← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.

стр. 6791

السالفة أن قريشًا كفروا برسول الله ﷺ ، وتقولوا عليه الأقاويل، فوصفوه بأنه مفتر، وأن الكتاب الذي جاء به هو من كلام البشر لا من عند الله، ثم هدّدهم على ذلك أعظم تهديد .. أردف ذلك ببيان حال من يكفر بلسانه وقلبه مليء بالإيمان. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) فيما سلف حال من كفر بالله من بعد إيمانه، وحكم بأنه استحق غضب الله وعذابه الأليم يوم القيامة، ثم ذكر حال من أكره على إجراء كلمة الكفر على لسانه وقلبه مليءٌ بالإيمان .. أردف ذلك بذكر طائفة من المسلمين كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم، فوافقوا المشركين على الفتنة في الدين والرجوع إلى دين أبائهم وأجدادهم، ثم فروا وتركوا بلادهم وأهليهم ابتغاء رضوان الله وطلب غفرانه، وانتظموا في سلك المسلمين وجاهدوا معهم الكافرين فحكم ربهم بقبول توبتهم، ودخولهم في زمرة الصالحين، وتمتعهم بجنات النعيم يوم العرض والحساب. قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما هدد الكافرين بالعذاب الشديد في الآخرة .. أردف ذلك الوعيد بآفات الدنيا من جوع وفقر وخوف شديد، بعد أمن واطمئنان وعيش رغد. قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ الله ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (٢) حال من كفروا بأنعم الله، وكذبوا رسوله، وأنه قد حل بهم العذاب من جوع وخوف، بسبب ظلمهم لأنفسهم، وصدهم عن سبيل الله .. قفى على ذلك بأمر المؤمنين بأكلهم من الحلال الطيب، وشكرهم لنعمة الله عليهم، وطاعتهم للرسول فيما به أمر وعنه نهى، كيلا يحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم، ثم بين ما حرمه من المآكل، وأنَّ التحليل والتحريم لا يكونان إلا بنص من الدين، لا بالهوى

стр. 6792

والتشهي، لأن ذلك افتراء على الله، ومن يفتر عليه لا يفلح، وأنَّ ما حرم على اليهود قد ذكره فيما نزل عليه من قبل في سورة الأنعام، وأنَّ من يعمل السوء لعدم تدبره في العواقب كغلبة الشهوة عليه، ثم يتوب من بعد ذلك ويصلح أعماله فإن الله غفور لزلاته رحيم له، فيثيبه على طاعته. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما (١) أخرجه ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يعلم قَينًا بمكة اسمه بَلْعَام، وكان نصرانيًّا أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله سبحانه قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ...﴾ الآية، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان من أهل عين التمر، أحدهما يقال له يسارٌ والآخر جبرٌ، وكانا صيقليين، فكانا يقرآن كتابهما، ويعلمان علمهما، وكان رسول الله ﷺ يمر بهما فيستمع قراءتهما، فقالوا: إنما يتعلم منهما، فنزلت هذه الآية ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أراد النبي ﷺ أن يهاجر إلى المدينة .. أخذ المشركون بلالًا وخبابًا وعمار بن ياسر، فأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقية، فلما رجع إلى رسول الله ﷺ .. حدثه، فقال: "كيف كان قلبك حين قلت، أكان منشرحًا بالذي قلت"، قال: لا، فأنزل الله سبحانه ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ...﴾. وأخرج (٢) عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة: أن هاجروا، فخرجوا يريدون المدينة،

стр. 6793

فأدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم، فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير بسنده عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإِسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ...﴾ إلى آخر الآية، قال: وكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين هذه الآية، لا عذر لهم، قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ﴾ إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ فكتبوا إليهم بذلك، إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرجوا فأدركهم المشركون، فقاتلوهم، ثم نجا من نجا، وقتل من قتل الحديث. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن شريك وهو ثقة. وأخرج (١) ابن سعد في "الطبقات" عن عمر بن الحكم قال: كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول، وبلال وعامر بن فهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ٩٨ - ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: فإذا أردت قراءة القرآن. عبّر (٢) عن الإرادة بالقراءة على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب، إيذانًا بأنَّ المراد هي الإرادة المتصلة بالقراءة، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فاسأل الله أن

стр. 6794

يُعيذك ويحفظك ﴿مِن﴾ وساوس ﴿الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: البعيد عن الخير ﴿الرَّجِيمِ﴾؛ أي: المرجوم بالطرد واللعين؛ أي: من وساوسه وخطراته، كيلا يوسوسك عند القراءة، فإن ناصية كل مخلوق بيده سبحانه، أو قل: أعوذ بالله من الشيطان، وهو المختار من الروايات الأربع عشرة الواردة في ألفاظ الاستعاذة. والخطاب فيه للنبي ﷺ ، والمراد به الأمة، لأنه ﷺ معصوم من الشيطان، وإنما خُصَّ النبي ﷺ به لتعتبر الأمة، وتنتبه إلى أن النبي ﷺ إذا أمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم فغيره أولى بها وأخق، ولمَّا (١) كان الشيطان ساعيًا في إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم، وكانت الاستعاذة بالله مانعةً من ذلك .. أمر الله رسوله ﷺ والمؤمنين بالاستعاذة عند القراءة، حتى تكون مصونة من وسواس الشيطان. وعن جبير بن مطعم ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي صلاة: "قال: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا والحمد لله ثلاثًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا ثلاثًا، أعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم من نفخته ونفثته وهمزته، قال: نفخته الكبر، ونفثته السحر، وهمزته الموتة" أخرجه أبو داود، الموتة الجنون. والفاء في قوله (٢): ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ للتعقيب، فظاهر لفظ الآية يدل على أن الاستعاذة بعد القراءة، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول أبي هريرة، وإليه ذهب مالك وجماعة وداود الظاهري، قالوا: لأن قارئ القرآن يستحق ثوابًا عظيمًا، وربما حصلت الوساوس في قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب أم لا، فإذا استعاذ بعد القراءة .. اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصًا، فأما مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار، فقد اتفقوا على أن الاستعاذة مقدمة على القراءة، قالوا: ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن .. فاستعذ باللهِ، ومثله قوله : ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ إلخ، لأن الوسوسة إنما تحصل

стр. 6795

في أثناء القراءة، فتقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب عنه الوسوسة أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها. ومذهب عطاء أن الاستعاذة تجب عند قراءة القرآن سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، لأن الأمر للوجوب واتفق سائر الفقهاء على أنَّ الاستعاذة سنةٌ في الصلاة وغيرها، وقد تقدمت هذه المسألة والخلاف في أوائل سورة الفاتحة. والاستعاذة (١): الاعتصام باللهِ والالتجاء إليه من شر الشيطان ووسوسته، والمراد من الشيطان إبليس، وقيل: هو اسم جنس يطلق على جميع المَرَدةِ من الشياطين، لأن لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم بإقدار الله إيَّاهم على ذلك. والمعنى (٢): إذا قصدت الشروع في قراءة القرآن .. فاسأل الله أن يعيذك فيها من وساوس الشيطان الرجيم، لئلا يلبس عليك قراءتك، ويمنعك من التدبر التفكر فيها، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ لماذا أمر النبي ﷺ بالاستعاذة مع عصمته منه، فما بالك بسائر أمته. ثم بين أن الناس فريقان: ٩٩ - فريق لا تسلط له عليهم، وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشيطان أو الشأن ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾؛ أي: تسلط وولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بربهم، وصدقوا بوحدانيته وقدرته ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، أي: يعتمدون، وإليه يفوضون أمورهم دينًا ودنيا؛ أي: إنه لا تسلط للشيطان على الذين يصدقون بلقاء الله تعالى، ويفوضون أمورهم إليه، وبه يعوذون، وإليه يلتجئون، فلا يقبلون ما يوسوس به، ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته، وعن سفيان الثوري أنه قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم، يريد أنهم أمروا بالاستعاذة منه ليحفظهم الله تعالى من

стр. 6796

وساوسه، التي ربما جرتهم إلى الوقوع في صغائر الآثام إذا وقعت على سبيل الندرة أو الغفلة. ولما أمر (١) القارئ بأن يسأل الله تعالى أن يعيذه من وساوسه، وتوهم منه أن له تسلطًا وولايةً على إغواء بني آدم كلهم .. بيَّن الله تعالى أن لا تسلط له على المؤمنين المتوكلين، فقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ إلخ في معرض التعليل للأمر بالاستعاذة، وإشار إلى أن مجرد القول لا ينفع، بل لا بد لمن أراد أن لا يكون للشيطان سبيل عليه أن يجمع بين الإيمان والتوكل. ١٠٠ - والفريق الثاني الذين عناهم بقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾؛ أي: تسلطه بالغواية والضلالة، وغلبته بدعوته المستتبعة للاستجابة، لا سلطانه بالقسر والإلجاء، فإنه مُنْتَفٍ عن الفريقين، لقوله تعالى حكايةً عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وقد أفصح عنه قوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾؛ أي: إنما تسلطه وغلبته على الذين يتخذونه وليًّا، ويجعلونه ناصرًا لهم، فيحبونه ويطيعونه، ويستجيبون دعوته، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾؛ أي: بسبب إغوائه وإضلاله ﴿مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: يشركون بربهم غيره في العبادة والطاعة، وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ عائد إلى الله؛ أي: والذين هم مشركون به تعالى غيره من الأصنام وسائر معبوداتهم. ١٠١ - ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾؛ أي: وإذا أنزلنا آية من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلًا منها بأن نسخناها ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ من (٢) التغليظ والتخفيف في مصالح العباد، وما الشرائع إلا مصالح للعباد في المعاش والمعاد، فالمصالح تدور وهذه الجملة معترضة، لاعتراضها بين الشرط، وهو ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً﴾ وجوابه وهو ﴿قَالُوا﴾ لتوبيخ الكفرة على كونهم ينسبون رسول الله ﷺ إلى الافتراء في التبديل، وللتنبيه على فساد رأيهم؛ أي: والله أعلم بما ينزل أولًا وآخرًا من الأحكام والشرائع، التي هي مصالح، ورب شيء يكون مصلحةً في وقت يكون مفسدةً في وقت آخر، فينسخه ويثبت مكانه ما يكون مصلحة لخلقه؛

