في الدنيا متاعٌ، ﴿قَلِيلٌ﴾: صفة ﴿مَتَاعٌ﴾، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿حَرَّمْنَا﴾ الآتي، وجملة ﴿هَادُوا﴾ صلة الموصول، ﴿حَرَّمْنَا مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿قَصَصْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق به، ﴿مِن قبلُ﴾: متعلق بـ ﴿حرمنا﴾ أو بقصصنا، وجملة ﴿عَلَيْكَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما قصصناه عليك، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾: نافٍ وفعل وفاعل، ومفعول، والجملة مستأنفة، ﴿وَلَكِنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لكن﴾: حرف استدراك ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾: مفعول به لما بعده، وجملة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ خبر ﴿كَانُوا﴾، والجملة الاستدراكية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾.
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للترتيب الذكري، أو بمعنى واو الاستئناف، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بخبر ﴿إِنَّ﴾ الآتي في آخر الآية، وهو قوله: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، والتقدير: ثم إن ربك لغفور رحيم للذين عملوا، ﴿عَمِلُوا السُّوءَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، ﴿بِجَهَالَةٍ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿ثُمَّ تَابُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على جملة الصلة، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَابُوا﴾، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: معطوف على ﴿تَابُوا﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية، تقديره: إن ربك لغفور رحيم لهم من بعدها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ الثانية مؤكدة لجملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اللام المزحلقة وخبران لـ ﴿إن﴾. والله أعلم.
стр. 6827
التصريف ومفرادت اللغة
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: أردت قراءته، كما تقول إذا أكلت فقل: باسم الله، وإذا سافرت فتأهب ﴿الرَّجِيمِ﴾ فعيل بمعنى مفعول؛ أي: المرجوم المبعد من رحمة الله، ﴿سُلْطَانٌ﴾ مصدر بمعنى التسلط، وهو الاستيلاء والتمكن بالقهر اهـ.
"شهاب" ﴿يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ والتولي الطاعة، يقال: توليته؛ أي: أطعته، وتوليت عنه؛ أي: أعرضت عنه.
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً﴾ التبديل رفع شيء ووضع غيره مكانه، وتبديل الآية نسخها بآية أخرى، ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ والقدس - بضم الدال وسكونها - الطهارة، والمراد به اسم المفعول، والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: الروح المقدس؛ أي: المطهر، وهو جبريل ﵇، سمي بذلك لأنه ينزل بالقدس؛ أي: بما يطهر النفوس من القرآن والحكمة والفيض الإلهي، ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمة المقتضية له، ﴿يُلْحِدُونَ﴾ والإلحاد الميل، يقال لحد وألحد إذا مال عن القصد، ومنه سمي العادل عن الحق مُلْحِدًا، ومنه لحد القبر، لأنه حفرةٌ مائلةٌ عن وسطه، ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ الأعجمي الذي لم يتكلم بالعربية، وقال الراغب: الأعجم من في لسانه عجمة، عربيًّا كان أو غير عربي، اعتبارًا بقلة فهمه، والأعجمي منسوب إليه اهـ. "سمين"، ويقال: رجل أعجم، وامرأة عجماء، إذا كانا لا يفصحان عن مرادهما، ومن ذلك زياد الأعجم، كان عربيًّا في لسانه لكنةٌ، والحاصل أن الأعجمي هو الذي لا يفصح وإن كان عربيًّا، والعجمي المنسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا كما في "روح البيان".
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: تلفظ وتكلم بالكفر، أو فعل فعلًا مكفرًا، سواء كان مختارًا في ذلك أو مكرهًا عليه، فالاستثناء متصل اهـ شيخنا، ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾؛ أي: على التلفظ بكلمة الكفر، ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ من الاطمئنان، وهو سكون النفس بعد انزعاجها، والمراد الثبات على ما كان عليه بعد ازعاج الإكراه، ﴿مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ أي: فتحه به واعتقده، وطاب به نفسًا، ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: آثروها وقدموها على الآخرة، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا
стр. 6828
فُتِنُوا﴾ أصل الفتن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ثم استعمل في المحنة والابتلاء يصيب الإنسان، ﴿تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾؛ أي: تدفع وتسعى في خلاصها، والنفس الأولى الجثة والبدن، النفس الثانية عينها وذاتها، وتوفى تعطى، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ والمثل عبارةٌ عن قول يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهةٌ، ليبين أحدهما الآخر ويصوره، ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ من الغارات لا تهاج ولا تقلق؛ أي: ذات أمن، يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم، ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾؛ أي: ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق.
﴿رَغَدًا﴾ يقال: رغد العيش رغادة اتسع ولسان، فهو رغدٌ ورغيدٌ، ورغد رغدًا من باب تعب لغةٌ، فهو راغدٌ، وهو في رغد من العيش؛ أي: رزق واسع، وأرغد القوم بالألف أخصبوا، والرغيدة الزبد اهـ "مصباح" ﴿بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، أو جمع نعم، كبؤسٍ وأبؤس اهـ "بيضاوي"، والمراد بها نعمة الرزق والأمن المستمر، ويحتمل أنه جمع نعماء بفتح النون والمد، وهي بمعنى النعمة، وهي "المصباح": والنعماء وزان الحمراء مثل النعمة، وجمع النعمة نعمٌ، مثل سدرة وسدر، وأنعم أيضًا مثل أفلس، وجمع النعماء أنعم، مثل البأساء يجمع على أبؤس اهـ.
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ﴾ يقولون: له وجه يصف الجمال، وعينٌ تصف السحر، يريدون أنه جميل، وأن عينه تفتن من رآها، لأنه لما كان وجهه منشأ الجمال وعينه منبعًا للفتنة والسحر .. كان كلٌّ منهما كأنه إنسانٌ عالمٌ بكنههما، محيطٌ بحقيقتهما، يصفهما للناس أجمل وصف، ويعرفهما أتم تعريف، وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ إذ جعل الكذب كأنه حقيقةٌ مجهولةٌ، وكلامهم الكذب يشرح تلك الحقيقة ويوضحها، كان ألسنتهم لكونها موصوفة بالكذب هي حقيقته، ومنبعه الذي يعرف منه، ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ والجهالة هنا الطيش وعدم التدبر في العواقب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان
стр. 6829
والبديع:
فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ حيث عبر عن الإرادة بالقراءة على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب، إيذانًا بأنَّ المراد هي الإرادة المتصلة بالقراءة.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾.
ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، أو بين قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ومنها: الاعتراض في قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ فهذه الجملة اعتراضية بين الشرط وجوابه، لبيان الحكمة الإلهية في النسخ، وفيه أيضًا الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وذكر الاسم الجليل لتربية المهابة في النفس.
ومنها: الطباق بين ﴿أَعْجَمِيٌّ﴾ و ﴿عَرَبِيٌّ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ حيث استعار اللسان الذي هو حقيقةٌ في الجارحة للغة والكلام، كقول الشاعر:
لِسَانُ السُّوْءِ تَهْدِيْهَا إلَيْنَا ... وَخُنْتَ وَمَا حَسِبْتُكَ أَنْ تَخُونَا
ومنها: إضافة الموصوف إلى صفته في قوله: ﴿رُوحُ اَلْقُدُسِ﴾.
ومنها: التعريض في قوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ لأنَّ فيه تعريضًا بحصول أضداد ذلك لغيرهم من الكفار كما في "البيضاوي".
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾.
ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وهي اسمية الجملة، وضمير الفصل، وتعريف الطريقين، وفيه أيضًا التأكيد بالتكرار بين ﴿الْكَذِبَ﴾ و ﴿الْكَاذِبُونَ﴾ وبين الموصول وهو: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ واسم الإشارة وهو ﴿أُولَئِكَ﴾ إذ ما صدقهما واحد كما في "الفتوحات"، وفيه أْيضًا
стр. 6830
الجناس الماثل بين ﴿الْكَذِبَ﴾ و ﴿الْكَاذِبُونَ﴾.
