← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

ثم ذكر تبرء آلهتهم منهم، وهم أحوج ما يكونون إلى نصرتهم، لو كانوا ينصرون ﴿فَأَلْقَوْا﴾ أي: شركاؤهم ﴿إلَيْهِمُ﴾؛ أي: إلى المشركين ﴿الْقَوْلَ﴾ والجواب، يقال: ألقيت إلى فلان كذا؛ أي: قلت؛ أي: أنطقهم الله تعالى فأجابوهم بالتكذيب، وقالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ في إدِّعائكم أننا شركاء لله، إذ ما أمرناكم بعبادتنا، وكنا مشغولين بتسبيح الله وطاعته، فارغين عنكم وعن أحوالكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. أي: فبادر (١) شركاؤهم بالجواب إلى المشركين بقولهم: إنكم لكاذبون في قولكم إنا نستحق العبادة، وإنكم عبدتمونا حقيقةً، بل إنما عبدتم أهواءكم. والمعنى: أنه تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق في تلك الأصنام حتى تقول هذا القول، والمقصود (٢) من إعادتها وبعثها أن تكذب الكفار، ويراها الكفار، وهي في غاية الذلة والحقارة فيزدادون بذلك غمًّا وحسرةً. ونحو الآية قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾. ٨٧ - ﴿وَأَلْقَوْا﴾ أي: المشركون ﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾؛ أي: الاستسلام والانقياد لحكمه بعد الاستكبار عنه في الدنيا؛ أي: أسرع (٣) المشركون إلى الله يومئذٍ؛ أي يوم إذ تخاصموا مع آلهتهم، وهو يوم القيامة؛ أي: أسرعوا إلى الله بالانقياد والاستسلام لحكمه، فأقروا بالبراءة عن الشركاء، وبربوبية الله، بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين عنه، لما عجزوا عن الجواب، لكن الانقياد في هذا اليوم لا ينفعهم، لانقطاع التكليف. وروى يعقوب عن أبي عمرو: ﴿السلم﴾ بسكون اللام، وقرأ مجاهد: بضم

стр. 6757

السين واللام. فإن قلت: كيف (١) أثبت للأصنام نطقا هنا، ونفاه عنهما في قوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾؟ فالجواب: أن المثبت لهم هنا النطق بتكذيب المشركين في دعوى عبادتهم لها، والمنفي عنهم في الكهف النطق بالإجابة إلى الشفاعة لهم، ودفع العذاب عنهم، فلا تنافي اهـ "كرخي". ﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: ضاع وبطل وذهب وزال ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أي: عن المشركين ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: افتراؤهم من أنَّ لله شركاء أنهم ينصرونهم ويشفعون لهم، وذلك حين كذَّبوهم وتبرؤوا منهم، أو ذهب (٢) وغاب عنهم ما كانوا يعبدونه افتراءً على الله، فلا ناصر لهم ولا معين ولا شفيع، ولا ولي مما كانوا يزعمونه في الدنيا، كما قال تعالى حكايةً عنهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. ٨٨ - وبعد أن ذكر عذاب المضادِّين .. بيّن عذاب الضالين المضلين فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في أنفسهم ﴿وَصَدُّوا﴾؛ أي: منعوا غيرهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن طريق الحق، وهي طريق الإِسلام والإيمان بأن منعوهم من سلوكها، وحملوهم على الكفر ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا﴾ بحيَّاتٍ (٣) وعقارب وجوع وعطش وزمهرير وغير ذلك ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ بالنار، فيخرجون من النار إلى الزمهرير، فيبادرون من شدة البرد إلى النار. أي (٤): زادهم الله عذابًا لأجل الإضلال لغيرهم، فوق العذاب الذي استحقوه لأجل ضلالهم، وقيل: زدنا القادة عذابًا فوق عذاب أتباعهم؛ أي: أشد منه، وقيل: إن هذه الزيادة هي إخراجهم من النار إلى الزمهرير، وقيل غير ذلك، ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾؛ أي: بسبب إفسادهم بذلك الصد. والمعنى: أي (٥) الذين جحدوا نبوتك، وكذبوك فيما جئتم به من عند

стр. 6758

ربك، وصدوا عن الإيمان بالله ورسوله من أراده .. زدناهم عذابًا فوق عذابهم الذي يستحقونه بكفرهم، بسبب استمرارهم على الإفساد بالصد عن سبيل الله. وخلاصة ذلك: أنهم يعذبون عذابين، عذابًا على الكفر، وعذابًا على الإضلال وصد الناس عن اتباع الحق، وفي الآية دليلٌ على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم فيها. ٨٩ - ثم خاطب سبحانه عبده ورسوله محمدًا ﷺ فقال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾؛ أي: واذكر يا محمَّد لقومك قصة يوم نبعث ونحشر ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾؛ أي: نبيًّا يشهد ﴿عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: من (١) جنسهم، إتمامًا للحجة وقطعًا للمعذرة، لأنه كان يبعث أنبياء الأمم فيهم منهم، ولوط ﵇ لمَّا تأهل فيهم وسكن فيما بينهم .. كان منهم، وفي قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إشعارٌ بأن شهادة أنبيائهم على الأمم تكون بمحضرٍ منهم، وهذا تكرير لما سبق لزيادة التهديد اهـ "أبو السعود"، وعبارة "الخطيب": ثم كرر التحذير من ذلك اليوم على وجهٍ يزيد على ما أفهمته الآية السابقة، وهو أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم، وتكون بحضرتهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ إلخ اهـ، وقيل معنى: ﴿شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: أعضاؤهم (٢) فالله تعالى ينطق عشرةً من أعضاء الإنسان حتى إنها تشهد عليه، وهي العينان والأذنان والرجلان واليدان والجلد واللسان. وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ معطوف على ﴿نبعث﴾: أي: واذكر يوم جئنا بك يا محمَّد، وهو يوم القيامة؛ أي: يوم نأتي بك حالة كونك ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: على قومك وأمتك، بما أجابوك وبما عملوا فيما أرسلناك به إليهم، وعبر بالماضي إشارةً إلى تحقق وقوعه، وتم الكلام هنا، ثم استأنف بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد ﴿الْكِتَابَ﴾ الكامل في الكتابية، الحقيق بأن يخص به اسم الجنس، وهو القرآن الكريم؛ أي: نزلناه عليك في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع، كما يفيده صيغة التفعيل، حالة كونه: ﴿تِبْيَانًا﴾؛ أي: بيانًا بليغًا،

стр. 6759

فالتّبيان (١) أخص من مطلق البيان، على القاعدة: أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا، ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يتعلق (٢) بأمور الدين، ومن ذلك أحوال الأمم مع أنبيائهم، أو لكل (٣) شيء يحتاج إليه الناس من أمر الشريعة، إما بتبيينه في نفس الكتاب، أو بحالته على السنة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ أو بإحالته على الإجماع كما قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، أو على القياس كما قال: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾، والاعتبار النظر والاستدلال اللذان يحصل بهما القياس، فهذه أربعة طرق لا يخرج شيء من أحكام الشريعة عنها، وكلها مذكورة في القرآن بقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: فاندفع ما قيل كيف قال الله سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: ونحن نجد كثيرًا من أحكام الشريعة لم يعلم بالقرآن نصًّا، كعدد ركعات الصلاة، ومدة المسح، والحيض، ومقدار حد الشرب، ونصاب السرقة وغير ذلك، ومن ثم اختلفت الأئمة في كثير من الأحكام. اهـ "كرخي". ﴿و﴾ حالة كونه ﴿هدى﴾ للعباد؛ أي: هاديًا لهم من طريق الضلال إلى طريق الرشاد، ﴿و﴾ حالة كونه ﴿رحمة﴾ للعالمين إنسهم وجنهم، فإنَّ حرمان الكفرة من مغانم آثار الكتاب من تفريطهم، لا من جهة الكتاب، ﴿وبشرى﴾؛ أي: بشارةً بالجنة ﴿للمسلمين﴾ خاصة؛ لأنهم المنتفعون بذلك، فهو متعلق بالبشرى، وهو متعلق من حيث المعنى بهدىً ورحمةً أيضًا. والمعنى (٤): أي ونزلنا عليك أيها الرسول هذا القرآن تبيانًا لكل ما بالناس إليه حاجةٌ، من معرفة الحلال والحرام، والثواب والعقاب، والهدى من الضلالة، ورحمة لمن صدق به وعمل بما فيه من حدود الله وأمره ونهيه، فأحل حلاله وحرم حرامه، وبشرى لمن أطاع الله وأناب إليه بجزيل الثواب في الآخرة وعظيم الكرامة.

