← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

من الزمان، ﴿جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿بَعَثْنا﴾: فعل وفاعل عَلَيْكُمْ: متعلق به ﴿عِبادًا﴾: مفعول به ﴿لَنا﴾: صفة ﴿عِبادًا﴾. ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾: صفة ثانية لـ ﴿عِبادًا﴾. ﴿شَدِيدٍ﴾ صفة بأس وجملة ﴿بَعَثْنا﴾ جواب ﴿إذا﴾، وجملة ﴿إذا﴾ مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿فَجاسُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿بَعَثْنا﴾ ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جاسوا﴾. ﴿وَكانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على البعث ﴿وَعْدًا﴾ خبرها. ﴿مَفْعُولًا﴾ صفته، وجملة ﴿كانَ﴾ مستأنفة. ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿رَدَدْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿بَعَثْنا﴾ ﴿لَكُمُ﴾ متعلق بـ ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿الْكَرَّةَ﴾ مفعول ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رَدَدْنا﴾ أو بـ ﴿الْكَرَّةَ﴾. ﴿وَأَمْدَدْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿بِأَمْوالٍ﴾ متعلق بـ ﴿رَدَدْنا﴾ ﴿وَبَنِينَ﴾ معطوف على أموال ﴿وَجَعَلْناكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول ﴿أَكْثَرَ﴾ مفعول ثان ﴿نَفِيرًا﴾ تمييز، والجملة الفعلية معطوفة على ﴿أَمْدَدْناكُمْ﴾. ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم، ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جوابًا لها ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ جازم وفعل، وفاعل. فَلَها ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب الشرط، وجوبًا ﴿لها﴾ جار ومجرور خبر مقدم لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءة لا لغيرها، والتعبير باللام لمشاكلة ما قبلها، وإلا فحق المقام أن يكون على، والجملة الاسمية في محل الجزم جواب الشرط، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية قبلها، ﴿فَإِذا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم كون إساءتكم عليكم، وأردتم بيان ما

стр. 6897

يترتب عليها من العقوبة، فأقول لكم: إذا جاء ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ فعل وفاعل، ومضاف إليه، والجملة في محل الخفض بـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف تقديره: بعثناهم عليكم، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، ﴿لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي، و ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير، بعثناهم عليكم لإساءتهم وجوهكم، والجار والمجرور متعلق بالجواب المحذوف، ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿لِيَسُوؤُا﴾ ﴿كَما﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾ مصدرية ﴿دَخَلُوهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، والتقدير: ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ دخولًا مثل دخولهم، إياه أول مرة، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿دخلوا﴾ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، معطوف على ﴿لِيَسُوؤُا﴾ ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب على المفعولية، أو ما مصدرية ظرفية ﴿عَلَوْا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ إن قلنا: موصولة، والعائد محذوف تقديره، ما علوه أو صلة ما لمصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر، إليه تقديره؛ وليتبروا مدة علوهم ﴿تَتْبِيرًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة ﴿لِيُتَبِّرُوا﴾. ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾. ﴿عَسى﴾ فعل ماض بمعنى حقق ﴿رَبُّكُمْ﴾ فاعل ﴿أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: حقق ربكم رحمته إياكم، إن تبتم وانزجرتم عن المعاصي ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ جازم وفعل وفاعل ﴿عُدْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجزم جواب ﴿إن﴾ الشرطية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَجَعَلْنا﴾ فعل وفاعل ﴿جَهَنَّمَ﴾ مفعول أول ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ متعلق بما بعده ﴿حَصِيرًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾ والجملة الفعلية: مستأنفة.

стр. 6898

﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿هذَا﴾ في محل النصب اسمها ﴿الْقُرْآنَ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له، ﴿يَهْدِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْقُرْآنَ﴾ ومفعوله محذوف تقديره: الناس كافّة، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة ﴿لِلَّتِي﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾ ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة صلة الموصول، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿الْقُرْآنَ﴾، والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَهْدِي﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿لَهُمْ﴾ خبرها مقدم ﴿أَجْرًا﴾ اسمها مؤخر ﴿كَبِيرًا﴾ صفة ﴿أَجْرًا﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف متعلق بـ ﴿يُبَشِّرُ﴾ والتقدير: ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بكون أجر كبير لهم. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)﴾. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ﴾ ناصب واسمه ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ صلة الموصول ﴿أَعْتَدْنا﴾ فعل وفاعل ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿عَذابًا﴾ مفعول به ﴿أَلِيمًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، والرابط ضمير ﴿لَهُمْ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ مع اسمها وخبرها في محل الجر بحرف جر محذوف، معطوف على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى، والتقدير: ويبشر المؤمنين بشيئين: بكون أجر كبير لهم، وبكون عذاب أليم للذين لا يؤمنون بالآخرة، ولا شكّ أنّ ما يصيب أعداءهم سرور لهم، أو في محل الجر بحرف جر محذوف، متعلق بعامل محذوف تقديره: ويخبر بأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابًا أليمًا. ﴿وَيَدْعُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وتقول في تطبيق إعرابه: ﴿يَدْعُ﴾ فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الواو المحذوفة لفظًا للتخلص من التقاء الساكنين، وخطًّا تبعًا للفظ منع من ظهورها

стр. 6899

الثقل؛ لأنه فعل معتل بالواو، ﴿بِالشَّرِّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَدْعُ﴾ ﴿دُعاءَهُ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة لـ ﴿يَدْعُ﴾ ﴿بِالْخَيْرِ﴾ متعلق به، ولكنه على التشبيه، والتقدير: ويدع الإنسان بالشر دعاء كدعائه بالخير في الإلحاح، والإكثار، ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة مستأنفة. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة مستأنفة ﴿فَمَحَوْنا﴾ ﴿الفاء﴾ تفسيرية ﴿محونا﴾ فعل، وفاعل ﴿آيَةَ اللَّيْلِ﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾. وفي «أبي السعود»: و ﴿الفاء﴾ في ﴿محونا﴾ تفسيرية؛ لأن المحو المذكور، وما عطف عليه ليسا مما يحصل عقب جعل الليل والنهار آيتين، بل هما من جملة ذلك الجعل، ومتمماته. اهـ. ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول ﴿مُبْصِرَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿محونا﴾ ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرة بعد لام كي، ﴿فَضْلًا﴾ مفعول به ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ جار ومجرور صفة ﴿فَضْلًا﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾؛ أي: وجعلنا آية النهار مبصرة لابتغائكم فضلًا من ربكم، ﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ مفعول به، ﴿وَالْحِسابَ﴾ معطوف على عدد السنين، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بكلا الفعلين، أعني ﴿محونا﴾ ﴿وَجَعَلْنَا﴾؛ والتقدير: فمحونا آية الليل، وجعلنا آية النهار مبصرة لمعرفتكم عدد السنين والحساب، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾: منصوب بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وبينا كل شيء فصلناه، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿فَصَّلْناهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿تَفْصِيلًا﴾ منصوب على المصدرية، والجملة الفعلية جملة مفسّرة لا محلّ لها من الإعراب. ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا ١٣ اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.

стр. 6900

﴿وَكُلَّ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿كُلَّ﴾ منصوب بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وألزمنا كل إنسان ألزمناه، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿إِنسانٍ﴾ مضاف إليه ﴿أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محلّ لها من الإعراب، ﴿فِي عُنُقِهِ﴾: جار ومجرور متعلق، بـ ﴿أَلْزَمْناهُ وَنُخْرِجُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾ متعلق به ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾: ظرف متعلق به أيضًا ﴿كِتابًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿نُخْرِجُ﴾ معطوفة على جملة ﴿أَلْزَمْناهُ﴾ ﴿يَلْقاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الإنسان، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿كِتابًا﴾ ﴿مَنْشُورًا﴾ صفة ثانية لـ ﴿كِتابًا﴾ أو حال من ضمير ﴿يَلْقاهُ﴾. ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الإنسان، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: ويقال له: اقرأ كتابك ﴿كَفى بِنَفْسِكَ﴾ فعل وفاعل، و ﴿الباء﴾ زائدة، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف أيضًا، ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿كَفى﴾ ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق بما بعده ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز لفاعل ﴿كَفى﴾. ﴿مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. ﴿مَنِ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿اهْتَدى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾ والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنِ﴾ على كونه فعل شرط لها، ﴿فَإِنَّما﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿مَنِ﴾ الشرطية جوازًا ﴿إنما﴾ أداة حصر ﴿يَهْتَدِي﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾ لِنَفْسِهِ متعلق به، والجملة في محل الجزم بـ ﴿مَنِ﴾ الشرطية على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿مَنِ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَمَنْ﴾ اسم شرط مبتدأ، والخبر جملة الجواب ﴿ضَلَّ﴾ فعل شرط لها ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ﴾ جواب شرط لها ﴿عَلَيْها﴾ متعلق به، وجملة ﴿مَنِ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنِ﴾ الأولى. ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ مفعول به، ومضاف إليه، ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ما نافية ﴿كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَزِرُ﴾. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿نَبْعَثَ﴾

стр. 6901

فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿رَسُولًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره؛ وما كنا معذبين إلى بعثنا رسولا. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مُعَذِّبِينَ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ ﴿سُبْحانَ﴾ مصدر سماعي لسبح المشدد؛ أو اسم مصدر له، أو مصدر قياسي لسبح المخفف، فإنّه يقال: سبح في الماء، وفيه: معنى البعد، والتنزيه، فيه بعد عن النقائص، وعلى كل، فهو علم جنس للتنزيه، والتقديس، ويقال: أسرى وسرى بمعنى سار في الليل، وهما لازمان، لكن مصدر الأول: الإسراء، ومصدر الثاني: السُّرى بضم السين كهدى، فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء، ومعنى أسرى به صيّره ساريًا في الليل ﴿الْكِتابَ﴾ هو التوراة ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: كفيلًا تكلون إليه أموركم ﴿شَكُورًا﴾؛ أي: كثير الشكر ﴿وَقَضَيْنا﴾؛ أي: أعلمنا بالوحي ﴿لَتَعْلُنَّ﴾، أي لتستكبرن عن طاعة الله. ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ والمرتان: تثنية مرة، وهي الواحدة من المر؛ أي المرور على حد قوله: وفعلة لمرة كجلسة، وفي «القاموس»: مرّ مرًا، ومرورًا جاز وذهب كاستمر ومره جاز عليه، والمرة: الفعلة الواحدة، والجمع مرّ بالضم، ومرار بالكسر، ومرر كعنب، ولقيه ذات مرة لا يستعمل إلا ظرفًا، وذات المرار؛ أي: مرارًا كثيرة، وجئته مرًا، أو مرين؛ أي: مرة أو مرتين اهـ. ﴿وَعْدُ أُولاهُما﴾، والوعد الموعود به، وهو العقاب، فهو مصدر واقع موقع مفعول، وتركه الزمخشريّ على حاله، لكن بحذف مضاف؛ أي: وعد عقاب أولاهما اهـ سمين ﴿فَجاسُوا﴾، وفي «القاموس» الجوس بالجيم طلب الشيء بالاستقصاء، والتردد خلال الديار، والبيوت، والطواف فيها كالجوسان، والاجتياس وبابه قال: اهـ ثم قال: والحوس بالحاء المهملة: الجوس اهـ وفي «السمين» ﴿فَجاسُوا﴾ عطف على ﴿بَعَثْنا﴾، أي: ترتب على بعثنا إياهم هذا و (الجوس) بفتح

