﴿فَخَرَّ﴾؛ أي: سقط ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾؛ أي: سقف بنائهم ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ فأهلكهم، وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ للتأكيد؛ لأن السقف لا يخر إلا من فوقهم، وقيل (١) جاء بفوقهم وعليهم، للإيذان بأنهم كانوا تحته، فإن العرب لا تقول سقط علينا البيت وليسوا تحته، روي أنه هبت عليه ريحٌ هائلة فألقت رأسه في البحر، وخر الباقي عليهم، ولما سقط الصرح تبلبلت الألسن من الفزع يومئذٍ، فتكلموا ثلاثة وسبعين لسانًا، فلذلك سميت ببابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية كما مر.
هذا (٢) إذا حملنا تفسير الآية على القول الأول، وهو ظاهر اللفظ، وإن حملنا تفسير الآية على القول الثاني، وهو حملها على العموم .. كان المعنى أنهم لما رتبوا منصوبات ليمكروا بها أنبياء الله تعالى، وأهل الحق من عباده .. أهلكهم الله تعالى، وجعل هلاكهم مثل هلاك قوم بنوا بنيانًا شديدًا ودعموه، فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم سقف بنيانهم، فأهلكهم، شبهت حال أولئك الماكرين في تسويتهم المكايد، وإبطاله تعالى تلك الحيل، وجعله تعالى إياها أسبابًا لهلاكهم، بحال قوم بنوا بنيانًا وعمدوه بالأساطين، فضعضعت تلك الأساطين، فسقط عليهم السقف، فهلكوا، فو مثل ضربه الله تعالى لمن مكر بآخر فأهلكه الله بمكره، ومنه المثل السائر على ألسنة الناس: من حفر لأخيه قليبًا وقع فيه قريبًا.
﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: وجاءهم الهلاك بالريح ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه منه، بل يتوقعون إتيان مقابله مما يريدون ويشتهون، أو أنهم اعتمدوا على منصوباتهم، ثم تولد البلاء منها بأعيانها.
والمعنى: أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم أساطير الأولين سيأتيهم في الدنيا من العذاب مثل ما أتاهم، من جهة لا تخطر ببالهم.
وخلاصة ذلك: أن الله تعالى أحبط أعمالهم، وجعلها وبالًا عليهم ونقمة لهم.
стр. 6617
وقرأ الجمهور (١): ﴿بُنْيَانَهُمْ﴾، وقرأت فرقة ﴿بنْيَتُهم﴾ وقرأ جعفر: ﴿بَيْتهُم﴾ والضحاك: ﴿بيوتهم﴾، وقرأ الجمهور: ﴿السَّقْفُ﴾ مفردًا، والأعرج ﴿السقف﴾ بضمتين، وزيد بن علي ومجاهد بضم السين فقط، وتقدم توجيه مثل هاتين القراءتين في: ﴿وبالنجم﴾، وقرأت فرقة (﴿السَّقُف﴾ بفتح السين وضم القاف، وهي لغة في السقف ولعل السقف مخفف منه، ولكنه كثر استعماله، كما قالوا في رجل رجل وهي لغة تميمية.
٢٧ - وبعد أن بين سبحانه ما حل بأصحاب المكر في الدنيا من العذاب والهلاك .. بين حالهم في الآخرة فقال: ﴿ثُمَّ﴾ بعد ما عجل لهم العذاب في الدنيا إن ربك: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ ويذلهم ويهينهم بعذاب أليم؛ أي (٢): يذل أولئك المفترين والماكرين والذين من قبلهم جميعًا بعذاب الخزي على رؤوس الأشهاد. وفيه (٣) إشهار بأن العذاب يحصل لهم في الدنيا والآخرة، لأن الخزي هو العذاب مع الهوان، وأصل الخزي ذل يستحيى منه، وثم لتفاوت ما بين الجزاءين ﴿وَيَقُولُ﴾ لهم حين ورودهم عليه، على سبيل الاستهزاء والسخرية والتوبيخ، والفضيحة لهم، فهو إلى آخره بيان للإخزاء ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾ تزعمون في الدنيا أنهم شركائي، وكنتم ﴿تُشَاقُّونَ﴾؛ أي: تخاصمون الأنبياء والمؤمنين ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في شأنهم، بأنهم شركاء أحقاء، حين بينوا لكم بطلانها، وهلا تحضرونهم اليوم ليدفعوا عنكم ما يحل بكم من العذاب، فقد كنتم تعبدونهم في الدنيا وتتولونهم، والولي ينصر وليه، والمراد من المشاقة فيهم مخاصمة الأنبياء وأتباعهم في شأنهم، وزعمهم أنهم شركاء حقًّا، حين بينوا لهم ذلك، والمراد بالاستفهام عن ذلك الاستهزاء والتبكيت والتوبيخ والاحتقار لشأنهم، إذ كانوا يقولون: إن صح ما تدعون إليه من عذابنا فالأصنام تشفع لنا، والاستفسار عن مكانهم لا يوجب غيبتهم حقيقةً، بل يكفي ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعمون أنهم متصفون به، من عنوان الإلهية، فليس هناك
стр. 6618
شركاء ولا أماكنها، والخلاصة أنه لا شركاء ولا أماكن لهم.
وقرأ الجمهور (١): شركائي ممدودًا مهموزًا مفتوح الياء، وقرأت فرقة كذلك تسكنها، فسقط في الدرج لالتقاء الساكنين، والبزي عن ابن كثير بخلاف عنه مقصورًا، وفتح الياء هنا خاصةً بوزن هداي، وروي عنه ترك الهمز في القصص، وقرأ الجمهور ﴿تشاقون﴾ بفتح النون، وقرأ نافع بكسرها، ورويت عن الحسن، ولا يلتفت إلى تضعيف أبي حاتم هذه القراءة، وقرأت فرقة بتشديدها، أدغم نون الرفع في نون الوقاية.
ثم ذكر مقال الأنبياء والمرسلين في شأنهم يوم القيامة بقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من أهل الموقف، وهم الأنبياء - صلوات الله عليهم - والمؤمنون الذين أوتوا علمًا بدلائل التوحيد، وكانوا يدعونهم في الدنيا إلى التوحيد، فيجادلونهم ويتكبرون عليهم؛ أي: يقولون توبيخًا لهم وإظهارًا للشماتة بهم ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾؛ أي: الفضيحة والذل والهوان ﴿اليوم﴾ في هذا اليوم، الذي يفصل فيه القضاء، متعلق بالخزي، وإيراده (٢) للإشعار بأنهم كانوا قبل ذلك في عزة وشقاق.
﴿وَالسُّوءَ﴾؛ أي: العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ باللهِ تعالى وبآياته ورسله، وهو قصر للجنس الادّعائي، كأن ما يكون من الذل وهو العذاب لعصاة المؤمنين لعدم بقائه، ليس من ذلك الجنس، ومرادهم بهذه المقالة الشماتة، وزيادة الإهانة للكافرين وفي ذلك إعظام للعلم، إذ لا يقول ذلك إلا أهله.
٢٨ - ثم بين الكافرين الذين يستحقون هذا العذاب، هم الذين استمر كفرهم إلى أن تتوفاهم الملائكة وهم ظالموا أنفسهم، فقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ والموصول في محل الجر على أنه نعت للكافرين، وفائدة هذا النعت تخصيص الخزي والسوء بمن استمر كفره إلى حين الموت، دون من آمن منهم، ولو في آخر عمره؛ أي: إن الخزي والسوء على الكافرين الذين استمروا على الكفر حتى تقبض ملائكة الموت أرواحهم؛ أي: عزرائيل وأعوانه حالة كونهم ﴿ظَالِمِي
стр. 6619
أَنْفُسِهِمْ﴾ ومعرضيها للعذاب المخلد، باستمرارهم عل كفرهم واستكبارهم عن طاعة الملك الجبار، وتبديلهم فطرة الله تبديلًا وأي ظلم للنفس أشد من الكفر (١)، وقرأ حمزة والأعمش: ﴿يتوفاهم﴾ بالياء من أسفل في الموضعين، وقرىء بإدغام تاء المضارعة في التاء بعدها، وفي مصحف عبد الله بتاء واحدة في الموضعين، ذكره في "البحر".
