نافية، ﴿تَرَكَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق به، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: مفعول به لـ ﴿تَرَكَ﴾ و ﴿مِنْ﴾ زائدة، والجملة الفعلية جواب ﴿لو﴾ الشرطية، وجملة ﴿لو﴾ مستأنفة، ﴿وَلَكِنْ﴾ حرف استدراك، ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾: متعلق به، ﴿مُسَمًّى﴾: صفة ﴿أَجَلٍ﴾، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة ﴿لو﴾ الشرطية.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أنه يؤخرهم إلى أجل مسمى وأردت بيان حالهم وقت مجيء الأجل .. فأقول لك إذا جاء أجلهم، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿سَاعَةً﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾، وجملة ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾.
﴿وَيَجْعَلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾ ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، وجملة ﴿يَكْرَهُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: يكرهونه، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يجعلون﴾، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لَهُمُ﴾: خبرها مقدم، ﴿الْحُسْنَى﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه بدلًا من المفعول أعني ﴿الْكَذِبَ﴾؛ أي: وتصف ألسنتهم الكذب كون الحسنى لهم، أو مرفوع على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: وهو كون الحسنى لهم، ﴿لَا جَرَمَ﴾: مركب مزجي بمعنى حق كما في
стр. 6687
"الفتوحات"، ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لَهُمُ﴾: خبرها مقدم، ﴿النَّارَ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنَّ﴾: في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلًا لـ ﴿جَرَمَ﴾، والتقدير: حق كون النار لهم، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾،
﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بفعل قسم محذوف، وجملة القسم مستأنفة، ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة لقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب القسم، ﴿إِلَى أُمَمٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أُمَمٍ﴾، ﴿فَزَيَّنَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿زين﴾: فعل ماض، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به، ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل، ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة مفرَّعة على جملة ﴿زيّن﴾، ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿وَلَهُمْ﴾، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ﴾: خبر ومبتدأ، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم العلل، ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ ﴿اللام﴾ لام كي، ﴿تبين﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ﴿لَهُمُ﴾: متعلق به، ﴿الَّذِي﴾: مفعول به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: وما أنزلنا عليك الكتاب لعلة من العلل إلا لتبيينك لهم الذي اختلفوا فيه، ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: معطوفان على محل ﴿لِتُبَيِنَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ﴾: تنازع فيه ﴿هدى ورحمة﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿قومٍ﴾.
стр. 6688
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾؛ أي: لننزلنهم (١) في الدنيا مباءة حسنة، وهي المدينة المنورة، يقال بوأه منزلًا أنزله فيه، والمباءة المنزل، فهي منصوبة على الظرفية، أو على أنها مفعول ثان إن كان لنبوأنهم في معنى لنعطينهم، ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾؛ أي: علماء أهل الكتاب ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ البينات جمع بينة، وهي المعجزات الدالة على صدق الرسول، والزبر جمع زبور بمعنى مزبور؛ أي: مكتوب، كرسل جمع رسول، وهي كتب الشرائع والتكاليف التي يبلغها الرسل إلى العباد، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ أي: القرآن سمي به لأنه تذكير وتنبيه للغافلين، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: لتوضح لهم ما خفي عليهم من أسرار التشريع بيانًا شافيًا، وصيغة التفعيل في الفعلين يدل على تكرار البيان والنزول كما هو كذلك، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب.
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ والمكر السعي بالفساد خفية، والسيئات جمع سيئة، وهي الأعمال التي تسوؤهم عاقبتها، ﴿يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾؛ أي: يغورها ويزيلها من الوجود وهم على سطحها، يقال: خسف (٢) المكان يخسف خسوفًا ذهب في الأرض، وخسف الله به الأرض خسوفًا؛ أي: غاب به فيها، ومنه قوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، وخسف هو في الأرض وخسف به، ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾؛ أي: في أسفارهم وسيرهم في البلاد البعيدة، للسعي في أرزاقهم، كما قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦)﴾ وفي "القاموس": تقلب في الأمور تصرف كيف شاء انتهى، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: بفائتين الله تعالى بالهرب والفرار، ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ والتخوف التنقص، من قولهم: تخوفت الشيء إذا تنقصته، والمراد أنه ينقص أموالهم وأنفسهم قليلًا حتى يأتي عليها الفناء جميعًا، قال في "القاموس" تخوف الشيء تنقصه، ومنه ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى
стр. 6689
تَخَوُّفٍ﴾ انتهى، وقال لبيد:
تَخَوَفَّهَا نُزوْليْ وَارْتِحَالِيْ
أي: تَنَقَّص لحمَها وشحمَها.
ولقي رجل أعرابيًّا فقال: يا فلان ما فعل دَينك؟ فقال: تخوفته، يعني تنقصته.
﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾؛ أي: ينتقل من جانب إلى آخر، وفي "السمين": والتفيُّؤ (١) تفعل من فاء يفيء إذا رجع، وفاء قاصر فإذا أريد تعديته عدي بالهمزة، كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أو بالتضعيف نحو فيأ الله الظل فتفيأ، وتفيأ مطاوع فيَّأ، فهو لازمٌ، واختلف في الفيء، فقيل هو مطلق الظل سواء كان قبل الزوال أو بعده، وهو الموافق لمعنى الآية هنا، وقيل ما كان قبل الزوال فهو ظلٌ فقط، وما كان بعده فهو ظل وفيء، فالظل أعم، وقيل بل يختص الظل بما كان قبل الزوال، والفيء بما بعده، فالفيء لا يكون إلا بالعشي، وهو ما انصرفت عنه الشمس، والظل ما يكون بالغداة، وهو ما لم تنله اهـ.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ واليمين والشمائل جانبا الشيء الكثيف من الجبال والأشجار وغيرها، والشمائل جمع شمال بالكسر ضد اليمين، وبالفتح الريح التي مهبها بين مطلع الشمس وبنات نعش، أو من مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، كما في "القاموس".
﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ جمع ساجد كشاهد وشهد وراكع وركع، وفي المختار": سجد إذا خضع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، وبابه دخل اهـ، والمراد بالسجود هنا الانقياد والخضوع، من قولهم: سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل، ومنه قوله:
وَاسْجُدْ لِقِرْدِ السُّوْءِ في زَمَانِهِ
стр. 6690
﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾؛ أي: صاغرون منقادون، واحدهم داخرٌ، وهو الذي يفعل ما تأمره به شاء أو أبي، يقال دخر كمنع وفرح دخورًا ودخرًا إذا صغر وذل وأدخره كما في "القاموس". ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: عقابه ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾؛ أي: بالقهر والغلبة، كما قال: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾؛ أي: ثابتًا واجبًا دائمًا لا يزول، والدين هو الطاعة والإخلاص وقال الفراء: ﴿وَاصِبًا﴾ معناه دائمًا، ومنه قول الدُّؤلي:
لاَ أَبْتَغِيْ الْحَمْدَ الْقَلِيلَ بَقَاؤُهُ ... بِذَمٍّ يَكُوْنُ الدَّهْرَ أجْمَعَ وَاصِبَا
يقال: وصب الشيء يصب وصوبًا فهو واصب إذا دام، ووصب الرجل على الأمر إذا واظب عليه، وقيل الوصب التعب والإعياء، وفي "المصباح": وصب الشيء بالفتح وصوبًا دام، ووصب الدين وجب، وفي "القاموس": ووصب بالفتح يصب بالكسر وصوبًا دام وثبت كأوصب، وعلى الأمر.
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ والضر المرض والبلاء والحاجة والقحط، وكل ما يتضرر به الإنسان، ﴿تَجْأَرُونَ﴾ من جأر يجأر جؤارًا، وأصل الجؤار صياح الوحش، ثم استعمل في رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة، وفي "الفتوحات": الجؤار بوزن زكام رفع الصوت بالدعاء في كشف المضار، وفي "القاموس": جأر - كمنع - جأرًا وجؤارًا بوزن غراب، رفع صوته بالدعاء، وتضرع واستغاث، والبقرة والثور صاحا، والنبات جؤارًا طال، والأرض طال نبتها اهـ.
﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾؛ أي: صار من الظلول بمعنى الصيرورة، كما يستعمل أكثر الأفعال الناقصة بمعناها، أو هو بمعناه يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارًا؛ أي: دام النهار كله مسودًّا؛ لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، ويتأخر إخبار المولود إلى النهار، وخصوصًا بالأنثى، فيظل نهاره مسودًّا، واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ في "المصباح": كظمت الغيظ كظمًا - من باب ضرب - وكظومًا، إذا أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ، وفي التنزيل:
стр. 6691
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ وربما قيل: كظمت على الغيظ، وكظمني الغيظ فأنا كظيم ومكظوم، وكظم البعير كظومًا لم يجتر، وقال الأخفش: الكظيم هو الذي يكظم غيظه ولا يظهره، وقيل: إنه المغموم الذي يطبق فاه من الغم، مأخوذ من الكظامة، وهو سد فم البئر، قاله علي بن عيسى.