стр. 6902

الجيم وضمها: مصدر جاس، يجوس، والمعنى هنا: تردّدوا لطلبكم بالفساد ﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾. قال في «القاموس» الخلل منفرج ما بين الشيئين، ومن السحاب: مخارج الماء كخلاله، وخلال الديار أيضًا ما حوالي جدرها، وما بين بيوتها انتهى. قالوا: يجوز أن يكون مفردًا بمعنى الوسط، أو جمع خلل بمعنى الأوساط، مثل جبلٍ، وجبالٍ، وجَملٍ، وجمالٍ والديار: جمع دار، وهو المحل يجمع البناء، والعرصة، والمعنى مشوا في وسط المنازل، أو أوساطها للقتل والأسر، والغارة فقتلوا علماءهم وكبارهم، وحرّقوا التوراة، وخرّبوا المسجد وسبوا منهم سبعين ألفًا، وذلك من قبيل تولية بعض الظالمين بعضا مما جرت به السنة الإلهية. ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾ والبؤس، والبأس، والبأساء: الشدّة والمكروه، كما قال الراغب. إلّا أنّ البؤس كثر استعماله في الفقر، والحرب، والبأس، والبأساء، في النّكاية بالعدو ﴿الْكَرَّةَ﴾ وهي في الأصل مصدر: كرّ يكرّ إذا: رجع، والكرّة: الدولة والغلبة، وأصل الكرّ: العطف والرجوع ﴿نَفِيرًا﴾ والنفير والنافر، من ينفر مع الرجل من عشيرته، وأهل بيته ﴿تَتْبِيرًا﴾ والتتبير: الإهلاك، وهي كلمة نبطيّة كما روي عن سعيد بن جبير، وكل شيء كسرته وفتته .. فقد تبّرته. ﴿ما عَلَوْا﴾؛ أي: ما غلبوا واستولوا عليه من بلادكم، أصله: عليوا تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا، فالتقى ساكنان فحذفت الألف. فصار علوّا بوزن فعوا ﴿حَصِيرًا﴾ الحصير المحبس، والسّجن، والمقر. يحصرون فيه، لا يستطيعون الخروج منها أبد الآباد، فهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: حاصرة لهم، ومحيطة بهم، كما مر في مبحث التفسير، وفي «الشهاب» قوله: محبسًا، أي: مكان الحبس المعروف، فإن كان حصيرًا، اسم مكان. فهو جامد لا يلزم تذكيره، ولا تأنيثه، وإن كان بمعنى حاصرًا؛ أي: محيطًا بهم، وفعيل بمعنى فاعل، يلزم مطابقته، فكأن يقال: حصيرة، فإما لأنه على النسب كلابن، وتامر، أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول، أو لأنّ تأنيث جهنّم غير حقيقي، أو لتأويلها بمذكر كالسجن والحبس اهـ. ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ﴾، والقياس: أن تثبت واو يدع لأنه مرفوع؛ إلا أنه لما وجب

стр. 6903

سقوطها لفظًا لاجتماع الساكنين، سقطت في الخط أيضًا على خلاف القياس، ونظيره: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨)﴾ اهـ زاده والمراد بالإنسان: الجنس: لأن أحدًا من الناس لا يعرى عن عجلة، ولو تركها .. لكان تركها أصلح في الدين والدنيا اهـ كرخي. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ وإنما ذكر المصدر لأجل تأكيد الكلام، وتقريره، فكأنه قال: فصلناه حقًا على الوجه الذي لا مزيد عليه اهـ. كرخي ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾؛ أي: عمله سمي به، إمّا لأنه طار إليه من عشّ الغيب، وإمّا لأنه سبب الخير والشر كما قالوا: طائر الله لا طائرك؛ أي: قدر الله الغالب الذي يأتي بالخير والشر، لا طائرك الذي تتشاءم به، وتتيمّن؛ إذ جرت عادتهم بأن يتفاءلوا بالطّير، ويسمّونه زجرا، فإن مرّ بهم من اليسار إلى اليمين تيمنوا به، وسمّوه سانحا، وإن مر من اليمين إلى اليسار تشاءموا منه، وسمّوه بارحًا. ﴿كِتابًا﴾ هو صحيفة عمله ﴿مَنْشُورًا﴾؛ أي: غير مطوي ﴿حَسِيبًا﴾، أي: حاسبًا، أي: عادًا له يعد عليه أعماله، وهو تمييز، و ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق به، وهو إما بمعنى الحاسب، أو بمعنى الكافي اهـ من البيضاوي وفي «السمين» قوله: ﴿حَسِيبًا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه تمييز، قال الزمخشري: وهو بمعنى حاسب، كضريب بمعنى ضارب، وصريم بمعنى صارم، ذكرهما سيبويه، و ﴿عَلَيْكَ﴾ متعلق به من قولك: حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى الكافي، ووضع موضع الشهيد، فعدّي بعلى؛ لأنّ الشّاهد يكفي المدّعي ما أهمه، فإن قلت: لم ذكر حسيبًا؟ قلت: لأنه بمنزلة الشاهد، والقاضي، والأمين وهذه الأمور يتولاها الرجال، فكأنه قيل: كفى بنفسك رجلًا حسيبًا، ويجوز أن تؤول النفس بمعنى الشخص كما يقال: ثلاثة أنفس: والثاني: أنه منصوب على الحال، وذكر لما تقدّم، وقيل: حسيب بمعنى محاسب كخليط، وجليس بمعنى مخالط، ومجالس اهـ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾، والوزر: الإثم، والذنب يقال منه: وزر يزر فهو وازر، وهي وازرة، أي: نفس وازرة، وقال في «القاموس» الوزر بالكسر الإثم، والثّقل، والحمل الثقيل انتهى.

стр. 6904

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التعجيب المستفاد من قوله: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ لأن فيه معنى التعجب، فكأنه قال: تعجبوا أو اعجبوا من قدرة الله تعالى على هذا الأمر العجيب. ومنها: الإضافة للتشريف، والتكريم في قوله: ﴿بِعَبْدِهِ﴾. ووصفه بالعبودية؛ لأنّ هذا المقام أشرف المقامات، والعبودية أشرف أوصاف الإنسان كما قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وممّا زادني شرفًا وتيها ... وكدت بأخمصي أطأ الثُّرَيَّا دخولي تحت قولك يا عبادي ... وأن صيَّرت أحمد لِيْ نبيَّا ومنها: التأكيد بـ ﴿لَيْلًا﴾، إذ الإسراء في لسان العرب لا يكون إلّا ليلًا حتى لا يتخيل أنه كان نهارًا. ومنها: التنكير في ﴿لَيْلًا﴾ لإفادة تقليل مدة الإسراء، في جزء من الليل، قيل: قدر أربع ساعات، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: أقل من ذلك، وذلك لأن التّنكير قد يكون للتقليل، والتقليل والتبعيض: متقاربان، فاستعمل في التبعيض، ما هو للقليل. اهـ كرخي. وهذا بخلاف ما لو قيل: أسرى بعبده الليل .. فإن التركيب مع التعريف يفيد استغراق السّير لجميع أجزاء الليل. اهـ شيخنا. ومنها: الالتفات من الغيبة في قوله: ﴿الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿بارَكْنا﴾ و ﴿لِنُرِيَهُ﴾، ثم التفت منه إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ إن أعدنا الضمير إلى الله تعالى، وهو الصحيح ففي الكلام التفاتان، وقرأ الحسن ليريه بالياء من تحت، أي: الله تعالى، وعلى هذه القراءة يكون في هذه الآية أربعة التفاتات، وذلك أنه التفت أولًا من الغيبة في قوله: ﴿الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ﴾ إلى التكلم في قوله: ﴿بارَكْنا﴾، ثمّ التفت ثانيًا من التكلم في ﴿بارَكْنا﴾ إلى الغيبة في

стр. 6905

(ليَريه) على هذه القراءة، ثم التفت ثالثًا من هذه الغيبة إلى التكلم في ﴿آياتِنا﴾، ثمّ التفت رابعًا من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ على الصحيح في الضمير أنه لله تعالى وأما على قول نقله أبو البقاء أن الضمير في ﴿إِنَّهُ هُوَ﴾ للنبيّ ﷺ فلا يجىء ذلك، ويكون في قراءة العامة التفات واحد، وفي قراءة الحسن ثلاثة، وهذا موضع غريب، وأكثر ما ورد الالتفات ثلاث مرّات على ما قاله الزمخشري في قول امرىء القيس: تطاول ليلك بالإثمد ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. ومنها: التعبير عن المستقبل بالماضي في قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ لأن الرّدّ لم يقع وقت الإخبار، لكن لتحقّقه عبّر بالماضي. ومنها: الطباق بين ﴿أَحْسَنْتُمْ﴾ و ﴿أَسَأْتُمْ﴾. ومنها: المجاز العقليُّ في قوله: ﴿آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾؛ لأن النهار لا يبصر، بل يبصر فيه، فهو من إسناد الشيء إلى زمانه، ومنها: التأكيد في قوله: ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ ذكر المصدر، وهو قوله: ﴿تَفْصِيلًا﴾ لأجل تأكيد الكلام وتقريره، فكأنه قال: فصلناه حقًّا على الوجه الذي لا مزيد عليه. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ استعير الطّائر لعمل العبد، بجامع الانتقال في كل، فكما أن الطائر ينتقل من عشه، ووكره، ينتقل عمل العبد من عش الغيب، والقدر، إلى العبد. ومنها: الطباق بين ﴿ضَلَّ﴾ و ﴿مَنِ اهْتَدى﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾؛ أي: يقال له، يوم القيامة: اقرأ كتابك. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6906

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله لما ذكر أنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا إذا أرسل إليهم رسولًا يبلغ رسالات ربهم رحمة بهم ورأفة .. أعقب ذلك بأن عذابه إنما يكون بكسب العبد واختياره، وأنّ هذا واقع بتقدير الله تعالى وعلمه، وإذا وقعت المعصية حلّت العقوبة بعذاب الاستئصال كما فعل بكثير من الأمم التي