ومنها: تقديم الظرف في قوله: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إفادةً للاختصاص، وللدلالة على أنهم أحقاء بغضب الله وعذابه العظيم لاختصاصهم بعظم الجرم، وهو الارتداد.
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ حيث شبه ذلك اللباس من حيث الكراهية بالطعم المر البشع، وحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الإذاقة على طريقة الاستعارة المكنية.
ومنها: إضافة المشبه به إلى المشبه في قوله: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ كالإضافة في لجين الماء.
ومنها: الطباق بين ﴿حَلَالٌ﴾ و ﴿حَرَامٌ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 6831
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.
المناسبة
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما زيَّف (١) مذاهب المشركين في إثبات الشركاء والأنداد لله، وفي طعنهم نبوَّة الأنبياء والرسل، بنحو قولهم: لو أرسل الله رسلًا لأرسل ملائكة، وفي تحليلهم أشياء حرمها الله تعالى، وتحريم أشياء أحلها الله تعالى، وبالغ في رد هذه المعتقدات .. ختم السورة بذكر إبراهيم رئيس الموحدين، الذي كان المشركون يفتخرون به، ويقرون بوجوب الاقتداء به، ليصير ذكر طريقته حاملًا لهم على الإقرار بالتوحيد، والرجوع عن الشرك، ثم بأمر نبيه محمَّد ﷺ باتباعه، ثم بجعل الأسس التي يبني عليها دعوته هي الحكمة والموعظة الحسنة، والجدل بالحسنى، ثم بأمره باللين في العقاب إن أراده، أو بترك العقاب وهو أفضل للصابرين، ثم بأمره بجعل الصبر رائده في جميع أعماله، ونهيه من الحزن على كفر قومه، وأنهم لم يجيبوا دعوته، وأنهم يمكرون به، فالله ينصره عليهم، ويكفيه أذاهم، فقد جرت سنته بأن العاقبة للمتقين، والخذلان للعاصين الخائنين.
стр. 6832
وعبارة "أبي حيَّان" هنا: لمَّا أبطل (١) الله مذاهب المشركين في هذه السورة من إثبات الشركاء لله، والطعن في نبوة رسول الله ﷺ ، وتحليل ما حرَّم، وتحريم ما أحل، وكانوا مفتخرين بجدهم إبراهيم ﵇ مقرين بحسن طريقته، ووجوب الاقتداء به .. ذكره في آخر السورة، وأوضح منهاجه، وما كان عليه من توحيد الله تعالى ورفض الأصنام، ليكون ذلك حاملًا لهم على الاقتداء به، وأيضًا فقد أجرى ذكر اليهود بين طريقة إبراهيم ليظهر الفرق بين حاله وحالهم وحال قريش. انتهى.
أسباب النزول
قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (٢) الحاكم والبيهقي - في "الدلائل" - والبزَّار عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة حين استشهد وقد مثل به فقال: "لأمثلن بسبعين منهم مكانك" فنزل جبريل والنبيُّ ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ...﴾ إلى آخر السورة، فكفَّ رسول الله ﷺ ، وأمسك عما أراد، وكفَّر عن يمينه، وأخرج الترمذي وحسّنه، والحاكم عن أبيِّ بن كعب قال: لمَّا (٣) كان يوم أحد أُصيب من الأنصار أربعةٌ وستون، ومن المهاجرين ستةٌ منهم حمزة فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يومًا من الدهر .. لنزيدن على عدتهم مرتين، فلما كان يوم فتح مكة .. أنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا ...﴾ الآية، فقال رجلٌ: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "كُفُّوا عن القوم إلا أربعة" هذا حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب، وظاهر هذا تأخر نزولها إلى الفتح، وفي الحديث الذي قبله نزولها بأحد، وجمع ابن الحصار بأنها نزلت أولًا بمكة، ثم ثانيًا بأحد، ثم ثالثًا يوم الفتح تذكيرًا من الله لعباده.
стр. 6833
التفسير وأوجه القراءة
١٢٠ - ﴿إنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل ﵇ ﴿كَانَ﴾ على انفراده ﴿أُمَّةً﴾ لكماله في صفات الخير، وجمعة الفضائل، وهو رئيس أهل التوحيد، ولأنه كان مؤمنًا وحده، والناس كلهم كانوا كفارًا، والأمة في الأصل الجماعة الكثيرة، وسمي إبراهيم أمة لأنه قد جمع من الفضائل والكمالات ما لو تفرق لكفى لأمةٍ، ألا ترى أبا نواس إذ يقول لهارون الرشيد مادحًا:
وَلَيْس عَلَى الله بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فيْ وَاحِدِ
فالله مدح عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء بجملةٍ من صفات الكمال:
١ - أنه وحده كان أمة، قال ابن عباس ﵄ إنه كان عنده ﵊ من الخير ما كان عند أمة، فهو رئيس الموحدين كسر الأصنام، وجادل الكفار، ونظر في النجوم، ودرس الطبيعة الكونية، ليطمئن قلبه بالإِسلام.
٢ - أنه كان ﴿قَانِتًا﴾؛ أي مطيعًا ﴿لِلَّهِ﴾ قائمًا بأمره.
٣ - أنه كان ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق، متبعًا له لا يفارقه ولا يحيد عنه.
٤ - أنه ﵇ ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ في أمر من أمور دينهم، بل كان من الموحدين في الصغر والكبر، فهو الذي قال للملك في عصره: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وهو الذي أبطل عبادة الأصنام والكواكب بقوله: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ وكسر الأصنام، حتى ألقوه لأجلها في النار فكانت عليه بردًا وسلامًا.
وبالجملة: فقد كان غارقًا في بحار التوحيد، مستغرقًا في حب الإله المعبود، وفي ذلك رد على كفار قريش، إذ قالوا: نحن على ملة إبراهيم، وعلى اليهود الذين أشركوا وقالوا: عزير ابن الله، مع زعمهم أنَّ إبراهيم كان على مثل ما هم عليه، ونحو الآية قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا
стр. 6834
مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾.
١٢١ - ٥ أنه كان ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾؛ أي: لأنعم الله كما قال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾؛ أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به، وفي هذا تعريض بكفار قريش الذين جحدوا بأنعم الله، فأصابهم الجوع والخوف، كما تقدم ذكره في المثل السابق، روي أن إبراهيم ﵇ كان لا يتغذى إلا مع ضيفٍ، فلم يجد ذات يوم ضيفًا، فأخَّر غذاءه، فإذا هو بقوم من الملائكة في صورة البشر، فدعاهم إلى الطعام، فأظهروا أنَّ بهم علَّة الجذام، فقال: الآن يجب عليَّ مؤاكلتكم، فلولا عزَّتكم على الله تعالى .. لما ابتلاكم بهذا البلاء.
٦ - أنه تعالى ﴿اجْتَبَاهُ﴾ واصطفاه واختاره للنبوة والرسالة، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾.
٧ - ﴿و﴾ أنه تعالى ﴿هداه﴾ في الدعوة ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إلى طريق موصل إلى الله تعالى، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، مع إرشاد الخلق إلى ذلك والدعوة إليه.
١٢٢ - ٨ ﴿و﴾ نحن ﴿آتيناه﴾؛ أي: أعطيناه ﴿فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾؛ أي: ولدًا صالحًا، وسيرة حسنة عند كل أهل الأديان، فجميع أهل الملل يترضون عن إبراهيم، ولا يكفر به أحدٌ؛ أي: إنه سبحانه حببه إلى جميع الخلق، فجميع أهل الأديان مسلميهم ونصاراهم ويهودهم يعترفون به، وكفرة قريش لا فخر لهم إلّا به، وقد أجاب الله دعاءه في قوله ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾.
