قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنّ الله لما ذكر في الآية الأولى: أنه أكرم عبده، ورسوله محمدًا ﷺ بالإسراء من مكة إلى بيت المقدس .. أردف ذلك بذكر ما أكرم به موسى ﵇ قبله من إعطائه التوراة، وجعله هدى لبني إسرائيل ليخرجهم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور العلم والهدى، ثمّ قفّى على ذلك ببيان أنّهم ما عملوا بهديها بل أفسدوا في الأرض، فسلّط الله عليهم البابليين، أثخنوا فيهم، وقصدوهم بالقتل، والنهب، والسلب، ثم أزال عنهم هذه المحنة، وأعاد لهم الدولة، وأمدهم بالأموال، والبنين، وجعلهم أكثر عددا مما كانوا، ثم عادوا إلى عصيانهم، وقتلوا ذكريا، ويحيى ﵉ فَسَلَّط الله عليهم من أدال دولتهم مرة أخرى، فأعمل فيهم السيف، وسلب، ونهب، وجاس خلال ديارهم، فدخل بيت المقدس مرّة أخرى بالقهر والغلبة والإذلال، وأهلك ما أهلك، مما قد جمعوه وكنزوه، ثم أوعدهم على عصيانهم بالعقاب في الآخرة بنار جهنم، وبئس السجن هي لمن عصى الله وخالف أوامر دينه تعالى.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر ما أكرم به من اصطفاه من النبيين والمرسلين، فأكرم محمدا ﷺ بالإسراء، وأكرم موسى بالتوراة، وجعلها هدى لبني إسرائيل، ثم بيّن أنهم لم يعملوا بها، فحل بهم عذاب الدنيا والآخرة .. قفّى على ذلك بالثناء على القرآن الكريم، وبيان أنه يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبشر المؤمنين بالأجر والثواب العظيم، وينذر الكافرين بالعذاب الأليم، ثم أردف ذلك بذكر طبيعة الإنسان، وأنه خلق عجولا قد يدعو على نفسه بالشر، أي: بالموت، والهلاك، والدمار، واللعنة كما يدعو لنفسه بالخير.
وعبارة أبي حيان هنا: لما ذكر (٢) تعالى من اختصه بالإسراء، وهو محمد ﷺ ومن آتاه التوراة، وهو موسى ﵇، وأنها هدًى لبني إسرائيل،
стр. 6863
وذكر ما قَضَى عليهم فيها من التسليط عليهم بذنوبهم، كان - ذلك رادعًا لمن عقل عن معاصي الله، فذكر ما شرف الله به رسوله محمدًا ﷺ من القرآن الناسخ لحكم التوراة، وكل كتاب إلهي، وأنه يهدي للطريقة أو الحالة التي هي أقوم -.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لما ذكر الهداية، والإرشاد بالقرآن الكريم .. قفّى على ذلك بالاستدلال بالآيات، والدلائل التي في الآفاق، وهي برهان نيّر لا ريب فيه، وطريق بيّن لا يضل من ينتحيه.
قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنّ الله لمّا بين فيما سلف حال كتابه الذي يحوي النافع والضارّ من الأعمال، مما يكون به سعادة الإنسان، وشقاؤه في دينه ودنياه .. قفى على ذلك بذكر حال كتاب المرء، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من أعماله إلّا أحصاها، وأن حسنها وقبحها تابع لأخذه بما في الكتاب الأول، أو تركه لذاك، فمن أخذ به اهتدى، ومنفعة ذلك عائدة إليه، ومن أعرض عنه ضل وغوى، ووبال ذلك راجع عليه، ثم أكد عنايته بعباده، وأنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا إذا أرسل الرسل يبلِّغون رسالات ربهم رحمة بهم، ورأفة عليهم.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ...﴾ الآية، قال أبو القاسم سليمان الأنصاري (٢): لما وصل محمد ﷺ إلى الدرجات العالية، والمراتب الرفيعة، في المعارج أوحى الله إليه يا محمد، بم شرفك الله ؟ قال: «يا رب بنسبتي إليك بالعبودية» فأنزل الله فيه ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ...﴾ الآية انتهى.
قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما
стр. 6864
أخرجه (١) ابن عبد البر بسند ضعيف عن عائشة قالت: سألت خديجة رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «هم من آبائهم»، ثم سألته بعد ذلك فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثمّ سألته بعدما استحكم الإسلام فنزلت: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وقال: هم على الفطرة، أو قال: في الجنة.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾؛ أي: تبرأ عن الشريك والولد والصاحبة، الإله الذي سير بعبده محمد ﷺ ﴿لَيْلًا﴾؛ أي: في جزء قليل من الليل ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾؛ أي: من حرم مكّة من بيت أم هانىء بنت أبي طالب ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾؛ أي (٢) إلى المسجد الأبعد من الأرض أي من أرض الحجاز وأقرب إلى السماء، وهو مسجد بيت المقدس، ورجع من ليلته في نحو ثلاث ساعات، وسمي أقصى؛ لأنه أبعد المساجد التي تزار ويطلب بها الأجر من المسجد الحرام؛ أي أبعد بالنظر إلى من بالحجاز.
قال النحويون (٣): ﴿سُبْحانَ﴾ اسم علم للتسبيح، وانتصابه على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، فالمقصود منه التنزيه والتبعيد له تعالى عن السوء في الذات والصفات، والأفعال والأسماء، والأحكام، فالتعجيب مقصود منه أيضا؛ أي: تعجبوا أو اعجبوا من قدرة الله تعالى على هذا الأمر الغريب، والمعنى: ما أبعد الإله الذي له هذه القدرة عن جميع النقائص، ولذا لا يستعمل إلّا فيه تعالى، والإسراء سير الليل.
وفائدة ذكر الليل، مع أنه معلوم من ذكر الإسراء: الإشارة بتنكيره إلى تقليل مدّته، وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسافة أربعين ليلة، ومعنى أسرى به: صيره ساريا في الليل، وقوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ أي بروحه وجسده على المعتمد، وقال (٤): ﴿بِعَبْدِهِ﴾؛ دون نبيه، أو حبيبه؛ لئلا تضل به أمته، كما
стр. 6865
ضَلَّتْ أمة المسيح حيث ادَّعته إلهًا، أو لأن وصفه بالعبودية المضاف إلى الله تعالى أشرف المقامات والأوصاف.
لا تدعني إلّا بيا عبدها ... فإنّه أشرف أسمائي
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ ﴿من﴾ ابتدائية قال الحسن وقتادة: يعني المسجد نفسه، وهو ظاهر القرآن، وقال عامة المفسرين أسري برسول الله ﷺ من دار أم هانىء، فحملوا المسجد الحرام على مكة، أو الحرم لإحاطة كل منهما بالمسجد الحرام، أو لأن الحرم كلّه مسجد، وكان (١) الإسراء به ببدنه في اليقظة بعد البعثة، وكان قبلها في المنام كما أنه رأى فتح مكة سنة ست وتحقق سنة ثمان اهـ كرخي، والحكمة في إسرائه إلى بيت المقدس دون العروج به من مكة، لأنه محشر الخلائق، فيطؤه بقدمه، ليسهل على أمته يوم وقوفهم ببركة أثر قدمه، أو لأنه مجمع أرواح الأنبياء، فأراد الله تعالى أن يشرفهم بزيارته ﷺ ، وليخبر الناس بصفاته، فيصدّقوه في الباقي اهـ كرخي، وقيل (٢): الحكمة في إسرائه ﷺ إلى بيت المقدس، ليحصل له العروج إلى السماء مستويًا من غير تعريج، لما روي عن كعب أنّ باب السماء الذي يقال له: مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، قال: وهو أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا وقيل: الحكمة في ذلك، أنّ الشام خيرة الله تعالى من أرضه كما في الحديث الصحيح، فهي أفضل الأرض بعد الحرمين، وأول إقليم ظهر فيه ملكه ﷺ ، وقيل غير ذلك.
ثمّ ذكر سبحانه الغاية التي أسري برسوله ﷺ إليها فقال: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، أي القاصي، وهو بيت المقدس، وأول من بناه آدم بعد أن بنى الكعبة بأربعين سنة كما في «المواهب» فهو أول ما بني على الأرض بعد الكعبة، وسمّي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، ولم يكن حينئذ وراءه مسجد، ثم وصف المسجد الأقصى بقوله: ﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ ونواحيه بالثمار، والأنهار، والأنبياء، والصالحين، فقد بارك الله حول المسجد الأقصى
стр. 6866
ببركات الدنيا، فهي ليست إلا حول الأقصى، وأما في الداخل فالبركة في كل من المسجدين، بل هي في الحرم أتم، وهي كثرة الثواب بالعبادة فيهما اهـ شيخنا، أي الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم، وأقواتهم، وحروثهم، وغروسهم، وفي قوله: ﴿بارَكْنا﴾ بعد قوله: ﴿أَسْرى﴾ التفات من الغيبة إلى التكلم، ثم ذكر العلّة التي أسرى به لأجلها فقال: ﴿لِنُرِيَهُ﴾، أي لكي نري عبدنا محمدًا ﷺ ﴿مِنْ آياتِنا﴾، أي من عبرنا (١) وأدلتنا ما فيه البرهان الساطع، والدليل القاطع على وحدانيّتنا، وعظيم قدرتنا، والمراد بها، ما أراه الله تعالى في تلك الليلة من العجائب التي من جملتها قطع هذه المسافة الطويلة، في جزء قليل من الليل، وقرأ الجمهور ﴿لِنُرِيَهُ﴾ بالنون، وهو التفات من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم، وقرأ الحسن: ﴿ليريه﴾ بالياء، فيكون الالتفات في ﴿آياتِنا﴾، ﴿إِنَّهُ﴾ أي إنّ الذي أسرى بعبده ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقول هؤلاء المشركون من أهل مكة في إسراء محمد ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، أو بكل مسموع، ومن جملة ذلك قول محمد ﷺ وقول أولئك المشركين ﴿الْبَصِيرُ﴾ بما يفعلون، لا تخفى عليه خافية من أمرهم، ولا يعزب عنه شيء في الأرض، ولا في السماء، فهو محيط به علمًا، ومحصيه عددًا، وهو لهم بالمرصاد، وسيجزيهم بما هم له أهل أو بكل مبصر، ومن جملة ذلك ذات رسوله وأفعاله، وذاتهم وأفعالهم، ويقال (٢): معنى هذه الجملة ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إنّ هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء هو خاصة السميع لكلامنا، البصير لذاتنا، فهو السميع أذنا وقلبا بالإجابة لنا، والقبول لأوامرنا، البصير بصرا، وبصيرة، وتوسيط ضمير الفصل للإشعار باختصاصه ﷺ وحده بهذه الكرامة، ولهذا عقب الله تعالى بقوله: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾.
