← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

به في هذه الآية التصدق عليهما بما بلغت إليه القدرة من صدقة النفل، أو مما فرضه الله لهما من صدقة الفرض، فإنهما من الأصناف الثمانية التي هي مصرف الزكاة، والمسكين هو من له شيء من المال أو الكسب يقع موقعا من كفايته، ولا يكفيه تمام حاجته، والفقير من له شيء من المال أو الكسب لا يقع موقعًا من كفايته، أو لا شيء له أصلًا. ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر لغرض في غير معصية المنقطع عن ماله، فيجب إعانته ومساعدته على سفره حتى يصل إلى مقصده، وقد بسطنا الكلام على الأصناف الثلاثة في سورة التوبة فراجعها. ولما أمر الله سبحانه بما أمر به من الإنفاق نهى عن التبذير، وهو صرف المال في غير مصارفه، وتفريقه كيفما كان من غير تعمد لمواقعه، كما يفرّق البذر في الأرض، وقال الشافعي: التبذير إنفاق المال في غير حقه، وهو حرام فقال: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾؛ أي: ولا (١) تفرق أيها الإنسان ما أعطاك الله من مال في معصيته، تفريقا بإعطائه من لا يستحقه أو بإنفاقه في المحرمات كالمناهي والملاهي، أو بإنفاقه رئاءً وسمعةً، ٢٧ - ثم نبه سبحانه على قبح التبذير بإضافته إلى الشياطين فقال: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾؛ أي: إنّ المسرفين بإنفاق أموالهم في غير مصارفها ﴿كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أي: أتباعهم وأصدقاءهم؛ لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف، تقول العرب: لكل من لازم سنّة قوم واتبع أثرهم هو أخوهم؛ أي: إنّ المفرقين أموالهم في معاصي الله المنفقيها في غير طاعته إخوان الشياطين، وقرناؤهم في الدنيا والآخرة كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وقال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾، أي: قرناءهم من الشياطين ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ﴾؛ أي: لنعمة ربه التي أنعم بها عليه ﴿كَفُورًا﴾ أي جحودا لا يشكره عليها، بل يكفرها بترك طاعته، وارتكابه معصيته، وكذا إخوانه المبذرون أموالهم في معاصي الله، لا يشكرون الله على نعمه عليهم، بل يخالفون

стр. 6932

أمره، ولا يستنون سنّته، ويتركون الشكران عليها، ويتلقونها بالكفران، وقرأ الحسن والضحاك (١): ﴿إخوان الشيطان﴾ على الإفراد، وكذا ثبت في مصحف أنس. قال الكرخي: وكذلك من رزقه الله جاهًا أو مالًا فصرفه إلى غير مرضاة الله، كان كفورًا لنعمة الله؛ لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل اهـ، وفي ذكر وصف الشيطان بالكفران دون ذكر سائر أوصافه بيان لحال المبذر؛ لأنه لما صرف نعم الله عليه في غير موضعها كفر بها ولم يشكرها، كما أنّ الشيطان كفر بهذه النعم. وقد كان من عادة العرب أن يجمعوا أموالهم من السلب، والنهب، والغارة، ثم ينفقونها في التفاخر، وحب الشهرة، وكان المشركون من قريش ينفقون أموالهم ليصدّوا الناس عن الإسلام، وتوهين أهله، وإعانة أعدائه، فجاءت الآية تبين قبح أعمالهم. ٢٨ - ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ تقدم قريبًا أن أصل إِمَّا هذه مركب من ﴿إن﴾ الشرطية، و ﴿ما﴾ الإبهامية، وأنّ دخول نون التوكيد على الشرط لمشابهته للنهي؛ أي: وإن أعرضت - يا محمد أو أيها المكلف - عن هؤلاء الذين أُمرت أن تؤتيهم؛ أي عن ذي القربى والمسكين، وابن السبيل حياءً من التصريح بالرد لكونك كنت فقيرًا في وقت طلبهم منك ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: لانتظار مجيىء رزق من ربك ترجوه، أن يأتيك فتعطيهم، وقيل (٢): معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك، فوضع الابتغاء موضع الفقد، لأن الفقد سبب للابتغاء، فأقام المسبب الذي هو ابتغاء رحمة الله مقام السبب الذي هو فقد الرزق؛ لأن فاقد الرزق مبتغ له؛ أي: وإن أعرضت عنهم لفقد رزق من ربك ترجو أن يفتح الله به عليك. ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾، أي قولًا سهلًا لينًا كالوعد الجميل، أو الاعتذار المقبول؛ أي: عدهم وعدًا طيبًا تطيب به قلوبهم، وقيل: هو أن يقول:

стр. 6933

رزقنا الله وإياكم من فضله. والمعنى: أي (١) وإن أعرضت عن ذوي القربى والمسكين، وابن السبيل، وأنت تستحي أن ترد عليهم انتظار فرج من الله ترجو أن يأتيك، ورزق يفيض عليك فقل لهم قولًا لينًا جميلًا، وعدهم وعدًا تطيب به قلوبهم. قال الحسن: أمر أن يقول لهم: «نعم وكرامةً، وليس عندنا اليوم شيء، فإن يأتنا نعرف حقكم». وفي هذا تأديب من الله لعباده إذا سألهم سائل ما ليس عندهم كيف يقولون، وكيف يردون، ولقد أحسن من قال: إلّا يكن ورقٌ يومًا أجود به ... للسَّائلين فإنّي ليِّن العودِ لا يعدم السَّائلون الخير في خلقي ... إمّا نوالٌ وإمَّا حسن مردودِ ٢٩ - ثم بيّن سبحانه الطريق المثلى في إنفاق المال فقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ أيها الإنسان ﴿يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾؛ أي: مضمومة ﴿إِلى عُنُقِكَ﴾ مجموعة معه في الغل، وهو: بضم الغين طوق من حديد يجعل في العنق؛ أي: لا تمسك يدك عن الإنفاق في الحق، والخير كالمغلولة يده إلى عنقه، لا يقدر على مدها؛ أي: لا تمسك عن الإنفاق بحيث تضيق على نفسك وأهلك. ﴿وَلا تَبْسُطْها﴾؛ أي: لا تمدها في الإنفاق ﴿كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتعطي جميع ما عندك في وجوه صلة الرحم، وسبيل الخيرات؛ أي: لا تتوسّع (٢) في الإنفاق توسّعًا مفرطًا بحيث لا يبقى في يدك شيء، وروي عن قالون ﴿كل البصط﴾ بالصاد ذكره في «البحر» ﴿فَتَقْعُدَ﴾؛ أي: فتصير ﴿مَلُومًا﴾ عند الله تعالى؛ لأنّ المسرف غير مرضي عنده تعالى، وعند أصحابك فهم يلومونك على تضييع المال بالكلية، وإبقاء الأهل والولد في الضر، وتبقى ملوما عند نفسك بسبب سوء تدبيرك، وترك الحزم في مهمّات معاشك، أو ملومًا على البخل من الواجبات. ﴿مَحْسُورًا﴾؛ أي: نادمًا على ما فرط منك من الإنفاق أو منقطعًا لا شيء عندك تنفقه، أو منقطعًا عنك الأحباب بسبب ذهاب