٩ - ﴿وَإِنَّهُ﴾ ﵇ ﴿فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: لمن أصحاب الدرجات العالية في الجنة؛ أي: إنه في الآخرة في زمرة الصالحين، وهو معهم في الدرجات العلى من الجنة إجابةً لدعوته حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾.
١٢٣ - وبعد أن وصف إبراهيم بهذه الصفات الشريفة التي بلغت الغاية في علو المرتبة، أخبر أنه أمر نبيه محمدًا ﷺ باتباعه فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أيها
стр. 6835
الرسول مع علو طبقتك، وسمو مرتبتك، وما في ﴿ثُمَّ﴾ من التراخي (١) في الرتبة للتنبيه على أنَّ أجلَّ ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول ملته؛ أي: أوحينا إليك يا محمَّد وقلنا لك: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الحنيفية المسلمة البريئة من عبادة الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما تبرأ إبراهيم من مثلها من قبل، فأنت متبع له، وسائرٌ على طريقته، وقومك ليسوا كذلك، لأنهم يحللون ويحرمون من عند أنفسهم، وانتصاب (٢) ﴿حَنِيفًا﴾ على الحال من إبراهيم، وجاز مجيءٌ الحال منه لأنَّ الملة كالجزء منه، وقد تقرر في علم النحو أنَّ الحال من المضاف إليه جائزٌ إذا كان يقتضي المضاف العمل في المضاف إليه، أو كان يزعم أو كالجزء.
أي: أوحينا إليك باتباع ملَّة إبراهيم (٣) في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة، وإتيان الدلائل مرةً بعد أخرى، بأنواع كثيرة على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن حالة كون إبراهيم ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مائلًا من الباطل إلى الحق ﴿و﴾ الحال أنه ﴿مَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل كان قدوة الموحدين، وهو تكريرٌ لما سبق لزيادة تأكيد، وتقريرٌ لنزاهته ﵇ عمَّا هم عليه من عقيدةٍ وعملٍ.
١٢٤ - ثم نعى على اليهود ما اختلفوا فيه، وهو يوم السبت فقال: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾؛ أي (٤): إنما جعل وبال يوم السبت، وهو المسخ قردةً ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أي: في السبت فأحلوا الصيد فيه تارةً، وحرَّموه أخرى، وكان من الحتم عليهم أن يتفقوا فيه على كلمةٍ واحدةٍ، بعد أن أمروا بالكف عن الصيد فيه، كما أنَّ وبال التحريم والتحليل من المشركين من عند أنفسهم واقعٌ عليهم لا محالة، وقرأ الحسن وأبو حيوة: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ بفتح الجيم والعين، و ﴿السَّبْتُ﴾ بنصب التاء والفاعل ضمير الله، أو المعنى إنما جعل السبت؛ أي: إنما (٥) فرض تعظيم يوم السبت والتخلِّي فيه للعبادة، وترك الصيد، فتعدية جعل
стр. 6836
بعلى لتضمينه معنى فرض، والسبت يومٌ من أيام الأسبوع بمعنى القطع والراحة، فسمي به لانقطاع الأيام عنده، إذ هو آخر أيام الأسبوع، وفيه فرغ الله من خلق السموات والأرض، أو لأن اليهود يستريحون فيه من الأشغال الدنيوية، ويقال: أسبتت اليهود إذا عظمت سبتها، وكان اليهود يدعون أن السبت من شعائر إبراهيم، وشعائر ملته التي أمرت يا محمَّد باتباعها حتى يكون بينه ﵇ وبين بعض المشركين علاقةٌ في الجملة، وإنما شرع ذلك لبني إسرائيل بعد مدة طويلة، وقد اختلف (١) العلماء في كيفية الاختلاف الكائن بينهم في السبت، فقالت طائفة: إن موسى أمرهم بيوم الجمعة وعيَّنه لهم، وأخبرهم بفضيلته على غيره، فخالفوه، وقالوا: إنَّ السبت أفضل، فقال الله له: دَعْهم وما اختاروا لأنفسهم، فاختلافهم في السبت كان اختلافًا على نبيِّهم، وقيل إن الله سبحانه أمرهم بتعظيم يوم من الأسبوع، فاختلف اجتهادهم فيه، فعينت اليهود السبت، لأنَّ الله سبحانه فرغ فيه من الخلق، وعينت النصارى يوم الأحد، لأنَّ الله بدأ فيه الخلق، فألزم الله كلًّا منهم ما أدى إليه اجتهاده، وعين لهذه الأمة الجمعة، من غير أن يكلهم إلى اجتهادهم فضلًا منه ونعمةً.
وبعد ما اختارت اليهود يوم السبت ابتلاهم الله تعالى بتحريم الصيد فيه، فافترقوا فرقتين: فرقةٌ مطيعة لأمر الله فتركوا الصيد فيه فنجوا من المسخ، وفرقةٌ مخالفةٌ لأمر الله فاصطادوا فمسخهم قردةً. انتهى.
ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنَّ اليهود كانوا يزعمون أنَّ السبت من شرائع إبراهيم ﵇ فأخبر الله سبحانه أنه إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه، ولم يجعله على إبراهيم، ولا على غيره، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: ليفصل بين الفريقين المختلفين فيه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من شأن السبت وغيره؛ أي: يفصل ما بينهما من الاختلاف، فيجازى كل فريق بما يستحق من ثواب وعقاب، فيجازي المطيع بالثواب،
стр. 6837
والمخالف بالعقاب، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ ما وقع في الدنيا من مسخ إحدى الفريقين، وإنجاء الأخرى بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيءٌ لا يعتد به، وإيراد (١) هذه العبارة بين سابق الكلام ولاحقه إنذارٌ للمشركين، وتهديدٌ لهم بما في مخالفة الأنبياء من عظيم الوبال والنكال، كما ذكر مثل القرية فيما سلف، إلا أنَّ فيه حثًّا على إجابة الدعوة التي تضمنها سابق الكلام، وأمروا بها في لاحقه،
١٢٥ - ثم فصل سبحانه ما أمر باتباع إبراهيم فيه فقال: ﴿ادْعُ﴾ يا محمَّد الناس كافةً، حذف المفعول إيذانًا بالعموم من سبيل الشيطان ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ ودينه، وهو الإِسلام الموصل إلى الجنة والزلفى ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾؛ أي: بالحجة (٢) القطعية المفيدة للعقائد الحقة، المزيحة لشبهة من دعي إليها فهي لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق ﴿و﴾ بـ ﴿الموعظة الحسنة﴾؛ أي: الدلائل الإقناعية، والحكايات النافعة فهي لدعوة عوامهم، يقال: وعظه يعظه عظة وموعظة إذا ذكره ما يلين قلبه من الثواب والعقاب، فاتَّعظ كما في "القاموس"، ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾؛ أي: ناظر معانديهم وخاصمهم ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: بالطريقة التي هي أحسن طرق المناظرة والمجادلة، من الرفق اللين، واختيار الوجه الأيسر، واستعمال المقدمات المشهورة، تسكينًا لشغبهم، وإطفاءً للهبهم، كما فعله الخليل ﵇ والآية دليل على أن المناظرة والمجادلة في العلم جائزة إذا قصد بها إظهار الحق، وإنما أمر سبحانه بالمجادلة الحسنة لكون الداعي محقًّا وغرضه صحيحًا، وكان خصمه مبطلًا وغرضه فاسدًا.
فالناس على ثلاثة أقسام (٣):
الأول: أصحاب العقول الصحيحة، الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها.
والثاني: أصحاب النظر السليم، الذين لم يبلغوا حدّ الكمال، ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان.