стр. 6907

من بعد نوح كعاد، وثمود، والله عليم بأفعالهم وبما يستحقون، ثمّ قسم العباد قسمين: قسم يحبّ الحياة الدنيا ويعمل لها، وعاقبته دار البوار، وبئس القرار، وقسم يعمل للآخرة، ويسعى لها سعيها وهو مؤمن، وأولئك سعيهم مشكور، مقبول عند ربهم، ولهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وهؤلاء يمدهم ربهم بعطائه؛ إذ ليس عطاؤه بممنوع من أحد، ولكن قد فضّل بعضهم على بعضٍ في أرزاق، ومراتب التفاوت في الآخرة أكثر من درجات التفاوت في الدنيا، وأبعد مدى. قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما ذكر أنّ الناس فريقان (١): فريق يريد بعمله الدنيا فقط، وعاقبتهم العذاب والوبال، وفريق يريد بعمله طاعة الله تعالى، وهم أهل مرضاته، والمستحقون لثوابه، وقد اشترط لنيلهم ذلك أن يعملوا للآخرة، وأن يكونوا مؤمنين، لا جرم فصّل الله في هذه الآية حقيقة الإيمان والأعمال التي إذا عملها المؤمن كان ساعيا للآخرة، وصار من الذين سعد طائرهم، وحسن حظهم. ثم أعقب ذلك بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وبعدئذ أتبع ذلك بالأمر ببر الوالدين من قبل أنّهما السبب الظاهر في وجوده، وبالأمر بإيتاء ذوي القربى حقوقهم، ثمّ بالأمر بإصلاح أحوال المساكين، وأبناء السبيل؛ لأن في إصلاحهما إصلاح المجتمع، والمسلمون كلّهم إخوة، وهم يد على من سواهم، ثم قفّى على ذلك بالنهي عن التبذير، لما فيه من إصلاح حال المرء، وعدم ارتباكه في معيشته، وصلاحه إصلاح للأمة جمعاء، فما الأمم إلا مجموعة الأفراد، ففي صلاحهم صلاحها، ثمّ علّمنا سبيل إنفاق المال على الوجه الذي يرضاه الدين، ويرشد إلى حسنه العقل، وبعدئذ نهانا عن قتل الأولاد خشية الفقر، وبيّن أنّ الكفيل بأرزاقهم وأرزاقكم هو ربكم، فلا وجه للخوف من ذلك، ثمّ تلا هذا بالنهي عن الزنا، لما فيه من اختلاط الأنساب وفقدان النسل أو قلّته ووقوع الشّغب والقتال بين الناس دفاعًا عن

стр. 6908

العرض، ثم بالنهي عن القتل لهذا السبب عينه. وقال أبو حيان: قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ...﴾ مناسبة (١) اقتران برّ الوالدين بإفراد الله بالعبادة من حيث إنه تعالى هو الموجد حقيقة، والوالدان وساطة في إنشائه، وهو تعالى المنعم بإيجاده وإيجاد رزقه، وهما ساعيان في مصالحه. قوله سبحانه تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى ...﴾ الآية، لما أمر الله تعالى ببر الوالدين .. أمر بصلة القرابة. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ ...﴾ الآية، لمّا بيّن الله تعالى أنه هو المتكفّل بأرزاق العباد حيث قال: إن ربّك يبسط الرّزق لمن يشاء ويقدر .. أتبعه بالنهي عن قتل الأولاد. قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ...﴾ الآية، لما نهى الله تعالى عن قتل الأولاد .. نهى عن التسبب في إيجاده من الطريق غير المشروعة، فنهى عن قربان الزنا، واستلزم ذلك النّهي عن الزنا. قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ...﴾ الآية، لمّا نهى الله عن قتل الأولاد، وعن إيجادهم من الطريق غير المشروعة .. نهى عن قتل النفس، فانتقل من الخاص إلى العامّ، والظاهر أنّ هذه كلها منهيات مستقلة ليست مندرجة تحت قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ كاندراج ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ انتهى. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى ...﴾ الآية، سبب نزولها (٢): ما أخرجه الطبراني وغيره عن أبي سعيد الخدري، قال: لمّا أنزلت ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ ...﴾ الآية. دعا رسول الله ﷺ فاطمة فأعطاها فدك. قال ابن كثير: هذا مشكل، فإنه يشعر بأنّ الآية مدنية، والمشهور خلافه، وروى ابن مردويه عن ابن عباس مثله. قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه سعيد بن

стр. 6909

منصور عن عطاء الخراساني قال: جاء ناس من مزينة يستحملون رسول الله ﷺ فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا، ظنوا ذلك من غضب رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ﴾، وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: نزلت فيمن كان يسأل النبي ﷺ من المساكين. قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه سعيد بن منصور عن سيار أبي الحكم قال: أتى رسول الله ﷺ بزّ، وكان معطيا كريما، فقسمه بين الناس، فأتاه قوم فوجدوه قد فرغ منه، فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها ...﴾ الآية. وأخرج ابن مردويه، وغيره عن ابن مسعود، قال: جاء غلام إلى النبي ﷺ فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا، قال: «ما عندنا شيء اليوم» قال: فتقول لك: أكسني قميصك، فدفعه إليه، فجلس في البيت حاسرًا فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾. وأخرج أيضًا عن أبي أمامة: أن النبي ﷺ قال لعائشة: «أنفق ما على ظهر كفي» فقالت: إذن لا يبقى شيء، فأنزل الله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ...﴾ الآية. وظاهر ذلك أنّها مدنية. التفسير وأوجه القراءة ١٦ - ثم بين كيف يقع العذاب بعد بعثة الرسل، فقال: ﴿وَإِذا أَرَدْنا﴾؛ أي: وإذا (١) دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بعذاب الاستئصال أَمَرْنا على لسان الرسول المبعوث إلى أهلها ﴿مُتْرَفِيها﴾ أي منعميها ورؤسائها وكبارها وملوكها بالأعمال الصالحة، وهي الإيمان والطاعة، والمترف كمكرم من أبطرته النعمة، وسعة العيش والترفة (٢) بالضم النعمة والطّعام الطيّب، وخصهم بالذكر مع توجّه الأمر إلى الكل؛ لأنهم الأصول في الخطاب، والباقي أتباع لهم، وقرأ (٣)

стр. 6910

الجمهور ﴿أَمَرْنا﴾ من الأمر الذي هو ضد النهي، وقرأ (١) علي بن أبي طالب، وابن أبي إسحاق، وأبو رجاء وعيسى بن عمر، وسلّام، وعبد الله بن أبي يزيد، والكلبي ﴿آمرنا﴾ بالمد، وجاء كذلك عن ابن عباس، والحسن، وقتادة وأبي العالية، وابن هرمز، وعاصم، وابن كثير، وأبي عمرو، ونافع، وهو اختيار يعقوب، ومعناه: كثّرنا يقال: أمر الله القوم، وآمرهم، ومعنى ﴿آمرنا﴾ مترفيها: أي كثّرنا أغنياءها، وفساقها، وقرأ ابن عباس، وأبو عثمان النهدي السدي، وزيد بن علي، وأبو العالية ﴿أمّرنا﴾ بتشديد الميم، وروي ذلك عن علي، والحسن، والباقر، وعاصم، وأبي عمرو ومعناه (٢) جعلنا جبابرتها وفسّاقها أمراء. ﴿فَفَسَقُوا﴾؛ أي: فخرجوا عما أمرهم الله تعالى به من الإيمان والطاعة، وعملوا المعاصي ﴿فِيها﴾، أي: في تلك القرية ﴿فَحَقَّ﴾؛ أي فوجب، وثبت ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على أهل تلك القرية. ﴿الْقَوْلُ﴾ بالعذاب، أي: ثبت عليهم قضاؤنا بالعذاب، وتحقق موجبه بحلول العذاب بهم، إثر ما ظهر فسقهم وطغيانهم، والقول الذي حق عليهم هو وعيد الله الذي قاله رسولهم، وقيل: القول هو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ وهؤلاء في النار، ولا أبالي. ذكره في «البحر». والمعنى: أي فثبت عليها ما توعدناهم به على لسان رسولنا من الإهلاك ﴿فَدَمَّرْناها﴾ بتدمير أهلها، وتخريب ديارها ﴿تَدْمِيرًا﴾، والتدمير: الإهلاك مع طمس الأثر، وهدم البناء، والمعنى: فأهلكناها إهلاك الاستئصال كفاء فسقهم، وطغيانهم، وبطرهم إهلاكًا عظيمًا، لا يوقف على كنهه لشدته وعظم موقعه. وقيل (٣): في تفسير ﴿أَمَرْنا﴾ بأنه مجاز عن السبب الحامل لهم على الفسق، وهو إدرار النعم عليهم، بأن صبّ عليهم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق. وعن أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعا يقول: «لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من

стр. 6911

ردم يأجوج ومأجوج، مثل هذه وحلّق بأصبعيه، الإبهام والتي تليها، قالت زينب: قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث»، متفق عليه. قوله: «ويل للعرب» كلمة تقال لمن وقع في هلكة، أو أشرف أن يقع فيها، وقوله: إذا كثر الخبث؛ أي: الشر. وحاصل معنى الآية: أي (١) إذا دنا وقت تعلق إرادتنا بهلاك أيّ قرية بعذاب الاستئصال، لما ظهر منها من المعاصي، ودنّست به أنفسها من الآثام، لم نعاجلها بالعقوبة، بل نأمر مترفيها بالطاعة؛ فإذا فسقوا عن أمرنا، وتمرّدوا حقّ عليهم العذاب جزاءً وفاقًا لاجتراحهم السيئات، وارتكابهم كبائر الإثم والفواحش، فدمرنا تلك القرية تدميرًا، لم يبق منها ديّارًا ولا نافخ نار، وخص المترفين بالذكر كما مرّ لما جرت به العادة أن من سواهم يكون تبعًا لهم، وأن العامة والدهماء يقلّدونهم فيما يفعلون، ولأنهم أسرع إلى الفجور، وأقدر على الوصول إلى سبله. ١٧ - ثم ذكر سبحانه: أنّ هذه عادته الجارية مع القرون الخالية. فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا﴾، ﴿وَكَمْ﴾ هنا خبرية بمعنى عدد كثير مفعول ﴿أَهْلَكْنا﴾ و ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ تبيين لإبهام ﴿كَمْ﴾. وتمييزٌ له كما يميز العدد بالجنس، والقرون (٢) جمع قرن، والقرن مدة من الزمن يخترم فيها المرء، والأصح أنه مئة سنة، والمراد به هنا، كل أمّة هلكت، فلم يبق منها أحد، وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم؛ لأنهم يتقدمونهم؛ أي: وكثيرًا من الأمم الماضية ﴿أَهْلَكْنا﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ ﵇؛ أي: من بعد زمنه كعاد، وثمود، ومن بعدهم، ولم يقل من بعد آدم لأن نوحا أول نبي بالغ قومه في تكذيبه وقومه أول من حلت بهم العقوبة العظمى وهو الاستئصال بالطوفان. والمعنى (٣): أي وقد أهلكنا أممًا كثيرة قبلكم من بعد نوح حتى زمانكم