ثم ذكر حالهم حينئذٍ من الخضوع والمذلة فقال: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ والسلم بالتحريك الاستسلام؛ أي: فيلقون الاستسلام والانقياد في الآخرة، حين عاينوا العذاب، ويتركون المشاقة والمخاصمة، وينزلون عما كانوا عليه في الدنيا من التكبر، والعلو وشدة الشكيمة قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ﴾ في الدنيا ﴿مِنْ سُوءٍ﴾؛ أي: من شرك، قالوا ذلك منكرين لصدوره عنهم قصدًا لتخليص نفوسهم من العذاب؛ أي: أسلموا (٢) وأقروا لله بالعبودية، حين عاينوا العذاب عند الموت، قائلين ما كنا نشرك بربنا أحدًا، وهم قد كذبوا على ربهم واعتصموا بالباطل رجاء النجاة، ونحو الآية قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
﴿بَلَى﴾ رد عليهم من قبل الله تعالى، أو من قبل الملائكة، أو من قبل أولي العلم، وإثبات لما نفوه؛ أي: فتقول الملائكة بلى كنتم تعملون أعظم الشرك وأقبح الآثام و ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الشرك، فهو يجازيكم عليه، وهذا أوانه فلا يفيدكم إنكاركم وكذبكم على أنفسكم
٢٩ - والفاء في قوله: ﴿فَادْخُلُوا﴾ للتعقيب ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: كل صنف بابه المعدُّ له؛ أي: فادخلوا طبقات جهنم، وذوقوا ألوانًا من العذاب، بما دنستم به أنفسكم من الإشراك بربكم، واجتراحكم عظيم الموبقات والمعاصي، حالة كونكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أبدًا إن (٣) أريد بالدخول حدوثه .. فالحال مقدرة، وإن أريد مطلق الكون فيها .. فمقارنة، والفاء في قوله ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن قبول
стр. 6620
التوحيد، وسائر ما أتت به الأنبياء، عاطفة على فاء التعقيب، واللام للتأكيد تجري مجرى القسم، والمثوى المنزل والمقام والمخصوص بالذم محذوف، وهو جهنم؛ أي: فوالله لبئس وقبح مثوى المتكبرين عن توحيد الله، وطاعة الرسل، والمخصوص بالذم جهنم؛ أي: فلبئس (١) المقيل والمقام دار الذل والهوان، لمن كان متكبرًا عن اتباع الرسل، والاهتداء بالآيات التي أنزلت عليهم، وما أفظعها من دار وصفها ربنا بقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾.
وذكرهم بعنوان (٢) التكبر للإشعار بعلته لثوابهم وإقامتهم فيها، والمراد المتكبر عن التوحيد، أو كل متكبر من المشركين والمسلمين.
فائدة: قال الشيخ علي السمرقندي في تفسيره المسمى بـ "بحر العلوم": التكبر ينقسم على ثلاثة أقسام: التكبر على الله تعالى، وهو أخبث أنواع الكبر وأقبحها، وما منشأه إلا الجهل المحض، ثم التكبر على الرسل من تعزز النفس، وترفعها عن الانقياد لبشر مثل سائر الناس، وهذا كالتكبر على الله تعالى في الوقاحة واستحقاق العذاب السرمديِّ، والثالث التكبر على العباد، وهو بأن يستعظم نفسه، ويستحقر غيره، فيأبى عن الانقياد لهم، ويدعوه إلى الترفع عليهم، فيزدريهم ويستصغرهم ويستنكف عن مساواتهم، وهو أيضًا قبيح، وصاحبه جاهل كبير يستأهل سخطًا عظيمًا لو لم يتب، وإن كان دون الأولين للدخول تحت عموم قوله: ﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾، وأيضًا من تكبر على أحد من عباد الله فقد نازع الله في ردائه وفي صفةٍ من صفاته، قال أبو صالح حمدان بن أحمد القصار - رحمه الله تعالى -: من ظن أن نفسه خيرٌ من نفس فرعون فقد أظهر الكبر.
٣٠ - ثم أتبع أوصاف الأشقياء بأوصاف السعداء فقال: ﴿وَقيِلَ﴾ روي (٣) أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام موسم الحج من يأتيهم بخبر النبي ﷺ ، فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون الذين اقتسموا طرق مكة، وأمروه بالانصراف، وقالوا: إن
стр. 6621
لم تلقه كان خيرًا لك، فإنه ساحر كاهن كذاب مجنون، فيقول: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن استطلع أمر محمد وأراه، فيلقرأ صحاب النبي ﷺ فيخبرونه بصدقه، فذلك قوله: ﴿وَقِيلَ﴾، أي: من طرق الوافدين ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ عن الكفر والشرك، وهم المؤمنون المخلصون ﴿مَاذَا﴾؛ أي: أي شيء، فهو مفعول قوله: ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: أي شيء أنزل ربكم على محمد ﷺ ؟
﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المتقون في جواب سؤال الوافد: أنزل ربنا ﴿خَيْرًا﴾.
وهو اسم جامع لكل خير ديني ودنيوي وأخروي ظاهري معنوي، وفي تطبيق الجواب بالسؤال إشارة إلى أن الإنزال واقع، وأنه نبي حق، وقرأ زيد بن علي ﴿خَيْرٌ﴾ بالرفع: أي: المُنْزَلُ خيرٌ، كما في "البحر".
قال الثعلبي: فإن (١) قيل: لم ارتفع الجواب في قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وانتصب في قوله: ﴿خَيْرًا﴾؟ فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا: الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين، والمؤمنون آمنوا بالنزول فقالوا: أنزل خيرًا اهـ.
والمعنى: أي وقيل للذين خافوا عقاب ربهم: أي شيء أنزله ربكم؟ قالوا: أنزل خيرًا وبركة ورحمة لمن اتبع دينه، وآمن برسوله، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ قيل: هذا من كلام الله عن وجل، وقيل: هو حكاية لكلام الذين اتقوا، فيكون على هذا بدلًا من ﴿خَيْرًا﴾ وعلى الأول يكون كلامًا مستأنفًا مسوقًا للمدح للمتقين.
والمعنى: للذين أحسنوا أعمالهم وأخلصوا، وقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإنه أحسن الحسنات وأسُّ الديانات.
﴿فِي هَذِهِ﴾ الدار ﴿الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾؛ أي: مثوبة حسنة مكافأة فيها بإحسانهم، وهي عصمة الدماء والأموال، واستحقاق المدح والثناء والظفر على الأعداء ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: ولثوابهم فيها ﴿خَيْرٌ﴾ مما أوتوا في الدنيا من المثوبة، أو
стр. 6622
المعنى (١): دار الآخرة خيرٌ من الدنيا على الإطلاق، فإن الآخرة كالجوهر والدنيا كالخزف، وقيمة الجوهر أرفع من قيمة الخزف، بل لا مناسبة بينهما أصلًا.
﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: وعزة الله وجلاله لنعم وحسن دار المتقين دار الآخرة، فالمخصوص بالمدح محذوف لدلالة ما قبله عليه، وقال الحسن: دار المتقين الدنيا لأنهم منها يتزودون للآخرة، والقول (٢) الأول أولى، وهو قول جمهور المفسرين؛
٣١ - لأن الله فسر هذه الدار بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ عدن علم على طبقة من طبقات الجنة الثمانية؛ أي: لهم بساتين عدن حال كونهم ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ حال كونها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت منازلها وأشجارها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة على أن يكون المنبع فيها بشهادة مِنْ، ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات حال من المبتدأ المؤخر، وهو قوله ﴿مَا يَشَاءُونَ﴾ ويحبون من أنواع المشتهيات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، قال البيضاوي: في تقديم الظرف تنبيهٌ (٣) على أن الإنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة اهـ.
قال بعضهم: إن قلت (٤) هل يجوز للمرء أن يشتهي في الجنة اللواطة، وقد ذهب إليه من لا وقوف له على جلية الحال؟
فالجواب: أن الاشتهاء المذكور مخالف لحكمة الرب الغفور، ولو جاز هو .. لجاز نكاح الأمهات فيها، على تقدير الاشتهاء، وإنه مما لا يستريب عاقل في بطلانه، ألا ترى أن المذكور وكذا الزنى واللواطة والكذب ونحوها، كان حرامًا مؤبدًا في الدنيا في جميع الأديان، لكونه مما لا تقتضي الحكمة حله، بخلاف الخمر ونحوها، ولذا كانت هي أحد الأنهار الجارية فيها، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن لا يستطيب ما استخبثته الطباع السليمة.
﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الجزاء الأوفى ﴿يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ والمراد بالمتقين كل من يتقي الشرك، وما يوجب النار من المعاصي، والموصول في
стр. 6623
٣٢ - قوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ في محل نصب نعت للمتقين المذكور قبله؛ أي: يقبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم حال كونهم ﴿طَيِّبِينَ﴾؛ أي: طاهرين (١) من الكفر والشرك، مبرئين عن العلائق الجسمانية، متوجهين إلى حضرة القدس، فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة، حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها، ومن هذا حاله لا يتألم بالموت.
وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن (٢): ﴿جنات عدن﴾ بالنصب على الاشتغال؛ أي: يدخلون جنات عدن يدخلونها، وهذه القراءة تقوي إعراب جنات عدن بالرفع على أنه مبتدأ، ويدخلونها الخبر، وقرأ زيد بن عليّ: ﴿ولِنعْمَةُ دارِ﴾ بتاءِ مضمومةٍ، ودارٍ مخفوضٍ بالإضافة، فيكون نعمة مبتدأ وجنات الخبر.
وقرأ السلمي: ﴿تدخلونها﴾ بتاء الخطاب، وقرأ إسماعيل بن جعفر عن نافع: ﴿يدخلونها﴾ بياء على الغيبة، والفعل مبني للمفعول، ورويت عن أبي جعفر وشيبة.
وقرأ الأعمش وحمزة (٣):) ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾ في هذا الموضع، وفي الموضع الأول بالياء التحتية، وقرأ الباقون: لمثناة الفوقية، واختار القراءة الأولى أبو عبيد مستدلًا بما روي عن ابن مسعود أنه قال: إن قريشًا زعموا أن الملائكة إناث فذكروهم أنتم.
