنى هنا: لكم فيها تجمل وتزين عند الناظرين إليها، قال في "القاموس": الجمال الحسن في الخلق والخلق، وتجمل: تزين، وجمله: زينه، وفي الحديث (٣): "جمال الرجل فصاحة لسانه"، وفي حديث آخر: "الجمال صواب المقال، والكمال حسن الفعال".
﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ من الإراحة، وهي رد المواشي بالعشي إلى مراحها؛ أي: مأواها بالليل؛ أي: تردونها بالعشي؛ أي: آخر النهار من المرعى إلى مراحها
стр. 6601
ومباركها، يقال أراح الماشية إذا ردها إلى المراح بضم الميم، وهو موضع إراحة الإبل والبقر والغنم.
﴿تَسْرَحُونَ﴾؛ أي: تخرجونها غدوة؛ أي: أول النهار من حظائرها ومبيتها إلى مسارحها ومراعيها، من سرح الراعي الإبل إذا رعاها وأرسلها في المرعى، من باب قطع وخضع، وفي "المصباح": سرحت الإبل سرحًا من باب نفع وسروحًا أيضًا، رعت بنفسها وسرحتها يتعدى ولا يتعدى، وسرَّحتها بالتثقيل مبالغة وتكثير اهـ.
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ والأثقال (١) جمع ثقل بفتح الثاء والقاف، كأسباب وسبب، أو جمع ثقل بكسر فسكون كحمل وأحمال، وهو متاع المسافر من طعام وغيره وما يحتاج إليه من آلاته، وسُمِّي ثقلًا لأنه يثقل الإنسان حمله، وقيل المراد أبدانهم.
﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ والشق بالكسر والفتح الكلفة والمشقة، وشق الأنفس مشقتها وتعبها، وقال الجوهري الشق المشقة ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، وحكى أبو عبيدة: بفتح الشين وهما بمعنًى، ويجوز أن يكون المفتوح مصدرًا من شققت عليه أشق شقًّا، والمكسور بمعنى النصف، يقال أخذت شق الشاة وشقة الشاة، ويكون المعنى على هذا في الآية؛ أي: لم تكون بالغيه إلَّا بذهاب نصف النفس من التعب.
﴿وَالْخَيْلَ﴾ اسم جنس لا واحد له من لفظه، بل من معناه وهو فرس، وقيل جمع خائل كضان جمع ضائن، وسميت خيلًا لاختيالها في مشيها.
﴿وَالْبِغَالَ﴾ جمع بغل، وهو متولد بين الخيل والحمار.
﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ والقصد الاستقامة، يقال سبيل قصدٌ وقاصدٌ إذا أداك إلى مطلوبك، وفي "السمين": والقصد مصدر يوصف به، فهو بمعنى قاصد، يقال سبيل قصد وقاصد؛ أي: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه اهـ.
стр. 6602
﴿جَائِرٌ﴾؛ أي: مائل عن المحجة منحرف عن الحق.
﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ والمراد بالشجر هنا مطلق النبات، سواء كان له ساق أم لا اهـ "شيخنا"، فالشجر في الأصل ما له ساق قوي، والنجم ما لا ساق له قوي.
﴿تُسِيمُونَ﴾؛ أي: ترعون دوابكم من أسام الماشية، ويقال سومها، إذا جعلها ترعى، وفي "الخازن": تقول أسمت السائمة إذا خليتها ترعى، وسامت إذا رعت حيث شاءت اهـ ويقال: سامت السائمة تسوم سومًا رعت فهي سائمة، وأسمتها؛ أي: أخرجتها إلى الرعي، فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة، وأصل السوم الإبعاد في المرعى، قال أخذ من السومة وهي العلامة؛ لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها.
﴿النَّخِيلَ﴾ والنخل بمعنى واحد، وهو اسم جمع والواحدة نخلة كالثمرة والثمر.
﴿الأعناب﴾ جمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفة.
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ﴾ يقال ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءًا خلقهم، فهو ذارىء، ومنه الذرية وهي نسل الثقيلين.
﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾؛ أي: أصنافه ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وفي "السمين": الطراوة ضد اليبوسة؛ أي: غضًّا طريًّا، ويقال طريت كذا؛ أي: جددته اهـ، وفي "المصباح": طرو الشيء بالواو وزان قرب فهو طرىء؛ أي: غض بين الطراوة، وطرىء وزان تعب، فهو طرىء بين الطراوة، وطرأ فلان علينا يطرأ مهموزًا بفتحتين طروًّا أطلع، فهو طارئ، وطرأ الشيء يطرأ أيضًا طرآنًا مهموزًا حصل بغتة فهو طارئ، وأطريت العسل بالياء طراء عقدته، وأطريت فلانًا مدحته بأحسن ما فيه، ويقال بالغت في مدحه، وجاوزت الحد، وقال السرقسطي: في باب الهمز والياء: أطرأته مدحته وأطريته أثنيت عليه اهـ.
﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وفي "المصباح": حلي الشيء بعيني وبصدري يحلى - من باب تعب - حلاوةً، إذا حسن عندي وأعجبني، وحليت المرأة حليًّا ساكن اللام
стр. 6603
لبست الحلي، وجمعه حليٌّ، والأصل على فعول مثل فلس وفلوس، والحلية بالكسر الصفة، والجمع حلي مقصورًا، وتضم الحاء وتكسر، وحلية السيف زينته، قال ابن فارس: ولا تجمع، وتحلت المرأة لبست الحلي واتخذته، وحليتها بالتشديد ألبستها الحلي واتخذته لها لتلبسه، وحليت السويق جعلت فيه شيئًا حلوًا حتى حلا اهـ.
﴿مَوَاخِرَ﴾؛ أي: ترى السفن شواق للماء تدفعه. بصدرها، ومخر السفينة شقها الماء بصدرها، قال الجوهري: مخر السابح إذا شق الماء بصدره، ومخر الأرض شقها للزراعة، قال ابن جرير: المخر في اللغة صوت هبوب الريح ولم يقيد بكونه في ماء اهـ.
وفي "المختار": مخرت السفينة من باب قطع ودخل إذا جرت تشق الماء مع صوت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾؛ أي: جواري.
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾؛ أي: جبالًا ثوابت، يقال رسا يرسو إذا ثبت وأقام.
﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾؛ أي: أن تميل بكم، وفي "المختار": ماد الشيء يميد ميدًا من باب باع، ومادت الأغصان والأشجار تمايلت، وماد الرجل تبختر اهـ.
﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ جمع علامة ففي "المصباح": وأعلمت على كذا بالألف من الكتاب وغيره جعلت عليه علامة، وأعلمت الثوب جعلت له علمًا من طراز وغيره، وهو العلامة، وجمع العلم أعلام مثل سبب وأسباب، وجمع العلامة علامات، وعلمت له علامة بالتشديد وضعت له أمارة يعرفها اهـ.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ يقال شعر به كنصر وكرم شعرًا وشعورًا علم به وفطن له وعقله، وأيان مركب من أي التي للاستفهام وأن بمعنى الزمان، فلذلك كان بمعنى متى؛ أي سؤالًا عن الزمان كما كان أين سؤالًا عن المكان، فلما ركِّبا وجعلا اسما واحدًا بنيا على الفتح كبعلبك، ذكره في "روح البيان".
стр. 6604
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ إشعارًا بتحقق وقوعه.
ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تحقيرًا لشأنهم وحطًّا لدرجتهم عن رتبة الخطاب.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿بِالرُّوحِ﴾ حيث شبه الوحي بمعنى الموحى به الذي من جملة التوحيد بالروح، بجامع أن الروح به إحياء الجسد، والوحي به إحياء القلوب من الجهالات، فاستعير له لفظ الروح على طريقة الاستعارة التصريحية.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ مخاطبةً لهم بما هو المقصود، وإيماء إلى أن التقوى هي المقصود من الإنذار.
ومنها: التعبير بآخر الأمر عن أوله في قوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ويسمى مجاز الأول كقوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ إلى الخطاب في قوله: ﴿خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ فيقضي أن المخاطب مطلق بني آدم، المندرجين تحت الإنسان تأمل.
ومنها: عطف العام على الخاص في قوله: ﴿وَمَنَافِعُ﴾.
ومنها: القصر في قوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فيكون القصر فيه إضافيًّا إلى سائر الحيوانات، حتى لا ينتقض بمثل الخبز ونحوه من المأكولات المعتادة.
ومنها: الطباق بين: ﴿تُرِيحُونَ﴾ ﴿تَسْرَحُونَ﴾.
ومنها: صفة المبالغة في قوله: ﴿خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾.
стр. 6605
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
ومنها: الإسناد إلى العام في قوله: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾؛ أي: الأنعام مرادًا به الخاص وهو الإبل.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ لأنه حقيقة في النصف والجانب، فاستعير للمشقة والتعب، كما تقول: لن تناله إلا بقطعة من كبدك على المجاز.
ومنها: الإجمال بعد التفصيل في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ﴾ لأن المراد بالشجر هنا مطلق النبات سواء كان له ساق أْم لا، وهو حقيقة فيما كان له ساق.
ومنها: التعميم بعد التخصيص في قوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾.
ومنها: الإسناد العقلي في قوله: ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ لما فيه من إسناد حال السالك وهو القصد إلى السبيل، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، كما ذكره في "روح البيان".
ومنها: تنكير ماء في قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ للدلالة على التبعيض، أي: بعض الماء، فإنه لم ينزل من السماء الماء كله.
ومنها: الطباق بين: ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
ومنها: التفنن في قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وفي قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وفي قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ كما مر في مبحث التفسير.
ومنها: التلويح في قوله: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المراد به السمك، عبر عنه باللحم مع كونه حيوانًا، للتلويح بانحصار الانتفاع به في الأكل كما في "الإرشاد"، وللإيذان بعدم احتياجه للذبح كسائر الحيوانات غير الجراد.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾؛ أي: يلبسها نساؤكم لكم، فهي حلية لكم، بهذا الاعتبار كذا قالوا.
