← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6651–6690 · переход к 6656.

стр. 6651

يأخذهم طائفة بعد أخرى، ثم أعقب هذا بما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي على أتمِّ نظام، وأحكم تقدير. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) قدرته على تعذيب الماكرين، وإهلاكهم بأنواع من الأخذ .. ذكر تعالى طواعية ما خلق من غيرهم، وخضوعه ضد حال الماكرين لينبههم على أنه ينبغي بل يجب عليهم أن يكونوا طائعين منقادين لأمره. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (٢) في الآيات السالفة أنَّ كل ما سواه من جماد وحيوان وإنس وجن وملك منقادٌ له، وخاضعٌ لسلطانه .. أتبع ذلك بالنهي عن الشرك به، وبين أن كل ما سواه فهو ملكه، وأنه مصدر النعم كلِّها، وأن الإنسان يتضرع إليه إذا مسه التفسير، فإذا كشفه عنه .. رجع إلى كفره، وأنَّ الحياة الدنيا قصيرة الأمد، ثم يعلم الكفار بعدئذٍ ما يحل بهم من النكال والوبال جزاءً لهم على سيء أعمالهم، وقبيح أقوالهم، وعبارة أبي (٣) حيَّان: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر انقياد ما في السموات وما في الأرض لما يريده تعالى منها، فكان هو المتفرد بذلك .. نهى أن يشرك به، ودلَّ النهي عن اتخاذ إلهين على النهي عن اتخاذ آلهة، ولمَّا كان الاسم الموضوع للإفراد والتثنية قد يتجوز فيه، فيراد به الجنس، نحو: نعم الرجل زيدٌ، ونعم الرجلان الزيدان، أكد الموضوع لهما بالوصف، فقيل: إلهين اثنين، وقيل إلهٌ واحدٌ، ولمَّا نهى عن اتخاذ الإلهين واستلزم النهي عن اتخاذ آلهة .. أخبر تعالى أنه إله واحد، كما قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ بأداة الحصر، وبالتأكيد بالوحدة، ثم أمرهم بأن يرهبوه، والتفت من الغيبة إلى الحضور لأنه أبلغ في الرهبة.

стр. 6652

قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه تعالى لما بيَّن (١) سخف أقوال أهل الشرك .. أردف ذلك بذكر قبائح أفعالهم التي تمجها الأذواق السليمة. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أن الله لما حكى عن الكفار عظيم ما ارتكبوه من الكفر، ونسبة التوالد له .. بيّن تعالى أنه يُمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهارًا لفضله ورحمته. وعبارة "المراغي": مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما حكى (٣) عن المشركين عظيم كفرهم وقبيح أفعالهم .. بين هنا حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه يمهلهم بالعقوبة إظهارًا لفضله ورحمته، ولو أخذهم بما كسبت أيديهم ما ترك على ظهر الأرض دابة، أما الظالم فبظلمه، وأما غيره فبشؤمه كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لكنه سبحانه يحلم ويستر وينظر إلى أجل مسمى، ثم سلى رسوله ﷺ على ما كان يناله من أذى عشيرته بأن قومه ليسوا ببدع في الأمم، فقد أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك فكذبوهم، ذلك بهم أسوة، فلا يحزننك تكذيبهم، ولا تبخع نفسك عليهم أسى وحسرة. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٤): ما أخرجه ابن جرير عن داود بن أبي هند قال: نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أبي جندل بن سهيل. وقال ابن الجوزي (٥): قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾ اختلفوا فيمن نزلت فيه على ثلاثة أقوال:

стр. 6653

أحدها: أنها نزلت في ستةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، بلال وعمار وصهيب وخباب بن الأرت وعابس وجبير موليان لقريش، أخذهم أهل مكة فجعلوا يعذبونهم ليردوهم عن الإِسلام، قاله أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: أنها نزلت في أبي جندل بن سهيل بن عمرو، قاله داود بن أبي هند. والثالث: أنهم جميع المهاجرين أو أصحاب رسول الله ﷺ ، قاله قتادة. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا ...﴾ الآية، قال (١) المفسرون في سبب نزول هذه الآية هذه لما أنكر مشركو قريش نبوة محمَّد ﷺ ، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا فهلا بعث إلينا ملكًا .. نزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): أنَّ رجلًا من المسلمين دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل. التفسير وأوجه القراءة ٤١ - ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾؛ أي: فارقوا أهاليهم وديارهم وأوطانهم، من مكة إلى الحبشة أو إلى المدينة ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في شأن الله ورضاه وفي حقه والتمكين من طاعته، وقيل: ﴿فِي﴾ بمعنى اللام مع حذف مضاف؛ أي: لإظهار دين الله ونصرته ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ وعذِّبوا وأُهينوا في مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾؛ أي: لننزلنهم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ تبوئةً ﴿حَسَنَةً﴾؛ أي: تنزيلًا طيبًا في أرض طيبة كريمة، فهو صفة لمصدر محذوف، أو مبأة حسنه ومنزلًا طيبًا، وهي المدينة المنورة حيث آواهم أهلها ونصروهم، يقال (٣) بوَّاه منزلًا أنزله، والمباءة المنزل، فهي منصوبة على الظرفية، أو على أنها مفعول ثان من كان لنبوئنهم بمعنى لنعطينهم، وهم (٤)

стр. 6654

رسول الله ﷺ وأصحابه الذين أخرجهم أهل مكة من ديارهم، فهاجروا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وعلى هذا يكون نزول الآية في أصحاب الهجرتين، فيكون نزولها في المدينة بين الهجرتين، وقال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في ستةٍ من الصحابة: صهيب وبلال وعمار وخبَّاب وعابس وجبير، أخذهم المشركون يعذبونهم ليرجعوا عن الإِسلام إلى الكفر، فأما بلال فيخرجونه إلى بطحاء مكة في شدة الحر، ويشدونه ويجعلون على صدره الحجارة، وهو يقول: أحد أحد، فاشتراه منهم أبو بكر وأعتقه، وأما صهيب فقال: أنا رجل كبير، من كنت معكم ... لم أنفعكم، وإن كنت عليكم .. لم أضركم فافتدى منهم وهاجر، وأما سائرهم فقد قالوا بعض ما أراد أهل مكة أو كلمة الكفر، فتركوا عذابهم ثم هاجروا، فبسبب هجرتهم ظهرت قوة الإِسلام، كما أن بنصرة الأنصار قويت شوكتهم، فلذلك غلبوا على أهل مكة وعلى العرب قاطبةً، وعلى أهل المشرق والمغرب، وعن عمر ﵁ كان إذا أعطى رجلًا أو المهاجرين عطاءً قال: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكبر. والمعنى: أي (١) والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم وذهبوا إلى بلاد أخرى احتسابًا لأجر الله ونيلًا لمرضاته، أو بعد ما نالهم أو الكفار أو أذى في أنفسهم وأموالهم، لنسكننهم في الدنيا مساكن حية يرضونها، إذ هم لمَّا تركوا مساكنهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله .. عوَّضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فمكَّن لهم في البلاد، وحكَّمهم في رقاب العباد، وصاروا أمراء وحكامًا، وكان كل منهم للمتقين إمامًا. ثم أخبر سبحانه أنَّ ثوابه لهم في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ﴾ المعد لهم في مقابلة الهجرة ﴿أَكْبَرُ﴾ مما يعجل لهم في الدنيا؛ أي: ولثواب الله إياهم على هجرتهم من أجله في الآخرة أكبر وأعظم من الأجر الكائن في الدنيا؛ لأنَّ ثوابه إياهم هنالك الجنة، التي لا يفنى

стр. 6655

نعيمها ولا يزول خيرها، وفي "المدارك" الوقف لازم عليه لأنّ جواب قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ محذوف، والضمير للكفار؛ أي: لو علم الكفار أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين .. لوافقوهم في الدين، ويجوز (١) أن يعود إلى المهاجرين. والمعنى: لو كان المهاجرون يعلمون ما أعدَّ الله لهم في الآخرة .. لزادوا في الجد والاجتهاد والصبر على ما أصابهم من أذى المشركين. ٤٢ - هؤلاء المهاجرون هم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أذية الكفار، ومفارقة الأهل والوطن، وعلى المجاهدة وبذل الأموال والأنفس في سبيل الله ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ خاصة ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: يعتمدون في أمورهم، منقطعين إليه، معرضين عما سواه، مفوضين الأمر كله إليه تعالى، والتعبير (٢) بصيغة المضارع لاستحضار صورة توكلهم البديعة، وجملة التوكل معطوفة على الصلة أو في محل النصب على الحال. والمعنى: أي (٣) هؤلاء هم الذين صبروا على ما نالهم من أذى قومهم ولم يرجعوا القهقرى، وعلى مفارقة الوطن المحبوب، لا سيما حرم الله المحبوب لكل قلب مؤمن، فكيف لمن كان مسقط رأسه، وعلى بذل الروح في ذات الله، وعلى احتمال الغربة بين ناس لم تجمعهم بهم ألفة نسبٍ ولا جوارٍ في دار، وقد فوضوا أمرهم إلى ربهم الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، وأعرضوا عن كل ما سواه. ٤٣ - وسبب قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ لأن مشركي قريش لما بلَّغهم النبي ﷺ الرسالة، ودعاهم إلى عبادة الله تعالى .. أنكروا ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، ولو أراد أن يبعث إلينا رسولًا .. لبعث من الملائكة الذين عنده، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمَّد إلى الأمم الماضية رسلًا للدعوة إلى توحيدنا، ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾؛ أي: إلا ذكورًا بالغين آدميين لا نساءً، إذ مبنى أحوالهن على الستر، والنبوة تقتضي الظهور، ولا صبيانًا لعدم