وجملة قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ حالٌ من الملائكة؛ أي: حالة كون الملائكة قائلين لهم على وجه التعظيم والتبشير ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ لا يحيق بكم بعد مكروه، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ التي أعدها لكم ربكم، ووعدكموها، والمراد دخولهم له في وقته، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بسبب (٤) ثباتكم على التقوى والطاعة والعمل وإن لم يكن موجبًا للجنة؛ لأن الدخول فيها محض فضل الله إلا أن الباء دلت على أن الدرجات إنما تنال بالأعمال وصدق الأحوال، فإن المراد من دخول
стр. 6624
الجنة إنما هو اقتسام المنازل بحسب الأعمال.
وفي "تفسير المراغي": والمراد (١) من قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ البشارة بالدخول فيها بعد البعث، إذا أريد الدخول بالأرواح والأبدان، فإن أريد الدخول بالأرواح فحسب، كان ذلك حين التوفي كما يشير إليه قوله ﷺ : "القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار"، أخرج ابن جرير والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي قال: "إذا أشرف العبد المؤمن على الموت .. جاءه ملك الموت، فقال: السلام عليك يا وليَّ الله، الله يقرأ عليك السلام، وبشره بالجنة"، ٣٣ - ٣٣ والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ إنكاري؛ أي: ما ينتظر كفار مكة الذين قالوا إن القرآن أساطير الأولين ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، أى: ملك الموت وأعوانه لقبض رواحهم بالتهديد والتعذيب، لمواظبتهم على الأسباب الموجبة له المؤدية إليه، فكأنهم يقصدون إتيانه ويترصدون لوروده، وليس المراد أنهم ينتظرون ذلك حقيقةً لأنهم لا يصدقونه ﴿أَوْ﴾ إلا أن ﴿يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾، أي: عذابه في الدنيا المستأصل لهم، كما فعل بأسلافهم من الكفار، فيرسل عليهم الصواعق، أو يخسف بهم الأرض، أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون، وهذا تهديد لهم على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا.
وخلاصة هذا: حثهم على الإيمان بالله ورسوله، والرجوع إلى الحق قبل أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم من السالفين المكذبين لرسلهم.
وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة والكسائي وخلف (٢): ﴿إلا أن يأتيهم الملائكة﴾ بالياء التحتية، وقرأ الباقون بالمثناة الفوقية.
ثم ذكر أنهم ليسوا بأول من كذب بالرسل فقال: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل فعل هؤلاء من الشرك والظلم والتكذيب والاستهزاء ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾ خلوا ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم فأصابهم العذاب المعجل.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلك، فإنه أنزل بهم ما استحقوه بكفرهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا
стр. 6625
أنفُسَهُمْ يَظلِمونَ﴾ بالكفر والمعاصي المؤدية إلى ذلك، فكذبوا الرسل فاستحقوا ما نزل بهم.
والمعنى (١): أي وما ظلمهم الله تعالى بإنزال العذاب بهم؛ لأنه أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه، ولكن ظلموا أنفسهم بمخالفة الرسل وتكذيبهم ما جاؤوا به.
٣٤ - ثم أعقبه بذكر ما ترتب على أعمالهم فقال: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض، وقيل (٢) في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: كذلك فعل الذين من قبلهم فأصابهم سيئات ما عملوا وما ظلمهم الله ... إلخ.
والمعنى: فأصابهم بحكم عدل جزاء سيئات أعمالهم، أو جزاء أعمالهم السيئة، على طريقة تسمية المسبب باسم سببه، إيذانًا بفظاعته، لا على حذف لمضاف، فإنه يوهم أن لهم أعمالًا غير سيئاتهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: أحاط بهم ونزل من الحيق الذي هو إحاطة الشر كما في "القاموس"؛ أي: نزل بهم على وجه الإحاطة.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب الموعود؛ أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا به يستهزئون أو عقاب استهزائهم.
٣٥ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ بالله من أهل مكة، فعبدوا الأصنام والأوثان من دونه تعالى، معتذرين عما هم عليه من الشرك محتجين بالقدر ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ عدم عبادتنا لشيءٍ غيره ﴿مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ما عبدنا من دونه شيئًا من الأصنام ﴿نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الذين اقتدينا بهم في ديننا ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: ولو شاء الله تعالى عدم تحريمنا شيئًا من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .. ما حرمنا من دونه شيئًا من ذلك.
والمعنى: ما نعبد هذه الأصنام إلا لأنه قد رضي عبادتنا لها، ولا حرمنا ما
стр. 6626
حرمنا من البحائر والسوائب والوصائل ونحو ذلك إلا لأنه قد رضي ذلك منا، ولو كان كارهًا لما فعلنا .. لهدانا إلى سواء السبيل، أو لعجل لنا العقوبة وما مكننا من عبادتها.
والخلاصة (١): فإشراكنا بالله الأوثان وتحريمنا الأنعام والحرث بمشيئته تعالى، وهو راضٍ بذلك، وحينئذٍ فلا فائدة في مجيئك إلينا، بالأمر والنهي في إرسالك إلينا، وقد رد الله تعالى عليهم شبهتهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الفعل الشنيع ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، فأشركوا بالله، وحرموا حله، وعصوا رسله، وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ، وهدوهم إلى الحق.
واستن هؤلاء سنتهم، وسلكوا سبيلهم في تكذيب الرسول، واتباع أفعال آبائهم الضلال.
ثم بين خطاهم فيما يقولون ويفعلون فقال: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: فهل (٢) على الرسل الذين أمروا بتبليغ رسالات ربهم، من أمره ونهيه، إلا إبلاغ الرسالة، وإيضاح طريق الحق، وإظهار أحكام الوحي، التي منها أن مشيئة الله تعالى تتعلق بهداية من وجه همته إلى تحصيل الحق، كما قال ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وليس من وظيفتهم إلجاء الناس إلى الإيمان شاؤوا أو أبوا، فإن ذلك ليس من شأنهم، ولا من الحكمة التي عليها مدار التكليف، حتى يستدل بعدم ظهور آثارها على عدم حقية الرسل أو على عدم تعلق مشيئة الله بذلك.
والاستفهام في قوله: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ﴾ إنكاري؛ أي: ليست (٣) وظيفتهم إلا تبليغ الرسالة تبليغًا واضحًا، وإطلاع الخلق على بطلان الشرك وقبحه، لا إلجاءهم إلى قبول الحق، وتنفيذ قولهم عليهم شاؤوا أو أبوا.
وقصارى ذلك (٤): أن الثواب والعقاب لا بُدَّ فيهما من أمرين، تعلق مشيئته
стр. 6627
تعالى بوقوع أحدهما، وتوجيه همة العبد إلى تحصيل أسبابه، وصرف اختياره إلى الدأب على إيجاده، وإلا كان كل من الثواب والعقاب اضطراريًّا لا اختياريًّا، والرسل ليس من شأنهم إلا تبليغ الأوامر والنواهي، أما العمل بها إلجاء وقسرًا، فليس من وظيفتهم لا في كثير ولا قليل.
ثم بين سبحانه أن بعثة الرسل أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها، وجعلت سببًا لهدى من أراد الله هدايته، وزيادة ضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح ينفع المزاج السوي ويقويه، ويضر المزاج المنحرف ويفنيه، فقال:
٣٦ - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أرسلنا في كل أمة من الأمم التي سلفت قبلكم ﴿رَسُولًا﴾ خاصًّا بهم، كما بعثناك في هؤلاء لإقامة الحجة عليهم، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، و ﴿أن﴾ في قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إما مصدرية (١)؛ أي: بعثنا بأن اعبدوا الله، أو مفسرة لأن في البعث معنى القول؛ أي: قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله وحده لا شريك له، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾؛ أي: واتركوا كل معبود دون الله كالشيطان والكاهن والصنم وكل من دعا إلى الضلال، أو واحذروا أن يغويكم الشيطان ويصدكم عن سبيل الله فتضلوا، والطاغوت هو الشيطان، وكل ما يدعو إلى الضلالة، وذلك لإلزام الحجة، وقطع المعذرة، مع علمه أن منهم من لا يأتمر بالأوامر ولا يؤمن، و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ فاء (٢) الفصيحة؛ أي: فبلغوا ما بعثوا به من الأمر، بعبادة الله وحده، واجتناب الطاغوت، فتفرقوا، فمنهم؛ أي: فمن هذه الأمم التي بعث الله إليها رسله، ﴿مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾؛ أي: أرشده إلى دينه وتوحيده وعبادته، واجتناب الطاغوت، أو خلق (٣) فيه الاهتداء إلى الحق الذي هو عبادته واجتناب الطاغوت، بعد صرف قدرتهم واختيارهم الجزئي إلى تحصيله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾؛ أي: وجبت وثبتت عليه الضلالة إلى حين الموت، لعناده وإصراره على الكفر، وعدم صرف قدرته، فلم يخلق فيه الاهتداء، ولم يرد أن يطهر قلبه.