стр. 6606
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ لأن الإلقاء حقيقة في الرمي والطرح، فاستعاره للخلق والوضع والجعل، فكان الجبال الرواسي حصيات قبضهن قابض بيده فنبذهن في الأرض، فهو تصوير لعظمته وتمثيل لقدرته، وإن كل عسير فهو عليه يسير.
ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ لأن لعل فيهما مستعار لمعنى الإرادة كما في "روح البيان".
ومنها: الإلتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وبالنجم هم يهتدون﴾ لإفهام العموم لئلا يظن أن المخاطب مخصوص وليس كذلك، والمعنى: بالنجم هم؛ أي: أهل الأرض كلهم لا خصوص قريش.
ومنها: التشبيه المقلوب في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ لأن حق العبارة أن يقال أفمن لا يخلق كمن يخلق.
ومنها: الاستفهام الإنكاري فيه.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ومنها: جمع المؤكدات وصفة المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ تأكيدًا لسفاهة من عبد الأصنام، ومثله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿تُسِرُّونَ﴾ و ﴿تُعْلِنُونَ﴾.
ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿أفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر دلائل (١) التوحيد، ونصب البراهين الواضحة على بطلان عبادة الأصنام .. أردف ذلك بذكر شبهات من أنكروا النبوة مع الجواب عنها، وبين أنهم ليسوا ببدع في هذه المقالة، فقد سبقتهم أمم قبلهم، فأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر، فأهلكهم في الدنيا، وسيخزيهم يوم القيامة بما فعلوا، ثم ذكر أنهم حين يشاهدون العذاب يستسلمون ويقولون ما كنا نعمل من سوء، ولكن الله عليم بهم وبما فعلوا، ولا مثوى لأمثال هؤلاء المتكبرين إلا جهنم وبئس المثوى هي.
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (٢) بين أحوال المكذبين بالله ورسوله، الذين ينكرون وحيه ويقولون إن محمدًا قد لفق أساطير الأولين وتراهاتهم، ونقلها للناس، وادعى أنها من رب الأرض والسموات، وذكر ما سينالهم من النكال والوبال، إذ يدخلون جهنم خالدين فيها كفاء ما اجترحت أيديهم من الآثام وكسبته من المعاصي .. أردف ذلك بوصف المؤمنين الذين إذا سئلوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرًا، وذكر ما أعده لهم من الخير والسعادة في جنات تجري من تحتها الأنهار جزاءً وفاقًا لما أحسنوا من العمل، وأتوا به من جميل الصنع.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (٣): أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم أساطير الأولين، ثم أتبع ذلك بوعيدهم وتهديدهم، ثم وَعَدَ من وصف القرآن بالخيرية .. بين أن أولئك الكفرة لا يرتدعون من حالهم إلا أن تأتيهم الملائكة بالتهديد، أو أمر الله بعذاب الاستئصال.
وعبارة "المراغي" هنا: مناسبة هذه الآية: أن الله لما ذكر
стр. 6609
طعن المشركين في القرآن بنحو قولهم إنه أساطير الأولين، وإنه قول شاعر، ثم هددهم بضروب من التهديد والوعيد، ثم أتبعه بالوعد بالثواب لمن صدق به .. قفى على ذلك ببيان أن الكفار لا يزدجرون عن أباطيلهم إلا إذا جاءتهم الملائكة قابضة أرواحهم، أو يأتيهم عذاب الاستئصال، فلا يبقى منهم أحدًا، ثم أتبعه ببيان أن هؤلاء ليسوا ببدع في الأمم، فقد فعل من قبلهم مثل فعلهم، فأصابهم الهلاك جزاء ما فعلوا، وما ظلمهم الله ولكن هم قد ظلموا أنفسهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمَّا ذكر (١) أن هؤلاء المشركين لا يزدجرون إلا إذا جاءتهم الملائكة بالتهديد والوعيد، أو أتاهم عذاب الاستئصال، كما حدث لمن قبلهم من الأمم جزاء استهزائهم برسل الله تعالى .. قفى على ذلك ببيان أنهم طعنوا في إرسال الأنبياء جملة، وقالوا إنا مجبورون على أعمالنا فلا فائدة من إرسالهم، فلو شاء الله أن نؤمن به ولا نشرك به شيئًا ونحل ما أحله ولا نحرم شيئًا مما حرمنا ... لكان الأمر كما أراد، لكنه لم يشأ إلا ما نحن عليه، فما يقوله الرسل إنما هو من تلقاء أنفسهم، لا من عند الله تعالى.