стр. 6797

أي: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكمًا آخر ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الكفار من أهل مكة للنبي ﷺ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمَّد ﴿مُفْتَرٍ﴾؛ أي: مختلقٌ من عند نفسك، كاذب على الله، متقول عليه بما لم يقل، حيث تزعم أنه أمرك بشيء، ثم تزعم أنه أمرك بخلافه، فرد الله سبحانه عليهم بما يفيد جهلهم فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ شيئًا من العلم أصلًا، أو لا يعلمون بالحكمة في النسخ، فإنه مبني على المصالح التي يعلمها الله سبحانه، فقد يكون في شرع هذا الشيء مصلحةٌ مؤقتة بوقتٍ، ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره، ولو انكشف الغطاء لهؤلاء الكفرة لعرفوا أن ذلك وجه الصواب، ومنهج العدل والرفق واللطف، وأقلهم يعلم الحكمة في النسخ، ولكن ينكر عنادًا، قال ابن عباس ﵄: إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية ألين منها .. تقول كفار قريش: والله ما محمَّد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمر بأمر، وغدًا ينهى عنه، وأنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومعنى الآية: أي (١) وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية أخرى - والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدل من أحكامه - قال المشركون المكذبون لرسوله ﷺ : إنما أنت يا محمَّد متقوِّل على الله، تأمر بشيء، ثم تنهى عنه، وأكثرهم لا يعلمون ما في التبديل من حكم بالغة، وقليل منهم يعلمون ذلك وينكرون الفائدة عنادًا واستكبارًا. وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ توبيخ لهم، وإيماءٌ إلى أن التبديل لم يكن عن الهوى، بل كان لحكمة اقتضته ودعت إليه من تغير الأحوال والأزمان، ألا ترى أن الطبيب يأمر المريض بدواء بعينه ثم إذا أعاده مرةً أخرى .. نهاه عن ذلك الدواء، وأمره بضده، أو بما لا يقرب منه بحسب ما يرى من حال المريض. وهكذا الشرائع إنما توضع مشاكلة للزمان والمكان، والأحوال الملابسة،

стр. 6798

وقد يطرأ ما يغيِّرها ويستدعي وضع تشريع آخر، يكون أصلح للأحوال المفاجئة، والمشاهدة تدل على صدق هذا فإنا نرى القوانين الوضعية تغير آنًا بعد آن، إذا جد ما يستدعي ذلك. ١٠٢ - ثم بين لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ، الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله، وأن رسوله ﷺ قد افتراه فقال: ﴿قُل﴾ لهم يا محمَّد ﴿نَزَّلَهُ﴾؛ أي: نزل هذا القرآن المدلول عليه بذكر آية، وفي ﴿ينزل﴾ (١) و ﴿نزَّل﴾ تنبيه على أن إنزاله كان مدرجًا بحسب الوقائع ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾؛ أي: الروح المطهر من الأدناس البشرية، وهو جبريل ﵇، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته، كحاتم الجود، وطلحة الخير، وقرأ ابن كثير: ﴿نزله روح القدس﴾ بالتخفيف كما في "البيضاوي"، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ابتداء تنزيله من عنده سبحانه و ﴿بِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال؛ أي: نزله حالة كونه متلبسًا بكونه حقًّا ثابتًا موافقًا للحكمة البالغة المقتضية له، بحيث لا يفارقها إنشاء ونسخا وفيه دلالة على أن النسخ حق. ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ الله ، أو (٢) جبريل مجازًا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الإيمان، بأن القرآن كلام الله، فإنهم إذا سمعوا الناسخ، وتدبروا ما فيه من رعاية المصالح اللائقة بالحال .. رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم، على أن الله تعالى حكيم، فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَبُشْرَى﴾ بالجنة ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادين لحكمه تعالى، وهما معطوفان على محل ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ فهما منصوبان باعتبار لفظه المقدّر عليه الإعراب، ومجروران باعتبار المصدر المؤول، والتقدير: تثبيتًا لهم وهداية وبشارة، أو لتثبيت الذين آمنوا وهدايتهم وبشارتهم، وفيه تعريض بحصول أضداد الأمور المذكورة لمن سواهم من الكفار، وقرىء (٣): ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ مخففًا من أثبت الرباعي.

стр. 6799

وحاصل معنى الآية: أي قل لهم (١) يا محمَّد قد جاء جبريل من عند ربي بما أتلوه عليكم، واقتضته الحكمة البالغة من تثبيت المؤمنين، وتقوية إيمانهم بما فيه من أدلةٍ قاطعةٍ، وبراهين ساطعةٍ على وحدانية خالق الكون، وباهر قدرته، وواسع علمه، وحث على النظر في ملكوت السموات والأرض، وتشريع يرقى بالأمم في أخلاقها وآدابها ومعارفها إلى مستوى لا تدانيها فيه أمةٌ أخرى. والخلاصة: أنه نافع كل النفع لهم في دينهم ودنياهم، فإذا هم رأوا ذلك .. رسخت عقائدهم، واطمأنت قلوبهم، كما أن فيه هداية لهم من الزيغ والضلالات، ففيه ما يهذب النفوس ويكبح جماع الطغيان، ويرد الظالم عن ظلمه، ويدفع عدوان الناس بعضهم على بعض، وفيه بشرى للمسلمين بما سيلقونه من الجنات، التي تجري من تحتها الأنهار جزاء أعمالهم وكدهم ونصبهم إرضاء لربهم، وفي هذا إيماء إلى أن هؤلاء المشركين لهم من الصفات ضد هذا كما مر، فهم متزلزلون ضالون، لهم خزيٌ ونكالٌ في الدنيا والآخرة. ١٠٣ - ثم حكى عنهم شبهة ثانية فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد نعلم علمًا مستمرًا نحن أن كفار مكة يقولون جهلًا منهم ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ أي: إنما يعلم محمدًا ﷺ هذا الذي يتلوه علينا بشرٌ من بني آدم، وليس بالوحي من عند الله تعالى كما يدَّعي، وكلمة إنما أداة حصر؛ أي: لا يعلم محمدًا القرآن إلا بشرٌ، لا جبريل كما يدَّعي، وأدخل (٢) قد على الجملة القسمية توكيدًا لعلمه بما يقولون، ومرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعد والوعيد لهم، وذكر ابن الحاجب أنهم نقلوا قد إذا دخلت على المضارع من التقليل إلى التحقيق، كما أن ربما في المضارع نقلت من التقليل إلى التحقيق. قال عبد الله بن مسلم الحضرمي: عنوا عبدين لنا، أحدهما يقال له يسارٌ، والآخر جبرٌ، وكانا يصنعان السيف بمكة، ويقرآن التوراة والإنجيل، وكان رسول الله ﷺ يمر عليهما، ويسمع ما يقرآنه، فالمراد بالبشر هنا ذانك الغلامان،

