← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

الآيات، مما أنعم الله به على عباده، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ معطوف على صلة ﴿مَا﴾؛ أي: ويعبدون من دون الله ما لا يستطيعون، أي: أصنامًا لا تستطيع ولا تقدر أن تتملك شيئًا من أرزاق السموات والأرض لنفسها، فضلًا عن الإعطاء لهم؛ لأنها جماد، وفائدة (١) قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أن من لا يملك شيئًا قد يكون في استطاعته أن يتملكه بوجه من الوجوه، فبين بذلك أن هذه الأصنام لا تملك، وليس في استطاعتها تحصيل الملك. و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ﴾ عبارة (٢) عن الأصنام، فهي مفردة لفظًا جمع معنىً، فقوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ فيه مراعاة لفظها، وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فيه مراعاة معناها، وهو معطوف على ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ فهو من الصلة، وجمع جمع العقلاء في قوله: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ بناء على زعمهم الباطل، وقيل يجوز أن يكون الضمير في ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ للكفار؛ أي: لا يستطيع هؤلاء الكفار مع كونهم أحياءً متصرفين فكيف بالجمادات التي لا حياة لها ولا تستطيع التصرف. وقوله: ﴿رِزْقًا﴾ مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾، وهو اسم مصدر بمعنى الإعطاء، و ﴿شَيْئًا﴾ مفعوله؛ أي: ما لا يملك ولا يقدر رزقًا وإعطاءً لهم شيئًا من أرزاق السموات والأرض، ٧٤ - وبعد أن بين ضعفها وعجزها رتب على ذلك ما هو النتيجة له فقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: فلا (٣) تجعلوا أيها المشركون لله الأمثال والأشباه، ولا تشبهوه بخلقه، فإنه لا مثيل له ولا شبيه، أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الآية: أي لا تجعلوا معي إلهًا غيري فإنه لا إله غيري، ثم هددهم على عظيم جرمهم، وكبير ما اجترحوا من الكفر والمعاصي فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَعْلَمُ﴾ كنه ما تفعلون من الإجرام وعظيم الآثام، وهو معاقبكم عليه أشد العقاب ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ حقيقته ولا مقدار عقابه، ومن ثم صدر ذلك منكم، وتجاسرتم عليه، ونسبتم إلى الأصنام ما لا يصدر منها، ولا هي منه في قليل ولا كثير، وقال الزجاج (٤): لا تجعلوا لله

стр. 6722

مثلًا لأنه واحدٌ لا مثل له، وكانوا يقولون: إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا، فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك، فنهوا عن ذلك. ٧٥ - وبعد أن نهاهم سبحانه عن الإشراك أعقبه بمثل يكشف عن فساد ما ارتكبوه من الحماقات والجهالات فقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ وضرب المثل (١) تشبيه حال بحال، وقصةٍ بقصةٍ؛ أي: ذكر سبحانه وأورد شيئًا يستدل به على تباين الحال بين جناب الخالق سبحانه، وبين ما جعلوه شريكًا له من الأصنام، وليس المراد حكاية ضرب الماضي، بل المراد إنشاؤه بما ذكر عقيبه؛ أي: ذكر لكم شيئًا تميزون به بين الخالق والمخلوق الذي أشركتموه به من الأصنام، ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ بدل من مثلًا، وتفسيرٌ له، والمثل في الحقيقة حالة العبد العارضة له من المملوكية والعجز التام، وبحسبها جعل نفسه مثلًا، ووصفه بالمملوكية ليخرج عنه الحُرُّ لاشتراكهما في كونهما عبدًا لله تعالى ﴿لَا يَقْدِرُ﴾ ذلك العبد ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ من التصرفات، وصفه بعدم القدرة ليميزه عن المكاتب والمأذون له، اللذين لهما التصرف في الجملة ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ ﴿مَنْ﴾ نكرةٌ موصوفةٌ أو موصولة معطوفة على ﴿عَبْدًا﴾، كأنه قيل وحرًّا رزقناه بطريق الملك ليطابق عبدًا ﴿مِنَّا﴾؛ أي: من جانبنا الكبير المتعال وجهتنا ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ أي: حلالًا طيبًا، أو مستحسنًا عند الناس مرضيًّا، لكونه رزقًا كثيرًا مشتملًا على أشياء مستحسنة نفيسة، تروق الناظرين إليها، والفاء في قوله: ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ﴾ لترتيب (٢) الإنفاق على الرزق؛ أي: فذلك الحر ينفق منه؛ أي: من ذلك الرزق الحسن ﴿سِرًّا وَجَهْرًا﴾؛ أي: في حال السر وفي حال الجهر، والمراد بيان عموم الإنفاق للأوقات، وتقديم السر على الجهر مشعر بفضيلته عليه، وأن الثواب فيه أكثر، والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ للإنكار، وجمع (٣) الضمير للإيذان بأن المراد مما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين، لا فردان متعينان منهما؛

стр. 6723

أي: هل يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بتلك الصفات، مع كون كلا الفريقين مخلوقين لله تعالى من جملة البشر، ومن المعلوم أنهم لا يستوون عندهم، فكيف يجعلون لله سبحانه شركاء لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ويجعلونهم مستحقين للعبادة مع الله سبحانه. وحاصل المعنى (١): أنه كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدر من أمره على شيء، ورجل حر قد رزقه الله تعالى رزقًا حسنًا، فهو ينفق منه، كذلك لا يستوي الرب الخالق الرازق والجمادات من الأصنام التي تعبدونها، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وقيل: المراد بالعبد المملوك في الآية هو الكافر المحروم من طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن، والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف، وقيل: العبد هو الصنم، والثاني عابد الصنم، والمراد: أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف؛ لأن الأول جماد، والثاني إنسان. والخلاصة: أي إنَّ مثلكم (٢) في إشراككم بالله الأوثان، مثل من سوى بين عبدٍ مملوك عاجز عن التصرف وحرٍ مالك مالًا ينفق منه كيف يشاء، ويتصرف فيه كما يريد، والفطرة السليمة تشهد بأنهما ليسا مستوين في التبجيل والاحترام، مع استوائهما في الخلق والصورة، فكذلك لا ينبغي لعاقل أن يسوي بين الإله القادر على الرزق والإفضال والأصنام التي لا تملك ولا تقدر على شيء ألبتة. ثم ذكر ما هو كالنتيجة لما سلف فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ اعتراض (٣)؛ أي: كل الحمد لله وحده؛ لأنه معطي جميع النعم، لا يستحقه أحد غيره، فضلًا عن استحقاق العبادة، فكيف تستحق الأصنام منه شيئًا، ولا نعمة منها أصلًا لا بالأصالة ولا بالتوسط، وقيل: أراد الحمد لله على ما أنعم به على أوليائه من نعمة التوحيد، وقيل: أراد قُلْ الحمد لله، والخطاب لمحمد ﷺ ، أو

стр. 6724

لمن رزقه رزقًا حسنًا، وقيل: أراد الحمد لله على إقامة هذه الحجة، ذكره "الشوكاني" ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن كل الحمد لله وحده، فيسندون نعمه تعالى إلى غيره، ويعبدونه لأجلها، وبعض الكفار يعلمون ذلك، وأما لا يعلمون سبب الحمد عنادًا كقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾. ونفي العلم (١) عنهم إما لكونهم من الجهل بمنزلة لا يفهمون بسببها ما يجب عليها، أو يتركون الحق عنادًا مع علمهم به، فكانوا كمن لا علم له، وخص الأكثر بنفي العلم إما لكونه يريد الخلق جميعًا وأكثرهم المشركون، أو ذكر الأكثر وهو يريد الكل، أو المراد: أكثر المشركين لأن فيهم من يعلم ولا يعمل بموجب العلم. والمعنى: أي الحمد الكامل لله خالصًا دون ما تدعون من دونه من الأصنام، فإيَّاه فاحمدوا دونها، ما الأمر كما تفعلون، ولا القول كما تقولون، فليس للأوثان عندكم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما الحمد لله، ولكن أكثر هؤلاء الكفار الذين يعبدونها لا يعلمون أن الحمد لله وحده، فهم بجهلهم بما يأتون وما يذرون يجعلونها لله شركاء في العبادة والحمد. ٧٦ - ثم ضرب مثلًا أخر يدل على ما يدل عليه المثل الأول على وجه أظهر وأوضح، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ آخر يدل على ما يدل عليه المثل السابق على أوضح وجه وأظهره، و ﴿رَجُلَيْنِ﴾ بدل من مثلًا، ولكن على حذف مضاف؛ أي: مثل رجلين؛ أي: بين الله صفة رجلين ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ وهو من ولد أخرس، ولا بد أن يكون أصمَّ ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ من الكلام؛ أي: لا يقدر (٢) على شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره، بحدس أو فراسة لقلة فهمه، وسوء إدركه، وعدم قدرته على النطق ﴿كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾؛ أي: ثقيل على وليه وقرابته، وعيال على من يلي أمره ويعوله، ووبالٌ على إخوانه، وقد يسمى اليتيم كلًّا لثقله