﴿يَتَوَارَى﴾؛ أي: يختفي ويتغيب، وقد كان من عادتهم في الجاهلية أن يتوارى الرجل حين ظهور آثار الطلق بامرأته، فإن أخبر بذكر .. ابتهج، وإن أخبر بأنثى .. حزن وبقي متواريًا أيامًا يدبر فيها ما يصنع، ﴿هُونٍ﴾؛ أي: يحفظه ويحبسه، كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾، ﴿هُونٍ﴾ الهون الهوان والذل بلغة قريش، وحكي عن الكسائي: أنه البلاء والشدة، قالت الخنساء:
نُهِيْنُ النُّفُوْسَ وَهَوْنُ النُّفُوْسِ ... يَوْمَ الْكَرِيهَةِ أبْقَى لَهَا
﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ يقال: دس الشيء في الشيء إذا أخفاه، ﴿مَثَلُ السَّوءِ﴾؛ أي: الصفة السوىء، وهي احتياجهم إلى الولد وكراهتهم للبنات، خوف الفقر والعار، والمثل بمعنى الصفة، والسوء بمعنى السؤى، بوزن موسى، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾؛ أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا هو، وأن له جميع صفات الجلال والكمال، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ﴾ فاعل هنا بمعنى فعل الثلاثي؛ أي: أخذ، ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أي: لا يتأخرون، وصيغة الاستفعال للإشعار بعجزهم عنه مع طلبهم له، ﴿سَاعَةً﴾؛ أي: أقصر وقت، وهي مثل في قلة المدة كما مر، ﴿لَا جَرَمَ﴾: تركيب مزجي من ﴿لا﴾ و ﴿جَرَم﴾، ومعناه الفعل؛ أي: حق وثبت، ﴿وَأَنَهُم مُفْرَطُونَ﴾؛ أي: مقدمون إلى النار معجلون إليها، من أفرطته إذا قدمته في طلب الماء، أو متروكون في النار، من أفرطت فلانًا خلفي إذا خلفته ونسيته خلفك، والفارط هو الذي يتقدم إلى الماء، والفُرَّاط المتقدمون في طلب الماء، والوُرَّاد المتأخرون، ومنه ﷺ : "أنا فرطكم على الحوض"؛ أي: متقدَّمكم، قال القطاميُّ:
فَاسْتَعْجَلُوْنَا وَكَانُوْا مِنْ صحَابَتِنَا ... كَمَا تَعجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
стр. 6692
وفي "المختار": وفرط القوم سبقهم إلى الماء، فهو فارط، والجمع فراط بوزن كُتَّان، وبابه نصر، وأفرطه إذا تركه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾؛ أي: متروكون في النار منسيون، وأفرط في الأمر؛ أي: جاوز فيه الحدَّ. اهـ، وفي "القاموس": وأفرط فلانًا تركه وتقدمه، وجاوز الحد، وأعجل بالأمر، ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾؛ أي: منسيون متروكون في النار، أو مقدّمون معجلون إليها، وقرىء بكسر الراء؛ أي: مجاوزون لما حد لهم اهـ، ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾؛ أي: ناصرهم ومساعدهم ﴿الْيَوْمَ﴾؛ وفي "الفتوحات": لفظ اليوم المعرف بأل إنما يستعمل حقيقة في الزمان الحاضر المقارن للتكلم، كالآن وحينئذٍ، فلفظ اليوم في الآية يحتمل أنه إشارةٌ إلى وقت تزيين الشيطان الأعمال للأمم الماضية، فيحتاج لتأويل، بأن يقال: إنه على حكاية الحال الماضية، حيث عبر عن الزمان الماضي بلفظ اليوم الموضوع للزمن الحاضر، ويحتمل أنه إشارةٌ إلى يوم القيامة، فيحتاج إلى التأويل أيضًا، بأن يقال: إنه على حكاية الحال الآتية حيث عبر عن الزمان الذي سيحصل بما هو موضوع للحاضر المقارن، ويحتمل أن يشار إلى مدة الدنيا من حيث هي، وعلى هذا لا حاجة إلى تأويل أصلًا؛ لأنّ مدة الدنيا كالوقت الحاضر، بالنسبة للآخرة، فتلخص أن الاحتمالات ثلاثة، وأنه يحتاج إلى التأويل على الأول والثاني دون الثالث، وفي "أبي السعود": ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾؛ أي: قرينهم اليوم؛ أي: يوم زين لهم الشيطان أعمالهم فيه، على طريقة حكاية الحال الماضية، أو في الدنيا، أو يوم القيامة على طريقة حكاية الحال الآتية، وهي حال كونهم معذّبين في النار اهـ. ومثله في "البيضاوي".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التعبير عن الماضي بصيغة المضارع في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ لاستحضار صورة توكلهم البديعة، وفيه ترغيب لغيرهم في طاعة الله .
стр. 6693
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لأن فعولًا وفعيلًا من صيغ المبالغة.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾.
ومنها: قصر القلب أو الإفراد في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾؛ أي: له تعالى وحده لا لغيره استقلالًا واشتراكًا.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ و ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ زيادة في التعظيم والتبجيل للملائكة الأطهار.
ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ لتربية المهابة والرهبة في القلوب مع إفادة القصر؛ أي: لا تخافوا غيري؛ لأنه أبلغ في الرغبة من قوله: فإيّاه فارهبوه، فإن الترهيب في التكلم المنتقل إليه أزيد، ثم التفت من التكلم إلى ضمير الغيبة في قوله: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ...﴾ إلخ كما في "الكرخي".
ومنها: إيراد الصيغة الخاصة بالعقلاء في غيرهم في قوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ لأن الدخور من خصائصهم تنزيلًا له منزلتهم.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿يَسْتَقْدِمُونَ﴾ و ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ فلفظة سبحانه معترضة لتعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح.
ومنها: التهديد والوعيد في قوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ لأنه كناية عن كونها كاذبة، قال الشهاب: وهذا من بليغ الكلام وبديعه؛ أي: ألسنتهم كاذبة كقولهم: عينها تصف السحر؛ أي: ساحرة، وقدها يصف الهيف؛ أي: هيفاء.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فإن لفظ اثنين تأكيد لما فهم من
стр. 6694
إلهين من التثنية.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ لأن لعل هنا مستعارٌ لمعنى الإرادة.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾، وفي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾.
ومنها: الطباق بين النعمة والضر في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾.
ومنها: التأكيد بالقسم في قوله: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ لأن اسوداد الوجه كناية عن شدة الاغتمام.
ومنها: إضافة الموصوف إلى صفته في قوله: ﴿مَثَلُ السَّوْءِ﴾، لأن معناه الصفة السؤى.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾.
ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ إن أريد باليوم زمن تزيين الأعمال للأمم الماضية، حيث عبر عن الزمن الماضي بلفظ اليوم الموضوع للزمن الحاضر، ويمكن كونه من حكاية الحال الآتية كما مَرَّ في مبحث التصريف.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
الأنهار، وأوعد الكافرين بنار تلظى جزاء ما دنسوا به أنفسهم من الإشراك بربهم، ونسبة البنات إليه، وافترائهم عليه ما لم ينزّل به سلطانًا .. عاد إلى ذكر دلائل التوحيد من قبل أنه قطب الرحى في الدين الإِسلامي، وفي كل دين سماوي؛ ويليه إثبات النبوّات والبعث والجزاء، فبين أنه أنزل المطر من السماء لتحيا به الأرض بعد موتها، وثنى بإخراج اللبن عن الأنعام، وثلث باتخاذ الخمر لخلٍّ، والدبس من الأعناب والنخيل، وربع بإخراج العسل من النحل وفيه شفاء للناس، وقد بين ذلك كيف ألهم النحل بناء البيوت والبحث عن أرزاقها من كل فجٍّ.
وقال ابن عطية: مناسبتها لما قبلها: أنه لما أمره بتبيين (١) ما اختلف فيه .. قص العبر المؤدية إلى بيان أمر الربوبية، فبدأ بنعمة المطر التي هي أبين العبر، وهي ملاك الحياة، وهي في غاية الظهور، ولا يختلف فيها عاقل انتهى.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر (٢) إنزال الكتاب للتبيين كان القرآن حياة الأرواح وشفاء لما في الصدور من علل العقائد، ولذلك ختم بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون، والتصديق محله القلب، فكذا إنزال المطر الذي هو حياة الأجسام وسببٌ لبقائها، ثم أشار بإحياء الأرض بعد موتها إلى إحياء القلوب بالقرآن كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ فكما تصير الأرض خضرة بالنبات نضرة بعد همودها، كذلك القلب يحيا بالقرآن بعد أن كان ميتًا بالجهل، وكذلك ختم بقوله: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ هذا التشبيه المشار إليه والمعنى سماع إنصاف وتدبر، ولملاحظة هذا المعنى والله أعلم لم يختم بقوم يبصرون وإن كان إنزال المطر مما يبصر ويشاهد.
ولمَّا ذكر إحياء الأرض بعد موتها .. ذكر ما ينشأ عن المطر، وهو حياة الأنعام التي هي مألوف العرب بما يتناوله من النبات الناشىء عن المطر، ونبَّه على العبرة العظيمة، وهو خروج البن من بين فرث ودم.
стр. 6697
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمَّا ذكر (١) عجائب أحوال الحيوان وما فيها من نعمةٍ للإنسان، كالأنعام التي يتخذ من ضرعها اللبن، والنحل التي يشتار منها العسل، ويؤخذ منها الشمع للإضاءة .. أردف ذلك بيان أحوال الناس، فذكر مراتب أعمارهم، وأن منهم من يموت وهو صغير، ومنهم من يعمر حتى يصل إلى أرذل العمر، ويصير نسَّاء لا يحفظ شيئًا، وفي ذلك دليل على كمال قدرته تعالى ووحدانيته، ثم ثنى بذكر أعمال أخرى لهم، وهي تفضيل بعضهم على بعض في الرزق، فقد يرى أكيس الناس وأكثرهم عقلًا وفهمًا يفني عمره في طلب القليل من الدنيا وقيل أن يتيسر له، بينا يرى أقل الناس علمًا وفهمًا تتفتح له أبواب السماء، ويأتيه الرزق من كل صوب، وذلك دليل على أن الأرزاق قد قسمها الخلاق العليم، كما قال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقال الشافعي رحمه الله تعالى:
ومِن الدَّليلِ على القَضَاءِ وكَوْنِه ... بُؤْسُ اللَّبِيب وطِيْبُ عَيْشِ الأحْمِق
ثم ثلث بذكر نعمةٍ ثالثةٍ عليهم إذ جعل لهم أزواجًا من جنسهم، وجعل لم من هذه الأزواج بنين وحفدة، ورزقهم المطعومات الطيبة من النبات، كالثمار والحبوب والأشربة، أو من الحيوان على اختلاف أنواعها، وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما ذكر تعالى تلك الآيات التي في الأنعام والثمرات والنحل .. ذكر ما نبَّهنا به على قدرته التّامة وعلمه الواسع ولذلك ختم بقوله: ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لمَّا (٢) بين دلائل التوحيد البيان الشافي فيما سلف. أردف ذلك الرد على عابدي
стр. 6698
الأوثان والأصنام، فضرب لذلك مثلين يؤكد بهما إبطال عبادتها:
أوَّلهما: العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، والحر الكريم الغني الكثير الإنفاق سرًّا وجهرًا، ولفت النظر إلى أنهما هل يكونان في نظر العقل سواء مع تساويهما في الخلق والصورة البشرية، وإذا امتنع ذلك فكيف ينبغي أن يسوى بين القادر على الرزق والإفضال والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على النفع والضر.