стр. 6800

فرد الله تعالى عليهم وكذبهم في قيلهم، فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ مبتدأ وخبر، وكذا ما بعده، والإلحاد الإمالة عن الصواب، من ألحد فلان إذا مال قوله عن الصواب، والأعجمي هو الذي لا يفصح، وإن كان عربيًّا، والعجمي هو المنسوب إلى العجم، وإن كان فصيحًا كما سيأتي، والمعنى لغة البشر والرجل الذي يميلون إليه القول عن الاستقامة، ويشيرون إليه أنه يعلم محمدًا أعجمية غير بينة، ﴿وَهَذَا﴾ القرآن الكريم ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: لغةٌ عربيةٌ ذات بيان وفصاحة، فكيف يصدر تعليم محمَّد عن أعجم، يعني أن القرآن معجز بنظمه، كما أنه معجز بمعناه، لاشتماله على الإخبار عن الغيب، فإن زعمتم أن بشرًا يعلمه معناه، فكيف يعلمه هذا النظم الذي أعجز جميع أهل الدنيا، لا يقول هذا من له أدنى مسكة من عقل. وخلاصة هذا (١): أن ما يسمعه محمَّد من ذلك البشر كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم، والقرآن كلام عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون هو ما تلقفه منه، هبه تعلم منه المعنى باستماع كلامه، فهو لم يلقف منه اللفظ؛ لأنَّ ذلك أعجمي وهذا عربي، والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى، هو معجز من حيث اللفظ، إلا أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بالدرس، والتلقين من أخصائيين مع الاختلاف إليهم مددًا متطاولة، فليس من الميسور ولا مما يجد العقل اطمئنانًا إليه أن يتعلم مثل هذا من غلام سوقي، سمع منه أخبارًا بلغة أعجمية، لعله لم يكن يعرف معناها، وعلى نحو آخر كأنه قيل لهم أنتم أفصح الناس بيانًا، وأقواهم حجة وبرهانًا، وأقدرهم على الكلام نظمًا ونثرًا، وقد عجزتم وعجز جميع العرب أن يأتوا بمثله، فكيف تنسبونه إلى أعجمي ألكن؟ وفي التشبث بأمثال هذه المطاعن الركيكة والخرافات الساذجة أبلغ دليل على أنهم بلغوا غاية العجز ونهاية السخف: فدعهم يزعمون الصبح ليلًا ... أيعمى الناظرون عن الضياء

стр. 6801

وقرأ الحسن (١): ﴿اللسان الذي﴾ بتعريف اللسان بأل، والذي صفتُه، وقرأ حمزة والكسائي: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بفتح الياء والحاء من لحد ثلاثيًّا، وهي قراءة عبد الله بن طلحة والسلمي والأعمش ومجاهد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وابن القعقاع: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسر الحاء من ألحد رباعيًّا، وهما بمعنى واحد. ١٠٤ - ثم توعدهم على ما قالوا بالعقاب في الدنيا والآخرة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: لا يصدقون بأن هذه الآيات من عند الله ، بل يقولون فيها ما يقولون، فيقولون تارة إنها مفتريات، ويقولون أخرى إنها من أساطير الأولين، ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾، ولا يرشدهم إلى معرفة الحق الذي ينجيهم من عذاب النار، لما يعلم من سوء استعدادهم بما اجترحوا من السيئات، ودنسوا به أنفسهم من ارتكاب الموبقات، ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة إذا وردوا إلى ربهم ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلم موجع، كفاء ما نصبوا له أنفسهم من العداء لرسوله ﷺ ، والتكذيب لآيات الكتاب، ولما نسبوا إلى رسول الله ﷺ الإفتراء بقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ١٠٥ - ردَّ الله عليهم بقوله: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ ويختلقه، والتصريح (٢) بالكذب للمبالغة في بيان قبحه، والفرق بين الافتراء والكذب أن الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه، والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه، وفاعل يفتري هو قوله: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه لا يترقب عقابا عليه ليرتدع عنه، وأما من يؤمن بها ويخاف ما نطقت به من العقاب فلا يمكن أن يصدر عنه افتراء ألبتة؛ أي: إنما يتخرص الكذب، ويتقول الباطل الذين لا يصدقون بحجج الله وآياته، التي نصبها في الكون، وأقامها أدلة على وجوده ووحدانيته، لأنهم لا يرجون على الصدق ثوابًا، ولا يخشون على الكذب عقابًا، وهذه صفاتكم أيها المشركون، لا صفات النبي ﷺ والمؤمنين.

стр. 6802

ومن ثم حكم عليهم بالكذب حكمًا صريحًا فقال: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الموصفون بما ذكر من عدم الإيمان بآيات الله، وهم رجال قريش القائلون لك أيها الرسول إنما أنت مفتر ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ على الحقيقة، لا أنت، أو الكاملون في الكذب، إذ لا كذب أعظم من تكذيب آيته، والطعن فيها بأمثال هاتيك الأباطيل، فاللام للجنس والحقيقة، ويدَّعي قصر الجنس في المشار إليهم مبالغة في كمالهم في الكذب، وعدم الاعتداد بكذب غيرهم، وهذا تصريح بنسبة الكذب إليهم بعد التعريض، ليكون ميسم خزي وعارٍ لهم. ١٠٦ - ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: من تلفظ بكلمة الكفر ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ به تعالى، كابن حنظلٍ وطعمة بن أبيرق وأمثالهما، فعليه غضب من الله، فمن موصولة مبتدأ وخبره محذوف لدلالة الخبر الآتي عليه، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ وأجبر على التلفظ بكلمة الكفر بأمر لا طاقة له به (١)، كالتخويف بالقتل والضرب الشديد، والإيلامات القوية، كالتحريق بالنار، مما يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه فتلفظ بها ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: والحال أن قلبه مطمئن مليءٌ بالإيمان، لم تتغير عقيدته، فليس على هذا المكره غضب من الله، لأنه لم يكفر وفي هذا دليل على أن الإيمان المنجي المعتبر عند الله تعالى هو التصديق بالقلب. فإن قلت: (٢) المكره على الكفر ليس بكافر، فلا يصح استثنائه من الكافر، فما معنى هذا الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾؟ قلت: المكره لما ظهر منه بعد الإيمان ما شابه ما يظهر من الكافر طوعًا .. صح هذا الاستثناء لهذه المشابهة والمشاكلة. والله أعلم. ﴿وَلَكِنْ مَنْ﴾ لم يك كذلك بل ﴿شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ أي: انشرح به قلبًا، وطاب به نفسًا، واعتقده ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عظيم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ تعالى وعقوبة شديدة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: عذاب شديد، والعذاب والعقاب الإيجاع الشديد،

стр. 6803

وتقديم الظرف فيهما للاختصاص، كما سيأتي في مبحث البلاغة، وللدلالة على أنهم أحقاء بغضب الله وعذابه العظيم، لاختصاصهم بعظيم الجرم وهو الارتداد. ومعنى الآية: أي إنَّ من (١) كفر بالله بعد الإيمان والتبصر .. فعليه غضب من الله، إلا إذا أكره على ذلك وقلبه مليءٌ بالإيمان بالله، والتصديق برسوله، فلا تثريب عليه، كما فعل عمار بن ياسر. ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: ولكن غضب الله وشديد عقابه لمن طابت أنفسهم بالكفر، واعتقدوه طائعين مختارين، لعظيم جرمهم وكبير إثمهم. ١٠٧ - ثم بين سبب هذا الغضب فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ الغضب من الله والعذاب العظيم ﴿بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾؛ أي: سبب أنهم آثروا الحياة الدنيا وزينتها على نعيم الآخرة، ﴿و﴾ بسبب ﴿أن الله﴾ ﴿لَا يَهْدِي﴾ إلى الإيمان، وإلى ما يوجب الثبات عليه هداية قسر وإلجاء ﴿الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ في علمه المحيط، فلا يعصمهم (٢) من الزيغ وما يؤدِّي إليه من الغضب والعذاب العظيم، ولولا أحد الأمرين: إما إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وإمَّا عدم هداية الله تعالى للكافرين هداية قسر، بأن آثروا الآخرة على الدنيا، أو بأن هداهم الله تعالى هداية قسر .. لما كان لذلك الغضب العظيم، والعذاب الشديد، لكن الثاني مخالف للحكمة، والأول مما لا يدخل تحت الوقوع. أي: وبسبب أنَّ الله لا يوفق من يجحد آياته، ويصر على إنكارها، لأنه قد فقد الاستعداد لسبل الخير، بما زينت له نفسه، وسولت له من عظيم الجرم وكبير الإثم، فأصبح قلبه مليئًا بما يشغله عن دواعي الإيمان بما يمليه عليه الشيطان ١٠٨ - ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من القبائح هم ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ وختمها بخاتم الرين والضلال، فلا يؤمنون ولا يهتدون ﴿و﴾ طبع على ﴿سَمْعِهِمْ﴾ وأصمه، فلا يسمعون داعي الله إلى الهدى، ﴿و﴾ على ﴿أبصارهم﴾

стр. 6804

وأعماها، فلا يبصرون بها حجج الله إبصار معتبر متعظ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾؛ أي: الساهون عما أعد لأمثالهم من أهل الكفر، ١٠٩ - ﴿لَا جَرَمَ﴾؛ أي: حق حقًّا وثبت ثبوتًا ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: أنَّ هؤلاء الموصوفين بالصفات السابقة ﴿فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: الهالكون الذين غبنوا أنفسهم حظوظها، وضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما لا يفضي إلا إلى العذاب المخلد، ولله در من قال: إذا كان رأس المال عمرك فاحترس ... عليه من الإنفاق في غير واجب فما المرء في هذه الحياة إلا كالتاجر يشتري بطاعة ربه سعادة الآخرة، فإذا لم يفعل من ذلك شيئًا .. خسرت تجارته، وعاد ذلك عليه بالوبال والنكال في جهنم وبئس القرار، وقد حكم (١) الله تعالى على هؤلاء الكافرين بستة أشياء: ١ - استوجبوا غضب الله. ٢ - استحقوا عقابه العظيم. ٣ - أنهم استحبوا الحياة الدنيا. ٤ - أن الله حرمهم من الهداية للطريق القويم. ٥ - أنه طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم. ٦ - أنه جعلهم سبحانه من الغافلين. قال مجاهد: أول من أظهر الإِسلام سبعة: رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وخباب، وصهيب، وبلال، وعمار وسمية، أما الرسول فحماه أبو طالب، وأما أبو بكر فحماه قومه، وأخذ الآخرون وألبسوا دروع الحديد ثم أجلسوا في الشمس، فبلغ منهم الجهد بحر الحديد والشمس، وأتاهم أبو جهل يشتمهم ويوبخهم، ويشتم سمية، ثم طعنها بحربة في ملمس العفة، وقال الآخرون: ما أرادوا به منهم إلا بلالًا، فإنهم جعلوا يعذبونه فيقول: أحد أحد، حتى ملوا فكتفوه، فجعلوا في عنقه حبلًا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به حتى ملوه