стр. 6725

على من يكفله، وهو بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه، بعد ذكر عدم قدرته على شيء مطلق ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾؛ أي: حيثما يرسله مولاه في أمره وكفاية مهم، وهو بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح مولاه، ولو كانت مصلحة يسيرة ... ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: لا يأتي بنجح وفلاح ومطلوب؛ لأنه أخرس عاجز لا يحسن شيئًا، ولا يفهم ولا يفهم، والآخر ناطق (١) قادر خفيف على مولاه، أينما يوجهه يأت بخير، فحذف هذا الآخر المقابل المتصف بالصفات الأربع السابقة، للدلالة عليه بقوله: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ إلخ، والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾ للإنكار؛ أي: هل يستوي ويماثل هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ﴾ الناس ﴿بِالْعَدْلِ﴾ والخير؛ أي: هل يستوي هذا الموصوف بالصفات الأربع، ومن هو سليم الحواس نفاع ذو كفايات ذو رشد وديانة، يأمر الناس بالعدل والخير ﴿وَهُوَ﴾ في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: على دين قويم وسيرة صالحة، فيجب (٢) أن يكون الآمر بالعدل عالمًا قادرًا مستقيمًا في نفسه، حتى يتمكن من الأمر بالعدل، وهذا مثلٌ ثان ضربه الله لنفسه، ولما يفيض على عباده من إنعامه، ويشملهم به من آثار رحمته وألطافه، وللأصنام التي هي أموات جماد لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تنطق ولا تعقل، وهي كل على عابديها؛ لأنها تحتاج إلى كلفة الحمل والنقل والخدمة، وقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، والمؤمن هو الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، والكافر هو الأبكم الثقيل الذي لا يأمر بخير، فعلى هذا القول تكون الآية على العموم في كل مؤمن وكافر، وقيل: هي على الخصوص، فالذي يأمر بالعدل هو النبي ﷺ وهو على صراط مستقيم، والذي يأمر بالظلم وهو أبكم أبو جهل. والمعنى: أي (٣) ضرب الله سبحانه مثلًا لنفسه والآلهة التي يعبدونها من دونه، مثل رجلين أحدهما أخرس أصم لا يفهم ولا يفهم، فلا يقدر على شيء

стр. 6726

مما يتعلق بنفسه أو بغيره، وهو عيال على من يعوله ويلي أمره، حيثما يرسله مولاه في أمر لا يأت بنجح ولا كفاية مهم، وثانيهما رجل سليم الحواس عاقل ينفع نفسه وينفع غيره، ويأمر الناس بالعدل، وهو على سيرة صالحة ودين قويم، هل يستويان، كذلك الصنم لا يسمع شيئًا ولا ينطق؛ لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع، لا يقدر على نفع من خدمه، ولا دفع ضُرٍّ عنه، وهو كلٌّ على من يعبده، يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه، وهو لا يعقل ما يقال له، فيأتمر بالأمر، ولا ينطق فيأمر وينهى، هل يستوي هو ومن يأمر بالحق ويدعو إليه، وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته، وهو مع أمره بالعدل على طريق مستقيم لا يعوج عن الحق ولا يزول عنه. وقرأ عبد الله وعلقمة وابن وثاب ومجاهد وطلحة (١): ﴿يُوَجِّهْ﴾ بهاء واحدة ساكنة مبنيًّا للمفعول، ونائب فاعله ضمير يعود على الأبكم، وعن عبد الله أيضًا: ﴿يُوَجِّهْهُ﴾ بهائين بتاء الخطاب، والجمهور: بالياء والهائين، وعن علقمة وطلحة: ﴿يُوَجِّهْهُ﴾ بكسر الجيم وهاءٍ واحدة مضمومة، قال صاحب "اللوامح": فإن صح ذلك فإن الهاء التي هي لام الفعل محذوفة فرارًا من التضعيف، لأن اللفظ به صعب مع التضعيف. ٧٧ - ولما فرغ من ذكر المثلين .. مدح نفسه بقوله: ﴿وَلِلَّهِ﴾ خاصة لا لأحد غيره استقلالًا ولا إشراكًا، وكان كفار قريش يستعجلون وقوع القيامة استهزاءً، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ أي: ولله سبحانه لا لغيره ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: علم ما غاب عن العباد فيهما، قال في "الإرشاد": فيه إشعار بأن علمه سبحانه حضوري، فإن تحقق الغيوب في أنفسها علم بالنسبة إليه تعالى، ولذلك لم يقل: علم غيب السموات والأرض. وقد أخبر (٢) في هذه الآية عن كمال علمه، وأنه عالم بجميع الغيوب، فلا تخفى عليه خافية، ولا يخفى عليه شيء منها، وقيل: الغيب

стр. 6727

هنا علم قيام الساعة، ووجه (١) ارتباط هذه الآية بما قبلها: أنه تعالى مثل بالذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، ومعلوم أن أحدًا لا يكون كذلك إلا إذا كان كاملًا في العلم والقدرة، فبين بقوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كونه كاملًا في العلم، وبين كمال قدرته بقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾؛ أي: وما أمر قيام الساعة وشأنه في سرعته وسهولته، والساعة؛ أي: القيامة هي (٢) إماتة الأحياء، فيكون بالنفخة الأولى، وإحياء الأموات من الأولين والآخرين، وتبديل صور الأكوان أجمعين يكون بالنفخة الثانية، وقيل: الساعة (٣) هي الوقت الذي يقوم الناس فيه لموقف الحساب، سمي بها لأنها ساعة خفيفة يحدث فيها أمر عظيم؛ أي: وما شأن قيام القيامة التي هي من الغيوب في سرعة المجيء ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾؛ أي: إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾؛ أي: بل أرض قيام الساعة أقرب من طرف العين في السرعة، بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة، بل في الآن الذي تبتدأ فيه الحركة، يعني أن لمح البصر يحتاج إلى زمان وحركة، والله إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، في أسرع من لمح البصر، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أراده ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، فهو يقدر على أن يقيم الساعة ويبعث الخلق، لأنه بعض المقدورات. وحاصل معنى الآية: أي ولله سبحانه علم ما غاب عن أبصاركم في السموات والأرض، مما لا اطلاع لأحد عليه إلا أن يطلعه الله، والمراد به جميع الأمور الغائبة عن علوم المخلوقين، التي لا سبيل إلى إدركها حسًّا ولا إلى فهمها عقلًا ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾؛ أي: وما شأنها في سرعة المجيء إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، أو هو أقرب من هذا وأسرع، لأنه إنما يكون بقول كن، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾؛ أي: فيكون ما يريد كطرف العين.

стр. 6728

والخلاصة: أن قيام الساعة ومجيء القيامة، التي ينتشر فيها الخلق للوقوف في موقف الحساب كنظرة من البصر وطرفة من العين في السرعة، وخصَّ قيام الساعة من بين الغيوب لأنه قد كثرت فيه المماراة في جميع الأزمنة والعصور، ولدى كثير من الأمم، فأنكره كثير من البشر، وجعلوه مما لا يدخل في باب الممكنات، ثم ذكر ما هو كالبرهان على إمكان حدوثها وسرعة وقوعها فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: إن الله قادر على ما يشاء، لا يمتنع عليه شيءٌ أراده، فهو قادر على إقامتها في أقرب من لمح البصر، ٧٨ - ثم ذكر سبحانه مننه على عباده بإخراجه إيَّاهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، ثم رزقهم السمع والأبصار والأفئدة فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ وحده ﴿أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ حالة كونكم ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: حالة (١) كونكم غير عالمين شيئًا أصلًا من أمور الدنيا والآخرة، ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح، ولا مما كانت ذراتكم تعلم من فهم خطاب ربكم إذ قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، ولا مما علمت إذ قالت بالجواب بلى، ولا مما تعلم الحيوانات حين ولادتها من طلب غذائها، ومعرفة أمها، والرجوع إليه، والاهتداء إلى ضروعها، وطريق تحصيل اللبن منها، ومشيها خلفها، وغير ذلك مما تعلم الحيوانات، وتهتدي إليه، ولا يعلم الطفل منه شيئًا ولا يهتدي إليه، وهنا تم الكلام (٢)، لأن الإنسان خلق في أول الفطرة ومبدئها خاليًا عن العلم والمعرفة، لا يهتدي سبيلًا، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَجَعَلَ﴾ ﴿لَكُمُ﴾ أيها الناس ﴿السَّمْعَ﴾ يعني أن الله إنما أعطاكم هذه الحواس لتنتقلوا بها من الجهل إلى العلم، فجعل لكم السمع لتسمعوا به نصوص الكتاب والسنة، وهي الدلائل السمعية لتستدلوا بها على ما يصلحكم في أمر دينكم، وقدم السمع على البصر لما أنه طريق تلقي الوحي، ولذا ابتلي بعض الأنبياء بالعمى دون الصمم، كشعيب ﵇، أو لأن إدراكه أقدم من إدراك البصر، ألا ترى أن الوليد يتأخر انفتاح عينيه عن السمع، وإفراده باعتبار كونه مصدرًا في الأصل، ﴿و﴾ جعل لكم