وقد رد الله عليهم مقالهم، بأنه كلام قد سبق بمثله المكذبون من الأمم السالفة، وما على الرسل إلا التبليغ، وليس عليهم الهداية، ولم يترك الله أمةً دون أن يرسل إليها هاديًا يأمر بعبادته، وينهاهم عن الضلال والشرك، فمنهم من استجاب دعوته، ومنهم من أضلَّه الله على علم، فحقت عليهم كلمة ربك، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ثم أمرهم بالضرب في الأرض ليروا آثار أولئك المكذبين، الذين أخذوا بذنوبهم، ثم ذكر رسوله بأن الحرص على إيمانهم لا ينفعك شيئًا، فإن الله لا يخلق الهداية جبرًا وقسرًا فيمن يختار الضلالة لنفسه،
стр. 6610
كما لا يجد أحدًا يدفع عنه بأس الله ونقمته.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) حجتهم، وقولهم إنه لا حاجة إلى الأنبياء جميعًا لأنا مجبورون فيما نفعل، وأنه لو شاء الله أن نهتدي لكان دون حاجة إلى إرسال الأنبياء، ورده عليهم بأن الحاجة إليهم إنما هي في تبليغ ما أمر به وترك ما نهى عنه، ولا يلزمون أحدًا بإيمانٍ ولا كفرٍ ... أردف هذا بشبهة أخرى لهم، إذ قالوا إنما نحتاج إلى الأنبياء لو كان لنا عودة إلى حياة جديدة بعد الموت فيها ثواب وعقاب، ولكن العودة إلى حياة أخرى غير ممكنة ولا معقولة، ذاك أن الجسم إذا تفرق وذهبت أجزاؤه كل مذهب .. امتنع أن يعود بعينه ليحاسب ويعاقب، فرد الله عليهم ما قالوا بأن هذا ممكن وقد وعد عليه وعدًا حقًّا، وأنه فعل ذلك ليميز الخبيث من الطيب، والعاصي من المطيع، وأيضًا فإيجاده تعالى للأشياء لا يتوقف على سبق مادة ولا آلةٍ، بل يقع ذلك بمحض قدرته ومشيئته، وليس لقدرته دافعٌ ولا مانعٌ.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ الآية، قيل سبب نزولها (٢): أن النضر بن الحارث سافر من مكة إلى الحيرة، وكان قد اتخذ كتب التواريخ والأمثال، فجاء إلى مكة فكان يقول إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه فنزلت الآية.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين، فأتاه يتقاضاه، فكان فيما يتكلم به:
стр. 6611
والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا، فقال له المشرك: إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت، وأقسم جهد يمينه لا يبعث الله من يموت، فأنزل الله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ...﴾ الآية.
وأخرج (١) هؤلاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله: سبَّني ابن آدم، ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني، فأما تكذيبه إياي فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، وقلت: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، وأما سبه إياي فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، وقلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٢٤ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ روي أنه اجتمعت (٢) قريش فقالوا: إن محمدًا رجل حلو اللسان، إذا كلم رجلًا .. ذهب بقلبه، فانظروا ناسًا من أشرافكم، فابعثوهم في كل طريق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده .. ردوه عنه، فخرج ناس منهم من كل طريق، فكان إذا جاء وافد من القوم ينظر ما يقول محمد فنزل بهم .. قالوا له: هو رجل كذاب ما يتبعه إلا السفهاء والعبيد، ومن لا خير فيه، وأما أشياخ قومه وأخيارهم فهم مفارقوه، فيرجعه أحدهم، وإذا كان الوافد ممن هداه الله .. يقول: بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسيرة يوم .. رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل فأنظر ما يقول، فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم ما يقول لهم فيقولون خيرًا، فذلك قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المشركين المستكبرين المقتسمين طرق مكة من قبل الوفود، أو وفود الحاج في الموسم. ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: أي شيء أنزل ربكم على محمد ﷺ ، أو ما الذي أنزل ربكم على محمد ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال أولئك المشركون المقتسمون طرق مكة للوافدين الذين سألوهم عن محمد وعما أنزل عليه: ﴿أَسَاطِيرُ
стр. 6612
الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: هذا الذي تذكرون أنه منزل من ربكم على محمد هو أساطير الأولين؛ أي: أحاديث الأمم الماضية وأخبارهم العاطلة، وأكاذيبهم الباطلة، التي غرر بهم الناس واستمال قلوبهم بها، وليس من الإنزال في شيء، وليس فيه شيء من العلوم والحقائق.
وقرأ الجمهور (١): برفع ﴿أَسَاطِيرُ﴾ فاحتمل أن يكون التقدير: المذكور أساطير أو المنزل أساطير، وقرىء شاذًا: ﴿أساطير﴾ بالنصب على معنى ذكرتم أساطير، أو أنزل أساطير، على سبيل التهكم والسخرية؛ لأن التصديق بالإنزال ينافي أساطير، وهم يعتقدون أنه ما نزل شي، ولا أنَّ ثم منزلٌ.
والمعنى: أي (٢) وإذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة من المشركين أي شيء أنزله ربكم؟ قالوا: لم ينزل شيئًا إنما الذي يتلى علينا أساطير الأولين؛ أي: هو مأخوذ من كتب المتقدمين، ونحو الآية قوله حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ وكانوا يفترون على الرسول ﷺ أقوالًا مختلفة، فتارة يقولون: إنه ساحرٌ، وأخرى إنه شاعر أو كاهن، وثالثة إنه مجنون، ثم قر قرارهم على ما اختلقه زعيمهم الوليد بن المغيرة المخزومي كما حكى عنه الكتاب الكريم:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾؛ أي: ينقل ويحكى، فتفرقوا معتقدين صحة قوله، وصدق رأيه، قبحهم الله تعالى.