стр. 6805

فتركوه، وقال عمار: كلنا تكلم بالذي أرادوا غير بلال، فإن نفسه هانت عليه فتركوه وقال خباب: لقد أوقدوا لي نارًا ما أطفأها إلّا ودك دهن ظهري. ١١٠ - وكلمة ثم في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ للدلالة (١) على تباعد حال هؤلاء - يعني الذين نزلت الآية فيهم - عن حال أولئك، وهم عمار وأصحابه، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ متعلق بخبر إنَّ الآتي، والتقدير: ثم إن ربك يا محمَّد لغفور رحيم للذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وهم عمار وصهيب وخباب وسالم وبلال وغيرهم، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾؛ أي: عذبوا على الارتداد، وأكرهوا على تلفظ كلمة الكفر، فتلفظوا بما يرضيهم؛ أي: الكفرة مع اطمئنان قلوبهم، ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ في سبيل الله ﴿وَصَبَرُوا﴾ على مشاق الجهاد، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾؛ أي: من بعد المهاجرة والجهاد والصبر تأكيد لـ ﴿إنَّ﴾ الأولى واسمها ومتعلقها، وقوله: ﴿لَغَفُورٌ﴾ بما فعلوا من قبل، خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ الأولى؛ أي: لستور عليهم، محاءٌ لما صدر منهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ منعم عليهم من بعد بالجنة، جزاء على تلك الأفعال الحميدة والخصال المرضية، واعلم (٢) أن المهاجرة مفاعلة من الهجرة، وهي الانتقال من أرض إلى أرض، والمجاهدة مفاعلة من الجهد، وهو استفراغ الوسع، وبذل المجهود في طلب المقصود، قال في "التعريفات": المجاهدة في اللغة المحاربة، وفي الشرع: محاربة النفس الأمارة بالسوء بتحميلها ما يشق عليها مما هو مطلوب في الشرع انتهى. وحاصل معنى الآية: أي إن ربك (٣) أيها الرسول للذين هاجروا من ديارهم، وتركوا مساكنهم وعشائرهم من أهل الشرك، وانتقلوا عنهم إلى ديار الإِسلام من بعد ما فتنهم المشركون، الذين كانوا بين ظهرانيهم قبل هجرتهم، ثم جاهدوا المشركين بعد ذلك بأيديهم بالسيف، وبألسنتهم بالبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله، وصبروا على جهادهم، إنَّ ربك من بعد أفعالهم هذه لذو

стр. 6806

ستر على ما كان منهم، من إعطاء المشركين ما أرادوا منهم من كلمة الكفر بألسنتهم، وهم لغيرها مضمرون، وللإيمان معتقدون، رحيم بهم أي: يعاقبهم عليها مع إنابتهم إليه وجميل صنعهم من بعد. وقرأ الجمهور (١): ﴿فتنوا﴾ مبنيًّا للمفعول؛ أي: بالعذاب والإكراه على كلمة الكفر، وقرأ ابن عامر: ﴿فُتِنُوا﴾ مبنيًّا للفاعل، والظاهر أن الضمير عائد على الذين هاجروا، فالمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول، كما فعل عمار. ١١١ - وقوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾ منصوب على الظرفية برحيم، والمعنى: إن ربك لغفور رحيم بهؤلاء يوم تأتي كل نفس تخاصم عن نفسها، وتحاج عنها إلخ، أو على المفعول به، وناصبه اذكر محذوفًا؛ أي: اذكر يا محمَّد قصة يوم تأتي كل نفس، وهو يوم القيامة، حالة كونها ﴿تُجَادِلُ﴾ وتخاصم وتدافع ﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾؛ أي: عن ذاتها، فالنفس (٢) الأولى بمعنى الجملة، والثانية بمعنى العين والذات، والمعنى: اذكر يا محمَّد أو يا كل من يصلح للخطاب يوم (٣) يأتي كل إنسان حالة كونه يجادل ويخاصم عن ذاته، يسعى في خلاصها بالاعتذار عما أسلفت في الدنيا من عمل، كقولهم: ﴿هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ و ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، لا يهمه شأن غيرها من ولد ووالد وقريب، فيقول: نفسي نفسي، وذلك حين زفرت جهنم زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، حتى خليل الرحمن إبراهيم ﵇، وقال: رب نفسي؛ أي: أريد نجاة نفسي. ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ برةٍ أو فاجرةٍ؛ أي: تعطى كل نفس وافيًا كاملًا ﴿مَا عَمِلَتْ﴾؛ أي: جزاء ما عملت، بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب إشعارًا بكمال الاتصال بين الأجزية والأعمال، وإيثار الإظهار على الإضمار للإيذان باختلاف وقتي المجادلة والتوفية، وإن كانتا في يوم واحد ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال

стр. 6807

أن كل الخلائق ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ في جزاء أعمالهم؛ أي: لا ينقصون أجورهم، ولا يعاقبون بغير موجب، ولا يزاد في عقابهم على ذنوبهم. أي وتعطى (١) كل نفس جزاء ما عملت في الدنيا من طاعة أو معصية، فيجزى المحسن بما قدَّم من إحسان، والمسيء بما أسلف من إساءة، ولا يعاقب محسن ولا يثاب مسيء. والخلاصة: أن كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره، كما قال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، وعن ابن عباس (٢) ﵄: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة حتى يخاصم الروح الجسد، يقول الروح: يا رب لم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، ويقول الجسد خلقتني كالخشب، ليست لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، فجاء هذا كشعاع النور فيه نطق لساني وأبصرت عيني ومشت رجلي، قال: فيضرب لهما مثلًا، مثل أعمى ومقعد دخلا حائطًا وفيه ثمارٌ، فالأعمى لا يبصر الثمار، والمقعد لا ينالها، فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر، فعليهما العذاب، كذا في "تفسير السمرقندي". ١١٢ - وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ ضرب إما مضمن (٣) معنى جعل، فتكون ﴿قَرْيَةً﴾ مفعوله الأول و ﴿مَثَلًا﴾ مفعوله الثاني، وإنما تأخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها، ويجوز أن يكون ﴿وَضَرَبَ﴾ على بابه غير مضمن، ويكون ﴿مَثَلًا﴾ مفعوله، و ﴿قَرْيَةً﴾ بدلًا منه، وقد اختلف المفسرون هل المراد بهذه القرية قرية معينة، كما قيل إنها أيلة: بلدة بين ينبع ومصر كما في "الكواشي"، أو المراد قرية غير معينة، بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة، فذهب الأكثر إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله ﷺ وقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين

стр. 6808

كسني يوسف"، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني أرجح لأن تنكير قرية يفيد ذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدلي دخولًا أوليًّا، وأيضًا يكون الوعيد أبلغ، والمثل أكمل، وغير مكة مثلها، وعلى فرض إرادتها ففي المثل إنذار لغيرها عن مثل عاقبتها. أي: وجعل الله قرية ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾؛ أي: ذات (١) أمن من كل مخوف ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾؛ أي: متوطنة، لا ينتقلون عنها إلى غيرها لحسنها وبهائها، وجملة ﴿كَانَتْ﴾ صفة أولى لقرية؛ أي: جعل سبحانه أهل هذه القرية مثلًا لأهل مكة خاصةً، أو لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة، ففعلوا ما فعلوا، فبدل بنعمتهم نقمةً، ودخل فيهم أهل مكة دخولًا أوليًّا، وجملة قوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾ صفة ثانية لقرية، وتغير سبكها عن الصفة الأولى لما أن إتيان رزقها متجدد، وكونها آمنة مطمئنة ثابت مستمرٌ؛ أي: يأتيها زرق أهلها وأقواتهم حالة كونه: ﴿رَغَدًا﴾؛ أي: واسعًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ من نواحيها من البر والبحر متعلق بيأتي، ﴿فَكَفَرَتْ﴾؛ أي: كفر أهل تلك القرية ﴿بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: بنعمه جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، والمراد بها نعمة الرزق والأمن المستمر، وإيثار جمع القلة للإيذان بأن كفران نعمة قليلة حيث أوجب هذا العذاب، فما ظنك بكفران نعم كثيرة، روي أن أهل أيلة كانوا يستنجون بالخبز كما في "الكواشي"، قال بعضهم: الخبز هو الأصل بين النعم الإلهية، ولذا أمر آدم ﵇ الذي هو أصل البشر بالحراثة، فمن كفر به .. فقد كفر بجميع النعم وتعرض لزوالها. ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ﴾ ؛ أي: أذاق أهلها، وأصل الذوق بالفم ثم استعير فوضع موضع الابتلاء والاختبار كما في "تفسير أبي الليث" ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾؛ أي: أذاقها الجوع والخوف، المشبهين باللباس بجامع الاشتمال في كل، حتى أكلوا ما تغوطوه، لأن الجزاء من جنس العمل، قال في "الأسئلة