стр. 6628
قال الزجاج (١): أعلم الله تعالى أنه بعث الرسل بالأمر بالعبادة، وهو من وراء الإضلال والهداية، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ وفي هذه الآية التصريح بأن الله أمر جميع عباده بعبادته، واجتناب الطاغوت، وأنهم بيع ذلك فريقان: فمنهم من هدى، ومنهم من حقت عليهم الضلالة، فكان في ذلك دليلٌ على أن أمر الله سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته، فإنه يأمر الكل بالإيمان، ولا يريد الهداية إلا للبعض، إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد، وهذا معنى ما حكيناه عن الزجاج هنا.
وإجمال القول (٢): أن المشيئة الشرعية للكفر منتفية؛ لأنه تعالى نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، والمشيئة الكونية وهي تمكين عباده من الكفر، وتقديره لهم بحسب اختيارهم وصرف همتهم إلى تحصيل أسبابه، لا حجة لهم فيها، لأنه تعالى خلق النار وجعل أهلها من الشياطين وأهل الكفر، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجةٌ ناصعةٌ وحكمة بالغة.
ثم بين سبحانه أنه أنكر على عباده المكذبين كفرهم بإنزال العقوبة بهم في الدنيا بعد إنذار الرسل فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾؛ أي: فممن بعثنا فيهم رسلنا من هداه الله، ووفقه لتصديقهم وقبول إرشادهم، والعمل بما جاؤوا به، ففازوا وأفلحوا ونجوا من عذابه، ومنهم من جاروا عن قصد السبيل، فكفروا بالله، وكذبوا وسله، واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم بعقابه، وأنزل بهم شديد بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فاء الفصيحة؛ أي: إذا عرفتم التفريق المذكور، وأردتم معرفة عاقبة من حقت عليهم الضلالة .. فأقول لكم سيروا وسافروا يا معشر قريش، إذ الكلام معهم في أكناف الأرض ونواحيها ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾؛ أي: كيف كان آخر أمر المكذبين لرسلهم، من عاد وثمود، ومن سار بسيرتهم ممن حقت عليهم الضلالة، لعلكم تعتبرون
стр. 6629
حين تشاهدون من منازلهم وديارهم آثار الهلاك والعذاب، وفي الإتيان (١) بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: ﴿فَانْظُرُوا﴾ إشارة إلى وجوب المبادرة إلى النظر والاستدلال المؤديين إلى الإقلاع عن الضلال.
والمعنى (٢): أي فسيروا في الأرض التي كان يسكنها القوم الظالمون، والبلاد التي كانوا يعمرونها، كديار عاد وثمود ومن سار سيرتهم، ممن حقت عليهم الضلالة، وانظروا إلى آثار سخطنا عليهم، لعلكم تعتبرون بما حل بهم.
ثم خاطب سبحانه رسوله ﷺ مسليًا له على ما يراه من جحود قومه، وشديد إعراضهم، ومبالغتهم في عنادهم، مع أسفه عليهم، وعظيم رغبته في إيمانهم، ومبينًا أن الأمر بيد الله، وليس له من الأمر شيءٌ فقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ يا محمد ﴿عَلَى هُدَاهُمْ﴾؛ أي: على هداية قومك؛ أي: إن تطلب هداية قريش بجهدك .. لا ينفعهم حرصك على إيمانهم وهدايتهم، إذا كان الله تعالى يريد إضلالهم بسوء اختيارهم، وتوجيه عزائمهم إلى عمل المعاصي والإشراك بربهم، وجملة قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ معللة لجواب الشرط الذي قدرناه؛ أي: لأنه تعالى لا يخلق الهداية قسرًا فيمن يخلق فيه الضلالة لسوء اختياره، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾؛ أي: وما لهم ناصرٌ ينصرهم من الله إن إراد عقوبتهم، كما قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾؛ أي: وليس لهم أحدٌ يعينهم على مطلوبهم في الدنيا والآخرة من دفع العذاب عنهم.
ومجمل القول (٣): أنَّ من اختار الضلالة ووجه همته إلى تحصيل أسبابها، فالله سبحانه لا يخلق فيه الهداية قسرًا وإلجاءً؛ لأن مدار الإيمان والكفر الاختيار لا الإلجاء والاضطرار.
٣٧ - وقرأ النخعي (٤): ﴿وإن﴾ بزيادة واو وهو والحسن وأبو حيوة ﴿تَحْرِصْ﴾ بفتح الراء مضارع حرص بكسرها وهي لغة، وقرأ الجمهور بالكسر مضارع حرص
стр. 6630
بالفتح، وهي لغة الحجاز، وقرأ الحرميان نافع وابن كثير، والعربيان أبو عمرو وابن عامر، والحسن والأعرج ومجاهد وشيبة وشبل ومزاحم الخراساني والعطاردي وابن سيرين: ﴿لَا يَهْدِي﴾ مبنيًّا للمفعول، ومن مفعول لم يسم فاعله، والفاعل في ﴿يُضِلُّ﴾ ضمير الله، والعائد على مَنْ محذوف، تقديره: من يضله الله، وقرأ الكوفيون وابن مسعود وابن المسيب وجماعة: ﴿يَهْدي﴾ مبنيًّا للفاعل، والظاهر أن في يهدي ضميرًا يعود على الله ومن مفعول، وعلى ما حكى الفراء: إن هدى يأتي بمعنى اهتدى، يكون لازمًا، والفاعل من؛ أي: لا يهتدي من يضله، وقرأت فرقة منهم عبد الله: ﴿لا يهدي﴾ بفتح الياء وكسر الهاء والدال، قال ابن عطية: وهي ضعيفة، انتهى.
وإذا ثبت أن هدى لازم بمعنى اهتدى .. لم تكن ضعيفةً؛ لأنه أدخل على اللازم همزة التعدية، فالمعنى لا يجعل مهتديًا من أصله، وفي مصحف أبي: ﴿لا هادي لمن أضلَّ﴾، وقال الزمخشري: وفي قراءة أبيٍّ فإن الله لا هادي لمن يضل، ولمن أضل، وقرىء يضل بفتح الياء.
٣٨ - ثم ذكر عناد قريش وإنكارهم للبعث فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: حلف الذين أشركوا ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: غاية أيمانهم، وإذا حلف الرجل بالله .. فقد حلف جهد يمينه، فإن الكفار كانوا يحلفون بآبائهم وآلهتهم، فإذا كان الأمر عظيمًا .. حلفوا باللهِ تعالى، وهذا عطف على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إعلامًا بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث وقوله: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ مصدر في موضع الحال وقوله: ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ من عباده مقسم عليه؛ أي: حلف (١) هؤلاء المشركون بالله حالة كونهم جاهدين ومبالغين في أيمانهم، حتى بلغوا غاية شدتها ووكادتها، قائلين: لا يبعث الله يوم القيامة من يموت من عباده، فإنهم يجدون في تقولهم أن الشيء إذا صار عدمًا محضًا لا يعود بعينه، بل العائد يكون شيئًا آخر، ولقد رد الله تعالى عليهم أبلغ ردّ بقوله: ﴿بَلَى﴾ إثباتٌ
стр. 6631
لما بعد النفي، أي: بلى يبعثهم الله تعالى بعد الموت ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد لنفسه، وهو ما دل عليه بلى، فإن البعث موعد من الله تعالى ﴿عَلَيْهِ﴾ إنجازه لامتناع الخلف في وعده، أو لأن البعث مقتضى حكمته ﴿حَقًّا﴾ صفة أخرى للوعد، والتقدير: بلى يبعثهم الله وعد بذلك وعدًا حقًّا واجبًا عليه إنجازه بمقتضى حكمته، وقيل هما مصدران مؤكدان للجملة المقدرة؛ أي: وعد (١) ذلك وعدًا ثابتًا عليه، وحق ذلك حقًّا، أي: ثبت ذلك ثبوتًا على الله، فينجزه لامتناع الخلف في وعده ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾؛ أي: أهل مكة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنهم يبعثون، وأن ذلك يسير عليه سبحانه، غير عسير، لقصور نظرهم بالمألوف، فيتوهمون امتناع البعث، ولجهلهم بشؤون الله تعالى، من العلم والقدرة والحكمة وغيرها من صفات الكمال، وعدم وقوفهم على سرِّ التكوين.
وقرأ الضحاك (٢): ﴿بلى وعد عليه حق﴾ والتقدير: بعثهم وعد عليه حق، وحق صفة لوعد، والمعنى؛ أي: بلى (٣) سيبعثه الله بعد مماته، وقد وعد ذلك وعدًا حقًّا لا بد منه، ولكن أكثر الناس لجهلهم بشؤون الله وصفات كماله، من علم وقدرة وحكمة ونحوها، يعلمون أن وعد الله لا بد من نفاذه، وأنه باعثهم بعد مماتهم يوم القيامة أحياء، ومن قبل هذا جرؤوا على مخالفة الرسل، ووقعوا في الكفر والمعاصي.