والثاني: مثل رجلين أحدهما: أبكم عاجز لا يقدر على تحصيل خير وهو عبءٌ ثقيلٌ على سيده، وثانيهما: حول قلب ناطق كامل القدرة، أيستويان لدى أرباب الفكر أو استوائهما في البشرية، وإذًا فكيف يدور بخلد عاقل مساواة الجماد برب العالمين في الألوهية والعبادة.
وقال أبو حيان: مناسبة ضرب هذا المثل (١): أنه لما بين تعالى ضلالهم في إشراكهم بالله تعالى غيره، وهو لا يجلب نفعًا ولا ضرًّا لنفسه ولا لعابده .. ضرب لهم مثلًا قصة عبدٍ في ملك غيره عاجز عن التصرف، وحر غني متصرف فيما آتاه الله، فإذا كان هذان لا يستويان عندكم، مع كونهما من جنس واحد ومشتركين في الإنسانية، فكيف تشركون بالله وتسوون به من هو مخلوق له مقهور بقدرته من آدمي وغيره، مع تباين الأوصاف، وأن موجد الوجود لا يمكن أن يشبهه شيء من خلقه، ولا يمكن لعاقل أن يشبِّه به غيره.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (٢) لمَّا مثل نفسه بمن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، ومستحيل أن يكون كذلك إلَّا إذا كان كامل العلم والقدرة .. أردف ذلك بما يدل على كمال علمه، فأبان أن العلم بغيوب السموات والأرض ليس إلا له، وبما يدل على كمال قدرته، فذكر أن قيام الساعة في السرعة كلمح البصر أو أقرب، ثم عاد إلى ذكر الدلائل على توحيده، وأنه الفاعل المختار، فذكر منها خلق الإنسان في أطواره المختلفة، ثم الطير المسخّر بين
стр. 6699
السماء والأرض، وكيف جعله يطير بجناحين في جو السماء، ما يمسكه إلَّا هو بكامل قدرته.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ...﴾ الآية، أخرج (١) ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ قال نزلت في رجل من قريش وعبده، وفي قوله: ﴿رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ قال: نزلت في عثمان ومولى له، كان يكره الإِسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): أنَّ كفار مكة سألوا رسول الله ﷺ متى الساعة، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل، وقال ابن السائب: المراد بالغيب ها هنا قيام الساعة.
التفسير وأوجه القراءة
٦٥ - ﴿وَاللهُ﴾ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى السحاب ومنه إلى الأرض ﴿مَاءً﴾ أي نوعًا خاصًّا من الماء، وهو المطر ﴿فَأَحْيَا بِهِ﴾؛ أي: بسبب المطر ﴿الْأَرْضَ﴾ بأنواع النباتات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ويبسها؛ أي: بعد أن كانت يابسة لا حياة بها، وما تفيده (٣) الفاء من التعقيب العادي لا ينافيه ما بين المعطوفين من المهملة، لأن التعقيب في كل شيء بحسبه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في إنزال الماء من السماء، وإحياء الأرض الميتة به ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعلامة دالة على وحدانيته تعالى، وعلمه وقدرته وحكمته، إذ الأصنام وغيرها لا تقدر على شيء ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ هذا التذكير ونظائره سماع تفكر وتدبر وإنصاف، فكأن من ليس كذلك أصم لا يسمع، فالمراد سمع القلوب
стр. 6700
لا سمع الآذان.
وقال بعضهم: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: قرآنًا وهو سبب حياة المؤمنين فأحيا به القلوب الميتة بالجهل ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ القرآن بسمع يسمع به كلام الله من الله، فإن الله تعالى متكلم بكلام أزلي أبدًا، ولا يسمع كلامه إلا من أكرمه الله بسمع يسمع كلامه، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾.
وعلامة (١) السامعين لكلام الله تعالى المتحقِّقين في سماعهم انقيادهم إلى كل عمل مقرب إلى الله تعالى من جهة سماعه؛ أعني من التكليف المتوجه على الأذن من أمر أو نهي كسماعه للعلم، والذكر والثناء على الحق تعالى، والموعظة الحسنة والقول الحسن، ومن علامتهم أيضًا التصامم عن سماع الغيبة والبهتان، والسوء من القول، والخوض في آيات الله، والرفث والجدال، وسماع القينات والملاهي، وكل محرم حجر الشارع عليك سماعه، نسأل الله تعالى أن يحفظنا في أسماعنا وأبصارنا وجوارحنا من كل ما يبعدنا عن الله تعالى.
والحاصل (٢): أنَّ الله نبَّه عباده إلى الحجج الدالة على توحيده، وأنه لا تنبغي الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء سواه، فبين أن ذلك المعبود هو الذي أنزل من السماء مطرًا، فأنبت به أنواعًا مختلفة من النبات في أرض ميتة يابسة، لا زرع فيها ولا عشب، إن في ذلك الإحياء بعد الموت لدليلًا واضحًا وحجةً قاطعة على وحدانيته تعالى، وعلمه وقدرته لمن يسمع هذا القول سماع تدبر وفهم لما يسمع، إذ لا عبرة بسماع الآذان، فهو بسماع الحيوان أشبه.
٦٦ - وبعد ذكر نزول الماء من السماء .. ذكر خروج اللبن من الضرع، وفيه أكبر الأدلة على قدرة القادر فقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾، أيها الناس ﴿فِي الْأَنْعَامِ﴾ جمع نعم بالتحريك، وهي الأنواع الأربعة التي هي الإبل والبقر والضأن والمعز، ﴿لَعِبْرَةً﴾؛
стр. 6701
أي: لعظةً عظيمة دالة على باهر قدرتنا، إذا تفكرتم فيها، والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء ليعرف حقيقته بطريق المشاكلة، ومنه: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، وجملة قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان تلك العبرة؛ أي: وتلك العبرة أنَّنا نسقيكم ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾؛ أي: من بعض ما في بطون المذكور من الأنعام، فمن للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونه، والضمير يعود إلى المذكور؛ أي: في بطون ما ذكرنا من الأنعام، وفي سورة المؤمنين رجع إلى لفظ الأنعام، وهنا إلى المذكور، وقال المبرد (١): هذا فاشٍ في القرآن كثيرٌ مثل قوله للشمس: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ يعني هذا الشيء الطالع، وكقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢)﴾، وقال ابن العربي: يجوز التذكير في الأنعام باعتبار معنى الجمع، والتأنيث باعتبار معنى الجماعة، فذكر الضمير هنا نظرًا إلى معنى الجمع، وأنثه في سورة المؤمنون نظرًا إلى معنى الجماعة، وقيل غير ذلك.
وقرأ ابن مسعود (٢) بخلاف عنه، والحسن وزيد بن علي وابن عامر وأبو بكر ونافع وأهل المدينة: ﴿نَسْقِيكم﴾ هنا وفي: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ بفتح النون، مضارع سقى يسقي، وهي لغة قريش، وباقي السبعة بضمها، من أسقى يسقي وهي لغة حمير، وجميع القراء على هاتين القراءتين، وقرأ أبو جعفر: ﴿يُسْقِيكم﴾ بياء مضمومة، والضمير عائد على الله، وقرأت فرقة بالتاء مفتوحة، منهم أبو جعفر، على أن الضمير راجع إلى الأنعام، وهاتان القراءتان ضعيفتان، وقال الزجاج (٣): سقيته وأسقيته بمعنى واحد، وفي "الأسئلة المقحمة": يقال أسقيته إذا جعلت له سقيًا دائمًا، وسقيته إذا أعطيته شربةً، وقيل: إذا كان الشراب من يد الساقي إلى فم المسقي .. يقال سقيته، وإذا كان بمجرد عرضه عليه وتهيئته له .. قيل: أسقاه، وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ ابتدائية متعلقة بـ ﴿نُسقيكم﴾ لأن بين الفرث والدم مبدأ الإسقاء، والفرث وكذا الثفل بضم الثاء المثلثة وسكون الفاء فضالة العلف وووثه في الكرش، والكرش - وزان كبد - للحيوان بمنزلة
стр. 6702
المعدة للإنسان، وقوله: ﴿لَبَنًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿نُسْقِيكم﴾؛ أي: نسقيكم من بين فرثها ودمها لبنًا، ﴿خَالِصًا﴾؛ أي: صافيًا ليس عليه لون الدم ولا رائحة الفرث ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾؛ أي: سهل المرور في حلوق الشاربين له، حالة كونه بعض ما في بطون الأنعام، وقرأت فرقة ﴿سَيِّغًا﴾ بوزن هين، وقرأ عيسى بن عمر: ﴿سَيْغًا﴾ مخففًا من سيغ كهين المخفف من هين، ذكره في "البحر"، قيل: لم يُغَص أحدٌ باللبن قط وليس في الطعام والشراب أنفع منه، ألا ترى إلى قوله ﵇: "إذا أكل أحدكم طعامًا ... فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه، وإذا شرب لبنًا .. فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه، فإني لا أعلم شيئًا أنفع في الطعام والشراب منه".