стр. 6934

الأسباب من (١): حسره السفر إذا أثَّر فيه أثرا بليغًا، أو عاريا من حسر رأسه، ولا تشكل هذه الآية على ما ورد من فعل السلف الذين خرجوا عن أموالهم في محبة الله ورسوله وصاروا فقراء؛ لأن النهي محمول على من كان يعقبه النّدم والتحسّر، بخلاف السّلف، فلم يوجد منهم التحسر. والمعنى: أي لا تكن (٢) بخيلًا منوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا، ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فإنك إن بخلت كنت ملومًا مذمومًا عند الناس، كما قال زهير: وَمَنْ يكُ ذا مالٍ فيبخل بماله ... على قومه يُستغنَ عنه ويُذْمَمِ ومذمومًا عند الله لحرمان الفقير والمسكين من فضل مالك، وقد أوجب الله عليك سدّ حاجتهما بإعطاء زكاة أموالك. وإن أسرفت في أموالك فسرعان ما تفقدها فتصبح معسرًا بعد الغنى، ذليلًا بعد العزة، محتاجًا إلى معونة غيرك بعد أن كنت معينًا له، وحينئذٍ تقع في الحسرة التي تقطع نياط قلبك، ويبلغ منك الأسى كلّ مبلغ، ولكن أنّى يفيد ذلك، وقد فات ما فات، فلا ينفع النّدم، ولا تجدي العظة والنصيحة. وخلاصة ذلك: اقتصد في عيشك، وتوسّط في الإنفاق، ولا تكن بخيلًا، ولا مسرفًا. روى أحمد وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عال من اقتصد» وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة» وروي عن أنس مرفوعًا «التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل، والهمُّ نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين»، وقيل: «حسن التدبير مع العفاف خيرٌ من الغنى مع الإسراف». وإجمال المعنى: لا تجعل يدك في انقباضها كالمغلولة الممنوعة عن

стр. 6935

الانبساط، ولا تَتَوسَّع في الإنفاق، فتصير نادمًا مغمومًا، وعاجزًا عن الإنفاق لا شيء عندك، فتكون كالدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا وإعياء. ٣٠ - ثم سلّى رسوله والمؤمنين بأن الذي يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على الله تعالى، ولكن لمشيئة الخالق الرزاق فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ أيها الرسول ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ البسط عليه من عباده، ويوسّعه عليه وَيَقْدِرُ؛ أي: يضيّق على من يشاء التضييق عليه بحسب السنن التي وضعها لعباده في كسب المال، وحسن تصرفهم في جمعه بالوسائل والنظم التي وضعها في الكون؛ أي: يوسعه على بعض، ويضيّقه على بعض، لحكمةٍ بالغةٍ لا لكون من وسّع له رزقه مكرمًا عنده، ومن ضيّقه عليه مهانًا لديه. فعلى العاقل (١): التسليم لأمر الله تعالى، والرضى بقضائه، والصّبر في موارد القبض، والشكر في مواقع البسط، والإنفاق مهما أمكن، ثمّ علّل ما ذكره من البسط للبعض، والتضييق على البعض بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كانَ بِعِبادِهِ﴾؛ أي: ببواطن عباده، ﴿خَبِيرًا﴾ وبظواهرهم ﴿بَصِيرًا﴾ فيعلم ما يسرّون وما يعلنون، لا يخفى عليه من ذلك خافيةٌ، فهو الخبير بأحوالهم، البصير بكيفية تدبيرهم، في أرزاقهم. والمعنى: أنّ (٢) ربّك ذو خبرة بعباده فيعلم من الذي تصلحه السِّعة في الرزق، ومن الذي تفسده، ومن الذي يصلحه الإقتار والضّيق، ومن الذي يفسده، وهو البصير بتدبيرهم وسياستهم فعليك أن تعمل بما أمرك به، أو نهاك عنه من بسط يدك فيما تبسط فيه، وفيمن تبسطها له، وفي كفها عمن تكفها عنه، فهو أعلم بمصالح العباد منك، ومن جميع الخلق، وأبصرهم بتدبير شؤونهم. وقصارى ذلك: أنكم إذا علمتم أنّ شأنه تعالى البسط والقبض، وأمعنتم النظر في ذلك وجدتم أنّ من سننه تعالى الاقتصاد، فاقتصدوا واستنوا بسننه.

стр. 6936

٣١ - وبعد أن بيّن أنه تعالى الكفيل بالأرزاق، وهو الذي يبسط ويقدر، نهاهم عن قتل الأولاد خشية الفقر، فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ يا معاشر العرب ﴿أَوْلادَكُمْ﴾، ولا تئدوا بناتكم بدفنها حيّةً ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾؛ أي: لأجل خوف فقر وفاقة في المستقبل إن تركتموهم حية؛ أي: لا تقتلوهم مخافة فقر، ولا لغير مخافة فـ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ لا أنتم، أي: نرزقهم (١) من غير أن ينقص من رزقكم شيء فيطرأ عليكم ما تخشونه من الفقر، فلا تخافوا الفقر لعلمكم بعجزهم عن تحصيل رزقهم، وقد كان العرب في جاهليتهم يقتلون البنات لعجزهم عن الكسب وقدرة البنين عليه بالغارات، والسّلب والنّهب، ولأنّ فقرهم ينفر الأكفاء عن الرغبة فيهنّ فيحتاجون إلى تزويجهن لغير الأكفاء، وفي ذلك عار أيُّما عار عليهم، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ خطاب للموسرين بدليل قوله: خشية إملاق، ولذلك قدّم الأولاد، وما تقدّم في الأنعام خطابٌ للمعسرين، ولذلك قدم ذكر الآباء وأخّر ذكر الأولاد ذكره الصاوي. والحاصل: أن الحكمة في تقديم رزق الأبناء على رزق الآباء في قوله هنا: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾، وفي سورة الأنعام قدم رزق الآباء على رزق الأبناء حيث قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. أنّ قتل الأولاد هنا كان خشية وقوع الفقر بسببهم، فقدّم تعالى رزق الأولاد، وفي الأنعام كان قتلهم بسبب فقر الآباء فعلًا، فقدّم رزق الآباء، فلله در التنزيل ما أدق أسراره، فقتل (٢) الأولاد إن كان لخوف الفقر فهو سوء ظنّ بالله تعالى، وإن كان لأجل الغيرة على البنات فهو سعي في تخريب العالم، فالأول: ضد التعظيم لأمر الله تعالى، والثاني: ضد الشفقة على خلق الله وكلاهما مذمومٌ غاية الذم، قال بعضهم: والذي حملهم على قتل الأولاد البُخلُ وطولُ الأمل. والخلاصة: أن الأرزاقَ بيد الله، فكما يفتح خزائنَه للبنينَ، يفتحها للبنات، فليس لكم سبب يدعو إلى قتلهن، ومن ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ﴾؛ أي: إنَّ قتل