стр. 6760

ووجه (١) ارتباط هذا بما قبله بيان أن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك يوم القيامة عن ذلك، كما قال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾، وقال: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾، وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾؛ أي: إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادُّك إليه وسائلك عن أداء ما فرض، وتبيان (٢) القرآن لأمور الدين إما مباشرة، وإما بيان الرسول، وقد أمرنا سبحانه باتباع هذا البيان في قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ولقوله ﷺ : "إني أوتيت القرآن ومثله معه"، وإما ببيان الصحابة والعلماء المجتهدين له، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" وقد كان كما قال الرسول ﷺ ، فاجتهد الأئمة، ووطَّئوا طرق البحث في أمور الدين لمن بعدهم، واستنبطوا من الكتاب والسنة مذاهب وآراء في العبادات ومعاملات الناس بعضهم مع بعض، ودونوا تشريعًا ينهل منه المسلمون في كل جيلٍ، ويرجع إليه القضاة ليحكموا بين الناس بالعدل، وكان أجلَّ تشريع أخرج للناس كما اعترف بذلك أرباب الديانات الأخرى، وكذلك من لم يتدين منهم بدين. ٩٠ - ثم لما ذكر سبحانه أن في القرآن تبيان كل شيء .. ذكر عقبه آيةً جامعة لأصول التكليف كلها تصديقًا لذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَأْمُرُ﴾ كُمْ في هذا الكتاب الكريم الذي أنزله إليك أيها الرسول ﴿بِالْعَدْلِ﴾؛ أي: بالإنصاف، وهو قبول الحق والعمل به، ولا إنصاف أعظم وأجمل من الاعتراف بمن أنعم علينا بنعمه، والشكر له على إفضاله، وحمده وهو أهل للحمد، ومنع ذلك عمن ليس له بأهل، فالأوثان والأصنام لا تستحق شيئًا منه، فمن الجهل عبادتها وحمدها، وهي لا تنعم فتشكر، ولا تنفع فتعبد، ومن ثم وجب أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده.

стр. 6761

أخرج ابن أبي حاتم عن محمَّد بن كعب القرظي أنه قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل، فقلت: بخٍ سألت عن أمر جسيم، كن لصغير الناس أبًا، ولكبيرهم ابنًا، وللمثل منهم أخًا، وللنساء كذلك، وعاقب الناس على قدر ذنوبهم، وعلى قدر أجسامهم، ولا تضربن لغضبك سوطًا واحدًا فتكون من العادين. ﴿و﴾ يأمركم بـ ﴿الإحسان﴾ إلى من أساء إليكم، وأعلى مراتب الإحسان الإحسان إلى المسيء، وقد أمر به النبي ﷺ ، وروي عن الشعبي أنه قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك. ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، وقد صح من حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: "الإحسان أن تبعد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وفي "الشوكاني": وقد اختلف (١) أهل العلم في تفسير العدل والإحسان، فقيل العدل لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض، وقيل: العدل الفرض والإحسان النافلة، وقيل: العدل استواء العلانية والسريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية، وقيل: العدل الإنصاف والإحسان التفضل، والأول تفسير العدل بالمعنى اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فمعنى أمره سبحانه بالعدل أن يكون عباده في الدين على حالة متوسطة، ليست بمائلة إلى جانب الإفراط، وهو الغلو المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط، وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين، وأما الإحسان فمعناه اللغوي يرشد إلى أنه التفضل بما لم يجب، كصدقة التطوع، ومن الإحسان فعل ما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله تعالى في العبادات وغيرها وقد صح عن النبي ﷺ أنه فسَّر الإحسان بأن يعبد الله العبدُ حتى كأنه يراه، كما مر آنفًا من حديث ابن عمر ﵄ وهذا هو معنى الإحسان شرعًا انتهى.

стр. 6762

﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ والقربى مصدر بمعنى القرابة؛ أي: صاحب القرابة لكم؛ أي: ويأمركم الله في هذا الكتاب المنزل عليك بإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه من المال والدعاء بالخير، وهو داخل في الإحسان، وإنما أفرده بالذكر اهتمامًا بشأنه، وإظهارًا لجلالة صلة الرحم، وتنبيهًا على فضيلتها، كقوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾، وفي الآية إرشاد إلى صلة الأقارب والأرحام، وترغيب في التصدق عليهم، والرحم (١) عام في كل رحم محرمًا كان أو غير محرم، وارثًا كان أو غير وارث، من أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات وغير ذلك، وقطع الرحم حرام موجب لسخط الله، وانقطاع ملائكة الرحمة عن بيت القاطع، والصلة واجبةٌ باعثةٌ على كثرة الرزق وزيادة العمر، سريعة التأثير، ومعناها التفقد بالزيادة والإهداء والإعانة بالقول والفعل، وعدم النسيان، وأقله التسليم وإرسال السلام أو المكتوب، ولا توقيت فيها في الشرع، بل العبرة بالعرف والعادة. ﴿وَيَنْهَى﴾ كم ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾؛ أي: عن الذنوب المفرطة في القبح، قولًا أو فعلًا، كالكذب والبهتان، والاستهانة بالشريعة، والزنى واللواطة ونحوها، وقيل: الفحشاء هي الغلو في الميل إلى القوة الشهوانية، كالزنا وشرب الخمر والسرقة والطمع في مال الناس، ﴿و﴾ عن ﴿المنكر﴾؛ أي: وعما تنكره النفوس الزاكية والعقول الكاملة السليمة، ولا ترتضيه من المساويء الناشئة من الغضب، كالضرب والقتل والتطاول على الناس، وفي "التأويلات": المنكر كل ما ينكر به عليك، من إضلال أهل الحق وإغوائهم، وإحداث البدع وإثارة الفتن، كما في أهالي هذا الزمان خصوصًا أصحاب الملاهي، ﴿و﴾ عن ﴿البغي﴾ والظلم والاستيلاء على الناس، والتعدي على حقوقهم، والتطاول عليهم بلا سبب، وتجسس عيوبهم، وغيبتهم، والطعن عليهم، والتجاوز من الحق إلى الباطل ونحو ذلك.

стр. 6763

وخلاصة ما سلف (١): أن الله سبحانه يأمر بالعدل، وهو أداء القدر الواجب من الخير، والإحسان وهو الزيادة في الطاعة، والتعظيم لأمر الله، والشفقة على خلقه، ومن أشرف ذلك صلة الرحم، وينهى عن التغالي في تحصيل اللذات الشهوانية التي يأباها الشرع والعقل، وعن الإفراط في اتباع دواعي الغضب، بإيصال الشر إلى الناس وإيذائهم، وتوجيه البلاء إليهم، وعن التكبر على الناس، والترفع عليهم، وتصعير الخد لهم. ﴿يَعِظُكُمْ﴾ الله ، يذكركم بما ذكره في هذه الآية من الأوامر الثلاثة والنواهي الثلاثة، فإنها كافيةٌ في باب الوعظ والتذكير، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: لإرادة أن تتعظوا، فتأتمروا بالأوامر، وتنتهوا عن المناهي، فتعملوا بما فيه رضاه ، وما فيه صلاحكم في دنياكم وآخرتكم. وقد أمر (٢) الله سبحانه في هذه بثلاثة أشياء، ونهى عن ثلاثة أشياء، وجمع في هذه الأشياء الستة علم الأولين والآخرين، وجميع الخصال المحمودة والمذومة، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: هي أجمع آية في القرآن للخير والشر، ولذا يقرؤها كل خطيب على المنبر في آخر كل خطبة، لتكون عظةً جامعة لكل مأمور ومنهي، كما في "المدارك"، وقال السيوطي في "كتاب الوسائل إلى معرفة الأوائل": أول من قرأ في آخر الخطبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ إلخ عمر بن عبد العزيز، ولزمها الخطباء إلى عصرنا هذا، وكان النبي ﷺ يقرأ: يقرأ في آخر الخطبة، وكان عمر بن الخطاب يقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾ إلى قوله: ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾، وكان عثمان بن عفان يقرأ آخر سورة النساء ﴿يَسْتَفتونَكَ﴾ الآية، وكان علي بن أبي طالب يقرأ: الكافرون والإخلاص، ذكر ذلك ابن الصلاح، وأول من قرأ في الخطبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية المهديُّ العباسيُّ، وعليه العمل في هذا الزمان؛ أي: في الخطب المطولة. ٩١ - وبعد أن ذكر المأمورات والمنهيات بطريق الإجمال في الآية الأولى .. ذكر