стр. 6912

حين جحدوا آيات الله تعالى، وكذّبوا رسله، وكانوا على مثل ما أنتم عليه من الشرور، والآثام، ولستم بأكرم على الله منهم، فاحذروا أن يحلّ بكم من العقاب مثل ما حل بهم، وينزل بكم من سخطه مثل ما نزل بهم. وفي هذا من الوعيد لمكذبي رسول الله ﷺ من مشركي قريش، وتهديدهم بشديد العذاب إن لم ينتهوا عما هم عليه من تكذيب رسوله ما لا يخفى. روي عن الشعبي أنه قال (١): خرج أسد وذئب وثعلب، يتصيّدون، فاصطادوا حمار وحش، وغزالا، وأرنبا، فقال الأسد للذئب: اقسم لنا، فقال: حمار الوحش للملك، والغزال لي، والأرنب للثعلب، قال: فرفع الأسد يده، وضرب رأس الذئب ضربة، فإذا هو منجدل بين يدي الأسد، ثم قال للثعلب: اقسم هذه بيننا، فقال: الحمار يتغدى به الملك، والغزال يتعشى به، والأرنب ما بين ذلك، فقال الأسد: ويحك ما أقضاك من علّمك هذا القضاء؟ فقال: القضاء الذي نزل برأس الذئب، ولذلك قيل: العاقل من وعظ بغيره. ثم خاطب رسوله ﷺ بما هو ردع للناس كافة فقال: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾، أي كفى كون ربك يا محمد ﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أي: من جهة كونه خبيرا، أي: عالما ببواطن الأمور، وحقائقها، بصيرًا: أي: عالما بظواهرها، وشواهدها، فيعاقب عليها، وتقديم (٢) الخبير مع أنه مضاف إلى الغيوب والأمور الباطنة، والبصير مضاف إلى الأمور الظاهرة، كالشهيد لتقدم متعلقه من الاعتقادات والنيات التي هي مبادىء الأعمال الظاهرة وفيه (٣) إشارة إلى أنّ البعث والأمر، وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلم بما صدر عنهم من الذنوب، فإن ذلك حاصل قبل ذلك، وإنما هو لقطع الأعذار، وإلزام الحجة من كل وجهٍ. وفي الآية (٤): بشارةٌ عظيمة لأهل الطاعة، وتخويف شديد لأهل المعصية؛ لأن العلم التّامّ، والخبرة الكاملة، والبصيرة النافذة تقتضي إيصال الجزاء إلى

стр. 6913

مستحقه، بحسب استحقاقه، ولا ينافيه مزيد التفضل على من هو أهل لذلك، والمراد بكونه سبحانه خبيرًا بصيرًا: أنه محيط بحقائق الأشياء ظاهرًا وباطنًا لا تخفى عليه منها خافية. والمعنى: أي (١) وحسبك - أيها الرسول - بالله خبيرًا بذنوب خلقه، فلا يخفى عليه شيء من أفعال مشركي قومك، ولا أفعال غيرهم، بل هو عليم بجميع أعمالهم، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقون. ١٨ - ثم قسّم سبحانه عباده إلى قسمين: محب للعاجلة، ومحب لأعمال الآخرة، فذكر الأول منهما بقوله: ﴿مَنْ كانَ﴾ منكم أيها العباد ﴿يُرِيدُ﴾ بأعمال البر التي عملها ﴿الْعاجِلَةَ﴾؛ أي: المنفعة العاجلة، أو الدار العاجلة فقط: أي ما فيها من فنون مطالبها، فيدخل فيه الكفرة، والفسقة، والمراؤون، والمنافقون، والمهاجر للدنيا، والمجاهد لمحض الغنيمة والذكر، وطالب العلم لغرض الوظيفة، والمحمدة، والشهرة والاسم، كما ابتلي به كثير من طلبة عصرنا، وقد بيّنا ما يتعلق بعلم من ذكّر وضده في كتابنا «سلّم المعراج على خطبة المنهاج»، فراجعه إن شئت. ﴿عَجَّلْنا لَهُ﴾؛ أي: لذلك المريد ﴿فِيها﴾؛ أي: في تلك العاجلة، ثمّ قيّد المعجّل بقيدين: الأول: قوله: ﴿مَا نَشَاءُ﴾ تعجيله له من نعيمها، لا كل ما يريد؛ فإن الحكمة لا تقتضي وصول كلّ طالب إلى مرامه ومطلوبه، ولهذا ترى كثيرا من هؤلاء المريدين للعاجلة، يريدون من الدنيا ما لا ينالون، ويتمنّون ما لا يصلون إليه، ومن حكمته سبحانه: أنه (٢) يبتلي بعض العباد بالطلب من غير حصول المطلوب، وبعضهم يبتلي به مع حصول المطلوب المشروط به، إما مقارنا لطلبه، وإما بعده، لأن وقت الطلب قد يفارق وقت حصول المطلوب، فيحصل الطلب في وقت، والمطلوب في وقت، وبعضهم لا يبتلي بالطلب، بل يصل إليه الفيض

стр. 6914

بلا طلب، فالأول طلب ولا شيء، والثاني طلب وشيء، والثالث: شيء ولا طلب. والقيد الثاني: قوله: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾؛ أي: لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا. وجملة ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ بدل من الضمير في ﴿له﴾ بإعادة الجار بدل البعض من الكل؛ لأن الضمير يرجع إلى ﴿من﴾ الموصولة المفيدة للعموم. وهذه الآية مقيِّدة للآيات المطلقة كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها﴾ وقوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾. وقرأ الجمهور (١): ﴿ما نَشاءُ﴾ بالنون، وروي عن نافع ﴿ما يشاء﴾ بالياء، فقيل: الضمير في يشاء يعود على الله، وهو من باب الالتفات، فقراءة النون والياء سواء، وقيل: يجوز أن يعود على ﴿من﴾ العائد عليها الضمير في ﴿له﴾ وليس ذلك عامًّا بل لا يكون له ما يشاء إلا آحاد أراد الله لهم ذلك، ثم بعد هذه الطلبة الفارغة، والإرادة الخالية، التي لا تأثير لها إلا بالقيدين المذكورين عذاب الآخرة الدائم، ولهذا قال سبحانه: ﴿ثُمَّ﴾ بعد انتقاله إلى الآخرة ﴿جَعَلْنا لَهُ﴾؛ أي: لذلك المريد في الآخرة مكان ما عجّلنا له في الدنيا بسبب تركه لما أمر به من العمل للآخرة، وإخلاصه عن الشوائب ﴿جَهَنَّمَ﴾ وما فيها من أصناف العذاب حالة كونه ﴿يَصْلاها﴾؛ أي: يدخلها حال من الضمير المجرور ﴿مَذْمُومًا﴾ من عند الخلق؛ أي: ملوما مهانا بالذمّ؛ لأن الذمّ اللوم، وهو خلاف المدح والحمد، يقال: ذممته، وهو ذميم غير حميد كما في «بحر العلوم» ﴿مَدْحُورًا﴾ عند الخالق؛ أي: مطرودًا من رحمة الله تعالى مبعدا عنها، فإنّ الدّحر الطرد، والإبعاد. فهذه عقوبته في الآخرة، مع أنه لا ينال من الدنيا إلّا ما قدره الله سبحانه

стр. 6915

له، فأين حال هذا الشقي من حال المؤمن التقيّ، فإنه ينال من الدنيا ما قدره الله له وأراده بلا هلع منه، ولا جزع، مع سكون نفسه، واطمئنان قلبه، وثقته بربّه، وهو مع ذلك عامل للآخرة منتظر للجزاء من الله سبحانه، وهو الجنة. والمعنى: أي من (١) كان غرضه، وطلبه الدنيا العاجلة، ولها يعمل ويسعى، وإيّاها يبتغي، لا يوقن بمعاد ولا يرجو ثوابًا، ولا يخشى عقابًا من ربه على ما يعمل، يعجّل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الرزق، وسعة العيش، ثمّ يصليه حين مقدمه عليه في الآخرة جهنّم مذمومًا على قلّة شكره، وسوء صنيعه فيما سلف، مبعدًا من رحمته مطرودًا من إنعامه. وقد اشتمل هذا العقاب على ثلاثة أمور: ١ - الدوام والخلود، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها﴾؛ أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه. ٢ - الإهانة والاحتقار، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿مَذْمُومًا﴾. ٣ - البعد والطّرد من رحمة الله دائمًا، فلا يتخلّل ذلك راحة، ولا يعقبه خلاص، وإلى هذا أشار بقوله: ﴿مَدْحُورًا﴾ وفي قوله: ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إشارة إلى أن الفوز بالدنيا، لا يحصل لكل من يريدها، فكثير من الكفار الضلال يعرضون عن الدين في طلب الدنيا، ثمّ هم يبقون محرومين من الدين والدنيا. وفي هذا تهديد وزجر عظيم لهؤلاء الكفار، فإنهم قد يتركون الدين لطلب الدنيا، وربما فاتتهم أيضًا، ١٩ - وذكر الثاني من القسمين بقوله: ﴿وَمَنْ أَرادَ﴾ بأعماله الصالحة الدار ﴿الْآخِرَةَ﴾، أي: ثوابها، وما فيها من النعيم المقيم بأن يؤثرها على الدنيا، ويعقد إرادته بها ﴿وَسَعى لَها﴾، أي للآخرة ﴿سَعْيَها﴾؛ أي: السعي اللائق بها، وهو الإتيان بما أمر به، والإنتهاء عما نهي عنه خالصًا لله غير مشوب، وكان الإتيان به على القانون الشرعي من غير ابتداع ولا هوى لا التقرب

стр. 6916

بما يخترعون بآرائهم وخرافاتهم، وفائدة (١) اللام: اعتبار النية، والإخلاص، فإنها للاختصاص. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: والحال أنه مؤمن إيمانًا صحيحًا لا شرك معه، ولا تكذيب، فإنه العمدة، لأن العمل الصالح لا يستحق صاحبه الجزاء عليه، إلا إذا كان من المؤمنين ﴿فَأُولئِكَ﴾ الجامعون الشرائط الثلاثة المذكورة من إرادة الآخرة، والسعي الجميل لها، والإيمان؛ أي: أولئك المريدون للآخرة السّاعون لها سعيها، المؤمنون بالله إيمانًا صحيحًا، واسم الإشارة مبتدأ خبره قوله: ﴿كانَ سَعْيُهُمْ﴾؛ أي: عملهم ﴿مَشْكُورًا﴾؛ أي: مقبولًا عند الله بحسن القبول مثابًا عليه، فإن شكر الله الإثابة على الطاعة، وقيل: مضاعفًا إلى أضعاف كثيرة، فقد اعتبر (٢) سبحانه في كون السعي مشكورًا أمورًا ثلاثة: ١ - أن يريد بعمله ثواب الآخرة، ونعيمها؛ فإن لم تحصل هذه النية لم ينتفع بذلك العمل، كما قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى﴾، وجاء في الحديث «إنما الأعمال بالنيات» إلى أنّ استنارة القلب بمعرفة الله ومحبته لا تحصل إلا إذا نوى العامل بعمله طاعة ربه، والإخبات والخشوع له. ٢ - أن يعمل العمل الذي يتوصل به إلى الفوز بثواب الآخرة، ولا يكون ذلك إلا إذا كان من القرب والطاعات، لا من الأعمال الباطنة كعبادة الأوثان، والكواكب، والملائكة. ٣ - أن يكون ذلك وهو مؤمن، فإنّ أعمال البرّ لا توجب الثّواب إلا إذا وجد الإيمان. والخلاصة: أن من أراد الآخرة، ولها عمل، وإياها طلب، فأطاع الله، وطلب ما يرضيه، وهو مصدّق بثوابه، وعظيم جزائه على سعيه لها، شكر الله له جزيل سعيه، وآتاه حسن المثوبة، كفاء ما قدّم من صالح العمل، وتجاوز عن سيئاته، وأدخله فراديس جنانه.