стр. 6937

الأولاد لخوف فقر، ولا لغيره ﴿كانَ خِطْأً كَبِيرًا﴾؛ أي: ذنبًا عظيمًا، وإثمًا فظيعًا لما فيه من انقطاع التناسل، وزوال هذا النوع من الوجود. وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا، وهو خلقك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك». وقرأ الأعمش وابن وثَّاب (١): ﴿ولا تُقَتِّلوا﴾ بالتضعيف، وقرىء ﴿خِشْيَةَ﴾ بكسر الخاء، وقرأ الجمهور ﴿خِطْأً﴾ بكسر الخاء، وسكون الطاء، وقرأ ابن كثير بكسرها، وفتح الطاء، والمدّ، وهي قراءة طلحة، وشبل، والأعمش، ويحيى، وخالد بن إلياس، وقتادة، والحسن، والأعرج، بخلاف عنهما. وقال النحاس: لا أعرف لهذه القراءة وجها، ولذلك جعلها أبو حاتم غلطا، وقرأ ابن ذكوان ﴿خَطأً﴾ على وزن نبأ، وقرأ الحسن ﴿خَطَاءً﴾ بفتحهما، والمد جعله اسم مصدر من أخطأ كالعطاء من أعطى قاله ابن جني، وقال أبو حاتم: هي غلط غير جائز، ولا يعرف هذا في اللغة، وقرأ أبو رجاء، والزهري، كذلك إلا أنّهما كسرا الخاء فصار مثل ربا، وكلاهما من خطىء في الدين، وأخطأ في الرّأي، وجاء عن ابن عامر خطأ بالفتح، والقصر مع إسكان الطاء، وهو مصدر ثالث من خطىء بالكسر. ٣٢ - ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل، وفي الزنا داعٍ من دواعي الإسراف أتبعه به، فقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ أيها المكلفون بمباشرة مقدماته من اللمس، والقبلة والنظرة، والمعانقة والغمزة. وفي النهي (٢) عن قربانه بمباشرة مقدماته نهيٌ عنه بالأولى؛ فإن الوسيلة إلى الشيء إذا كانت حرامًا .. كان المتوسّل إليه حرامًا، بفحوى الخطاب، والزنا: الأكثر فيه القصر، ويمد لغة لا ضرورةً هكذا نقل اللغويون. وقرأ أبو رزين، وأبو الجوزاء، والحسن بالمدّ قال أبو عبيدة: وقد يمدّ الزنا

стр. 6938

في كلام أهل نجد. قال الفرزدق: أَخَضَبْتَ فِعْلَكَ للزِّناء وَلَمْ تَكُنْ ... يَوْمَ اللِّقَاء لِتَخْضِبَ الأَبْطَالَا ثم علل النهي عن الزنا بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: إن الزنا ﴿كانَ فاحِشَةً﴾؛ أي: فعلة قبيحة ظاهرة القبح، لاشتماله على فساد الأنساب، وعلى التقاتل، فإن الإنسان لا يعرف أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره؟ فلا يقوم بتربيته، وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النسل، وخراب العالم، ﴿وَساءَ﴾ الزنا، وقبح من جهة كونه ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي طريقًا إلى النار، والمخصوص بالذم طريقه. ولا خلاف في كونه من الكبائر، وقد ورد في تقبيحه والتنفير عنه من الأدلة ما هو معلوم. والحاصل: أن الزنا اشتمل على مفاسدَ كثيرةٍ (١)، أهمها: ١ - اختلاط الأنساب، واشتباهها وإذا شك المرء في الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أم من غيره؟ لا يقوم بتربيته، ولا يستمر في تعهده، وذلك مما يوجب إضاعة النسل، وخراب العالم كما مر آنفًا. ٢ - فتح باب الهرج والمرج، والاضطراب بين الناس دفاعًا عن العرض، فكم سمعنا بحوادث قتلٍ كان مبعثها الإقدام على الزّنا حتى إنه ليقال عند السماع بحادث قتل: فتّش عن المرأة. ٣ - أن المرأة إذا عرفت بالزنا، وشهرت به استقذرها كل ذي طبع سليم، فلا تحدث ألفة بينها وبين زوجها، ولا يتم السّكن والازدواج الذي جعله الله مودّةً، ورحمة بين الناس بقوله: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. ٤ - أنه ليس المقصد من المرأة مجرد قضاء الشهوة، بل أن تصير شريكةً

стр. 6939

للرجل في ترتيب المنزل، وإعداد مهامه من مطعوم، ومشروب، وملبوس، وأن تكون حافظة له قائمة بشؤون الأولاد، والخدم، وهذه المهامّ لا تتم على وجه الكمال إلّا إذا كانت مختصة برجل واحد منقطعة له دون غيره من الناس. وإجمال ذلك: أن الزّنا فاحشة، وأيّ فاحشة لما فيه من اختلاط الأنساب، والتقاتل، والتناحر، دفاعا عن العرض، وأنه سبيل سيّىء من قبل أنه يسوّي بين الإنسان والحيوان في عدم اختصاص الذّكران بالإناث. ٣٣ - وبعد أن نهى عن قتل الأولاد للسبب المتقدم، نهى عن القتل مطلقًا، فقال: ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ أيها العباد ﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها بالإسلام والعهد ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي إلا قتلًا متلبسًا بالحق، وهو أحد أمور ثلاثة: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل مؤمن معصوم عمدًا، كما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان، وغيرهما، عن ابن مسعود «لا يحل دم امرىء يشهد أن لا إله إلّا الله، وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيّب الزاني، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». فالمراد بالتي حرّم الله التي جعلها معصومة بعصمة الدين، أو عصمة العهد، والمراد بالحق الذي استثناه، هو ما يباح به قتل الأنفس المعصومة في الأصل من إحدى الأمور الثلاثة المذكورة في الحديث السابق؛ أي: لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب متلبس بالحق، أو إلا متلبسين بالحق. ولتحريم (١) القتل حكم (٢): ١ - أنه إفساد، فوجب تحريمه لقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾. ٢ - أنه ضرر، والأصل في المضارة الحرمة لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار». ٣ - أنه إذا أبيح القتل زال هذا النوع من الوجود، ففتك القوي بالضعيف،