وكان المشركون يقتسمون مداخل مكة، ينفرون عن رسول الله ﷺ ، إذا سألهم وفود الحاج يقولون هذه المقالة،
٢٥ - ثم بين عاقبة أمرهم فقال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾؛ أي: قالوا (٣) هذه المقالة لكي يحملوا أوزارهم وآثامهم الخاصة بهم، وهي أوزار ضلالهم ﴿كَامِلَةً﴾ لم يكفر منها شيءٌ بمصيبة أصابتهم في الدنيا،
стр. 6613
لعدم إسلامهم الذي هو سبب لتكفير الذنوب، كما يكفر بها أوزار المؤمنين، فإن ذنوبهم تكفر عنه من الصلاة إلى الصلاة، من رمضان إلى رمضان، ومن الحج إلى الحج، وتكفر بالشدائد والمصائب؛ أي: المكروهات من الآلام والأسقام، والقحط حتى خدش العود وعثرة القدم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف ليحملوا، فاللام (١) في قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ للتعليل كما فسرنا، وقيل إن اللام هي لام العاقبة؛ لأنهم لم يصفوا القرآن بكونه أساطير لأجل أن يحملوا الأوزار، ولكن لما كان عاقبتهم ذلك حسن التعليل به، كقوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، وقيل هي لام الأمر والأوزار جمع وزرٍ: الآثام.
قال الإِمام الرازي: وقوله: ﴿كَامِلَةً﴾ يدل (٢) على أنه قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين، إذ لو كان هذا المعنى حاصلًا في حق الكل .. لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفاء بهذا التكميل فائدة، ﴿و﴾ ليحملوا ﴿من أوزار الذين يضلونهم﴾؛ أي (٣): بعض أوزار من ضل بإضلالهم، وهو وزر الإضلال والتسبب للضلال؛ لأنهما شريكان، هذا يضله وهذا يطاوعه، فيتحاملان الوزر، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى .. كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة .. كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" أخرجه مسلم، ومعنى الآية والحديث (٤): أن الرئيس أو الكبير إذا سنَّ سنة حسنة أو قبيحة فتبعه عليها جماعة، فعملوا بها .. فإن الله يعظم ثوابه أو عقابه، حتى يكونه ذلك الثواب أو العقاب الذي يستحقه الأتباع إلى الرؤساء، لأن ذلك ليس بعدلٍ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾، وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾.
قال الواحديُّ: ولفظة ﴿مِنْ﴾ (٥) في قوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾
стр. 6614
ليست للتبعيض؛ لأنها لو كانت للتبعيض لنقص عن الأتباع بعض الأوزار، وذلك غير جائز لقوله ﵊: "لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"، ولكنها للجنس؛ أي: وليحملوا من جنس أوزار الأتباع.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من الفاعل؛ أي: يضلونهم غير عالمين بأن ما يدعون إليه طريق الضلال، وبما يستحقونه من العذاب الشديد في مقابلة الإضلال، أو من المفعول؛ أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلالٌ.
وفائدة (١) التقييد بهذا الإشعار بأن مكرهم لا يروج عند ذوي لب، وإنما يتبعهم الأغبياء، والتنبيه على أن جهلهم ذلك لا يكون عذرًا، إذ كان يجب عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المحق الحقيق بالاتباع وبين المبطل، ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿سَاءَ﴾ من أفعال الذم بمعنى بئس، والضمير الذي فيه يجب أن يكون مبهمًا يفسره ﴿مَا يَزِرُونَ﴾ والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: بئس شيئًا يزرونه؛ أي: يحملونه، والمخصوص بالذم فعلهم ففيه وعيدٌ وتهديد لهم.
واعلم: أنه لا يحمل أحدٌ وزر أحد، إذ كل نفس تحمل ما اكتسب هي، لا ما كسبت غيرها، إذ ليس ذلك من مقتضى الحكمة الإلهية، وأما حمل وزر الإضلال فهو حمل وزر نفس؛ لأنه مضاف إليه لا إلى غيره، فعلى العاقل أن يجتنب من الضلال والإضلال في أمور الشريعة، فمن حمل القرآن على الأساطير، ودعا الناس إلى القول بها، فقد ضل وأضل، وكذا في جميع أمور الشريعة.
٢٦ - ثم بين لهم أن غائلة مكرهم عائدةٌ إليهم، ووبال ذلك لاحقٌ بهم، كدأب من قبلهم من الأمم الخالية الذين أصابهم من العذاب ما أصابهم بتكذيبهم لرسلهم، فقال: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: من قبل كفار قريش، والمكر الخديعة؛ أي: قد مكر أهل مكة بمحمد ﷺ ، كما مكر الذين من قبلهم بأنبيائهم، وصار المكر سببًا لهلاكهم لا لهلاك غيرهم؛ لأن من حفر لأخيه جبًّا وقع فيه منكبًا، وفي هذا وعيد للكفار المعاصرين له ﷺ ، بأن مكرهم سيعود
стр. 6615
عليهم كما عاد مكر من قبلهم على أنفسهم.