стр. 6917

فائدة: واعلم (١) أن الله خلق الإنسان مركّبًا من الدنيا والآخرة، ولكلّ جزءٍ منهما ميل وإرادة إلى كله؛ ليتغذّى منه، ويتقوّى، ويتكمّل به، ففي جزئه الدنيوي وهو النفس طريق إلى دركات النيران، وفي جزئه الأخروي وهو الروح طريقٌ إلى درجات الجنان، وخلق القلب من هذين الجزئين، وله طريق إلى ما بين إصبعي الرحمن، إصبع اللطف، وإصبع القهر فمن يرد الله به أن يكون مظهر قهره أزاغ قلبه، وحوّل وجهه إلى الدنيا، فيريد العاجلة، ويربّي بها نفسه إلى أن تبلّغه إلى دركات جهنم البعيدة، ويصلى نار القطيعة، ومن يرد الله به أن يكون مظهر لطفه أقام قلبه وحوّل وجهه إلى عالم العلو، فيريد الآخرة، ويسعى لها سعيها، وهو الطلب بالصدق، وهو مؤمن بأن من طلبه وجده، فأولئك كان سعيهم في الوجود مشكورًا من الموجد في الأزل. ٢٠ - ثم بيّن سبحانه أن عطاءه ورزقه الدنيوي لا يحظر على كل من الفريقين فقال: ﴿كُلًّا﴾؛ أي: كل واحد من الفريقين مريد الدنيا، ومريد الآخرة، فهو منصوب بقوله: ﴿نُمِدُّ﴾؛ أي: نمد ونزيد كلّا من الفريقين بالعطاء مرّة بعد أخرى، بحيث يكون الآنف مددًا للسالف لا نقطعه منه، وقوله: ﴿هؤُلاءِ﴾ بدل من ﴿كُلًّا﴾ و ﴿هؤُلاءِ﴾ عطف عليه؛ أي: نمد هؤلاء الذين يريدون الدّنيا وهؤلاء الذين يريدون الآخرة ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾؛ أي: من معطاه الواسع الذي لا تناهي له، لأنّ العطاء اسم لما يعطى فهو متعلق بـ ﴿نُمِدُّ﴾، فالله تعالى يوسّع عليهما في الرزق من الأموال والأولاد، وغيرهما من أسباب العز، والزينة في الدنيا، وهذا (٢) الإمداد المذكور ليس على طريق الاستيجاب والاستحقاق بالسعي والعمل الصالح، بل بمحض التفضّل ﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾ يا محمد؛ أي: معطاه في الدنيا ﴿مَحْظُورًا﴾؛ أي: ممنوعًا من كل أحد، مؤمنًا كان أو كافرًا، لأن الكلّ مخلوقون في دار العمل، فأزاح تعالى العذر عن الكل، وأوصل تعالى متاع الدنيا إلى الكل على القدر الذي يقتضيه الصلاح، فيرزق المؤمنين، والكافرين، وأهل الطاعة وأهل المعصية، لا تؤثر معصية العاصي في قطع رزقه، بل هو فائض على البرّ

стр. 6918

في الدنيا والآخرة، وعلى الفاجر في الدنيا فقط، وإن وجد منه ما يقتضي الحظر، وهو الفجور والكفر. والمعنى: أي (١) إنّ كلّا من الفريقين مريدي العاجلة، ومريدي الآجلة الساعي لها سعيها، وهو مؤمن يمده ربّه بعطائه، ويوسّع عليه الرزق، ويكثر له الأولاد والأموال وغيرهما من زينة الدنيا، فإن عطاءه ليس بالممنوع من أحد من خلقه، مؤمنا كان أو كافرا فكلّهم مخلوق في دار العمل، فوجب إزالة العذر، ورفع العلة، وإيصال متاع الدنيا إليهم على القدر الذي يقتضيه صلاحهم، ثمّ تختلف أحوال الفريقين، ففريق العاجلة إلى جهنم، وبئس المهاد، وفريق الآجلة إلى جنات تجري من تحتها الأنهار، ونعم عقبى الدار. ٢١ - والخطاب في قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ لمحمد ﷺ ، ويحتمل أن يكون لكل من له أهلية النظر والاعتبار و ﴿كَيْفَ﴾ في محل النصب على الحالية، بفضَّلنا لا بانظر، لأنّ أسماء الاستفهام مما يلزم الصدارة فلا يتقدّم عليها عاملها، وهذه الجملة مقررة لما مر من الإمداد، وموضحة له، والمعنى انظر يا محمد بنظر الاعتبار، كيف فضّلنا بعض العباد على بعض، فيما أمددناهم من العطايا الدنيوية، فمن غني وفقير، وقوي وضعيف، وصحيح ومريض، وعاقل وأحمق، وذلك لحكمة بالغة تقتصر العقول عن إدراكها؛ أي: انظر إلى عطائنا للفريقين في الدنيا كيف فضلنا بعضهم على بعض، فأوصلنا رزقنا إلى مؤمن، وقبضناه عن مؤمن آخر، وأوصلناه إلى كافر، ومنعناه من كافر آخر، ولهذا حكم وأسباب بيَّنها سبحانه بقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾. ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ﴾؛ أي: ولدرجات الآخرة أكبر، وأعظم من درجات الدنيا؛ فإن درجات الآخرة باقية غير متناهية، ونعم الدنيا فانية متناهية ﴿وَ﴾

стр. 6919

للآخرة ﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾؛ أي: ولتفاضلهم في الآخرة، وتفاوتهم فيها أكبر من تفاوتهم في الدنيا، فإن منهم من يكون في الدركات السفلى في جهنم مصفّدا بالسلاسل والأغلال، ومنهم من يكون في الدرجات العليا في نعيم وحبور، وكل فريق يتفاوتون فيما بينهم، وقرىء ﴿أكثر﴾ بالثاء المثلثة ففي «الصحيحين»: «إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل علّيّين كما ترون الكوكب الغابر في السماء» وفيهما: «إنّ الله تعالى أمدّ لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وروى ابن عبد البر عن الحسن قال: حضر جماعة من الناس باب عمر ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو القرشي - وكان أحد الأشراف في الجاهلية -، وأبو سفيان بن حرب، ومشايخ من قريش، فأذن لصهيب، وبلال، وأهل بدر - وكان يحبّهم - فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط، إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا فقال سهيل: - وكان أعقلهم - أيّها القوم: إنّي والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابا فاغضبوا على أنفسكم، إنهم دعوا ودعينا - يعني إلى الإسلام - فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر فكيف التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر لما أعد الله لهم في الجنة أكبر. وعن بعضهم أنه قال: أيّها المباهي بالرفع منك في مجالس الدنيا، أما ترغب في المباهاة بالرفع في مجالس الآخرة، وهي أكبر وأفضل. ٢٢ - ثم لمّا أجمل سبحانه أعمال البر في قوله: ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أخذ في تفصيل ذلك مبتدئًا بأشرفها الذي هو التوحيد. فقال: ﴿لا تَجْعَلْ﴾ أيها الإنسان ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ ﴿إِلهًا آخَرَ﴾ ﴿فَتَقْعُدَ﴾، أي: فتصير ﴿مَذْمُومًا﴾، أي: مستحقّا للذم عند الملائكة والمؤمنين ﴿مَخْذُولًا﴾ أي مستحقًا للخذلان والذل والهوان عند الله ، والخطاب (١) فيه للنبي ﷺ والمراد به أمّته، فإنّ

стр. 6920

بعضهم قالوا: الأصل في الأوامر هو ﷺ ، وفي النواهي أُمَّته، وقيل: هو على إضمار القول، والتقدير: قل لكل مكلف: لا تجعل إلخ، وانتصاب (١) ﴿مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ إمّا على خبريّتهما لـ ﴿تقعد﴾ إن قلنا: إنها من أفعال التصيير، وإما على الحال، إن قلنا: إنها على بابها بمعنى المكث؛ أي: فتصير جامعًا بين الأمرين الذم لك من الله، ومن ملائكته، ومن صالحي عباده، والخذلان لك منه سبحانه، أو تمكث حال كونك جامعًا بين الأمرين. والمعنى (٢): أي لا تجعل - أيها الإنسان - مع الله سبحانه شريكًا في ألوهيته وعبادته، ولكن أخلص له العبادة، وأفرد له الألوهة فإنه لا ربَّ غيره، ولا معبود سواه. إنّك إن تجعل معه إلها غيره، وتعبد معه سواه تصر ملومًا على ما ضيّعت من شكر الذي أنعم عليك بنعمه، وشكر من لم يولك نعمة مخذولًا لا ينصرك ربّك بل يكلك إلى من عبدته معه ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. وحاصل ما ذكره في هذه الآيات من أنواع التكاليف خمسة وعشرون نوعًا بعضها أصلي، وبعضها فرعيّ، وقد بدئت بالأصل في قوله: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ ...﴾ الخ وختمت به أيضًا في قوله: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ﴾ ﴿فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ وسيأتي تعدادها في آخرها، إن شاء الله تعالى. ٢٣ - وبعد أن ذكر الركن الأعظم في الإيمان، وهو التوحيد أتبعه بذكر شعائره، وشرائعه، وهي الأمور الآتية، فقال: ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾؛ أي: وأمر ربك يا محمد كلّ مكلف أمرًا جزمًا، وحكما قطعا، وحتمًا مبرمًا ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾؛ أي: بأن لا تعبدوا غيره إذ العبادة نهاية التعظيم، فلا تستحقّ إلا لمن له غاية العظمة، ونهاية الإنعام، والإفضال على عباده، ولا منعم إلا هو سبحانه، وإنّما قال (٣): ﴿رَبُّكَ﴾ خطابًا للنبي ﷺ ولم يقل ربكم مع كونه مقتضى السّياق؛ لأنه مخصوص بالتربية أصالة والأمة تبعٌ له في هذا الشأن.