٣٩ - ثم ذكر سبحانه الحكمة في المعاد وقيام الأجساد يوم التناد فقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ و ﴿اللام﴾ متعلقة بـ ﴿يبعثهم﴾ المقدر بعد بلى، أي: بلى يبعث الله كل من يموت مؤمنًا كان أو كافرًا، ليبين لمنكري البعث، وقوله: ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ في موضع نصب على أنه مفعول يبين؛ أي: ليبين للمشركين الذين ينكرون البعث الأمر الذي يختلفون فيه مع المؤمنين، من أمر الدين بتعذيبهم، وإثابة المؤمنين، مما جاءت به الرسل وخالفتهم فيه أممهم، فيمتاز الخبيث من
стр. 6632
الطيب، والمطيع من العاصي، والظالم من المظلوم، إلى نحو أولئك ممن كان مدار دعوة الرسل عليه، وأنكرته الأمم الذي أرسلوا إليهم، ويجزي الذين أساؤوا بما علموا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسن، وقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معطوف على ﴿لِيُبَيِّنَ﴾؛ أي: بلى يبعثهم ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين جحدوا وقوع البعث والجزاء ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في قولهم: لا يبعث الله من يموت، وسيدعون إلى نار جهنم دعا، وتقول لهم الزبانية: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ هذا (١) إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضى له، من حيث الحكمة، وهو التمييز بين الحق والباطل، والمحق والمبطل، والثواب والعقاب.
٤٠ - ثم أخبر سبحانه عن كامل قدرته، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء فقال: ﴿إِنَّمَا﴾ و ﴿ما﴾ فيه كافة ﴿قَوْلُنَا﴾ مبتدأ ﴿لِشَيْءٍ﴾؛ أي: أي شيء كان مما عز وهان، متعلق بـ ﴿قَوْلُنَا﴾ على أن اللام للتبليغ، كهي في قولنا: قلت له قم فقام، فإن قلت: فيه دليل على أن المعدوم شيءٌ؛ لأنه سماه شيئًا قبل كونه.
قُلْتُ: التعبير عنه بذلك باعتبار وجوده عند تعلق مشيئته تعالى، لا أنه كان شيئًا قبل ذلك. وفي "التأويلات النجمية": في الآية دلالة على أن المعدوم الذي في علم الله إيجاده شيء، بخلاف المعدوم الذي في علم الله عدمه أبدًا، ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ ظرف لـ ﴿قَوْلُنَا﴾؛ أي: وقت إرادتنا لوجوده ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ﴾ خبر المبتدأ ﴿كُن﴾؛ أي: احدث وابرز من العدم إلى الوجود، لأنه من كان التامة بمعني الحدوث التام، ﴿فَيَكُونُ﴾ ذلك الشيء ويحدث، عطف على مقدر؛ أي: فنقول ذلك فيكون، أو جواب لشرط محذوف؛ أي: فإذا قلنا ذلك .. فهو يكون ويحدث عقيب ذلك، وهذا الكلام مجازٌ عن سرعة الإيجاد وسهولته على الله، وليس هناك قول ولا مقول له، ولا آمر ولا مأمور، حتى يقال إنه يلزم أحد
стр. 6633
المحالين إما خطاب المعدوم، أو تحصيل الحاصل؛ أي: إذا أردنا وجود شيء فليس إلا أن نقول له احدث فهو يحدث بلا توقف.
والمعنى: أي (١) إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت. فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائه ولا بعثه؛ لأنا إذا أردنا ذلك .. فإنما نقول له كن فيكون، لا معاناة فيه ولا كلفة علينا، ونحو الآية قوله: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾، وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
وخلاصة هذا: أنه تعالى مثل حصول المقدورات وفق مشيئته، وسرعة حدوثها حين إرادته سرعة حصول المأمور حين أمر الآمر، وقوله دون هوادة ولا تراخ، ولكن العباد (٢) خوطبوا بذلك على قدر عقولهم، ولو أراد الله خلق الدنيا وما فيها في قدر لمح البصر .. لقدر على ذلك، فالمعنى: إنما إيجادنا لشيء عند تعلق إرادتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة ﴿فَيَكُونُ﴾ رفعًا، وكذلك في كل القرآن، وقرأ ابن عامر والكسائي: ﴿فيكون﴾ نصبًا، قال مكيٌّ بن إبراهيم: من رفع قطعه عما قبله.
والمعنى: فهو يكون، ومن نصب عطفه على يقول. والله أعلم.
الإعراب
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قِيلَ﴾ فعلٌ ماض مغير الصيغة، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: نائب فاعل محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا، ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب
стр. 6634
فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿ما﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذا﴾ اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبرٌ، ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجمل صلة لـ ﴿ذا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما الذي أنزله ربكم، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾ وجملة ﴿قِيلَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: خبرٌ ومضاف إليه لمبتدأ محذوف تقديره: المنزل أساطير الأولين، وسموه منزلًا على سبيل التهكم، أو على سبيل التقدير ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وعاقبة ﴿يحملوا أوزارهم﴾ فعل وفاعل ومفعول، منصب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي ﴿كَامِلَة﴾: حال من الأوزار، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يحملوا﴾، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: قالوا لصيرورة عاقبتهم حملهم أوزارهم يوم القيامة، ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ﴾: معطوف على ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾، و ﴿وَمِنْ﴾ إما زائدة أو تبعيضية، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، ﴿يُضِلُّونَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، إما حال من فاعل ﴿يُضِلُّونَهُمْ﴾، أو من مفعوله كما مر ﴿أَلَا﴾: حرف تنبيه ﴿سَاءَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا، لشبهه بالمثل، تقديره: هو يعود على الشيء المبهم الذي يفسره التمييز، ﴿مَا﴾: نكرة موصوفة في محل النصب على التمييز لفاعل ﴿سَاءَ﴾، ﴿يَزِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿مَا﴾، والرابط محذوف تقديره: ألا ساءَ الشيء شيئًا يزورنه، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: حملهم هذا، وجملة ﴿سَاءَ﴾ جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب.
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار
стр. 6635
ومجرور صلة الموصول، ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَكَرَ﴾ و ﴿الفاء﴾ للعطف والتعقيب ﴿مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أتى﴾، ﴿فَخَرَّ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿خر﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به، ﴿السَّقْفُ﴾: فاعل ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿خَرَّ﴾ والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أتى﴾. ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾، ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أتى﴾، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿يوم القيامة﴾ ظرف متعلق بما بعده، ﴿يخزيهم﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُخْزِيهِمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾: إلى قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَيْنَ﴾ اسم استفهام للاستفهام التوبيخي في محل الرفع خبر مقدم وجوبًا، ﴿شُرَكَائِيَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يقول﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ في محل الرفع صفة لـ ﴿شُرَكَائِيَ﴾: ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تُشَاقُّونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾ ﴿فِيهِمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تُشَاقُّونَ﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: فعل مغير ونائب فاعل ومفعول ثان؛ لأن أتى هنا بمعنى أعطى يتعدى لمفعولين، أولهما صار نائب فاعل، لـ ﴿أُوتُوا﴾ والأصل قال الذين آتاهم الله العلم، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾: ناصب واسمه،
стр. 6636
﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿الْخِزْيَ﴾؛ لأنه مصدر فيه الألف واللام، أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الجار والمجرور الواقع خبرًا؛ لأن كما ذكره أبو البقاء، ﴿وَالسُّوءَ﴾: معطوف على ﴿الْخِزْيَ﴾، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْكَافِرِينَ﴾، ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، صلة الوصول، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: حال من ضمير الغائبين، ومضاف إليه، ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على جملة قوله ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أو على ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾، و ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ويجوز أن يكون مستأنفًا، والفاء حينئذٍ استئنافية، ذكره أبو البقاء ﴿مَا﴾ نافية ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فعل ومفعول، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، وفاعله ضمير يعود على المشركين، وجملة ﴿نَعْمَلُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقولٌ لقول محذوف، حال من فاعل ﴿ألقوا﴾؛ أي: فألقوا السلم قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات ما بعد حرف النفي قائمة مقام الجواب المحذوف، تقديره: بلى كنتم تعملون أقبح الشرك وأشد الآثام، والجملة الجوابية مستأنفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل الجواب المحذوف ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كنتم تعملونه.
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾.
﴿فَادْخُلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿ادخلوا﴾: فعل وفاعل، ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ادخلوا﴾، أو منصوب على التشبيه بالمفعول به، والجملة معطوفة على الجواب تقديره: بلى كنتم تعملون أشد الشرك وأقبح الآثام فادخلوا أبواب جهنم، ﴿خَالِدِينَ﴾: حال مقدرة من فاعل ﴿ادخلوا﴾ ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾، ﴿فَلَبِئْسَ﴾ الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿اللام﴾؛ موطئة للقسم، ﴿بئس مثوى المتكبرين﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، وجملة القسم معطوفة على جملة قوله:
стр. 6637
﴿فَادْخُلُوا﴾؛ أي: فادخلوا أبواب جهنم فيقال فيكم: والله لبئس مثوى المتكبرين، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: جهنم.
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾.