стр. 6940

وحدث الاضطراب في المجتمع، فلا يستقيم للنّاس حال، ولا ينتظم لهم معاش. ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾؛ أي بغير سبب من الأسباب المسوّغة لقتله شرعًا ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ﴾؛ أي: لمن يلي أمره من ورثته إن كانوا موجودين، أو ممن له سلطان إن لم يكونوا موجودين ﴿سُلْطانًا﴾؛ أي: تسلّطًا واستيلاءً على القاتل، إن شاء قتل، وإن شاء عفا، وإن شاء أخذ الدّية. ثم لما بيّن إباحة القصاص لمن هو مستحق لدم المقتول، أو ما هو عوضٌ عن القصاص، نهاه عن مجاوزة الحد فقال: ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾؛ أي: لا يتجاوز ما أباحه الله له، فيقتل بالواحد اثنين، أو جماعة كما كانوا يفعلون في الجاهلية؛ إذ كانوا يقتلون القاتل، ويقتلون معه غيره، إذا كان رجلًا شريفًا، وأحيانًا لا يرضون بقتل القاتل، بل يقتلون بدله رجلًا شريفًا، أو يمثّل بالقاتل أو يعذبه. وفي الآية: إيماء إلى أن الأولى للولي أن لا يقدم على استيفاء القتل، وأن يكتفي بالدية أو يعفو. ثم علل النهي عن السرف فقال: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن ولي المقتول ﴿كانَ مَنْصُورًا﴾ من جهة الله ؛ أي: إنّ الله سبحانه نصر الولي بأن أوجب له القصاص، أو الدية، وأمر الحكّام أن يعينوه على استيفاء حقه، فلا يبغي ما وراءه، ولا يطمع في الزيادة على ذلك. وقد يكون المعنى: إنّ المقتول ظلمًا منصور في الدنيا بإيجاب القود له على قاتله، وفي الآخرة بتكفير خطاياه، وإيجاب النار لقاتله، وهذه الآية أول ما نزل من القرآن في شأن القتل لأنها مكية. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَلا يُسْرِفْ﴾ بياء الغيبة، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي، وزيد بن علي، وحذيفة، وابن وثاب، والأعمش، ومجاهد، بخلاف

стр. 6941

عنه، وجماعة بتاء الخطاب، والظاهر: أنه على خطاب الولي، فالضمير له، وقال الطبري الخطاب للرسول ﷺ : والأئمة من بعده، أي فلا تقتلوا غير القاتل انتهى. وقال ابن عطيّة، وقرأ أبو مسلم السراج، صاحب الدعوة العباسيَّة ﴿فلا يسرفُ﴾ بضم الفاء على الخبر، ومعناه النهي، وقد يأتي الأمر، والنهي بلفظ الخبر، ثم قال: وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة أبيّ ﴿فلا تسرفوا في القتل، إنّ وليّ المقتول كان منصورًا﴾ والأولى حملها على التفسير لا على القراءة لمخالفتها سواد المصحف، ولأن المستفيض عنه ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ كقراءة الجماعة. الإعراب ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)﴾. ﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِذا﴾ ظرفٌ لما يستقبل من الزمان، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿أَرَدْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها ﴿أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ ناصب وفعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، لـ ﴿أَرَدْنا﴾ تقديره: وإذا أردنا إهلاك قرية من القرى ﴿أَمَرْنا﴾ فعل وفاعل ﴿مُتْرَفِيها﴾ مفعول به منصوب بالياء، والجملة الفعلية جواب ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة مسوقة لبيان الأسباب التي تهلك بها القرى ﴿فَفَسَقُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿فسقوا﴾ فعل وفاعل فِيها متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَمَرْنا﴾. ﴿فَحَقَّ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة حق فعل ماض ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق به ﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فسقوا﴾ لا على جملة ﴿أَمَرْنا﴾ لأن العاطف هنا مرتب ﴿فَدَمَّرْناها﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿دمرناها﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿تَدْمِيرًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، مؤكد لعامله، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾.

стр. 6942

﴿وَكَمْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿كَمْ﴾ خبرية بمعنى عدد كثير في محل النصب على المفعولية بـ ﴿أَهْلَكْنا﴾ ﴿أَهْلَكْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنَ﴾ حرف جر وبيان لكنها زائدة في تمييز ﴿كَمْ﴾ الخبرية ﴿الْقُرُونِ﴾ مجرور بـ ﴿مِنَ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنا﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ جار ومجرور حال ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ أو متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنا﴾ وجاز تعلّق حرفي جرّ متّحدي اللفظ بعامل واحد، لاختلاف معناهما؛ لأن الأولى، للبيان، والثانية: لابتداء الغاية، كما ذكره الكرخي، ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ فعل وفاعل، و ﴿الباء﴾ زائدة في فاعل ﴿كَفى﴾، والجملة مستأنفة ﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ﴾ جار ومجرور، مضاف إليه متعلق بما بعده على سبيل التنازع ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ تمييزان لنسبة ﴿كَفى﴾ كما في «الفتوحات». ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾. ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط أو هما ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿يُرِيدُ الْعاجِلَةَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾؛ والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كانَ﴾ ﴿عَجَّلْنا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه جوابا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَجَّلْنا﴾ ﴿فِيها﴾ متعلق به أيضًا، أو حال من ما الموصولة المذكورة بعده ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿عَجَّلْنا﴾. ﴿نَشاءُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعول المشيئة محذوف، تقديره: ما نشاء تعجيله، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط، الضمير المحذوف ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿لَهُ﴾ بدل بعض من كل ﴿نُرِيدُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعوله محذوف تقديره: لمن نريد التعجيل له، والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا﴾ ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف لتراخي المدة ﴿جَعَلْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿عَجَّلْنا﴾ ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني

стр. 6943

لـ ﴿جَعَلْنا﴾. ﴿جَهَنَّمَ﴾ مفعوله الأول ﴿يَصْلاها﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على مريد العاجلة، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير له ﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ حالان من فاعل يصلى. ﴿وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿مَنْ﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط ﴿أَرادَ الْآخِرَةَ﴾ فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿وَسَعى﴾ فعل ماض في محل الجزم معطوف على ﴿أَرادَ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿لَها﴾ متعلق به ﴿سَعْيَها﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿سَعى﴾ ﴿فَأُولئِكَ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب من الشرطية ﴿أولئك﴾ اسم إشارة للجمع المذكر في محل الرفع مبتدأ ﴿كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ فعل ناقص، واسمه وخبره، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونها جوابا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾. ﴿كُلًّا﴾ مفعول مقدم لـ ﴿نُمِدُّ﴾ والتنوين عوض عن المضاف إليه، أي كل واحد من ﴿الفريقين﴾ نُمِدُّ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله ﴿هؤُلاءِ﴾ بدل من ﴿كُلًّا﴾ بدل تفصيل من مجمل ﴿وَهَؤُلاءِ﴾ معطوف على ﴿هؤُلاءِ﴾ الأول ﴿مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿نُمِدُّ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ﴾. ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾. ﴿انْظُرْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، أو على كل مخاطب، والجملة مستأنفة ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام في محل النصب على الحال؛ أي: انظر