стр. 6921

وقرأ الجمهور (١): ﴿وَقَضَى﴾ فعلًا ماضيًا من القضاء، وقرأ أبو عمران، وعاصم الجحدري، ومعاذ القارىء ﴿وقضاء ربك﴾ بقاف، وضاد بالمد، والهمز والرفع، وخفض اسم الرب، مصدر قضى مرفوعًا على الابتداء، وأن لا تعبدوا خبره، وقرأ أبيّ بن كعب، وابن عباس، وابن جبير، والنخعيّ وأبو المتوكل، وميمون بن مهران: ﴿ووصى ربك﴾ من التوصية وهذا خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه، وقرأ بعضهم ﴿وأوصى﴾ من الإيصاء، وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير، لأنها قراءة مخالفة لسواد المصحف، والمتواتر هو: ﴿قَضى﴾ وهو المستفيض عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهم في أسانيد القرّاء السبعة. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾؛ أي: وقضى ربّك بأن تحسنوا إلى الوالدين، إحسانًا كاملًا وتبروهما برًا واسعًا؛ ليكون الله معكم ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ فإن إحسانهما إليك قد بلغ الغاية العظيمة، فوجب أن يكون إحسانك إليهما كذلك، ومع ذلك لا تحصل المكافأة؛ لأن إنعامهما عليك كان على سبيل الابتداء، وفي الأمثال المشهورة «إن البادىء بالبرّ لا يكافأ». وقد أمر الله سبحانه بالإحسان إليهما للأسباب الآتية (٢): ١ - شفقتهما على الولد، وبذل الجهد في إيصال الخير إليه، وإبعاد الضر عنه جهد المستطاع، فوجب مقابلة ذلك بالإحسان إليهما، والشكر لهما. ٢ - أنّ الولد قطعة من الوالدين كما جاء في الخبر أنه ﷺ قال: «فاطمة بضعة مني». ٣ - أنهما أنعما عليه، وهو في غاية الضعف، ونهاية العجز، فوجب أن يقابل ذلك بالشكر حين كبرهما، كما قال الشاعر العربي يعدد نعمه على ولده وقد عقّه في كبره: غذوتك مولودًا ومنتك يافعًا ... تعلّ بما أجني عليك وتنهلُ إذا ليلةٌ ضافتك بالسُّقم لم أبت ... لسقمك إلّا سَاهرًا أتململُ

стр. 6922

كأنّي أنا المطروق دونك بالّذي ... طرقت به دوني فعينيَّ تهملُ تخاف الرَّدى نفسي عليك وإنّها ... لتعلم أنَّ الموت وقتٌ مؤجّلُ فلمّا بلغت السِّنَّ والغاية الّتي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمِّلُ جعلت جزائي غلظةً وفظاظةً ... كأنّك أنت المنعم المتفضِّلُ فليتك إذ لم ترع حقَّ أبُوّتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعلُ قيل (١): ووجه ذكر الإحسان إلى الوالدين بعد عبادة الله سبحانه أنهما السبب الظاهر في وجود المتولِّد بينهما، وفي جعل الإحسان إلى الوالدين قرينا لتوحيد الله وعبادته، من الإعلان بتأكد حقهما، والعناية بشأنهما ما لا يخفى وكذلك جعل سبحانه في آية أخرى شكرهما مقترنا بشكره فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾. والخُلاصةُ: أنه لا نعمة تصل إلى الإنسان أكثر من نعمة الخالق عليه، ثمّ نعمة الوالدين، ومن ثم بدأ بشكر نعمته أوّلًا بقوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ثمّ أردفها بشكر نعمة الوالدين بقوله: وبالوالدين إحسانا، ثم فصّل ما يجب من الإحسان إليهما بقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما﴾، وكلمة (٢) ﴿إِمَّا﴾ مركبة من ﴿إن﴾ الشرطية، و ﴿ما﴾ المزيدة لتأكيدها، ولذلك حلّ الفعل نون التوكيد، ومعنى ﴿عِنْدَكَ﴾ في كنفك وكفالتك، وأحدهما فاعل للفعل، وتوحيد ضمير الخطاب في ﴿عِنْدَكَ﴾، وفيما بعده مع أنّ ما سبق على الجمع، للاحتراز عن التباس المراد، فإنّ المقصود نهي كل أحد عن تأفيف والديه، ونهرهما، ولو قوبل الجمع بالجمع أو بالتثنية .. لم يحصل هذا المراد فإن قلت: كيف خص الله سبحانه حال الكبر بالإحسان إلى الوالدين، وهو واجب في حقهما على العموم؟. قلت: إنّ هذا وقت الحاجة في الغالب، وعند عدم الحاجة إجابتهما ندب، وفي حالة الحاجة واجب، ذكره في «روح البيان».

стр. 6923

والمعنى: إن يبلغ أحد الوالدين أو كلاهما سن الكبر والشيخوخة، والعجز، والضعف، والحال أنّهما عندك في منزلك، وكفالتك؛ أي: والحال أنهما في حال يلزمك فيه القيام بأمرهما في المعيشة، ككبر سنهما، وعجزهما عن الكسب، وغير ذلك ﴿فَلا تَقُلْ﴾ أيها الولد لأحدهما، أو ﴿لَهُما﴾؛ أي للوالدين كلامًا رديئًا، وقولًا خشنًا كقولك لهما ﴿أُفٍّ﴾؛ أي: أنا أتضجر من شيء يصدر منكما، كظهور رائحة تؤذيك منهما، بل أكرمهما واخدمهما كما خدماك في مثل هذه الحالة؛ أي: لا تقل لهما كلاما رديئا إذا وجدت منهما رائحة تؤذيك كما أنهما لا يستقذران منك حين كنت تخرأ أو تبول، والتقييد بحالة الكبر، خرج مخرج الغالب؛ لأن الولد غالبا إنما يتهاون بوالديه عند حصول الكبر لهما كما مر، والأصح أنّ أُفٍّ اسم فعل مضارع مدلوله لفظ الفعل؛ أي: لا تقل: أنا أتضجّر من شيء يصدر منكما، وقال مجاهد: إنّ معناه إذا رأيت منهما في حال الكبر، الغائط، أو البول اللذين رأيا منك في حال الصغر، فلا تقذرهما، وتقول: أف، انتهى. والآية أعمّ من ذلك، وقرأ الجمهور (١) ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ بنون التوكيد الشديدة، والفعل مسند إلى ﴿أَحَدُهُما﴾ وروي عن ابن ذكوان بالنون الخفيفة، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي ﴿إما يبلغان﴾ بألف التثنية، ونون التوكيد الثقيلة، وهي قراءة السلمي، وابن وثاب، وطلحة، والأعمش، والجحدري، فقيل: الألف علامة تثنية، لا ضمير على لغة أكلوني البراغيث، وقيل: الألف ضمير الوالدين، و ﴿أَحَدُهُما﴾ بدل من الضمير، و ﴿كِلاهُما﴾ عطف على ﴿أَحَدُهُما﴾، والمعطوف على البدل بدل. وقرأ الحسن، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، وعيسى، ونافع، وحفص، ﴿أُفٍّ﴾ بالكسر والتشديد، مع التنوين، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر كذلك بغير تنوين، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، بفتح الفاء مشددة من غير تنوين، وحكى هارون قراءة بالرفع والتنوين، وقرأ أبو السمال ﴿أف﴾ بضم الفاء من غير تنوين، وقرأ زيد بن علي ﴿أفًا﴾ بالنصب والتشديد والتنوين، وقرأ ابن

стр. 6924

عباس ﴿أف﴾ خفيفة فهذه سبع قراءات من اللغات التي حكيت في ﴿أُفٍّ﴾. ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾؛ أي: لا تزجرهما بإغلاظ إذا كرهت منهما شيئًا؛ أي: لا تغلظ لهما في الكلام، والمراد (١) من قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ المنع من إظهار الضّجر بالقليل أو الكثير، ومن قوله: ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه ﴿وَقُلْ لَهُما﴾ بدل التأفيف والنهر ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾؛ أي: قولًا لينًا حسنًا، بأن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم، كأن (٢) يقول: يا أبتاه، ويا أمّاه كدأب إبراهيم ﵇، إذ قال لأبيه: يا أبت مع ما به من الكفر، ولا يدعوهما بأسمائهما، فإنه من الجفاء، وسوء الأدب، ولا يرفع صوته فوق صوتهما، ولا يجهر لهما بالكلام، بل يكلمهما بالهمس والخضوع إلا لضرورة الصّمم والإفهام، ولا يسبّ والدي رجلٍ فيسب ذلك الرجل والديه، ولا ينظر إليهما بالغضب ٢٤ - ﴿وَاخْفِضْ لَهُما﴾ أي ألن لهما ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾؛ أي: حالك الليّن المذلول المتواضع، واخضع لهما حتّى لا تمتنع عن شيء أحباه ويسرهما ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؛ أي: من أجل فرط رحمتك لهما، وشدة شفقتك عليهما، ورقة قلبك لهما، بسبب ضعفهما لا لأجل خوفك من العار، لافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، قال ابن عباس ﵄ كن مع الوالدين كالعبد المذنب الذليل الضعيف، للسيد الفظ الغليظ؛ أي: في التّواضع والتملق. ويقبّل رجل أمّه (٣)، ويباشر خدمتهما بيده، ولا يفوّضها إلى غيره؛ لأنه ليس بعار للرجل أن يخدم معلمه، وأبويه وسلطانه، وضيفه، ولا يؤمه للصلاة، وإن كان أفقه منه؛ أي: أعلم بالفقه من الأب، ولا يمشي أمامهما إلا أن يكون لإماطة الأذى عن الطريق، ولا يتصدّر عليهما في المجلس، ولا يسبق عليهما في شيء؛ أي: في الأكل والشرب والجلوس، والكلام وغير ذلك.

стр. 6925

وفي الحديث «ما من ولد ينظر إلى الوالد وإلى والدته نظر مرحمة إلّا كان له بها حجّة وعمرة» قيل: وإن نظر في اليوم ألف مرة قال: «وإن نظر في اليوم مئة ألف» كما في «خالصة الحقائق» وقلت: فيه مقال. قال الفقهاء: لا يذهب بأبيه إلى البيعة، وإذا بعث إليه منها ليحمله .. فعل، ولا يناوله الخمر، ويأخذ الإناء منه إذا شربها، وعن أبي يوسف إذا أمره أن يوقد تحت قدره، وفيها لحم الخنزير، أوقد كما في «بحر العلوم» ولا ينتسب إلى غير والديه استنكافا منهما، فإنّه يستوجب اللعنة، وقرأ الجمهور (١): ﴿من الذل﴾ بضم الذال، وقرأ ابن عباس، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، والجحدريّ وابن وثّاب بكسر الذال. ثمّ كأنه قال له سبحانه: ولا تكتف برحمتك التي لا دوام لها ﴿وَ﴾ لكن ﴿قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما﴾؛ أي: وادع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولو خمس مرات في اليوم والليلة، ولا تكتف برحمتك الفانية، وإن كانا كافرين .. لأن من الرحمة أن يهديهما إلى الإسلام، قال ابن عباس ﵄ ما زال إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبيّن له أنه عدو لله تبرّأ منه، يعني ترك الدعاء، ولم يستغفر له بعد ما مات على الكفر، كذا في «تفسير أبي الليث» وفي الحديث «إذا ترك العبد الدعاء للوالدين ينقطع عنه الرزق في الدنيا» سئل ابن عيينة عن الصدقة عن الميت، فقال: كل ذلك واصل إليه، ولا شيء أنفع له من الاستغفار، ولو كان شيء أفضل منه، لأمرت به الأبوين. ويعضّده قوله ﵇: «إنّ الله ليرفع درجة العبد في الجنة، فيقول: يا رب أنّى لي هذا، فيقول: باستغفار ولدك» وفي الحديث «من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة كان بارًا». والكاف في قوله ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ في محل النصب على أنه نعت مصدر محذوف؛ أي: قل في الدعاء لهما: رب ارحمهما برحمتك الدنيوية والأخروية