стр. 6809

المقحمة": كيف سمى الجوع لباسًا؟ قيل: لأنه يظهر من الهزال وشحوب اللون وضيق الحال ما هو كاللباس، وقال في "الإرشاد": شبه أثر الجوع والخوف وضررهما المحيط بهم باللباس الغاشي للابس، فاستعير له اسمه، وأوقع عليه الإذاقة المستعارة لمطلق الإيصال المنبئة عن شدة الإصابة ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ فيما قبل من الكفران، والضمير فيه عائد على المحذوف في قوله ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾؛ أي: قصة أهل قرية، أعاد الضمير أولًا على لفظ قرية، ثم على المضاف المحذوف كقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ذكره في "البحر". وقرأ الجمهور (١) ﴿والخوف﴾ بالجر عطفًا على الجوع، وروى العباس عن أبي عمرو ﴿والخوف﴾ بالنصب عطفًا على ﴿لباس﴾، قال صاحب "اللوامح": ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل، وقال الزمخشري: يجوز أن يكون على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أصله: ولباس الخوف، وقرأ عبد الله: ﴿فأذاقها الله الخوف والجوع﴾ ولا يذكر لباس، والذي أقوله: أن هذا تفسير المعنى؛ لأن المنقول منه مستفيضًا مثل ما في سواد المصحف، وفي مصحف أبي بن كعب: ﴿لباس لخوف والجوع﴾ بدأ بمقابل ما بدأ به في قوله: ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾، وهذا عندي إنما كان في مصحفه قبل أن يجمعوا ما في سواد المصحف الموجود الآن شرقًا وغربًا، ولذلك المستفيض من أبي في القراءة إنما هو كقراءة الجماعة. ١١٣ - والظاهر أن الضمير في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ عائد على ما عاد عليه في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾؛ أي: ولقد جاء أهل تلك القرية وهي مكة أو غيرها على الخلاف المذكور أولًا ﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من جنسهم، يعرفونه بأصله ونسبه، فأخبرهم بوجوب الشكر على النعمة وأنذرهم سوء عاقبة الكفران، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ في رسالته ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ المستأصل غبَّ ما ذاقوا نبذة من ذلك

стр. 6810

﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم ظالمون بالكفران والتكذيب، حيث جعلوا الأول موضع الشكر والثاني موضع التصديق، وفي هذا إيماء (١) إلى تماديهم في الكفر والعناد، وإلى أن ترتب العذاب على التكذيب جري على سنة الله تعالى كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وهكذا حال أهل مكة فإنهم كانوا في حرم آمن يتخطف الناس من حولهم، ولا يمر بهم طيف من الخوف، ولا يزعج قلوبهم مزعج، وكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء، من جميع الأقطار من بر وبحر، فلا يحتاجون إلى الانتقال عنها بسبب ضيق الرزق، قال بعضهم من بحر الرجز: ثَلاَثَةٌ لَيْسَ لَهَا نِهَايَه ... الأَمْنُ والصِحَّةُ والكفايَة وقد جاءهم رسول من أنفسهم، فأنذرهم وحذَّرهم، فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسوله، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وأذاقهم لباس الجوع والخوف بدعاء رسول ﷺ إذ قال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" فاضطروا إلى أكل الجيف، والكلاب الميتة، والعظام المحرقة، وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، من سرايا رسول الله ﷺ ، حيث كانوا يغيرون على مواشيهم وعيرهم وقوافلهم، ثم أخذهم يوم بدر ما أخذهم من العذاب، وقد جعل الله الجوع والخوف اللذين خالط ضررهما أجسامهم لباسًا لهم لأن أثرهما وضررهما قد أحاط بهم من كل جانب، فأشبها اللباس الذي يغطي الجسم ويحيط به، وجعل إصابتهم بهما إذاقة دلالة على شدة تأثيرهما الشديد الذي حدث فيهم، كما يكون ذلك حين ذوق شيء مر بشع كريه، إذ يجد الذائق تقززًا واشمئزازًا. ١١٤ - ثم لمَّا (٢) وعظهم الله سبحانه بما ذكره من حال أهل القرية المذكورة .. أمرهم أن يأكلوا مما رزقهم الله من الغنائم وغيرها، وجاء بالفاء للإشعار بأن ذلك متسبِّب عن ترك الكفر، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ والفاء فيه فاء الفصيحة، والخطاب للمؤمنين على الراجح؛ أي: إذا عرفتم أيها المؤمنين ما حلَّ

стр. 6811

بأهل تلك القرية من العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم، وأردتم بيان ما هو الأصلح واللازم لكم .. فأقول لكم: كلوا واشربوا يا معشر المؤمنين ما رزقكم الله تعالى وأعطاكموه حالة كونه ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾؛ أي: لذيذًا تستطيبه النفوس السليمة من بهائم الأنعام التي أحلها لكم، وذروا الخبائث من الميتة والدم، ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أي: واشكروه على ما أنعم به عليكم، بتحليله ما أحل لكم، وبسائر نعمه المتظاهرة عليكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ﴾ لا غيره ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: تخصونه بالعبادة، فتطيعونه فيما يأمركم به، وتنتهون عما ينهاكم عنه، والمراد بذلك الحث على اتباع أوامره والمداومة عليها. ١١٥ - وبعد أن أمرهم بالأكل من الطيبات .. بين لهم ما حرَّم عليهم فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ ربكم ﴿الْمَيْتَةَ﴾؛ أي: أكلها، وهي كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية إلا السمك والجراد، ﴿وَالدَّمَ﴾ المسفوح؛ أي: المصبوب من العروق، فيجمدونه ويأكلونه، وأما المختلط باللحم فمعفو عنه، والأولى غسله، ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾؛ أي: أكل لحمها، وجميع أجزائها، ﴿وَمَا أُهِلَّ﴾ ورفع الصوت ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: باسم غير الله كالصنم والولي ﴿بِهِ﴾؛ أي: عند ذبحه، كقول أهل الجاهلية باللات والعزى، فإن ذلك من ذبائح من لا يحل أكل ذبيحته. والخلاصة (١): أنَّ ما سمي عليه غير الله تعالى عند الذبح سواء كان صنمًا أو وثنًا أو روحًا خبيثًا من جنٍّ، أو روحًا طيبًا من إنس كالنبي والولي حيًّا أو ميتًا، فأكله حرام لما جاء في الحديث: "ملعونٌ مَنْ ذبح لغير الله" سواء سمى الله عند ذبحه أو لم يسم؛ لأن هذا الحيوان قد انتسب إلى غيره تعالى، فمن ذبح للسيد البدوي، أو لإبراهيم الدسوقي، أو للسيدة زينب، أو للحسين العروسيِّ، أو للأبادر الهرري مثلًا لا يجوز أكل هذا الذبيح، فهذه (٢) الآية دالة على حصر المحرمات في هذه الأربع، فالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع داخلة في الميتة، وما ذبح على النصب داخل تحت قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ

стр. 6812

لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. ثم ذكر الحال التي يسوغ فيها تناول شيء من هذه المحرمات فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أي: فمن احتاج حاجةً شديدةً إلى تناول شيء من هذه المحرمات، لمجاعة حلت به، وضرورة دعته إلى أخذ شيء منها حالة كونه ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على مضطر آخر ﴿وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: ولا متعد قدر الضرورة وسد الرمق، وقيل (١): معناه غير باغ على الوالي، ولا متعد على الناس، بالخروج لقطع الطريق، فعلى هذا لا يباح تناول شيء من المحرمات في سفر المعصية، وجواب من الشرطية محذوف، تقديره: فالله لا يؤاخذه على ذلك، وجملة قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل لذلك المحذوف؛ أي: لأن الله غفور له، يستر له ما صدر منه من الهفوات، رحيم به أن يعاقبه على مثل ذلك. أمَّا ما حرَّموه من غير ذلك من البحائر والسوائب والوصائل ونحوه، مما تقدم في سورة الأنعام، فهو محض افتراءٍ على الله، وقد تقدم مثل هذه الآية في سورة البقرة والمائدة والأنعام، وفيها حصر المحرمات في هذه الأربع فحسب. ١١٦ - ثم أكد حصر المحرمات في هذه الأربع، ونهى عن التحريم والتحليل بالأهواء فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾ يا أهل مكة ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ﴾؛ أي: في شأن (٢) ما تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة، في قولكم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ من غير ترتيب ذلك الوصف على ملاحظةٍ وفكرٍ، فضلًا عن استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه، فاللام بمعنى في متعلقة بتقولوا وما موصولة، وقوله: ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول به لتقولوا؛ لأنه بمعنى تذكروا، وقوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدل منه، فالمعنى: لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام في شأن ما تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة من غير استناد إلى دليل، فقدم عليه كونه كذبًا، وأبدل منه هذا حلال وهذا حرام مبالغةً في كذبهم، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ ذلك مجرَّد وصف باللسان؛ لا حكم عليه، وفي الآية تنبيهٌ للقضاة