قال في "المدارك": الجمهور عل أن المراد به - نمروذ بن كنعان - وكان من أكبر ملوك أهل الأرض في زمن إبراهيم ﵇، حين بنى الصرح ببابل، وكان قصرًا عظيمًا طوله خمسة آلاف ذراع، وعرضه فرسخان ليقاتل عليه من في السماء بزعمه، ويطلع على إله إبراهيم ﵇، فهبت ريح فقصفت وألقت رأسه في البحر، وخر عليهم الباقي فأهلكهم وهم تحته، ولما سقط تبلبلت ألسنة الناس من الفزع، فتكلموا يومئذ بثلاثة وسبعين لسانًا، فلذلك سميت بابل، وكان لسان الناس قبل ذلك السريانية، وهذا قول مردود؛ لأن التبلبل يوجب الاختلاط والتكلم بشيء غير مستقيم، فأما أن يوجب إحداث لغات مضبوطة الحواشي فباطل، وإنما اللغات تعليم من الله تعالى.
قلت (١): هكذا ذكره البغوي، وفي هذا نظر؛ لأن صالحًا ﵇ كان قبلهم، وكان يتكلم بالعربية، وكان أهل اليمن عربًا منهم جرهم، الذي نشأ إسماعيل بينهم، وتعلم منهم العربية، وكانت قبائل من العرب قديمة قبل إبراهيم ﵇، مثل طسم وجديس وكل هؤلاء عرب تكلموا في قديم الزمان بالعربية، ويدل على صحة هذا قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الله أعلم، وقيل حمل قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ على العموم أولى، فتكون الآية عامة في جميع الماكرين المبطلين، الذين يحاولون إلحاق الضرر والمكر بالغير.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾؛ أي: أتى أمر الله، وهو الريح التي أخربت بنيانهم، قال المفسرون: أرسل الله ريحًا فألقت رأس الصرح في البحر، وخر عليهم الباقي فهلكوا والبنيان (٢) البناء والجمع أبنية، والقواعد جمع قاعدة، وقواعد البيت أساسه وأساطينه وسواريه، ما سيأتي في مباحث التصريف؛ أي: قصد الله وأراد تخريب بنائهم من جهة أصوله وأساسه، وأتاه أمره وحكمه وبأسه، أو من جهة الأساطين والسواري التي بنوا عليها بأن ضعفت وزلزلت،
стр. 6616
﴿فَخَرَّ﴾؛ أي: سقط ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾؛ أي: سقف بنائهم ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فأهلكهم، وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ للتأكيد؛ لأن السقف لا يخر إلا من فوقهم، وقيل (١) جاء بفوقهم وعليهم، للإيذان بأنهم كانوا تحته، فإن العرب لا تقول سقط علينا البيت وليسوا تحته، روي أنه هبت عليه ريحٌ هائلة فألقت رأسه في البحر، وخر الباقي عليهم، ولما سقط الصرح تبلبلت الألسن من الفزع يومئذٍ، فتكلموا ثلاثة وسبعين لسانًا، فلذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية كما مر.
هذا (٢) إذا حملنا تفسير الآية على القول الأول، وهو ظاهر اللفظ، وإن حملنا تفسير الآية على القول الثاني، وهو حملها على العموم .. كان المعنى أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى، وأهل الحق من عباده .. أهلكهم الله تعالى، وجعل هلاكهم مثل هلاك قوم بنوا بنيانًا شديدًا ودعموه، فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم سقف بنيانهم، فأهلكهم، شبهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكايد، وإبطاله تعالى تلك الحيل، وجعله تعالى إياها أسبابًا لهلاكهم، بحال قوم بنوا بنيانًا وعمدوه بالأساطين، فضعضعت تلك الأساطين، فسقط عليهم السقف، فهلكوا، فو مثل ضربه الله تعالى لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره، ومنه المثل السائر على ألسنة الناس: من حفر لأخيه قليبًا وقع فيه قريبًا.
﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: وجاءهم الهلاك بالريح ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه منه، بل يتوقعون إتيان مقابله مما يريدون ويشتهون، أو أنهم اعتمدوا على منصوباتهم، ثم تولد البلاء منها بأعيانها.
والمعنى: أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم أساطير الأولين سيأتيهم في الدنيا من العذاب مثل ما أتاهم، من جهة لا تخطر ببالهم.
وخلاصة ذلك: أن الله تعالى أحبط أعمالهم، وجعلها وبالًا عليهم ونقمة لهم.