стр. 6944

فضلنا بعضهم على بعض كائنًا على أيّ حالةٍ، أو كيفيّةٍ، أو على التشبيه بالظرف منصوب، بـ ﴿فَضَّلْنا﴾ وهي معلقة لـ ﴿انْظُرْ﴾ بمعنى تفكر، ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿فَضَّلْنا﴾، وجملة ﴿فَضَّلْنا﴾ في محل النصب مفعول ﴿انْظُرْ﴾ معلقة عنها بـ ﴿كَيْفَ﴾ ﴿وَلَلْآخِرَةُ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، أو قسم ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ﴾ مبتدأ وخبر ﴿دَرَجاتٍ﴾ تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية مستأنفة، أو جواب لقسم محذوف، ﴿وَأَكْبَرُ﴾ معطوف على ﴿أَكْبَرُ﴾. ﴿تَفْضِيلًا﴾ منصوب على التمييز. ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾. ﴿لا تَجْعَلْ﴾ جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على محمد أو على كل مخاطب، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بمحذوف مفعول ثان، لـ ﴿تَجْعَلْ﴾ ﴿إِلهًا﴾ مفعول أول لـ ﴿تَجْعَلْ﴾ ﴿آخَرَ﴾ صفة له، والتقدير: لا تجعل إلها آخر كائنا مع الله ﴿فَتَقْعُدَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة سببية ﴿تقعد﴾ فعل مضارع من أخوات صار، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، واسمها ضمير يعود على المخاطب، ﴿مَذْمُومًا﴾ خبر أول لها ﴿مَخْذُولًا﴾ خبر ثان لها، والجملة الفعلية صلة، أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن جعلك مع الله إلهًا آخر، فقعودك مذمومًا مخذولًا. ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾. ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿قَضى رَبُّكَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان منزلة الوالدين، ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾ إما مصدرية، وعليها فـ ﴿لا﴾ نافية ﴿تَعْبُدُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ وعلامة نصبه حذف النون ﴿أَلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿إِيَّاهُ﴾ في محل النصب مفعول ﴿تَعْبُدُوا﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، ﴿وَقَضى﴾ بمعنى أمر كما مر؛ والتقدير: وقضى ربك بعدم عبادة غيره سبحانه، وإما مفسرة؛ لأن ﴿وَقَضى﴾ فيه معنى

стр. 6945

القول، دون حروفه، أو مخفّفةً من الثقيلة، فـ ﴿لا﴾ على هذين الوجهين ناهيةٌ جازمة، ﴿تَعْبُدُوا﴾ مجزوم بها، وعلامة جزمه حذف النون، والجملة الفعلية إما مفسرة لا محلّ لها من الإعراب، أو في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ﴾ جار ومجرور متعلق بفعل محذوف جوازًا تقديره: وأحسنوا بالوالدين ﴿إِحْسانًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بذلك الفعل المحذوف، وإنما علّقنا الجار والمجرور بالفعل المحذوف دون المصدر لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾. ﴿إِمَّا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط زيدت عليها ﴿ما﴾ تأكيدًا لها ﴿يَبْلُغَنَّ﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة ﴿عِنْدَكَ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الفاعل ﴿الْكِبَرَ﴾ مفعول به ﴿أَحَدُهُما﴾ فاعل ﴿أَوْ كِلاهُما﴾ معطوف على أحدهما مرفوع بالألف، لأنه ملحق بالمثنى، والتقدير: إن يبلغ أحدهما، أو كلاهما الكبر حالة كونه أو كونهما كائنين عندك؛ أي: في منزلك، أو كفالتك، ﴿فَلا تَقُلْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا ﴿لا تقل﴾ جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على الولد ﴿لَهُما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقُلْ﴾ ﴿أُفٍّ﴾ مقول محكي لـ ﴿تَقُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿أُفٍّ﴾ اسم فعل مضارع بمعنى أتضجّر، وفاعله ضمير يعود على المتكلم، وجملة اسم الفعل في محل النصب مقول ﴿تَقُلْ﴾، وجملة ﴿لا تقل﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة إن الشرطية مستأنفة، ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ جازم، وفعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الولد، والجملة الفعلية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿لا تقل﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿إن﴾ الشرطية، ﴿وَقُلْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على الولد ﴿لَهُما﴾ متعلق به ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة ﴿كَرِيمًا﴾ صفة لـ ﴿قَوْلًا﴾ والجملة الفعلية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿لا تقل﴾. ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾.

стр. 6946

﴿وَاخْفِضْ﴾ فعل أمر في محل الجزم معطوف على قوله: ﴿وَقُلْ لَهُما﴾ وفاعله ضمير يعود على الولد ﴿لَهُما﴾ متعلق به، ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾ مفعول به، ومضاف إليه ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخْفِضْ﴾ فمن للتعليل؛ أي: من أجل الرحمة أو للابتداء؛ أي: إن هذا الخفض ناشىء من الرحمة المركوزة في الطبع، ويصح كونه حالًا من ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾. ﴿وَقُلْ﴾ معطوف على ﴿وَقُلْ﴾ الأولى ﴿رَبِّ ارْحَمْهُما ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف ﴿ارْحَمْهُما﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء ﴿كَما﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه، أو للتعليل ﴿ما﴾ مصدرية صفة. ﴿رَبَّيانِي﴾ فعل وفاعل ومفعول، و (نون) وقاية، لأن الألف ضمير تثنية ﴿صَغِيرًا﴾ حال من (ياء) المتكلم، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: رب ارحمهما رحمة مثل تربيتهما إيّاي حالة كوني صغيرًا، أو رحمة مثل رحمتهما إياي حالة كوني صغيرًا أو ارحمهما لأجل تربيتهما إياي حالة كوني صغيرًا. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾. ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ والجملة مستأنفة ﴿فِي نُفُوسِكُمْ﴾ جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿تَكُونُوا﴾ فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية صالِحِينَ خبر ﴿تَكُونُوا﴾ وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف تقديره: فلا يضركم ما وقع منكم من الهفوة في حالة الغضب، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية مستأنفة، ﴿فَإِنَّهُ﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية ﴿إنه﴾ ناصب واسمه ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الله ﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ متعلق بما بعده ﴿غَفُورًا﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر بلام التعليل المقدرة، مسوقة لتعليل الجواب المحذوف.

стр. 6947

﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾. ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على المكلف ﴿حَقَّهُ﴾ مفعول ثان، والجملة مستأنفة ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ معطوفان على ﴿ذَا الْقُرْبى﴾. ﴿وَلا تُبَذِّرْ﴾ جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على المكلف. ﴿تَبْذِيرًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَآتِ﴾. ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ﴾ ناصب واسمه ﴿كانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ خبره، ومضاف إليه، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل النهي السابق ﴿وَكانَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو حالية ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿لِرَبِّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بما بعده ﴿كَفُورًا﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة ﴿كانَ﴾ إما معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ أو في محل النصب حال من ﴿الشَّياطِينِ﴾. ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾. ﴿وَإِمَّا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِمَّا﴾ ﴿إن﴾ حرف شرط، ﴿ما﴾ زائدة، ﴿تُعْرِضَنَّ﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على المكلف ﴿عَنْهُمُ﴾ متعلق به ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ﴾ مفعول لأجله منصوب بفعل الشرط أو جوابه، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿رَحْمَةٍ﴾. ﴿تَرْجُوها﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، والجملة في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿رَحْمَةٍ﴾ أو حال من ﴿رَحْمَةٍ﴾ لتخصصه بالصفة، ﴿فَقُلْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب الشرط، وجوبًا ﴿قل﴾ فعل أمر في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ على كونه جوابًا لها مبني على السكون، وفاعله ضمير يعود على المخاطب ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿قَوْلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة ﴿مَيْسُورًا﴾ صفة لـ ﴿قَوْلًا﴾. ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾.