стр. 6813

والمفتين كيلا يقولوا قولًا بغير حجة وبرهان. وقال الكسائي والزجاج (١): ﴿ما﴾ هنا مصدريةٌ، وانتصاب الكذب بلا تقولوا؛ أي: لا تقولوا الكذب لأجل وصف ألسنتكم، ومعناه لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم من غير حجةٍ ولا بينةٍ، وقرأ الحسن (٢) وابن عمر وطلحة والأعرج وابن أبي إسحاق وابن عبيد ونعيم بن ميسرة: ﴿الكذب﴾ بكسر الباء، وخرج على أن يكون بدلًا مِنْ ﴿ما﴾ والمعنى الذي تصفه ألسنتكم الكذب، وأجاز الزمخشري وغير أن يكون ﴿الكذب﴾ بالجر صفةً لما المصدرية، قال الزمخشري: كأنه قيل لوصفها الكذب بمعنى الكاذب، وقرأ معاذ وابن أبي عبلة وبعض أهل الشام: ﴿الكُذُب﴾ بضم الثلاثة صفة للألسنة، جمع كذوب، قال صاحب "اللوامح": أو جمع كاذب أو كذاب انتهى، وقال ابن عطية: وقرأ مسلمة بن محارب ﴿الكُذَبَ﴾ بفتح الباء على أنه جمع كذاب، ككتب في جمع كتاب، وقال صاحب "اللوامح": وجاء عن يعقوب الكُذُب بضمتين والنصب، فأما الضمتان فلأنه جمع كذاب وهو مصدر ومثله كتابٌ وكتبٌ. والمعنى: أي (٣) ولا تقولوا هذا حلالٌ، وهذا حرام بالرأي والهوى، فلا تقولوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومحرمٌ على أزواجنا، ولا تحللوا الميتة والدم ولحم الخنزير إلخ. وخلاصة ذلك: لا تحللوا ولا تحرموا لمجرد وصف ألسنتكم الكذب، وتصويرها له دون استناد إلى دليل، وكان ألسنتكم لأنها منشأ الكذب وينبوعه شخصٌ عالمٌ بحقيقته ومحيط بكنهه، يصفه للناس ويوضحه لهم أتم إيضاح، واللام في قوله: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ لام العاتبة، لا لام الغرض والعلة، لأن الافتراء لم يكن غرضًا، متعلقة بتقولوا؛ أي: ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لتكون عاقبة أمركم إسناد التحريم والتحليل إلى الله كذبًا، من غير أن يكون

стр. 6814

ذلك منه، فالله لم يحرم من ذلك ما تحرمون، ولا أحل كثيرًا مما تحللون، وإجمال ذلك: لا تسموا ما لم يأتكم حله ولا حرمته عن الله ورسوله حلالًا وحرامًا فتكونوا كاذبين عليه، لأن مدار الحل والحرمة عليه ليس إلا حكمه تعالى. عن أبي نضرة قال: قرأت هذه الآية في سورة النحل، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا، وقد صدق، فكل من أفتى بخلاف ما في كتاب الله وسنة رسوله - لجهله بما فيهما - فقد ضل وأضل من يفتيهم، ولله در القائل: كبَهِيْمَةٍ عَمْيَاءَ قَادَ زِمَامَها ... أَعْمَى على عِوَجِ الطَّريقِ الحَائِرِ أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: عسى رجلٌ يقول: إن الله أمر بكذا أو نهى عن كذا، فيقول الله : كذبت، أو يقول إن الله حرَّم كذا أو أحل، فيقول الله له: كذبت. ثم أوعد المفترين وهدَّدهم أشد التهديد فقال (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: يتخرصون ويتقولون ﴿عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ في أمورهم صغيرها وكبيرها ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لا يفوزون بخير في المطالب التي لأجلها كذبوا على ربهم، إذ هم متى عرفوا بالكذب .. مَجَّهُمُ الناس، وانصرفوا عنهم، وعاشوا أذلة بينهم ممقوتين، ويكونون مضرب الأمثال في الهوان والصغار، إلى ما يصيبهم من الخزي والوبال يوم القيامة. ١١٧ - ثم بين أن ما يحصل لهم من المنافع بالافتراء على الله ليس شيئًا مذكورًا إذا قيس بالمضارِّ التي تستجم منه فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة، تنقطع عن قريب ﴿وَلَهُم﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يردون إليه في الآخرة. والمعنى: أي إنَّ المنافع التي قد تحصل لهم على ذلك في الدنيا لا يُعْتَدُّ بها في نظر العقلاء، إذا وزن بينها وبين المضار التي في الآخرة، فما متاع الدنيا

стр. 6815

إلا ظلُّ زائلٌ، ثم يفنى، ويبقى لهم العذاب الأليم، حين مصيرهم إلى ربهم بما اجترحوا من السيئات، ودنسوا به أنفسهم من أوضار الإثم والفجور والكذب على بارئهم، الذي خلقهم وصورهم فأحسن صورهم، ونحو الآية قوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾. ١١٨ - وبعد أن بين ما يحل وما يحرم لأهل الإِسلام، أتبعه ببيان ما خصَّ به اليهود من المحرمات فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾؛ أي: وعلى (١) اليهود خاصة، دون غيرهم من الأولين والآخرين ﴿حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد بقولنا: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ الآية، و ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بقصصنا؛ أي: من قبل نزول هذه الآية، أو بحرمنا؛ أي: من قبل التحريم على هذه الأمة؛ أي: وحرمنا من قبلك أيها الرسول على اليهود ما أنبأناك به من قبل في سورة الأنعام، بقولنا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾. ثم بين السبب في ذلك التحريم عليهم فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بتحريم ذلك عليهم، بل جزيناهم ببغيهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾؛ أي: ولكن ظلموا أنفسهم بمعصيتهم لربهم، وتجاوزهم حدوده التي حدها لهم، وانتهاك حرماته، فعوقبوا بهذا التحريم، كما قال في آية أخرى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية، وفي هذا إيماءٌ (٢) إلى أنَّ ذلك التحريم إنما كان للظلم والبغي عقوبة وتشديدًا، وبه يعلم الفرق في التحريم بينهم وبين غيرهم، فإنه لهم عقوبةٌ، ولنا للمضرَّة فحسب. ١١٩ - ثم بين سبحانه أن الافتراء على الله وانتهاك حرماته لا يمنع من التوبة التي يتقبلها الله منهم، ويغفر زلَّاتهم رحمةً منه وفضلًا فقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾ وارتكبوا السيئات من الكفر والمعاصي، متعلق بخبر

стр. 6816

إن المذكور في آخر الآية، وهو ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإن الثانية تكرير (١) على سبيل التأكيد لطول الكلام ووقوع الفصل، كما مر نظيره في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿بِجَهَلَةٍ﴾ حال من فاعل عملوا؛ أي: حالة كونهم متلبسين بجهالة، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ من يرتكب الذنوب قلَّما يفكِّر في العاقبة، لغلبة الشهوة عليه، أو لجهالة الشباب والطيش التي تحمله على انتهاك حرمات الله تعالى، كالقتل للغيرة أو للعصبية، كما جاء في الخبر: "اللهم إني أعوذ بك من أن أجهل، أو يجهل عليَّ "، وقال عمرو بن كلثوم: أَلاَ لاَ يَجْهَلنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلينا ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعد ما عملوا السوء، والتصريح به مع دلالة ﴿ثُمَّ﴾ عليه للتأكيد والمبالغة، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم، أو دخلوا في الصلاح بأن آمنوا وأطاعوا الله ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾؛ أي: من بعد التوبة كقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ في أنَّ الضمير عائد إلى مصدر الفعل، ﴿لَغَفُورٌ﴾ ذلك السوء؛ أي: ستورٌ له محاءٌ ﴿رَحِيمٌ﴾ يثيب على طاعته تركًا وفعلًا، وتكرير قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ لتأكيد الوعد، وإظهار كمال العناية بإنجازه كما مرَّ، وتقدير الكلام: ثم إن ربك لغفور رحيم للذين عملوا السوءَ بجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا؛ أي: لما (٢) بالغ الله في تهديد المشركين على أنواع قبائحهم من إنكار البعث والنبوة، وكون القرآن من عند الله تعالى، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرَّمه .. بيَّن سبحانه أنَّ أمثال تلك القبائح لا تمنعهم من قبول التوبة، وحصول المغفرة والرحمة إذا ندموا على ما فعلوا، وآمنوا بالله، فالله يخلصهم من العذاب. فعلى العاقل (٣) أن يرجع عن الإعراض عن الله، ويقبل عليه بصدق الطلب، وإخلاص العمل، والتوبة بمنزلة الصابون، فكما أن الصابون يزيل الأوساخ