стр. 6926

رحمة مثل رحمتهما عليَّ، وتربيتهما وإرشادهما إيايَّ في حال صغري، وفاء بوعدك للراحمين، ويجوز أن تكون الكاف تعليلية؛ أي لأجل تربيتهما لي. روي أنّ رجلًا قال لرسول الله ﷺ : «إنّ أبوي بلغا من الكبر أنّي ألي منهما ما وليا منّي في الصغر، فهل قضيتهما حقّهما؟ قال: «لا فإنّهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما». وحاصل معنى الآيتين: أي إذا (١) وصل الوالدان عندك أو أحدهما إلى حال الضعف والعجز، وصَارَا عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أوله: وجب عليك أن تشفق عليهما وتحنو لهما، تعاملهما معاملة الشاكر لمن أنعم عليه، ويتجلّى بأن تتبع معهما الأمور الخمسة الآتية: ١ - أن لا تتأفَّف من شيءٍ تراه من أحدهما أو منهما ممّا يتأذَّى به النَّاس، ولكن أصبر على ذلك منهما، واحتسب الأجر عليه كما صبرًا عليك في صغرك. ٢ - أن لا تنغّص عليهما بكلام تزجرهما به، وفي هذا منع من إظهار الضّجر القليل، أو الكثير. ٣ - أن تقول لهما قولًا حسنًا، وكلامًا طيبًا، مقرونًا بالاحترام والتعظيم، ممّا يقتضيه حسن الأدب، وترشد إليه المروءة، كأن تقول يا أبتاه، ويا أماه، ولا تدعوهما بأسمائهما، ولا ترفع صوتك أمامهما، ولا تحدق فيهما بنظرك. ٤ - أن تتواضع لهما، وتتذلل وتطيعهما فيما أمراك مما لم يكن معصيةً لله، رحمةً منك بهما وشفقة عليهما إذ هما قد احتاجا إلى من كان أفقر الخلق إليهما، وذلك منتهى ما يكون من الضّراعة، والمسكنة ولله در الخفاجي إذ يقول: يا من أتى يسأل عن فاقتي ... ما حال من يسأل من سائله ما ذلَّة السُّلطان إلّا إذا ... أصبح محتاجًا إلى عامله وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؛ أي: أن يكون ذلك التذلل رحمةً بهما، لا من أجل

стр. 6927

امتثال الأمر وخوف العار فقط، فتذكر نفسك بما تقدّم لهما من الإحسان إليك، وبما أمرت به من الشفقة والحدب عليهما، وقد مثّل حاله معهما بحال الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه لتربيته؛ فإنه يخفض له جناحه، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك في حال صغرك. ٥ - أن تدعو الله أن يرحمهما برحمته الباقية، ولو خمس مرات في اليوم والليلة، كفاء رحمتهما لك في صغرك، وجميل شفقتهما عليك، وبالجملة فقد بالغ سبحانه في التوصية بهما، من وجوه كثيرة، وكفاهما أن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما في سلك القضاء بهما معًا. وبر الأم مقدّم على بر الأب (١)؛ لما روى الشيخان أنّ رسول الله ﷺ سئل من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثمّ من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك». ولا يختص برهما بحال الحياة، بل يكون بعد الموت أيضًا، فقد روى ابن ماجة أنّ رسول الله ﷺ سئل هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما» فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما. والخلاصة: أنه سبحانه بالغ في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعرّ منها جلود أهل العقوق، وتقف عندها شعورهم، من حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثمّ شفّعهما بالإحسان إليهما، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخّص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر مع موجبات الضّجر، ومع أحوال لا يكاد الإنسان يصبر معها، وأن يذلّ ويخضع لهما، ثمّ ختمها بالدعاء لهما، والترحم عليهما، وهذه الخمسة الأشياء جعلها سبحانه من رحمته بها مقرونة بوحدانيّته، وعدم الشرك به.

стр. 6928

فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في بر الوالدين (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمّك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك، فأدناك» متفق عليه. وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه» قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما، ثم لم يدخل الجنة». أخرجه مسلم. وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يجزي ولد والده إلّا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» أخرجه مسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: «أحيّ والداك؟» قال: نعم، «قال: ففيهما فجاهد» متفق عليه. وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين» أخرجه الترمذي مرفوعًا، وموقوفًا، وهو أصح. وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت: فضيِّع ذلك الباب، أو احفظه» أخرجه الترمذي، وقال: حديث صحيح. وعن عبد الله بن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أي الأعمال أحبُّ إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة لوقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «برّ الوالدين» قلت: ثمَّ؛ أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله تعالى» أخرجه مسلم. ٢٥ - ولما كان بر الوالدين عسيرًا حذّر من التهاون فيه. فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ﴾؛ أي: بما في ضمائركم من قصد البر والتقوى، وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهةً واستثقالًا ﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾؛ أي: قاصدين الصلاح، والبرّ دون العقوق، والفساد، فلا يضرّكم ما وقع منكم من الهفوة والزلة في حالة الغضب ﴿فَإِنَّهُ﴾ تعالى ﴿كانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾؛ أي: الرجاعين إليه بالتوبة مما فرط منهم مما لا يكاد يخلو عنه البشر، ﴿غَفُورًا﴾ لما وقع منهم من نوع تقصير، أو

стр. 6929

إذاية فعليةٍ أو قوليةٍ في حق الوالدين. والمعنى: أي (١) ربكم أيها الناس: أعلم منكم بما وقع في نفوسكم من تعظيمكم أمر آبائكم، وأمهاتكم، والبرّ بهم، ومن الاستخفاف بحقوقهم، والعقوق بهم، وهو مجازيكم على حسن ذلك وسيئه، فاحذروا أن تضمروا لهم سوءًا، وتعتقدوا لهم في نفوسكم عقوقًا، فإن أنتم أصلحتم نيّاتكم فيهم وأطعتم ربّكم فيما أمركم من البر بهم، والقيام بحقوقهم عليكم، بعد هفوة كانت منكم، أو زلّةٍ في واجب لهم عليكم، فإنه تعالى يغفر لكم ما فرط منكم، فهو غفّارٌ لمن يتوب من ذنبه، ويرجع من معصيته إلى طاعته، ويعمل بما يحبه ويرضاه .. وفي هذا: وعد لمن أضمر البرّ بهم، ووعيد لمن تهاون بحقوقهم، وعمل على عقوقهم. وقيل: المعنى (٢) ربّكم أعلم منكم بما في ضمائركم من الإخلاص وعدمه في كل الطاعات، ومن التوبة من الذنب الذي فرط منكم، أو الإصرار عليه، ويندرج تحت هذا العموم ما في النفس من البر والعقوق، اندراجًا أوليًا، وهذا المعنى أولي اعتبارًا بعموم اللفظ، فلا تخصصه دلالة السياق ولا تقيّده، إن تكونوا قاصدين الصلاح والتوبة من الذنب والإخلاص في الطاعة .. فلا يضركم ما وقع منكم من الذنب الذي تبتم عنه، ﴿فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾؛ أي: الرجاعين عن الذنوب إلى التوبة، وعن عدم الإخلاص إلى محض الإخلاص، ﴿غَفُورًا﴾ لما فرط منهم من قول، أو فعل، أو اعتقاد فمن تاب .. تاب الله عليه، ومن رجع إلى الله، رجع الله إليه. ٢٦ - وبعد أن أمر بالبر بالوالدين أمر بالبر بأصناف ثلاثة أخرى، فقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾؛ أي: وأعط - أيها المكلف - القريب منك من جهة الأب أو الأم، وإن بعد ﴿حَقَّهُ﴾ من صلة الرّحم بالمال أو بالمودة، والزيارة وحسن العشرة، وإن كان محتاجا إلى النفقة .. فأنفق عليه ما يسد حاجته.

стр. 6930

واعلم: أنه (١) لا يجب على الفقير إلّا نفقة أولاده الصغار الفقراء، ونفقة زوجته غنيةً أو فقيرةً مسلمة أو كافرةً، وأما الغني - وهو صاحب النصاب الفاضل عن الحوائج الأصلية ذكرًا كان أو أنثى -: فيجب عليه نفقة الأبوين، ومن في حكمهما من الأجداد والجدات إذا كانوا فقراء، سواء كانوا مسلمين أو كافرين، وهذا إذا كانوا أهل ذمة، فإن كانوا حربا .. فلا تجب نفقتهم وإن كانوا مستأمنين، وتجب نفقة كل ذي رحم محرم مما سوى الوالدين، إن كان فقيرًا صغيرًا، أو أنثى، أو زمنًا، أو أعمى أو لا يحسن الكسب لخرقه، فإن كان قادرًا عليه لا تجب نفقته اتفاقًا، أو لكونه من الشرفاء والعظماء، وتجب نفقة الأبوين مع القدرة على الكسب ترجيحًا لهما على سائر المحارم، وطالب العلم إذا لم يقدر على الكسب لا تسقط نفقته عن الأب كالزمن، وكذا نفقة البنت البالغة غير المزوّجة، ونفقة الإبن الزمن البالغ على الأب، وإذا كان للفقير أب غنيّ وابن غني، فالنفقة على الأبوين، ولا نفقة مع اختلاف الدين إلا بالزوجية - كما سبق - والولاء، فنفقة الأصول الفقراء مسلمين أو لا على الفروع الأغنياء، ونفقة الفروع مسلمين أو لا على الأصول الأغنياء، فلا تجب على النصراني نفقة أخيه المسلم، ولا على المسلم نفقة أخيه النصراني، لعدم الولاء بينهما، ويعتبر في نفقة قرابة الولاء أصولًا أو فروعًا الأقرب فالأقرب، وفي نفقة ذي الرحم يعتبر كونه أهلا للإرث، ولا تجب النفقة لرحم ليس بمحرم اتفاقا كأبناء الأعمام، بل حقهم صلتهم بالمودة، والزيارة، وحسن المعاشرة، والتفصيل في باب النفقة في كتب الفروع، فأرجع إليها، ووجوب نفقة كل ذي رحم محرم إذا كانوا فقراء على مذهب أبي حنيفة، وقال (٢) الشافعي: لا تلزم النفقة إلا لوالد على ولده، أو ولد على والديه فحسب. وقوله: ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ معطوف على ﴿ذَا الْقُرْبى﴾؛ أي: وأعط - أيها المكلّف - من اتصف بالمسكنة أو بكونه من أبناء السبيل حقه، والمراد (٣)