تحقيق ما قيل في الإسراء والمعراج
اعلم (٣): أن هاهنا أمرين:
стр. 6867
١ - إسراء النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، وهذا هو الذي ذكر في هذه السورة.
٢ - العروج به، والصعود إلى السماء الدنيا، ثم إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام بعد وصوله إلى بيت المقدس، ولم يذكر ذلك هنا، وسيأتي بيانه في سورة النجم، ونفصل القول فيه تفصيلًا إن شاء الله هناك.
آراء العلماء في الإسراء
وهاهنا أمور: مكان الإسراء، زمانه، هل كان الإسراء بالروح والجسد، أو بالروح فحسب.
١ - يرى جمع من العلماء أن الإسراء كان من المسجد الحرام، وقيل: أسري به من دار أم هانىء بنت أبي طالب.
٢ - أما زمانه: فقد كان ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة، وعن أنس والحسن البصري أنه كان قبل مبعثه ﷺ .
٣ - أكثر العلماء على أن الإسراء كان بالروح والجسد، يقظة لا منامًا، ولهم على ذلك أدلة:
أ - أن التسبيح والتعجب في قوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ إنما يكون في الأمور العظام، ولو كان ذلك مناما لم يكن فيه كبير شأن، ولم يكن مستعظمًا.
ب - أنه لو كان منامًا ما كانت قريش تبادر إلى تكذيبه، ولما ارتد جماعة ممن كانوا قد أسلموا، ولما قالت أم هانىء لا تحدث الناس فيكذبوك، ولما فضّل أبو بكر بالتصديق، وجاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها - لم أعرفها حق المعرفة - فكربت كربًا مّا كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه فما سألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به» الحديث.
стр. 6868
ج - أن قوله ﴿بِعَبْدِهِ﴾ يدل على مجموع الروح والجسد.
د - أن ابن عباس ﵁ قال في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هي: رؤيا أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، ويؤيده أن العرب قد تستعمل الرؤيا في المشاهدة الحسية.
ألا ترى إلى قول الراعي يصف صائدا:
وكبّر للرّؤيا وهشّ فؤاده ... وبشّر قلبا كان جمّا بلابله
هـ - أن الحركة بهذه السرعة ممكنة في نفسها، فقد جاء في القرآن الكريم أنَّ الرِّياح كانت تسير بسليمان ﵇ إلى المواضع البعيدة، في الأوقات القليلة، فقد قال تعالى في صفة سير سليمان ﵇: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾، وجاء فيه أن الذي عنده علم من الكتاب أحضر عرش بلقيس من أقصى اليمن إلى أقصى الشام، في مقدار لمح البصر، كما قال تعالى: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، وإذا جاز هذا لدى طائفة من الناس، جاز لدى جميعهم.
ويرى آخرون من الناس أن الإسراء كان بالروح فحسب، ولهم على ذلك حجج:
أ - أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كان رؤيا من الله صادقة، وقد ضعّف هذا بأن معاوية يومئذ، كان من المشركين، فلا يقبل خبره في مثل هذا.
ب - أن بعض آل أبي بكر ﵁ قال: كانت عائشة تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ، ولكن أسري بروحه، ونقدوا هذا بأن عائشة يومئذ كانت صغيرة، ولم تكن زوجا لرسول الله ﷺ .
ج - أن الحسن قال في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ...﴾ الآية. إنها رؤيا منام رآها والرؤيا تختص بالنوم.
قال أبو جعفر الطبري: الصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما أخبر
стр. 6869
الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنّ الله حمله على البراق، حتى أتاه به، وصلى هناك بمن صلى من الأنبياء والرسل فأراه من الآيات ما أراه، ولا معنى لقول من قال: أسري بروحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلا على نبوته، ولا حجّة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، كانوا يدفعون به عن صدقه فيه؛ إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة، من بني آدم، أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو مسيرة شهر، أو أقلّ.
وبعد: فإن الله إنّما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزًا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره، إلا أن الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله ﷺ أن الله أسرى به على دابة، يقال لها: البراق، ولو كان الإسراء بروحه .. لم تكن الروح محمولة على البراق، إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجساد اهـ.
والخلاصة: أن الذي عليه المعول عند جمهرة المسلمين، أنه أسري به ﷺ يقظة لا منامًا، من مكة إلى بيت المقدس، راكبًا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب، ودخله يصلي في قبلته، تحية المسجد ركعتين، ثم ركب البراق وعاد إلى مكة بغلسٍ.
إلمامةٌ في المعراج
يرى بعض العلماء أن عروج النبي ﷺ السموات السبع، كان بجسده وروحه يقظة لا منامًا لدليلين:
أ - آية الإسراء إذ صرح فيها بأنه أسرى بعبده، والعبد مجموع الروح والجسد، فوجب أن يكون الإسراء حاصلا بهما.
ب - الحديث المروي في الكتب الصحاح كالبخاري ومسلم، وغيرهما، وهو يدل على أن الذهاب من مكة إلى بيت المقدس، ثم منه إلى السموات العلا، ثمّ إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام.
стр. 6870
وأنكره آخرون، وأثبتوا أنَّ المعراج كان بالروح فحسب لوجوه:
١ - أنَّ الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحد غير معقولة.
٢ - أنه لو صح ذلك لكان أعظم المعجزات، وكان يجب أن يظهر حين اجتماع الناس حتى يستدل به على صدقه في ادّعاء النبوة، فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه فيه أحد، ولا يشاهده فيه مشاهد، فإنّ ذلك عبث لا يليق بحكمة الحكيم.
٣ - أن الصعود بالجسم إلى العالم العلوي فوق طبقات معينة، مستحيلٌ، لأن الهواء معدوم، فلا يمكن أن يعيش فيه الجسم الحي، أو يتنفس فيه.
٤ - أن حديث المعراج اشتمل على أشياء في غاية البعد:
أ - شق بطنه، وتطهيره بماء زمزم، والذي يغسل بالماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب من العقائد الزائغة، والأخلاق المذمومة.
ب - ركوب البراق ولا حاجة له بذلك؛ لأن العالم العلوي في غنى عن ذلك.
ج - أنه تعالى أوجب خمسين صلاة، ولم يزل محمد ﷺ يتردد بين الله وموسى ﵇ إلى أن عاد الخمسون إلى خمس بسبب شفقة موسى ﵇، وهذا غير جائز، كما قال القاضي أبو بكر الباقلاني؛ لأنه يقتضي نسخ الحكم قبل العمل به، وهذا بداء محال على الله .
د - لم يقل أحد من المسلمين بأنّ الأنبياء أحياء بأجسادهم في العالم العلوي، وإنما الحياة هناك حياة روحية لا جسمانية، والتخاطب، والكلام معهم، والصلاة بهم من الأمور الروحية، لا الجسمية، إذ لا يعقل غير هذا، وبهذا يثبت المعراج الروحي لا الجسماني.
ويمكن أن يجيب الأولون عن الاستبعادات العقلية بأن هذه معجزة، والله
стр. 6871
تعالى قادر على خرق سننه بسنة أخرى، ككل معجزات الأنبياء، من انقلاب العصا حية، ثم عودتها في مدة قصيرة عصًا صغيرةً كما كانت.
عظة وذكرى
إنا لنقف قليلًا لدى هذين الحادثين الجليلين لنستخلص منهما أمورًا هي الغاية في العظة والاعتبار:
١ - أنّ هاتين الرحلتين: الرحلة الأرضية «الإسراء» والرّحلة السماوية «المعراج» حدثتا في ليلة واحدة، قبل الهجرة بسنة، ليمحص الله المؤمنين، ويبين منهم صادق الإيمان، ومن في قلبه منهم مرض فيكون الأول خليقًا بصحبة رسوله الأعظم إلى دار الهجرة، والإنضواء تحت لوائه، وجديرا بما يحتمله من أعباء عظام، وتكاليف شاقّة من حروب دينية، وقيام بدعوة عظيمةٍ، تستتبع همة قعساء، وإنشاء دولة تبتلع المعمور في ذلك الحين شرقًا، وغربًا.
٢ - أنّ الله تعالى أطلع رسوله على ما في هذا الكون أرضيةً وسماويةً من العظمة والجلال ليكون درسًا عمليًا لتعليم رسوله بالمشاهدة، والنظر، فإن التعليم بالمشاهدة أجدى أنواع التّعليم، فهو وإن لم يذهب إلى مدرسة، أو يجلس إلى معلم، أو يسيح في أرجاء المعمورة، أو يصعد بالآلات العلمية إلى السماء، فقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى، وما أطلعه عليه من مشاهدة تلك العوالم الّتي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها، إلا بضرب من التخيّل والتوهم، فأنى لنا أن نصل إلى ذلك، وقد حبس عنّا الكثير من العلم، ولم نؤت إلا قليله ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
٣ - أن ما يجدُّ كل يوم من ضروب المخترعات والتوصل بها إلى طي المسافات بوسائل الطيارات، وقطع المحيطات في قليل الساعات من قارّة إلى قارّة، ومن قطر إلى قطر، ليجعلنا نعتقد أنّ ما جاء في وصف هاتين الرحلتين من الأمور الميسورة التي ليست بالعزيزة الحصول أو الأمور المستحيلة.
٤ - أن روحانية الأنبياء تتغلب على كثافة أجسامهم، فما يخيل إلينا من
стр. 6872
العوائق العلمية من صعوبة الوصول إلى الملأ الأعلى، لتخلخل الهواء، واستحالة الوصول إلى الطبقات العليا من السماء، فهو إنّما يكون بالنظر إلى الأجرام والأجسام المشاهدة في عالم الحس، وإن لروحانية الأنبياء والملائكة أحكاما لم يصل العقل البشريّ إلى تحديدها، وإبداء الرأي فيها، وإنها لفوق مستوى إدراكه فأجدر بنا أن لا نطيل البحث فيها، ولا التعمق في استقصاء آثارها.
٥ - أن ما جاء في الحديث من أن الرّسول ﷺ صلّى إمامًا بالأنبياء في عالم السموات ليرشد إلى أن محمدًا ﷺ جاء بشريعة، ختمت الشرائع السالفة كلها، وأتمتها، ومن أوتوها ألقوا الزعامة إليه، وصاروا مؤتمِّين به.