стр. 6817

الظاهرة، فكذلك التوبة تزيل الأوساخ الباطنة؛ أعني: الذنوب. والمقصود من هذه الآية: بيان فضل الله وكرمه وسعة مغفرته ورحمته، لأن السوء لفظٌ جامع لكل فعل قبيح، فيدخل تحته الكفر وسائر المعاصي، وكل ما لا ينبغي، وكل من عمل السوء فإنما يفعله بالجهالة، لأن العاقل لا يرضى بفعل القبيح، فمن صدر عنه فعل قبيح من كفر أو معصية فإنما يصدر عنه بسبب جهله، إما لجهله بقدر ما يترتب عليه من العقاب، أو لجهله بقدر من يعصيه، فثبت بهذا أنَّ فعل السوء إنما يصدر بجهالة. الإعراب ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ الشرطية، ﴿استعذ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، أو على أي مخاطب، ﴿بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ جاران ومجروران، متعلقان به، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿الرَّجِيمِ﴾: صفة للشيطان، ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، والضمير للشأن، أو للشيطان كما مرَّ، ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص، ﴿لَهُ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدمٌ، ﴿سُلْطَانٌ﴾: اسمه مؤخر، ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿سُلْطَانٌ﴾ لأنه مصدر بمعنى التَّسلُّط، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنّ﴾، وجملة ﴿إِنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل جملة محذوفة هي جواب الأمر، تقديره: فإن استعذت كفيت شره اهـ شيخنا، ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾: جار

стр. 6818

ومجرور، متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ معطوفة على جملة الصلة، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿سُلْطَانُهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، صلة الموصول، ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل الجر معطوف على الموصول الأول، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، ﴿بِهِ﴾: متعلق بما بعده، ﴿مُشْرِكُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾. ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿بَدَّلْنَا آيَةً﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿مَكَانَ آيَةٍ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿بَدَّلْنَا﴾ والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية معترضة، لاعتراضها بين الشرط وجوابه، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿يُنَزِّلُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما ينزله، ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية جملة إضرابية مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿نَزَّلَهُ﴾: فعل ومفعول، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾: فاعل مرفوع، ومضاف إليه، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾:

стр. 6819

متعلق به، وكذا يتعلق به قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، أو حال من مفعول ﴿نَزَّلَهُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقولٌ لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب مفعول به، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لِتَثْبِيتِه الذين آمنوا، الجار والمجرور متعلّق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى﴾: معطوفان على محل ﴿لِيُثَبِّتَ﴾؛ أي: تثبيتًا وهدايةً وبشارةً، أو معطوفان على لفظه باعتبار المؤول؛ أي: لتثبيتهم وهدايتهم وبشارتهم، ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بشرى﴾ أو تنازع فيه هو و ﴿هُدًى﴾. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿نَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر سادٍّ مسدَّ مفعولي علم، ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾: مقول محكي لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿يُعَلِّمُهُ﴾: فعل ومفعول أول، ﴿بَشَرٌ﴾: فاعل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إنما يعلمه هذا القرآن بشر، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿لِسَانُ الَّذِي﴾: مبتدأ ومضاف إليه، ﴿يُلْحِدُونَ﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به، ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَهَذَا لِسَانٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿عَرَبِيٌّ﴾: صفة ﴿لِسَانٌ﴾، ﴿مُبِينٌ﴾ صفة ﴿عَرَبِيٌّ﴾ أو صفة ثانية لِـ ﴿لِسَانٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿بِآيَاتِ

стр. 6820

اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لَا يَهْدِيهِمُ﴾، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ فعل ومفعول، ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل والجملة مستأنفة، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صلة الموصول، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَأُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْكَاذِبُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، أو الخبر جملة الجواب أو الشرط أو هما، ﴿كَفَرَ﴾: فعل ماض، ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كَفَرَ﴾، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فعليه غضب من الله، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من الجواب المحذوف، ﴿أُكْرِهَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾: متعلق بـ ﴿مُطْمَئِنٌّ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من نائب فاعل، ﴿أُكْرِهَ﴾. ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾. ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿لكن﴾: حرف استدراك ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب أو الشرط، ﴿شَرَحَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿بِالْكُفْرِ﴾: متعلق به، ﴿صَدْرًا﴾: مفعول به، ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، ﴿عليهم﴾ جار ومجرور، خبر مقدم، ﴿غَضَبٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: صفة لـ ﴿غَضَبٌ﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مِنَ﴾ الشرطية، علي كونها جوابًا لها، ويجوز أن

стр. 6821

تكون ﴿مِنَ﴾ موصولة، وجملة ﴿مِنَ﴾ الشرطية جملة استدراكية مستأنفة ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم معطوفة على جملة الجواب. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿بِأَنَّهُمُ﴾: جارٌ وناصب واسمه، الجار والمجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء، ﴿عَلَى الْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَحَبُّوا﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ﴾: فعل ومفعول، ﴿الْكَافِرِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾ الأولى. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿طَبَعَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ متعلق به، ﴿وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: معطوفان على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْغَافِلُونَ﴾ خبر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿لَا جَرَمَ﴾: فعل ماض بمعنى حقَّ، مركَّبٌ من حرف وفعل تركيبًا مزجيًّا مبنيٌّ على الفتح، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿الْخَاسِرُونَ﴾، ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل؛ ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لجرم، والتقدير: حق خسرانهم في الآخرة، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾.

стр. 6822

﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للترتيب الذكري، وبمعنى واو الاستئناف، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور، متعلق بخبر ﴿إِنَّ﴾ الآتي في آخر الآية، وهو قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿هَاجَرُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿هَاجَرُوا﴾، ﴿مَا﴾: مصدرية، ﴿فُتِنُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد فتنتهم، ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾، ﴿وَصَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿جَاهَدُوا﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصبٌ واسمه، ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية، تقديره: إنَّ ربك لغفور رحيم ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ أعني هذه الثانية مؤكدة لجملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى، ﴿لَغَفُورٌ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿غفور﴾ خبر أول لـ ﴿إِنَّ﴾ الأولى، ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، أو صفة لـ ﴿غفور﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى معطوفة على جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أو مستأنفة. ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾. ﴿يَوْمَ﴾: مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اذكر يوم تأتي، أو ظرف متعلق بـ ﴿رَحِيمٌ﴾ في قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿تُجَادِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، ﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، ﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل ونائب فاعل، معطوف على ﴿تَأْتِي﴾؛ أي: ويوم توفَّى كل نفس، ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿وَتُوَفَّى﴾، ﴿عَمِلَتْ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما عملته، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حالٌ من ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾.

стр. 6823

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿ضرب﴾، لأنه بمعنى جَعَل، ﴿قَرْيَةً﴾ مفعول أول لِـ ﴿ضَرَبَ﴾، وأُخِّرت لتتصل بصفاتها، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾: فعل ناقص وخبره، واسمه ضميرٌ يعود على ﴿قَرْيَةً﴾ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾: خبر ثان لـ ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿قَرْيَةً﴾، ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾: فعلٌ ومفولٌ به وفاعلٌ ﴿رَغَدًا﴾: حال من الرزق، والجملة الفعلية في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿قَرْيَةً﴾. ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يأتي﴾، ﴿فَكَفَرَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب، ﴿كفرت﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿قَرْيَةً﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿يأتي﴾، ﴿بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿كفرت﴾ ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾: مفعول ثان لـ ﴿أذاق﴾، ﴿وَالْخَوْفِ﴾: معطوف على ﴿الْجُوعِ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿كفرت﴾، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أذاق﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَصْنَعُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلةٌ لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: بما كانوا يصنعونه. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق، ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل، ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿رَسُولٌ﴾، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم المحذوف مستأنفة. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿جاء﴾ ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿كذبوه﴾، ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿أَخَذَهُمُ﴾.

стр. 6824

﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾. ﴿فَكُلُوا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أيها المؤمنون حال أهل هذه القرية، وأردتم بيان ما هو النصيحة لكم .. فأقول لكم: كُلُوا مما رزقكم الله، ﴿كلوا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلّق بـ ﴿كُلُوا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والجملة صلةٌ لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: مما رزقكموه الله، وهو المفعول الثاني لـ ﴿رزق﴾ ﴿حَلَالًا﴾: حال من الضمير المحذوف، ﴿طَيِّبًا﴾: صفة ﴿حَلَالًا﴾. ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿كلوا﴾ ﴿إِن﴾ حرف شرط، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿إِيَّاهُ﴾: مفعول مقدم لما بعده، وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾ وجواب ﴿إنْ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له سبحانه، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿حَرَّمَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَيْكُمُ﴾، متعلق بـ ﴿حَرَّمَ﴾، ﴿الْمَيْتَةَ﴾: مفعول به لـ ﴿حَرَّمَ﴾، ﴿وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾: معطوفان على ﴿الْمَيْتَةَ﴾، ﴿وَمَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل النصب معطوفة على ﴿الْمَيْتَةَ﴾ أيضًا، ﴿أُهِلَّ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿أُهِلَّ﴾، ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، و ﴿الباء﴾ بمعنى عند؛ أي: عند ذبحه، ﴿فَمَنِ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم تحريم ما ذكر عليكم وأردتم بيان حكم ما إذا اضطررتم إليه .. فأقول