قال في "الكواشي" (١): المعنى خلق الله اللبن في مكان وسط بين الفرث والدم، وذلك أن الكرش إذا طبخت العلف .. صار أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا خالصًا لا يشوبه شيء، وأعلاه دمًا، وبينه وبينهما حاجزٌ من قدرة الله تعالى، لا يختلط أحدهما بالآخر بلون ولا طعم ولا رائحة، مع شدة الإتصال، ثم تسلط الكبد على هذه الأصناف الثلاثة تقسمها: فتجري الدم في العروق، واللبن في الضروع، ويبقى الفرث في الكرش، ثم ينحدر.
فإن قلت (٢): إن الدم واللبن لا يتولدان في الكرش، إذ البهائم إذا ذبحت لم يوجد في كرشها لبنٌ ولا دم.
قلتُ: المراد كان أسفله مادة الفرث، وأوسطه مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم، فالمنحدر إلى الضروع مادة اللبن لا مادة الدم، وقول بعضهم: إن الدم ينحدر إلى الضروع فيصير لبنًا ببرودة الضرع، بدليل أن الضرع إذا كانت فيه آفة .. يخرج منه الدم مكان اللبن، مدفوعٌ بأنه يجوز أن يتلون اللبن بلون الدم بسبب الآفة، وهو اللائح بالبال، ومن بلاغات الزمخشري:
كما يحدث بين الخبيثين ابنٌ لا يؤبن ... الفرث والدم يخرج منهما اللبن
стр. 6703
أي: كما أن اللبن الطيب الطاهر يخرج من بين الخبيثين اللذين هما الفرث والدم، بحيث لا يشوبه شيء من أوصافهما مع كمال الاتصال والاكتناف، كذلك يخرج الابن الطيب الطاهر الذي لا يعاب بشيء أصلًا من بين الأبوين الخبيثين، بحيث لا يوجد فيه شيء من أوصافهما الخبيثة، وسئل شقيق عن الإخلاص؟ فقال: تمييز العمل من العيوب، كتمييز اللبن من بين فرث ودم.
ومعنى الآية (١): أي وإن لكم أيها الناس لعظةً في الأنعام دالة على باهر قدرتنا، وبديع صنعنا، وواسع فضلنا ورحمتنا بعبادنا، فإننا نسقيكم مما في بطونها من اللبن الخالص من شائبات المواد الغريبة، السهل التناول اللذيذ الطعم، وهو متولد من بين فرث ودم.
فإنَّ الله جلت قدرته جعل الحيوان يتغذى بما يأكل من نبات ولحوم ونحوهما، حتى إذا هضم المأكول .. تحول بإذنه تعالى عصارةً نافعة للجسم، وفضلات تطرد إلى الخارج، ومن هذه العصارة يتكون الدم الذي يسري في عروق الجسم لحفظ الحياة، وبعض هذا الدم يذهب إلى الغدد التي في الضرع، فتحولها إلى لبن، وهكذا في الجسم غددًا أخرى كالغدد الأنفية للمخاط، والغدد المنوية التي تحول الدم إلى مادة التلقيح، والغدد العينية للدمع، والغدد الفموية للبصاق.
٦٧ - وبعد أن ذكر سبحانه اللبن، وبين أنه جعله شرابًا سائغًا للناس، ثلث بذكر ما يتخذ من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ متعلق بمحذوف دل عليه ما قبله، ونسقيكم أيها الناس من ثمرات النخيل والأعناب؛ أي: من عصيرهما، ونطعمكم من ثمارهما، وقوله: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان ذلك الإسقاء والإطعام، والتقدير: أي وذلك الإسقاء والإطعام أنكم تتخذون منه؛ أي: مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب، أو من عصيرهما سكرًا؛ أي: خمرًا وتكرير ﴿منه﴾ تأكيد للظرف الأول، وتذكير الضمير نظرًا إلى كونه بمعنى المذكور، أو لكونه راجعًا إلى المضاف المحذوف، كما قدرناه، وقال في "القاموس": السكر محركة الخمر،
стр. 6704
ونبيذ يتخذ عن الخمر اهـ. فإن قلت (١): الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام والامتنان؟
قلت: قال العلماء في الجواب عن هذا: إنَّ هذه السورة مكية وتحريم الخمر إنما نزل في سورة المائدة وهي مدنية، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة، وهذا الجواب أولى ما قيل في هذا المقام.
أي: وذلك الإسقاء والإطعام أنكم تتخذون وتجعلون مما ذكر سكرًا وخمرًا، ﴿و﴾ تتخذون من ثمارها ﴿رزقًا حسنًا﴾؛ أي: طيبًا كالتمر والزبيب والدبس والخل.
قال بعضهم (٢): انظر إلى الإخبار عن نعمة اللبن ونعمة السكر والرزق الحسن، لما كان اللبن لا يحتاج إلى معالجة الناس .. أخبر عن نفسه بقوله: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، ولما كان السكر والرزق الحسن .. يحتاج إلى معالجة من الناس قال: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، فأخبر عنهم باتخاذهم منه السكر والرزق، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإسقاء والإطعام ﴿لَآيَةً﴾ باهرة على قدرته تعالى ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يستعملون عقولهم في الآيات بالنظر والتأمل، فيعلمون أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى، ولما كان مفتتح الكلام: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ .. ناسب الختم بقوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ لأنه لا يعتبر إلا ذوو العقول، كما قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ذكره في "البحر".
٦٨ - ولمَّا ذكر (٣) الله دلائل قدرته وعجائب صنعته الدالة على وحدانيته، من إخراج اللبن من بين فرث ودم، وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب .. ذكر في هذه الآية إخراج العسل الذي جعله الله تعالى شفاء للناس من دابة ضعيفة وهي النحلة، فقال : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ﴾ يا محمَّد ﴿إِلَى النَّحْلِ﴾؛ أي: إلى ذباب العسل وزنبوره؛ أي: ألهمها وقذف في قلبها
стр. 6705
وعلمها بوجه لا يعلمه إلا هو تعالى، نظير قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾.
والخطاب فيه للنبي ﷺ ، والمراد به كل فرد من الناس ممن له عقل وتفكر، يستدل به على كمال قدرة الله ووحدانيته، وأنه الخالق لجميع الأشياء المدبر لها بلطيف حكمته وقدرته.
وأصل الوحي الإشارة السريعة، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد، ويقال الكلمة الإلهية التي يلقيها الله تعالى إلى أنبيائه وحيٌ، وإلى أوليائه إلهامٌ، وتسخير الطير لما خلق له وحي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾؛ أي: أنه تعالى سخَّرها لما خلقها له، وألهمها رشدها وقدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة، التي يعجز عنها العقلاء من البشر، وذلك أن النحل تبني بيوتًا على شكل مسدس من أضلاع متساوية، لا يزيد بعضها على بعض بمجرد طباعها، ولو كانت البيوت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال .. لكان فيما بينها خلل، ولما حصل المقصود، فألهمها الله أن تبنيها على هذا الشكل المسدس، الذي لا يحصل فيه خلل وفرجة خالية ضائعة.
وألهمها الله تعالى أيضًا أن تجعل عليها أميرًا كبيرًا نافذ الحكم فيها، وهي تطيعه وتمتثل أمره، ويكون هذا الأمير أكبرها جثة وأعظمها خلقة، ويسمى يعسوب النحل يعني ملكها، كذا حكاها الجوهري، وألهمها (١) الله أيضًا أن جعلت على باب كل خلية بوابًا، لا يمكن غير أهلها من الدخول إليها، وألهمها الله تعالى أيضًا أنها تخرج من بيوتها وتدور وترعى ثم ترجع إلى بيوتها ولا تضل عنها، ولما امتاز هذا الحيوان الضعيف بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والفطنة .. دل ذلك على الإلهام الإلهي، فكان ذلك شبيهًا بالوحي، فلذلك قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقرأ ابن وثاب: ﴿النَّحل﴾
стр. 6706
بفتح الحاء ذكره في "البحر".
أي: وألهم (١) ربك النحل، وألقى في روعها وعلَّمها أعمالًا يتخيل منها أنها ذوات عقول، وقد تتبع علماء المواليد أحوالها، وكتبوا فيها المؤلفات بكل اللغات، وخصصوا لا مجلات تنشر أطوارها وأحوالها، وقد وصلوا من ذلك إلى أمور:
١ - أنها تعيش جماعات كبيرة، قد يصل عدد بعضها نحو خمسين ألف نحلة، وتسكن كل جماعة منها في بيت خاص يسمى خلية.
٢ - أن كل خلية يكون فيها نحلة واحدة كبيرة تسمى الملكة أو اليعسوب، وهي أكبرهم جثة، وأمرها نافذٌ فيهم، وعدد يتراوح بين أربع مئة نحلة وخمس مئة يسمى الذكور، وعدد آخر من خمسة عشر ألفًا إلى خمسين ألف نحلة، ويسمى الشغالات أو العاملات.
٣ - تعيش هذه الفصائل الثلاث في كل خلية عيشةً تعاونية على أدق ما يكون نظامًا، فعلى الملكة وحدها وضع البيض الذي يخرج منه نحل الخلية كلها، فهي أم النحل، وعلى الذكور تلقيح الملكات، وليس لها عمل آخر، وعلى الشغالة خدمة الخلية، وخدمة الملكات، وخدمة الذكور، فتنطلق في المزارع طول النهار لجمع رحيق الأزهار، ثم تعود إلى الخلية فتفرز عسلا يتغذى به سكان الخلية صغارًا وكبارًا، وتفرز الشمع الذي تبني به بيوتًا سداسية الشكل، تخزن في بعضها العسل، وفي بعض آخر منها تربي صغار النحل، ولا يمكن المهندس الحاذق أن يبني مثل هذه البيوت حتى يستعين بالآلات كالمسطرة والفرجار، قال الجوهري: ألهمها الله تعالى أن تبني بيوتها على شكل سداس حتى لا يحصل فيه خللٌ ولا فرجةٌ ضائعة، كما عليها أن تنظف الخلية، وتخفق بأجنحتها لتساعد على تهويتها، وعليها أيضًا الدفاع عن الملكة وحراستها من الأعداء، كالنمل والزنابير وبعض الطيور.