стр. 6656

كمالهم، ونبوة عيسى في المهد لا تنافيه إذ الرسالة أخص، قال ابن الجوزي اشتراط الأربعين في حق الأنبياء ليس بشيء، ولا ملائكة لاختلاف الجنس، وقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾؛ أي: إلى الملائكة أو إلى الأنبياء ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ على ألسنة الملائكة في الأغلب وأكثر الأمر، وفيه (١) إشارة إلى أن الرسالة النبوة والولاية لا تسكن إلا في قلوب الرَّجال الذين لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيع عن ذكر الله. والمعنى (٢): أي وما أرسلنا من قبلك رسلًا إلى أممهم للدعوة إلى توحيدنا والانتهاء إلى أمرنا إلا رجالًا من بني آدم نوحي إليهم لا ملائكة، ومجمل القول: إنا لم نرسل إلى قومك إلا مثل الذين كنا نرسلهم إلى من قبلهم من الأمم؛ أي: رسلًا من جنسهم وعلى منهاجهم، روى الضحاك عن ابن عباس: الله لمَّا بعث محمدًا ﷺ . أنكر العرب ذلك وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فأنزل الله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ الآية، ونحو الآية قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾، وقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾. وقرأ الجمهور (٣): ﴿يُوحَى﴾ بالياء وفتح الحاء، وقرأت فرقة: بالياء وكسرها، وقرأ عبد الله والسلمي وطلحة وحفص عن عاصم: بالنون وكسرها. ولمَّا (٤) كان كفار مكة مقرين بأن اليهود والنصارى هم أهل العلم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل .. صرف الخطاب إليهم، وأمرهم أن يرجعوا إلى أهل الكتاب، فقال: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ يا معشر قريش إن شككتم في ذلك ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾؛ أي: أهل العلم بذلك؛ أي: علماء أهل الكتاب، ليخبروكم أن الله تعالى لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشرًا، وكانوا يشاورونهم في بعض الأمور، ولذلك أحالهم إلى هؤلاء للإلزام؛ أي: فإذا أخبروكم بذلك .. زالت الشبهة من

стр. 6657

قلوبكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الرسل من البشر. والمعنى: أي فاسألوا (١) أهل الكتب السابقة من اليهود والنصارى، أبشرًا كانت الرسل إليهم أم ملائكةً؟ فإن كانوا ملائكةً .. أنكرتم، وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد ﷺ رسولًا، ٤٤ - وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة لرجالًا؛ أي: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا متلبسين بالمعجزات الباهرة، الدالَّة على صدق من يدعي الرسالة، كعصا موسى، وناقة صالح، ومتلبسين بالكتب المشتملة على التكاليف الشرعية، التي يبلغونها من الله تعالى إلى العباد، كالتوراة والإنجيل، والبينات جمع بينة، وهي المعجزة الواضحة، والزبير جمع زبور، وهو الكتاب بمعنى المزبور؛ أي: المكتوب. أي: وما أرسلنا رسلًا من قبلك إلا رجالًا متلبسين بالأدلة والحجج، التي تشهد لهم بصدق نبوتهم، وبالكتب التي تشمل على التكاليف والشرائع التي يبلغونها من الله إلى العباد. وقيل: في الكلام (٢) تقديم وتأخير، والتقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبير إلا رجالًا، وقيل: يتعلق بمحذوف دلَّ عليه المذكور؛ أي: أرسلناهم بالبينات والزبر، وقيل: متعلق بتعلمون على أنه مفعوله والباء زائدة؛ أي: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبير، وقيل: متعلق بنوحي؛ أي: نوحي إليهم بالبينات والزبر، وقيل: منصوب بتقدير: أعني، والباء زائدة. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: وأنزلنا عليك يا محمَّد القرآن منجمًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع، وإنما سمّاه ذكرًا لأن فيه مواعظ وتنبيهًا للغافلين؛ يعني: أنه سبب (٣) الذكر، فأطلق عليه اسم المسبب، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ كافةً العرب والعجم ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ في ذلك الذكر من الأحكام والشرائع، وغير ذلك من أحوال القرون المهلكة بأفانين العذاب، حسب أعمالهم الموجبة لذلك

стр. 6658

على وجه التفصيل بيانًا شافيًا، كما ينبىء عنه صيغة التفعيل في الفعلين، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيما نُزِّل إليهم، فينتبهوا لما فيه من العبر، ويحترزوا عما يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب. والمعنى: أي (١) وأنزلنا إليك القرآن تذكيرًا وعظةً للناس، لتُعرِّفهم ما أنزل إليهم من الأحكام والشرائع، وأحوال القرون المهلكة بأفانين العذاب جزاء عنادهم مع أنبيائهم وتبين لهم ما أشكل عليهم من الأحكام، وتفصل لهم ما أجمل بحسب مراتبهم في الاستعداد والفهم لأسرار التشريع، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: وتوقعًا منك وانتظارًا لتفكرهم في هاتيك الأسرار والعبر، وإبعادًا لهم عن سلوك سبيل الغابرين من المكذبين، حتى لا يصيبهم مثل ما أصابهم. ٤٥ - ثم حذرهم وخوفهم مغبة ما هم فيه من العصيان والكفر فقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ والهمزة (٢) فيه للاستفهام التوبيخي التقريعي المضمن للإنكار داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف المنسحب عليه النظم الكريم؛ أي: أنزلنا إليك الذكر لتبين لهم مضمونه، الذي من جملته أنباء الأمم المهلكة بفنون العذاب، ولم يتفكروا في ذلك؛ أي: ألم يتفكروا ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ اهـ "أبي السعود". والتقدير: أيُعْرِضُ الذين فعلوا المكرات السيئات برسول الله ﷺ في دار الندوة من تقييده أو قتله، أو إخراجه من مكة كما ذكر في الأنفال، ومكروا بأصحابه حين راموا صدهم عن الإيمان عن التذكر في هذا الذكر المشتمل على أنباء الأمم المهلكة؛ أي: أأعرض هؤلاء الماكرون عن التفكر فيه فأمنوا ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾؛ أي: أن يغور الله بهم الأرض، حتى يدخلوا فيها إلى الأرض السفلى، كما فعل بقارون وأصحابه، والإنكار (٣) موجه إلى المعطوفين معًا. وذكر بعضهم أن الكركي لا يطأ الأرض بقدميه بل بإحداهما، فإذا وطئها .. لم يعتمد عليها خوفًا أن تخسف الأرض، فإذا لم يأمن الطير من الخسف .. فما

стр. 6659

بال الإنسان العاقل يمشي على الأرض وهو غافل انتهى. ﴿أَوْ﴾ أمنوا أن ﴿يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: عذاب الاستئصال ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ به؛ أي: من جهة لا تخطر ببالهم، فيهلكهم بغتةً كما فعل بقوم لوط وغيرهم، ٤٦ - ﴿أَوْ﴾ أمنوا أن ﴿يَأْخُذَهُمْ﴾ الله سبحانه بالعقوبة ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾؛ أي: في حالة تحركهم في أسفارهم إقبالًا وإدبارًا، فهو حال أو المفعول؛ أي: حالة كونهم متقلِّبين في أسفارهم، والتقلب الحركة إقبالًا وإدبارًا اهـ "شهاب"، فإنَّه سبحانه (١) وتعالى قادر على أن يهلكهم في السفر، كما يهلكهم في الحضر، وهم لا يفوتونه بسبب ضربهم في الأرض، وبعدهم عن الأوطان، وقيل: المراد في حال تقلبهم في قضاء أوطارهم بوجود الحيل، فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم، وقيل: في حال تقلبهم في الليل على فرشهم، وقيل: في حال إقبالهم وإدبارهم، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار، وقيل غير ذلك. ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: فإذا أخذهم بالعقوبة بأيِّ سبب وفي أيِّ حالةٍ .. فما هم بناجين من عذاب الله القهار، سابقين قضاءه بالهرب والفرار على ما يوهمه التقلب والسير في الديار. ٤٧ - ﴿أَوْ﴾ أمنوا أن ﴿يَأْخُذَهُمْ﴾ الله بالعذاب حالة كونهم ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ وتوقع؛ أي: مخافة من وقوع العذاب، بأن يكونوا متوقعين للعذاب حذرين منه، غير غافلين عنه، بأن يهلك قومًا قبلهم فيتخوفوا، فيأتيهم الله به وهم متخوفون، وقيل: معنى ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾؛ أي: على تنقصٍ، قال ابن الأعرابي: أي تنقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات. والمعنى (٢): أو يأخذهم على أن ينقصهم شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا، ولا يهلكهم في حالة واحدة، فيكون المراد مما قبله عذاب الاستئصال، ومنه الأخذ شيئًا فشيئًا، والمراد بذكر الأحوال الثلاث بيان قدرة الله تعالى على إهلاكهم بأيِّ وجهٍ كان، لا الحصر فيها.