стр. 6838
والثالث: الذين تغلب على طباعهم المخاصمة، لا طلب العلوم اليقينية، فقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ...﴾ إلخ، معناه ادع الأقوياء الكاملين إلى الدين الحق بالدلائل القطعية اليقينة، حتى يعلموا الأشياء بحقائقها، وهم خواص الصحابة وغيرهم، وادع عوام الخلق بالدلائل الإقناعية الظنية، وهم أرباب السلامة، وفيهم الكثرة، وتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل، وهي التي تفيد إفحامهم وإلزامهم، والجدل ليس من باب الدعوة، بل المقصود منه قطع الجدل عن باب الدعوة لأنها لا تحصل به.
أي: ولما أمر الله محمدًا ﷺ باتباع إبراهيم .. بيَّن الشيء الذي أمره بمتابعته فيه، وهو أن يدعو الناس بأحد هذه الطرق الثلاثة، وهي الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالطريق الأحسن.
ومجمل المعنى (١): أي ادع أيها الرسول من أرسلك إليهم ربك بالدعاء إلى شريعته التي شرعها لخلقه بوحي الله الذي يوحيه إليك، وبالعبر والمواعظ التي جعلها في كتابه حجةً عليهم، وذكرهم بها في تنزيله، كالذي عدده في هذه السورة، وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها، بأن تصفح عما نالوا به عرضك من أذى، وترفق بهم بحسن الخطاب، كما قال في آية أخرى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ الآية، وقال آمرًا موسى وهارون ﵉ حين بعثهما إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾، ثم توعد سبحانه ووعد فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمَّد ﴿هُوَ أَعْلَمُ﴾ منك ومن المخلوقين، أو هو العالم لا غيره ﴿مَنْ يَضِلُّ﴾ وأعرض ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ سبحانه التي أمرك بدعوة الخلق إليها وعن قبولها ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ إليها، والقابلين لها؛ أي (٢): إنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى بهذه الطرق الثلاثة، وحصول الهداية لا يتعلق بك، فإنه تعالى هو العالم بضلال النفوس المظلمة الكدرة، وباهتداء النفوس المشرقة الصافية، فيجازي كلًّا منهم
стр. 6839
بما يستحقه، فكأنه (١) قيل: إن ربك أعلم بهم، فمن كان فيه خيرٌ .. كفاه الوعظ القليل والنصيحة اليسيرة، ومن لا خير فيه .. عجزت عنه الحيل، وكأنك تضرب منه في حديد باردٍ.
أي: إنَّ ربك أيها الرسول هو أعلم بمن جار عن قصد السبيل من المختلفين في السبت وغيره، وأعلم بمن كان منهم سالكًا قصد السبيل ومحجة الحق، وهو مجازيهم جميعًا حين وردوهم إليه بحسب ما يستحقون.
وخلاصة ذلك: اسلك في الدعوة والمناظرة الطريق المثلى، وهي الدعوة بالتي هي أحسن، وليس عليك غيرها، أمَّا الهداية والضلال والمجازاة عليها فإلى الله سبحانه لا إلى غيره، وإذ هو أعلم بحال من لا يرعوي عن الضلال لسوء اختياره، وبحال من يصير أمره إلى الاهتداء، لما ينطوي بين جنبيه من الخير فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمة، وهو كافٍ في هداية المهتدين، وإزالة عذر الضالين.
١٢٦ - ولما أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بالدعوة، وبين طريقها، وكانت تلك الدعوة تتضمن أمرهم بالرجوع عن دين آبائهم وأسلافهم، والحكم عليهم بالكفر والضلالة، وذلك مما يحمل أكثرهم على إيذاء الداعي، إما بقتله، أو بضربه، أو بشتمه، كما أن الداعي يدعوه طبعه إلى تأديب أولئك السفهاء تارةً بالقتل، وأخرى بالضرب .. لا جرم أمر سبحانه المحقين برعاية العدل والإنصاف في العقاب، وترك الزيادة فيه فقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾؛ أي: وإن أردتم أيها المؤمنون معاقبة من ظلمكم ﴿فَعَاقِبُوا﴾؛ أي: فجازوه ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: بمثل ما فعل بكم من القتل والضرب والشتم، ولا تزيدوا عليه، لأنَّ الزيادة ظلم، سمي الفعل الأول عقوبةً، والعقوبة هي الثانية لازدواج الكلام ومشاكلته، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فالثانية ليست بسيئة، والمعنى إن صنع بكم صنيع سوء من قتل أو نحوه .. فقابلوه بمثله، ولا تزيدوا عليه.
стр. 6840
وقرأ الجمهور: ﴿عاقبتم﴾ بالألف والتخفيف فيهما، وقرىء بالتشديد فيهما من غير ألف.
روي: أن المشركين مثلوا بالمسلمين يوم أحد، بقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم، فرأى النبي ﷺ حمزة مبقور البطن، فقال: "أمَّا والذي أحلف به لأمثلن بسبعين مكانك"، فنزلت، فكفر عن يمينه، وكف عما أراد، ولا خلاف في تحريم المثلة، لورود الأخيار بالنهي عنها، حتى بالكلب العقور.
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ وعفوتم، وتركتم المعاقبة بالمثل ﴿لَهُوَ﴾ بضم الهاء وسكونها قراءتان سبعيتان، والضمير يرجع إلى مصدر صبرتم، والمراد بالصابرين المخاطبون؛ أي: ولئن صبرتم لصبركم ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾؛ أي: خير لكم، فوضع (١) الصابرين موضع الضمير ثناءً من الله عليهم؛ لأنهم صابرون على الشدائد، يعني: ولئن عفوتم وتركتم استيفاء القصاص وصبرتم .. كان ذلك العفو والصير خيرًا من استيفاء القصاص، وفيه أجرٌ للصابرين العافين؛ أي: وإن (٢) عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم .. فلكم في العقاب إحدى طريقين:
١ - أن تعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة.
٢ - أن تصبروا وتتجاوزوا عما صدر منه من الذنب، وتصفحوا عنه، وتحتسبوا عند الله ما نالكم به من الظلم، وتكلوا أمركم إليه، والله يتولى عقوبته، والصبر خير للصابرين من الانتقام، لأنَّ الله ينتقم من الظالم بأشد مما كان ينتقم منه لنفسه.
والخلاصة: أنكم إن رغبتم في القصاص - فاقنعوا بالمثل، ولا تزيدوا عليه، فإنَّ الزيادة ظلمٌ، والظلم لا يحبه الله، ولا يرضى به، وإن تجاوزتم عن العقوبة وصفحتم .. ذلك خيرٌ وأبقى، والله هو الذي يتولى عقاب الظالم، ويأخذ بثأر المظلوم.
١٢٧ - ثم أمر رسوله بالصبر صراحةً بعد أن ندب إليه غيره تعريضًا، لأنه أولى
стр. 6841
الناس بعزائم الأمور، لزيادة علمه بشؤونه تعالى فقال: ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد على ما أصابك منهم من أذى في الله، ومن إعراض عن الدعوة ﴿وَمَا صَبْرُكَ﴾ يا محمَّد إن صبرت ﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: إلا بمعونة الله تعالى، وحسن توفيقه، ومشيئته المبنية على الحكم البالغة التي تنتهي إلى عواقب محمودةٍ، والاستثناء (١) مفرغ من أعم الأشياء؛ أي: وما صبرك حاصلًا ومصحوبًا بشيء من الأشياء إلا بتوفيقه لك، وفي هذا تسليةٌ للنبي ﷺ ، وتهوين لمشاق الصبر عليه، وتشريفٌ له بما لا مزيد عليه، ثم نهاه عن الحزن فقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ يا محمَّد ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الكافرين في إعراضهم عنك، أو لا تحزن على قتلى أحد، فإنهم قد أفضوا إلى رحمة الله؛ أي: ولا تحزن على إعراض المشركين الذين يكذبونك وينكرون ما جئتهم به ﴿وَلَا تَكُ﴾ يا محمَّد ﴿فِي ضَيْقٍ﴾ وهمٍّ وغمٍّ ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أي: من مكرهم لك فيما يستقبل من الزمان؛ أي: ولا يضق صدرك بما يقولون من الجهل بنسبتك إلى السحر والكهانة والشعر، احتيالًا وخديعةً لمن أراد الإيمان بك، وصدًّا عن سبيل الله، والمعنى: لا تهتم بمكرهم.