стр. 6729

﴿الْأَبْصَارَ﴾ لتبصروا بها عجائب مصنوعاته وغرائب مخلوقاته، فتستدلوا بها على وحدانيته، جمع بصر، وهي محركة حسِّ العين، ﴿و﴾ جعل لكم ﴿الْأَفْئِدَةَ﴾ لتعملوا بها، وتفهموا معاني الأشياء التي جعلها دلائل وحدانيته تعالى، جمع فؤاد، وهو (١) وسط القلب، وهو من القلب كالقلب من الصدر، وهو من جموع القلة التي جرت مجرى جموع الكثرة. قال في "بحر العلوم": استعملت في هذه الآيات وفي سائر آيات وردت فيها في الكثرة؛ لأن الخطاب في جعل لكم، وأنشأ لكم عام، والمعنى: جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة، بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء، وتدركوها بأفئدتكم، فتتنبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساس، فيحصل لكم علومٌ بديهية، تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل الكسبية. واعلم: أن قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾ عطف على ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾، وليس فيه دلالة على تأخر الجعل المذكور عن الإخراج، لما أن مدلول الواو وهو الجمع مطلقًا لا الترتيب، على أن أثر ذلك الجعل لا يظهر قبل الإخراج كما في "الإرشاد"، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي تشكروا الله تعالى على نعمة هذه الآلات، وشكرها استعمالها فيما خلقت لأجله، من استماع كلام الله تعالى، وأحاديث رسوله ﷺ ، وحكم أوليائه، وما ليس فيه ارتكاب منهي، ومن النظر إلى آيات الله سبحانه، والاستدلال بها على وجوده ووحدته وعلمه وقدرته، فمن استعملها في غير ما خلقت لأجله .. فقد كفر جلائل نعم الله تعالى، وخان في أماناته. وقرأ حمزة (٢): ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ بكسر الهمزة والميم هنا، وفي النور والزمر والنجم، والكسائي: بكسر الهمزة فيهن، والأعمش: بحذف الهمزة وكسر الميم، وابن أبي ليلى: بحذفها وفتح الميم، قال أبو حاتم: حذف الهمزة رديء، ولكن قراءة ابن أبي ليلى أصوب. انتهى، وإنما كانت أصوب لأن كسر الميم إنما هو لاتباعها حركة الهمزة، فإذا كانت الهمزة محذوفة .. زال الاتباع بخلاف قراءة

стр. 6730

ابن أبي ليلى، فإنه أقرَّ الميم على حركتها. ومعنى الآية: أي والله (١) جعلكم تعلمون ما لا تعلمون، بعد أن أخرجكم من بطون أمهاتكم، فرزقكم عقولًا تفقهون بها، وتميزون الخير من الشر، والهدى من الضلال، والخطأ من الصواب، وجعل لكم السمع الذي تسمعون به الأصوات، فيفقه بعضكم عن بعض ما تتحاورون به فيما بينكم، والأبصار التي تبصرون بها الأشخاص، فتتعارفون وتميزون بعضها من بعض، والأشياء التي تحتاجون إليها في هذه الحياة، فتعرفون السبل وتسلكونها للسعي على الأرزاق والسِّلع، لتختاروا الجيد، وتتركوا الردي، وهكذا جميع مرافق الحياة ووجوهها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: إرادة أن تشكروه باستعمال نعمه فيما خلقت لأجله، وتتمكنوا بها من عبادته تعالى، وتستعينوا بكل جارحة وعضو على طاعته. ٧٩ - ثم ذكر سبحانه دليلًا آخر على كمال قدرته فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ والاستفهام فيه تقرير (٢) لمن ينظر إليهن، وتعجيب من شأنهن، والطير جمع طائر؛ أي: ألم ينظر هؤلاء المشركون من قومك بأبصارهم إلى الطير ليستدلوا بها على قدرة الله تعالى حالة كونها ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾؛ أي: مذللات للطيران بما خلق الله لهن من الأجنحة والأسباب المساعدة لهن، كرقة (٣) قوام الهواء، وإلهامها بسط الجناح وقبضه، كما يفعل السابح في الماء ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾؛ أي: مذلَّلات للطيران في الهواء، بين السماء والأرض، وإضافته إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر، والجو الفضاء الواسع بين السماء والأرض، وهو الهواء، قال كعب الأحبار: إن (٤) الطير ترتفع في الجو مسافة اثني عشر ميلًا، ولا ترفع فوق ذلك ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجو عن السقوط ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ بقدرته الباهرة، فإن ثقل أجسادها مع رقة الهواء يقتضي سقوطها، إذ لا علاقة من فوقها، ولا دعامة من تحتها تمسكها، ولو سلبها ما أعطاها من قوة الطيران .. لم تقدر على النهوض

стр. 6731

ارتفاعًا، وقد كان العلماء قديمًا يعلمون تخلخل الهواء في الطبقات العالية في الجوّ، وهي نظرية لم تدرس في العلوم الطبيعية إلا حديثًا. وقرأ ابن عامر وحمزة وطلحة والأعمش وابن هرمز (١): ﴿ألم تروا﴾ بتاء الخطاب، وباقي السبعة: بالياء، قال ابن عطية: واختلف عن الحسن وعيسى الثقفي وعاصم وأبي عمرو. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التسخير على تلك الصفة ﴿لَآيَاتٍ﴾ ظاهرات تدل على وحدانية الله سبحانه وقدرته الباهرة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله سبحانه، وبما جاءت به رسله من الشرائع، التي شرعها الله تعالى على ألسنتهم - عليهم الصلاة والسلام - أو لقوم يصدقون أنَّ إمساكهن من الله تعالى، فإنه تعالى أعطى الطير جناحًا يبسطه مرة ويكسره مرةً أخرى وأذنابًا خفيفة، وخلق الهواء خلقة رقيقة، يسهل الطيران بسبب خرقه، ولولا ذلك لما أمكن الطيران. والمعنى: أن في (٢) ذلك التسخير في الجو والإمساك فيه لدلالات على أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه لا حظَّ للأوثان والأصنام في الألوهية لمن يؤمن باللهِ، ويقر بوجدان ما تعاينه أبصارهم، وتحسه حواسهم، وخصص هذه الآيات بالمؤمنين لأنهم هم المنتفعون بها، وإن كانت هي آيات لجميع العقلاء. الإعراب ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿أَنْزَلَ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿مَاءً﴾: مفعول به لـ ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿فأحيا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿أحيا﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلَ﴾، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ

стр. 6732

﴿أَحْيَا﴾ ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به لـ ﴿أحيا﴾ ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أحيا﴾، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداءٍ، ﴿لِقَوْمٍ﴾ صفة لـ ﴿لَآيَةً﴾، وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾ صفة لـ ﴿لِقَوْمٍ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور، خبرها مقدم على اسمها، ﴿فِي الْأَنْعَامِ﴾: متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿لَعِبْرَةً﴾: اسمها مؤخر و ﴿اللام﴾ فيه حرف ابتداء وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، ﴿نُسْقِيكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب، لأنها تفسيرٌ لـ ﴿لَعِبْرَةً﴾، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل: نسقيكم .. إلخ، ويجوز (١) أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والجملة جواب لذلك السؤال؛ أي: هي؛ أي: العبوة نسقيكم، ويكون كقوله: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور حال من ﴿لَبَنًا﴾ الآتي، ﴿فِي بُطُونِهِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، ﴿وَدَمٍ﴾: معطوف على ﴿فَرْثٍ﴾، ﴿لَبَنًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾، ﴿خَالِصًا﴾: صفة أولى لـ ﴿لَبَنًا﴾، ﴿سَائِغًا﴾: صفة ثانية له، ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾: متعلق بـ ﴿سَائِغًا﴾. ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. ﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿مِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف دل عليه السياق، تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل ونطعمكم منها، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾.

стр. 6733

﴿وَالْأَعْنَابِ﴾: معطوف على ﴿النَّخِيلِ﴾، ﴿تَتَّخِذُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا مسوقة لبيان كيفية الإسقاء والإطعام ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، وهو في محل المفعول الثاني، ﴿سَكَرًا﴾: مفعول ﴿تَتَّخِذُونَ﴾، ﴿وَرِزْقًا﴾: معطوف على ﴿سَكَرًا﴾، ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿وَرِزْقًا﴾، ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، وجمله ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿لِقَوْمٍ﴾ صفة ﴿آية﴾، وجملة ﴿يَعْقِلُونَ﴾ صفة ﴿قوم﴾. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾. ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَى النَّحْلِ﴾: متعلق به، ﴿أَنِ﴾: حرف مصدر أو تفسير، ﴿اتَّخِذِي﴾: فعل وفاعل، في محل النصب بـ ﴿أَنِ﴾ المصدرية، مبني على حذف النون، ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني، ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول لـ ﴿اتَّخِذِي﴾، وجملة ﴿اتَّخِذِي﴾ مع ﴿أَنِ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأوحى ربك إلى النحل باتخاذها من الجبال بيوتًا، أو جملة مفسرة للإيحاء لا محل لها من الإعراب، ﴿وَمِنَ الشَّجَرِ﴾: معطوف على قوله: ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾، وكذا قوله: ﴿وَمِمَّا﴾: معطوف عليه، ﴿يَعْرِشُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ومما يعرشونه. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿كُلِي﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿اتَّخِذِي ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: متعلق به، ﴿فَاسْلُكِي﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿كُلِي﴾. ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿اسلكي﴾، ﴿ذُلُلًا﴾: حال من السبل، أو من الضمير في ﴿اسْلُكِي﴾؛ أي: حالة كون النحل منقادة لأربابها. ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ﴿يَخْرُجُ﴾: فعل مضارع، ﴿مِنْ بُطُونِهَا﴾: متعلق به، ﴿شَرَابٌ﴾ فاعل، ﴿مُخْتَلِفٌ﴾ صفة أولى لـ ﴿شَرَابٌ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، أو حال