стр. 6660

﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ﴾، أيها العباد، ﴿لَرَءُوفٌ﴾ بكم حيث لا يعاجلكم بالعقوبة، ويحلم عنكم مع استحقاقكم لها، ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم حيث لا يأخذكم في الحال ويتوب عليكم في المآل، ويجازي توبتكم بالفضل والنوال، ولمَّا (١) كان تعالى قادرًا على هذه الأمور، ولم يعاجلهم بها .. ناسب وصفه بالرأفة والرحمة. وحاصل المعنى: أي (٢) أفأمن الذين مكروا برسول الله ﷺ من أهل مكة وراموا صد أصحابه عن الإيمان بالله تعالى أن يصيبهم بعقوبة من عنده: ١ - إمَّا بأن يخسف بهم الأرض، ويبيدهم من صفحة الوجود، كما فعل بقارون من قبل. ٢ - وإما بأن يأتيهم بعذاب من السماء فجأة من حيث لا يشعرون، كما صنع بقوم لوط. ٣ - وإمَّا بأن يأخذهم بعقوبة وهم في أسفارهم يكدحون في الأرض ابتغاء الرزق، وما هم بممتنعين عليه فائتين له بالهرب والفرار كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ وقال ﷺ : "إن الله تعالى لَيُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ". ٤ - وإمَّا بأن يخيفهم أوَّلًا، ثم يعذبهم بعد ذلك، بأن يهلك طائفة فتخاف التي تليها، حتى يأتي عليهم جميعًا، ويكون هذا أشد عليهم إيلامًا ووحشة، وختم الآية بما ختم به لبيان أنه لم يأخذهم بعذاب معجل، بل أخذهم بحالات يخاف منها كالرياح الشديدة والصواعق والزلازل، وفي ذلك امتداد وقت ومهلة يمكن فيها تلافي التقصير، وهذا من آثار رحمته بعباده. ٤٨ - ثم ذكر آثار قدرته على خلقه فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهمزة (٣) فيه للإنكار المضمن للتوبيخ، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والرؤية هي البصرية المؤدِّية إلى التفكر، والضمير لكفار مكة؛ أي: ألم ينظروا

стр. 6661

ويروا ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ تعالى ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بيان لـ ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: من كل شيء له ظل، ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾؛ أي: يتقلص ويتحول وينتقل ظلاله شيئًا فشيئًا من جانب إلى جانب، وتدور من موضع إلى موضع، حسبما تقتضيه إرادة الخالق، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ متعلق بـ ﴿يَتَفَيَؤُأ﴾؛ أي: عن جهة أيمانها وشمائلها؛ أي: عن (١) جانبي كل واحد منها، أو عن يمين الفلك وهو جهة المشرق، وعن شمائل الفلك وهي جهات المغرب، وأفرد اليمين باعتبار لفظ ما، وجمع الشمائل باعتبار معناها، وقيل إنما (٢) وحد اليمين وجع الشمائل لأن مذهب العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن يلغى واحد ويكتفى بأحدهما، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كذا في الأسئلة المقحمة. والحاصل: أن الهمزة في: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ للإنكار، كما مرَّ آنفًا، وهي داخلة في الحقيقة على النفي، وإنكار النفي نفيٌ له، ونفي النفي إثبات. والمعنى: قد رأى هؤلاء الذين مكروا السيئات من أهل مكة أمثال هذه الصنائع، فما لهم لم يتفكروا فيه، ليظهر لهم كمال قدرته تعالى وقهره، فيخافوا منه حالة كون تلك الظلال ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾؛ أي: ساجدين لله، دائرين على مراد الله تعالى في الامتداد والتقلص وغيرهما، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيُّؤ، وقوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ حال من الضمير المستتر في ﴿سُجَّدًا﴾، فهي حال متداخلة؛ أي: خاضعون صاغرون من الدخور وهو الصغار والذل؛ أي: والحال أن أصحابها من الأجرام داخرة؛ أي: صاغرة منقادة لحكمه تعالى، ووصفها بالدخور مغن عن وصف ظلالها به؛ أي: ألم ينظر (٣) أهل مكة ولم يروا بأبصارهم إلى جسم قائم له ظل من جبل وشجر وبناء يرجع ظلاله من المشرق ومن المغرب واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد، وهم داخرون؛ أي: منقادون لقدرة الله تعالى وتدبيره، ولما وصفت الظلال بالانقياد لأمره

стр. 6662

تعالى .. أشبهت العقلاء، فعبّر عنها بلفظ من يعقل، لأن الدخور من خصائصهم، أو لأن من جملة ذلك من يعقل فغلب. والخلاصة: أي (١) ألم ينظر هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من الأجسام القائمة كالأشجار والجبال، التي تتفيَّأ ظلالها وترجع من موضع إلى موضع عن اليمين والشمائل، فهي في أوَّل النهار على حالٍ، ثم تتقلص، ثم تعود إلى حال أخرى في آخر النهار، مائلةً من جانب إلى جانب ومن ناحيةٍ إلى أخرى صاغرة منقادة لربها خاضعة لقدرته. وقرأ السُّلمي والأعرج والأخوان حمزة والكسائي (٢): ﴿أولم تروا﴾ بتاء الخطاب إما على العموم للخلق استؤنف به الإخبار، وإما على معنى قل لهم، إذا كان خطابًا خاصًّا، وقرأ باقي السبعة: بالياء على الغيبة، واحتمل أيضًا أن يعود الضمير على الذين مكروا، واحتمل أن يكون إخبارًا عن المكلفين، والأول أظهر لتقدم ذكرهم، وقرأ أبي عمرو وعيسى ويعقوب: ﴿تَتَفَيّؤُ﴾ بالتاء على التأنيث، وباقي السبعة بالياء. وقرأ الجمهور: ﴿ظِلَالُهُ﴾ جمع ظل، وقرأ عيسى: ﴿ظُلَلُه﴾ جمع ظُلَّة، كحُلَّةٍ وحُلَلٍ، والرؤية هنا رؤية القلب التي يقع بها الاعتبار، ولكنها بواسطة رؤية العين. ٤٩ - ثم ذكر ما هو كالدليل لما سلف فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ وحده لا لغيره، فالقصر (٣) فيه قصر قلب وإفراد كما سيأتي في مبحث البلاغة، ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أي: يخضع وينقاد، قال العلماء: السجود على نوعين سجود طاعة وعبادةٍ كسجود المسلم، وسجود انقياد وخضوع كسجود الظلال. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من العلويات قاطبةً، ودخل فيه الشمس والقمر والنجوم ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كائنًا ما كان ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيان لما في الأرض؛ أي: من كل دابة تدب عليها، فإن قوله تعالى:

стр. 6663

﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ يدل (١) على اختصاص الدابة بما في الأرض؛ لأنَّ ما في السماء لا يخلق بطريق التوالد، وليس لهم دبيبٌ، بل لهم أجنحة يطيرون بها، والظاهر أن الطيران لا ينافي الدبيب، وقد قيل إن في السماء خلقًا يدبون ودبيبه لا يستلزم كونه مخلوقًا من الماء المعهود، إذ من الماء كل شيء حيٍّ، فيكون ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيانًا لما في السماء والأرض، و ﴿ما﴾ عام للعقلاء وغيرهم، وفي "الأسئلة المقحمة": أن ما لا يعقل أكثر عددًا ممن يعقل، فغلب جانب ما لا يعقل لأنه أكثر عددًا، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ معطوف على ما في السموات، عطف جبريل على الملائكة تعظيمًا وإجلالًا، ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أيُّ الملائكة مع على شأنهم ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: لا يتعظمون عن عبادته والسجود له، بل يتذللون، فكل شيء بين يدي صانعه ساجدٌ بسجود يلائم حاله، كما أن كل شيء يسبح بحمده تسبيحًا يلائم حاله، فتسبيح بعضهم بلسان القال، وتسبيح بعضهم بلسان الحال، والله يعلم لسان حالهم، كما يعلم لسان قالهم، وفي هذا رد على قريش حيث زعموا أن الملائكة بنات الله. والمعنى: أي ولله (٢) يخضع ما في السموات وما في الأرض مما يدب عليها، وكذلك ملائكته الذين في السماء، وهم لا يستكبرون عن التذلل والخضوع له، ٥٠ - ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: مَالِكَ أمرهم، والجملة حال من الضمير في: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، حال من ربهم؛ أي: يخافونه تعالى خوف هيبةٍ وإجلال، وهو فوقهم بالقهر لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِه﴾، أو يخافون أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم، فهو متعلق بـ ﴿يَخَافُونَ﴾ ﴿وَيَفْعَلُونَ﴾؛ في: الملائكة ﴿مَا يُؤْمَرُونَ﴾؛ أي: ما يأمرهم الخالق به من الطاعات والتدبيرات، من غير تثاقل عنه وتوانٍ فيه، فبواطنهم وظواهرهم مبرأة من الأخلاق الفاسدة والأفعال الباطلة، وفيه أن الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وبين الخوف والرجاء.