стр. 6764

بعضها على سبيل التخصيص فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: استمروا (١) على الإيفاء بعهد الله ، وعهد الله هو البيعة لرسول الله ﷺ على الإِسلام، فإنها مبايعة لله تعالى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ والمبايعة من جهة الرسول هو الوعد بالثواب، ومن جهة الآخر التزام طاعته، وسميت المعاهدة مبايعة تشبيهًا بالمعاوضة المالية، ثم هو عام لكل عهد يلتزمه الإنسان باختياره، لأن خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم، ﴿إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: إذا عاقدتم بيعة الله وعهده مع الرسول ﷺ ، وواثقتموه باليمين، والعهد: العقد والميثاق، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾؛ أي: ولا تحنثوا الأيمان التي تحلفون بها عند المعاهدة؛ أي: لا تحنثوا في الحلف ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ أي: بعد توثيقها وتشديدها وتغليظها بذكر اسمه تعالى، كما في "بحر العلوم"، وهذا القيد لموافقة الواقع، حيث كانوا يؤكدون أيمانهم في المعاهدة بما ذكر حينئذٍ، فلا مفهوم له، فلا يختص النهي عن النقض بحيالة التوكيد، بل نقض اليمين منهي عنه مطلقًا اهـ "أبو السعود"، أو يراد بالتوكيد القصد، ويكون احترازًا عن لغو اليمين، وهي الصادرة من غير قصد للحلف، وقال القرطبي: وإنما قال بعد توكيدها فرقًا بين اليمين المؤكدة بالعزم وبين لغو اليمين اهـ. ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾؛ أي: والحال أنكم قد جعلتم الله شاهدًا ورقيبًا عليكم، لأن (٢) الكفيل مراعٍ لحال المكفول به مهيمن عليه، فإن (٣) حلف باللهِ فقد جعل الله كفيلًا بالوفاء بسبب ذلك الحلف؛ أي: لا تنقضوا الأيمان وقد قلتم الله شاهدٌ علينا بالوفاء، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ من النقض والوفاء، فيجازيكم على ذلك، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وفي هذا ترغيب وترهيب، والمعنى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾؛ أي: وأوفوا (٤) بميثاق الله إذا واثقتموه، وعقده إذا عاقدتموه، فأوجبتم به على أنفسكم حقًّا لمن عاقدتموه وواثقتموه عليه، ويدخل في ذلك كل

стр. 6765

عهد يلتزمه الإنسان باختياره، والوعد من العهد، ومن ثم قال ميمون بن مهران: من عاهدته وفِّ بعهده مسلمًا كان أو كافرًا، فإنما العهد لله تعالى. ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾؛ أي: ولا تخالفوا ما عاقدتم فيه الأيمان، وشددتم فيه على أنفسكم، فتحنثوا فيه وتكذبوا، وتنقضوه بعد إبرامه، وقد جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه راعيًا يرعى الموفي منكم بالعهد، والناقض له بالجزاء عليه، ثم وعد وأوعد فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ في العهود التي تعاهدون الله الوفاء بها، والأيمان التي تؤكدونها على أنفسكم، أتبُّرون فيها، أم تنقضونها، وهو محصٍ ذلك كله عليكم، وسائلكم عنه، وعما عملتم فيه، فاحذروا أن تلقوه وقد خالفتم أمره ونهيه، فتستوجبوا منه ما لا قبل لكم به من أليم عقابه. أخرج ابن جرير عن مزيدة بن جابر (١): أنَّ الآية نزلت في بيعة النبي ﷺ ، كان من أسلم يبايع على الإِسلام، فقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، فلا تحملنكم قلة محمَّد وأصحابه، وكثرة المشركين، أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإِسلام، وإن كان في المسلمين قلة وفي المشركين كثرة. ٩٢ - ثم أكد وجوب الوفاء وتحريم النقض مع ضرب المثل فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ أيها المؤمنون في نقض العهد ﴿كَالَّتِي﴾؛ أي: كالمرأة التي ﴿نَقَضَتْ﴾؛ أي: حلت وفكت، والنقض في البناء والحبل وغيره ضد الإبرام، كما في "القاموس" ﴿غَزلَهَا﴾؛ أي: مغزولها؛ أي: ما غزلته وفتلته من صوف وقطن وغيرهما، ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ متعلق بنقض؛ أي: حلته وفكته من بعد إبرام ذلك الغزل وإحكامه، فجعلته ﴿أَنْكَاثًا﴾ حال من غزلها، جمع نكث بمعنى منكوث، كحمل وأحمال؛ أي: منكوثًا، وهو كل ما ينكث فتله؛ أي: يحل غزلًا كان أو حبلًا، والمعنى جعلته طاقات نكثت فتلها؛ أي: ولا تكونوا أيها المؤمنون في نقضكم أيمانكم

стр. 6766

بعد توكيدها وإعطائكم ربكم العهود والمواثيق كمن تنقض غزلها بعد إبرامه، وتنفشه بعد أن جعلته طاقات، حماقةً منها وجهلًا. قال السُّدِّي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت غزلًا .. نقضته بعد إبرامه، وقال الكلبي ومقاتل: هي ريطة (١) - بفتح الراء والطاء المهملتين بينهما تحتية ساكنة - بنت عمرو بن سعد القرشية المكية، وكانت خرقاء حمقاء بها وسوسةٌ، وكانت قد اتخذت مغزلًا قدر ذراع، وسنارةً مثل الأصبع، وهي بكسر السين الحديدة في رأس المغزل، وفلكةً عظيمة على قدرها، وكانت تغزل الغزل من الصوف أو الشعر أو الوبر، وتأمر جواريها بالغزل، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار .. أمرتهن بنقض جميع ما غزلت، فكان هذا دأبها، والمعنى: إن هذه المرأة لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك من نقض العهد، لا تركه ولا حين عاهد وفى. والخلاصة (٢): أنه تعالى شبه حال الناقض للعهد بحال من تنقض غزلها بعد فتله وإبرامه، تحذيرًا للمخاطبين وتنبيهًا إلى أنَّ هذا ليس من فعل العقلاء، وصاحبه في زمرة الحمق من النساء، وجملة قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ حال من (٣) الضمير في: ﴿لا تكونوا﴾؛ أي: لا تكونوا مشابهين بامرأةٍ شأنها هذا، حال كونكم متخذين أيمانكم دخلا ومفسدةً وخديعة بينكم، بسبب ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعة قريش ﴿هِيَ أَرْبَى﴾؛ أي: أزيد عَددًا وعُددًا وأوفر مالًا ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: من جماعة المؤمنين. أي: ولا تكونوا (٤) كالتي نقضت غزلها، حالة كونكم تجعلون أيمانكم - التي تحلفون بها على أنكم موفون بالعهد لمن عاقدتم - خديعةً وغرورًا، ليطمئنوا إليكم وأنتم مضمرون لهم الغدر، وترك الوفاء بالعهد، والنقلة إلى غيرهم من أجل أنهم أكثر منهم عَددًا وعُددًا وأعز نفرًا، بل عليكم بالوفاء بالعهود والمحافظة

стр. 6767

عليها في كل حال. قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز نفرًا، فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز نفرًا، فنهوا عن ذلك، وقيل: هو تحذير للمؤمنين أن يغتروا بكثرة قريش وسعة أموالهم، فينقضوا بيعة النبي ﷺ ، والظبي وإن كان واحدًا فهو خير من قطيع الخنزير. ومحل ﴿هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ نصب على كونه خبر كان، وفي "المدارك": ﴿هِيَ أَرْبَى﴾ مبتدأ وخبر في موضع الرفع صفة لأمة، و ﴿أُمَّةٍ﴾: فاعل ﴿تكون﴾ وهي تامة، كما سيأتي في مبحث الإعراب إن شاء الله تعالى. ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾؛ أي: بأن تكون أمة هي أربى من أمة؛ أي: يعاملكم بذلك معاملة من يختبركم لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله، أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم، وقلة المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال، والضمير في ﴿بِهِ﴾ إما عائد على المصدر المنسبك من ﴿أَنْ تَكُونَ﴾ أو على الوفاء بالعهد. ثم أنذر وحذر من خالف الحق وركن إلى الباطل فقال: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي ليبينن لكم ربكم يوم القيامة إذا وردتم عليه، لمجازاة كل فريق منكم على عمله في الدنيا، المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته ﴿مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا من إقرار المؤمن بوحدانية ربه، ونبوة نبيه، والوحي إلى أنبيائه، وتكذيب الكافر بذلك كله، وهذا إنذار وتخويف من مخالفة ملة الإِسلام ودين الحق، فإنها مؤدية إلى العذاب الأبدي. ٩٣ - وبعد أن أبان أنه كلَّفهم بوفاء العهد، وتحريم نقضه .. أتبعه ببيان أنه قادر على جمعهم على هذا الوفاء، وعلى سائر أبواب الإيمان فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مشيئة قسر وإلجاء، ﴿لَجَعَلَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ متفقة على الإِسلام ﴿وَلَكِنْ﴾ لم يشأ ذلك لكونه مزاحمًا للحكمة الإلهية، بل شاء اختلافكم لحكمة لا يعلمها إلا هو، ولذلك ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ إضلاله بخذلانه إياه عدلًا منه، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته بتوفيقه إياه فضلًا منه، وذلك مما