стр. 6734

من فاعل ﴿اسلكي﴾ ولكن فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، ﴿أَلْوَانُهُ﴾ فاعل ﴿مُخْتَلِفٌ﴾. ﴿فِيهِ﴾: خبر مقدم، ﴿شِفَاءٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به، أو صفة له، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿شَرَابٌ﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿لِقَوْمٍ﴾، صفة ﴿آية﴾، وجملة ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ صفة ﴿قوم﴾. ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾، ﴿وَمِنْكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة محذوف، تقديرها: فمنكم من يبقى على قوة جسده وعقله حتى يموت ومنكم من يُرَد ﴿يُرَدُّ﴾ مضارع مغير الصيغة ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾، ﴿لِكَيْ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿كي﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَعْلَمَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿كي﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿بَعْدَ عِلْمٍ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَعْلَمَ﴾، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به لـ ﴿يَعْلَمَ﴾ أو للمصدر على سبيل التنازع، والجملة الفعلية مع ﴿كي﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لعدم علمه شيئًا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر ثان لـ ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: متعلق بـ ﴿فَضَّلَ﴾، وكذا يتعلق به قوله: ﴿فِي الرِّزْقِ﴾،

стр. 6735

والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿ما﴾: حجازية، ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع اسمها، وجملة ﴿فُضِّلُوا﴾ صلة الموصول، ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ﴾: خبرها ومضاف إليه، و ﴿الباء﴾ زائدة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾، ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بِرَادِّي﴾. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: على ما ملكته أيمانهم، ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ مبتدأ وخبر، و ﴿الفاء﴾ عاطفة، و ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿سَوَاءٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المنفية في قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾، ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿بنعمة الله﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَجْحَدُونَ﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والتقدير: أيشركون به فيجحدون نعمته، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿جَعَلَ﴾ في محل الرفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿لَكُم﴾: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: حال من ﴿أَزْوَاجًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جعل﴾. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض، معطوف على ﴿وَجَعَلَ﴾ الأول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿لَكُم﴾: في محل المفعول الثاني له، ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾: حال من ﴿بَنِينَ﴾، ﴿بَنِينَ﴾: مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ ﴿وَحَفَدَةً﴾: معطوف عليه، ﴿وَرَزَقَكُمْ﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿جَعَلَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾ ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: متعلق به، وهو في محل المفعول الثاني، ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿بالباطل﴾: جار ومجرور متعلق بما بعده، ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل

стр. 6736

فاعل، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيكفرون بالله الذي شأنه هذا فيؤمنون بالباطل، ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾ خبره، والتقدير: وهم يكفرون بنعمة الله تعالى، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾. ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من فاعل ﴿يعبدون﴾؛ أي: حالة كونهم متجاوزين الله، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَعْبُدُونَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْلِكُ﴾، ﴿رِزْقًا﴾: مفعول ﴿يَمْلِكُ﴾، وجملة ﴿يَمْلِكُ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿رِزْقًا﴾ لأنه اسم مصدر بمعنى إعطاءً، ﴿شَيْئًا﴾: مفعول ﴿رِزْقًا﴾ لأنه مصدر يعمل عمل الفعل، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم إنعام الله عليكم بهذه النعم المذكورة، وعجز الأصنام عنها، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم لا تضربوا لله الأمثال، ﴿لَا تَضْرِبُوا﴾: فعل وفاعل وجازم، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به، ﴿الْأَمْثَالَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.

стр. 6737

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿عَبْدًا﴾: بدل من ﴿مَثَلًا﴾ بدل كل من كل، ﴿مَمْلُوكًا﴾: صفة أولى لـ ﴿عَبْدًا﴾، وجملة ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ صفة ثانية لـ ﴿عَبْدًا﴾، ﴿وَمَن﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة في محل النصب معطوف على ﴿عَبْدًا﴾، ﴿رَزَقْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة صلة لـ ﴿من﴾ الموصولة، أو صفة لها إن كانت موصوفة، ﴿مِنَّا﴾: حال من ﴿رِزْقًا﴾، ﴿رِزْقًا﴾: مفعول ثان، ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿رِزْقًا﴾، ﴿فَهُوَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هو﴾: مبتدأ، ﴿يُنْفِقُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿يُنْفِقُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، ﴿سرا وجهرا﴾: إما منصوبان على المصدرية؛ أي: إنفاق سر وجهر، أو حالان من فاعل ﴿يُنْفِقُ﴾، ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري ﴿يَسْتَوُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب للإضراب الانتقالي ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ والجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَضَرَبَ﴾ الأول، ﴿رَجُلَيْنِ﴾: بدل من ﴿مَثَلًا﴾، ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب صفة ﴿رَجُلَيْنِ﴾، ﴿لَا يَقْدِرُ﴾: فعل مضارع ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَبْكَمُ﴾ والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿أَبْكَمُ﴾، ﴿وَهُوَ كَلٌّ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿عَلَى مَوْلَاهُ﴾: متعلق بـ ﴿كَلٌّ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَقْدِرُ﴾ ﴿أَيْنَمَا﴾: اسم شرط جازم يجزم فعلين في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الفتح، والظرف متعلق بفعل الشرط، ﴿يُوَجِّهْهُ﴾: فعل مضارع ومفعول به، مجزوم بـ ﴿أَيْنَمَا﴾ على كونه جواب شرطٍ لها؛ وفاعله ضمير يعود على الأبكم.

стр. 6738

﴿لَا يَأْتِ﴾ مضارع مجزوم وهو جواب الشرط و ﴿لَا﴾ نافية ﴿بِخَيْرٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِ﴾، وجملة الشرط مع جوابه في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿أَبْكَمُ﴾، ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الإنكاري، ﴿يَسْتَوِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَبْكَمُ﴾، ﴿هُوَ﴾: تأكيد للضمير المستتر في ﴿يَسْتَوِي﴾، وجملة ﴿يَسْتَوِي﴾ جملة إنشائية مستأنفة، ﴿وَمَن﴾ عطف على الفاعل المستتر في ﴿يَسْتَوِي﴾ والشرط موجود وهو العطف بالضمير المنفصل وهو لفظ ﴿هو﴾ ﴿يَأْمُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿بِالْعَدْلِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿عَلَى صِرَاطٍ﴾: خبره، ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة ﴿صِرَاطٍ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿يَأْمُرُ﴾. ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿وَمَاَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾: نافية مهملة لانتقاض نفيها بإلا، ﴿أَمْرُ السَّاعَةِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿أَوْ﴾: حرف عطف بمعنى بل الإضرابية، ﴿هُوَ أَقْرَبُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بما بعده ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أخرج﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة عل جملة ﴿أخرج﴾. ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾

стр. 6739

فعل مضارع ومفعول به، والجملة في محل نصب حال من الكاف أي: غير عالمين شيئًا ﴿وَجَعَلَ﴾ عطف على ﴿أَخْرَجَكُمْ﴾ والفاعل تقديره هو. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، وهو في محل المفعول الثاني له، ﴿السَّمْعَ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: معطوفان عليه، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾. ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام التقريري التعجبي، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿يَرَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، ﴿إِلَى الطَّيْرِ﴾: متعلق به، عداه بإلى لتضمينه معنى النظر، والجملة جملة إنشائية مستأنفة، ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾: حال من ﴿الطَّيْرِ﴾، ﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾. ﴿مَا﴾: نافية ﴿يُمْسِكُهُنَّ﴾: فعل ومفعول ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿اللَّهُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال ثانية من ﴿الطَّيْرِ﴾، ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم، ﴿لَآيَاتٍ﴾: اسمها مؤخر، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة ﴿آيات﴾، وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة لـ ﴿لِقَوْمٍ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ والمراد بحياة الأرض إنباتها الزرع والشجر، وإخراجها الثمر ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ قال الفراء والزجاج: النعم والأنعام واحد، يذكر ويؤنث، ولهذا تقول العرب: هذه نعم وارد، ورجحه ابن العربي فقال: إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع، والتأنيث إلى معنى الجماعة، وقد جاء بالوجهين هنا، وفي سورة النور. ويجوز أن يقال في الأنعام وجهان (١):

стр. 6740

أحدهما أن يكون تكسير نعم، كالأجبال في جبل. والثاني: وأن يكون اسمًا مفردًا مقتضيًا لمعنى الجمع، كنعم، فإذا ذكر فكما يذكر نعم في قوله: في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُوْنَهُ ... يُلْقِحُهُ قَوْمٌ وَيُنْتِجُوْنَهُ وإذا أنث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم، وإنه في معنى الجمع، وفي "البيضاوي": الأنعام اسم جمع وقيل جمع نعم اهـ. ﴿لَعِبْرَةً﴾ والعبرة الاعتبار والعظة، وهو مصدر بمعنى العبور، أطلق على ما يعبر به إلى العلم مبالغة في كونه سببًا للعبور اهـ "زاده"، وفي "الشهاب": وأصل (١) معنى العبر والعبور التجاوز من محل إلى آخر، فإطلاق العبرة على ما يعتبر به لما ذكر، لكنه صار حقيقة في عرف اللغة اهـ. ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ قال الزجاج: سقيته وأسقيته بمعنى واحد اهـ. كما مر ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾ والفرث كثيف ما يبقى من المأكول في الكرش اهـ. وإذا خرج من الكرش لا يسمى فرثًا اهـ. "خازن" بل يسمى روثًا، ﴿خَالِصًا﴾؛ أي: مصفى من كل ما يصحبه من مواد أخرى، ﴿سَائِغًا﴾؛ أي: سهل المرور في الحلق، يقال: ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾. ﴿سَكَرًا﴾ والسَّكر بفتحتين فيه أقوال (٢): أحدها: أنه من أسماء الخمر. الثاني: أنه في الأصل مصدر، ثم سمي به الخمر، يقال سكر - من باب طرب وفرح - يسكر سكرًا بفتحتين، وسكرًا بضم فسكون. الثالث: أنه اسمٌ للخلِّ بلغة الحبشة، قاله ابن عباس. الرابع: أنه اسم للعصير ما دام حلوًا، كأنه سمي بذلك لمآله لذلك لو ترك، وفي "القاموس": السكر محركة: الخمر، ونبيذ يتخذ من التمر، وقال بعضهم: السكر الخمر، والرزق الحسن الخل، الرُّب الطلاء الخاشر، والتمر والزبيب ونحو ذلك.