وقصارى ذلك: أنَّه (٢) نهى نبيه ﷺ أن يضيق صدره مما يلقى من أذى المشركين على تبليغهم وحي الله وتنزيله، كما قال: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ...﴾ الآية.
فالله كافيك أذاهم، وناصرك عليهم، ومؤيدك ومظهرك عليهم، فمهما حاولوا إيصال الأذى بك .. فإن الله مبعده عنك، ومحبط ما صنعوا، وهم لا يشعرون.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿ضَيْقٍ﴾ بفتح الضاد، وقرأ ابن كثير بكسرها، قال ابن السكيت: هما سواء، يعني المفتوح والمكسور، وقال الفراء: الضيق بالفتح: ما
стр. 6842
ضاق عنه صدرك، والضيق بالكسر: ما يكون في الذي يتسع مثل الدار والثوب، وكذا قال الأخفش، وهو من الكلام المقلوب؛ لأن الضيق وصف للإنسان يكون فيه، ولا يكون الإنسان فيه، وكأنه أراد وصف الضيق بالعظم حتى صار كالشيء المحيط بالإنسان من جميع جوانبه.
١٢٨ - ثم ختم هذه السورة بآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أي: اجتنبوا الكفر والمعاصي على اختلاف أنواعها؛ أي: معهم بالولاية والتوفيق والفضل والحفظ ﴿و﴾ مع ﴿الذين هم محسنون﴾ بتأدية الطاعات والقيام بما أمروا بها منها، وقيل المعنى: إنَّ الله مع الذين اتقوا الزيادة في العقوبة، والذين هم محسنون في أصل الانتقام.
وفي الحديث: "إن للمحسن ثلاث علامات: يبادر في طاعة الله، ويجتنب محارم الله، ويحسن إلى من أساء إليه".
والمعنى: أي (١) إن الله مع الذين اتقوا محارمه فاجتنبوها خوفًا من عقابه، والذين يحسنون رعاية فرائضه والقيام بحقوقه ولزوم طاعته فيما أمرهم به وفي ترك ما نهاهم عنه.
ونحو الآية قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وقول النبي ﷺ للصّديق وهما في الغار فيما حكى الله عنه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
وقصارى ذلك: أنَّ الله تعالى ولي الذين تبتلوا إليه، وأبعدوا الشواغل عن أنفسهم، فلم يحزنوا لفوت مطلوب، ولم يفرحوا لنيل محبوب، والذين هم محسنون أعمالهم برعاية فرائضه، وأداء حقوقه على النحو اللائق بجلاله وكماله، وقد فسر النبي ﷺ الإحسان فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه .. فإنه يراك".
والمعنى (٢): إن أردت أيها الإنسان أن أكون معك بالعون والفضل
стр. 6843
والرحمة .. فكن من المتقين المحسنين، وفي هذا إشارة إلى التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، قال بعض العلماء: كمال الطريق صدقٌ مع الحق، وصلحٌ مع الخلق، وكمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل أن يعمل به، وقيل لهرم بن حيان عند الموت: أوصِ، فقال: إنما الوصية في المال ولا مال لي، ولكن أوصيك بخواتيم سورة النحل، والله أعلم اهـ "خازن".
والله سبحانه نسأل أن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يوفقنا للفقه في دينه، ويفتح لنا خزائن أسراره بحرمة كتابه وكنوز شريعته التي أنزلها على رسوله النبي الأمي، والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
الإعراب
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، واسمه ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿أُمَّةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ ﴿قَانِتًا﴾: صفة أولى لـ ﴿أُمَّةً﴾، ﴿لِلَّهِ﴾: متعلق به، ﴿حَنِيفًا﴾: صفة ثانية لها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَمْ يَكُ﴾: جازم وفعل ناقص مجزوم، واسمه ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال مؤكدة من الضمير المستكن في ﴿حَنِيفًا﴾. ﴿شَاكِرًا﴾: صفة ثالثة لـ ﴿أُمَّةً﴾، ﴿لِأَنْعُمِهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَاكِرًا﴾ ﴿اجْتَبَاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة مستأنفة، ﴿وَهَدَاهُ﴾: فعل ومفعول، معطوف على ﴿اجْتَبَاهُ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهِ﴾، ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾: متعلق بـ ﴿هدى﴾ أو بـ ﴿اجتبى﴾ على سبيل التنازع، ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة ﴿صِرَاطٍ﴾.
﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾.
стр. 6844
﴿وَآتَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، ﴿في الدُّنْيَا﴾: متعلق به، ﴿حَسَنَةً﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿اجْتَبَاهُ﴾، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿وَإِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، ﴿في الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور، حال من الضمير المستكن في الخبر الآتي، ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إنَّ﴾ و ﴿اللام﴾ حرف ابتداءٍ، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿آتيناه﴾.
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب مع تراخ، ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾: جار ومجرور، متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اجْتَبَاهُ﴾ ﴿أَنِ﴾ مصدرية أو مفسرة، ﴿اتَّبِعْ﴾: فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَنِ﴾ المصدرية، مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: مفعول به لـ ﴿اتَّبِعْ﴾، ﴿حَنِيفًا﴾: حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، وجملة ﴿اتَّبِعْ﴾ مع ﴿أَنِ﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بالباء المحذوفة، والتقدير: ثم أوحينا إليك باتباع ملة إبراهيم حنيفًا، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ جملة مستأنفة أو في محل النصب معطوفة على ﴿حَنِيفًا﴾.
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿جُعِلَ السَّبْتُ﴾: فعل ونائب فاعل. وهو متعد إلى واحد؛ لأنه بمعنى فرض، والجملة مستأنفة، ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾: متعلق بـ ﴿جُعِلَ﴾، ﴿اخْتَلَفُوا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿اخْتَلَفُوا﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَيَحْكُمُ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿يحكم﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الرب سبحانه، ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾، وكذا يتعلق به ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وجملة ﴿يحكم﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾، ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يحكم﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بما بعده، وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة
стр. 6845
لها.
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾.
﴿ادْعُ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، ومفعوله محذوف، تقديره: ادع الناس، والجملة مستأنفة، ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿ادْعُ﴾ ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿ادْعُ﴾؛ أي: حالة كونك متلبسًا بالحكمة، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ﴾: معطوف على ﴿الحكمة﴾، ﴿الْحَسَنَةِ﴾: صفة لـ ﴿الموعظة﴾، ﴿وَجَادِلْهُمْ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة معطوفة على جملة ﴿ادْعُ﴾ ﴿بِالَّتِي﴾: متعلق بـ ﴿جادل﴾ ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، ﴿أَعْلَمُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿بِمَنْ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿ضَلَّ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة الموصول، ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿ضَلَّ﴾ ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الرفع معطوفة على خبر ﴿إِنَّ﴾، ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾.
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿عَاقَبْتُمْ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿فَعَاقِبُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿عاقبوا﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، مبني على حذف النون، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿بِمِثْلِ مَا﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عاقبوا﴾، ﴿عُوقِبْتُمْ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿صَبَرْتُمْ﴾: فعل وفاعل، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه
стр. 6846
فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: فهو خير لكم، ﴿لَهُوَ﴾ ﴿اللام﴾: زائدة، زيدت لتأكيد لام القسم، ﴿هو خير﴾: مبتدأ وخبر، ﴿لِلصَّابِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، أو معطوفة على جملة الشرط قبلها.
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.