стр. 6664

وحمل (١) هذه الجمل على الملائكة أولى من حمله على جميع من تقدم ذكره، لأن في مخلوقات الله من يستكبر عن عبادته ولا يخافه ولا يفعل ما يؤمر به، كالكفار والعصاة الذين لا يتصفون بهذه الصفات وإبليس وجنوده. والمعنى: أي (٢) يخاف هؤلاء الملائكة والدواب التي في الأرض ربهم، الذي هو من فوقهم بالقوة والقهر، أن يعذبهم إن عصوه، ويفعلون ما أمرهم به، فيؤدون حقوقه ويجتنبون سخطه، ونحو الآية قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. ومجمل القول: أنه تعالى نبه إلى أنه لعظمته وكبريائه تدين له المخلوقات بأسرها، جمادها ونباتها وحيوانها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند قراءتها وسماعها. ٥١ - ولما بين سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضية منقادة له خاضعة لجلاله .. أتبع ذلك بالنهي عن الشرك بقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ لجميع المكلفين ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ تأكيد لما فهم من إلهين من التثنية، يعني نفسه والأصنام ﴿إِنَّمَا هُوَ﴾ ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: معبود واحد لا شريك له في ذاته وصفاته، ولا شبيه له في أفعاله. وقد قيل (٣): إن التثنية في إلهين قد دلت على الاثنينية، والإفراد في إله قد دل على الوحدة، فما وجه وصف إلهين باثنين، ووصف إله بواحد؟ فقيل في الجواب: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين، إنما هو واحد إلهٌ، وقيل: إن التكرير لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك، وقيل: إن فائدة زيادة اثنين هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، وفائدة زيادة واحد دفع توهم أن المراد إثبات الإلهية دون الوحدانية، مع

стр. 6665

أن الإلهية له سبحانه مسلمة في نفسها، وإنما خلاف المشركين في الواحدية. وعبارة "النسفي" هنا: فإن قلت (١): إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا: عندي رجال ثلاثة، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، فأما رجل ورجلان فمعدودان فيهما دلالة على العدد؛ فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان. قلتُ: الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دالٌ على شيئين، على الجنسية والعدد المخصوص، فإذا أريدت الدلالة على أن المعني به منهما هو العدد .. شفع بما يؤكد، فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت إنما هو إله ولم تؤكده بواحد لم يحسن، وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية. ﴿فَإِيَّايَ﴾ لا غيري ﴿فَارْهَبُونِ﴾؛ أي: فخافون؛ أي: إن كنتم راهبين شيئًا .. فارهبوني لا غيري، فإني ذلك الواحد الذي يسجد له ما في السموات والأرض، فالفاء واقعة في جواب شرط محذوف. والمعنى: أي (٢) وقال الله سبحانه لعباده لا تتخذوا لي شريكًا ولا تعبدوا سواي، فإنكم إذا عبدتم معي غيري .. جعلتموه لي شريكًا، ولا شريك لي إنما هو إله واحد ومعبود واحد، وأنا ذاك، فاتقوني وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي بإشراككم بي غيري، أو عبادتكم سواي. وإنَّما ذكر (٣) العدد مع أن صيغة التثنية مغنية عنه للدلالة على أنَّ المنهي عنه هي الاثنينية، وإنها منافية للألوهية، كما أن وصف الإله بالوحدة في قوله: ﴿إنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ للدلالة على أنَّ المقصود إثبات الواحدانية، وأنها من لوازم الألوهية، أما الألوهية فغير منكرة ولا منازع فيها، كما مر ذلك آنفًا عن الشوكاني والنسفي. والخلاصة: أنه تعالى أخبر أنه لا إله إلا هو، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له وحده.

стр. 6666

٥٢ - ثم لما قرر سبحانه وحدانيته وأنه الذي يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه .. ذكر أن الكل في ملكه وتحت تصرفه، فقال: وله خلقًا وملكًا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة وغيرهم ﴿وَ﴾ ما في ﴿الْأَرْضِ﴾ من الجن والإنس وغيرها ﴿وَلَهُ﴾ لا لغيره ﴿الدِّينُ﴾؛ أي: الطاعة والانقياد من كل شيء في السموات والأرض وما بينهما، ﴿وَاصِبًا﴾ حال من ﴿الدِّينُ﴾؛ أي: حالة كون الدين واصبًا؛ أي: واجبًا لله على خلقه، ثابتًا دائمًا لا زوال له، لأنه الإله وحده الواجب أن يرهب منه، والهمزة في قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ للتوبيخ والتقريع المضمن للإنكار (١) داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أي أبعد العلم بما ذكر من التوحيد واختصاص الكل به خلقًا وملكًا غير الله تطيعون فتتقون. والمعنى: أي فبعد (٢) أن علمتم هذا ترهبون غير الله، وتحذرون أن يسلبكم نعمةً، أو يجلب لكم أذى، أو ينزل بكم نقمة إذا أنتم أخلصتم العبادة لربكم، وأفردتم الطاعة له، وما لكم نافع سواه، وإجمال ذلك أنكم بعد أن عرفتم أن إله العالم واحد، وعرفتم أن كل ما سواه فهو في حاجة إليه في وجوده وبقائه، كيف يعقل أن يكون لامرىء رغبة أو رهبةً من غيره تعالى. ٥٣ - ولما بين أن الواجب أن لا يتقى غير الله .. ذكر أنه يجب أن لا يشكر إلا هو فقال: ﴿وَمَا بِكُمْ﴾؛ أي: أي شيء يلابسكم ويصاحبكم ﴿مِنْ نِعْمَةٍ﴾؛ أي: نعمة كانت على اختلاف أنواعها كالغنى وصحة الجسم والخصب ونحوها ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: فهي من قبل الله تعالى، فـ ﴿ما﴾ شرطية (٣) أو موصولة متضمنة لمعنى الشرط باعتبار الإخبار دون الحصول، فإن ملابسة النعمة بهم سبب للإخبار بأنها منه تعالى، لا لحصولها منه، والنعمة (٤) إما دينية، وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية، أو بدنية أو خارجية، كالعادات

стр. 6667

المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحته أنواع لا حصر لها، والكل من الله سبحانه، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه. ثم بين تلون الإنسان بعد استغراقه في بحر النعم فقال: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾؛ أي: الفقر والبلاء في جسدكم والقحط ونحوها مساسًا يسيرًا، ﴿فَإِلَيْهِ﴾؛ أي: فإلى الله لا إلى غيره ﴿تَجْأَرُونَ﴾؛ أي: تتضرعون في كشفه، فلا كاشف له إلا هو، والجؤار (١): رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة، ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ﴾ الله تعالى ﴿الضُّرَّ﴾ الذي نزل بكم وأزاله ﴿عَنْكُمْ﴾؛ أي: إذا رفع عنكم ما نزل بكم من الضر، ﴿إِذَا فَرِيقٌ﴾؛ أي: جماعة ﴿مِنْكُمْ﴾ وهم كفاركم ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ الذي كشف عنهم الضر ﴿يُشْرِكُونَ﴾ فيجعلون معه إلهًا آخر من صنم أو نحوه، والآية مسوقة للتعجيب من فعل هؤلاء، حيث يضعون الإشراك باللهِ الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر مكان الشكر له، و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ بعبادة غيره ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: بما أعطيناهم من نعمة كشف الضر عنهم ﴿لام﴾ كي؛ أي: لكي يكفروا بما آتيناهم من نعمة كشف الضر، حتى (٢) كأنَّ هذا الكفران منهم الواقع في موضع الشكر الواجب عليهم غرضٌ لهم، ومقصد من مقاصدهم، وهذا غاية في العتو والعناد ليس وراءها غاية، ففي ﴿اللام﴾ استعارة تبعية كما سيأتي، وقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ من الكفران، وقيل: ﴿اللام﴾ للعاقبة، يعني: ما كانت عاقبة تلك التضرعات إلا هذا الكفران. ثم قال سبحانه على سبيل التهديد والترهيب ملتفتًا من الغيبة إلى الخطاب: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ بما أنتم فيه من ذلك بقية آجالكم؛ أي: فعيشوا وانتفعوا بمتاع الحياة الدنيا أيامًا قليلةً، وهو أمر تهديد ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة أمركم، وما يحل بكم في هذه الدار، وما تصيرون إليه في الدار الآخرة. وحاصل معنى الآيات (٣): أي ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ في أبدانكم من عافيةٍ

стр. 6668

وصحةٍ وسلامة، وفي أموالكم من نماءٍ وزيادةٍ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: فالله هو المنعم بها عليكم، والمتفضل بها لا سواه، فبيده الخير، وهو على كل شيء قدير، فيجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم المتواصلة، وإحسانه الدائم الذي لا ينقطع، ولقد أجاد من قال: أحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوْبَهُمُ ... فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾؛ أي: ثم إذا أصابكم في أبدانكم سقم ومرض، أو حاجة عارضة أو شدة وجهد في العيش ووسائل الحياة. ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾؛ أي: فإليه تصرخون بالدعاء، وتستغيثون به ليكشف ذلك عنكم، علمًا منكم أنه لا يقدر على إزالة ذلك إلا هو، ٥٤ - ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾؛ أي: ثم إذا وهب لكم ربكم العافية، ورفع عنكم ما أصابكم من مرض في أبدانكم، أو شدةٍ في معاشكم بتفريج البلاء عنكم .. إذا جماعة منكم يجعلون لله شريكًا في العبادة، فيعبدون الأوثان، ويذبحون لها الذبائح شكرًا لغير من أنعم بالفرج وأزال من الضر. ٥٥ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: قيضنا لهم ذلك لتكون عاقبة أمرهم أن يجحدوا نعم الله عليهم، وأنه هو المسدي لها، وأنه هو الكاشف للنقم عنهم، وقد فعلوا ذلك لسوء استعدادهم وخبث طويتهم، وبما ران على قلوبهم من الكفر والعصيان، فجحدوا فضل الملك الديان، وإحسان صاحب الطول والإحسان، ثم توعدهم على سوء صنيعهم، وأبان لهم عاقبة أمرهم فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: فتمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم، وتبلغوا الميقات الذي وقت لحياتكم وتمتعكم فيها، وبعدئذٍ ستصيرون إلى ربكم فتعلمون عند لقائه وبال ما كسبت أيديكم، وسوء مغبة أعمالكم، وتندمون حين لا ينفع الندم. وقرأ أبو العالية (١): ﴿فَيُمْتَعُوا﴾ بالياء من تحت مضمومة مبنيًّا للمفعول