стр. 6707
ثم فسر سبحانه ما أوحى به إليها بقوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي﴾؛ أي: بأن اتخذي لنفسك، فأن مصدرية، وأتى (١) بصيغة التأنيث لأن النحل يذكر ويؤنث ﴿مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾؛ أي: أوكارًا ومساكن تأوي إليها، وتسمي ما تبنيه لتعسل فيه بيتًا تشبيهًا ببناء الإنسان، لما في بيوته المسدسة المتساوية بلا بركارٍ ولا مسطر من الحذاقة وحسن الصنعة، التي لا يقوى عليها حذاق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة.
و ﴿مِنَ﴾ (٢) للتبعيض، لأنها لا تبني في كل جبل، وكذا قوله: ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾ لأنها لا تبني في كل شجر، وكذا في قوله: ﴿وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ لأنها لا تبني في كل ما يعرشه الناس؛ أي: يرفعه من الأماكن لتعسل فيها، وهذا إذا كان لملاكٍ، وقال بعضهم: ومما يعرشون من كرم أو سقفٍ أو جدران أو غير ذلك، والظاهر أن ﴿مِنَ﴾ بمعنى في، إذ لا معنى لكونها تبني من بناء الناس، بل الظاهر أنها تبني في بنائهم، ويكون المراد من بنائهم الكوار، ومن بنائها بيتها الذي تمج فيه العسل، فإن المشاهد أنها تبني لها بيتًا داخل الخلية من الشمع، ثم تمج فيه العسل شيئًا فشيئًا.
والمعنى: أي اجعلي لك بيوتًا في الجبال تأوين إليها، أو في الشجر، أو فيما يعرش الناس ويبنون من البيوت والسقف والكروم ونحوها، وقرأ السلمي وعبيد بن نضلة وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: بضم الراء في ﴿يعرشون﴾، وباقي السبعة: بكسرها، وهما لغتان، يقال يعرش بالكسر، ويعرش بالضم، مثل يعكف ويعكف ذكره في "البحر".
٦٩ - ولما كان أهم شيء للحيوان بعد الراحة من هم المقيل الأكل ثنى به، ولما كان عامًّا في كل ثمر .. ذكره بحرف التراخي، إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسره لها، فقال: ﴿ثُمَّ كُلِي﴾، وأشار إلى كثرة الرزق بقوله: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ فيها للتكثير؛ أي: ثم كلي أيتها النحل من كل ثمرة تشتهينها حلوة أو حامضة أو مرة، أو غير ذلك، فهو عام مخصوص بالعادة.
стр. 6708
وقوله: ﴿فَاسْلُكِي﴾ جواب شرط محذوف؛ أي: فإذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك .. فاسلكي؛ أي: فادخلي ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ في الجبال وفي خلال الشجر؛ أي: طرق ربك التي ألهمك وعرفك الرجوع فيها إلى مكانك من الخلية بعد بعدك عنها، حال كون السبل ﴿ذُلُلًا﴾؛ أي: مسهلة لك، وإن كانت وعرة في نفسها، جمع ذلول؛ أي: موطأة للسلوك مسهلة لك، وذلك أنها إذا أجدب عليها ما حولها .. سافرت إلى المواضع البعيدة في طلب النجعة، ثم ترجع إلى بيوتها من غير التباس وانحراف، وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم إحسانه في تربيتها .. لما هدت إلى ذلك.
والمعنى (١): أي فاسلكي الطرق التي ألهمك الله أن تسلكيها وتدخلي فيها لطلب الثمار، ولا تعسر عليك، وإن توعرت، ولا تضلي عن العودة منها وإن بعدت.
وبعد أن خاطب النحل أخبر الناس بفوائدها، لأن النعمة لأجلهم، فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾؛ أي: من بطون النحل بالقيء ﴿شَرَابٌ﴾؛ أي: عسلٌ لأنه مشروب، وذلك أن النحل تأكل الأجزاء اللطيفة الطلية الحلوة الواقعة على أوراق الأشجار والأزهار، وتمص من الثمرات الرطبة والأشياء العطرة، ثم تقيء في بيوتها ادخارًا للشتاء، فينعقد عسلًا بإذن الله تعالى.
أي: يخرج من بطونها عسلٌ ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ من أبيض (٢) وأخضر وأصفر وأسود، بسبب اختلاف سنَّ النحل، فالأبيض يلقيه شباب النحل، والأصفر كهولها، والأحمر شيبها، وقد يكون الاختلاف بسب اختلاف لون النور، قال حكيم يونان لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا وهي بيوتها، قالوا: وكيف النحل في خلاياها؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالًا إلا نفته وأقصته عن الخلية، لأنه يضيق المكان ويفني العسل، وإنما يعمل النشيط لا الكسل، وعن ابن عمر ﵄: مثل المؤمن النحلة تأكل طيِّبا وتصنع طيّبًا، ووجه المشابهة
стр. 6709
بينهما حذق النحل وفطنته وقلة أذاه، ومنفعته وتنزهه عن الأقذار، وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، وطاعته لأميره، وأن للنحل آفات تقطه عن عمله، منها الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك المؤمن له آفاتٌ تغيره عن عمله، ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السفه، ونار الجوى.
وجمهور المفسرين (١) على أنَّ العسل يخرج من أفواه النحل، وقيل: من أسفلها، وقيل: لا يدرى من أين يخرج منها، ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك الشراب الخارج من بطون النحل وهو العسل ﴿شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: شفاءٌ وعافيةٌ لهم من الأوجاع التي يعرف شفاؤها منه، يعني أنَّ العسل من جملة الأشفية المشهورة النافعة لأمراض الناس، وليس المراد أنه شفاء كل مرض، كما قال في "حياة الحيوان": قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ لا يقتضي العموم لكل علة، وفي كل إنسان، لأنه نكرةٌ في سياق الإثبات، بل المراد أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في حال دون حال.
وللعسل أسماء كثيرة (٢)، منها الحافظ الأمين؛ لأنه يحفظ ما يودع فيه، فيحفظ الميت أبدًا، واللحم ثلاثة أشهر، والفاكهة ستة أشهر، وكل ما أسرع إليه الفساد إذا وضع في العسل .. طالت مدة مقامه، وكان ﷺ يحب الحلواء والعسل.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في إخراج الله من بطون النحل الشراب المختلف الألوان، الذي فيه شفاء للناس ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لحجةً ظاهرة دالة على القدرة الربانية ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلك فيعتبرون ويستدلون بما ذكرنا على وحدانيتنا وقدرتنا؛ أي: لدلالةً واضحة على أن من سخّر النحل وهداها لأكل الثمرات التي تأكلها، واتخاذها البيوت في الجبال والشجر والعروش، وأخرج من بطونها أخرج مما فيه شفاء للناس، هو الواحد القهار، الذي ليس
стр. 6710
كمثله شيء، وأنه لا ينبغي أن يكون له شريك، ولا تصح الألوهية إلَّا له.
فصل
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنَّ أخي استطلق بطنه، فقال له رسول الله ﷺ : "اسْقِه عسلًا" فسقاه عسلًا ثم جاء فقال: يا رسول الله سقيته عسلًا فما زاده إلا استطلاقًا، قال: "اذهب اسقه عسلًا" فذهب فسقاه عسلًا ثم جاء فقال: يا رسول الله ما زاده ذلك إلا استطلاقًا، فقال رسول الله ﷺ : "صدق الله، وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلًا" فذهب فسقاه عسلًا فبرىء كأنما نُشِط من عقال.
وعلل (١) هذا بعض الأطباء الماضين، قال: كان لدى هذا الرجل فَضُلاتٌ في المعدة، فلما سقاه عسلًا .. تحللت فأسرعت إلى الخروج فزاد إسهاله، فاعتقد الأعرابي أنّ هذا يضره، وهو فائدة لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، وكلما سقاه حدث مثل هذا، حتى اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن، فاستمسك بطنه، وصلح مزاجه، وزالت الآلام والأسقام بإرشاده ﵇.
وروى البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسلٍ، أو كيَّة بنار، وأنهى أمتي عن الكَيّ".
وروي عن (٢) عوف بن مالك أنه مرض فقال ائتوني بماء فإن الله تعالى قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ ثم قال ائتوني بعسل، وقرأ الآية، ثم قال ائتوني بزيت من شجرة مباركة، فخلط الجميع ثم شربه فشفي، وكان بعضهم يكتحل بالعسل، ويتداوى به من كل سقم، وإذا خلط العسل الذي لم يصبه ماء ولا نار ولا دخان بشيء من المسك واكتحل به .. نفع من نزول الماء في العين،
стр. 6711
والتلطخ به يقتل القمل، والمطبوخ منه نافع للسموم، ولعقه علاجٌ لعضة الكلب، وفي العسل ثلاثة أشياء: الشفاء والحلاوة واللين.
كيف يتكون العسل؟ تمتص (١) الشغالة رحيق الأزهار فينزل ويجتمع في كيسٍ في بطنها، وهناك يمتزج بعصارة خاصة فيتحول إلى عسل، ولله در أبي العلا إذ يقول:
وَالنَّحْلُ يَجْنِي الْمُرَّ مِنْ زَهْرِ الرُّبَا ... فيَعُودُ شَهْدًا فِيْ طَرِيْقِ رُضَابِهِ
ثم تعود النحلة إلى الخلية، فتفرز العسل من فمها في البيوت الشمعية، التي خصصت بتخزين العسل، وكلما امتلأ بيت منها غطاه النحل بطبقة من الشمع، وانتقل إلى بيت آخر.
شمع النحل: تفرز الشغالة صفحات رقيقة صلبة من الشمع، تخرجها من بين حلقات بطنها، ثم تمضغها بفيها حتى تلين ويسهل تشكيلها بحسب ما تريد، فتستعملها في بناء بيوتها السداسية الشكل.