٦ - أن في هذا مغزى جديرًا بطول التأمل والتفكير، وهو أن جميع الأنبياء كانوا في وفاقٍ ووئام في الملكوت الأعلى بالقرب من ربهم، الذي أرسلهم أفلا يجدر بمتّبعيهم أن يقتفوا سنة رسلهم، وأن يجعلوا أمرهم بينهم سلما لا حربا، وأن يجعلوا الشريعة الأخيرة، والقانون الذي جاءت به، هو الشريعة التي يقضى بها بين الناس، كما هو المتبع في القوانين الوضعيّة، فإنّ الذي يجب العمل به هو القانون الأخير، وهو يلغي جميع ما سبقه.
٢ - ولما ذكر الله تشريف محمَّدٍ ﷺ بالإسراء، ذكر عقبه تشريف موسى ﵇، بإنزال التوراة عليه مع ما فيه من دعوته ﵇ إلى الطور، وما وقع فيه من المناجاة جمعا بين الأمرين المتحدين في المعنى، فقال: ﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾؛ أي: وأعطينا موسى التوراة جملة واحدة بعد ما أسريناه إلى الطور. ﴿وَجَعَلْناهُ﴾؛ أي: وجعلنا ذلك الكتاب ﴿هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أي: هاديًا (١) لأولاد يعقوب، يهتدون إلى الحق، والصواب بما فيه من الأحكام، وأن في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ زائدة على قراءة التاء الفوقانية، و ﴿لا﴾ ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والجملة: مقول لقول محذوف، والتقدير: وقلنا لهم: لا تتخذوا ﴿مِنْ دُونِي﴾؛ أي: غيري، وهو أحد مفعولي ﴿تَتَّخِذُوا﴾ و ﴿من﴾ زائدة؛
стр. 6873
أي: وقلنا لهم لا تتّخذوا غيري ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: وليًا، ونصيرًا تكلون إليه أموركم، وعلى قراءة التحتانية ﴿أن﴾ مصدرية، ولا نافية، ولام التعليل مقدرة، والمعنى: وجعلناه هدى لبني إسرائيل لئلا يتّخذوا من دوني وكيلًا يكلون إليه أمورهم.
والمعنى: أي (١) وأعطينا موسى التوراة، وجعلنا فيها هداية لبني إسرائيل، وقلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلا، ووليّا ونصيرا تكلون إليه أموركم، وهذه مقالة أوحى الله بها إلى كل نبيّ أرسله، أمرهم جميعا أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن لا يعوّلوا في أمر إلا عليه.
وقرأ ابن عباس (٢)، ومجاهد، وقتادة، وعيسى، وأبو رجاء، وأبو عمرو من السبعة: ﴿يتخذوا﴾ بالياء على الغيبة وباقي السبعة بتاء الخطاب وقد جاءت هذه الآية عقب ذكر آية الإسراء بالنبي ﷺ من قبل أنّ موسى أوتي التوراة بمسيره إلى الطور، كما أسري بمحمد إلى بيت المقدس.
٣ - ثم نبّه إلى عظيم شرف بني إسرائيل، وإتمام نعمته عليهم، ليكون في ذلك تهييج لهم، وبيان لعظيم المنّة عليهم، فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾؛ أي: يا ذرية من حملنا مع نوح في السفينة، لا تتخذوا من دوني وكيلًا، والمراد: تأكيد الحمل على التوحيد، بتذكير إنعامه عليهم في ضمن إنجائه آباءهم من الغرق في سفينة نوح، قال في «الكواشي»: هذا منة على جميع الناس، لأنّهم كلّهم من ذرية من أنجي في السفينة من الغرق، والمعنى: كانوا مؤمنين فكونوا مثلهم، واقتفوا بآثار آبائكم ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن (٣) نوحا ﵇ ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾؛ أي: كثير الشكر في مجامع حالاته، وكان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء .. أجاعني، وإذا شرب قال: الحمدُ لله الذي سقاني، ولو
стр. 6874
شاءَ .. أظمأني، وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء .. جرَّدني، وإذا تغوَّط .. قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه في عافية، ولو شاء .. حبسه.
والمعنى: أي يا سلالة ذلك النبي الكريم الذي شمله الله بجميل رعايته، وأنجاه من غرق الطوفان بما ألهمه من عمل السفينة التي حمل فيها من كل زوجين اثنين، أنتم من حفدة أبنائه، فتشبّهوا بأبيكم، واقتدوا به، فإنه كان عبدًا شكورًا؛ أي: مبالغًا في الشكر بصرفه كلّ ما أنعم الله به عليه فيما خلق لأجله، فاللّسان لذكر الله، والعقل للفكر فيما خلق الله والبصر للتأمل فيما صنع الله، وهكذا بقية الحواس، وأعضاء الجسم.
أخرج ابن مردويه عن معاذ بن أنس الجهنيّ أن النبي ﷺ قال: «إنّ نوحًا كان إذا أمسى، وأصبح قال: سبحان الله حين تمسون، وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض، وعشيًا وحين تظهرون».
وأخرج ابن جرير، والبيهقي، والحاكم عن سلمان الفارسي قال: «كان نوح إذا لبس ثوبًا، أو أطعم طعامًا حمد الله تعالى، فسمي عبدًا شكورًا»، وفي هذا إيماء إلى أن إنجاء من كان معه كان ببركة شكره، وفيه حثٌّ للذرية على الاقتداء به، وزجرٌ لهم عن الشرك الذي هو أفظع مراتب الكفر.
وقرأ زيد بن ثابت (١)، وأبان بن عثمان، وزيد بن علي، ومجاهد في رواية، بكسر ذال ﴿ذرية﴾ وقرأ مجاهد أيضا بفتحها، وعن زيد بن ثابت ﴿ذرية﴾ بفتح الذال، وتخفيف الراء وتشديد الياء على وزن فعلية، كمطية، وقرىء ذرية بالرفع شاذا على تقديرهم ذرية، أو على البدل من الضمير في ﴿يتخذوا﴾ على القراءة بالياء لأنه غيب،
٤ - ثمّ بيّن سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بالتوراة، وجعلها هدًى لهم، لكنهم لم يهتدوا بها فقال: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾؛ أي: أوحينا إليهم، وأعلمناهم، وأخبرناهم ﴿فِي﴾ ما آتيناهم من ﴿الْكِتابِ﴾؛ أي:
стр. 6875
التوراة، وكان إنزالها على نبيهم موسى، كإنزالها عليهم، لكونهم قومه وقيل: المراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، والمعنى، وقضينا: أي: حكمنا على بني إسرائيل في اللوح المحفوظ، قضاء مبتوتا، وحكما مقطوعًا، و ﴿اللام﴾ في قوله: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾: موطئة لقسم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لتفسدن في أرض الشام، وبيت المقدس، أو أرض مصر بالمعاصي والظلم ﴿مَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: إفسادتين: أولاهما: مخالفة أحكام التوراة، وقتل شعياء، وحبس أرمياء، وثانيتهما: قتل زكريا، ويحيى، وقصد قتل عيسى ﵈؛ أي: لتفسدن فيها إفسادًا بعد إفساد ﴿وَلَتَعْلُنَّ﴾؛ أي: ولتستكبرنّ فيها عن طاعة الله تعالى أو لتظلمن الناس ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ أي استكبارا مجاوزا الحد، أو ظلمًا فاحشًا، وهذه ﴿اللام﴾ كاللام التي قبلها، والمعنى أي وأوحينا (١) إلى بني إسرائيل فيما أنزلناه في التوراة على موسى، فأعلمهم به، لتعصن الله، ولتخالفنّ أمره مرتين، أولاهما: تغيير التوراة، وقتل شعيا ﵇، وحبس أرميا حين أنذرهم سخط الله، والثانية: قتل زكريا، ويحيى وقصدهم قتل عيسى ﵈.
وقيل: سبب قتل زكريا أنّهم اتهموه بمريم، قيل: قالوا: حين حملت مريم ضيّع بنت سيّدنا حتى زنت، فقطعوه بالمنشار في الشجرة. ولتستكبرن في الأرض عن طاعة الله تعالى، ولتبغن على الناس، ولتظلمنّهم ظلمًا شديدًا تفرطون فيه، وتبلغون أقصى الغاية.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فِي الْكِتابِ﴾ بالإفراد، والظاهر أن يراد به التوراة، وقرأ أبو العالية، وسعيد بن جبير ﴿في الكتب﴾ على الجمع، فاحتمل أن يراد به الجنس، وقرأ الجمهور: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ بضم التاء، وكسر السين من أفسد الرباعي، وقرأ ابن عباس، ونصر بن علي، وجابر بن زيد: ﴿لتفسدن﴾ بضم التاء، وفتح السين مبنيًا للمفعول؛ أي يفسدكم غيركم، فقيل: من الإضلال، وقيل: من
стр. 6876
الغلبة، وقرأ عيسى: ﴿لتفسدن﴾ بفتح التاء، وضم السين، أي فسدتم بأنفسكم بارتكاب المعاصي، وقرأ الجمهور: ﴿عُلُوًّا﴾ بوزن عتوًا، وقرأ زيد بن علي: ﴿عليًا كبيرًا﴾، ولكن التصحيح في فعول المصدر أكثر من الإعلال كقوله: وعتوا عتوًّا كبيرًا، بخلاف الجمع، فإن الإعلال فيه هو المقيس.
٥ - ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾؛ أي: وعد عقاب أولى المرتين؛ أي: فإذا حان وقرب وقت العقاب الموعود به في أولى الإفسادتين ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: سلّطنا عليكم لمؤاخذتكم بجناياتكم ﴿عِبادًا لَنَّا﴾ قيل (١): هم بختنصر، وجنوده، وقيل: جالوت وجنوده، وقيل: جند من بابل، وأكثر ما يقال: عباد الله، وعبيد الناس، والإضافة (٢) فيه لبيان كونهم مظاهر الاسم المذلّ المنتقم القهّار، كما يفيده مقام العظمة، لا للتشريف، فإن الكافر ليس من أهله، ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب قوة في الحروب، وبطش عند اللقاء، وهذا كقولهم: ظل ظليل؛ لأن البأس يتضمن الشدة؛ أي ذوي قوة وبطش في الحروب ﴿فَجاسُوا﴾؛ أي: جاس أولئك العباد، وترددوا ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾؛ أي: خلال دياركم وأوساطها، من الجوس، وهو التردد خلال الدور والبيوت في الغارة؛ أي: مشوا في وسط المنازل، أو في أوساطها للقتل والأسر، والغارة، وطافوا بينها لينظروا هل بقي منهم أحد لم يقتلوه، فقتلوا علماءهم، وكبارهم، وحرّقوا التوراة، وخرّبوا المسجد، وسبوا منهم سبعين ألفا، وذلك من قبيل تولية بعض الظالمين بعضًا مما جرت السنة الإلهية، ﴿وَكانَ﴾ ذلك؛ أي: وعد عقابهم في المرة الأولى، فالضمير في، ﴿وَكانَ﴾ عائد على وعد أولاهما، وفي «الجمل»: ﴿وَكانَ﴾؛ أي: البعث المذكور، وجوس الأعداء ﴿وَعْدًا مَفْعُولًا﴾؛ أي: وعدًا لا بد منه أن يفعل.