стр. 6741

﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾؛ أي: ألهمها وعلمها وأرشدها، ﴿بُيُوتًا﴾؛ أي: أوكارًا، وأصل البيت مأوى الإنسان، واستعمل هنا في الوكر الذي تبنيه النحل لتعسل فيه، لما فيه من دقة الصنع وجميل الهندسة ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بكسر الراء وضمها من بابي ضرب ونصر، كما في "المختار"، وفي "القاموس": وعرش يعرش بني عريشًا، كأعرش وعرش بالتشديد اهـ. ويعرشون؛ أي: يرفعون من الكروم والسقوف، والسبل الطرق واحدها سبيل، والذلل جمع ذلول؛ أي: منقادة طائعة، والشراب العسل مختلف ألوانه؛ أي: من أبيض إلى أصفر إلى أسود بحسب اختلاف المرعى، ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أردؤه وأخسه، يقال رذل الشيء يرذل رذالةً، وأرذله غيره، قال تعالى حكاية عما قاله قوم شعيب له: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، والحفدة: أولاد الأولاد، على ما روي عن الحسن والأزهري جمع حافد، ككتبةٍ وكاتب، من الحفد وهو الخفة في الخدمة والعمل، يقال منه حفد يحفد من باب ضرب حفدًا وحفودًا وحفدانًا إذا أسرع، كما جاء في القُنوت: "وإليك نسعى ونحفد". ﴿رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ رزق السماء المطر، ورزق الأرض النبات والثمار التي تخرج منها، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: لا تجعلوا له الأنداد والنظراء، فهو كقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، وضرب (١) المثل للشيء ذكر الشبيه له، ليوضح حاله المبهمة، ويزيل ما عرض من الشك في أمره، ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ والبكم محركًا الخرس، وهو إمَّا ناشيءٌ من صمم خلقي، وإما لسبب عارض، ولا علة في أذنيه فهو يسمع لكن لسانه معتقل لا يطيق الكلام، فكل من ولد غير سميع فهو أبكم؛ لأن الكلام بعد السماع، ولا سماع له، وليس كل أبكم يكون أصم صممًا طبيعيًّا، فإن بعض البكم لا يكونون صمًّا، وفي "القاموس" (٢): البكم محركًا الخرس كالبكامة، أو مع عيٍّ وبله، أو أن يولد ولا ينطق ولا يسمع ولا يبصر، وبكم كفرح فهو أبكم وبكيمٌ، والجمع بكم، وبكم ككرم امتنع عن الكلام تعمدا اهـ. والكل الغليظ الثقيل، من قولهم: من كَلَّتِ

стр. 6742

السكين، إذا غلظت شفرتها فلم تقطع، وكل عن الأمر ثقل عليه فلم يستطع عمله. ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾؛ أي: يرسله في وجهٍ معين من الطريق، يقال وجهته إلى موضع كذا فتوجه إليه ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: طريق عادل غير جائرٍ، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ والساعة الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سميت بذلك لأنها تفجأ الإنسان في ساعة ما، فيموت الخلق بصيحة واحدة، ولمح البصر: رجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، وفي "الخازن": لمح البصر انطباق جفن العين وفتحه، والجفن طرف العين اهـ. وفي "البيضاوي": ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾؛ أي: إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها اهـ. وهذا يقتضي أنَّ اللمح معناه إغماض العين، والذي في كتب اللغة أنَّ معناه فتح العين والإبصار بها، ففي "المصباح": لمحت الشيء لمحًا من باب نفع نظرت إليه باختلاس البصر، وألمحته بالألف لغةٌ، ولمحته بالبصر صوبته إليه، ولمح البصر امتد إلى الشيء اهـ. ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ واحدها فؤاد، وهي القلوب التي هيأها الله تعالى للفهم وإصلاح البدن، والجو: الفضاء بين السماء والأرض. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ حيث (١) شبه تهييج القوى النامية في الأرض وإحداث نضارتها بالنباتات بالإحياء، وهو إعطاء الحياة، وهي صفةٌ تقتضي الحس والحركة، وشبه يبوستها بعد نضارتها بالموت بعد الحياة، فاشتق منه أحيا بمعنى أحدث نضارتها على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الطباق في هذه الآية بين: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ وبين ﴿مَوْتِهَا﴾.

стр. 6743

ومنها: المجاز في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ لأن العبرة حقيقةٌ في العبور الذي هو التجاوز من محل إلى آخر، فإطلاقه على ما يعتبر به مجازٌ، لكونه سببًا في العبور من الجهل إلى العلم، لكنه صار حقيقةً في عرف اللغة كما في "الجمل". ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ حيث (١) شبه ما تبنيه لتعسل فيه ببناء الإنسان بجامع الحفظ في كل، فاستعار لفظ بيت على طريقة الاستعارة التصريحية الأصلية. ومنها: الجناس الناقص بين ﴿كُلِي﴾ و ﴿كُلّ﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. ومنها: الإضافة في قوله: ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾ إشارةٌ إلى كمال عنايته وعظيم إحسانه في تربيتها وإرشادها. ومنها: الالتفات (٢) من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ ولو جاء على الكلام الأول لقيل من بطونك. ومنها: مجاز الأول في قوله: ﴿شَرَابٌ﴾؛ أي: عسل يؤول إلى كونه مشروبًا للناس. ومنها: التنكير في قوله: ﴿شِفَاءٌ﴾ إشعارًا بالتبعيض، لأنه إنما يكون شفاءً لبعض الأمراض كالأمراض البلغمية، ويجوز أن يكون للتعظيم كما في "البيضاوي". ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ في مواضع عديدة اعتناءً بمقتضى السياق. ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾. ومنها: الاستفهام التوبيخي التقريعي في قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.

стр. 6744

ومنها: تقديم الصلة على الفعل في قوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ إمَّا (١) للاهتمام، أو لإيهام التخصيص مبالغة أو للمحافظة على الفواصل. ومنها: الطباق بين ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يَكْفُرُونَ﴾ في قوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ فالآية تمثيل للصنم بالأبكم الذي لا ينتفع منه بشيء أصلًا مع القادر السميع البصير، فشتان ما بين الرب والصنم. ومنها: الطباق بين ﴿سِرًّا وَجَهْرًا﴾. ومنها: الإتيان بضمير الجمع في قوله: ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ نظرًا إلى تعدد أفراد كل فريق، لأن مقتضى السياق أن يقال: هل يستويان بضمير التثنية. ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ قال الزجاج: ليس المراد أن الساعة تأتي في لمح البصر، أو في زمن أقرب منه، بل المراد بيان سرعة تأثير القدرة متى تعلقت الإرادة بشيء اهـ. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6745

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه

стр. 6746

الآيات لما قبلها: أن الله لمَّا أقام (١) الأدلة على توحيده .. أردف ذلك بذكر ما أنعم به على عباده، فجعل لهم بيوتًا يَأْوُوُن إليها، وتكون سكنًا لهم، وجعل لهم من جلود الأنعام بيوتًا يستخفون حملها في أسفارهم ويجعلونها خيامًا في السفر والحضر، وجعل لهم في الجبال الحصون والمعاقل، وجعل لهم الثياب التي تقيهم الحر، والدروع والجواشن من الحديد لتقي بعضهم أذى بعض في الحرب. وقصارى هذا: أنه امتن على عباده فبدأ بما يخص المقيمين بقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، ثم بما يخص المسافرين منهم ممن لهم قدرة على ضرب الخيام بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾، ثم بمن لا قدرة لهم على ذلك ولا يأويهم إلا الظلال بقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾، ثم بما لا بد منه لكل أحد بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ...﴾ إلخ، ثم بما لا غنى عنه في الحروب بقوله: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. وقال أبو حيان (٢): مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لما ذكر ما مَنَّ به عليهم من خلقهم، وما خلق لهم من مدارك العلم .. ذكر هنا ما امتن به عليهم مما ينتفعون به في حياتهم من الأمور الخارجة عن دوابهم، من البيوت التي يسكنونها، من الحجر والمدر والأخشاب وغيرها. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لمَّا ذكر (٣) حال هؤلاء المشركين، وأنهم عرفوا نعمة الله، ثم أنكروها .. قفى على ذلك بوعيدهم، فذكر حالهم يوم القيامة، وأنهم يكونون أذلاء لا يؤذن لهم في الكلام لتبرئة أنفسهم، ولا يمهلون، بل يؤخذون إلى العذاب بلا تأخير، وإذا رأوا معبوداتهم من الأصنام والأوثان والملائكة والأدميين .. قالوا: هؤلاء معبوداتنا، فكذبتهم تلك المعبودات، واستسلموا لربهم، وانقادوا له، وبطل ما كانوا يفترونه، ثم ذكر ذلك اليوم،