﴿وَاصْبِرْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿صَبْرُكَ﴾: مبتدأ، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور، خبر المبتدأ؛ أي: وما صبرك إلا حاصلٌ بمعونة الله وفضله، والجملة معترضة لاعتراضها بين المتعاطفين، ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾: جازم ومجزوم، معطوف على ﴿وَاصْبِرْ﴾، وفاعله ضمير يعود على محمَّد، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَحْزَنْ﴾، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، واسمها ضمير يعود على محمَّد، ﴿فِي ضَيْقٍ﴾: خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾، ﴿مِمَّا﴾ مكرهم بك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ضَيْقٍ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿مَعَ الَّذِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿اتَّقَوْا﴾: فعل وفاعل، صلة الموصول، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول، ﴿هُمْ مُحْسِنُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ حكى (١) ابن الجوزي عن ابن الأنباري أنه قال: إنَّ هذا مثل قول العرب فلانٌ رحمة، وفلان علامة ونسابة، يقصدون بهذا التأنيث
стр. 6847
التناهي في المعنى الذي يصفونه به، والعرب توقع الأسماء المبهمة على الجماعة وعلى الواحد، كقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وإنما ناداه جبريل وحده.
وإنما سمي إبراهيم ﵇ أمةً لأنه اجتمع فيه من صفات الكمال وصفات الخير والأخلاق الحميدة ما اجتمع في أمة، ومنه قول الشاعر:
وَلَيْسَ عَلَى الله بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِيْ وَاحِدِ
ثم للمفسرين في معنى هذه اللفظة أقوال (١):
أحدها: قول ابن مسعود الأمة معلم الناس الخير، يعني أنه كان معلمًا الخير، يأتم به أهل الدنيا.
الثاني: قال مجاهد: إنه كان مؤمنًا وحده، والناس كلهم كفار، فلهذا المعنى كان أمةً وحده، ومنه قوله ﷺ في زيد بن عمرو بن نفيل: "يبعثه الله أمة وحده"، وإنما قال فيه هذه المقالة لأنه كان فارق الجاهلية وما كانوا عليه من عبادة الأصنام.
الثالث: قال قتادة: ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه ويرضونه، وقيل الأمة فعلة بمعنى مفعولة، وهو الذي يؤتم به، وكان إبراهيم ﵇ إمامًا يقتدى به، دليله قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وقيل: إنه ﵇ هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ومن تبعه ممتازين عمن سواهم بالتوحيد لله والدين الحق، وهو من باب إطلاق المسبب على السبب، وقيل: إنما سمي إبراهيم ﵇ أمة لأنه قام مقام أمة في عبادة الله تعالى اهـ "خازن".
وحاصل ما ذكر له من الصفات تسعة بل عشرة، إذ قوله: (ثُمَّ أَوحَينا إِلَيْكَ ...﴾ إلخ، يرجع لوصف إبراهيم وتعظيمه بأن محمدًا ﷺ أمر باتباعه اهـ شيخنا.
стр. 6848
﴿قَانِتًا﴾ والقانت: المطيع لله القائم بأمره، ﴿حَنِيفًا﴾ والحنيف: المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق، ﴿اجْتَبَاهُ﴾ اصطفاه واختاره للنبوة والخلة، ﴿حَسَنَةً﴾ والحسنة هي محبة أهل الأديان جميعًا له إجابة لدعوته لربه ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾.
﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الملة (١) اسمٌ لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياء ﵈ من أمللت الكتاب إذا أمليته، وهو الدين بعينه، لكن باعتبار الطاعة له.
وتحقيق ذلك: أن الوضع مهما نسب إلى من يؤديه عن الله تعالى .. يسمى ملة، ومهما نسب إلى من يقيمه ويعمل به .. يسمى دينًا، وقال الراغب: الفرق بينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي ﵇ ولا تكاد توجد مضافةً إلى الله ، ولا إلى آحاد الأمة، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها، والمراد بملته ﵇ الإسلام الذي عبر عنه آنفًا بالصراط المستقيم اهـ "أبو السعود".
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾؛ أي: إنما فرض تعظيم السبت، والتخلي فيه للعبادة، وترك الصيد فيه على اليهود الذين اختلفوا فيه، والسبت في الأصل مصدر سبت يسبت - من باب ضرب - سبتًا، بمعنى قطع، ثم سمي به يومٌ من أيام الأسبوع لانقطاع الأيام عنده، إذ هو آخر أيام الأسبوع، يجمع على أسبت وسبوت، وقال الزمخشري: سبتت اليهود إذا عظمت سبتها.
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ والحكمة المقالة المحكمة المصحوبة بالدليل الموضح للحق المزيل للشبهة، ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الدلائل الظنية المقنعة للعامة، والجدل: الحوار والمناظرة لإقناع المعاند، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ والعقاب في أصل اللغة: المجازاة على أذى سابق، ثم استعمل في مطلق العقاب.
стр. 6849
﴿وَلَا تَكُ﴾ أصله ولا تكن، حذفت النون تخفيفًا لكثرة استعماله، بخلاف لم يصن، ولم يخن ونحوهما، ومعنى كثرة الاستعمال أنهم يعبرون بكان ويكون عن كل الأفعال، فيقولون: كان زيدٌ يقول، وكان زيد يجلس، فإن وصلت بساكنٍ ردت النون وتحركت نحو: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ﴾ و ﴿أمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.
﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ والضيق بفتح الضاد وكسرها: الغم وانقباض الصدر، وفي "المصباح": ضاق الشيء ضيقًا، من باب سار، والاسم الضيق بالكسر، وهو خلاف اتسع، فهو ضيقٌ، وضاق صدره حرج، فهو ضيق أيضًا اهـ. أي: ولا تك في ضيق صدر من مكرهم، فهو من الكلام المقلوب الذي يسجع عليه عند أمن الالتباس، لأن الضيق وصف، فهو يكون في الإنسان، ولا يكون الإنسان فيه، وفيه لطيفةٌ أخرى وهو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط به من جميع الجوانب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿وَآَتَيناَهُ﴾ إذ مقتضى السياق أن يقال: وآتاه؛ أي: الله المذكور في قوله: ﴿قَانِتًا لِلَّهِ﴾، ونكتة الالتفات زيادة الاعتناء بشأنه اهـ شيخنا.
ومنها: الطباق بين ﴿الدُّنْيَا﴾ و ﴿الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لزيادة تأكيد وتقرير لنزاهته عما هم عليه من عقد وعمل.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾.
ومنها: الطباق بين قوله ﴿بِمَنْ ضَلَّ﴾ وقوله: ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
стр. 6850
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿كَانَ أُمَّةً﴾؛ أي: كان بنفسه كالأمة والجماعة الكثيرة لجمعه أوصاف الكمالات التي تفرقت في الخلق، كما في قول أبي نواس.
ومنها: المزاوجة والمشاكلة في قوله: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ﴾ لأنه سمى الفعل المجازى عليه باسم الجزاء، على طريقة المشاكلة والمزاوجة، لأن تسمية الأذى الابتدائي معاقبةً من باب المشاكلة، لأنها في وضعها الأصلي تستدعي أن تكون عقيب فعل، نعم العرف جار على إطلاقها على ما يعذب به أحدٌ، وإن لم يك جزاء فعل.
ومنها: التصريح بالصبر في قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ بعد التعريض له في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ حثًّا عليه على الوجه الآكد.
ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿صَبَرْتُمْ﴾ و ﴿الصَّابِرِينَ﴾، وبين ﴿اصْبِرْ﴾ ﴿وَمَا صَبْرُكَ﴾.
ومنها: الكلام المقلوب في قوله: ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ لأن الضيق وصف يكون في الإنسان، ولا يكون الإنسان فيه.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 6851
خلاصة ما حوته هذه السورة
ومجمل ما حوته هذه السورة الكريمة من الآداب والأحكام خمس وعشرون موضوعًا:
١ - استعجال المشركين للساعة.
٢ - ذكر الأدلة على أنه جل وعلا المتفرد بخلق العالم العُلوي والسفلي وخلق الإنسان.