والمعنى: أي (٣) فإذا حان وقت حلول العقاب الموعود، أرسلنا عليكم لمؤاخذتكم بجنايتكم عبادًا لنا أولي بطش شديد في الحروب، قيل: هم سنحاريب ملك بابل وجنوده، فأوغلوا في البلاد، وترددوا بين الدور، والمساكن
стр. 6877
للقتل والسلب والنهب، وقتلوا علماءكم، وكبراءكم، وأحرقوا التوراة، وخربوا بيت المقدس، وسبوا منكم عددًا كثيرًا، وكان ذلك وعدا نافذًا لا مردّ له؛ أي: وعدًا منجزًا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَجَاسُوا﴾ بالجيم، وقرأ أبو السمال وطلحة: ﴿فَحَاسُوا﴾ بالحاء المهملة، وقرىء ﴿فتجوَّسوا﴾ على وزن تكسّروا بالجيم، وقرأ (٢) الحسن، وابن جبير، وأبو المتوكل، وأبو رزين خلل الديار بفتح الخاء، واللام، من غير ألف بالإفراد فيجمع على خلال كجبل وجبال، ويجوز أن يكون خلال مفردا كالخلل وهو: وسط الديار وما بينها
٦ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد عقوبة أولاهما ﴿رَدَدْنا لَكُمُ﴾ يا بني إسرائيل؛ أي: أعدنا لكم ﴿الْكَرَّةَ﴾؛ أي الدولة والغلبة والرّجعة ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مئة سنة، حين تبتم ورجعتم من الإفساد، والعلو، وذلك حين قتل داود جالوت، وقيل: حين قتل بختنصّر.
تلخيصه: بعد ظفرهم بكم أظفرناكم بهم، والكرّة في الأصل المرة، و (عليهم) متعلق بها؛ لأنه يقال كر عليه إذا عطف عليه ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ﴾؛ أي: قويناكم، وأعطيناكم ﴿بِأَمْوالٍ﴾ كثيرة بعد ما نهبت أموالكم ﴿وَبَنِينَ﴾ عديدة بعد ما سبيت أولادكم؛ أي بسطنا عليكم رزق الأموال، والأولاد حتّى عاد أمركم كما كان ﴿وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾؛ أي: رجالًا وعددًا مما كنتم عليه أولًا، أو أكثر عددًا ورجالًا من عدوكم، أو أكثر خروجًا إلى الغزو؛ لأنّ النفير يكون مصدرًا بمعنى الخروج إلى الغزو، والنّفير من ينفر مع الرجل من عشيرته.
والمعنى: أي ثم (٣) رجعت لكم الدولة والغلبة على الذين فعلوا بكم ما فعلوا حين تبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد، والعلو، فغزوتم البابليّين واستنقذتم الأسرى، والأموال، ورجع الملك إليكم، وكثرت أموالكم بعد أن نهبت، وأولادكم بعد أن سبيت، وصرتم أكثر عددًا، وأعظم قوة مما كنتم قبل،
стр. 6878
وذلك بفضل طاعته تعالى، والإخبات إليه،
٧ - ومن ثمّ قال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾؛ أي: أفعالكم، وأقوالكم على الوجه المطلوب منكم ﴿أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: لغرض أنفسكم؛ لأن ثواب ذلك عائد إليكم، ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ أفعالكم، وأقوالكم فأوقعتموها، لا على الوجه المطلوب منكم، ﴿فَلَها﴾؛ أي: فعليها؛ أي (١): إحسان الأعمال وإساءتها، كلاهما مختص بكم، لا يتعدى ثوابها ووبالها إلى غيركم، فـ ﴿اللام﴾ على أصلها، وهو الاختصاص قال (٢) في تفسير «النيسابوري» قال أهل الإشارة: إنه أعاد الإحسان مرتين ولم يذكر الإساءة إلا مرّة، إشارة إلى أنّ جانب الرحمة أغلب، ويجوز أن يترك تكريرها استهجانًا لها.
والمعنى: أي (٣) ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾ فأطعتم الله، ولزمتم أمره، وتركتم نهيه ﴿أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأنكم تنفعوها بذلك في دنياها وآخرتها، أما في الدنيا: فإنّ الله يدفع عنكم أذى من أرادكم بسوء، ويرد كيده في نحره، وينمي لكم أموالكم، ويزيدكم قوة إلى قوتكم، وأما في الآخرة: فإن الله يثيبكم جنّات تجري من تحتها الأنهار، ويرضى عنكم ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، وإن أسأتم، فعصيتم ربكم، وفعلتم ما نهاكم عنه، فإلى أنفسكم تسيؤون، لأنكم تسخطونه، فيسلّط عليكم في الدنيا أعداءكم، ويمكّن منكم من يبغي بكم السوء، ويلحق بكم في الآخرة العذاب المهين ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: وعد عقوبة المرة الآخرة - أي: الثانية - أي: حان وقت ما وعد به من عقوبة المرة الآخرة من الإفسادين، والمرة الآخرة هي قصدهم قتل عيسى فخلصه الله منهم، ورفعه إليه، وقتلوا زكريّا ويحيى فسلط الله عليهم الفرس والرّوم فسبوهم وقتلوهم.
وجواب ﴿إذا﴾ محذوف دل عليه جواب إذا الأولى؛ أي: فإذا جاء وعد الآخرة بعثنا عليكم عبادًا لنا ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: ليفعلوا بكم ما يسوء وجوهكم حتى تظهر عليكم آثار المساءة، وتتبيّن في وجوهكم الكآبة، والحزن.
стр. 6879
وقيل: المراد بالوجوه: السادة منهم؛ أي: ليحزنوكم بالقتل والسبي حزنًا يظهر في وجوهكم.
وقرأ الجمهور (١): ﴿لِيَسُوؤُا﴾؛ أي: قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: ليسوؤوا بلام كي، وياء الغيبة، وضمير الجمع الغائب العائد على المبعوثين؛ وبالهمز بين الواوين، وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر، عن عاصم ﴿ليسوء وجوهكم﴾ بالياء، وهمزة مفتوحة على الإفراد، والفاعل المضمر عائد على الله تعالى، أو على الوعد أو على البعث الدال عليه جملة الجزاء المحذوفة، وقرأ علي بن أبي طالب، وزيد بن علي، والكسائي: ﴿لنسوء﴾ بالنون التي للعظمة، وفيها ضمير يعود على الله، وقرأ أبي ﴿لنسوءن﴾ بلام الأمر، والنون التي للعظمة، ونون التوكيد الخفيفة آخرا، وعن علي أيضا ﴿لنسوءن﴾ و ﴿ليسوءن﴾ بالنون والياء، ونون التوكيد الشديدة، وهي لام القسم، ودخلت لام الأمر في قراءة أبيّ على المتكلم، كقوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ وجواب إذا هو الجملة الأمرية، على تقدير الفاء وفي مصحف أبيّ ﴿ليسىء﴾ بياء مضمومة بغير واو، وفي مصحف أنس ﴿ليسوء وجهكم﴾ على الإفراد، ومعنى ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم، وخصت المساءاة بالوجوه، والمراد: أصحاب الوجوه لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة. وقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ معطوف على ﴿لِيَسُوؤُا﴾؛ أي: وليدخلوا مسجد بيت المقدس، فيخرّبوه ﴿كَما دَخَلُوهُ﴾ في المرة الأولى ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾؛ أي: وليدمّروا ويهلكوا، ويهدّموا، ويخرّبوا ﴿ما عَلَوْا﴾؛ أي: ما غلبوا عليه من بلادكم، أو مدة علوّهم ﴿تَتْبِيرًا﴾؛ أي: تدميرًا، ذكر المصدر إزالة للشك، وتحقيقًا للخبر.
ومعنى الآية: أي فإذا جاء وقت حلول العقاب على المرة الآخرة من مرتي إفسادكم في الأرض، بعثنا أعداءكم ليجعلوا آثار المساءة والكآبة باديةً في وجوهكم «فإن الأعراض النفسية تظهر في الوجوه، فالفرح يظهر فيها النضارة، والإشراق، والحزن والخوف يظهر فيها الغبرة والقترة» ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ قاهرين
стр. 6880
فاتحين مذلين لكم كما دخلوه أول مرّة، وليهلكوا ما ادخرتموه وخزنتموه، تتبيرًا شديدًا فلا يبقون منه شيئًا.
والذي أثبته اليهود في تواريخهم (١): أن الذي أغار عليهم أولًا وخرب بيت المقدس هو بختنصر، وكان ذلك زمن إرميا ﵇، وقد أنذرهم مجيئه صريحا بعد أن نهاهم عن الفساد وعبادة الأوثان والأصنام، فحبسوه في بئر، وجرحوه، وأن الذي أغار عليهم ثانيا هو أسبيانوس قيصر الروم، وكان بين الإغارتين على ما قيل نحو من خمس مئة سنة، وعلى الجملة فمعرفة من بعث إليهم بأعيانهم وتواريخ البعوث مما لا يتعلّق به غرض كبير؛ لأن المراد أنه كلما كثرت معاصيهم .. سلط الله عليهم من ينتقم منهم، مرة بعد أخرى، وظاهر الآية يدل على اتحاد المبعوثين أولًا وثانيًا.
٨ - ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾؛ أي: حقق ربكم يا بني إسرائيل ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بعد انتقامه منكم في المرة الثانية، بإمداده إياكم في الأموال، والأولاد، إن تبتم توبةً أخرى، وانزجرتم عن المعاصي، فتابوا فرحمهم، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ مرة ثالثة إلى المعاصي ﴿عُدْنا﴾ إلى عقوبتكم.
قال أهل السير (٢): ثمّ إنهم عادوا إلى ما لا ينبغي، وهو تكذيب محمد ﷺ وكتمان ما ورد من بعثه في التوراة، والإنجيل فعاد الله إلى عقوبتهم، على أيدي العرب، فجرى على بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، وخيبر، ما جرى من القتل، والسبي، والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة.