فوائد النحل:
١ - نأخذ منها العسل الذي هو غذاءٌ لذيذ الطعم، يحوي مقدارًا كبيرًا من المواد المفيدة للجسم.
٢ - نأخذ منها الشمع الذي تصنع منه شموع الإضاءة.
٣ - تساعد على تلقيح الأزهار فتكون سببًا في زيادة الثمار وجودة نوعها.
وقال الزجاج: سميت نحلًا لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج منها، إذ النحلة العطية، وكفاها شرفًا قول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وكلُّ ذباب في النار إلا ذباب العسل.
стр. 6712
قال في "عجائب المخلوقات": يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة، وفيه أوحى ربك إلى النحل صنعة العسل، قال في "حياة الحيوان": يحرم أكل النحل، وإن كان العسل حلالًا، كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام، ويكره قتلها، وأما بيعها في الكوارة فصحيح إن يشاهد جميعها، وإلا فهو بيع غائب، فإن باعها وهي ظاهرة ففي "التتمة": يصح؛ وفي "التهذيب" عكسه، وقال أبو حنيفة: لا يصح بيع النحل كالزنبور وسائر الحشرات، ويجوز بيع دود القزِّ من الذي يصنع به، وفي الحديث: "أول نعمة ترفع من الأرض العسل".
قال القشيري (١) ﵀: إنَّ الله تعالى أجرى سنته بأن يخفي كل عزيز في شيء حقير، جعل الإبريسم في الدود، وهو أصغر الحيوانات وأضعفها، والعسل في النحل وهو أضعف الطيور، وجعل الدر في الصدف وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر، وأودع الذهب والفضة والفيروزج في الحجر، وكذلك أودع المعرفة والمحبة في قلوب المؤمنين، وفيهم من يخطيء، وفيهم من يعصي، ومنهم من يعرف، ومنهم من يجهل أمره اهـ.
وإنما (٢) خص النحل بالوحي، وهو الإلهام والرشد من بين سائر الحيوانات، لأنها أشبه شيء بالإنسان، لا سيما بأهل الخلوة والاعتزال، فإن من دأبهم وهجيراهم أن يتخذوا من الجبال بيوتًا اعتزالًا عن الخلق وتبتلًا إلى الله تعالى، كما كان حال النبي ﷺ ، كذلك حيث كان يتحنث إلى حراء أسبوعًا وأسبوعين وشهرًا، وإن من شأنهم النظافة في الموضع والملبوس والمأكول، كذلك النحل من نظافتها تضع ما في بطنها على الحجر الصافي، أو على خشب نظيف، لئلا يخالطه طين أو تراب، ولا تقعد على جيفة ولا على نجاسة، احترازًا عن التلوث، كما يحترز الإنسان عنه، وثمرات البدن الأعمال الصالحة، وثمرات النفوس الرياضات والمجاهدات ومخالفة الهوى، وثمرات
стр. 6713
القلوب ترك الدنيا وطلب العقبى، والتوجه إلى حضرة المولى إلى غير ذلك، فهذه كلها أغذية الأرواح، والله تعالى قال للنحل: ﴿كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقال مثله للسالكين: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾.
٧٠ - ولمَّا ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان، وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة، وخصائص القدرة القاهرة .. أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال: ﴿وَاَللهُ﴾ المحيط بكل شيء علمًا وقدرة ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ أي: أوجدكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود، ولم تكونوا شيئًا، ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾؛ أي يقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم، على اختلاف الأعمار صبيانًا وشبانًا وكهولًا، فلا يقدر الصغير على أن يؤخر، ولا الكبير على أن يقدم، وقوله: ﴿وَمِنْكُمْ﴾ معطوف على مقدر، تقديره: فمنكم من يموت حال قوته، ومنكم ﴿مَنْ يُرَدُّ﴾ ويعاد قبل وفاته ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾؛ أي: إلى أخسه وأردئه وأحقره، وهو الهرم والخرف، الذي يعود فيه كهيئته الأولى في أوان طفوليته، ضعيف البنية ناقص القوة والعقل وقليل الفهم، وليس له حد معلوم في الحقيقة؛ لأنه رب ابن ستين انتهى إلى أرذل العمر، ورب ابن مئة لم يرد إليه، وقال قتادة: إذا بلغ تسعين سنة .. يتعطل عن العمل والتصرف والاكتساب والحج والغزو ونحوها، ولذا دعا محمَّد بن علي الواسطي لنفسه فقال:
يَا رَبِّ لاَ تُحْيِنيْ إلى زَمَنٍ ... أَكُوْنُ فِيْهِ كَلًّا عَلَى أَحَدٍ
خُذْ بِيَدِيْ قَبْل أن أقُوْلَ لِمَنْ ... ألْقَاهُ عِنْدَ الْقِيَامِ خُذْ بِيَدِي
وسأل (١) الحجاج رجلًا شيخًا كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت، فقال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المهجع، فقال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا قعدت تباعدت عني الأرض، وإذا قمت لزمتني، فقال: كيف مشيك؟ فقال: تعقلني الشعرة، وتعثرني البعرة.
ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ
стр. 6714
أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾، واعلم (١) أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع: أولاها سن النشوِّ، وثانيها سن الوقوف وهو سن الشباب، وثالثها سن الإنحطاط اليسير، وهو سن الكهولة، ورابعها سن الانحطاط الظاهر، وهو سن الشيخوخة.
والمعنى (٢): أي والله أوجدكم أيها الناس، ولم تكونوا شيئًا أنتم ولا آلهتكم التي تعبدونها من دون الله تعالى، ثم وقت أعماركم بآجال مختلفة، فمنكم من تعجل وفاته، ومنكم من يهرم ويصير إلى أرذل العمر وأخسه، فتنقص قواه، وتفسد حواسه، ويكون في عقله وقوته كالطفل كما قال: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾.
أخرج البخاري وابن مردويه عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات".
وثبت أنه ﷺ كان يتعوذ باللهِ أن يرد إلى أرذل العمر.
ثم علل سبحانه رد من يرده إلى أرذل العمر بقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ﴾ ذلك المردود ﴿بَعْدَ عِلْمٍ﴾ كان قد حصل له ﴿شَيْئًا﴾ من العلم، لا كثيرًا ولا قليلًا، أو شيئًا من المعلومات، إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم، وقيل: المراد بالعلم هنا العقل، وقيل: المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك، فاللام في لكيلا جارة للمصدر، دخلت على كي الناصبة، وهي متعلقة بيرد.
والمعنى (٣): أي ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان العقل وسوء الفهم، وفي النسيان؛ أي: وإنما (٤) رده إلى أرذل العمر ليعود جاهلًا كما كان حين طفولته وصباه، لا يعلم شيئًا مما كان يعلمه في شبابه؛ لأن، الكبر قد أضعف عقله وأنساه، فلا يعلم شيئًا مما كان يعلم، وقد انسلخ من عقله بعد أن كان كامل العقل.
стр. 6715
وخلاصة ذلك: أنه يكون نسَّاء، فإذا كسب علمًا في شيء .. لم يلبث أن ينساه، ويزول من ساعته، فيقول لك: من هذا فلانٌ، فلا يمكث إلا هنيهةً ثم يسألك عنه مرةً أخرى.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾، بمقادير أعماركم ﴿قَدِيرٌ﴾ على كل شيء، يميت الشاب النشيط، ويبقي الهرم الفاني.
والمعنى: أي إن الله (١) سبحانه عليم بكل شيء، فيعلم وجه الحكمة في الخلق والتوفي، والرد إلى أرذل العمر، ولا ينسى شيئا من ذلك، وهو قدير على كل شيء، فلا يعجزه شيء أراده.
ومجمل القول: أن ما يعرض في الهرم من ضعف القوة والقدرة وانتفاء العلم يتنزه عن مثله المولى سبحانه جلَّ شأنه، فهو كامل العلم، تامُّ القدرة، لا يتغير شيءٌ منهما بمرور الأزمنة، كما يتغير علم البشر وقدرتهم.
٧١ - ولمَّا ذكر سبحانه تفاوت الناس في الأعمار .. ذكر تفاوتهم في الأرزاق فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه وحده ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾؛ أي: فاوت بينكم في الرزق، كما فاوت بينكم في الذكاء والبلادة، والحسن والقبح، والصحة والسقم، وقوة البدن وضعفه، فجعلكم متفاوتين فيه، فوسع على بعض عباده، حتى جعل له من الرزق ما يكفي أُلوفًا مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده، حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها، والرزق (٢) ما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان من المطعومات والمشروبات، وفيه تنبيه على أن غنى المكثر ليس من كياسته ووفور عقله وكثرة سعيه، ولا فقر المقل من بلادته نقصان عقله وقلة سعيه، بل من الله تعالى ليس إلا:
كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقًا
стр. 6716
وحاصل المعنى: أي (١) والله تعالى جعلكم متفاوتين في أرزاقكم، فمنكم الغنيُّ، ومنكم الفقير، ومنكم المملوك، ومنكم المالك، وأعطاكم من الرزق أكثر مما أعطى مماليككم، ولم يجعل ذلك بحسن الحيلة وفضل العقل فحسب، فكثيرًا ما نرى الحول القلب، لا يحصل إلا على الكفاف من الرزق بعد الجهد الجهيد، بينما ترى الأحمق يتقلب في نعيم العيش وزخرف الدنيا، ولله در سفيان بن عيينة ﵀ إذ يقول:
كَمْ مِنْ قوِيٍّ قوِيٌّ فِيْ تَقَلُّبهِ ... مُهَذَّبُ الرَّأي عَنْهُ الرِّزْقُ مُنْحَرِفُ
وَمِنْ ضَعِيْفٍ ضَعِيفُ العَقْلِ مُخْتَلِطٌ ... كَأَنَّهُ مِنْ خلِيج الْبَحْرِ يَغْتَرِفُ
﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾؛ أي: فليس (٢) الموالي الذين فضلوا في الرزق على المماليك ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾؛ أي: بمعطي رزقهم الذي رزقهم إياه، أصله رادِّين، سقطت النون للإضافة، ﴿عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وأيديهم؛ أي: على مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية والمرزوقية، "فهم"؛ أي: الملاك والمماليك ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في الرزق ﴿سَوَاءٌ﴾؛ أي: مستوون، لا مزية لبعضهم على بعض، وفي الفاء دلالة على ترتب التساوي على الرد؛ أي: يردون عليهم ردًّا مستتبعًا للتساوي في التصرف، والتشارك في التدبير، وإنما يردون عليهم منه شيئًا يسيرًا.