стр. 6768

اقتضته الحكمة الإلهية، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. والمعنى: أي (١) ولو شاء الله لجعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة، ولم يجعل لهم اختيارًا فيما يفعلون، فكانوا في حياتهم الاجتماعية أشبه بالنمل والنحل، وفي حياتهم الروحية أشبه بالملائكة، مفطورين على طاعة الله، واعتقاد الحق، وعدم الميل إلى الزِّيغ والجور، لكنه تعالى خلقهم كاسبين لا ملهمين، وعاملين بالاختيار لا مفطورين، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وكسب العلم، فللإنسان اختيار أوتيه بحسب استعداده الأزلي، وهو مجبور فيه، والثواب والعقاب يترتبان على هذا الاختيار، الذي يشاهد، وتكون عاقبته الجنة أو النار. ﴿و﴾ عزتي وجلالي ﴿لتسألن﴾ جميعا أيها الناس يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة، لا سؤال استفهام واستفسار ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من الوفاء والنقض ونحوهما، فتجزون به، فيجازى المحسن بإحسانه، ويعقاب المسيء بإساءته، أو يغفر له، ٩٤ - ثم لما نهاهم (٢) سبحانه عن نقض مطلق الأيمان. نهاهم عن نقض أيمان مخصوصة، فقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ﴾؛ أي: ولا تجعلوا أيمانكم أيها المؤمنون ﴿دَخَلًا﴾؛ أي: مكرًا وخديعة وغدرًا ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فتغروا بها الناس، فيسكنوا إلى أيمانكم ويأمنوا إليكم، ثم تنقضونها، وإنما كرر (٣) هذا المعنى تأكيدًا عليهم، وإظهارًا لعظم أمر نقض العهد. قال المفسرون: وهذا في نهي الذين بايعوا رسول الله ﷺ على الإِسلام، نهاهم عن نقض عهده، لأن الوعيد الذي بعده، وهو قوله : ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ لا يليق بنقض عهد غيره، إنما يليق بنقض عهد رسول الله ﷺ على الإيمان به وبشريعته ﴿فَتَزِلَّ﴾ نصب في جواب النهي؛ أي: فتسقط ﴿قَدَمٌ﴾؛ أي: أقدامكم أيها المؤمنون عن محجة الحق ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ عليها، ورسوخها فيها بالإيمان، وإفراد (٤) القدم وتنكيرها للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت

стр. 6769

عزت أو هانت محذورٌ عظيمٌ، فكيف بأقدامٍ كثيرةٍ؛ أي: فتزلوا عن طاعة الله، فإن من نقض عهد الإِسلام فقد سقط عن الدرجات العالية، ووقع في الضلالة. ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾؛ أي: العذاب السيء في الدنيا ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ﴾؛ أي: بصدودكم وخروجكم أو بصدكم ومنعكم غيركم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ الذي ينتظم بالوفاء بالعهود والإيمان، فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنةً لغيره، ﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: شديد بنقضكم العهد. ومعنى الآية: أي (١) ولا تجعلوا أيمانكم خديعة تغرون بها الناس، والمراد نهي المخاطبين بذلك الخطاب عن نقض أيمان مخصوصة أقدموا عليها، ذلك أنهم بايعوا رسول الله - على الله عليه وسلم - على الإِسلام. وحلفوا على ذلك أوكد الإيمان، ثم نقضوا ما فعلوا لقلة أهله وكثرة أهل الشرك، فنهوا عن ذلك. قوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ الآية؛ أي: إنكم بعملكم هذا النقض تكونون قد وقعتم في محظورات ثلاثة: ١ - أنكم تضلون وتبعدون عن محجة الحق والهدى بعد أن رسخت أقدامكم فيها. ٢ - أنكم تكونوا قدوة لسواكم، وتستنون سنةً لغيركم فيها صد عن سبيل الحق، ويكون لكم بها سوء العذاب في الدنيا بالقتل والأسر وسلب الأموال والجلاء عن الديار. ٣ - أنكم ستعاقبون في الآخرة أشد العقاب جزاء ما اجترحتم من مجانفة الحق والإعراض عن أهله، والدخول في زمرة أهل الشقاء والضلال. ٩٥ - ثم أكد هذا التحذير بقوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللهِ﴾؛ أي: لا تأخذوا بمقابلة عهده تعالى وبيعة رسوله - على الله عليه وسلم - ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، من الدنيا؛ أي: لا تستبدلوا بها عوضًا يسيرًا؛ أي: لا تأخذوا في مقابلة نقضه عوضًا حقيرًا، وهو ما كانت قريش يعدون

стр. 6770

ضعفة المسلمين، ويشترطون لهم على الارتداد من حطام الدنيا، ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ سبحانه من النصر والتغنيم في الدنيا والثواب في الآخرة ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما يعدونكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تفاوت ما بين العوضين أوفوا بعهدكم واحذروا عن نقضه. والمعنى: أي ولا تأخذوا في مقابلة نقض العهد عوضًا يسيرًا من الدنيا، وقد كان هذا حال قوم ممن أسلموا بمكة، زين لهم الشيطان أن ينقضوا ما بايعوا رسول الله ﷺ ، جزعًا مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم للمؤمنين وإيذائهم لهم، ولما كانوا يعدونهم به من البذل والعطاء إن هم رجعوا إلى دينهم، فنبههم الله تعالى بهذه الآية، ونهاهم عن أن يتبدلوا الخير العميم والنعيم المقيم في الآخرة بما وعدوهم به من عرض الدنيا وزينتها. ثم بين سبحانه قلة ما أخذوا وعظيم ما تركوا بقوله: ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: إن ما خبأه الله لكم وادخره من جزيل الأجر والثواب هو خير لكم من ذلك العرض القليل في الدنيا، إن كنتم من ذوي العقول الراجحة والأفكار الثاقبة، التي تزن الأمور بميزان الفائدة، وتقدر الفرق بين العوضين. ٩٦ - ثم بين وجه خيريته ورجاحة شأنه بقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ أيها الناس من أعراض الدنيا وإن كثرت ﴿يَنْفَدُ﴾؛ أي: يفنى وينقضي ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من خزائن رحمته الدنيوية والآخروية ﴿بَاقٍ﴾ لا نفاد له ولا انتهاء ولا انقضاء، وهو حجة على الجهمية القائلين بأن نعيم الجنة يتناهى: ينقطع، ويصح الوقف عليه بثبوت الياء وبحذفها مع سكون القاف، وهما سبعيتان؛ أي: إن ما تتمتعون به من نعيم الدنيا بل الدنيا وما فيها تنفد وتنقضي، وإن طال الأمد وجل العدد، وما في خزائن الله باق لا نفاد له، فلما عنده تعالى فاعملوا، وعلى الباقي الذي لا يفنى فاحرصوا. ثم رغب سبحانه المؤمنين في الصبر على ما التزموه من شرائع الإِسلام فقال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لنعطينَّ ولنثيبن ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على إذاية المشركين، وعلى مشاق التزام تكاليف الإِسلام التي من جملتها الوفاء

стр. 6771

بالعهود والمواثيق ﴿أَجْرَهُمْ﴾ الخاص بهم بمقابلة صبرهم على الأمور المذكورة، وهو مفعول ثان لنجزين ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي (١): لنجزينهم بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف وجهاد الكافرين، والصبر على ما ينالهم منهم من الإيذاء، بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات، قيل: وإنما خصّ أحسن أعمالهم لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل: المعنى ولنجزينهم بجزاءٍ أشرف وأوفر من عملهم، كقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم، على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها، من الجزاء الجزيل لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن، بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن كذا قيل، قال أبو حيان: والذي (٢) يظهر أن المراد بالأحسن هنا الصبر؛ أي: ولنجزين الذين صبروا بصبرهم؛ أي: بجزاء صبرهم، وجعل الصبر أحسن الأعمال، لاحتياج جميع التكاليف إليه، وهو أس الأعمال الصالحة ورأسها، فكان الأحسن لذلك، وقرأ عاصم وابن كثير: ﴿ولنجزين﴾ بالنون وباقي السبعة بالياء. وفي الآية (٣): عدةٌ جميلةٌ باغتفار ما عسى أن يكون قد فرط منهم أثناء ذلك من جزع يعتريهم بحسب الطبيعة البشرية. ٩٧ - ثم رغبهم في المثابرة على أداء الطاعات وعمل الواجبات الدينية فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ أيَّ عمل كان قوليًّا أو فعليًّا، وهو ما كان لوجه الله تعالى ورضاه، ليس فيه هوى ولا رياء، والفرق بينهما أن الهوى بالنسبة إلى النفس والرياء بالنسبة إلى الخلق، حال كون ذلك العامل ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾؛ أي: من رجل أو امرأة، بينه (٤) بالنوعين ليعمُّهما الوعد الآتي، ولا يتوهم التخصيص بالذكور بناء على كثرة استعمال لفظ ﴿مِنْ﴾ فيهم، وأن الإناث لا