والمعنى: ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بعد البعث الثاني إن تبتم وازدجرتم عن المعاصي، وقد حقق الله لهم وعده، فكثر عددهم، وأعزهم بعد الذلة، وجعل منهم الملوك والأنبياء، ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾؛ أي: وإن عدتم لمعصيتي، ومخالفة أمري، وقتل رسلي، عدنا عليكم بالقتل، والسبي، وإحلال الذل والصغار بكم،
стр. 6881
وقد عادوا فعاد الله عليهم، بعقابه، فقد كذبوا النبي ﷺ وهموا بقتله، فسلطه الله عليهم، فقتل قريظة، وأجلى بني النضير، وضرب الجزية على الباقين، فهم يعطونها عن يد وهم صاغرون، ولا ملك لهم ولا سلطان.
﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾؛ أي (١): محبسًا ومقرًا يحصرون فيه لا يستطيعون الخروج، منها أبد الآباد، فهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي (٢): حاصرة لهم، ومحيطة بهم، فصرف من حاصرة إلى حصير، كما صرف مؤلم إلى أليم، وتذكيره إما لكونه بمعنى النّسبة، كلابن وتامر، أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول، أو بالنظر إلى لفظ (جهنم) إذ ليس فيه علامة التأنيث، وعن الحسن: حصيرا؛ أي: بساطا، وفراشا، كما يبسط ويفرش الحصير المرمول، والحصير: المنسوج، وإنّما سمّي الحصير؛ لأنه حصرت طاقاته بعضها فوق بعض.
واعلم: أن جهنم عصمني الله وإياكم عنها من أعظم المخلوقات، وهي سجن الله في الآخرة يسجن فيه المعطلة؛ أي: نفاة الصانع والمشركون، والكافرون، والمنافقون، وأهل الكبائر من المؤمنين، ثمّ يخرج بالشفاعة وبالامتنان الإلهي من جاء النص الإلهي فيه؛ أي (٣): إنه تعالى جعل جهنّم للكافرين به بساطًا، ومهادًا كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ وقال ابن عباس وغيره: جعلناها سجنًا محيطًا بهم حابسًا لهم لا رجاء لهم في الخلاص منه.
وخلاصة ذلك: أن لهم في الدنيا ما تقدّم وصفه من العذاب، وفي الآخرة ما يكون محيطا بهم من عذاب جهنم، فلا يتخلصون منه أبدًا، وفي الكرخي: والمعنى: أن عذاب الدنيا، وإن كان شديدًا، إلا أنه قد يتفلّت بعض الناس عنه، والذي يقع فيه يتخلّص إما بالموت، أو بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة، فإنه يكون محيطًا بهم، لا رجاء في الخلاص منه اهـ.
٩ - ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ﴾ الذي آتيناك يا محمد ﴿يَهْدِي﴾ الناس كافةً لا فرقةً
стр. 6882
مخصوصةً منهم، كدأب الكتاب الذي آتيناه موسى ﴿لِلَّتِي﴾، أي للطريقة التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ الطرائق وأسدها، وأصوبها، أي يهدي إلى الطريقة التي هي أقوم من غيرها من الطرق، والملل، وهي ملة الإسلام، أو يهدي للحالة التي هي أقوم من غيرها من الحالات، وهي توحيد الله، والإيمان برسله، والمراد (١) بهدايته لها: كونه بحيث يهتدي إليها من يتمسك به، لا تحصيل الاهتداء بالفعل، فإنّه مخصوص بالمؤمنين ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما في تضاعيفه من الأحكام والشرائع ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ﴾ التي شرحت فيه، ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾؛ أي: بأنّ لهم بمقابلة تلك الأعمال ﴿أَجْرًا كَبِيرًا﴾؛ أي: ثوابًا عظيمًا بحسب الذات، وبحسب التضعيف عشر مرات فصاعدًا.
١٠ - وقوله: ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معطوف على جملة يبشّرُ بإضمار يخبر؛ أي: وإن هذا القرآن الذي أنزل عليك يخبر ويبين بأن الذين لا يؤمنون ﴿بِالْآخِرَةِ﴾، وأحكامها المشروحة في القرآن من البعث، والحساب، والجزاء، وأنكروا وجودها ﴿أَعْتَدْنا لَهُمْ﴾؛ أي: هيأنا لهم في الآخرة ﴿عَذابًا أَلِيمًا﴾ وهو عذاب جهنم، ويجوز أن يكون معطوفا على ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ فالمعنى أنه يبشّر المؤمنين ببشارتين: ثوابهم، وعقاب أعدائهم، فإنّ المرء يستبشر ببلية عدوّه، وقرأ الجمهور ﴿وَيُبَشِّرُ﴾ مشدّدًا مضارع بشّر المشدد، وقرأ عبد الله، وطلحة، وابن وثاب، والأخوان: ﴿ويبشر﴾ مضارع بشر المخفف.
والحاصل: أن الله مدح (٢) في هذه الآية كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ ، ووصفه بصفات ثلاث:
١ - أنه يرشد من اهتدى به للسبيل التي هي أقوم السبل، وهي ذلك الدين القيم، والملة الحنيفية السمحاء التي أهم دعائمها: الإخبات لله، والإنابة إليه، واعتقاد أنّه واحد لا شريك له، وأنه صاحب الملك والملكوت، وهو الحي الذي لا يموت، وهو الفرد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
стр. 6883
٢ - أنه يبشر المؤمنين بالله ورسوله الذين يعملون صالح الأعمال، فيأتمرون بما أمر به، وينتهون عما نهاهم عنه، بالأجر العظيم يوم القيامة كفاء ما قدموا لأنفسهم من عمل صالح.
٣ - أنه ينذر الذين لا يصدقون بالميعاد، ولا يقرون بالثواب والعقاب في الدنيا، فلا يتحاشون ركوب المعاصي، بالعذاب الأليم الموجع جزاء ما دنسوا به أنفسهم من الكفر، واجتراح الآثام، ويدخل في هؤلاء أهل الكتاب، لأن بعضهم ينكر الثواب والعقاب الجسمانيين، وبعضهم يقول: لن تمسنا النار إلا أياما معدودات، وإطلاق البشارة على العقاب من قبيل التهكم كما في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾.
١١ - وبعد أن بين حال الهادي، وهو الكتاب الكريم بيّن حال المهدي، وهو الإنسان فقال: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ﴾.
قال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أن بعض من لا يؤمن بالآخرة، كان يدعو على نفسه بتعجيل ما وعد به من الشر في الآخرة، كقول النضر بن الحارث ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً ...﴾ الآية، والمراد بالإنسان: الجنس لوقوع هذا الدعاء من بعض أفراده؛ أي ويدعو الله سبحانه الإنسان عند غضبه بالشر والضرر على نفسه، وأهله وماله وولده ﴿دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ في الإلحاح، أي دعاء مثل دعائه لهم بالخير، والرزق، والعافية، والرحمة ويستجاب له، فلو استجيب له إذا دعاه باللّعن كما يجاب له بالخير لهلك أو المعنى (٢): إن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبا لشيء يعتقد أن خيره فيه مع أن ذلك الشيء يكون منبع ضرره، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه مغترا بظاهر الأمور، غير متفحّص عن حقائقها وأسرارها.
روي: أن النضر بن الحارث قال: (اللهم انصر خير الحزبين، اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك ...) إلى آخره، فأجاب الله دعاءه، وضربت رقبته
стр. 6884
يوم بدر.
وحذفت الواو من ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ﴾ في رسم المصحف اتباعًا لخط اللفظ لعدم التلفظ بها لوقوع اللام الساكنة بعدها، كقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨)﴾ ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ونحو ذلك. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ﴾ بحسب جبلته ﴿عَجُولًا﴾؛ أي: كثير العجل يسارع إلى طلب ما يخطر بباله، ولا ينظر عاقبته، ولا يتأنى إلى أن يزول عنه ما يعتريه، فالإنسان (١) عجولٌ قولًا وفعلًا يتمادى في الأعمال الموجبة للشر والعذاب، وفي الأثر: «المؤمن وقاف والمنافق وثاب».
وروي أن آدم قال لأولاده: كل عملٍ تريدون أن تعملوا فقفوا له ساعة، فإني لو وقفت ساعة .. لم يكن أصابني ما أصابني. وقال أعرابي: إياكم والعجلة، فإن العرب تكنِّيها أمَّ الندامات.
قيل: العجلة من الشيطان، إلا في ستة مواضع: أداء الصلاة إذا دخل الوقت، ودفن الميت إذا حضر، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، وإطعام الضيف إذا نزل، وتعجيل التوبة إذا أذنب.
١٢ - ولما ذكر سبحانه دلائل النبوة والتوحيد، أكّدها بدليل آخر من عجائب صنعه، وبدائع خلقه، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ قدم الليل؛ لأن فيه تظهر غرر الشهور، ولأنه الأصل؛ أي: جعلناهما بسبب تعاقبهما، واختلافهما في الطول والقصر ﴿آيَتَيْنِ﴾ دالتين على وجود الصانع القدير، ووحدته، إذ لا بد لكل متغير من مغير، وإنما قال (٢): ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ بالتثنية، ولم يقل آية كما قال في موضع آخر ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ بالإفراد لأن الليلَ والنهار ضدان بخلاف عيسى ومريم، وقيل: لأن عيسى ومريم كانا في وقت واحد، والشمس والقمر آيتان، لأنهما في وقتين، ولا سبيل إلى رؤيتهما معا بصفتهما الرئيسية؛ أي (٣): جعلنا الليل والنهار علامتين دالتين على تمام علمنا، وكمال قدرتنا، فلما
стр. 6885
بين أن هذا القرآن يدل على الطريق الأقوم ذكر الدلائل الدالة على وحدته تعالى وهو عجائب العالم العلوي والسفلي، فالقرآن نعم الدين، ووجود الليل والنهار نعم الدنيا، فلولاهما .. لما حصل للخلق الراحة، والكسب، والقرآن ممتزج من المحكم والمتشابه، فكذلك الدهر مركب من الليل والنهار، فالمحكم كالنهار، والمتشابه كالليل، فكما أنّ المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم والمتشابه، فكذلك الزمان لا يحصل الانتفاع به إلا بالليل والنهار، و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ تفسيرية (١)، والإضافة بيانية كما في إضافة العدد إلى المعدود؛ أي: فمحونا الآية التي هي الليل، والمحو في الأصل إزالة الشيء الثابت، والمراد هنا إبداعها، وخلقها ممحوة الضوء مطموسة كما في قولهم: سبحانه من صغّر البعوض، وكبّر الفيل؛ أي: أنشأهما وخلقهما كذلك، بقرينة أن محو الليل في مقابلة جعل النهار مضيئًا، ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾؛ أي: الآية التي هي النهار ﴿مُبْصِرَةً﴾، أي: مضيئةً تبصر فيها الأشياء وصفها بحال أهلها.