стр. 6931

به في هذه الآية التصدق عليهما بما بلغت إليه القدرة من صدقة النفل، أو مما فرضه الله لهما من صدقة الفرض، فإنهما من الأصناف الثمانية التي هي مصرف الزكاة، والمسكين هو من له شيء من المال أو الكسب يقع موقعا من كفايته، ولا يكفيه تمام حاجته، والفقير من له شيء من المال أو الكسب لا يقع موقعًا من كفايته، أو لا شيء له أصلًا. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر لغرض في غير معصية المنقطع عن ماله، فيجب إعانته ومساعدته على سفره حتى يصل إلى مقصده، وقد بسطنا الكلام على الأصناف الثلاثة في سورة التوبة فراجعها. ولما أمر الله سبحانه بما أمر به من الإنفاق نهى عن التبذير، وهو صرف المال في غير مصارفه، وتفريقه كيفما كان من غير تعمد لمواقعه، كما يفرّق البذر في الأرض، وقال الشافعي: التبذير إنفاق المال في غير حقه، وهو حرام فقال: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾؛ أي: ولا (١) تفرق أيها الإنسان ما أعطاك الله من مال في معصيته، تفريقا بإعطائه من لا يستحقه أو بإنفاقه في المحرمات كالمناهي والملاهي، أو بإنفاقه رئاءً وسمعةً، ٢٧ - ثم نبه سبحانه على قبح التبذير بإضافته إلى الشياطين فقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾؛ أي: إنّ المسرفين بإنفاق أموالهم في غير مصارفها ﴿كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي: أتباعهم وأصدقاءهم؛ لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف، تقول العرب: لكل من لازم سنّة قوم واتبع أثرهم هو أخوهم؛ أي: إنّ المفرقين أموالهم في معاصي الله المنفقيها في غير طاعته إخوان الشياطين، وقرناؤهم في الدنيا والآخرة كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾، أي: قرناءهم من الشياطين ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ﴾؛ أي: لنعمة ربه التي أنعم بها عليه ﴿كَفُورًا﴾ أي جحودا لا يشكره عليها، بل يكفرها بترك طاعته، وارتكابه معصيته، وكذا إخوانه المبذرون أموالهم في معاصي الله، لا يشكرون الله على نعمه عليهم، بل يخالفون

стр. 6932

أمره، ولا يستنون سنّته، ويتركون الشكران عليها، ويتلقونها بالكفران، وقرأ الحسن والضحاك (١): ﴿إخوان الشيطان﴾ على الإفراد، وكذا ثبت في مصحف أنس. قال الكرخي: وكذلك من رزقه الله جاهًا أو مالًا فصرفه إلى غير مرضاة الله، كان كفورًا لنعمة الله؛ لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل اهـ، وفي ذكر وصف الشيطان بالكفران دون ذكر سائر أوصافه بيان لحال المبذر؛ لأنه لما صرف نعم الله عليه في غير موضعها كفر بها ولم يشكرها، كما أنّ الشيطان كفر بهذه النعم. وقد كان من عادة العرب أن يجمعوا أموالهم من السلب، والنهب، والغارة، ثم ينفقونها في التفاخر، وحب الشهرة، وكان المشركون من قريش ينفقون أموالهم ليصدّوا الناس عن الإسلام، وتوهين أهله، وإعانة أعدائه، فجاءت الآية تبين قبح أعمالهم. ٢٨ - ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ تقدم قريبًا أن أصل إِمَّا هذه مركب من ﴿إن﴾ الشرطية، و ﴿ما﴾ الإبهامية، وأنّ دخول نون التوكيد على الشرط لمشابهته للنهي؛ أي: وإن أعرضت - يا محمد أو أيها المكلف - عن هؤلاء الذين أُمرت أن تؤتيهم؛ أي عن ذي القربى والمسكين، وابن السبيل حياءً من التصريح بالرد لكونك كنت فقيرًا في وقت طلبهم منك ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: لانتظار مجيىء رزق من ربك ترجوه، أن يأتيك فتعطيهم، وقيل (٢): معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك، فوضع الابتغاء موضع الفقد، لأن الفقد سبب للابتغاء، فأقام المسبب الذي هو ابتغاء رحمة الله مقام السبب الذي هو فقد الرزق؛ لأن فاقد الرزق مبتغ له؛ أي: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح الله به عليك. ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾، أي قولًا سهلًا لينًا كالوعد الجميل، أو الاعتذار المقبول؛ أي: عدهم وعدًا طيبًا تطيب به قلوبهم، وقيل: هو أن يقول:

стр. 6933

رزقنا الله وإياكم من فضله. والمعنى: أي (١) وإن أعرضت عن ذوي القربى والمسكين، وابن السبيل، وأنت تستحي أن ترد عليهم انتظار فرج من الله ترجو أن يأتيك، ورزق يفيض عليك فقل لهم قولًا لينًا جميلًا، وعدهم وعدًا تطيب به قلوبهم. قال الحسن: أمر أن يقول لهم: «نعم وكرامةً، وليس عندنا اليوم شيء، فإن يأتنا نعرف حقكم». وفي هذا تأديب من الله لعباده إذا سألهم سائل ما ليس عندهم كيف يقولون، وكيف يردون، ولقد أحسن من قال: إلّا يكن ورقٌ يومًا أجود به ... للسَّائلين فإنّي ليِّن العودِ لا يعدم السَّائلون الخير في خلقي ... إمّا نوالٌ وإمَّا حسن مردودِ ٢٩ - ثم بيّن سبحانه الطريق المثلى في إنفاق المال فقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ أيها الإنسان ﴿يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾؛ أي: مضمومة ﴿إِلى عُنُقِكَ﴾ مجموعة معه في الغل، وهو: بضم الغين طوق من حديد يجعل في العنق؛ أي: لا تمسك يدك عن الإنفاق في الحق، والخير كالمغلولة يده إلى عنقه، لا يقدر على مدها؛ أي: لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيق على نفسك وأهلك. ﴿وَلا تَبْسُطْها﴾؛ أي: لا تمدها في الإنفاق ﴿كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتعطي جميع ما عندك في وجوه صلة الرحم، وسبيل الخيرات؛ أي: لا تتوسّع (٢) في الإنفاق توسّعًا مفرطًا بحيث لا يبقى في يدك شيء، وروي عن قالون ﴿كل البصط﴾ بالصاد ذكره في «البحر» ﴿فَتَقْعُدَ﴾؛ أي: فتصير ﴿مَلُومًا﴾ عند الله تعالى؛ لأنّ المسرف غير مرضي عنده تعالى، وعند أصحابك فهم يلومونك على تضييع المال بالكلية، وإبقاء الأهل والولد في الضر، وتبقى ملوما عند نفسك بسبب سوء تدبيرك، وترك الحزم في مهمّات معاشك، أو ملومًا على البخل من الواجبات. ﴿مَحْسُورًا﴾؛ أي: نادمًا على ما فرط منك من الإنفاق أو منقطعًا لا شيء عندك تنفقه، أو منقطعًا عنك الأحباب بسبب ذهاب

стр. 6934

الأسباب من (١): حسره السفر إذا أثَّر فيه أثرا بليغًا، أو عاريا من حسر رأسه، ولا تشكل هذه الآية على ما ورد من فعل السلف الذين خرجوا عن أموالهم في محبة الله ورسوله وصاروا فقراء؛ لأن النهي محمول على من كان يعقبه النّدم والتحسّر، بخلاف السّلف، فلم يوجد منهم التحسر. والمعنى: أي لا تكن (٢) بخيلًا منوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا، ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فإنك إن بخلت كنت ملومًا مذمومًا عند الناس، كما قال زهير: وَمَنْ يكُ ذا مالٍ فيبخل بماله ... على قومه يُستغنَ عنه ويُذْمَمِ ومذمومًا عند الله لحرمان الفقير والمسكين من فضل مالك، وقد أوجب الله عليك سدّ حاجتهما بإعطاء زكاة أموالك. وإن أسرفت في أموالك فسرعان ما تفقدها فتصبح معسرًا بعد الغنى، ذليلًا بعد العزة، محتاجًا إلى معونة غيرك بعد أن كنت معينًا له، وحينئذٍ تقع في الحسرة التي تقطع نياط قلبك، ويبلغ منك الأسى كلّ مبلغ، ولكن أنّى يفيد ذلك، وقد فات ما فات، فلا ينفع النّدم، ولا تجدي العظة والنصيحة. وخلاصة ذلك: اقتصد في عيشك، وتوسّط في الإنفاق، ولا تكن بخيلًا، ولا مسرفًا. روى أحمد وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عال من اقتصد» وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة» وروي عن أنس مرفوعًا «التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل، والهمُّ نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين»، وقيل: «حسن التدبير مع العفاف خيرٌ من الغنى مع الإسراف». وإجمال المعنى: لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة عن

стр. 6935

الانبساط، ولا تَتَوسَّع في الإنفاق، فتصير نادمًا مغمومًا، وعاجزًا عن الإنفاق لا شيء عندك، فتكون كالدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا وإعياء. ٣٠ - ثم سلّى رسوله والمؤمنين بأن الذي يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على الله تعالى، ولكن لمشيئة الخالق الرزاق فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ أيها الرسول ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ البسط عليه من عباده، ويوسّعه عليه وَيَقْدِرُ؛ أي: يضيّق على من يشاء التضييق عليه بحسب السنن التي وضعها لعباده في كسب المال، وحسن تصرفهم في جمعه بالوسائل والنظم التي وضعها في الكون؛ أي: يوسعه على بعض، ويضيّقه على بعض، لحكمةٍ بالغةٍ لا لكون من وسّع له رزقه مكرمًا عنده، ومن ضيّقه عليه مهانًا لديه. فعلى العاقل (١): التسليم لأمر الله تعالى، والرضى بقضائه، والصّبر في موارد القبض، والشكر في مواقع البسط، والإنفاق مهما أمكن، ثمّ علّل ما ذكره من البسط للبعض، والتضييق على البعض بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كانَ بِعِبادِهِ﴾؛ أي: ببواطن عباده، ﴿خَبِيرًا﴾ وبظواهرهم ﴿بَصِيرًا﴾ فيعلم ما يسرّون وما يعلنون، لا يخفى عليه من ذلك خافيةٌ، فهو الخبير بأحوالهم، البصير بكيفية تدبيرهم، في أرزاقهم. والمعنى: أنّ (٢) ربّك ذو خبرة بعباده فيعلم من الذي تصلحه السِّعة في الرزق، ومن الذي تفسده، ومن الذي يصلحه الإقتار والضّيق، ومن الذي يفسده، وهو البصير بتدبيرهم وسياستهم فعليك أن تعمل بما أمرك به، أو نهاك عنه من بسط يدك فيما تبسط فيه، وفيمن تبسطها له، وفي كفها عمن تكفها عنه، فهو أعلم بمصالح العباد منك، ومن جميع الخلق، وأبصرهم بتدبير شؤونهم. وقصارى ذلك: أنكم إذا علمتم أنّ شأنه تعالى البسط والقبض، وأمعنتم النظر في ذلك وجدتم أنّ من سننه تعالى الاقتصاد، فاقتصدوا واستنوا بسننه.
следующие страницы →