стр. 6669

ساكن الميم، وهو مضارع متع مخففًا، وهو معطوف على ليكفروا، وقرأ: ﴿فسوف يعلمون﴾ بالياء على الغيبة وقد رواهما مكحول الشامي عن أبي رافع مولى النبي ﷺ ، والتمتع هنا بالحياة الدنيا ومآلها إلى الزوال. ٥٦ - ثم حكى سبحانه نوعًا آخر من قبائح أعمالهم ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾؛ أي: كفار مكة بعد ما وقع منهم الجؤار إلى الله سبحانه في كشف الضر عنهم، وبعد ما يعقب كشفه عنهم من الكفر منهم بالله والإشراك به ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي للأصنام التي لا يعلم الكفار حقيقتها وقدرها الخسيس، ويعتقدون فيها أنها تنفع وتضر، وتشفع عند الله تعالى، وقيل: المعنى: أنهم؛ أي: الكفار يجعلون للأصنام وهم - أي الأصنام - لا يعلمون شيئًا لكونهم جمادات، ففاعل يعلمون على هذا هي الأصنام، وأجراها مجرى العقلاء في جمعها بالواو والنون جريًا على اعتقاد الكفار فيها. وحاصل المعنى: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعقل شيئًا ﴿نَصِيبًا﴾؛ أي: حظًّا وجزءًا ﴿مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: من الأموال التي رزقناهم إياها من الزرع والأنعام وغيرهما تقربًا إليها، ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ وهي؛ أي: الأصنام لا تشعر أجعلوا لها نصيبًا وحظًّا في أنعامهم وزروعهم أم لا، ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ أيها الكفار يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا، وتختلقونه من الكذب على الله تعالى بأنها آلهة حقيقة بأن يتقرب إليها؛ أي: أقسم لأسألنكم عما افتريتموه واختلقتموه من الباطل، ولأعاقبنكم على ذلك عقوبة تكون كفاء كفرانكم نعمي وافترائكم عليَّ، ونحو الآية: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. ٥٧ - ثم ذكر نوعًا آخر من قبائحهم فقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾ ﴿الْبَنَاتِ﴾؛ أي: وينسب بعض الكفار البنات إلى الله سبحانه، ويقولون: الملائكة بنات الله، وهم خزاعة وكنانة، وإنَّما (١) أطلقوا لفظ البنات على الملائكة

стр. 6670

لاستتارهم عن العيون كالنساء، أو لدخول لفظ التأنيث في تسميتهم، ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيها له تعالى عن البنات والبنين، وعن كل ما لا يليق به من صفات الحدوث، نزه سبحانه نفسه عما نسبه إليه هؤلاء الجفاة الذين لا عقول لهم صحيحة، ولا أفهام مستقيمة، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل، وفي هذا التنزيه تعجيب من حالهم، ﴿و﴾ يجعلون ﴿لهم﴾؛ أي: لأنفسهم ﴿مَا يَشْتَهُونَ﴾؛ أي: ما يحبونه؛ أي: ويختارون لأنفسهم الأولاد الذكور، على أنَّ ﴿ما﴾ في محل النصب بالفعل المقدر، ويجوز أن تكون في محل رفع بالابتداء، والظرف المقدم خبره، والجملة حالية، وأنكر النصب الزجاج، وأجازه الفراء. والمعنى: أي (١) ولقد بلغ من جهل هؤلاء المشركين وعظيم أباطيلهم أنهم يجعلون لمن خلقهم، ودبر شؤونهم، واستحق شكرهم على جزيل نعمائه البنات، إذ قالت خزاعة: الملائكة بنات الله، كما قال عزَّ اسمه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ وعبدوها مع الله، وقد أخطؤوا في ذلك خطأ كبيرًا، وضلوا ضلالًا بعيدًا، إذ نسبوا إليه الأولاد، ولا أولاد له، وأعطوه منها أخسها وهي البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، بل لا يرضون إلا البنين، كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾، وقال: ﴿أألَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾. ٥٨ - قال ابن عباس: يقول سبحانه: تجعلون لي البنات ترضونهن لي ولا ترضونهن لأنفسكم، ثم ذكر سبحانه كراهتهم للإناث التي جعلوها لله سبحانه فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾؛ أي: أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات، ﴿بِالْأُنْثَى﴾؛ أي: بولادة أنثى؛ أي: أُخبر بولادة أنثى له ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ﴾؛ أي: صار وجهه ﴿مُسْوَدًّا﴾؛ أي: متغيِّر (٢) اللون بما يحصل له من الغم وانكسار القلب، وليس المراد السواد الذي هو ضد البياض، بل المراد الكناية بالسواد عن الانكسار

стр. 6671

والتغير الذي يحصل بسبب الغم، والعرب تقول لكل من لقي مكروها قد اسود وجهه غمًّا وحزنًا، قاله الزجاج، وقال الماوردي: بل المراد سواد اللون حقيقة، قال: وهو قول الجمهور، والأولى، فإن المعلوم بالوجدان أن من غضب وحزن واغتم لا يحصل في لونه إلا مجرد التغير، وظهور الكآبة والانكسار لا السواد الحقيقي. وجملة قوله: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ في محل نصب على الحال؛ أي: ظل وجهه مسودًّا، والحال أنه مملوء غضبًا على المرأة، لأجل ولادتها الأنثى، ومن هنا (١) أخذ المعبرون من رأى أو روئي له أن وجهه اسودَّ، فإن امرأته تلد أنثى، أو ممتلىءٌ من الغم غيظًا وخنقًا، قال الأخفش: هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره، ٥٩ - ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾؛ أي: يتغيب ويختفي ويستتر من قوله، ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾؛ أي: من أجل سوء المبشر به، ومن أجل تعييرهم له بها، والتعبير عنها بـ ﴿ما﴾ لإسقاطها عن درجة العقلاء؛ أي: يختفي (٢) منهم من أجل كراهية الأنثى التي بشر وأخبر بها، من حيث كونها لا تكتسب، وكونها يخاف عليها الزنا، وكان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بأمرته .. اختفى عن القوم، إلى أن يعلم ما يولد له، فإن كان ذكرًا .. فرح به، وإن كان أنثى .. حزن ولم يظهر للناس أيَّامًا، يدبر فيها ماذا يصنع بها، وذلك قوله تعالى: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ تذكير الضمير باعتبار لفظ ﴿ما﴾؛ أي: أيمسك ذلك المولود ويتركه ﴿عَلَى هُونٍ﴾؛ أي: مع ذُلٍّ وتعيير يلحقه بسببها؛ أي: يحفظ ما بشر به من الأنثى، ويتركه بلا دفْنٍ مع رضاه بذل نفسه، فقوله: ﴿عَلَى هُونٍ﴾ إمَّا (٣) حال من الفاعل؛ أي: يمسكها مع رضاه بهوان نفس، أو من المفعول، أي: يمسكها مهانة ذليلة للعمل والاستقاء والخدمة، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ ويخفيه ﴿فِي التُّرَابِ﴾ بالوأد؛ أي: دفنها حية؛ أي: إذا بشر حدهم بالأنثى .. يكون مترددًا بين أمرين، إما أن يمسكه على هون، وإما أن

стр. 6672

يدسه في التراب، فيفعل ما ظهر له من الأمرين، فالعرب (١) كانوا مختلفين في قتل البنات، فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنهم من يذبحها، وهم كانوا يفعلون ذلك تارةً للغيرة والحمية، وتارةً خوفًا من الفقر ولزوم النفقة، ولقد بلغ بهم المقت إلى أن يهجر بعضهم البيت الذي فيه المرأة إذا ولدت أنثى، ﴿أَلَا﴾ حرف تنبيه ﴿سَاءَ﴾ لإنشاء الذم؛ أي: انتهبوا واستمعوا ما أقول لكم: ساء وقبح ﴿مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ أي: ما يحكم هؤلاء المشركون في حق الله تعالى، وفي حق أنفسهم، حيث أضافوا البنات التي يكرهونها إلى الله سبحانه، وأضافوا البنين المحبوبين عندهم إلى أنفسهم، والمخصوص بالذم حكمهم هذا. والمعنى: أي وإذا (٢) بشر أحد هؤلاء الذين جعلوا لله البنات بولادة أنثى .. ظل وجهه مسودًا كئيبًا من الهم، ممتلئًا غيظًا وخنقًا من شدة ما هو فيه من الحزن، يتوارى من الناس خجلًا واستحياءً، ولا يود أن يراه أحد من مساءته بما بشِّر بها، ويدور بخلده أحد أمرين: إما أن يمسكها ويبقيها بقاء ذلة وهوان، فلا يورثها ولا يعني بها، بل يفضل الذكور عليها، وإما أن يدسها في التراب، ويدفنها وهي حية، وذلك هو الوأد المذكور، في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾. ومعنى قوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾؛ أي: بئس (٣) ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوه إليه، فإنهم بالغوا في استنكاف من البنت من وجوه: ١ - اسوداد الوجه. ٢ - الاختفاء من القوم من شدة نفرتهم منها. ٣ - أنهم يقدمون على قتلها ووأدها خشية العار، أو خوف الجوع والفقر.