ويجوز أن تكون الإضافة في الموضعين حقيقية، فالمراد بآية الليل والنهار القمر والشمس، والمعنى حينئذ ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، وهي القمر، أي (٢) طمسنا نورها؛ لأنه يبدو في أول الأمر على صورة الهلال، ثمّ لا يزال يتزايد نوره حتى يصير بدرًا كاملًا ثم يشرع في الانتقاص قليلًا قليلًا إلى أن يعود إلى المحاق ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ وهي الشمس ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي مضيئة ذات أشعة تظهر بها الأشياء المظلمة، فالإضاءة سبب لحصول الإبصار.
روي (٣): أن الله تعالى خلق كلاًّ من نور القمر والشمس سبعين جزءًا، ثمّ أمر جبريل فمسح بجناحه ثلاث مرّات فمحا من القمر تسعة وستّين جزأ، فحولها إلى الشمس ليتميّز الليل من النهار، إذ كان في الزمن الأول لا يعرف الليل والنهار، فالسواد الذي في القمر أثر المحو، وهذا السواد في القمر بمنزلة الخال
стр. 6886
على الوجه الجميل ولما كان زمان الدولة العربية الأحمدية قمريا ظهر عليه أثر السيادة على النجوم، وهو السواد، لأنه سيد الألوان، كما ظهر على الحجر المكرم الذي خرج من الجنة أبيض أثر السيادة بمبايعة الأنبياء والأولياء ﵈، وجعل الله شهورنا قمرية لا شمسية تنبيها من الله للعارفين أن آياتهم ممحوة من ظواهرهم، مصروفة إلى بواطنهم، فاختصوا من بين جميع الأمم الماضية بالتجليات الخاصة.
وحاصل المعنى: أي وجعلنا الليل والنهار دليلين للخلق على مصالح الدين والدنيا، أما في الدّين: فلأن كلّا منهما مضاد للآخر، ومخالف له مع تعاقبهما على الدوام، وهذا من أقوى الأدلة على أنه لا بد لهما من فاعل مدبر، يقدرهما بمقادير مخصوصة، وأما في الدنيا فلأن مصالحها لا تتم إلا بهما، فلولا الليل .. لما حصل السكون، والراحة، ولولا النهار .. لما حصل الكسب، والتصرف في وجوه المعاش ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾؛ أي: فمحونا آية هي الليل؛ أي: جعلنا الليل ممحو الضوء، مطموسه مظلمة لا يستبين فيه شيء، كما لا يستبين ما في اللوح الممحو، روي ذلك عن مجاهد، ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾؛ أي: وجعلنا الآية التي هي النهار مضيئة، و ﴿مُبْصِرَةً﴾ يبصر فيها أهلها، وقرأ قتادة، وعلي بن الحسين ﴿مبصرة﴾ بفتح الميم، والصاد، وهو مصدر: أقيم مقام الاسم، وكثر ذلك في صفات الأمكنة، كقولهم: أرض مسبعة، ومكان مضبّة.
وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ متعلق بقوله (١) ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ أي لتطلبوا لأنفسكم في بياض النهار ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي رزقًا من ربكم، وسماه فضلًا؛ لأن إعطاء الرزق لا يجب على الله، وإنما يفيضه بحكم الربوبية، إذ غالب تحصيل الأرزاق، وقضاء الحوائج، يكون بالنهار، ولم يذكر هنا السكون في الليل اكتفاء بما قاله في موضع آخر ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا﴾.
стр. 6887
أو المعنى: فعلنا (١) ذلك لتطلبوا في الليل والنهار فضل ربكم من الرزق الحلال بالكسب، ومن الثواب الجزيل بأداء الطاعات والاحتراز عن المنهيات. وفي التعبير (٢) عن الرزق بالفضل، وعن الكسب بالابتغاء مع ذكر صفة الربوبية الدالة على الوصول إلى ذلك شيئًا فشيئًا، دلالة على أنه ليس للمرء في تحصيل الرزق سوى الطلب بالأسباب العادية، وفي الخبر «يطلبك رزقك كما يطلبك أجلك»، وقيل في هذا المعنى:
ولقد علمت وما الإشراق من خلقي ... أنّ الّذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني
وقوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ متعلق بكلا الفعلين أعني ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ لا بأحدهما فقط، كالأول؛ إذ لا يكون علم عدد السنين، والحساب إلا باختلاف الجديدين، ومعرفة الأيام، والشهور، والسنين والفرق (٣) بين العدد، والحساب أنّ العدد إحصاء ما له كمية بتكرير أمثاله من غير أن يتحصل منه شيء، والحساب إحصاء ما له كمية بتكرير أمثاله، من حيث يتحصل بطائفة معينة، منها حد معيّن منه له اسم خاص، فالسنة مثلا إن وقع النّظر إليها من حيث عدد أيامها، فذلك هو العدد، وإن وقع النظر إليها من حيث تحققها، وتحصلها من عدة أشهر، قد يحصل كل شهر من عدّة أيام، قد يحصل كل يوم من عدة ساعات، قد تحصلت كل ساعة من عدة دقائق، فذلك هو الحساب.
والمعنى: أي فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة، لتعلموا بمحو آية الليل، وجعل آية النهار مبصرةً عدد السنين، التي تتوقف عليها مصالحكم الدينية والدنيوية ولتعلموا الحساب، أي حساب الأشهر، والليالي والأيام، وغير ذلك مما نيط به شيء من تلك المصالح في معرفة أوقات المعاش، كآجال الدّيون،
стр. 6888
وأوقات الزّراعة، وأوقات الدّين كأوقات الصلاة والحج والصوم اهـ شيخنا؛ إذ لو كان الزمان كله نسقًا واحدًا .. لما عرف شيء من هذا كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ لكم إليه حاجة في مصالح دينكم ودنياكم قد ﴿فَصَّلْناهُ﴾ لكم في القرآن ﴿تَفْصِيلًا﴾ بيِّنًا، وبيناه لكم تبيينًا واضحًا لا يلتبس، وعند ذلك تنزاح العلل، وتزول الأعذار، ليهلك من هلك عن بينة، ولهذا قال: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ﴾.
والخلاصة: وكل (١) شيء تفتقرون إليه في المعاش والمعاد، بيناه في القرآن بيانًا بليغًا لا التباس معه، فأزحنا عللكم، وما تركنا لكم حجة علينا، فليتّبع العاقل ما أدركه؛ أي: لحقه علمه، وليفوض ما جهله منه إلى ذي العلم،
١٣ - ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ﴾ مكلف مؤمنًا كان أو كافرًا، ذكرًا أو أنثى، عالمًا أو أميًا، سلطانًا أو رعيةً، حرًا أو عبدًا، ﴿أَلْزَمْناهُ﴾؛ أي: ألزقناه ﴿طائِرَهُ﴾؛ أي: عمله الصادر عنه باختياره، حسبما قدّر له من خير أو شر، كأنّما طار إليه من عش الغيب ووكر القدر وقلّدناه ﴿فِي عُنُقِهِ﴾، وذكر العنق كناية عن شدة اللزوم، أي: ألزمناه عمله كلزوم القلادة في عنقه، بحيث لا يفارقه عمله أبدًا؛ فإن كان خيرًا .. كان زينة له، كالطوق، وإن كان شرا .. كان شينا له، كالغل على رقبته، وقرىء ﴿عُنُقِهِ﴾ بسكون النون؛ ذكره في «البحر».
وإنما كنّى عن العمل بالطير (٢)؛ لأن العرب إذا أرادوا الإقدام على عمل، اعتبروا أحوال الطير، فهل يطير متيامنًا، أو متياسرًا، أو صاعدًا إلى الجو، إلى غير ذلك، فيستدلون بكل واحد منها على الخير والشر، والسعادة والنحوسة، فلما كثر ذلك منهم، سمي نفس الخير والشر بالطائر، تسمية للشيء باسم لازمه،
стр. 6889
وقيل: المراد بالطائر صحيفة الأعمال التي كتبتها الملائكة الحفظة، فإذا مات العبد طويت تلك الصحيفة، وجعلت معه في قبره حتى تخرج له يوم القيامة، وقيل: المراد بالطائر: كتاب إجابته في القبر لمنكر ونكير.
قال الفخر الرازي: والتحقيق في هذا الباب (١): أنه تعالى خلق الخلق، وخص كل واحد منهم بمقدار مخصوص من العقل والفهم، والعلم والعمر، والرزق والسعادة، والشقاوة، والإنسان لا يمكنه أن يتجاوز ذلك المقدار، وينحرف عنه، بل لا بد وأن يصل إليه ذلك القدر بحسب الكمية والكيفية، فتلك الأشياء المقدّرة كأنّها تطير إليه، وتصير إليه، فلهذا المعنى لا يبعد أن يعبّر عن تلك الأحوال المقدرة بلفظ الطائر، فقوله تعالى: ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ كناية عن أن كل ما قدره الله ومضى في علمه حصوله له، فيما علمه فهو لازم له، واصل إليه، غير منحرف عنه، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» اهـ، ملخصا.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾؛ أي: لكل إنسان ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ والبعث للحساب، ﴿كِتابًا﴾ مسطورا فيه عمله نقيرًا، وقطميرًا، وهو مفعول ﴿وَنُخْرِجُ﴾. ﴿يَلْقاهُ﴾ الإنسان أي: يجده، ويراه ﴿مَنْشُورًا﴾؛ أي مفتوحا بعد ما كان مطويًّا، ليمكنه قراءته، صفتان لـ ﴿كِتابًا﴾ أو الأول صفة، والثاني حال. قال الحسن (٢): بسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان، فهما عن يمينك، وعن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأمّا الذي عن شمالك، فيحفظ سيئاتك، حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة.
١٤ - ويقال له: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾؛ أي: كتاب عملك، فهو على تقدير القول، وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئًا ﴿كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾؛ أي: كفى اليوم نفسك من جهة كونها حسيبًا عليك، و ﴿الباء﴾ زائدة، واليوم ظرف لـ ﴿كَفى﴾ و ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز لفاعل ﴿كَفى﴾ و ﴿على﴾ صلته، لأنه بمعنى الحاسب،
стр. 6890
وتذكيره مبنيٌّ على تأويل النفس بالشخص، وفوّض تعالى حساب العبد إليه، لئلا ينسب إلى الظلم، ولتجب الحجة عليه باعترافه.