стр. 6948

﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ فعل، ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، والجملة مستأنفة ﴿إِلى عُنُقِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿مَغْلُولَةً﴾ ﴿وَلا تَبْسُطْها﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، ﴿كُلَّ الْبَسْطِ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ﴾. ﴿فَتَقْعُدَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة سببية (تقعد) فعل مضارع من أخوات صار الناقصة منصوب بأن مضمرة بعد الفاء السببية، واسمها ضمير يعود على المخاطب ﴿مَلُومًا﴾ خبر أول لها ﴿مَحْسُورًا﴾ خبر ثان لها، وجملة (تقعد) في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيّد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن بسط يدك فقعودك ملومًا محسورًا. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾. ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿يَشاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الرب، والجملة الفعلية صلة ﴿من﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: لمن يشاء البسط له، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب، واسمه ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الله ﴿بِعِبادِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بما بعده، على سبيل التنازع ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ خبران لـ ﴿كانَ﴾ وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١)﴾. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ فعل وفاعل، ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية ﴿خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ مفعول لأجله، ومضاف إليه، والجملة الفعلية مستأنفة نَحْنُ مبتدأ، وجملة نَرْزُقُهُمْ خبره وَإِيَّاكُمْ معطوف على ﴿الهاء﴾، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ﴾ ناصب واسمه كانَ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على القتل ﴿خِطْأً﴾ خبر ﴿كانَ﴾. ﴿كَبِيرًا﴾ صفة

стр. 6949

﴿خِطْأً﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل النهي السابق. ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾. ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الزنا ﴿فاحِشَةً﴾ خبرها، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿وَساءَ﴾ فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا يعود على الزنا ﴿سَبِيلًا﴾ تمييز لفاعل ﴿وَساءَ﴾، وجملة ﴿وَساءَ﴾ في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، هو مخصوص بالذم تقديره هو يعود على الزنا، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محلّ لها من الإعراب. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿النَّفْسَ﴾ ﴿حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها فعل وفاعل، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَقْتُلُوا﴾ أو بمحذوف حال من فاعل ﴿تَقْتُلُوا﴾؛ أي: إلّا حالة كونكم ملتبسين بالحق، ﴿وَمَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما. ﴿قُتِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿مَظْلُومًا﴾ حال من نائب الفاعل في ﴿قُتِلَ﴾ ﴿فَقَدْ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا لاقترانه بـ ﴿قد﴾ ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿جَعَلْنا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿سُلْطانًا﴾ مفعول أول له، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿فَلا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿لا﴾ ناهية ﴿يُسْرِفْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿وليه﴾. ﴿فِي

стр. 6950

الْقَتْلِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة الجواب ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود على الولي ﴿مَنْصُورًا﴾ خبرها، وجملة ﴿كانَ﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ والمترفون: هم المنعّمون من الملوك والعظماء، وفي «القاموس» التّرفه بالضم: النعمة، والطعام الطيِّب: والشيء الظريف، تخص به صاحبك، وترف كفرح تنعّم وأترفته النّعمة أطغته، أو نعّمته كترفّته تتريفًا، والمترف كمكرم المتروك، يصنع ما يشاء، ولا يمنع، والمتنعّم لا يمنع من تنعّمه، وتترّف تنعّم، وفي «أساس البلاغة» أترفته النّعمة أبطرته، وأترف فلان، وهو مترف وأعوذ بالله من الإتراف، والإسراف، واستترفوا تعفرتوا، وطغوا، ولم أزل معهم في ترفة، أي: في نعمة ﴿فَفَسَقُوا﴾؛ أي: خرجوا عن الطاعة، وتمرّدوا ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾؛ أي: وجب لها العذاب ﴿تَدْمِيرًا﴾، والتدمير: الإهلاك مع طمس الأثر. ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ جمع قرن، والقرن: القوم يجمعهم زمان واحد، وقد حدّد بأربعين سنة وثمانين سنة، وبمئة، وبغير ذلك ﴿الْعاجِلَةَ﴾ الدار الدنيا. ﴿يَصْلاها﴾؛ أي: يقاسي حرّها ﴿مَدْحُورًا﴾؛ أي: مطرودًا مبعدًا من رحمة الله، وفي «القاموس» الدحر: الطّرد والإبعاد، والدفع كالدحور، وهو داحرٌ ودحور، وفي «المختار» دحره يدحره من باب: خضع طرده اهـ. ﴿مَحْظُورًا﴾؛ أي: ممنوعًا عمّن يريده ﴿فَتَقْعُدَ﴾ قعد يجوز أن تكون على بابها، فينتصب ما بعدها على الحال، ويجوز أن تكون بمعنى صار فينتصب ما بعدها على الخبرية، وإليه ذهب الفراء، والزمخشري اهـ «سمين» ﴿مَذْمُومًا﴾؛ أي: ممن يستحق الذّمّ من الملائكة والمؤمنين ﴿مَخْذُولًا﴾؛ أي: من الله، لأنك أشركت معه ما لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا. ﴿وَقَضى﴾ قيل: بمعنى أوصى، وقيل بمعنى حكم، وقيل: بمعنى أوجب، وقيل: بمعنى ألزم. اهـ «سمين» ﴿أُفٍّ﴾ يقرأ بالتنوين للدلالة على التنكير؛ أي: لا تقل لهما أتضجّر وأقلق من كل فعل لكما، وبعدمه للدلالة على التعريف؛ أي:

стр. 6951

لا تقل لهما أتضجر من فعل خاص من أفعالكما اهـ. شيخنا. فصل في أُفّ والأصح: أن أُفّ اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وفيه: أربعون لغة، وحاصلها: أن الهمزة إمّا أن تكون مضمومةً، أو مكسورةً، أو مفتوحةً، فإن كانت مضمومة .. فاثنتان وعشرون لغةً. وحاصل ضبطها: أنها إمّا مجرّدة عن اللواحق، أو ملحقة بزائد، والمجردة إما أن يكون آخرها ساكنًا، أو متحركًا، والمتحركة إمّا أن تكون مشددةً، أو مخففةً، وكلٌّ منهما مثلّث الآخر مع التنوين، وعدمه، فهذه اثنتا عشرة لغة، والساكنة إما مشدّدةً أو مخفّفةً فهذه سبع عشرة، وإن كان حرف مدّ فهو إمّا واو، أو ياء، أو ألف، والفاء فيهن: مشددةً، والألف إما مفخّمة أو بالإمالة المحضة، أو بين بين، فهذه خمس أخرى مع السبع عشرة، وإن كانت مكسورة فإحدى عشرة مثلثة الفاء، مخففة مع التنوين، وعدمه، فهذه ست لغات، وفتح الفاء وكسرها بالتشديد فيها مع التنوين وعدمه، فهذه أربع لغات: والحادية عشرة: أفّي بالإمالة، وإن كانت مفتوحة، فالفاء مشددة مع الفتح، والكسر، والتنوين وعدمه، والخامسة أف بالسكون، والسادسة أفّي بالإمالة، والسابعة: أفاه بهاء السكت، فهذه السبع مكملة للأربعين، وقد قرىء من هذه اللغات بسبع، ثلاث في المتواتر، وأربع في الشواذ، وقراءة حفص، وهي قراءتنا ﴿أُفٍّ﴾ بالكسر، والتنوين مع التشديد ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾، وفي «السمين» والنهر: الزجر بجرحٍ، وغلظة، وأصله الظهور، ومنه النهر لظهوره، وقال الزمخشري: النهي، والنّهر، والنّهم أخوات اهـ. ﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾؛ أي: جميلًا لا شراسة فيه، قال الراغب: كل شيء يشرف في جنسه، يقال: إنّه كريمٌ ﴿وَاخْفِضْ لَهُما﴾ وخفض الجناح يراد به: التواضع، والتذلل ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؛ أي: من فرط رحمتك عليهما ﴿لِلْأَوَّابِينَ﴾ جمع أوّاب، والأواب الذي ديدنه الرجوع إلى الله، والالتجاء إليه حين الشدّة ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ والتبذير: إنفاق المال في غير موضعه ﴿إِخْوانَ الشَّياطِينِ﴾؛ أي: أمثالهم في الشّرارة، فإن التّضييع، والإتلاف شر، أو أصدقاؤهم، وأتباعهم لأنهم

стр. 6952

يطيعونهم في الإسراف، والصرف في المعاصي، والعرب تقول لكل من هو ملازم سنّة قوم: هو أخوهم ﴿لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾؛ أي: جحودًا لنعمة ربه، فما ينبغي أن يطاع؛ لأنه يدعو إلى مثل عمله اهـ من «الخازن» والبيضاوي وعبارة الكرخي والمراد من هذه الأخوة: التّشبّه بهم في هذا الفعل القبيح؛ لأنّ العرب يسمّون اللازم للشيء أخًا له فيقولون: فلان أخو الكرم، والجود وأخو الشعر إذا كان مواظبًا على هذه الأفعال اهـ. و ﴿الابتغاء﴾ الطلب و ﴿الرحمة﴾ الرزق و ﴿الميسور﴾ السّهل اللّيّن ﴿والمغلولة﴾ المقيدة بالغل، وهو بضم الغين طوق من حديد، يوضع في اليدين، والعنق فمعنى مغلولة إلى عنقك، أي: مضمومةً إليه مجموعة معه في الغل، والمراد به هنا: الإمساك عن الإنفاق في الخيرات ﴿وَلا تَبْسُطْها﴾؛ أي: لا تتوسع في الإنفاق ﴿مَلُومًا﴾؛ أي: مذموما من الخلق والخالق ﴿مَحْسُورًا﴾؛ أي نادمًا، أو منقطعًا بك لا شيء عندك من حسرة السفر، إذا أثر فيه فهو محسور؛ أي: منقطع عن السير إعياءً، وكلالًا، والإملاق الفقر. قال الشاعر: وإنّي على الإملاق يا قوم ماجدٌ ... أعدّ لأضيافي الشُّواء المُضهَّبَا ﴿خِطْأً﴾ والخطأ كالإثم، وزنًا، ومعنًى فقال فيه: خطئًا بكسر الخاء، وسكون الطاء على وزن مثل، وخطأ بفتحتين على وزن شبه، وخطاء بكسر الخاء، وفتح الطاء، وبالمد على وزن قتال ففيه ثلاث قرآت كلها سبعية اهـ شيخنا فعلى الأولى: فهو مصدر لخطىء من باب علم، وعلى الثانية: اسم مصدر لأخطأ رباعيا، وعلى الثالثة: هو مصدر لخاطأ، وهو وإن لم يسمع، لكنه سمع تخاطأ اهـ من «البيضاوي». ومجيء تخاطأ يدل على وجود (خاطأ)؛ لأن تفاعل مطاوعٌ فاعل كباعدته فتباعد، وناولته فتناول اهـ زاده ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ في «المصباح». قربت الأمر أقربه من باب تعب، وفي لغة من باب قتل قربانا بالكسر دانيته، ومن الأول: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ ويقال منه أيضًا: قربت المرأة قربانا كناية عن الجماع، ومن الثاني: لا تقرب الحمى؛ أي: لا تدن منه اهـ. والعامة على قصر الزنا، وهي اللغة الفاشية، وقرىء بالمد، وفيه وجهان:

стр. 6953

أحدهما: أنّه لغة في المقصور. والثاني: أنه مصدر زانأ يزانىء كقاتل قتالا؛ لأنه يكون من اثنين اهـ. «سمين» (والفاحشة) الفعلة القبيحة الظاهرة القبح ﴿سُلْطانًا﴾ السلطان التسلط والاستيلاء ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾؛ أي: فلا يتجاوز الحد المشروع فيه. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿أَمَرْنا مُتْرَفِيها﴾؛ لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا باطل فبقي أن يكون مجازا عن التوسعة في العيش، واسترسالهم في المعاصي، وفيه أيضًا المجاز بالحذف، لأنه لم يذكر المأمور به إيجازا في القول واعتمادًا على بداهته للسامع؛ أي: أمرناهم بالطاعة. ومنها: التزام ما لا يلزم في قوله: ﴿مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾، وهو التزام حرف أو حرفين فصاعدا قبل الروي على قدر طاقة الشاعر، أو الكاتب من غير كلفةٍ فقد التزم في قوله: ﴿مُتْرَفِيها﴾ و ﴿فِيها﴾ ﴿الفاء﴾ قبل ياء الردف، ولزمت الياء، وسيأتي الكثير منه في القرآن، وهو من أرشق الاستعمالات. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾، وفي قوله: ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ وفي قوله: ﴿الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿الْعاجِلَةَ﴾ و ﴿الْآخِرَةَ﴾. ومنها: اللفُّ والنَّشْرُ المرتّب في قوله: ﴿هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ﴾ فهؤلاء الأولى للفريق الأول، أي: مريد الدنيا، وهؤلاء الثانية للفريق الثاني، أي: مريد الآخرة. ومنها: الإجمال ثمّ التفصيل في قوله: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ﴾. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ﴾