стр. 6673

قرأ الجحدري (١): ﴿أيمسكها على هوان أم يدسها﴾ بالتأنيث عودًا على قوله: بالأنثى، أو على معنى ما بُشِّر به، ووافقه عيسى على قراءة، هوان على وزن فعال، وقرأت فرقة: ﴿أيمسكه﴾ بضمير التذكير ﴿أم يَدُسُّها﴾ بضمير التأنيث، وقرأت فرقة: ﴿على هون﴾ بفتح الهاء، وقرأ الأعمش: ﴿على سوء﴾، وهي عندي تفسير لا قراءة، لمخالفتها السواد المجمع عليه. ٦٠ - ثم جعل تذييلا لما تقدم قوله: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: للذين لا يصدقون بالمعاد والثواب والعقاب من المشركين الذين ذكرت قبائحهم ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾؛ أي: الصفة القبيحة من حاجتهم إلى الولد ليقوم مقامهم بعد موتهم، وتفضيلهم للذكور للاستظهار بهم، ووأدهم للبنات خشية العار أو الفقر، وذلك يومئ إلى العجز والقصور والشح البالغ أقصى غاية. ﴿وَلِلَّهِ﴾ ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: الصفة العليا العجيبة الشأن، وهي صفة الألوهية المنزهة عن صفات المخلوقين، وهي أنه الواحد المنزه عن الولد، وأنه لا إله إلَّا هو، وله صفات الكمال والجلال من القدرة والعلم والإرادة ونحو ذلك، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: المنيع الذي لا يغالب، فلا يضره نسبتهم إليه ما لا يليق به، ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة البالغة. ٦١ - ثم لمَّا حكى سبحانه عن القوم عظيم كفرهم .. بين سعة كرمه وحلمه، حيث لم يعاجلهم بالعقوية، ولم يؤاخذهم بظلمهم فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ﴾ فاعل هنا بمعنى فعل؛ أي: ولو أخذ الله ﴿النَّاسَ﴾؛ أي: الكفار أو جميع العصاة ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: بسبب كفرهم ومعاصيهم .. ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على الأرض المدلول عليها بالناس، وبقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾؛ لأنها ما يدب على الأرض، وتقول العرب (٢): فلان أفضل من عليها، وفلان أكرم من تحتها، فيردون الكناية إلى الأرض والسماء من غير سبق ذكر، لظهور الأمر بين يدي كل

стр. 6674

متكلم وسامع، ولم يقل على ظهرها احترازًا من الجمع بين الظاءين في كلام واحد، وهو ﴿لَوْ﴾ وجوابه، فإنه ثقيل في كلام العرب. والمعنى: أي ولو يؤاخذ الله كفار بني آدم وعصاتهم بكفرهم ومعاصيهم .. ما ترك على ظهر الأرض دابةً تدب عليها، بل أهلكها بالكلية، بشؤم ظلم الظالمين، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ فهلاك الدواب بآجالها، وهلاك الناس عقوبة. وأخرج البيهقي وغيره عن أبي هريرة أنه سمع رجلًا يقول: إنّ الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: لا والله، بل إن الحبارى في وكرها لتموت من ظلم الظالم. وعن ابن مسعود ﵁: لو عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم .. لأصاب العذاب جميع الخلائق، حتى الجُعْلان في جحرها، ولأمسكت السماء عن الإمطار، ولكن أخرهم بالعفو والفضل، ثم تلا هذه الآية. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ أي: ولكن بحلمه يؤخر هؤلاء الظلمة الكفرة، فلا يعاجلهم بالعقوبة، بل يمهلهم ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: إلى أجل معين معلوم، سماه الله وعينه لعذابهم أو لأعمارهم؛ كي يكثر عذابهم، أو يتوالدوا ويتناسلوا ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ المسمى ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن ذلك الأجل؛ أي: لا يستأخرون، وصيغة استفعل هنا للإشعار بعجزهم عنه مع طلبهم له، ﴿سَاعَةً﴾؛ أي: أقصر وقت، وهو مثل في القلة، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليه ساعة؛ أي: لا يتقدمون عليه، وإنما (١) تعرض لذكره مع أنه لا يتصور الاستقدام عند مجيء الأجل مبالغة في عدم الاستئخار بنظمه في سلك ما يمتنع. والمعنى: فإذا جاء الوقت الذي وقت لهلاكهم .. لا يتأخرون عن الهلاك ساعة فيمهلون، ولا يتقدمون قبله، حتى يستوفوا أعمارهم، ٦٢ - ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّه﴾ سبحانه

стр. 6675

وتعالى، أي: يجعل هؤلاء المشركون لله تعالى وينسبون إليه سبحانه ﴿مَا يَكْرَهُونَ﴾ لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة، ﴿و﴾ مع ذلك ﴿تصف﴾؛ أي: تقول ﴿أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ مفعول تصف، وهو أي ذلك الكذب: ﴿أَنَّ لَهُمُ﴾ عند الله تعالى ﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: العاقبة الحسنى، وهي الجنة على تقدير وجودها إن كان البعث حقًّا، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، فلا ينافي قولهم: لا يبعث الله من يموت، فإنه يكفي في صحته الفرض والتقدير، وجملة أنَّ مع معموليها بدل كل من ﴿الْكَذِبَ﴾. والمعنى: ويكذبون (١) فيما يدعون، إذ يزعمون أن لهم العاقبة الحسنى عند الله، وهي الجنة على تقدير وجودها، فقد روي أنهم قالوا إن كان محمدٌ صادقًا في البعث .. فلنا الجنة بما نحن عليه، فرد الله عليهم مقالهم بقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾؛ أي: حق وثبت ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾؛ أي: كون عذاب النار لهم بدل ما جعلوه لأنفسهم من الحسنى، ﴿و﴾ لا جرم ﴿أنهم مفرطون﴾؛ أي: مقدمون إلى النار معجلون إليها، أو متروكون منسيون فيها. وقرأ (٢) الحسن ومجاهد: ﴿باختلاف ألسنتْهم﴾ بإسكان التاء، وهي لغة تميم، جمع لسانًا المذكر، نحو حمار وأحمرة، وفي التأنيث ألسن كذراع وأذرع، وقرأ معاذ بن جبل وبعض أهل الشام: ﴿الكذب﴾ بضم الكاف والذال والباء صفة للألسن، جمع كذوب كصبور وصبر، وهو مقيس، أو جمع كاذب كشارفٍ وشرفٍ، ولا ينقاس وعلى هذه القراءة ﴿أنَّ لهم﴾ مفعول تصف، وقر الحسن وعيسى بن عمر: ﴿إنَّ لهم﴾ بكسر الهمزة، وإنَّ جواب قسم أغنت عنه لا جرم، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وأبو رجاء وشيبة ونافع وأكثر أهل المدينة: ﴿مُفْرِطُونَ﴾ بكسر الراء، من أفرط حقيقةً؛ أي: متجاوزين الحد في معاصي الله، وباقي السبعة والحسن والأعرج وأصحاب ابن عباس ونافع في رواية: بفتح الراء، من أفرطته إلى كذا قدمته، معدى بالهمزة، من فرط إلى كذا تقدم إليه، وقرأ أبو جعفر: ﴿مفرَّطون﴾ مشدد من

стр. 6676

فرط؛ أي: مقصرون مضيعون، وعنه أيضًا فتح الراء وشدها؛ أي: مقدمون من فرطته المعدى بالتضعيف من فرط بمعنى تقدم. ٦٣ - ثم بين (١) سبحانه أنَّ هذا الصنيع الذي صدر من قريش قد حدث مثله من الأمم السالفة في حق أنبيائهم، فقال مسلِّيًا رسوله على ما كان يناله من الغم بسبب جهالاتهم: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: والله لقد أرسلنا رسلًا من قبلك إلى أممهم بمثل ما أرسلناك به إلى أمتك من الدعاء إلى توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، وخلع الأنداد والأوثان ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: فحسن لهم الشيطان أعمالهم القبيحة، من الكفر بالله والتكذيب بالرسل وعبادة الأوثان، فكذبوا رسلهم، وردوا عليهم ما جاءوا به من عند ربهم، وما كان ناصرهم فيما اختاروا إلا الشيطان، ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: الشيطان ﴿وَلِيُّهُمُ﴾؛ أي: ناصرهم وقرينهم ومتولي أمورهم ﴿الْيَوْمَ﴾؛ أي: في الدنيا بإغوائهم وإضلالهم، وبئس الناصر والقرين، ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، هو عذاب النار حين ورودهم إلى ربهم، إذ لا تنفعهم إذ ذاك ولاية الشيطان، كما لا تنفعهم في الدنيا، وعبارة "الشوكاني" هنا: ويحتمل (٢) أن يكون اليوم عبارة عن زمان الدنيا، فيكون المعنى: فهو قرينهم في الدنيا، ويحتمل أن يكون اليوم عبارة عن يوم القيامة وما بعده، فيكون للحال الآتية، ويكون الولي بمعنى الناصر، والمراد نفي الناصر عنهم على أبلغ الوجوه، لأن الشيطان لا يتصور منه النصرة أصلًا في الدار الآخرة، وإذا كان الناصر منحصرًا فيه .. لزم أن لا نصرة من غيره، ويحتمل يراد باليوم بعض زمان الدنيا، وهو على وجهين: الأول: أن يراد البعض الذي قد مضى، وهو الذي وقع فيه التزيين من الشيطان للأمم الماضية، فيكون على طريق الحكاية للحال الماضية. والثاني: أن يراد البعض الحاضر، وهو وقت نزول الآية، والمراد تزيين

стр. 6677

الشيطان لكفار قريش، فيكون الضمير في ﴿وليهم﴾ لكفار قريش؛ أي فهو ولي هؤلاء اليوم، أو على حذف. (*) الإعراب ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿هَاجَرُوا﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿هَاجَرُوا﴾ صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي اللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلقان بالفعل ﴿هَاجَرُوا﴾ وحرف الجر ﴿فِي﴾ للتعليل؛ أي: لإقامة دين الله ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلقان بحال ﴿مَا﴾ مصدرية. ﴿ظُلِمُوا﴾: فعل وفاعل و ﴿مَا﴾ المصدرية مؤولة مع مدخولها بمصدر مضاف إلى بعد؛ أي: من بعد ظلمهم بالأذى من أهل مكة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ اللام: موطئة للقسم ﴿نبوئنهم﴾: فعل ومفعول به، وجملة ﴿نبوئنهم﴾ خبر اسم الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور متعلقان بحال ﴿حَسَنَةً﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: ثبوته حسنة، فهي نائب مفعول مطلق، ولك أن تقربها مفعولًا ثانيًا لـ ﴿نبوئنهم﴾ لتضمن معناه نعطينهم، فتكون صفة لمحذوف، أي: دارًا حسنة ﴿وَلَأَجْرُ﴾: ﴿الواو﴾ حالية، و ﴿اللام﴾ للابتداء ﴿أجر﴾: مبتدأ ﴿الْآخِرَةِ﴾: مضاف إليه ﴿أَكْبَرُ﴾: خبر ﴿لَوْ﴾ شرطية ﴿كَانُوا﴾ ماض ناقص، والواو اسمها وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لوافقوهم في الدين، وجملة ﴿لَوْ﴾ مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم الذين، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿صَبَرُوا﴾ صلة الموصول، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ معطوف على ﴿صَبَرُوا﴾. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.