وقال الحسن: أنصف من أنصفك، أنصف من جعلك حسيب نفسك اهـ.
وقرأ الجمهور (١) - ومنهم أبو جعفر -: ﴿وَنُخْرِجُ﴾ بالنون مضارع أخرج الرباعي كتابا بالنصب، وعن أبي جعفر أيضًا، ﴿ويخرج﴾ بالياء مبنيًا للمفعول ﴿كِتابًا﴾ بالنصب؛ أي: ويخرج الطائر كتابًا، وعنه أيضًا ﴿كتاب﴾ بالرفع على مفعول ما لم يسمّ فاعله، وقرأ الحسن وابن محيصن ومجاهد ﴿ويخرج﴾ بفتح الياء وضم الراء أي طائره كتابًا إلّا الحسن، فقرأ ﴿كتاب﴾ على أنه فاعل ﴿يخرج﴾ وقرأت فرقة ﴿ويخرج﴾ بضم الياء، وكسر الراء؛ أي: ويخرج الله، وقرأ الجمهور ﴿يَلْقاهُ﴾ بفتح الياء وسكون اللام، وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، والجحدري، والحسن بخلاف عنه: ﴿يلقّاه﴾ بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف.
وحاصل معنى الآية: أي وألزمنا كل امرىء عمله، الذي يصدر منه باختياره، بحسب ما قدر له من خير أو شر، لا ينفك عنه بحال، والعرب تضرب المثل للشيء الذي يلزم بالشيء الذي يوضع في العنق، فيقولون: جعلت هذا في عنقك؛ أي: قلّدتك هذا العمل، وألزمتك الاحتفاظ به، وخصّوا العنق؛ لأنه يظهر عليه ما يزين المرء، كالقلائد والأطواق، أو ما يشينه كالأغلال والأوهاق «الحبال تجر بها الدواب».
وخلاصة هذا: أن كل إنسان منكم معشر بني آدم ألزمناه نحسه وسعده، وشقاءه وسعادته بما سبق في علمنا أنه صائر إليه، ونحن نخرج له حين الحساب كتابا يراه منشورا، فيه أعماله التي كسبها في الدنيا، وقد أحصى عليه ربه فيه كل ما أسلف في تلك الحياة، فيقال له: اقرأ كتاب عملك الذي عملته في الدنيا، وكان الملكان يكتبانه، ويحصيانه عليك، وحسبك اليوم نفسك عليك حاسبا، تحسب عليك أعمالك فتحصيها، لا نبتغي عليك شاهدًا غيرها، ولا نطلب محصيًا سواها.
стр. 6891
١٥ - وبعد أن ذكر أن القرآن هاد للّتي هي أقوم، وأن الأعمال لازمة لأصحابها .. بيّن أن منفعة العمل، ومضرته راجعة إلى عامله، فقال: ﴿مَنِ اهْتَدى﴾ بهداية القرآن، وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام، وانتهى عما نهاه ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فإنّما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره، ممن لم يهتد ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الطريقة التي يهديه إليها ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾؛ أي فإنما وبال ضلاله عليها لا على من عداه ممن لم يباشره حتى يمكن مفارقة العمل من صاحبه.
وقال البيضاوي (١): لا ينجي اهتداؤه غيره، ولا يردي ضلاله سواه؛ أي: في الآخرة، وإلا ففي حكم الدنيا يتعدى نفع الاهتداء، وضرر الضلال إلى الغير، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
والمعنى: أي من (٢) استقام على طريق الحق، واتبعه، واتبع الدين الذي بعث به محمد ﷺ فنفسه قد نفع، ومن حاد عن قصد السبيل، وسار على غير هدى، وكفر بالله، ورسوله، وبما جاء به من عند ربه من الحق، فلا يضر إلا نفسه، لأنه جعلها مستحقّةً لغضب الله، وأليم عذابه، ثم زاد الجملة الثانية توكيدا، بقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾؛ أي: ولا تحمل نفس آثمةٌ، ولا غير آثمةٍ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾؛ أي: إثم نفس أخرى، بطيبة النفس، حتى يمكن تخلّص النفس الثانية من إثمها، بل على كل نفس إثمها دون إثم غيرها من الأنفس، ولكن يحمل عليها إثم غيرها بالقصاص. فإن قلت: ورد في الحديث: «من سنّ سنّةً سيئةً .. فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، فمقتضاه: أنه يحمل وزره فيكون معارضًا لهذه الآية؟
أجيب: بأنّ المراد بالوزر الذي يحمله في الحديث: وزر التّسبّب، ولا شك أنّ التسبب من فعل الشخص، ومع ذلك فلا ينقص من وزر الفاعل شيء، فالمتسبب الفاعل يعاقب على فعله وتسببه، والفاعل بلا تسبب يعاقب على فعله فقط، ذكره الصاوي.
стр. 6892
وفي هذا قطع لأطماعهم الفارغة؛ إذ كانوا يزعمون أنّهم إن لم يكونوا على الحقّ فالتّبعة على أسلافهم الذين قلدوهم، روي عن ابن عباس: أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة حين قال: اكفروا بمحمد وعليّ أوزاركم، ولا معارضة بين هذه الآية وبين قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾؛ فإن الدعاة إلى الضلال، عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم، وإثم آخر بسبب إضلالهم من أضلوا من غير أن ينقص أوزار أولئك، ولا يرفع عنهم منها شيئًا، وهذا عدل من الله ورحمة منه بعباده.
ثم ذكر عنايته ورحمته بهم، فقال: ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾؛ أي: وما صحّ (١) وما استقام منا، بل استحال في عاداتنا المبنية على الحكم البالغة، أن نعذب أحدًا من أهل الضلال والأوزار اكتفاء بقضية العقل، ﴿حَتَّى نَبْعَثَ﴾ إليهم ﴿رَسُولًا﴾ يهديهم إلى الحق، ويردعهم عن الضلال، ويقيم الحجج ويمهد الشرائع، قطعا للمعذرة، وإلزاما للحجّة، وفيه دلالة على أن البعثة واجبة لا بمعنى الوجوب على الله، بل بمعنى أن قضية الحكمة تقتضي ذلك لما فيه من المصالح والحكم، والمراد بالعذاب المنفيِّ هو العذاب الدنيوي، وهو من مقدمات العذاب الأخرويّ، فجوزوا على الكفر والمعاندة بالعذاب في الدارين وما بينهما أيضًا وهو البرزخ، وفي هذا دليل على أن ما وجب إنما وجب بالسمع لا بالعقل اهـ. خازن؛ أي (٢): وما كنا مهلكي قوم إلا بعد الإعذار إليهم بالرسل، وإقامة الحجة عليهم بالآيات التي تقطع أعذارهم.
وخلاصة ذلك: أن سنتنا المبنية على الحكم البالغة، أن لا نعذب أحدًا أي نوع من العذاب الدنيوي أو الأخروي على فعل شيء أو تركه، إلا إذا أرسلنا رسولًا يهدي إلى الحق، ويردع عن الضلال، ويقيم الحجج، ويمهد الشرائع، وتبلغه دعوته.
وعبارة الشوكاني هنا: ولمَّا ذكر الله سبحانه اختصاص المهتدي بهدايته،
стр. 6893
والضال بضلاله، وعدم مؤاخذة الإنسان بجناية غيره، ذكر أنه لا يعذب عباده إلا بعد الإعذار إليهم بإرسال رسله، وإنزال كتبه، فبيّن سبحانه أنه لم يتركهم سدًى، ولا يؤاخذهم قبل إقامة الحجة عليهم، والظاهر: أنّه لا يعذبهم لا في الدنيا، ولا في الآخرة، إلّا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل، وبه قالت طائفة من أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أن المنفي هنا: هو عذاب الدنيا لا عذاب الآخرة، انتهت.
قلت: ومعنى الآية: وما كنا معذبين أحدًا في الدنيا، فلا يعارضه حديث «أبي وأبوك في النار» أو يقال: إنه أحاديث أحاد، فلا يعارض النص القطعيّ.
وقال ابن الجوزي: ومعنى (١) ﴿حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ أي: حتى نبيّن لهم ما به نعذب، وما من أجله ندخل الجنة، قال القاضي أبو يعلى: وفي هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلًا، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك .. لم يقطع عليه بالنار، قال: وقيل معناه: أنه لا يعذب في ما طريقه السمع إلا بقيام حجة السمع من جهة الرسول، ولهذا قالوا: لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب، ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها لم يلزمه قضاء شيء منها؛ لأنها لا تلزمه إلّا بعد قيام حجة السمع، والأصل فيه: قصة أهل قباء حين استداروا إلى الكعبة، ولم يستأنفوا. ولو أسلم في دار الإسلام، ولم يعلم بفرض الصلاة .. فالواجب عليه القضاء، لأنه قد رأى النّاس يصلون في المساجد، بأذانٍ وإقامة، وذلك دعاء إليها.
الإعراب
﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾.
﴿سُبْحانَ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبح الله سبحانًا، والجملة المحذوفة مستأنفة، وهو مضاف، ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، ﴿أَسْرى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود
стр. 6894
على الموصول ﴿بِعَبْدِهِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق به ﴿لَيْلًا﴾ منصوب على الظرفية، ومتعلق به أيضًا ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ﴾ متعلق به أيضًا ﴿الْحَرامِ﴾ صفة لـ ﴿الْمَسْجِدِ﴾. ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ﴾ متعلق به أيضًا ﴿الْأَقْصَى﴾ صفة أولى لـ ﴿الْمَسْجِدِ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول صفة ثانية لـ ﴿الْمَسْجِدِ﴾ ﴿بارَكْنا﴾ فعل وفاعل ﴿حَوْلَهُ﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿بارَكْنا﴾ ﴿لِنُرِيَهُ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل، ﴿نريه﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله، ورأى بصرية ﴿مِنْ آياتِنا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿نري﴾ والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لإراءتنا إياه من آياتنا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَسْرى﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿السَّمِيعُ﴾ خبره ﴿الْبَصِيرُ﴾ خبر ثان له، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفةٌ مسوقةٌ لتعليل ما قبلها.
﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾.