٣ - الامتنان على عباده بخلق الأنعام، وما فيها من المنافع من أكلٍ وحمل أثقالٍ إلى البلاد البعيدة.
٤ - النعي على المشركين في عبادة الأصنام والأوثان.
٥ - إنذار المشركين بأن يحل بهم مثل ما حل بمن قبلهم من المثلات وبما أتاهم من العذاب من حيث لا يشعرون.
٦ - احتجاج المشركين بعدم الحاجة إلى إرسال الرسل، بأن ما هم فيه من كفر وضلال مقدر مكتوب عليهم، فلا فائدة في إرسالهم، وقد رد عليهم بأن وظيفة الرسل البلاغ والإنذار، لا خلق الهداية والإيمان.
٧ - إجمال دعوة الأنبياء بأنها عبادة الله واجتناب الطاغوت، ومن الناس من استجاب لدعوتهم، ومنهم من حقت عليه الضلالة.
٨ - إنكار المشركين للبعث والنشور، وحلفهم على ذلك، وتكذيب الله تعالى لهم فيما يقولون.
٩ - إنكار بعث محمَّد ﷺ بأنه رجلٌ لا ملكٌ، فكذبهم الله بأن الأنبياء جميعًا كانوا رجالًا لا ملائكة.
١٠ - إنذار المشركين بعذاب الخسف.
١١ - جعلهم الملائكة بنات الله مع حزنهم إذا بشر أحدهم بالأنثى.
١٢ - رحمة الله بعباده، وعدم مؤاخذتهم بذنوبهم، وأنه لو أخذهم ما ترك
стр. 6852
على ظهر الأرض دابة.
١٣ - ذكر نعمه على عباده بإنزال اللبن من بين الفرث والدم، وأخذ الثمرات من النخيل والأعناب، والعسل من النحل. وأيضًا تفاضل الناس في الأعمار والأرزاق. وأيضًا ضرب الأمثال لدحض الشركاء والأنداد من دون الله.
١٤ - الامتنان على عباده بخلق السمع والبصر، وتسخير الطير في جو السماء، وجعل البيوت سكنًا، وجعله لنا سرابيل تقي الحر، وسرابيل تقي بأس العدو.
١٥ - جعل الأنبياء شهداء على أممهم، وعدم الإذن للكافرين في الكلام، وعدم قبول معذرتهم.
١٦ - الأمر بالعدل والإحسان وصلة الأرحام، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، والأمر بالعهود والوعود وضرب الأمثال لذلك.
١٧ - الأمر بالاستعاذة من الشيطان، وبيان أن سلطانه على المشركين.
١٨ - تكذيبهم للرسول إذا جاءهم بحكم لم يكن في شريعة من قبله من الأنبياء، وادعائهم بأن هذا القرآن إنما هو تعليم من عبد رومي، وردَّ الله عليهم ذلك. وأنه لا ضير على من كفر وقلبه مطمئن بالإيمان، دون من شرح بالكفر صدرًا.
١٩ - دفاع كل نفس عن نفسها يوم القيامة، وجزاء كل نفس بما عملت.
٢٠ - ذكر ما حرمه الله تعالى من المطاعم، والنهي عن تقولهم على الله بغير علم. وذكر ما حرمه على اليهود بسبب ظلمهم.
٢١ - مدح إبراهيم ﵇ ووصفه بصفات لم يوصف بها نبيٌّ غيره، ثم أمر النبي ﷺ باتباعه، وسلوك طريقته في العقاب والصبر على الأذى.
والله أعلم
* * *
стр. 6853
ولقد أجاد من قال:
سبحانك لا علم لنا ... إلَّا ما أَلْهَمْتَ لَنَا
لَكَ الشُّكْرُ يَا مَوْلاَنَا ... عَلى مَا أَسْعَفْتَ لَنَا
شعر
يَا رَب لا تُحْينِي إلى زَمَنٍ ... أكُونُ فيه كَلًّا على أَحَدِ
خُذْ بيدي قَبلَ أنْ أقُوْلَ لِمَنْ ... أَلْقَاهُ عِنْدَ القِيَامِ خُذْ بِيَدِي
стр. 6854
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد السادس عشر»
стр. 6855
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 6856
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[١٦]
стр. 6857
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 6858
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل القرآن موعظةً وشفاءً لما في الصدور، وجعله منهلًا عذبًا للورود والصدور، جمع فيه علوم الأولين والآخرين، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والصلاة والسلام على من أوحي إليه ذلك القرآن، من لوح الوجوب والأمر والشأن، سيدنا محمد الذي فسر الآيات في الأنفس والآفاق، على مراد الله الملك الخلاق، وعلى آله وصحبه المقتبسين من مشكاة أنواره، المغترفين من بحار أسراره، ومن تبعهم ممن تخلّق بالقرآن في كل زمان، ما تطاول المدى وطلع المرزمان.
أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء الرابع عشر من القرآن بعون الله وتوفيقه .. أردت الشّروع في تفسير الجزء الخامس عشر منه، مستمدًا منه التيسير والتوفيق؛ لأقوم الطريق فقلت.
سورة الإسراء
سورة الإسراء - وتسمى سورة بني إسرائيل، وسورة سبحان -: مكية، إلّا ثماني آيات، من قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ إلى قوله: ﴿سُلْطانًا نَصِيرًا﴾ فتلك الآيات الثمانية مدنية. وهذا (١) قول قتادة. وقال مقاتل: فيها من المدني قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ﴾ والتي تليها.
стр. 6859
وعدد آياتها: مئة وعشر آيات، وقيل: وإحدى عشرة آية وكلماتها ألف وخمس مئة وثلاث وثلاثون كلمة، وعدد حروفها ستة آلاف، وأربع مئة وستون حرفًا:
فضلها: ومما ورد في فضلها: ما روي (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرقّ قلبه عند ذكر الوالدين، كان له قنطار في الجنة» والقنطار: ألف أوقية، ومئتا أوقية.
وأخرج أحمد (٢)، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن عائشة، أنّ النبي ﷺ (كان يقرأ كل ليلة سورة بني إسرائيل والزمر).
وأخرج البخاري، وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال في هذه السورة، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول، وهن من تلادي.
الناسخ والمنسوخ فيها: قال أبو عبد الله محمد بن حزم - رحمه الله تعالى - وجملة المنسوخ في سورة بني إسرائيل ثلاث آيات:
أولاهن: قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما﴾ إلى قوله: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ الآية نسخ بعض حكمها، وبقي البعض على ظاهره، فهو في أهل التوحيد محكم، وبعض حكمها في أهل الشرك منسوخ بقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ نسختا بآية السيف.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾، الآية نسخت بالآية التي في سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ...﴾ الآية.
стр. 6860
المناسبة: ووجه (١) مناسبة هذه السورة لسورة النحل، وذكرها بعدها في أمور:
١ - أنه ذكر في سورة النحل اختلاف اليهود في السبت، وهنا ذكر شريعة أهل السبت التي شرعها لهم في التوراة، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: (إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل).
٢ - أنه لما أمر نبيه ﷺ بالصبر، ونهاه عن الحزن، وضيق الصدر من مكرهم في السُّورة السالفة .. ذكر هنا شرفه، وعلوّ منزلته عند ربه.
٣ - أنه لما ذكر في السورة السالفة نعمًا كثيرة حتى سميت لأجلها سورة النعم .. ذكر هنا أيضًا نعمًا خاصةً وعامّةً.
٤ - ذكر هناك أن النحل ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ﴾ وهنا ذكر ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
٥ - أنه في تلك أمر بإيتاء ذي القربى، وكذلك هنا مع زيادة إيتاء المساكين، وابن السبيل.