стр. 6772

يدخلن في أكثر الأحكام والمحاورات إلا بطريق التغليب أو التبعية ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أن ذلك العامل ﴿مُؤْمِنٌ﴾ مخلص، قيده به إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب، وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ في الدنيا ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ فيعيش عيشًا طيبًا لأنه إن كان موسرًا فظاهر، وإن كان معسرًا يطيب عيشه بالقناعة والرضا بالقسمة، وتوقع الأجر العظيم في الآخرة، كالصائم يطيب نهاره بملاحظة نعيم ليله، بخلاف الفاجر فإنه إن كان معسرًا فلا يدعه الحرص وخوف القوت أن يتهنأ بعيشه، واللام في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ لام قسم، وكذا في قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾؛ أي: ونعطين أولئك العاملين في الآخرة ﴿أَجْرَهُمْ﴾ الخاص بهم وثوابهم الجزيل ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بما كانوا يعملون من الصالحات، وإنما أضيف (١) إليه الأحسن للإشعار بكمال حسنه، وقد قدَّمْنا قريبًا تفسير الجزاء بالأحسن في حق الصابرين فراجعه، ووحَّد (٢) الضمير في ﴿لنحيينه﴾ وجمعه في ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ حملًا على لفظ ﴿مِنْ﴾ وعلى معناه، وروي (٣) عن نافع: ﴿وليجزينهم﴾ بالياء بدل النون التفت من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة. والمعنى: أي (٤) من عمل صالح الأعمال، وأدى فرائض الله التي أوجبها عليه، وهو مصدق بثوابه الذي وعد به أهل طاعته، وبعقاب أهل المعصية على عصيانهم .. فلنحيينه حياة طيبة تصحبها القناعة بما قسم الله له، والرضا بما قدره وقضاه، إذ هو يعلم أن رزقه إنما حصل بتدبيره، والله محسن كريم لا يفعل إلَّا ما فيه المصلحة، ويعلم أن خيرات الدنيا سريعة الزوال فلا يقيم لها في نفسه وزنًا، فلا يعظم فرحه بوجدانها، ولا غمه بفقدانها، ثم هو بعد ذلك يجزى في الآخرة أحسن الجزاء، ويثاب أجمل الثواب، جزاء ما قدم من عمل صالح، وتحلى به من إيمان صادق، أما من أعرض عن ذكر الله تعالى، فلم يؤمن ولم يعمل صالحًا .. فهو في عناء ونكد، إذ يكون شديد الحرص والطمع في الحصول على

стр. 6773

لذات الدنيا، فإن أصابته محنة أو بلاءٌ .. استعظم أمره، وعظمت أحزانه، وكثر غمه وكدره، وإذا فاته شيء من خيراتها .. عبس وبسر، وامتلأ قلبه أسى وحسرةً، لأنه يظن أن السعادة كل السعادة في الحصول على زخرف هذه الحياة والتمتع بمتاعها، فإذا هو لم ينل منه ما يريد .. فقد حرم كل ما يحلم به ويقدِّره من وافر السعادة وعظيم الخير، والإنسان بطبعه جزوعٌ هلوع منوعٌ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول: "اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف عليَّ كل غائبة لي بخير". وأخرج الترمذي والنسائي من حديث فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قد أفلح من هدي إلى الإِسلام وكان عيشه كفافًا وقنع به". وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه"، والله أعلم. الإعراب ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، ﴿جَعَلَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾: جار ومجرور متعلق به أيضًا، وهو في محل المفعول الثاني، أو حال من ﴿سَكَنًا﴾؛ لأنه صفة نكرةٍ قدمت عليه ﴿سَكَنًا﴾: مفعول أول وفي "الفتوحات": قوله ﴿سَكَنًا﴾ يجوز (١) أن يكون مفعولًا أول على أن الجعل بمعنى التصيير، والمفعول الثاني أحد الجارين قبله، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق فيتعدى لواحد انتهى، ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض

стр. 6774

معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به على كونه مفعولًا ثانيًا له، ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ﴾: متعلق به أيضًا، ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول أول، أو مفعول به إن كان ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى خلق، ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿بُيُوتًا﴾، ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تستخفون﴾، ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، معطوف على الظرف الأول، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ المقدر ﴿وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ معطوف على ﴿أَصْوَافِهَا﴾، ﴿أَثَاثًا﴾ معطوف على ﴿سَكَنًا﴾، وقد فصل (١) بينه وبين حرف العطف بالجار والمجرور وهو قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾، وليس بفصل مستقبح كما زعم في "الإيضاح" لأنَّ الجار والمجرور مفعول، وتقديم مفعول على مفعول قياسي، ﴿وَمَتَاعًا﴾ معطوف على ﴿أَثَاثًا﴾ ﴿إِلَى حِينٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَثَاثًا وَمَتَاعًا﴾؛ أي؛ منتفعين بهما إلى حين انقضاء الحاجة إليهما. ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿جَعَلَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿جعل﴾، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني، ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما خلقه، ﴿ظِلَالًا﴾: مفعول ﴿جَعَلَ﴾. ﴿وَجَعَلَ﴾: معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ قبله، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾: متعلق به أيضًا، وهو في محل المفعول الثاني لجعل، ﴿أَكْنَانًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جعل﴾، ﴿وَجَعَلَ﴾: معطوف على ﴿وَجَعَلَ﴾ أيضًا، ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، ﴿سَرَابِيلَ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿سَرَابِيلَ﴾، والجملة صفة لـ ﴿سَرَابِيلَ﴾، ﴿سَرَابِيلَ﴾ معطوف على ﴿سَرَابِيلَ﴾ الأولى، ﴿تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿سَرَابِيلَ﴾، والجملة صفة لـ ﴿سَرَابِيلَ﴾.

стр. 6775

﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمصدر محذوف، ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة مستأنفة، والتقدير: يتم نعمته عليكم إتمامًا مثل إتمامه عليكم النعمة المذكورة، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تُسْلِمُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾ مستأنفةٌ مسوقةً لتعليل ما قبلها. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾. ﴿فإن﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا بلَّغتهم ما أرسلت به إليهم، وأردت بيان حكم ما إذا أعرضوا عنه .. فأقول لك ﴿إِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فلا تَبْخَع نَفَسَك حسراتٍ عليهم، والجملة الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، ﴿فَإِنَّمَا﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿عَلَيْكَ﴾: خبر مقدم، ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿البلاغ﴾، والجملة الاسمية في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية، والتقدير: فإن تولوا فلا قصور عليك في حقهم لعدم كون غير البلاغ عليك؛ أي: ليست هدايتهم عليك. ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿يَعْرِفُونَ﴾، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف، تقديره: واذْكُر يوم نبعث،

стр. 6776

﴿نَبْعَثُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾ ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نبعَثُ﴾، ﴿شَهِيدًا﴾: فعول به، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُؤْذَنُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُؤْذَنُ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على ﴿نَبْعَثُ﴾، ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لا﴾: نافية، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجر معطوفة على ﴿لَا يُؤْذَنُ﴾. ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿رَأَى الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿الْعَذَابَ﴾ مفعول به ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾ وابطة لجواب ﴿إذَا﴾ جوازًا ﴿لا﴾ نافية، ﴿يُخَفَّفُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿الْعَذَابَ﴾، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿وَلَا هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لا ينُظَرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿لا يخفف﴾. ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾. ﴿وَإِذَا﴾: ظرف لما يستقبل، ﴿رَأَى الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، فعل شرط لـ ﴿إذا﴾ ﴿أَشْرَكُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿شُرَكَاءَهُمْ﴾: مفعول به لـ ﴿رأى﴾ لأنها بصرية، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، جواب ﴿إذا﴾ وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ الأولى. ﴿رَبَّنَا﴾: إلى قوله: ﴿فَأَلْقَوْا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾،

стр. 6777

﴿هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿شُرَكَاؤُنَا﴾، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿نَدْعُو﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ دُونِكَ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿نَدْعُو﴾؛ أي: حالة كوننا متجاوزين بعبادتنا إلى غيرك، ﴿فَأَلْقَوْا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ألقوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿قَالُوا﴾، ﴿إِلَيْهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿ألقوا﴾ ﴿الْقَوْلَ﴾: مفعول به، ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وقالوا إنكم لكاذبون. ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾. ﴿وَأَلْقَوْا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿فَأَلْقَوْا﴾، ﴿إلَى اَللهِ﴾: متعلق به، وكذا يتعلق به الظرف في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، ﴿السَّلَمَ﴾: مفعول به، ﴿وَضَلَّ﴾: فعل ماض، ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿كَانُوا﴾: فعل واسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، والتقدير: وضل عنهم افتراؤهم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلته، ﴿وَصَدُّوا﴾: فعل وفاعل، معطوف ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَصَدُّوا﴾، ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿عَذَابًا﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يُفْسِدُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بسبب إفسادهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿زِدْنَا﴾.

стр. 6778

﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يوم، ﴿نَبْعَثُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نَبْعَثُ﴾، ﴿شَهِيدًا﴾: مفعول به، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: صفة ﴿شَهِيدًا﴾، ﴿وَجِئْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿نَبْعَثُ﴾، ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَجِئْنَا﴾، ﴿شَهِيدًا﴾: حال من ضمير ﴿بِكَ﴾، ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾. ﴿وَنَزَّلْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة، ﴿تِبْيَانًا﴾: حال من ﴿الْكِتَابَ﴾ أو مفعول لأجله، ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿تِبْيَانًا﴾، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى﴾: معطوفات على ﴿تِبْيَانًا﴾ ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بشرى﴾، وهو متعلق من حيث المعنى بهدى ورحمة أيضًا اهـ "سمين". ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَأْمُرُ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿بِالْعَدْلِ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْمُرُ﴾. ﴿وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾: معطوفان عليه، ﴿وَيَنْهَى﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يَأْمُرُ﴾، ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾: متعلق به، ﴿وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾: معطوفان على ﴿الْفَحْشَاءِ﴾، ﴿يَعِظُكُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَأْمُرُ﴾ ﴿وَيَنْهَى﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعلَّ﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾.