стр. 6747

وهوله وما منح نبيه من الشرف العظيم، وأنه أنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما أشكل عليهم من مصالح دينهم ودنياهم، ويهديهم سواء السبيل، وفيه البشرى للمؤمنين بجنات النعيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله لما بالغ في الوعد للمتقين والوعيد للكافرين، وعاد وكرر في الترهيب والترهيب إلى أقصى الغاية .. أردف ذلك ذكر هذه الأوامر التي جمعت فضائل الأخلاق والآداب، وضروب التكاليف التي رسمها الدين، وحث عليها، لما فيها من إصلاح حال النفوس، وصلاح حال الأمم والشعوب، ثم ضرب الأمثال لمن يحيد عنها وينفر من فعلها، ثم أبان أن أمر الهداية والإضلال بيده، وأنه قد قدَّر بحسب استعداد النفوس للصلاحِ والغواية، وأنه سيجازي يوم القيامة كل نفس بما كسبت: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما حذر من نقض العهود والأيمان على الإطلاق .. حذر في هذه الآية من نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها، وهي نقض عهد رسول الله ﷺ على الإيمان به واتباع شرائعه جريًا وراء خيرات الدنيا وزخارفها، وأبان لهم أنَّ كل ذلك زائلٌ، وما عند الله باقٍ لا ينفد، ثم هو بعد يجزيهم الجزاء الأوفى. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (١) ابن أبي حاتم عن مجاهد أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فسأله، فقرأ عليه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ قال:

стр. 6748

نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك يقول: نعم، حتى بلغ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فولَّى الأعرابيُّ فأنزل الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾. قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن جرير عن بريدة قال: نزلت هذه الآية في بيعة النبي ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي حفص قال: كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف، فنزلت هذه الآية ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٨٠ - ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ المعهودة التي تبنونها من الحجر والمدر، وهو تبيين لذلك المجعول المبهم في الجملة ﴿سَكَنًا﴾ فعل (١) بمعنى مفعول، كالقبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض؛ أي: موضعًا تسكنون فيه وقت إقامتكم؛ أي: والله هو الإله الذي جعل لكم أيها الناس من بيوتكم التي هي من الحجر والمدر مسكنًا تقيمون فيه، وأنتم في الحضر، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ سبحانه ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ﴾ جمع نعم بالفتح، وهو مخصوص بالأنواع الأربعة التي هي الإبل والبقر والضأن والمعز ﴿بُيُوتًا﴾ أخر مغايرة لبيوتكم المعهودة، وهي الخيام والقباب والأخبية والفساطيط من الأنطاع والأدم. واعلم (٢): أنَّ المساكن على قسمين: أحدهما: ما لا يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي البيوت المتخذة من الحجارة والخشب ونحوهما. والقسم الثاني: ما يمكن نقله من مكان إلى مكان آخر، وهي الخيام

стр. 6749

والفساطيط المتخذة من جلود الأنعام، وإليها الإشارة بقوله: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾؛ أي: تجدونها خفيفة، يخف عليكم نقضها وحملها ونقلها، ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾؛ أي: وقت ترحلكم وسفركم، وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وأبو عَمرو (١): ﴿ظعنكم﴾ بفتح العين، وباقي السبعة: بسكونها، وهما لغتان، وليس السكون بتخفيف كما جاء في نحو الشَّعْر والشَّعَر لمكان حرف الحلق. ﴿و﴾ تستخفونها ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾؛ أي: وقت نزولكم في الضرب والبناء؛ أي: وجعل لكم قبابًا وفساطيط من جلود الأنعام وأشعارها وأصوافها وأوبارها، تستخفون حملها يوم ترحالكم من دوركم وبلادكم، وحين إقامتكم بها، وذلك (٢) أن بعض الناس كالسودان يتخذون خيامهم من الجلود، اهـ شيخنا. وفي "البيضاوي": ويجوز أن يتناول المتخذة من الصوف والوبر والشعر، فإنها من حيث إنها نابتةٌ على جلودها، يصدق عليها أنها من جلودها اهـ. ﴿و﴾ جعل لكم ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ جمع صوف ووبر وشعر، والكنايات راجعة إلى الأنعام، وإنما (٣) ذكر الأصواف والأوبار والأشعار، ولم يذكر القطن والكتان، لأنهما لم يكونا ببلاد العرب اهـ "كرخي"؛ أي: وجعل سبحانه لكم من أصواف الضأن وأوبار الإبل وأشعار المعز ﴿أَثَاثًا﴾؛ أي: ما يتمتع به في البيت خاصةً من الفرش والبسط والغطاء والوطاء، ﴿وَمَتَاعًا﴾؛ أي: جميع ما تتمتعون به في البيت وخارجه من الفرش والأكسية واللباس والحبال والدلاء والإناء، فعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص، وقيل (٤): إن الأثاث ما يكتسي به الإنسان، ويستعمله من الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به، وفي "السمين": وقال الخليل: الأثاث والمتاع واحد، وجمع بينهما لاختلاف لفظيهما اهـ. ومعنى ﴿إِلَى حِينٍ﴾؛ أي: إلى أن تقضوا أوطاركم منه، أو إلى أن يبلى ويفنى، أو إلى الموت أو إلى القيامة.

стр. 6750

٨١ - ثم لما كان الإنسان قد لا يكون له خيامٌ أو أبنية يستظل بها، لفقر أو لعارض آخر، فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جبال مثلًا .. نبَّه سبحانه على ذلك فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُم﴾ سبحانه ﴿مِمَّا خَلَقَ﴾؛ أي: من غير صنع من جهتكم ﴿ظِلَالًا﴾، أي: تستظلون به من شدة الحر، كالغمام والجبال والأشجار وغيرها، امتنَّ سبحانه بذلك لما أن تلك الديار غالبة الحرارة، ثم لما كان المسافر قد يحتاج إلى ركن يأوي إليه في نزوله، وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد .. نبَّه سبحانه على ذلك فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾؛ أي: أماكن تستكنون وتستترون فيها من الحر والبرد والمطر، من الكهوف والغيران والسروب، جمع كِنٍّ، وهو ما يستكن به من المطر ونحوه، فقد جعلها الله سبحانه عُدَّةً للخلق يأوون إليها، ويتحصنون بها، ويعتزلون عن الخلق فيها، قال عطاء (١): إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وما جعل من السهول أعظم منه، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾، جمع سربال، وهو كل ما يلبس؛ أي: وجعل لك ثيابًا من القطن والكتان والصوف وغيرها، ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ في الصيف، والبرد في الشتاء؛ أي: تدفع عنكم ضرر الحر والبرد، وخص الحر بالذكر اكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر، لعلمه منه لأن ما يقي من الحر .. يقي من البرد، أو لأن الوقاية منه كانت أهم عندهم من الوقاية من البرد، لغلبة الحر في بلادهم، أو لتقدمه في قوله تعالى: ﴿فِيهَا دِفءٌ﴾. ﴿و﴾ جعل لكم ﴿سَرَابِيلَ﴾؛ أي: دروعًا وجواشن من حديد ﴿تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾؛ أي: تدفع عنكم ضرر السلاح في الحروب الواقعة بينكم؛ أي: تقيكم وتحفظكم من بأس السلاح وأذاه حين الحرب، وحين يتقدم القرن إلى قرنه للمصاولة والطعن والضرب، والرمي بالنِّبال؛ أي: تدفع البأس الذي يصل من بعضكم إلى بعض في الحرب، والبأس (٢) الشدة في الحرب والقتل والجراحة كما في "التبيان"، وأوَّل من عمل الدرع داود ﵇ فإن الله تعالى ألان له الحديد كالشمع كما

стр. 6751

قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ وصحب لقمان داود شهورًا، وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها، فلما أتمها لبسها، وقال: نعم لبس الحرب أنت. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: إتمامًا مثل إتمامنا عليكم هذه النعم التي تقدمت ﴿يُتِمُّ﴾ ﴿نِعْمَتَهُ﴾ الظاهرة والباطنة ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ تتفكرون فيها وتنظرون إليها، و ﴿تُسْلِمُونَ﴾؛ أي: تستسلمون لأوامرنا، وتنقادون لرسولنا فيما يأمركم به وينهاكم عنه؛ أي: أتمها عليكم، وأعطاها لكم تامة، إرادة أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم الظاهرة والباطنة، والأنفسية والآفاقية، فتعرفوا حق منعمها فتؤمنوا به وحده، وتذروا ما كنتم به تشركون، وتنقادوا لأمره. والمعنى: أي كما (١) خلق هذه الأشياء لكم، وأنعم بها عليكم، يتم نعمة الدنيا والدين عليكم، ويجعلكم ملوكًا وأمراء فيما تفتحون من البلاد والأصقاع، ويجعل رائدكم فيما تعملون وجه الله، وإصلاح الأمم والشعوب كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾؛ أي: توقعًا للنظر فيما أسبغ عليكم من النعم، فتعرفون حق المنعم بها، فتؤمنون به وحده، وتذرون ما أنتم به مشركون، فتسلمون من عذابه، فإن العاقل إذا أسدي إليه المعروف .. شكر من أنعم به عليه. وقرأ ابن عباس (٢): ﴿تتم﴾ بتاء مفتوحة ﴿نعمته﴾ بالرفع، أسند التمام إليها اتّساعًا، وعنه ﴿نِعْمَتَهُ﴾ جمعًا، وقرأ ﴿لعلكم تسلمون﴾ بفتح التاء واللام، من السلامة والخلاص، فكأنه تعليل لوقاية السرابيل من أذى الحرب، أو تسلمون من الشرك وأما ﴿تسلمون﴾ في قراءة الجمهور فمعناه: تؤمنون، أو تنقادون إلى النظر في نعم الله تعالى المفضي إلى الإيمان والانقياد. ٨٢ - وبعد أن عدد ما أنعم به عليهم من النعم .. ذكر ما يتبع معهم إذا هم أصرُّوا على عنادهم واستكبارهم، ولم تنفعهم الذكرى فقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، فعل