﴿وَقِيلَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿قيل﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لِلَّذِينَ﴾: متعلق به، ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ نائب فاعل محكي لـ ﴿قيل﴾، وجملة ﴿قيل﴾ مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿مَاذَا﴾: اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا، ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾، وإن شئت قلت ﴿مَاذَا﴾ مبتدأ وخبر، وجملة ﴿أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ صلة لـ ﴿ذا﴾ الموصولة، كما مر نظيره فراجعه، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، الجملة مستأنفة، ﴿خَيْرًا﴾: مفعول لفعل محذوف تقديره: أنزل خيرًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول قالوا، ﴿لِلَّذِينَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم، ﴿أَحْسَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصولة ﴿فِي هَذِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَحْسَنُوا﴾، ﴿الدُّنْيَا﴾: بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان عنه ﴿حَسَنَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب بدل من ﴿خَيْرًا﴾، أو جملة مفسرة له ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ ﴿وَلَنِعْمَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم المحذوف، ﴿نِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم المحذوف، والتقدير: والله لنعم دار المتقين، وجملة القسم معطوفة على الجملة التي قبلها، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: هي.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مبتدأ ومضاف إليه، والخبر محذوف تقديره: لهم جنات عدن، والجملة مستأنفة، وفيه أوجه أخر تركناها خوف الإطالة، ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾: فعل
стр. 6638
وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق به، ﴿الْأَنْهَارُ﴾ فاعل، وجملة ﴿تَجْرِي﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ لاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، ﴿يَشَاءُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما يشاؤونه ويشتهونه والجملة الاسمية في محل النصب حال ثانية من مفعول ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف، ﴿يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والتقدير: يجزى الله المتقين جزاء مثل الجزاء الذي ذكرناه، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿الْمُتَّقِينَ﴾. ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿طَيِّبِينَ﴾ حال من المفعول في ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ إلى آخر الآية: مقولٌ محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿سَلَامٌ﴾: مبتدأ سوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض الدعاء، ﴿عَلَيْكُمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول القول، ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: فعل وفاعل مفعول، والجملة الفعلية في محل النصب مقول القول، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ادْخُلُوا﴾، و ﴿الباء﴾ سببية، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجعله ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تعملونه، ويصح أن تكون مصدريةً؛ أي: بعملكم.
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾.
стр. 6639
﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام الإنكاري، ﴿يَنْظُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: ناصب وفعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: هل ينتظرون إلا إتيان الملائكة إياهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾؛ أي: ما ينتظرون إلا إتيان الملائكة، أو إتيان أمر ربك، ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور، صلة الموصول، والجملة مستأنفة، والتقدير: فعل الذين من قبلهم فعلًا مثل فعل هؤلاء المشركين من قومك، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾: ناف وفعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية معترضة لاعتراضها بين المعطوف الذي هو ﴿فَأَصَابَهُمْ﴾ والمعطوف عليه الذي هو ﴿فَعَلَ﴾، و ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول مقدم لـ ﴿يَظْلِمُونَ﴾ وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.
﴿فَأَصَابَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿أَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا﴾: فعل ومفعول وفاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما بينهما اعتراض اهـ "سمين "، وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلةٌ لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿وَحَاقَ﴾: فعل ماض، ﴿بِهِمْ﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أصابهم﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿بِهِ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿أَشْرَكُوا﴾: فعل وفاعل،
стр. 6640
والجملة صلة الموصول، ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قالوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾: حرف شرط ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿عَبَدْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: حال من ﴿شَيْءٍ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿عَبَدْنَا﴾، و ﴿مِن﴾ زائدة وجملة ﴿عَبَدْنَا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿نَحْنُ﴾: تأكيد لضمير الفاعل في ﴿عَبَدْنَا﴾، ﴿وَلَا آبَاؤُنَا﴾: معطوف على ذلك الضمير، ﴿وَلَا حَرَّمْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿عَبَدْنَا﴾، ﴿مِنْ﴾: زائدة، ﴿دُونِهِ﴾: ظرف حال من ضمير ﴿حَرَّمْنَا﴾؛ أي: حالة كوننا دونه؛ أي: دون الله؛ أي: مستقلين بتحريمه، كما في "الجَمَلِ". ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: مفعول ﴿حَرَّمْنَا﴾ و ﴿مِنْ﴾ زائدة.
﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: صلة الموصول، والجملة مستأنفة، والتقدير: فعل الذين من قبلهم فعلًا مثل فعل هؤلاء المشركين، ﴿فَهَلْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت فعل هؤلاء، وفعل الذين من قبلهم، وأردت بيان ما على الرسل .. فأقول لك: هل على الرسل، ﴿هَلْ﴾؛ حرف استفهام، للاستفهام الإنكاري، ﴿عَلَى الرُّسُلِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿المبين﴾: صفة لـ ﴿الْبَلَاغُ﴾ والجملة الاستفهامية في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿بَعَثْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه،
стр. 6641
متعلق بـ ﴿بَعَثْنَا﴾. ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، ﴿أَنِ﴾ مصدريةٌ أو مفسرة ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية مع ﴿أَنِ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: بعبادة الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿بَعَثْنَا﴾. ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿اعْبُدُوا﴾، ﴿فَمِنْهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت بعثنا في كل أمة رسولًا، وأردت بيان حال أممهم .. فأقول لك: منهم مَنْ هدى الله، ﴿منهم﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: نكرة موصوفة كما في "العكبري" أو موصولة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿هَدَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجله صفة لـ ﴿مَنْ﴾ المَوْصُوفةِ، أو صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: من هداهم الله، ﴿وَمِنْهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿حَقَّتْ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، ﴿الضَّلَالَةُ﴾: فاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَنْ﴾ أو صفة لها.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
﴿فَسِيرُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم التفريق المذكور، وأردتم معرفة حال من حقت عليه الضلالة .. فأقول لكم ﴿سيْروا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿سيروا﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿فَانْظُرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿انظروا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سيروا﴾، ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها، وهي معلقة لـ ﴿انظروا﴾ عن العمل فيما بعده، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فعل ناقص واسمه ومضاف إليه، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب مفعول ﴿انظروا﴾.
стр. 6642
﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾.
﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿تَحْرِصْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على محمد، ﴿عَلَى هُدَاهُمْ﴾: متعلق به، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: فلا ينفعهم حرصك، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية للجواب المحذوف، ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه، ﴿لَا يَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾ ﴿يُضِلُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من يُضِلُّهُ ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾: حجازية أو تميمية ﴿لَهُمْ﴾: خبر ﴿ما﴾ مقدم، أو خبر المبتدأ، ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾: اسمها مؤخر، أو مبتدأ مؤخر، و ﴿مِنْ﴾ زائدة، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿أقسموا﴾ ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: منصوب على المصدرية، واقع موقع الحال، كما مر في مبحث التفسير، ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ من﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، واقع حالًا من فاعل ﴿أقسموا﴾؛ أي: وأقسموا باللهِ جهد أيمانهم قائلين ﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ﴿يَمُوتُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿بَلَى﴾: حرف جواب لإثبات ما بعد النفي، نائب عن الجواب المحذوف، تقديره: بلى يبعثه الله تعالى، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾: مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدر، تقديره: وعد ذلك وعدًا، وحق ذلك حقًّا، ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور صفةٌ
стр. 6643
لـ ﴿وَعْدًا﴾، ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾: اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، والجملة الاستدراكية معطوفة على الجملة الجوابية المحذوفة.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾.
﴿لِيُبَيِّنَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿يبين﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كَي، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿لَهُمُ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لتبيينه لهم، الجار والمجرور متعلق بالجواب المقدر بعد بلى؛ أي: بلى يبعثهم الله لتبيينه لهم، ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول يبين، ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: ولعلم الذين كفروا، الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿أنَّ﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿علم﴾.
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، و ﴿ما﴾: كافة، ﴿قَوْلُنَا﴾: مبتدأ أو مضاف إليه، ﴿لِشَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَوْلُنَا﴾، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط في حل النصب على الظرفية، مبني على السكون، ﴿أَرَدْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾ تقديره: وَقْتَ إرادتنا إياه، والظرف متعلق بـ ﴿قَوْلُنَا﴾، ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿نَقُولَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وفعله ضمير يعود على ﴿اللهُ﴾ ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَقُولَ﴾، ﴿كُنْ﴾: مقول محكي لـ ﴿نَقُولَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿كُنْ﴾: فعل أمر تام بمعنى أحدث، وفاعله ضمير يعود على
стр. 6644
الشيء، والجملة في محل النصب مقولٌ لـ ﴿قُلْ﴾ وجملة ﴿نَقُولَ﴾ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية، تقديره: إنما قولنا لشيء وقت إرادتنا إياه قولنا له كن، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿فَيَكُونُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يكون﴾ فعل مضارع تام، وفاعله ضمير يعود على ﴿شيء﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة مقدرة تدل عليها الفاء، تقديره: فنقول ذلك فيكون، ويجوز أن يكون جوابًا لشرط محذوف، تقديره: فإذا قلنا ذلك فهو يكون، كذا في "الفتوحات" وغيرها، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ الأساطير جمع أسطورة، كأحاديث جمع أُحدوثة، وأضاحيك جمع أضحوكة، وأعجايب جمع أعجوبة، وأراجيح جمع أرجوحة، وهي الأكاذيب والأباطل والترهات، وقال في "القاموس": الأساطير الأحاديث التي لا نظام لها، جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور، وبالهاء في الكل اهـ. ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ والأوزار الآثام، واحدها وزر كأحمال وحمل، والوزر الثقل والحمل الثقيل، ﴿سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾؛ أي: بئس شيئًا يحملونه، ﴿قَدْ مَكَر﴾ والمكر صرف غيرك مما يريده بحيلة، ويراد به هنا مباشرة الأسباب وترتيب المقدمات.