стр. 6779

﴿وَأَوْفُوا﴾: فعل وفاعل، مستأنف، ﴿بِعَهْدِ اللهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق به، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل مجرد من معنى الشرط متعلق بـ ﴿أَوْفُوا﴾، ﴿عَاهَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿أوفوا﴾، ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَنْقُضُوا﴾، ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، ﴿كَفِيلًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب حال من فاعل ﴿تَنْقُضُوا﴾، ﴿إِنَّ اللهَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿تَفْعَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: تفعلونه. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾. ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، ﴿كَالَّتِي﴾: جار ومجرور خبرها، وجملة ﴿تَكُونُوا﴾ معطوفة على جملة ﴿تَنْقُضُوا﴾، ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول، ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نَقَضَتْ﴾ ﴿أَنْكَاثًا﴾: حال من ﴿غَزْلَهَا﴾، أو مفعول ثان لـ ﴿نَقَضَتْ﴾ إذا كان بمعنى صَيَّرَتْ، أو منصوب على المفعولية المطلقة لأنه موافق لعامله في المعنى، ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿دَخَلًا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من واو ﴿تَكُونُوا﴾؛ أي: حالة كونكم متخذين أيمانكم دخلًا بينكم، ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾: ناصب وفعل ناقص واسمه، ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، ﴿أَرْبَى﴾: خبره، ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَرْبَى﴾، والجملة الاسمية في محل النصب خبر ﴿تَكُونَ﴾، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ مع ﴿إِنَّ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور باللام المقدرة؛ أي: لأجل كون أمة أربى

стр. 6780

وأكثر من أمة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تتخذون﴾، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿يَبْلُوكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿بِهِ﴾: متعلق به ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿يبينن﴾ فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿لَكُمْ﴾ متعلق به، وكذا يتعلق به ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول لـ ﴿يبين﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلةٌ لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ ﴿لَجَعَلَكُمْ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَؤ﴾ الشرطية، ﴿جعلكم أمة﴾: فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة لـ ﴿أُمَّةً﴾، والجملة الفعلية جواب لـ ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدارك، ﴿يُضِلُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة ﴿ألَوْ﴾ الشرطية، ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يشاء إضلاله، وجملة ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ معطوفة على جملة ﴿يُضِلُّ﴾، ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿تسألن﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، مرفوع بثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و ﴿الواو﴾ المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع نائب فاعل، وهو المفعول الأول لِسَأَل، لأنَّ أصله لَتُسْألُوْنَنَّ، ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تسألن﴾ وهو في محل المفعول الثاني لـ ﴿سأل﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص

стр. 6781

واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: عمّا كنتم تعملونه. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، ﴿بَيْنَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿دَخَلًا﴾، والجملة مستأنفة، ﴿فَتَزِلَّ﴾ ﴿الفاء﴾) عاطفة سببية ﴿تَزِلَّ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، ﴿قَدَمٌ﴾: فاعل، ﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَزِلَّ﴾ ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿تزل﴾، وجملة ﴿تزل﴾ صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر مُتصيِّد من الجملة التي قبلها، من غير سابك لإصلاح المعنى، والتقدير: لا يكن اتخاذكم أيمانكم دخلًا بينكم فزلة قدم بعد ثبوتها وذوقكم السوء، ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر وسبب ﴿ما﴾: مصدرية ﴿صَدَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع ﴿ما﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بالباء، والتقدير: بسبب صدكم عن سبيل الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تذوقوا﴾، ﴿وَلَكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة له، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿تذوقوا﴾. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾. ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تشتروا﴾، ﴿ثَمَنًا﴾: مفعول به، ﴿قَلِيلًا﴾: صفة ﴿ثَمَنًا﴾، ﴿إِنَّمَا﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب، ﴿ما﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب اسمها، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، ﴿خَيْرٌ﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما

стр. 6782

قبلها، وفي رسم ﴿إِنْ﴾ هذه اختلاف بين المصاحف العثمانية، ففي بعضها وصلها بـ ﴿ما﴾، وفي بعضها فصلها عنها، كما ذكره ابن الجزري بقوله: وخُلْفُ الأنفَالِ ونَحْلٍ وَقَعا ﴿إِنْ﴾: حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجواب ﴿إِنْ﴾ محذوف، تقديره: إن كنتم تعلمون تفاوت ما بين العوضين فأوفوا بعهد الله واحذروا نقضه، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. ﴿مَا﴾: مبتدأ، ﴿عِنْدَكُمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صله لـ ﴿مَا﴾، ﴿يَنْفَدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، وجملة ﴿يَنْفَدُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ مبتدأ وصلته، ﴿بَاقٍ﴾: خبره، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ ﴿الواو﴾؛ استئنافية، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿نجزين﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿أَجْرَهُمْ﴾: مفعول ﴿نجزين﴾، ﴿بِأَحْسَنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نجزين﴾ و ﴿الباء﴾ بمعنى على، ﴿أحسن﴾ مضاف، ﴿مَا﴾: موصولة في محل الجر مضاف إليه، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما كانوا يعملونه. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿عَمِلَ﴾: فعل ماض، وفاعله

стр. 6783

ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونها فعل شرط لها، ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿عَمِلَ﴾ أيضًا، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿نحيين﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، و ﴿الهاء﴾ مفعول به، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿حَيَاةً﴾: مفعول مطلق، ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة لـ ﴿حَيَاةً﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿نجزينهم أجرهم﴾ فعل ومفعولان ونون توكيد، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم الأول، على كونها جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، ﴿بِأَحْسَنِ﴾: متعلق بـ ﴿نجزين﴾، و ﴿الباء﴾ بمعنى على، ﴿أحسن﴾ مضاف، ﴿مَا﴾: في محل الجر مضاف إليه، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها نظير ما تقدم. التصريف ومفردات اللغة ﴿سَكَنًا﴾؛ أي: مسكنًا، وقال أهل اللغة: السكن فَعَلٌ بمعنى مفعول، كالقبض والنفض بمعنى المقبوض والمنفوض اهـ "سمين"؛ أي: موضعًا تسكنون فيه وقت إقامتكم. ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ والظَّعْنُ بسكون العين وفتحها: السَّيْرُ في البادية لِنُجْعَةٍ أو طلب ماءٍ أو مَرْتَعٍ، والأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز، والأثاث متاع البيت كالفرش والثياب وغيرها، ولا واحد له من لفظه، والمتاع ما يستمتع وينتفع به في المتجر والمعاش، وقال في "القاموس": الأثاث متاع البيت بلا واحد، أو المال أجمع، والواحدة أثاثة، والمتاع ما تمتعت به من الحوائج، والجمع أمتعة اهـ.

стр. 6784

﴿إِلَى حِينٍ﴾؛ أي: إلى مدة من الزمان، فإنها لصلابتها تبقى مدةً مديدةً، أو إلى انقضاء آجالكم، ﴿ظِلَالًا﴾ جمع ظل، وهو ما يستظل به؛ أي: أشياء تستظلون بها من الحر، كالغمام والشجر والجبل وغيرها، ﴿أَكْنَانًا﴾، جمع كن، وهو ما يستكن به؛ أي: مواضع تستكنون فيها من الكهوف والغِيران والسُّروب في الجبل، وفي "المختار": الكن: السترة، والجمع أكنان، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ والأكنة الأغطية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ الواحد كنان، وقال الكسائي: كن الشيء ستره وبابه ردَّ اهـ، وفي "القاموس": الكِن بالكسر وقاء كل شيء وستره، كالكنة والكنان بكسرهما، والكن البيت جمعه كنان وأكنة، وكنه كنا وكنونًا، وأكنه وكننه واكتنه ستره، واستكن: استتر كاكتن، والكنة جناح يخرج من حائط، أو سقيفة فوق باب الدار، أو ظلة هنالك أو مخدع اهـ. ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ جمع سربال، وهو القميص من القطن والكتَّان والصوف وغيرها، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ وسرابيل الحرب الجواشن والدروع، والبأس الشدة في الحرب والقتل والجراحة كما في "التبيان" ويراد به هنا الحرب. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ فعل ماض من باب تفعل، أو مضارع حذفت منه إحدى التاءين، وفي صيغة التفعل إشارةٌ إلى أن الفطرة الأولى داعية إلى الإقبال على الله، والإعراض لا يكون إلا بنوع تكلفٍ ومعالجةٍ، ذكره في "روح البيان". ﴿إلَّا الْبَلَاغُ﴾ البلاغ اسم مصدر لبلغ بمعنى التبليغ، الذي هو مصدر بلغ المضعف، ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ الأمة الجيل من الناس، وشهيد كل أمة نبيها، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: إنهم يستأذنون فلا يؤذن لهم، ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يقال استعتبه وأعتبه إذا رضي عنه، واستعتبت فلانًا يعني أعتبته؛ أي: أزلت عتباه، واستفعل بمعنى أفعل غير مستنكر، قالوا: استدنيت فلانًا وأدنيته بمعنى واحد، وقيل: السين على بابها من الطلب بمعنى لا يطلبون عتباهم؛ أي: رجوعهم إلى الدنيا، وفي "المختار": عتب عليه وجد - وبابه ضرب ونصر -