والحاصل: أنهم لا يجعلون ما رزقناهم من الأموال وغيرها شركةً بينهم وبين مماليكهم، بحيث لا يرضون بمساواة مماليكهم لأنفسهم، وهم أمثالهم في البشرية والمخلوقية، فما بالهم كيف جعلوا مماليكه تعالى ومخلوقاته شركاء له، مع كمال علوه، فأين التراب ورب الأرباب.
أي: فما الذين (٣) فضلوا بالرزق وهم الموالي بجاعلي رزقهم من الأموال وغيرها شركةً بينهم وبين مماليكهم، بحيث يساوونهم في التصرف فيها، ويشاركونهم في تدبيرها.
стр. 6717
والخلاصة: أنَّ الله جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أكثر من ما رزق مماليككم، وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، وتتساووا وإياهم في الملبس والمطعم والمسكن، لكنكم لم ترضوا بهذه المساوة، مع أنهم أمثالكم في البشرية والمخلوقية لله ، فما بالكم تشركون باللهِ فيما لا يليق إلا به من الألوهية والمعبودية بعض عباده، بل أخس مخلوقاته، وهذا مثل ضربه سبحانه لبيان قبح ما فعله المشركون من عبادة الأصنام والأوثان تقريعًا لهم، وكانوا يقولون في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك.
ونحو الآية قوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي التقريعي المضمن للإنكار (١)، وداخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد علمهم بأن الرازق هو الله تعالى يشركون به، فيجحدون نعمته، حيث يتخذون له شركاء، فإن الإشراك يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم، ويجحدوا أنه من عند الله تعالى، أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعد ما أنعم الله عليهم بإيضاحها، فالله تعالى يدعو عباده بهذه الآية إلى التوحيد، ونفي الشرك، حتى يتخلصوا من الشرك والظلمات، ويتشرفوا بالتوحيد والأنوار العاليات.
وقرأ الجمهور: ﴿يَجحَدُونَ﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ أبو (٢) بكر عن عاصم وأبو عبد الرحمن والأعرج بخلاف عنه: ﴿تجحدون﴾ بالتاء على الخطاب، وقراءة الغيبة أولى لأنها ظاهر السّياق.
والمعنى على قراءة الخطاب: أنكم أيها المالكون لستم برادي رزقكم على مماليككم، بل أنا الذي أرزقكم وإياهم، فلا تظنوا أنكم تعطونهم شيئًا، وإنما هو رزقي أجريه على أيديكم، أنتم وهم جميعًا سواء لا مزية لكم على مماليككم.
стр. 6718
٧٢ - ثم ذكر ضروبًا أخرى من ضروب نعمه على عباده، تنبيهًا إلى جليل إنعامه بها، إذ هي زينة الحياة فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ وحده ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيها الرجال ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: من جنسكم ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: نساء وزوجات، لتأنسوا بها وتقيموا بذلك جميع مصالحكم، ويكون أولادكم أمثالكم، ومن هنا أخذ بعض العلماء أنه يمتنع أن يتزوج المرؤ امرأة من الجن، إذ لا مجانسة بينهما، فلا مناكحة، وأكثرهم على إمكانه، ويدل عليه أن أحد أبوي بلقيس كان جنيًّا، قال ابن الكلبي: كان أبوها من عظماء الملوك، فتزوج امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكت، فولدت له بلقيس، وفيه حكايات أخر في "آكام المرجان"، فإن قيل (١): غلبة عنصر النار في الجن تمنع من أن تتكون النطفة الإنسانية في رحم الجنية لما فيها من الرطوبات، فتضمحل ثمة لشدة الحرارة النيرانية، وقس عليه نكاح الجني الإنسية.
قلت: إنهم وإن خلقوا من نار .. فليسوا بباقين على عنصرهم الناري، بل قد استحالوا عنه بالأكل والشرب والتوالد والتناسل، كما استحال بنو آدم عن عنصرهم الترابي بذلك، على أن الذي خلق من نار هو أبو الجن، كما خلق آدم أبو الإنس من تراب، وأما كل واحد من الجن غير أبيهم فليس مخلوقًا من النار، كما أن كل واحد من بني آدم ليس مخلوقًا من تراب، وذكروا أيضًا جواز المناكحة بين الإنسان وإنسان البحر، كما قال في "حياة الحيوان" إن في بحر الشام في بعض الأوقات من شكله شكل إنسان، وله لحيةٌ بيضاء، يسمونه شيخ البحر، فإذا رآه الناس .. استبشروا بالخصب.
قال الأطباء (٢): والتفاوت بين الذكر والأنثى، أنَّ الذكر أسخن مزاجًا، والأنثى أكثر رطوبة، فالمني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الرجل، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم .. كان الولد ذكرًا تامًّا في الذكورة، وإن انصب إلى الخصية اليسرى من الرجل، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من
стр. 6719
الرحم .. كان الولد أنثى تامًّا في الأنوثة، وإن انصب إلى الخصية اليمنى، ثم انصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم .. كان الولد ذكرًا في طبيعة الإناث، وإن انصبَّ إلى الخصية اليسرى، ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم .. كان الولد أنثى في طبيعة الذكور والله أعلم.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾؛ أي: من نسائكم وزوجاتكم؛ أي: جعل لكم منكم من زوجه لا من زوج غيره ﴿بَنِينَ﴾ وبنات، ولم يذكر (١) البنات لكراهتهم لهن، فلم يمتن عليهم إلا بما يحبونه، ﴿وَحَفَدَةً﴾ جمع حافد وحفيد، والحفيد ولد الابن ذكرًا كان أو أنثى، وولد البنت كذلك، وتخصيصه بولد الذكر، وتخصيص ولد الأنثى بالسبط، عرف طارىءٌ على أصل اللغة، والمعنى؛ أي: جعل لكم من زوجاتكم بنين وحفدة؛ أي: أولاد البنين ذكروًا كانوا أو إناثًا، وأولاد البنات كذلك، فيعم كل من المضاف والمضاف إليه لما هو معلوم أنَّ لفظ الولد يعم الذكر والأنثى، بخلاف لفظ الابن اهـ. شيخنا، وسيأتي البسط في معنى الحفيد في مباحث التصريف.
والمعنى: أي والله سبحانه جعل لكم أزواجًا من جنسكم تأنسون بهن، وتقوم بهن جميع مصالحكم، وعليهن تدبير معايشكم، وجعل لكم منهن بنين وحفدةً؛ أي: أولاد أولاد يكونون زهرة الحياة الدنيا وزينتها، وبهم التفاخر والتناصر والمساعدة لدى البأساء والضراء، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: من لذيذ المطاعم والمشارب، وجميل الملابس والمساكن ما تنتفعون به إلى أقصى الحدود وأبعد الغايات، كالعسل ونحوه، و ﴿مِن﴾ للتبعيض، لأن كل الطيبات في الجنة، وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها.
والهمزة في قوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيكفرون باللهِ الذي شأنه ذلك المذكور، فيؤمنون بالباطل حيث حرموا على أنفسهم طيبات
стр. 6720
أحلها الله لهم، مثل البحيرة والسائبة والوصيلة، وأباحوا لأنفسهم محرمات حرمها الله عليهم، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما ذبح على النصب؛ أي: لِمَ يحكمون بتلك الأحكام الباطلة؛ أي: أيكفرون بتوحيد الله تعالى، فيؤمنون بنفع الباطل الذي هو الأصنام، فإنهم يزعمون ذلك على ما حكي عنهم بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، فالباطل (١) هو اعتقادهم في أصنامهم أنها تضر وتنفع، وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة ونحوهما.
﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾؛ أي: وبإنعام الله عليهم بتحليل الطيبات وتحريم الخبائث ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: يجحدون، أو المراد (٢) بالباطل الأصنام وما يفضي إلى الشرك، وبنعمة الله الإِسلام والقرآن وما فيه من التوحيد والأحكام، وذكر الجملة الأخيرة هنا بزيادة (٣) هم فيها، وفي العنكبوت بدونها؛ لأنَّ ما هنا اتصل بقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلخ، وهو بالخطاب، ثم انتقل إلى الغيبة فقال: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ فلو ترك هم لالتبست الغيبة بالخطاب، بأن تبدل الياء تاءً اهـ "كرخي".
وقرأ الجمهور (٤): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بالياء، وهو توقيف للرسول ﷺ على إيمانهم بالباطل، ويندرج في التوقيف المعطوف بعدها، وقرأ السلمي: بالتاء ورويت عن عاصم، وهو خطاب إنكار وتقريع لهم.
٧٣ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: ويعبد هؤلاء المشركون بالله من دونه تعالى ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾؛ أي: أصنامًا لا تقدر رزقًا لهم وإعطاءً شيئًا من خزائن السموات والأرض، فلا تقدر على إنزال القطر من السموات لإحياء الميت من الأرضين، ولا تملك لهم رزقًا منها، فلا تقدر على إخراج شيء من نباتها ولا ثمارها، ولا على شيء مما ذكر في سالف
стр. 6721
الآيات، مما أنعم الله به على عباده، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ معطوف على صلة ﴿مَا﴾؛ أي: ويعبدون من دون الله ما لا يستطيعون، أي: أصنامًا لا تستطيع ولا تقدر أن تتملك شيئًا من أرزاق السموات والأرض لنفسها، فضلًا عن الإعطاء لهم؛ لأنها جماد، وفائدة (١) قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أن من لا يملك شيئًا قد يكون في استطاعته أن يتملكه بوجه من الوجوه، فبين بذلك أن هذه الأصنام لا تملك، وليس في استطاعتها تحصيل الملك.