стр. 6617
وقرأ الجمهور (١): ﴿بُنْيَانَهُمْ﴾، وقرأت فرقة ﴿بنْيَتُهم﴾ وقرأ جعفر: ﴿بَيْتهُم﴾ والضحاك: ﴿بيوتهم﴾، وقرأ الجمهور: ﴿السَّقْفُ﴾ مفردًا، والأعرج ﴿السقف﴾ بضمتين، وزيد بن علي ومجاهد بضم السين فقط، وتقدم توجيه مثل هاتين القراءتين في: ﴿وبالنجم﴾، وقرأت فرقة (﴿السَّقُف﴾ بفتح السين وضم القاف، وهي لغة في السقف ولعل السقف مخفف منه، ولكنه كثر استعماله، كما قالوا في رجل رجل وهي لغة تميمية.
٢٧ - وبعد أن بين سبحانه ما حل بأصحاب المكر في الدنيا من العذاب والهلاك .. بين حالهم في الآخرة فقال: ﴿ثُمَّ﴾ بعد ما عجل لهم العذاب في الدنيا إن ربك: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ ويذلهم ويهينهم بعذاب أليم؛ أي (٢): يذل أولئك المفترين والماكرين والذين من قبلهم جميعًا بعذاب الخزي على رؤوس الأشهاد. وفيه (٣) إشهار بأن العذاب يحصل لهم في الدنيا والآخرة، لأن الخزي هو العذاب مع الهوان، وأصل الخزي ذل يستحيى منه، وثم لتفاوت ما بين الجزاءين ﴿وَيَقُولُ﴾ لهم حين ورودهم عليه، على سبيل الاستهزاء والسخرية والتوبيخ، والفضيحة لهم، فهو إلى آخره بيان للإخزاء ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ تزعمون في الدنيا أنهم شركائي، وكنتم ﴿تُشَاقُّونَ﴾؛ أي: تخاصمون الأنبياء والمؤمنين ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في شأنهم، بأنهم شركاء أحقاء، حين بينوا لكم بطلانها، وهلا تحضرونهم اليوم ليدفعوا عنكم ما يحل بكم من العذاب، فقد كنتم تعبدونهم في الدنيا وتتولونهم، والولي ينصر وليه، والمراد من المشاقة فيهم مخاصمة الأنبياء وأتباعهم في شأنهم، وزعمهم أنهم شركاء حقًّا، حين بينوا لهم ذلك، والمراد بالاستفهام عن ذلك الاستهزاء والتبكيت والتوبيخ والاحتقار لشأنهم، إذ كانوا يقولون: إن صح ما تدعون إليه من عذابنا فالأصنام تشفع لنا، والاستفسار عن مكانهم لا يوجب غيبتهم حقيقةً، بل يكفي ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعمون أنهم متصفون به، من عنوان الإلهية، فليس هناك
стр. 6618
شركاء ولا أماكنها، والخلاصة أنه لا شركاء ولا أماكن لهم.
وقرأ الجمهور (١): شركائي ممدودًا مهموزًا مفتوح الياء، وقرأت فرقة كذلك تسكنها، فسقط في الدرج لالتقاء الساكنين، والبزي عن ابن كثير بخلاف عنه مقصورًا، وفتح الياء هنا خاصةً بوزن هداي، وروي عنه ترك الهمز في القصص، وقرأ الجمهور ﴿تشاقون﴾ بفتح النون، وقرأ نافع بكسرها، ورويت عن الحسن، ولا يلتفت إلى تضعيف أبي حاتم هذه القراءة، وقرأت فرقة بتشديدها، أدغم نون الرفع في نون الوقاية.
ثم ذكر مقال الأنبياء والمرسلين في شأنهم يوم القيامة بقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من أهل الموقف، وهم الأنبياء - صلوات الله عليهم - والمؤمنون الذين أوتوا علمًا بدلائل التوحيد، وكانوا يدعونهم في الدنيا إلى التوحيد، فيجادلونهم ويتكبرون عليهم؛ أي: يقولون توبيخًا لهم وإظهارًا للشماتة بهم ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾؛ أي: الفضيحة والذل والهوان ﴿اليوم﴾ في هذا اليوم، الذي يفصل فيه القضاء، متعلق بالخزي، وإيراده (٢) للإشعار بأنهم كانوا قبل ذلك في عزة وشقاق.
﴿وَالسُّوءَ﴾؛ أي: العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ باللهِ تعالى وبآياته ورسله، وهو قصر للجنس الادّعائي، كأن ما يكون من الذل وهو العذاب لعصاة المؤمنين لعدم بقائه، ليس من ذلك الجنس، ومرادهم بهذه المقالة الشماتة، وزيادة الإهانة للكافرين وفي ذلك إعظام للعلم، إذ لا يقول ذلك إلا أهله.