стр. 6752

ماض أو مضارع حذفت منه إحدى التائين، وفي صيغة (١) التفعل إشارة إلى أن الفطرة الأولى داعية إلى الإقبال على الله، والإعراض لا يكون إلا بنوع تكلف ومعالجة؛ أي: فإن أعرضوا عن الإِسلام، ولم يقبلوا منك ما جئتهم به من التوحيد، واستمروا على تكذيبك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾؛ أي: فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي البلاغ ﴿الْمُبِينُ﴾؛ أي: الموضح أو الواضح، وقد فعلته بما لا مزيد عليه، وليس عليك غير ذلك. والمعنى: أي فإن (٢) استمروا على إعراضهم ولم يقبلوا ما أُلْقِي إليهم من البينات .. فلا يضيرك ذلك، ولا تبخع نفسك عليهم أسى وحسرة، فإنك قد أديت رسالتك كاملة غير منقوصة، وما هي إلا البلاغ الموضِّح لمقاصد الدين، وبيان أسراره وحكمه، وقد فعلته بما لا مزيد عليه، وجملة القول: إتهم إن أعرضوا وتولوا .. فلست بقادر على خلق الإيمان في قلوبهم، فإنما عليك البلاغ فحسب، وصرف الخطاب إلى رسول الله ﷺ تسلية له، ٨٣ - ثم بين أن سبب هذا التولي والإعراض لم يكن الجهل بهذه النعم، بل كان العتو والاستكبار والإنكار لها، فقال: ﴿يَعْرِفُونَ﴾؛ أي: يعرف بعض المشركين ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ المعدودة في هذه السورة، ويعترفون ويقرون بأن هذه النعم كلها من الله تعالى ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بأفعالهم، حيث يعبدون غير منعمها، أو بقولهم إنها بشفاعة آلهتنا، أو بسب كذا، والمعنى (٣): ثم استبعاد الإنكار بعد حصول المعرفة. أي: إنهم يعرفون أنَّ هذه النعم كلها من الله تعالى، ثم هم ينكرونها بأفعالهم، إذ لم يخصوا المنعم بها بالعبادة والشكر، بل شكروا غيره معه، إذ قالوا: إن هذه النعم إنما حصلت بشفاعة هذه الأصنام، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ أي؛ المنكرون بقلوبهم، غير المعترفين بما ذكر من النعم، أو الكافرون بالله، وأقلهم الجاهلون، وعبر (٤) هنا بالأكثر عن الكل، أو أراد بالأكثر العقلاء دون

стр. 6753

الأطفال ونحوهم، أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر بعضهم كفر جهلٍ، وكفر بعضهم بسبب تكذيب الرسول ﷺ ، مع اعترافهم بالله وعدم الجحد لربوبيته، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾. والمعنى: أي إن (١) أكثرهم جاحدٌ معاند يعلم صدق الرسول ولا يؤمن به، عتوًا واستكبارًا، وقليل منهم كان يجهل صدقه، ولم يظهر له كونه نبيًّا حقًّا من عند الله، لأنه لم ينظر في الأدلة النظر الصحيح، الذي يؤدي إلى الغاية، أو لم يعرف الحق لنقص في العقل، فهو لا يسلك سبيله، أو لم يصل إلى حد التكليف، فلا تقوم عليه حجة. ٨٤ - ولما ذكر الله نعمه على الكافرين وإنكارهم لها، وذكر أن أكثرهم كافرون .. أتبعه بذكر الوعيد لهم في الآخرة فقال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾؛ أي: نحيي ونخرج من القبور، ويرجع إلى معنى نجيء ونأتي كما سيأتي، وهو يوم القيامة؛ أي: واذكر يا محمَّد لهؤلاء المشركين قصة يوم نحشر ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾؛ أي: قصة يوم نأتي من كل أمة من الأمم بشهيد ورسول، يشهد لهم بالإيمان لمن آمن منهم، ويشهد عليهم بالكفر والمعاصي على من كفر، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم من الاعتذار، وفي كثرة الكلام، ليظهر لهم كونهم آيسين من رحمته تعالى، إذ لا عذر لهم، و ﴿ثم﴾ هنا (٢) للدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المنبىء عن الإقناط الكلي، وهو عندما يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء ﵈ فهي للتراخي الرتبي، والعذر في الأصل تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه، بأن يقول: لم أفعل، أو فعلت لأجل كذا، أو فعلت ولا أعود، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أي: ولا الكفار يسترضون فيه؛ أي: لا يطلب منهم إرضاء ربهم بالتوبة والطاعة؛ أي: لا يطلب منهم العتبى؛ أي: الرجوع إلى طاعة الله تعالى؛ أي: لا يقال لهم أرضوا

стр. 6754

ربكم، ولا يطلب منهم ما يوجب العتبى، وهي الرضا، وذلك (١) لأن الرضا إنما يكون بالإيمان والعمل الصالح، والآخرة دار الجزاء لا دار العمل والتكليف، والدنيا مزرعة الآخرة، فكل بذر فسد في الأرض، وبطل استعداده لقبول التربية، ولم يتم أمر نباته إذا حصد وحصل في البيدر، لا يفيده أسباب التربية، لتغيير أحواله، فالأرواح بذور في أرض الأشباح، ومربيها ومنبتها وثمرها أعمال الشريعة بشرط الإيمان، ومفسدها ومبطلها ومغيرها عن أحوالها الكفر وأعمال الطبيعة، والموت حصادها، والقيامة بيدرها. وحاصل المعنى: أي وخوِّف أيها الرسول هؤلاء المشركين، يوم نبعث من كل أمةٍ شاهدًا عليها بما أجابت داعي الله، وهو رسولها الذي أرسل إليها، إما بالإيمان وطاعة الله، وإما بالكفر والعصيان. ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ثم لا يسمع كلام الكافرين بعد شهادة أنبيائهم، ولا يلتفت إليه، إذ في تلك الشهادة ما يكفي للفصل في أمرهم والقضاء عليهم، والله عليم بما كانوا يفعلون، ولكن في تلك الشهادة تأنيبٌ لهم، وتوبيخ على ما اجترحوا من الفسوق والعصيان والكفر بربهم الذي أنعم عليهم، ونحو الآية قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾. ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أي: ولا يطلب منهم أن يزيلوا عتب ربهم؛ أي: غضبه بالتوبة وصالح العمل، فالآخرة دار جزاءٍ لا دار عملٍ، والرجوع إلى الدنيا ما لا يكون بحال. ٨٥ - ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر ﴿الْعَذَابَ﴾؛ أي: العذاب الذي يستوجبونه بظلمهم، وهو عذاب جهنم بعد شهادة الشهداء عليهم .. صاحوا وطلبوا من مالك الخازن تخفيف العذاب، ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ ذلك العذاب بعد الدخول ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: لا يمهلون قبله ليستريحوا، فعذابهم يكون دائمًا لأن التوبة هناك غير موجودة.

стр. 6755

أي: وإذا عاين هؤلاء الذين كذّبوا وجحدوا نبوة الأنبياء - وهم من - كانوا على نهج قومك من المشركين - عذاب الله .. فلا ينجيهم منه شيء، إذ لا يؤذن لهم بالاعتذار فيعتذرون، فيخفف عنهم بهذا العذر الذي يدعون، ولا يرجؤون بالعقاب، لأن وقت التوبة والإنابة قد فات، وإنما ذلك وقت الجزاء على الأعمال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾. ونحو الآية قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾. الثبور: الهلاك. ٨٦ - ثم أخبر سبحانه عن إلقاء المشركين تبعة أعمالهم على معبوداتهم فقال: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ أي: إذا أبصروا يوم القيامة ﴿شُرَكَاءَهُمْ﴾؛ أي: الأصنام التي يسمونها شركاء الله تعالى، وأوثانهم التي عبدوها .. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المشركون يا ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ﴾ الأصنام ﴿شُرَكَاؤُنَا﴾؛ أي: آلهتنا التي جعلناها شركاء لك في الدنيا ﴿الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو﴾ هم ونعبدهم ﴿مِنْ دُونِكَ﴾؛ أي: متجاوزين عبادتك؛ أي: هؤلاء الذين كنا نقول: إنهم شركاء الله في المعبودية، وهذا (١) اعترافٌ بأنهم كانوا مخطئين في ذلك، والتماس بتوزيع العذاب بينهم. أي: وإذا رأى هؤلاء المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دونه من الأوثان والآلهة التي عبدوها .. قالوا: هؤلاء شركاؤنا في الكفر بك، والذين كنا ندعوهم آلهةً من دونك، وربما يكونون قد قالوا هذه المقالة طمعًا في توزيع العذاب بينهم، أو إحالة الذنب عليهم، تعللًا بذلك واسترواحًا، مع كونهم يعلمون أن العذاب واقع بهم لا محالة، ولكن الغريق يتعلق بكل ما تقع يده عليه.