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِد﴾؛ أي: أهلكه وأفناه، كما يقال أتى عليه الدهر، والبنيان البناء يجمع على أبنية، والقواعد جمع قاعدة، وقواعد البيت أساسه، أو أساطينه ودعائمه وعمده، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ والسقف يجمع على سقوف، وهو القياس، وعلى سُقُفٍ وسُقْفٍ، وفُعَلٌ وفُعْلٌ، محفوظان في فَعْلٍ، وليسا مقيسين فيه، ﴿تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: تخاصمون وتنازعون الأنبياء وأتباعهم في شأنهم، وأصله أن كلا من المتخاصمين في شق وجانب غير شق الآخر، وعبارة "الخازن": المشاقة عبارة عن كون كل واحد من الخصمين في شقِّ غير شق صاحبه، والمعنى: ما لهم لا يحضرون معكم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم من العذاب والهوان اهـ. وأصل الخزي ذل يستحي منه، وأصل ﴿تُشَاقُّونَ﴾ تشاققون بوزن تفاعلون، ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ والسلم بالتحريك الاستسلام؛ أي: فيلقون
стр. 6645
الاستسلام والانقياد في الآخرة حين عاينوا العذاب، ويتركون المشاقة، ﴿بَلَى﴾: حرف يجاب به لإثبات ما بعد النفي.
﴿مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ المثوى المنزل والمقام، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: وأحاط بهم جزاؤه ونزل، من الحيق الذي لا يستعمل إلا في الشر، كما في "القاموس": الحَيْقُ ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله، والمراد أن أصل معناه الإحاطة مطلقًا، لكنه خص في الاستعمال بإحاطة الشر، فلا يقال حاقت به النعمة، بل النقمة اهـ. "شهاب"، وفي "المختار": حاق به الشي أحاط به، وبابه باع ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ اهـ.
﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ والبلاغ اسم مصدر بمعنى الإبلاغ اهـ "شهاب"؛ أي: ليست وظيفتهم إلا تبليغ الرسالة تبليغًا واضحًا، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ والطاغوت فعلوت من الطغيان، كالجبروت الملكوت من الجبر والملك، وأصله طغيوت فقدم اللام على العين، وتاؤه زائدة دون التأنيث، واختلف في الطاغوت، فقال بعضهم كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، وقال الحسن: الطاغوت الشيطان، والمراد من اجتنابه اجتناب ما يدعوا إليه مما نهي عنه شرعًا، ولما كان ذلك الارتكاب بأمر الشيطان ووسوسته سمي ذلك عبادة للشيطان اهـ. "زاده"، وهو من الطغيان يذكر ويؤنث اهـ "مصباح"، ويقع على الواحد كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، وعلى الجمع كقوله تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ والجمع الطواغيت اهـ "مختار"، ومن إطلاقه على الجمع ما هنا، والحاصل: أنَّ الطاغوت كلُّ ما عبدُ من دون الله تعالى، من شيطان وكاهن وصنم، وكل من دعا إلى ضلال.
﴿مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ حقت وجبت وثبتت بالقضاء السابق في الأزل لإصراره على الكفر والعناد، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ في "المصباح": حرص عليه حرصًا من باب ضرب إذا اجتهد، والاسم الحرص بالكسر، وحرص على الدنيا من باب شرب أيضًا، وحرص حرصًا من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة اهـ. وفي "السمين": قرأ العامة: ﴿إِنْ تَحْرِصْ﴾ بكسر الراء مضارع حرص بفتحها،
стр. 6646
وهي اللغة العالية لغة الحجاز، وقرأ الحسن: ﴿تَحْرص﴾ بفتح الراء مضارع حرص بكسرها وهي لغة لبعضهم اهـ.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الإقسام والقسم محركة اليمين بالله، وسمي الحلف قسمًا لأنه يكون عند انقسام الناس إلى مصدَّق ومكذب، والجهد بفتح الجيم المشقة، وبضمها الطاعة، يقال جهد الرجل في كذا - كمنع - جدَّ فيه وبالغ واجتهد، وجهد أيمانهم؛ أي: غاية اجتهادهم فيها، وبلى كلمة جوابٍ كنعم لكنها لا تقع إلا بعد النفي، فتثبت ما بعده، ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾؛ أي: وعد ذلك وعدًا عليه حقًّا؛ أي: ثابتًا متحققًا لا شك فيه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق بين ﴿أَوْزَارَهُمْ﴾ وبين ﴿يَزِرُونَ﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ شبهت حال أولئك الماكرين بحال قوم بنوا بنيانًا شديد الدعائم فانهدم ذلك البنيان، وسقط عليهم فأهلكهم، بطريق الاستعارة التمثيلية، ووجه الشبه أن ما عدوه سببًا لبقائهم عاد سببًا لفنائهم، كقولهم: من حفر حفرة لأخيه سقط فيها.
ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وهو قصر للجنس الادعائي، كأن ما يكون من الذل - وهو العذاب - لعصاة المؤمنين لعدم بقائه ليس من ذلك الجنس.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾؛ أي: قالوا: أنزل خيرًا.
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿أحسنوا﴾ و ﴿حسنة﴾ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.
стр. 6647
ومنها: الطباق بين الدنيا والآخرة.
ومنها: الجناس أيضًا بين ﴿اتَّقَوْا﴾ و ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ في هذه الآية.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾؛ أي: جزية أعمالهم السيئة على طريقة تسمية المسبب باسم سببه، إيذانًا بفظاعته، لا على حذف مضاف، فإنه يوهم أنَّ لهم أعمالًا غير سيئاتهم، ذكره في "روح البيان".
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ و ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ لأن الأوزار حقيقة في الأحمال الثقيلة، فاستعاره للآثام.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ لأنه كناية عن إرادة تخريبه.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ لأن السقف لا يخرُّ إلا من فوق.
ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ وبين قوله: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾.
ومنها: الجناس المماثل بين قوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وبين قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لأنه مجاز عن سرعة الإيجاد وسهولته على الله، وتمثيل الغائب، وهو تأثير قدرته في المراد بالشاهد،
стр. 6648
وهو أمر المطاع للمطيع في حصول المأمور به من غير امتناعٍ وتوقف، ولا افتقارٍ إلى مزاولة عمل، واستعمال آلة، وليس هناك قول ولا مقول له، ولا آمرٌ ولا مأمور، حتى يقال إنه يلزم أحد المحالين: إما خطاب المعدوم، أو تحصيل الحاصل.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
قبلهما: أن الله لما حكى (١) أن الكفار أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث والقيامة، وتمادوا في الغيِّ والضلالة ومن هذه حالة فليس بالعسير عليه أن يقدم على إيذاء المؤمنين بألوان من الإيذاء، حتى يضطروهم إلى الهجرة من الديار، ومفارقة الأهل والأوطان .. ذكر هنا حكم تلك الهجرة، وبين ما لهؤلاء المهاجرين من حسناتٍ في الدنيا، وأجرٍ في الآخرة، من جزاء أنهم فارقوا أوطانهم، وصبروا وتوكلوا على الله ، وفي هذا ترغيب لغيرهم في الهجرة، واحتمال كل أذى في سبيل الله احتسابًا للأجر.