стр. 6785

ومعتبًا أيضًا بفتح التاء، والتعتب كالعتب، والاسم المعتبة بفتح التاء وكسرها، قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، وعاتبه معاتبة وعتابًا، وأعتبه سره بعد ما ساءه، والاسم منه العتبى، ويقال استعتبه فأعتبه؛ أي: استرضاه فأرضاه انتهى. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يمهلون ويؤخرون ﴿شُرَكَاءَهُمْ﴾ والشركاء الأصنام والأوثان والشياطين والملائكة، ﴿نَدْعُو﴾ نعبد، ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ أصله فألقيوا، لأنه من ألقى تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا فالتقى ساكنان الألف والواو ثم حذفت الألف فصار فألقوا، و ﴿السَّلَمَ﴾ الاستسلام والانقياد، ﴿وَضَلَّ﴾ ضاع وبطل، والمراد بهؤلاء أمته الحاضر منهم عصر التنزيل، ومن بعدهم إلى يوم القيامة. ﴿تِبْيَانًا﴾؛ أي: بيانًا لأمور الدين إمَّا نصًّا فيها، أو ببيان الرسول واستنباط العلماء المجتهدين في كل عصر، وهو مصدر بين بيانًا وتبيينًا وتبيانًا، زيدت التاء للمبالغة، ولم يجيء من المصدر على هذه الزنة إلَّا لفظان هذا والتلقاء، وفي الأسماء كثير نحو التمساح والتمثال. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ و ﴿العدل﴾ لغة المساواة في كل شيء بلا زيادة ولا نقصان فيه، والمراد به هنا المكافأة في الخير والشر، ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ مقابلة الخير بأكثر منه، والشر بالعفو عنه، ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: إعطاء الأقارب حقهم من الصلة والبر، ﴿والفحشاء﴾ ما قبح من القول والفعل، فيدخل فيه الزنا وشرب الخمر والحرص والطمع والسرقة ونحو ذلك من الأقوال والأفعال المذمومة، ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره العقول من دواعي القوة الغضبية، كالضرب الشديد والقتل، والتطاول على الناس، ﴿وَالْبَغْيِ﴾ الاستعلاء على الناس، والتجبر عليهم بالظلم والعدوان، والوعظ: التشبيه إلى الخير بالنصح والإرشاد، والعهد: كل ما يلتزمه الإنسان باختياره، ويدخل فيه الوعد، ونقض اليمين: الحنث فيها، وأصله فك أجزاء الجسم بعضها من بعض، و ﴿تَوْكِيدِهَا﴾ توثيقها، والتشديد فيها بزيادة الأسماء والصفات فيها، والتوكيد مصدر وكد يوكد

стр. 6786

بالواو، وفيه لغة أخرى: أكد يؤكد بالهمزة، ومعناه التقوية، وهذا كقولهم: ورخت الكتاب وأرخته، وليست الهمزة بدلًا من واو كما زعم أبو إسحاق، لأن الاستعمالين في المادتين متساويان، فليس ادعاء كون أحدهما أصلًا أولى من الآخر، وتبع مكيُّ الزجاج في ذلك ثم قال: ولا يحسن أن يقال الواو بدل من الهمزة، كما لا يحسن أن يقال في أحد إنَّ أصله وحدٌ، فالهمزة بدل من الواو، يعني أنه لا قائل بذلك، وتبعه الزمخشري أيضًا، وتوكيدها مصدر مضاف لمفعوله اهـ "سمين"؛ أي: بعد توكيدكم لها. ﴿كَفِيلًا﴾؛ أي: شاهدًا ورقيبًا، و ﴿الغزل﴾ ما غزل من صوف وقطن ونحوهما، ﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ القوة هنا الإبرام والإحكام، ﴿أَنْكَاثًا﴾ والأنكاث جمع نكث بكسر النون، كأحمال وحمل، وهو ما ينكث فتله وينقض بعد غزله، وفي "المصباح": نكث الرجل العهد نكثًا - من باب قتل نقضه ونبذه - فانتكث مثل نقضه فانتقض، ونكث الكساء وغيره نقضه أيضًا، والنكث بالكسر ما نقض ليغزل ثانيًا، والجمع أنكاث مثل حمل وأحمال اهـ. ﴿دَخَلًا﴾ والدَّخل بفتحتين المكر والخديعة والفساد، وقال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحًا فهو دخل، والدخل ما يدخل في الشيء وليس منه، وأصل الدخل العيب. والعيب ليس من الشيء الذي يدخل فيه اهـ شيخنا، ويراد به هنا أن يظهر المرء الوفاء بالعهد ويبطن النقض. ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى﴾؛ أي: أكثر وأوفر عدادا وعددًا، ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ زلَّة القدم بعد ثبوتها: مثلٌ يقال لمن وقع في محنة بعد نعمة، وبلاءٍ بعد عافية، ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ﴾ إما من صدَّ اللازم؛ أي: بامتناعكم منها، أو من صَدْ المتعدي؛ أي: بمنعكم غيركم، وفي "المصباح": صددته عن كذا صدًّا، من باب قتل، منعته وصرفته، وصددت عنه أعرضت، وصد من كذا يصد من باب ضرب وضحك اهـ. ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ والنفاد الفناء والذهاب، يقال: نفد بكسر العين ينفد بفتحها نفادًا ونفودًا، وأما نفذًا بالمعجمة ففعله نفذ بالفتح، ينفذ بالضم، ويقال:

стр. 6787

أنفذ القوم، إذا فني زادهم اهـ "سمين"، والحياة الطيبة: هي القناعة وعدم الحرص على لذات الدنيا لما في ذلك من الكد والعناء. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ﴾ إن قلنا: إن المراد بالبيوت المتخذة من جلودها الخيام المتخذة من الصوف والوبر والشعر .. فهو من إطلاق المحل وإرادة الحال، من حيث إنها نابتة على جلودها، فيصدق عليها أنها من جلودها، كما أشار إليه في "الجَمَل". ومنها: الطباق في قوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾، وقوله: ﴿يُنْكِرُونَهَا﴾، وفي قوله: ﴿ظَعْنِكُمْ﴾ و ﴿إقَامَتِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾؛ أي: والبرد، والاكتفاء عندهم ذكر أحد متقابلين وحذف الآخر لعلمه من المذكور. ومنها: الحصر في قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ لزيادة التهديد. ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ إن قلنا: إنه ماض مسند إلى ضمير الغائب، ويصح أن يكون مضارعًا حذفت منه إحدى التاءين، وأصله تتولوا، فهو حينئذٍ على الظاهر، فلا التفات فيه. ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ أمر بثلاثة ونهى عن ثلاثة، وهو من المحسنات البديعية. ومنها: ذكر الخاص بعد العام للاهتمام بشأنه في قوله: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ بعد لفظ الإحسان الذي هو عام فيه وفي غيره.

стр. 6788

ومنها: إيثار صيغة الاستقبال في قوله: ﴿يَأْمُرُ﴾ ﴿وَيَنْهَى﴾ لإفادة التجدد والاستمرار كما ذكره "أبو السعود". ومنها: حذف متعلقات العدل والإحسان والبغي؛ ليعم جميع ما يعدل فيه ويحسن به إليه ويُبغى فيه. ومنها: الاستعارة التبعية في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ لأن الترجِّي والتمني ليس مرادًا من لعل، لأن ذلك محالٌ على الله ، فوجب أن يكون معناه: أنه تعالى يعظكم لإرادة أن تذكروا طاعته اهـ "كرخي". ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ الآية، شبه تعالى من يحلف ثم لا يفي بعهده بالمرأة التي تغزل غزلًا ثم تنقضه، في القبح وعدم النفع بعمله. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ استعار القدم للرسوخ في الدين، والتمكن فيه، لأن أصل الثبات يكون بالقدم، ولما كان الزلل عن محجة الحق يشبه زلل القدم وانزلاقها عن محلها .. عبر عنه بالإنزلاق الحسي على طريقة الاستعارة التصريحية. ومنها: إفراد القدم وتنكيرها للإيذان بأن زلل قدم واحدة أيَّ قدم كانت عزت أو هانت محذورٌ عظيم، فكيف بأقدام كثيرة اهـ "أبو السعود". ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6789

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.