стр. 6756

ثم ذكر تبرء آلهتهم منهم، وهم أحوج ما يكونون إلى نصرتهم، لو كانوا ينصرون ﴿فَأَلْقَوْا﴾ أي: شركاؤهم ﴿إلَيْهِمُ﴾؛ أي: إلى المشركين ﴿الْقَوْلَ﴾ والجواب، يقال: ألقيت إلى فلان كذا؛ أي: قلت؛ أي: أنطقهم الله تعالى فأجابوهم بالتكذيب، وقالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ في إدِّعائكم أننا شركاء لله، إذ ما أمرناكم بعبادتنا، وكنا مشغولين بتسبيح الله وطاعته، فارغين عنكم وعن أحوالكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. أي: فبادر (١) شركاؤهم بالجواب إلى المشركين بقولهم: إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة، وإنكم عبدتمونا حقيقةً، بل إنما عبدتم أهواءكم. والمعنى: أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول، والمقصود (٢) من إعادتها وبعثها أن تكذب الكفار، ويراها الكفار، وهي في غاية الذلة والحقارة فيزدادون بذلك غمًّا وحسرةً. ونحو الآية قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾. ٨٧ - ﴿وَأَلْقَوْا﴾ أي: المشركون ﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾؛ أي: الاستسلام والانقياد لحكمه بعد الاستكبار عنه في الدنيا؛ أي: أسرع (٣) المشركون إلى الله يومئذٍ؛ أي يوم إذ تخاصموا مع آلهتهم، وهو يوم القيامة؛ أي: أسرعوا إلى الله بالانقياد والاستسلام لحكمه، فأقروا بالبراءة عن الشركاء، وبربوبية الله، بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين عنه، لما عجزوا عن الجواب، لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم، لانقطاع التكليف. وروى يعقوب عن أبي عمرو: ﴿السلم﴾ بسكون اللام، وقرأ مجاهد: بضم

стр. 6757

السين واللام. فإن قلت: كيف (١) أثبت للأصنام نطقا هنا، ونفاه عنهما في قوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾؟ فالجواب: أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها، والمنفي عنهم في الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم، ودفع العذاب عنهم، فلا تنافي اهـ "كرخي". ﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: ضاع وبطل وذهب وزال ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن المشركين ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: افتراؤهم من أنَّ لله شركاء أنهم ينصرونهم ويشفعون لهم، وذلك حين كذَّبوهم وتبرؤوا منهم، أو ذهب (٢) وغاب عنهم ما كانوا يعبدونه افتراءً على الله، فلا ناصر لهم ولا معين ولا شفيع، ولا ولي مما كانوا يزعمونه في الدنيا، كما قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. ٨٨ - وبعد أن ذكر عذاب المضادِّين .. بيّن عذاب الضالين المضلين فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في أنفسهم ﴿وَصَدُّوا﴾؛ أي: منعوا غيرهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن طريق الحق، وهي طريق الإِسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها، وحملوهم على الكفر ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا﴾ بحيَّاتٍ (٣) وعقارب وجوع وعطش وزمهرير وغير ذلك ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ بالنار، فيخرجون من النار إلى الزمهرير، فيبادرون من شدة البرد إلى النار. أي (٤): زادهم الله عذابًا لأجل الإضلال لغيرهم، فوق العذاب الذي استحقوه لأجل ضلالهم، وقيل: زدنا القادة عذابًا فوق عذاب أتباعهم؛ أي: أشد منه، وقيل: إن هذه الزيادة هي إخراجهم من النار إلى الزمهرير، وقيل غير ذلك، ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾؛ أي: بسبب إفسادهم بذلك الصد. والمعنى: أي (٥) الذين جحدوا نبوتك، وكذبوك فيما جئتم به من عند

стр. 6758

ربك، وصدوا عن الإيمان بالله ورسوله من أراده .. زدناهم عذابًا فوق عذابهم الذي يستحقونه بكفرهم، بسبب استمرارهم على الإفساد بالصد عن سبيل الله. وخلاصة ذلك: أنهم يعذبون عذابين، عذابًا على الكفر، وعذابًا على الإضلال وصد الناس عن اتباع الحق، وفي الآية دليلٌ على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم فيها. ٨٩ - ثم خاطب سبحانه عبده ورسوله محمدًا ﷺ فقال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد لقومك قصة يوم نبعث ونحشر ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾؛ أي: نبيًّا يشهد ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من (١) جنسهم، إتمامًا للحجة وقطعًا للمعذرة، لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم، ولوط ﵇ لمَّا تأهل فيهم وسكن فيما بينهم .. كان منهم، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إشعارٌ بأن شهادة أنبيائهم على الأمم تكون بمحضرٍ منهم، وهذا تكرير لما سبق لزيادة التهديد اهـ "أبو السعود"، وعبارة "الخطيب": ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجهٍ يزيد على ما أفهمته الآية السابقة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ إلخ اهـ، وقيل معنى: ﴿شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: أعضاؤهم (٢) فالله تعالى ينطق عشرةً من أعضاء الإنسان حتى إنها تشهد عليه، وهي العينان والأذنان والرجلان واليدان والجلد واللسان. وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ معطوف على ﴿نبعث﴾: أي: واذكر يوم جئنا بك يا محمَّد، وهو يوم القيامة؛ أي: يوم نأتي بك حالة كونك ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: على قومك وأمتك، بما أجابوك وبما عملوا فيما أرسلناك به إليهم، وعبر بالماضي إشارةً إلى تحقق وقوعه، وتم الكلام هنا، ثم استأنف بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد ﴿الْكِتَابَ﴾ الكامل في الكتابية، الحقيق بأن يخص به اسم الجنس، وهو القرآن الكريم؛ أي: نزلناه عليك في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع، كما يفيده صيغة التفعيل، حالة كونه: ﴿تِبْيَانًا﴾؛ أي: بيانًا بليغًا،

стр. 6759

فالتّبيان (١) أخص من مطلق البيان، على القاعدة: أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا، ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يتعلق (٢) بأمور الدين، ومن ذلك أحوال الأمم مع أنبيائهم، أو لكل (٣) شيء يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة، إما بتبيينه في نفس الكتاب، أو بحالته على السنة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أو بإحالته على الإجماع كما قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، أو على القياس كما قال: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾، والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس، فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن بقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: فاندفع ما قيل كيف قال الله سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: ونحن نجد كثيرًا من أحكام الشريعة لم يعلم بالقرآن نصًّا، كعدد ركعات الصلاة، ومدة المسح، والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وغير ذلك، ومن ثم اختلفت الأئمة في كثير من الأحكام. اهـ "كرخي". ﴿و﴾ حالة كونه ﴿هدى﴾ للعباد؛ أي: هاديًا لهم من طريق الضلال إلى طريق الرشاد، ﴿و﴾ حالة كونه ﴿رحمة﴾ للعالمين إنسهم وجنهم، فإنَّ حرمان الكفرة من مغانم آثار الكتاب من تفريطهم، لا من جهة الكتاب، ﴿وبشرى﴾؛ أي: بشارةً بالجنة ﴿للمسلمين﴾ خاصة؛ لأنهم المنتفعون بذلك، فهو متعلق بالبشرى، وهو متعلق من حيث المعنى بهدىً ورحمةً أيضًا. والمعنى (٤): أي ونزلنا عليك أيها الرسول هذا القرآن تبيانًا لكل ما بالناس إليه حاجةٌ، من معرفة الحلال والحرام، والثواب والعقاب، والهدى من الضلالة، ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه من حدود الله وأمره ونهيه، فأحل حلاله وحرم حرامه، وبشرى لمن أطاع الله وأناب إليه بجزيل الثواب في الآخرة وعظيم الكرامة.

стр. 6760

ووجه (١) ارتباط هذا بما قبله بيان أن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك يوم القيامة عن ذلك، كما قال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾، وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾، وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾؛ أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادُّك إليه وسائلك عن أداء ما فرض، وتبيان (٢) القرآن لأمور الدين إما مباشرة، وإما بيان الرسول، وقد أمرنا سبحانه باتباع هذا البيان في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ولقوله ﷺ : "إني أوتيت القرآن ومثله معه"، وإما ببيان الصحابة والعلماء المجتهدين له، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" وقد كان كما قال الرسول ﷺ ، فاجتهد الأئمة، ووطَّئوا طرق البحث في أمور الدين لمن بعدهم، واستنبطوا من الكتاب والسنة مذاهب وآراء في العبادات ومعاملات الناس بعضهم مع بعض، ودونوا تشريعًا ينهل منه المسلمون في كل جيلٍ، ويرجع إليه القضاة ليحكموا بين الناس بالعدل، وكان أجلَّ تشريع أخرج للناس كما اعترف بذلك أرباب الديانات الأخرى، وكذلك من لم يتدين منهم بدين. ٩٠ - ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شيء .. ذكر عقبه آيةً جامعة لأصول التكليف كلها تصديقًا لذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَأْمُرُ﴾ كُمْ في هذا الكتاب الكريم الذي أنزله إليك أيها الرسول ﴿بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: بالإنصاف، وهو قبول الحق والعمل به، ولا إنصاف أعظم وأجمل من الاعتراف بمن أنعم علينا بنعمه، والشكر له على إفضاله، وحمده وهو أهل للحمد، ومنع ذلك عمن ليس له بأهل، فالأوثان والأصنام لا تستحق شيئًا منه، فمن الجهل عبادتها وحمدها، وهي لا تنعم فتشكر، ولا تنفع فتعبد، ومن ثم وجب أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده.
следующие страницы →