وقال ابن عطية (٢): لما ذكر الله كفار مكة الذين أقسموا بالله بأنَّ الله لا يبعث من يموت، ورد على قولهم .. ذكر مؤمني مكة المعاصرين لهم، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح في سبب الآية، لأن هجرة المدينة ما كانت إلا بعد وقت نزول الآية انتهى، والظاهر أن الذين هاجروا عام في المهاجرين كائنًا ما كانوا فيشمل أولهم وآخرهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٣) ما قاله المشركون من أنهم لا حاجة لهم إلى الأنبياء؛ لأن الحاجة إليهم إنما تدعو لو كانت هناك حياةٌ أخرى يحاسبون فيها، وهم لا يصدقون بها، وليس من المعقول أن تكون .. أردف ذلك بشبهة أخرى لهم، إذ قالوا: هب الله أرسل رسولًا، فليس من الجائز أن يكون بشرًا، فالله أعلى وأجل من أن يكون رسوله واحدًا من البشر، فلو بعث إلينا رسولًا لبعثه ملكًا، ثم أجاب عن هذه الشبهة: بأن سنة الله أن يبعث رسله من البشر، وإن كنتم في شكٍّ من ذلك فاسألوا أهل الكتاب عن ذلك، ثم هدّدهم أن يخسف بهم الأرض كما خسف بقارون، أو يأتيهم بعذاب من السماء فيهلكهم بغتة كما فعل بقوم لوط، أو يأخذهم وهم يتقلبون في أسفارهم ومعايشهم، أو
стр. 6651
يأخذهم طائفة بعد أخرى، ثم أعقب هذا بما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي على أتمِّ نظام، وأحكم تقدير.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) قدرته على تعذيب الماكرين، وإهلاكهم بأنواع من الأخذ .. ذكر تعالى طواعية ما خلق من غيرهم، وخضوعه ضد حال الماكرين لينبههم على أنه ينبغي بل يجب عليهم أن يكونوا طائعين منقادين لأمره.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (٢) في الآيات السالفة أنَّ كل ما سواه من جماد وحيوان وإنس وجن وملك منقادٌ له، وخاضعٌ لسلطانه .. أتبع ذلك بالنهي عن الشرك به، وبين أن كل ما سواه فهو ملكه، وأنه مصدر النعم كلِّها، وأن الإنسان يتضرع إليه إذا مسه التفسير، فإذا كشفه عنه .. رجع إلى كفره، وأنَّ الحياة الدنيا قصيرة الأمد، ثم يعلم الكفار بعدئذٍ ما يحل بهم من النكال والوبال جزاءً لهم على سيء أعمالهم، وقبيح أقوالهم، وعبارة أبي (٣) حيَّان: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر انقياد ما في السموات وما في الأرض لما يريده تعالى منها، فكان هو المتفرد بذلك .. نهى أن يشرك به، ودلَّ النهي عن اتخاذ إلهين على النهي عن اتخاذ آلهة، ولمَّا كان الاسم الموضوع للإفراد والتثنية قد يتجوز فيه، فيراد به الجنس، نحو: نعم الرجل زيدٌ، ونعم الرجلان الزيدان، أكد الموضوع لهما بالوصف، فقيل: إلهين اثنين، وقيل إلهٌ واحدٌ، ولمَّا نهى عن اتخاذ الإلهين واستلزم النهي عن اتخاذ آلهة .. أخبر تعالى أنه إله واحد، كما قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بأداة الحصر، وبالتأكيد بالوحدة، ثم أمرهم بأن يرهبوه، والتفت من الغيبة إلى الحضور لأنه أبلغ في الرهبة.
стр. 6652
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه تعالى لما بيَّن (١) سخف أقوال أهل الشرك .. أردف ذلك بذكر قبائح أفعالهم التي تمجها الأذواق السليمة.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أن الله لما حكى عن الكفار عظيم ما ارتكبوه من الكفر، ونسبة التوالد له .. بيّن تعالى أنه يُمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهارًا لفضله ورحمته.
وعبارة "المراغي": مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما حكى (٣) عن المشركين عظيم كفرهم وقبيح أفعالهم .. بين هنا حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه يمهلهم بالعقوبة إظهارًا لفضله ورحمته، ولو أخذهم بما كسبت أيديهم ما ترك على ظهر الأرض دابة، أما الظالم فبظلمه، وأما غيره فبشؤمه كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لكنه سبحانه يحلم ويستر وينظر إلى أجل مسمى، ثم سلى رسوله ﷺ على ما كان يناله من أذى عشيرته بأن قومه ليسوا ببدع في الأمم، فقد أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك فكذبوهم، ذلك بهم أسوة، فلا يحزننك تكذيبهم، ولا تبخع نفسك عليهم أسى وحسرة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٤): ما أخرجه ابن جرير عن داود بن أبي هند قال: نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أبي جندل بن سهيل.
وقال ابن الجوزي (٥): قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾ اختلفوا فيمن نزلت فيه على ثلاثة أقوال:
стр. 6653
أحدها: أنها نزلت في ستةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرت وعابس وجبير موليان لقريش، أخذهم أهل مكة فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإِسلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو، قاله داود بن أبي هند.
والثالث: أنهم جميع المهاجرين أو أصحاب رسول الله ﷺ ، قاله قتادة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ...﴾ الآية، قال (١) المفسرون في سبب نزول هذه الآية هذه لما أنكر مشركو قريش نبوة محمَّد ﷺ ، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا فهلا بعث إلينا ملكًا .. نزلت هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): أنَّ رجلًا من المسلمين دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.
التفسير وأوجه القراءة
٤١ - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: فارقوا أهاليهم وديارهم وأوطانهم، من مكة إلى الحبشة أو إلى المدينة ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في شأن الله ورضاه وفي حقه والتمكين من طاعته، وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى اللام مع حذف مضاف؛ أي: لإظهار دين الله ونصرته ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ وعذِّبوا وأُهينوا في مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾؛ أي: لننزلنهم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ تبوئةً ﴿حَسَنَةً﴾؛ أي: تنزيلًا طيبًا في أرض طيبة كريمة، فهو صفة لمصدر محذوف، أو مبأة حسنه ومنزلًا طيبًا، وهي المدينة المنورة حيث آواهم أهلها ونصروهم، يقال (٣) بوَّاه منزلًا أنزله، والمباءة المنزل، فهي منصوبة على الظرفية، أو على أنها مفعول ثان من كان لنبوئنهم بمعنى لنعطينهم، وهم (٤)
стр. 6654
رسول الله ﷺ وأصحابه الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم، فهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وعلى هذا يكون نزول الآية في أصحاب الهجرتين، فيكون نزولها في المدينة بين الهجرتين، وقال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في ستةٍ من الصحابة: صهيب وبلال وعمار وخبَّاب وعابس وجبير، أخذهم المشركون يعذبونهم ليرجعوا عن الإِسلام إلى الكفر، فأما بلال فيخرجونه إلى بطحاء مكة في شدة الحر، ويشدونه ويجعلون على صدره الحجارة، وهو يقول: أحد أحد، فاشتراه منهم أبو بكر وأعتقه، وأما صهيب فقال: أنا رجل كبير، من كنت معكم ... لم أنفعكم، وإن كنت عليكم .. لم أضركم فافتدى منهم وهاجر، وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة أو كلمة الكفر، فتركوا عذابهم ثم هاجروا، فبسبب هجرتهم ظهرت قوة الإِسلام، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم، فلذلك غلبوا على أهل مكة وعلى العرب قاطبةً، وعلى أهل المشرق والمغرب، وعن عمر ﵁ كان إذا أعطى رجلًا أو المهاجرين عطاءً قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكبر.
والمعنى: أي (١) والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم وذهبوا إلى بلاد أخرى احتسابًا لأجر الله ونيلًا لمرضاته، أو بعد ما نالهم أو الكفار أو أذى في أنفسهم وأموالهم، لنسكننهم في الدنيا مساكن حية يرضونها، إذ هم لمَّا تركوا مساكنهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله .. عوَّضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فمكَّن لهم في البلاد، وحكَّمهم في رقاب العباد، وصاروا أمراء وحكامًا، وكان كل منهم للمتقين إمامًا.
ثم أخبر سبحانه أنَّ ثوابه لهم في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾ المعد لهم في مقابلة الهجرة ﴿أَكْبَرُ﴾ مما يعجل لهم في الدنيا؛ أي: ولثواب الله إياهم على هجرتهم من أجله في الآخرة أكبر وأعظم من الأجر الكائن في الدنيا؛ لأنَّ ثوابه إياهم هنالك الجنة، التي لا يفنى
стр. 6655
نعيمها ولا يزول خيرها، وفي "المدارك" الوقف لازم عليه لأنّ جواب قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ محذوف، والضمير للكفار؛ أي: لو علم الكفار أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين .. لوافقوهم في الدين، ويجوز (١) أن يعود إلى المهاجرين.
والمعنى: لو كان المهاجرون يعلمون ما أعدَّ الله لهم في الآخرة .. لزادوا في الجد والاجتهاد والصبر على ما أصابهم من أذى المشركين.
٤٢ - هؤلاء المهاجرون هم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذية الكفار، ومفارقة الأهل والوطن، وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ خاصة ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: يعتمدون في أمورهم، منقطعين إليه، معرضين عما سواه، مفوضين الأمر كله إليه تعالى، والتعبير (٢) بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة، وجملة التوكل معطوفة على الصلة أو في محل النصب على الحال.
والمعنى: أي (٣) هؤلاء هم الذين صبروا على ما نالهم من أذى قومهم ولم يرجعوا القهقرى، وعلى مفارقة الوطن المحبوب، لا سيما حرم الله المحبوب لكل قلب مؤمن، فكيف لمن كان مسقط رأسه، وعلى بذل الروح في ذات الله، وعلى احتمال الغربة بين ناس لم تجمعهم بهم ألفة نسبٍ ولا جوارٍ في دار، وقد فوضوا أمرهم إلى ربهم الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، وأعرضوا عن كل ما سواه.
٤٣ - وسبب قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ لأن مشركي قريش لما بلَّغهم النبي ﷺ الرسالة، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى .. أنكروا ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، ولو أراد أن يبعث إلينا رسولًا .. لبعث من الملائكة الذين عنده، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمَّد إلى الأمم الماضية رسلًا للدعوة إلى توحيدنا، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾؛ أي: إلا ذكورًا بالغين آدميين لا نساءً، إذ مبنى أحوالهن على الستر، والنبوة تقتضي الظهور، ولا صبيانًا لعدم