стр. 6825

لكم: من اضطر ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿اضْطُرَّ﴾: فعل ماض مغير الصغية، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: حال من الضمير المستتر في ﴿اضْطُرَّ﴾، ﴿وَلَا عَادٍ﴾: معطوف على ﴿بَاغٍ﴾، وجواب ﴿مَن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: فالله لا يؤاخذه بذلك، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية للجواب المحذوف ﴿إن الله غفور﴾: ناصب واسمه وخبره، ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾. ﴿وَلَا تَقُولُوا﴾: جازم وفعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لِمَا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر بمعنى في، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الجر باللام، ﴿تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: لما تصفه وتذكره ألسنتكم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعولٌ به لـ ﴿تَقُولُوا﴾ لأنه بمعنى تذكروا، ﴿هَذَا حَلَالٌ﴾. مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾ ﴿وَهَذَا حَرَامٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ﴾، والتقدير: ولا تقولوا في شأن ما تصفه ألسنتكم من البهائم الكذب هذا حلال وهذا حرام، ﴿لِتَفْتَرُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام العاقبة، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول ﴿تفتروا﴾، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لافترائكم الكذب على الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَقُولُوا﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يَفْتَرُونَ﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به، ﴿الْكَذِبَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول، وجملة ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجمله ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿مَتَاعٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: منفعتهم

стр. 6826

في الدنيا متاعٌ، ﴿قَلِيلٌ﴾: صفة ﴿مَتَاعٌ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾ الآتي، وجملة ﴿هَادُوا﴾ صلة الموصول، ﴿حَرَّمْنَا مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿قَصَصْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق به، ﴿مِن قبلُ﴾: متعلق بـ ﴿حرمنا﴾ أو بقصصنا، وجملة ﴿عَلَيْكَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما قصصناه عليك، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾: نافٍ وفعل وفاعل، ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به لما بعده، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾. ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للترتيب الذكري، أو بمعنى واو الاستئناف، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بخبر ﴿إِنَّ﴾ الآتي في آخر الآية، وهو قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والتقدير: ثم إن ربك لغفور رحيم للذين عملوا، ﴿عَمِلُوا السُّوءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿ثُمَّ تَابُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة الصلة، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَابُوا﴾، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: معطوف على ﴿تَابُوا﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية، تقديره: إن ربك لغفور رحيم لهم من بعدها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ الثانية مؤكدة لجملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اللام المزحلقة وخبران لـ ﴿إن﴾. والله أعلم.

стр. 6827

التصريف ومفرادت اللغة ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: أردت قراءته، كما تقول إذا أكلت فقل: باسم الله، وإذا سافرت فتأهب ﴿الرَّجِيمِ﴾ فعيل بمعنى مفعول؛ أي: المرجوم المبعد من رحمة الله، ﴿سُلْطَانٌ﴾ مصدر بمعنى التسلط، وهو الاستيلاء والتمكن بالقهر اهـ. "شهاب" ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ والتولي الطاعة، يقال: توليته؛ أي: أطعته، وتوليت عنه؛ أي: أعرضت عنه. ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً﴾ التبديل رفع شيء ووضع غيره مكانه، وتبديل الآية نسخها بآية أخرى، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ والقدس - بضم الدال وسكونها - الطهارة، والمراد به اسم المفعول، والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: الروح المقدس؛ أي: المطهر، وهو جبريل ﵇، سمي بذلك لأنه ينزل بالقدس؛ أي: بما يطهر النفوس من القرآن والحكمة والفيض الإلهي، ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمة المقتضية له، ﴿يُلْحِدُونَ﴾ والإلحاد الميل، يقال لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه سمي العادل عن الحق مُلْحِدًا، ومنه لحد القبر، لأنه حفرةٌ مائلةٌ عن وسطه، ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ الأعجمي الذي لم يتكلم بالعربية، وقال الراغب: الأعجم من في لسانه عجمة، عربيًّا كان أو غير عربي، اعتبارًا بقلة فهمه، والأعجمي منسوب إليه اهـ. "سمين"، ويقال: رجل أعجم، وامرأة عجماء، إذا كانا لا يفصحان عن مرادهما، ومن ذلك زياد الأعجم، كان عربيًّا في لسانه لكنةٌ، والحاصل أن الأعجمي هو الذي لا يفصح وإن كان عربيًّا، والعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا كما في "روح البيان". ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: تلفظ وتكلم بالكفر، أو فعل فعلًا مكفرًا، سواء كان مختارًا في ذلك أو مكرهًا عليه، فالاستثناء متصل اهـ شيخنا، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾؛ أي: على التلفظ بكلمة الكفر، ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ من الاطمئنان، وهو سكون النفس بعد انزعاجها، والمراد الثبات على ما كان عليه بعد ازعاج الإكراه، ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ أي: فتحه به واعتقده، وطاب به نفسًا، ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: آثروها وقدموها على الآخرة، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا

стр. 6828

فُتِنُوا﴾ أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ثم استعمل في المحنة والابتلاء يصيب الإنسان، ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾؛ أي: تدفع وتسعى في خلاصها، والنفس الأولى الجثة والبدن، النفس الثانية عينها وذاتها، وتوفى تعطى، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ والمثل عبارةٌ عن قول يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهةٌ، ليبين أحدهما الآخر ويصوره، ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ من الغارات لا تهاج ولا تقلق؛ أي: ذات أمن، يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم، ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾؛ أي: ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق. ﴿رَغَدًا﴾ يقال: رغد العيش رغادة اتسع ولسان، فهو رغدٌ ورغيدٌ، ورغد رغدًا من باب تعب لغةٌ، فهو راغدٌ، وهو في رغد من العيش؛ أي: رزق واسع، وأرغد القوم بالألف أخصبوا، والرغيدة الزبد اهـ "مصباح" ﴿بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، أو جمع نعم، كبؤسٍ وأبؤس اهـ "بيضاوي"، والمراد بها نعمة الرزق والأمن المستمر، ويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد، وهي بمعنى النعمة، وهي "المصباح": والنعماء وزان الحمراء مثل النعمة، وجمع النعمة نعمٌ، مثل سدرة وسدر، وأنعم أيضًا مثل أفلس، وجمع النعماء أنعم، مثل البأساء يجمع على أبؤس اهـ. ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ﴾ يقولون: له وجه يصف الجمال، وعينٌ تصف السحر، يريدون أنه جميل، وأن عينه تفتن من رآها، لأنه لما كان وجهه منشأ الجمال وعينه منبعًا للفتنة والسحر .. كان كلٌّ منهما كأنه إنسانٌ عالمٌ بكنههما، محيطٌ بحقيقتهما، يصفهما للناس أجمل وصف، ويعرفهما أتم تعريف، وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ إذ جعل الكذب كأنه حقيقةٌ مجهولةٌ، وكلامهم الكذب يشرح تلك الحقيقة ويوضحها، كان ألسنتهم لكونها موصوفة بالكذب هي حقيقته، ومنبعه الذي يعرف منه، ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ والجهالة هنا الطيش وعدم التدبر في العواقب. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان

стр. 6829

والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ حيث عبر عن الإرادة بالقراءة على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب، إيذانًا بأنَّ المراد هي الإرادة المتصلة بالقراءة. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، أو بين قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ فهذه الجملة اعتراضية بين الشرط وجوابه، لبيان الحكمة الإلهية في النسخ، وفيه أيضًا الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وذكر الاسم الجليل لتربية المهابة في النفس. ومنها: الطباق بين ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ و ﴿عَرَبِيٌّ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ حيث استعار اللسان الذي هو حقيقةٌ في الجارحة للغة والكلام، كقول الشاعر: لِسَانُ السُّوْءِ تَهْدِيْهَا إلَيْنَا ... وَخُنْتَ وَمَا حَسِبْتُكَ أَنْ تَخُونَا ومنها: إضافة الموصوف إلى صفته في قوله: ﴿رُوحُ اَلْقُدُسِ﴾. ومنها: التعريض في قوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ لأنَّ فيه تعريضًا بحصول أضداد ذلك لغيرهم من الكفار كما في "البيضاوي". ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وهي اسمية الجملة، وضمير الفصل، وتعريف الطريقين، وفيه أيضًا التأكيد بالتكرار بين ﴿الْكَذِبَ﴾ و ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ وبين الموصول وهو: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ واسم الإشارة وهو ﴿أُولَئِكَ﴾ إذ ما صدقهما واحد كما في "الفتوحات"، وفيه أْيضًا

стр. 6830

الجناس الماثل بين ﴿الْكَذِبَ﴾ و ﴿الْكَاذِبُونَ﴾. ومنها: تقديم الظرف في قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إفادةً للاختصاص، وللدلالة على أنهم أحقاء بغضب الله وعذابه العظيم لاختصاصهم بعظم الجرم، وهو الارتداد. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ حيث شبه ذلك اللباس من حيث الكراهية بالطعم المر البشع، وحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الإذاقة على طريقة الاستعارة المكنية. ومنها: إضافة المشبه به إلى المشبه في قوله: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ كالإضافة في لجين الماء. ومنها: الطباق بين ﴿حَلَالٌ﴾ و ﴿حَرَامٌ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *
следующие страницы →