стр. 6678

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿رِجَالًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿نُوحِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهِ﴾. ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به، وجملة ﴿نُوحِي﴾ صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾. ﴿فَاسْأَلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط مقدر، تقديره: إن شككتم فيما ذكر .. فاسألوا أهل الذكر، ﴿اسألوا أهل الذكر﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الجزم بالشرط، وجملة الشرط المقدر مستأنفة. ﴿إِن﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ الشرطية، على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف تقديره: إن كنتم لا تعلمون ذلك فإنهم يعلمونه، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾. ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رِجَالًا﴾ ﴿وَالزُّبُرِ﴾: معطوف على البينات؛ أي: رجالًا متلبسين بالبينات الزبر، وهذا أحسن الأعاريب فيه، السالم من الاعتراض كما ذكره الزمخشري، ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الذِّكْرَ﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تبين﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تبين﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لتَبِيينِكَ للناس، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾ ﴿نُزِّلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿نُزِّلَ﴾، وجملة ﴿نُزِّلَ﴾ صلةٌ لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿وَلَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعل﴾ في محل جر بلام التعليل المقدرة، تقديره: ولإرادة تفكرهم فيه؛ لأن

стр. 6679

لعلَّ مستعارة هنا لمعنى الإرادة، والجار المقدر معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ والتقدير: وأنزلنا إليك الذكر لتبيينك لهم ولإرادة تفكرهم فيه. ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾. ﴿أَفَأَمِنَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم يتفكروا في الذكر فَأَمِنَ الذين مكروا السيئات إلخ، ﴿أمن الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول، ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل ﴿بِهِمُ﴾: متعلق به، ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا به لأمن؛ أي: أفامنوا خسف الله تعالى بهم الأرض، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتنويع ﴿يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل معطوف على ﴿يَخْسِفَ﴾ والتقدير: أو إتيان العذاب إياهم. ﴿مِنْ حَيْثُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَأْتِيَهُمُ﴾ ﴿حَيْثُ﴾ مضاف وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لحيث. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَخسِفَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْعَذَابُ﴾، ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾: جار ومجرور، حال من ضمير المفعول؛ أي: أو يأخذهم حال كونهم متقلبين في أسفارهم ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط مقدر، تقديره: فإذا أخذهم بالعقوبة بأي سبب ﴿ما﴾: حجازية، ﴿هُم﴾: اسمها، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: خبرها، والجملة الاسمية جواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَخسِفَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾: جار ومجرور، حال من ضمير المفعول، تقديره: حالة كونهم خائفين، ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية لمحذوف تقديره:

стр. 6680

إنما لم يعاجلكم الله بهذه العقوبات لأن ربكم إلخ، ﴿إن ربكم لرؤوف﴾: ناصب واسمه وخبره و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿رَحِيمٌ﴾: صفة ﴿رؤوف﴾، أو خبر ثان لـ ﴿إنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ذلك المحذوف. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم يتفكروا ولم يروا، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿لم يروا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، ﴿إِلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق به، ضمنه معنى نظر فعداه بـ ﴿إِلَى﴾ ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: إلى ما خلقه الله، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿مَا﴾ أو من الضمير المحذوف، ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَفَيَّأُ﴾ ﴿سُجَّدًا﴾: حال من الظلال، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿سُجَّدًا﴾ ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿سُجَّدًا﴾، فهي حال متداخلة. ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾ الواو: استئنافية، ﴿لله﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْجُدُ﴾ ﴿يَسْجُدُ مَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور، صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: حال من ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ عطف خاص على عام، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿مِنْ

стр. 6681

فَوْقِهِمْ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿رَبَّهُمْ﴾، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَخَافُونَ﴾، ﴿يُؤْمَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يؤمرون به. ﴿* وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾. ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ﴾: إلى آخر الآيات مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول، واتخذ هنا يتعدى إلى مفعول واحد، لأنه بمعنى لا تعبدوا، ﴿اثْنَيْنِ﴾: صفة مؤكدة لـ ﴿إِلَهَيْنِ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿هُوَ إِلَهٌ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة ﴿إِلَهٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿فَإِيَّايَ﴾ ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط محذوف تقديره: إن كنتم راهبين شيئًا فإياي فارهبون، ﴿إياي﴾: ضمير نصب منفصل في محل النصب بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور بعده، تقديره: فإياي ارهبوا، والجملة المحذوفة جواب الشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿فَارْهَبُونِ﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، و ﴿النون﴾: نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، ﴿وَلَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ على كونها مقول ﴿قال﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، و ﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾: خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾، ﴿وَاصِبًا﴾: حال من ﴿الدِّينُ﴾ ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ ﴿الهمزة﴾: فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف،

стр. 6682

والتقدير: أبعد العلم بما ذكر من التوحيد غير الله تطيعون فتتقون، ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، وتلك المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿بِكُم﴾: جار ومجرور صلة ﴿ما﴾ الموصولة؛ أي: وما وصل بكم، ﴿مِنْ نِعْمَةٍ﴾: جار ومجرور حال من ﴿ما﴾ أو من الضمير المُسْتَكِنِ في الظرف، ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ ﴿الفاء﴾: زائدة في الخبر لشبه المبتدأ بأسماء الشروط في العموم ﴿من الله﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على الجمل التي قبلها، على كونها مقول ﴿قال﴾ ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿فَإِلَيْهِ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾ جوازًا، ﴿إليه﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿تَجْأَرُونَ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿كَشَفَ الضُّرَّ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به ﴿عَنْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذَا﴾ إليها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ولكن ما بعد ﴿إِذَا﴾ الفجائية لا يعمل فيما قبلها، وفي "السمين": وفي الآية دليل على أن إذا الشرطية لا تكون معمولة لجوابها، لأن ما بعد إذا الفجائية لا يعمل فيما قبلها اهـ. ﴿إذَا﴾: حرف فجأة رابطة الجواب بالشرط وجوبًا، ﴿فَرِيقٌ﴾: مبتدأ، ﴿مِنْكُمْ﴾: صفته، ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، على كونها مقول

стр. 6683

﴿قال﴾. ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾. ﴿لِيَكفُرُوا﴾ ﴿اللام﴾: لام كي، ﴿يكفروا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لكفرانهم بما أعطيناهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والثاني محذوف تقديره: إياه، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إذا المقدرة، تقديره: إذا عرفت يا محمَّد حالهم هذا وأردت بيان ما تقول لهم .. فأقول لك قل لهم تمتعوا إلخ ﴿تمتعوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿سوف﴾: حرف استقبال وتنفيس، ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعوله محذوف تقديره: عاقبة ما تصيرون إليه، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿تمتعوا﴾. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾. ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وفي "أبي السعود": لعلها معطوفة على ما سبق بحسب المعنى: يفعلون ما يفعلون من اللجوء إلى الله تعالى عند مس الضر، ومن الإشراك به عندك كشفه ويجعلون إلخ اهـ، ﴿لِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يجعلون﴾، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: للأصنام التي لا تعلم عبادتهم إياها، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿نَصِيبًا﴾: مفعول ﴿يجعلون﴾، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿نَصِيبًا﴾، ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما رزقناهم إياه، ﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: أقسم بالله، وجملة القسم المحذوف مستأنفة، ﴿لَتُسْأَلُنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿تسألن﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع

стр. 6684

وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، أصله: لتسألونن، و ﴿واو﴾ الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تسألن﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لسأل، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَفتَرُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عما كنتم تفترونه، ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يجعلون﴾ الأول، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به، ﴿الْبَنَاتِ﴾ مفعول ﴿يجعلون﴾، ﴿سُبْحَانَهُ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: أسبِّحُ الله سبحانًا، وجملة التسبيح جملة معترضة، ﴿وَلَهُم﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَّا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، وجملة ﴿يَشْتَهُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَّا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما يشتهونه، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿يجعلون﴾. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿إذا﴾، ﴿بِالْأُنْثَى﴾ متعلق بـ ﴿بُشِّرَ﴾، ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿وَجْهُهُ﴾، وجملة ﴿ظَلَّ﴾ جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾. ﴿يَتَوَارَى﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾، والجملة مستأنفة، أو في حل النصب حال من ضمير ﴿وَجْهُهُ﴾، ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَتَوَارَى﴾، وكذا يتعلق به قوله: ﴿مِنْ سُوءِ﴾ فلا يعترض بامتناع تعلق حرفي جر متحدي اللفظ بعامل واحد لاختلاف معناهما، فإن الأولى