стр. 6790

المناسبة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن الله لما ذكر أنه يجزي المؤمنين بأحسن أعمالهم .. أرشد إلى العمل الذي به تخلص أعمالهم من وساوس الشيطان. وعبارة أبي حيان (٢): مناسبتها لما قبلها: أن الله لما ذكر ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وذكر أشياء مما بيّن في الكتاب، ثم ذكر قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ ذكر ما يصون به القارئ قراءته من وسوسة الشيطان ونزغه، فخاطب السامع بالاستعاذة منه إذا أخذ في القراءة، فإن كان الخطاب لرسول الله ﷺ لفظًا فالمراد أُمته، إذ كانت قراءة القرآن من أجل الأعمال الصالحة، كما ورد في الحديث: "إنَّ ثواب قراءة كل حرف عشر حسنات". قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أمر (٣) بالاستعاذة من وسوسة الشيطان الرجيم حين قراءة القرآن .. أردف ذلك بذكر باب من أبواب فتنته ووسوسته، بإلقاء الشبهات والشكوك لدى منكري نبوة محمد ﷺ ، وقد ذكر منها شبهتين: ١ - أنه قد تنزل آية من آيات الكتاب تنسخ شريعةً ماضية، فيعيرون محمدًا بذلك. ٢ - أنهم قالوا: إنَّ ما جاء به إنما هو تعليم من البشر، من بعض أهل الكتاب، لا من الله، فأبطل هذه الشبهات بأنه كلام عربي مبين، وما نسبتم إليه تعليمه أعجمي، فكيف يعلمه الكلام العربي الفصيح، الذي أعجز العرب قاطبةً أن يأتوا بمثله. قوله تعالى: ﴿منْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٤) في الآيات

стр. 6791

السالفة أن قريشًا كفروا برسول الله ﷺ ، وتقولوا عليه الأقاويل، فوصفوه بأنه مفتر، وأن الكتاب الذي جاء به هو من كلام البشر لا من عند الله، ثم هدّدهم على ذلك أعظم تهديد .. أردف ذلك ببيان حال من يكفر بلسانه وقلبه مليء بالإيمان. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) فيما سلف حال من كفر بالله من بعد إيمانه، وحكم بأنه استحق غضب الله وعذابه الأليم يوم القيامة، ثم ذكر حال من أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه وقلبه مليءٌ بالإيمان .. أردف ذلك بذكر طائفة من المسلمين كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم، فوافقوا المشركين على الفتنة في الدين والرجوع إلى دين أبائهم وأجدادهم، ثم فروا وتركوا بلادهم وأهليهم ابتغاء رضوان الله وطلب غفرانه، وانتظموا في سلك المسلمين وجاهدوا معهم الكافرين فحكم ربهم بقبول توبتهم، ودخولهم في زمرة الصالحين، وتمتعهم بجنات النعيم يوم العرض والحساب. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما هدد الكافرين بالعذاب الشديد في الآخرة .. أردف ذلك الوعيد بآفات الدنيا من جوع وفقر وخوف شديد، بعد أمن واطمئنان وعيش رغد. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ الله ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (٢) حال من كفروا بأنعم الله، وكذبوا رسوله، وأنه قد حل بهم العذاب من جوع وخوف، بسبب ظلمهم لأنفسهم، وصدهم عن سبيل الله .. قفى على ذلك بأمر المؤمنين بأكلهم من الحلال الطيب، وشكرهم لنعمة الله عليهم، وطاعتهم للرسول فيما به أمر وعنه نهى، كيلا يحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم، ثم بين ما حرمه من المآكل، وأنَّ التحليل والتحريم لا يكونان إلا بنص من الدين، لا بالهوى

стр. 6792

والتشهي، لأن ذلك افتراء على الله، ومن يفتر عليه لا يفلح، وأنَّ ما حرم على اليهود قد ذكره فيما نزل عليه من قبل في سورة الأنعام، وأنَّ من يعمل السوء لعدم تدبره في العواقب كغلبة الشهوة عليه، ثم يتوب من بعد ذلك ويصلح أعماله فإن الله غفور لزلاته رحيم له، فيثيبه على طاعته. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما (١) أخرجه ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلم قَينًا بمكة اسمه بَلْعَام، وكان نصرانيًّا أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله سبحانه قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ...﴾ الآية، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان من أهل عين التمر، أحدهما يقال له يسارٌ والآخر جبرٌ، وكانا صيقليين، فكانا يقرآن كتابهما، ويعلمان علمهما، وكان رسول الله ﷺ يمر بهما فيستمع قراءتهما، فقالوا: إنما يتعلم منهما، فنزلت هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد النبي ﷺ أن يهاجر إلى المدينة .. أخذ المشركون بلالًا وخبابًا وعمار بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، فلما رجع إلى رسول الله ﷺ .. حدثه، فقال: "كيف كان قلبك حين قلت، أكان منشرحًا بالذي قلت"، قال: لا، فأنزل الله سبحانه ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ...﴾. وأخرج (٢) عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة: أن هاجروا، فخرجوا يريدون المدينة،

стр. 6793

فأدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإِسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ إلى آخر الآية، قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية، لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ فكتبوا إليهم بذلك، إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، ثم نجا من نجا، وقتل من قتل الحديث. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن شريك وهو ثقة. وأخرج (١) ابن سعد في "الطبقات" عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر بن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٩٨ - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: فإذا أردت قراءة القرآن. عبّر (٢) عن الإرادة بالقراءة على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب، إيذانًا بأنَّ المراد هي الإرادة المتصلة بالقراءة، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فاسأل الله أن

стр. 6794

يُعيذك ويحفظك ﴿مِن﴾ وساوس ﴿الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: البعيد عن الخير ﴿الرَّجِيمِ﴾؛ أي: المرجوم بالطرد واللعين؛ أي: من وساوسه وخطراته، كيلا يوسوسك عند القراءة، فإن ناصية كل مخلوق بيده سبحانه، أو قل: أعوذ بالله من الشيطان، وهو المختار من الروايات الأربع عشرة الواردة في ألفاظ الاستعاذة. والخطاب فيه للنبي ﷺ ، والمراد به الأمة، لأنه ﷺ معصوم من الشيطان، وإنما خُصَّ النبي ﷺ به لتعتبر الأمة، وتنتبه إلى أن النبي ﷺ إذا أمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم فغيره أولى بها وأخق، ولمَّا (١) كان الشيطان ساعيًا في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، وكانت الاستعاذة بالله مانعةً من ذلك .. أمر الله رسوله ﷺ والمؤمنين بالاستعاذة عند القراءة، حتى تكون مصونة من وسواس الشيطان. وعن جبير بن مطعم ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة: "قال: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا والحمد لله ثلاثًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا ثلاثًا، أعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم من نفخته ونفثته وهمزته، قال: نفخته الكبر، ونفثته السحر، وهمزته الموتة" أخرجه أبو داود، الموتة الجنون. والفاء في قوله (٢): ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ للتعقيب، فظاهر لفظ الآية يدل على أن الاستعاذة بعد القراءة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول أبي هريرة، وإليه ذهب مالك وجماعة وداود الظاهري، قالوا: لأن قارئ القرآن يستحق ثوابًا عظيمًا، وربما حصلت الوساوس في قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب أم لا، فإذا استعاذ بعد القراءة .. اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصًا، فأما مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار، فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، قالوا: ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن .. فاستعذ باللهِ، ومثله قوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ إلخ، لأن الوسوسة إنما تحصل

стр. 6795

في أثناء القراءة، فتقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب عنه الوسوسة أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها. ومذهب عطاء أن الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، لأن الأمر للوجوب واتفق سائر الفقهاء على أنَّ الاستعاذة سنةٌ في الصلاة وغيرها، وقد تقدمت هذه المسألة والخلاف في أوائل سورة الفاتحة. والاستعاذة (١): الاعتصام باللهِ والالتجاء إليه من شر الشيطان ووسوسته، والمراد من الشيطان إبليس، وقيل: هو اسم جنس يطلق على جميع المَرَدةِ من الشياطين، لأن لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم بإقدار الله إيَّاهم على ذلك. والمعنى (٢): إذا قصدت الشروع في قراءة القرآن .. فاسأل الله أن يعيذك فيها من وساوس الشيطان الرجيم، لئلا يلبس عليك قراءتك، ويمنعك من التدبر التفكر فيها، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ لماذا أمر النبي ﷺ بالاستعاذة مع عصمته منه، فما بالك بسائر أمته. ثم بين أن الناس فريقان: ٩٩ - فريق لا تسلط له عليهم، وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان أو الشأن ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾؛ أي: تسلط وولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بربهم، وصدقوا بوحدانيته وقدرته ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، أي: يعتمدون، وإليه يفوضون أمورهم دينًا ودنيا؛ أي: إنه لا تسلط للشيطان على الذين يصدقون بلقاء الله تعالى، ويفوضون أمورهم إليه، وبه يعوذون، وإليه يلتجئون، فلا يقبلون ما يوسوس به، ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته، وعن سفيان الثوري أنه قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم، يريد أنهم أمروا بالاستعاذة منه ليحفظهم الله تعالى من
следующие страницы →