﴿وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ فعل وفاعل، ومفعولان لأن (آتى) بمعنى أعطى، والجملة مستأنفة، ﴿وَجَعَلْناهُ هُدىً﴾ فعل وفاعل، ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَآتَيْنا﴾ ﴿لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿هُدًى﴾ وهو بمعنى هاد. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾ زائدة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تَتَّخِذُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿دُونِي﴾ بمعنى غيري، مفعول أول لـ ﴿تَتَّخِذُوا﴾. ﴿وَكِيلًا﴾ مفعول ثان لها، والجملة الفعلية مقول لقول محذوف تقديره: وقلنا لهم: لا تتخذوا ... إلخ، وجملة القول المحذوف معطوف على ﴿جَعَلْناهُ﴾.
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾.
﴿ذُرِّيَّةَ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء؛ أي: يا ذرية من حملنا مع نوح، وجملة النداء مقول لذلك القول المحذوف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول بمعنى الذي في محل جر بالإضافة. ﴿حَمَلْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من حملناهم ﴿مَعَ نُوحٍ﴾ ظرف، ومضاف إليه حال من الضمير المحذوف، أو متعلق بـ ﴿حَمَلْنا﴾ أو جواب النداء محذوف تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح، كونوا كما كان نوح في العبودية، والانقياد، وفي كثرة الشكر لله
стр. 6895
بفعل الطاعات، ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿كانَ﴾ فعل ماضٍ ناقص واسمه ضمير يعود على نوح ﴿عَبْدًا﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿شَكُورًا﴾ صفته، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الجملة المحذوفة.
﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾.
﴿وَقَضَيْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق به، و ﴿قضى﴾ يتعدى بنفسه، أو بعلى، وإنما عدّاه هنا بـ ﴿إِلى﴾ لتضمنه معنى أوحينا ﴿فِي الْكِتابِ﴾: متعلق به أيضًا، ومتعلق القضاء محذوف دل عليه قوله: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ والتقدير: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب بإفسادهم في الأرض مرتين ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿تفسدن﴾ فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، والأصل: لتفسدونن، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تفسدن﴾، ومفعول الإفساد محذوف تقديره: لتفسدن الأديان في الأرض ﴿مَرَّتَيْنِ﴾: منصوب على المصدرية، والعامل فيه من غيره، لأنه بمعنى: لتفسدن إفسادتين ﴿وَلَتَعْلُنَّ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، (تعلن) فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل ﴿عُلُوًّا﴾: منصوب على المصدرية ﴿كَبِيرًا﴾: صفة له، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم المذكور قبلها.
﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾.
﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنكم لتفسدون في الأرض مرتين، وأردتم بيان ما يترتب على كلتا المرتين من العقوبة، فأقول لكم: إذا جاء وعد أولاهما الخ ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل
стр. 6896
من الزمان، ﴿جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿بَعَثْنا﴾: فعل وفاعل عَلَيْكُمْ: متعلق به ﴿عِبادًا﴾: مفعول به ﴿لَنا﴾: صفة ﴿عِبادًا﴾. ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾: صفة ثانية لـ ﴿عِبادًا﴾. ﴿شَدِيدٍ﴾ صفة بأس وجملة ﴿بَعَثْنا﴾ جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿فَجاسُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿بَعَثْنا﴾ ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاسوا﴾. ﴿وَكانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على البعث ﴿وَعْدًا﴾ خبرها. ﴿مَفْعُولًا﴾ صفته، وجملة ﴿كانَ﴾ مستأنفة.
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿رَدَدْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿بَعَثْنا﴾ ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿الْكَرَّةَ﴾ مفعول ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رَدَدْنا﴾ أو بـ ﴿الْكَرَّةَ﴾. ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿بِأَمْوالٍ﴾ متعلق بـ ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿وَبَنِينَ﴾ معطوف على أموال ﴿وَجَعَلْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿أَكْثَرَ﴾ مفعول ثان ﴿نَفِيرًا﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿أَمْدَدْناكُمْ﴾.
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾.
﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم، ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جوابًا لها ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ جازم وفعل، وفاعل. فَلَها ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب الشرط، وجوبًا ﴿لها﴾ جار ومجرور خبر مقدم لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءة لا لغيرها، والتعبير باللام لمشاكلة ما قبلها، وإلا فحق المقام أن يكون على، والجملة الاسمية في محل الجزم جواب الشرط، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية قبلها، ﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم كون إساءتكم عليكم، وأردتم بيان ما
стр. 6897
يترتب عليها من العقوبة، فأقول لكم: إذا جاء ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف تقديره: بعثناهم عليكم، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، و ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير، بعثناهم عليكم لإساءتهم وجوهكم، والجار والمجرور متعلق بالجواب المحذوف، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿لِيَسُوؤُا﴾ ﴿كَما﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾ مصدرية ﴿دَخَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ دخولًا مثل دخولهم، إياه أول مرة، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿دخلوا﴾ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، معطوف على ﴿لِيَسُوؤُا﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب على المفعولية، أو ما مصدرية ظرفية ﴿عَلَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا: موصولة، والعائد محذوف تقديره، ما علوه أو صلة ما لمصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر، إليه تقديره؛ وليتبروا مدة علوهم ﴿تَتْبِيرًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة ﴿لِيُتَبِّرُوا﴾.
﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾.
﴿عَسى﴾ فعل ماض بمعنى حقق ﴿رَبُّكُمْ﴾ فاعل ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: حقق ربكم رحمته إياكم، إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿عُدْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجزم جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَجَعَلْنا﴾ فعل وفاعل ﴿جَهَنَّمَ﴾ مفعول أول ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ متعلق بما بعده ﴿حَصِيرًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾ والجملة الفعلية: مستأنفة.
стр. 6898
﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾.
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿هذَا﴾ في محل النصب اسمها ﴿الْقُرْآنَ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، ﴿يَهْدِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْقُرْآنَ﴾ ومفعوله محذوف تقديره: الناس كافّة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿لِلَّتِي﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾ ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة صلة الموصول، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿الْقُرْآنَ﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَهْدِي﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿لَهُمْ﴾ خبرها مقدم ﴿أَجْرًا﴾ اسمها مؤخر ﴿كَبِيرًا﴾ صفة ﴿أَجْرًا﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ ﴿يُبَشِّرُ﴾ والتقدير: ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بكون أجر كبير لهم.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)﴾.
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ﴾ ناصب واسمه ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول ﴿أَعْتَدْنا﴾ فعل وفاعل ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿عَذابًا﴾ مفعول به ﴿أَلِيمًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، والرابط ضمير ﴿لَهُمْ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ مع اسمها وخبرها في محل الجر بحرف جر محذوف، معطوف على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والتقدير: ويبشر المؤمنين بشيئين: بكون أجر كبير لهم، وبكون عذاب أليم للذين لا يؤمنون بالآخرة، ولا شكّ أنّ ما يصيب أعداءهم سرور لهم، أو في محل الجر بحرف جر محذوف، متعلق بعامل محذوف تقديره: ويخبر بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابًا أليمًا. ﴿وَيَدْعُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وتقول في تطبيق إعرابه: ﴿يَدْعُ﴾ فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الواو المحذوفة لفظًا للتخلص من التقاء الساكنين، وخطًّا تبعًا للفظ منع من ظهورها
стр. 6899
الثقل؛ لأنه فعل معتل بالواو، ﴿بِالشَّرِّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُ﴾ ﴿دُعاءَهُ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة لـ ﴿يَدْعُ﴾ ﴿بِالْخَيْرِ﴾ متعلق به، ولكنه على التشبيه، والتقدير: ويدع الإنسان بالشر دعاء كدعائه بالخير في الإلحاح، والإكثار، ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة مستأنفة.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة مستأنفة ﴿فَمَحَوْنا﴾ ﴿الفاء﴾ تفسيرية ﴿محونا﴾ فعل، وفاعل ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾. وفي «أبي السعود»: و ﴿الفاء﴾ في ﴿محونا﴾ تفسيرية؛ لأن المحو المذكور، وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقب جعل الليل والنهار آيتين، بل هما من جملة ذلك الجعل، ومتمماته. اهـ. ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿مُبْصِرَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿محونا﴾ ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، ﴿فَضْلًا﴾ مفعول به ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور صفة ﴿فَضْلًا﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾؛ أي: وجعلنا آية النهار مبصرة لابتغائكم فضلًا من ربكم، ﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ مفعول به، ﴿وَالْحِسابَ﴾ معطوف على عدد السنين، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بكلا الفعلين، أعني ﴿محونا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا﴾؛ والتقدير: فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة لمعرفتكم عدد السنين والحساب، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾: منصوب بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وبينا كل شيء فصلناه، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿فَصَّلْناهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿تَفْصِيلًا﴾ منصوب على المصدرية، والجملة الفعلية جملة مفسّرة لا محلّ لها من الإعراب.
﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا ١٣ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.
стр. 6900
﴿وَكُلَّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿كُلَّ﴾ منصوب بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وألزمنا كل إنسان ألزمناه، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿إِنسانٍ﴾ مضاف إليه ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محلّ لها من الإعراب، ﴿فِي عُنُقِهِ﴾: جار ومجرور متعلق، بـ ﴿أَلْزَمْناهُ وَنُخْرِجُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾ متعلق به ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: ظرف متعلق به أيضًا ﴿كِتابًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿نُخْرِجُ﴾ معطوفة على جملة ﴿أَلْزَمْناهُ﴾ ﴿يَلْقاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الإنسان، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿كِتابًا﴾ ﴿مَنْشُورًا﴾ صفة ثانية لـ ﴿كِتابًا﴾ أو حال من ضمير ﴿يَلْقاهُ﴾. ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الإنسان، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: ويقال له: اقرأ كتابك ﴿كَفى بِنَفْسِكَ﴾ فعل وفاعل، و ﴿الباء﴾ زائدة، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف أيضًا، ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿كَفى﴾ ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق بما بعده ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز لفاعل ﴿كَفى﴾.
﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
﴿مَنِ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿اهْتَدى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾ والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنِ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَإِنَّما﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿مَنِ﴾ الشرطية جوازًا ﴿إنما﴾ أداة حصر ﴿يَهْتَدِي﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾ لِنَفْسِهِ متعلق به، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنِ﴾ الشرطية على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿مَنِ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَمَنْ﴾ اسم شرط مبتدأ، والخبر جملة الجواب ﴿ضَلَّ﴾ فعل شرط لها ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ﴾ جواب شرط لها ﴿عَلَيْها﴾ متعلق به، وجملة ﴿مَنِ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنِ﴾ الأولى. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ مفعول به، ومضاف إليه، ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ما نافية ﴿كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَزِرُ﴾. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿نَبْعَثَ﴾