стр. 6685

للابتداء، والثانية للعلة؛ أي: من أجل سوء ما بشر به اهـ "سمين"، ﴿سُوءِ﴾: مضاف، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الجر مضاف إليه، ﴿بُشِّرَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ ﴿الهمزة﴾: حرف استفهام يطلب بها وبأم تعيين أحد الأمرين، ﴿يمسكه﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾ ﴿عَلَى هُونٍ﴾: جار ومجرور، إما حال من فاعل ﴿يمسكه﴾؛ أي: حالة كون الأحد متلبسًا بهون نفسه وذلها، أو حال من الفعول؛ أي: حالة كون الأنثى متلبسة بهون وذل، وجملة ﴿يمسكه﴾ في محل النصب معمول لمحذوف حال من فاعل ﴿يَتَوَارَى﴾، والتقدير: يتوارى ذلك الأحد من الناس حالة كونه مفكرًا، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ﴿أَمْ﴾: عاطفة متصلة، ﴿يَدُسُّهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿أحد﴾. ﴿فِي التُّرَابِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أيُمْسِكُهُ﴾. ﴿أَلَا﴾: حرف تنبيه، ﴿سَاءَ﴾. فعل ماض لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا يعود على شيء تقديره: ساء الشيء، ﴿مَا﴾: نكرة موصوفة في محل النصب تمييز لفاعل ﴿ساء﴾، وجملة ﴿يحكمونَ﴾ صفة لـ ﴿مَا﴾، والرابط محذوف تقديره: ساء الشيء شيئًا يحكمونه، وجملة ﴿سَاءَ﴾ في محل الرفع خبر للمخصوص بالذم المحذوف وجوبًا تقديره: حكمهم هذا، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَلِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿الْمَثَلُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْأَعْلَى﴾: صفة لـ ﴿الْمَثَلُ﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿الْحَكِيمُ﴾: صفة أو خبر ثان. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لو﴾: حرف شرط، ﴿يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: متعلق به، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، ﴿مَّا﴾:

стр. 6686

نافية، ﴿تَرَكَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق به، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: مفعول به لـ ﴿تَرَكَ﴾ و ﴿مِنْ﴾ زائدة، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ مستأنفة، ﴿وَلَكِنْ﴾ حرف استدراك، ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: متعلق به، ﴿مُسَمًّى﴾: صفة ﴿أَجَلٍ﴾، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنه يؤخرهم إلى أجل مسمى وأردت بيان حالهم وقت مجيء الأجل .. فأقول لك إذا جاء أجلهم، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿سَاعَةً﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾، وجملة ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾. ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، وجملة ﴿يَكْرَهُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: يكرهونه، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يجعلون﴾، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لَهُمُ﴾: خبرها مقدم، ﴿الْحُسْنَى﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلًا من المفعول أعني ﴿الْكَذِبَ﴾؛ أي: وتصف ألسنتهم الكذب كون الحسنى لهم، أو مرفوع على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: وهو كون الحسنى لهم، ﴿لَا جَرَمَ﴾: مركب مزجي بمعنى حق كما في

стр. 6687

"الفتوحات"، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لَهُمُ﴾: خبرها مقدم، ﴿النَّارَ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلًا لـ ﴿جَرَمَ﴾، والتقدير: حق كون النار لهم، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾، ﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف، وجملة القسم مستأنفة، ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة لقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب القسم، ﴿إِلَى أُمَمٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾، ﴿فَزَيَّنَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿زين﴾: فعل ماض، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به، ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل، ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة مفرَّعة على جملة ﴿زيّن﴾، ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿وَلَهُمْ﴾، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾: خبر ومبتدأ، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم العلل، ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي، ﴿تبين﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به، ﴿الَّذِي﴾: مفعول به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: وما أنزلنا عليك الكتاب لعلة من العلل إلا لتبيينك لهم الذي اختلفوا فيه، ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: معطوفان على محل ﴿لِتُبَيِنَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ﴾: تنازع فيه ﴿هدى ورحمة﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قومٍ﴾.

стр. 6688

التصريف ومفردات اللغة ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾؛ أي: لننزلنهم (١) في الدنيا مباءة حسنة، وهي المدينة المنورة، يقال بوأه منزلًا أنزله فيه، والمباءة المنزل، فهي منصوبة على الظرفية، أو على أنها مفعول ثان إن كان لنبوأنهم في معنى لنعطينهم، ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾؛ أي: علماء أهل الكتاب ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ البينات جمع بينة، وهي المعجزات الدالة على صدق الرسول، والزبر جمع زبور بمعنى مزبور؛ أي: مكتوب، كرسل جمع رسول، وهي كتب الشرائع والتكاليف التي يبلغها الرسل إلى العباد، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن سمي به لأنه تذكير وتنبيه للغافلين، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: لتوضح لهم ما خفي عليهم من أسرار التشريع بيانًا شافيًا، وصيغة التفعيل في الفعلين يدل على تكرار البيان والنزول كما هو كذلك، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب. ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ والمكر السعي بالفساد خفية، والسيئات جمع سيئة، وهي الأعمال التي تسوؤهم عاقبتها، ﴿يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾؛ أي: يغورها ويزيلها من الوجود وهم على سطحها، يقال: خسف (٢) المكان يخسف خسوفًا ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفًا؛ أي: غاب به فيها، ومنه قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، وخسف هو في الأرض وخسف به، ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾؛ أي: في أسفارهم وسيرهم في البلاد البعيدة، للسعي في أرزاقهم، كما قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾ وفي "القاموس": تقلب في الأمور تصرف كيف شاء انتهى، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: بفائتين الله تعالى بالهرب والفرار، ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ والتخوف التنقص، من قولهم: تخوفت الشيء إذا تنقصته، والمراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلًا حتى يأتي عليها الفناء جميعًا، قال في "القاموس" تخوف الشيء تنقصه، ومنه ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى

стр. 6689

تَخَوُّفٍ﴾ انتهى، وقال لبيد: تَخَوَفَّهَا نُزوْليْ وَارْتِحَالِيْ أي: تَنَقَّص لحمَها وشحمَها. ولقي رجل أعرابيًّا فقال: يا فلان ما فعل دَينك؟ فقال: تخوفته، يعني تنقصته. ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾؛ أي: ينتقل من جانب إلى آخر، وفي "السمين": والتفيُّؤ (١) تفعل من فاء يفيء إذا رجع، وفاء قاصر فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة، كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أو بالتضعيف نحو فيأ الله الظل فتفيأ، وتفيأ مطاوع فيَّأ، فهو لازمٌ، واختلف في الفيء، فقيل هو مطلق الظل سواء كان قبل الزوال أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية هنا، وقيل ما كان قبل الزوال فهو ظلٌ فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيء، فالظل أعم، وقيل بل يختص الظل بما كان قبل الزوال، والفيء بما بعده، فالفيء لا يكون إلا بالعشي، وهو ما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداة، وهو ما لم تنله اهـ. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ واليمين والشمائل جانبا الشيء الكثيف من الجبال والأشجار وغيرها، والشمائل جمع شمال بالكسر ضد اليمين، وبالفتح الريح التي مهبها بين مطلع الشمس وبنات نعش، أو من مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، كما في "القاموس". ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ جمع ساجد كشاهد وشهد وراكع وركع، وفي المختار": سجد إذا خضع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، وبابه دخل اهـ، والمراد بالسجود هنا الانقياد والخضوع، من قولهم: سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل، ومنه قوله: وَاسْجُدْ لِقِرْدِ السُّوْءِ في زَمَانِهِ

стр. 6690

﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾؛ أي: صاغرون منقادون، واحدهم داخرٌ، وهو الذي يفعل ما تأمره به شاء أو أبي، يقال دخر كمنع وفرح دخورًا ودخرًا إذا صغر وذل وأدخره كما في "القاموس". ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: عقابه ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾؛ أي: بالقهر والغلبة، كما قال: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾. ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾؛ أي: ثابتًا واجبًا دائمًا لا يزول، والدين هو الطاعة والإخلاص وقال الفراء: ﴿وَاصِبًا﴾ معناه دائمًا، ومنه قول الدُّؤلي: لاَ أَبْتَغِيْ الْحَمْدَ الْقَلِيلَ بَقَاؤُهُ ... بِذَمٍّ يَكُوْنُ الدَّهْرَ أجْمَعَ وَاصِبَا يقال: وصب الشيء يصب وصوبًا فهو واصب إذا دام، ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه، وقيل الوصب التعب والإعياء، وفي "المصباح": وصب الشيء بالفتح وصوبًا دام، ووصب الدين وجب، وفي "القاموس": ووصب بالفتح يصب بالكسر وصوبًا دام وثبت كأوصب، وعلى الأمر. ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ والضر المرض والبلاء والحاجة والقحط، وكل ما يتضرر به الإنسان، ﴿تَجْأَرُونَ﴾ من جأر يجأر جؤارًا، وأصل الجؤار صياح الوحش، ثم استعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة، وفي "الفتوحات": الجؤار بوزن زكام رفع الصوت بالدعاء في كشف المضار، وفي "القاموس": جأر - كمنع - جأرًا وجؤارًا بوزن غراب، رفع صوته بالدعاء، وتضرع واستغاث، والبقرة والثور صاحا، والنبات جؤارًا طال، والأرض طال نبتها اهـ. ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾؛ أي: صار من الظلول بمعنى الصيرورة، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها، أو هو بمعناه يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارًا؛ أي: دام النهار كله مسودًّا؛ لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، ويتأخر إخبار المولود إلى النهار، وخصوصًا بالأنثى، فيظل نهاره مسودًّا، واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ في "المصباح": كظمت الغيظ كظمًا - من باب ضرب - وكظومًا، إذا أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ، وفي التنزيل:
следующие страницы →