والله أعلم
* * *
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنّ الله لما ذكر في الآية الأولى: أنه أكرم عبده، ورسوله محمدًا ﷺ بالإسراء من مكة إلى بيت المقدس .. أردف ذلك بذكر ما أكرم به موسى ﵇ قبله من إعطائه التوراة، وجعله هدى لبني إسرائيل ليخرجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور العلم والهدى، ثمّ قفّى على ذلك ببيان أنّهم ما عملوا بهديها بل أفسدوا في الأرض، فسلّط الله عليهم البابليين، أثخنوا فيهم، وقصدوهم بالقتل، والنهب، والسلب، ثم أزال عنهم هذه المحنة، وأعاد لهم الدولة، وأمدهم بالأموال، والبنين، وجعلهم أكثر عددا مما كانوا، ثم عادوا إلى عصيانهم، وقتلوا ذكريا، ويحيى ﵉ فَسَلَّط الله عليهم من أدال دولتهم مرة أخرى، فأعمل فيهم السيف، وسلب، ونهب، وجاس خلال ديارهم، فدخل بيت المقدس مرّة أخرى بالقهر والغلبة والإذلال، وأهلك ما أهلك، مما قد جمعوه وكنزوه، ثم أوعدهم على عصيانهم بالعقاب في الآخرة بنار جهنم، وبئس السجن هي لمن عصى الله وخالف أوامر دينه تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر ما أكرم به من اصطفاه من النبيين والمرسلين، فأكرم محمدا ﷺ بالإسراء، وأكرم موسى بالتوراة، وجعلها هدى لبني إسرائيل، ثم بيّن أنهم لم يعملوا بها، فحل بهم عذاب الدنيا والآخرة .. قفّى على ذلك بالثناء على القرآن الكريم، وبيان أنه يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبشر المؤمنين بالأجر والثواب العظيم، وينذر الكافرين بالعذاب الأليم، ثم أردف ذلك بذكر طبيعة الإنسان، وأنه خلق عجولا قد يدعو على نفسه بالشر، أي: بالموت، والهلاك، والدمار، واللعنة كما يدعو لنفسه بالخير.
وعبارة أبي حيان هنا: لما ذكر (٢) تعالى من اختصه بالإسراء، وهو محمد ﷺ ومن آتاه التوراة، وهو موسى ﵇، وأنها هدًى لبني إسرائيل،
стр. 6863
وذكر ما قَضَى عليهم فيها من التسليط عليهم بذنوبهم، كان - ذلك رادعًا لمن عقل عن معاصي الله، فذكر ما شرف الله به رسوله محمدًا ﷺ من القرآن الناسخ لحكم التوراة، وكل كتاب إلهي، وأنه يهدي للطريقة أو الحالة التي هي أقوم -.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لما ذكر الهداية، والإرشاد بالقرآن الكريم .. قفّى على ذلك بالاستدلال بالآيات، والدلائل التي في الآفاق، وهي برهان نيّر لا ريب فيه، وطريق بيّن لا يضل من ينتحيه.
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنّ الله لمّا بين فيما سلف حال كتابه الذي يحوي النافع والضارّ من الأعمال، مما يكون به سعادة الإنسان، وشقاؤه في دينه ودنياه .. قفى على ذلك بذكر حال كتاب المرء، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله إلّا أحصاها، وأن حسنها وقبحها تابع لأخذه بما في الكتاب الأول، أو تركه لذاك، فمن أخذ به اهتدى، ومنفعة ذلك عائدة إليه، ومن أعرض عنه ضل وغوى، ووبال ذلك راجع عليه، ثم أكد عنايته بعباده، وأنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا إذا أرسل الرسل يبلِّغون رسالات ربهم رحمة بهم، ورأفة عليهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ...﴾ الآية، قال أبو القاسم سليمان الأنصاري (٢): لما وصل محمد ﷺ إلى الدرجات العالية، والمراتب الرفيعة، في المعارج أوحى الله إليه يا محمد، بم شرفك الله ؟ قال: «يا رب بنسبتي إليك بالعبودية» فأنزل الله فيه ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ...﴾ الآية انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما
стр. 6864
أخرجه (١) ابن عبد البر بسند ضعيف عن عائشة قالت: سألت خديجة رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «هم من آبائهم»، ثم سألته بعد ذلك فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثمّ سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وقال: هم على الفطرة، أو قال: في الجنة.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾؛ أي: تبرأ عن الشريك والولد والصاحبة، الإله الذي سير بعبده محمد ﷺ ﴿لَيْلًا﴾؛ أي: في جزء قليل من الليل ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾؛ أي: من حرم مكّة من بيت أم هانىء بنت أبي طالب ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾؛ أي (٢) إلى المسجد الأبعد من الأرض أي من أرض الحجاز وأقرب إلى السماء، وهو مسجد بيت المقدس، ورجع من ليلته في نحو ثلاث ساعات، وسمي أقصى؛ لأنه أبعد المساجد التي تزار ويطلب بها الأجر من المسجد الحرام؛ أي أبعد بالنظر إلى من بالحجاز.
قال النحويون (٣): ﴿سُبْحانَ﴾ اسم علم للتسبيح، وانتصابه على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، فالمقصود منه التنزيه والتبعيد له تعالى عن السوء في الذات والصفات، والأفعال والأسماء، والأحكام، فالتعجيب مقصود منه أيضا؛ أي: تعجبوا أو اعجبوا من قدرة الله تعالى على هذا الأمر الغريب، والمعنى: ما أبعد الإله الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص، ولذا لا يستعمل إلّا فيه تعالى، والإسراء سير الليل.
وفائدة ذكر الليل، مع أنه معلوم من ذكر الإسراء: الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته، وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة، ومعنى أسرى به: صيره ساريا في الليل، وقوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ أي بروحه وجسده على المعتمد، وقال (٤): ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ دون نبيه، أو حبيبه؛ لئلا تضل به أمته، كما
стр. 6865
ضَلَّتْ أمة المسيح حيث ادَّعته إلهًا، أو لأن وصفه بالعبودية المضاف إلى الله تعالى أشرف المقامات والأوصاف.
لا تدعني إلّا بيا عبدها ... فإنّه أشرف أسمائي
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ ﴿من﴾ ابتدائية قال الحسن وقتادة: يعني المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن، وقال عامة المفسرين أسري برسول الله ﷺ من دار أم هانىء، فحملوا المسجد الحرام على مكة، أو الحرم لإحاطة كل منهما بالمسجد الحرام، أو لأن الحرم كلّه مسجد، وكان (١) الإسراء به ببدنه في اليقظة بعد البعثة، وكان قبلها في المنام كما أنه رأى فتح مكة سنة ست وتحقق سنة ثمان اهـ كرخي، والحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس دون العروج به من مكة، لأنه محشر الخلائق، فيطؤه بقدمه، ليسهل على أمته يوم وقوفهم ببركة أثر قدمه، أو لأنه مجمع أرواح الأنبياء، فأراد الله تعالى أن يشرفهم بزيارته ﷺ ، وليخبر الناس بصفاته، فيصدّقوه في الباقي اهـ كرخي، وقيل (٢): الحكمة في إسرائه ﷺ إلى بيت المقدس، ليحصل له العروج إلى السماء مستويًا من غير تعريج، لما روي عن كعب أنّ باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، قال: وهو أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا وقيل: الحكمة في ذلك، أنّ الشام خيرة الله تعالى من أرضه كما في الحديث الصحيح، فهي أفضل الأرض بعد الحرمين، وأول إقليم ظهر فيه ملكه ﷺ ، وقيل غير ذلك.
ثمّ ذكر سبحانه الغاية التي أسري برسوله ﷺ إليها فقال: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، أي القاصي، وهو بيت المقدس، وأول من بناه آدم بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة كما في «المواهب» فهو أول ما بني على الأرض بعد الكعبة، وسمّي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، ولم يكن حينئذ وراءه مسجد، ثم وصف المسجد الأقصى بقوله: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ ونواحيه بالثمار، والأنهار، والأنبياء، والصالحين، فقد بارك الله حول المسجد الأقصى