٢٨ - ثم بين الكافرين الذين يستحقون هذا العذاب، هم الذين استمر كفرهم إلى أن تتوفاهم الملائكة وهم ظالموا أنفسهم، فقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ والموصول في محل الجر على أنه نعت للكافرين، وفائدة هذا النعت تخصيص الخزي والسوء بمن استمر كفره إلى حين الموت، دون من آمن منهم، ولو في آخر عمره؛ أي: إن الخزي والسوء على الكافرين الذين استمروا على الكفر حتى تقبض ملائكة الموت أرواحهم؛ أي: عزرائيل وأعوانه حالة كونهم ﴿ظَالِمِي
стр. 6619
أَنْفُسِهِمْ﴾ ومعرضيها للعذاب المخلد، باستمرارهم عل كفرهم واستكبارهم عن طاعة الملك الجبار، وتبديلهم فطرة الله تبديلًا وأي ظلم للنفس أشد من الكفر (١)، وقرأ حمزة والأعمش: ﴿يتوفاهم﴾ بالياء من أسفل في الموضعين، وقرىء بإدغام تاء المضارعة في التاء بعدها، وفي مصحف عبد الله بتاء واحدة في الموضعين، ذكره في "البحر".
ثم ذكر حالهم حينئذٍ من الخضوع والمذلة فقال: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ والسلم بالتحريك الاستسلام؛ أي: فيلقون الاستسلام والانقياد في الآخرة، حين عاينوا العذاب، ويتركون المشاقة والمخاصمة، وينزلون عما كانوا عليه في الدنيا من التكبر، والعلو وشدة الشكيمة قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ﴾ في الدنيا ﴿مِنْ سُوءٍ﴾؛ أي: من شرك، قالوا ذلك منكرين لصدوره عنهم قصدًا لتخليص نفوسهم من العذاب؛ أي: أسلموا (٢) وأقروا لله بالعبودية، حين عاينوا العذاب عند الموت، قائلين ما كنا نشرك بربنا أحدًا، وهم قد كذبوا على ربهم واعتصموا بالباطل رجاء النجاة، ونحو الآية قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
﴿بَلَى﴾ رد عليهم من قبل الله تعالى، أو من قبل الملائكة، أو من قبل أولي العلم، وإثبات لما نفوه؛ أي: فتقول الملائكة بلى كنتم تعملون أعظم الشرك وأقبح الآثام و ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الشرك، فهو يجازيكم عليه، وهذا أوانه فلا يفيدكم إنكاركم وكذبكم على أنفسكم
٢٩ - والفاء في قوله: ﴿فَادْخُلُوا﴾ للتعقيب ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: كل صنف بابه المعدُّ له؛ أي: فادخلوا طبقات جهنم، وذوقوا ألوانًا من العذاب، بما دنستم به أنفسكم من الإشراك بربكم، واجتراحكم عظيم الموبقات والمعاصي، حالة كونكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أبدًا إن (٣) أريد بالدخول حدوثه .. فالحال مقدرة، وإن أريد مطلق الكون فيها .. فمقارنة، والفاء في قوله ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن قبول
стр. 6620
التوحيد، وسائر ما أتت به الأنبياء، عاطفة على فاء التعقيب، واللام للتأكيد تجري مجرى القسم، والمثوى المنزل والمقام والمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم؛ أي: فوالله لبئس وقبح مثوى المتكبرين عن توحيد الله، وطاعة الرسل، والمخصوص بالذم جهنم؛ أي: فلبئس (١) المقيل والمقام دار الذل والهوان، لمن كان متكبرًا عن اتباع الرسل، والاهتداء بالآيات التي أنزلت عليهم، وما أفظعها من دار وصفها ربنا بقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.
وذكرهم بعنوان (٢) التكبر للإشعار بعلته لثوابهم وإقامتهم فيها، والمراد المتكبر عن التوحيد، أو كل متكبر من المشركين والمسلمين.
فائدة: قال الشيخ علي السمرقندي في تفسيره المسمى بـ "بحر العلوم": التكبر ينقسم على ثلاثة أقسام: التكبر على الله تعالى، وهو أخبث أنواع الكبر وأقبحها، وما منشأه إلا الجهل المحض، ثم التكبر على الرسل من تعزز النفس، وترفعها عن الانقياد لبشر مثل سائر الناس، وهذا كالتكبر على الله تعالى في الوقاحة واستحقاق العذاب السرمديِّ، والثالث التكبر على العباد، وهو بأن يستعظم نفسه، ويستحقر غيره، فيأبى عن الانقياد لهم، ويدعوه إلى الترفع عليهم، فيزدريهم ويستصغرهم ويستنكف عن مساواتهم، وهو أيضًا قبيح، وصاحبه جاهل كبير يستأهل سخطًا عظيمًا لو لم يتب، وإن كان دون الأولين للدخول تحت عموم قوله: ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾، وأيضًا من تكبر على أحد من عباد الله فقد نازع الله في ردائه وفي صفةٍ من صفاته، قال أبو صالح حمدان بن أحمد القصار - رحمه الله تعالى -: من ظن أن نفسه خيرٌ من نفس فرعون فقد أظهر الكبر.
٣٠ - ثم أتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء فقال: ﴿وَقيِلَ﴾ روي (٣) أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام موسم الحج من يأتيهم بخبر النبي ﷺ ، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون الذين اقتسموا طرق مكة، وأمروه بالانصراف، وقالوا: إن