و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ﴾ عبارة (٢) عن الأصنام، فهي مفردة لفظًا جمع معنىً، فقوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ فيه مراعاة لفظها، وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيه مراعاة معناها، وهو معطوف على ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ فهو من الصلة، وجمع جمع العقلاء في قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ بناء على زعمهم الباطل، وقيل يجوز أن يكون الضمير في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ للكفار؛ أي: لا يستطيع هؤلاء الكفار مع كونهم أحياءً متصرفين فكيف بالجمادات التي لا حياة لها ولا تستطيع التصرف.
وقوله: ﴿رِزْقًا﴾ مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾، وهو اسم مصدر بمعنى الإعطاء، و ﴿شَيْئًا﴾ مفعوله؛ أي: ما لا يملك ولا يقدر رزقًا وإعطاءً لهم شيئًا من أرزاق السموات والأرض،
٧٤ - وبعد أن بين ضعفها وعجزها رتب على ذلك ما هو النتيجة له فقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: فلا (٣) تجعلوا أيها المشركون لله الأمثال والأشباه، ولا تشبهوه بخلقه، فإنه لا مثيل له ولا شبيه، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الآية: أي لا تجعلوا معي إلهًا غيري فإنه لا إله غيري، ثم هددهم على عظيم جرمهم، وكبير ما اجترحوا من الكفر والمعاصي فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَعْلَمُ﴾ كنه ما تفعلون من الإجرام وعظيم الآثام، وهو معاقبكم عليه أشد العقاب ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ حقيقته ولا مقدار عقابه، ومن ثم صدر ذلك منكم، وتجاسرتم عليه، ونسبتم إلى الأصنام ما لا يصدر منها، ولا هي منه في قليل ولا كثير، وقال الزجاج (٤): لا تجعلوا لله
стр. 6722
مثلًا لأنه واحدٌ لا مثل له، وكانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك.
٧٥ - وبعد أن نهاهم سبحانه عن الإشراك أعقبه بمثل يكشف عن فساد ما ارتكبوه من الحماقات والجهالات فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ وضرب المثل (١) تشبيه حال بحال، وقصةٍ بقصةٍ؛ أي: ذكر سبحانه وأورد شيئًا يستدل به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه، وبين ما جعلوه شريكًا له من الأصنام، وليس المراد حكاية ضرب الماضي، بل المراد إنشاؤه بما ذكر عقيبه؛ أي: ذكر لكم شيئًا تميزون به بين الخالق والمخلوق الذي أشركتموه به من الأصنام، ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ بدل من مثلًا، وتفسيرٌ له، والمثل في الحقيقة حالة العبد العارضة له من المملوكية والعجز التام، وبحسبها جعل نفسه مثلًا، ووصفه بالمملوكية ليخرج عنه الحُرُّ لاشتراكهما في كونهما عبدًا لله تعالى ﴿لَا يَقْدِرُ﴾ ذلك العبد ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ من التصرفات، وصفه بعدم القدرة ليميزه عن المكاتب والمأذون له، اللذين لهما التصرف في الجملة ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ ﴿مَنْ﴾ نكرةٌ موصوفةٌ أو موصولة معطوفة على ﴿عَبْدًا﴾، كأنه قيل وحرًّا رزقناه بطريق الملك ليطابق عبدًا ﴿مِنَّا﴾؛ أي: من جانبنا الكبير المتعال وجهتنا ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ أي: حلالًا طيبًا، أو مستحسنًا عند الناس مرضيًّا، لكونه رزقًا كثيرًا مشتملًا على أشياء مستحسنة نفيسة، تروق الناظرين إليها، والفاء في قوله: ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ﴾ لترتيب (٢) الإنفاق على الرزق؛ أي: فذلك الحر ينفق منه؛ أي: من ذلك الرزق الحسن ﴿سِرًّا وَجَهْرًا﴾؛ أي: في حال السر وفي حال الجهر، والمراد بيان عموم الإنفاق للأوقات، وتقديم السر على الجهر مشعر بفضيلته عليه، وأن الثواب فيه أكثر، والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ للإنكار، وجمع (٣) الضمير للإيذان بأن المراد مما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين، لا فردان متعينان منهما؛
стр. 6723
أي: هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات، مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله تعالى من جملة البشر، ومن المعلوم أنهم لا يستوون عندهم، فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه.
وحاصل المعنى (١): أنه كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدر من أمره على شيء، ورجل حر قد رزقه الله تعالى رزقًا حسنًا، فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق والجمادات من الأصنام التي تعبدونها، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وقيل: المراد بالعبد المملوك في الآية هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن، والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف، وقيل: العبد هو الصنم، والثاني عابد الصنم، والمراد: أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف؛ لأن الأول جماد، والثاني إنسان.
والخلاصة: أي إنَّ مثلكم (٢) في إشراككم بالله الأوثان، مثل من سوى بين عبدٍ مملوك عاجز عن التصرف وحرٍ مالك مالًا ينفق منه كيف يشاء، ويتصرف فيه كما يريد، والفطرة السليمة تشهد بأنهما ليسا مستوين في التبجيل والاحترام، مع استوائهما في الخلق والصورة، فكذلك لا ينبغي لعاقل أن يسوي بين الإله القادر على الرزق والإفضال والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء ألبتة.
ثم ذكر ما هو كالنتيجة لما سلف فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اعتراض (٣)؛ أي: كل الحمد لله وحده؛ لأنه معطي جميع النعم، لا يستحقه أحد غيره، فضلًا عن استحقاق العبادة، فكيف تستحق الأصنام منه شيئًا، ولا نعمة منها أصلًا لا بالأصالة ولا بالتوسط، وقيل: أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد، وقيل: أراد قُلْ الحمد لله، والخطاب لمحمد ﷺ ، أو
стр. 6724
لمن رزقه رزقًا حسنًا، وقيل: أراد الحمد لله على إقامة هذه الحجة، ذكره "الشوكاني" ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن كل الحمد لله وحده، فيسندون نعمه تعالى إلى غيره، ويعبدونه لأجلها، وبعض الكفار يعلمون ذلك، وأما لا يعلمون سبب الحمد عنادًا كقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾.
ونفي العلم (١) عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليها، أو يتركون الحق عنادًا مع علمهم به، فكانوا كمن لا علم له، وخص الأكثر بنفي العلم إما لكونه يريد الخلق جميعًا وأكثرهم المشركون، أو ذكر الأكثر وهو يريد الكل، أو المراد: أكثر المشركين لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم.
والمعنى: أي الحمد الكامل لله خالصًا دون ما تدعون من دونه من الأصنام، فإيَّاه فاحمدوا دونها، ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، فليس للأوثان عندكم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما الحمد لله، ولكن أكثر هؤلاء الكفار الذين يعبدونها لا يعلمون أن الحمد لله وحده، فهم بجهلهم بما يأتون وما يذرون يجعلونها لله شركاء في العبادة والحمد.
٧٦ - ثم ضرب مثلًا أخر يدل على ما يدل عليه المثل الأول على وجه أظهر وأوضح، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على أوضح وجه وأظهره، و ﴿رَجُلَيْنِ﴾ بدل من مثلًا، ولكن على حذف مضاف؛ أي: مثل رجلين؛ أي: بين الله صفة رجلين ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ وهو من ولد أخرس، ولا بد أن يكون أصمَّ ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ من الكلام؛ أي: لا يقدر (٢) على شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره، بحدس أو فراسة لقلة فهمه، وسوء إدركه، وعدم قدرته على النطق ﴿كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾؛ أي: ثقيل على وليه وقرابته، وعيال على من يلي أمره ويعوله، ووبالٌ على إخوانه، وقد يسمى اليتيم كلًّا لثقله
стр. 6725
على من يكفله، وهو بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه، بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلق ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾؛ أي: حيثما يرسله مولاه في أمره وكفاية مهم، وهو بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح مولاه، ولو كانت مصلحة يسيرة ... ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: لا يأتي بنجح وفلاح ومطلوب؛ لأنه أخرس عاجز لا يحسن شيئًا، ولا يفهم ولا يفهم، والآخر ناطق (١) قادر خفيف على مولاه، أينما يوجهه يأت بخير، فحذف هذا الآخر المقابل المتصف بالصفات الأربع السابقة، للدلالة عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ إلخ، والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ للإنكار؛ أي: هل يستوي ويماثل هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ﴾ الناس ﴿بِالْعَدْلِ﴾ والخير؛ أي: هل يستوي هذا الموصوف بالصفات الأربع، ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات ذو رشد وديانة، يأمر الناس بالعدل والخير ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: على دين قويم وسيرة صالحة، فيجب (٢) أن يكون الآمر بالعدل عالمًا قادرًا مستقيمًا في نفسه، حتى يتمكن من الأمر بالعدل، وهذا مثلٌ ثان ضربه الله لنفسه، ولما يفيض على عباده من إنعامه، ويشملهم به من آثار رحمته وألطافه، وللأصنام التي هي أموات جماد لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تنطق ولا تعقل، وهي كل على عابديها؛ لأنها تحتاج إلى كلفة الحمل والنقل والخدمة، وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، والمؤمن هو الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، والكافر هو الأبكم الثقيل الذي لا يأمر بخير، فعلى هذا القول تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر، وقيل: هي على الخصوص، فالذي يأمر بالعدل هو النبي ﷺ وهو على صراط مستقيم، والذي يأمر بالظلم وهو أبكم أبو جهل.
والمعنى: أي (٣) ضرب الله سبحانه مثلًا لنفسه والآلهة التي يعبدونها من دونه، مثل رجلين أحدهما أخرس أصم لا يفهم ولا يفهم، فلا يقدر على شيء