стр. 6954

لأنها جرت في الفعل بعد جريانها في المصدر، حيث شبهت إلانة الجانب بخفض الجناح، بجامع العطف. والرقة في كلٍّ، واستعير الخفض للإلانة، واشتق منه اخفض بمعنى ألن أو الاستعارة الأصلية في الجناح، حيث شبه الجانب بالجناح، واستعير للجانب. ومنها: إضافة الموصوف إلى الصفة في قوله: ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾ لأن المصدر، وهو ﴿الذُّلِّ﴾ بمعنى الذليل، وفي السمين، قوله: ﴿جَناحَ الذُّلِّ﴾ فيه استعارة بليغة، وذلك أنّ الطائر إذا أراد الطيران نشر جناحيه، فجعل خفض الجناح كناية عن التواضع، واللين اهـ ويصحّ كونها استعارة مكنية، بأن شبّه الذلّ بطائر، له جناحٌ، وحذف الطّائر ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الجناح على سبيل الاستعارة، المكنية. ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾ حيث شبه حال البخيل في امتناعه عن الإنفاق بحال من يده مغلولة إلى عنقه، فهو لا يقدر على التصرف في شيءٍ، وشبه حال المسرف المبذّر المتلاف بحال من يبسط يده كل البسط، فلا يبقي شيئًا في كفه، ولا يدّخر شيئًا ينفعه في الحاجة، ليخلص إلى نتيجة مجدية، وهي التوسط بين الأمرين، والاقتصاد الذي هو وسط بين الإسراف، والتقتير، وقد طابق في الاستعارة بين بسط اليد، وقبضها من حيث المعنى، لأنّ جعل اليد مغلولة هو قبضها، وغلها أبلغ في القبض. ومنها: اللّفّ والنّشر المرتب في قوله: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ لأن قوله: ﴿مَلُومًا﴾ راجع إلى البخل، وقوله: ﴿مَحْسُورًا﴾ راجع إلى الإسراف، أي: يلومك الناس إن بخلت وتصبح مقطوعًا إن أسرفت. ومنها: الطباق بين ﴿يَبْسُطُ﴾ و ﴿يَقْدِرُ﴾. ومنها: الإطناب في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا

стр. 6955

يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا﴾ فإن معنى هذه الآية جاء موجزًا في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾ لكن الأول إطناب، والثاني إيجاز، وكلاهما موصوف بالمساواة فالإطناب في اصطلاح البيانيين: هو زيادة اللفظ على المعنى، لفائدة، فإذا لم تكن في الزيادة فائدة، تسمى تطويلًا إن كانت الزيادة .. غير متعينة، وحشوًا إن كانت متعينةً. ومنها: الزيادة والحذف في عِدَّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 6956

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا (٥٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله ، لما نهى (١) عن إتلاف النفوس نهى عن أخذ الأموال كما قال ﷺ : «فَإنَّ دماءكم وأموالكم، وأعراضكم حرامٌ

стр. 6957

عليكم»، ولمّا كان اليتيم ضعيفًا عن أن يدفع عن ماله لصغره .. نص على النهي عن قربان ماله. قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ...﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أنه لما نهى عن إتلاف مال اليتيم .. أردفه (١) بالأمر بوفاء العهد، وهو العقد الذي يعمل لتوكيد الأمر وتثبيته، ثم بإيفاء الكيل والميزان لما في حسن التعامل بين الناس من توافر المودة، والمحبّة بينهم، وهذا ما يرمي إليه الدّين لإصلاح شؤون الفرد والمجتمع. قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما أمر (٢) بثلاثة أشياء .. أتبع ذلك بثلاثة مناه: ﴿وَلا تَقْفُ﴾ ﴿وَلا تَمْشِ﴾ ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ أي: أردف ذلك بالنّهي (٣) عن تتبع ما لا علم لك به من قول، أو فعل، فلا تتّبع ما يعمله الآباء اقتداء بهم من عبادة الأصنام تقليدا لهم، ولا تشهد على شيء لم تره، ولا تكذب فتقول في شيء لم تسمعه إنك قد سمعته، ولا في شيء لم تره إنّك قد رأيته، ثمّ بالنهي عن مشية الخيلاء، والمرح لما فيهما من الصلف الذي لا يرضاه الله تعالى، ولا الناس، ثمّ ختم ذلك ببيان أنّ تلك الأوامر، والنواهي من وحي الله وتبليغه، لا من عند نفسه، أمر بها، ونهى عنها لأنها أسس سعادة الدارين، وعليها تبنى العلاقات بين الأفراد والأمم على نظم صحيحة، لا تكون عرضة للاضطراب، وفقدان الثقة في معاملاتهم. قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما نبه (٤) على جهل من أثبتوا له شريكًا، واتخذوا له ندًا ونظيرًا .. أردف ذلك بالتنديد، والتقريع لمن أثبتوا له ولدا، وأنه قد بلغ من تحتهم أن جعلوا البنين لأنفسهم مع علمهم بعجزهم، ونقصهم، وأعطوا لله البنات، مع علمهم بأنّه الموصوف بالكمال،

стр. 6958

الذي لا نهاية له، والجلال الذي لا غاية له، ثمّ أتبعه ببيان أنه قد ضرب في القرآن الأمثال، ليتدبروا ويتأمّلوا فيها، ولكن ذلك ما زادهم إلا نفورًا عن الحق، وقلّة طمأنينة إليه، ثمّ أردفه ببيان أنه لو كانت هذه الأصنام كما تقولون من أنها تقربكم إلى الله زلفى .. لطلبت لأنفسها قربة إلى الله، وسبيلًا إليه، ولكنّها لم تفعل ذلك، وكيف تقرّبكم إليه، وكل ما في السموات والأرض يسبح بحمده، بدلالة أحواله على توحيده، وتقديسه، وكمال قدرته، ولكنكم لجهلكم وغفلتكم لا تدركون دلالة تلك الدلائل. قوله تعالى: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنه لما أنهى الكلام في مقام الألوهية، وجدالهم بالّتي هي أحسن، بضرب الأمثال لهم، وإقامة الحجة عليهم، وإيضاح السبيل لهم .. أردف هنا بالكلام في مقام النبوة، والنعي عليهم في عدم فهمهم للقرآن، والنفور منه، والهزء به، وضربهم الأمثال للنبي ﷺ ، وقولهم فيه تارةً إنه ساحرٌ، وأخرى إنه مجنون وحينًا إنه شاعر. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ...﴾ الآية، أخرج (٢) ابن المنذر عن ابن شهاب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا القرآن على مشركي قريشٍ، ودعاهم إلى الكتاب قالوا يهزؤون به: ﴿قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ فأنزل الله تعالى في قولهم ذلك: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ...﴾ الآيات. وروى ابن عباس ﵄ أنّ أبا سفيان، والنّضر بن الحارث، وأبا جهل وغيرهم، كانوا يجالسون النبيّ ﷺ ويستمعون إلى حديثه، فقال النضر يومًا: ما أدري ما يقول محمد غير أني أرى شفتيه تتحركان بشيء، وقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقا، وقال أبو جهل: هو مجنون، وقال أبو لهب: هو كاهن، وقال حويطب بن عبد العزى: هو شاعر فنزلت هذه الآية.

стр. 6959

التفسير وأوجه القراءة ٣٤ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ فضلًا عن أن تتصرّفوا فيه، والخطاب فيه لأولياء اليتيم ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: إلا بالخصلة، والطريقة التي هي أحسن الخصال، والطرائق، وهي حفظه واستثماره، وإرباحه ﴿حَتَّى﴾ غاية لجواز التصرف على الوجه الأحسن المدلول عليه بالاستثناء ﴿يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾؛ أي: قوّته؛ أي: خمس عشرة سنة، أو ثماني عشرة سنة، وهو مفرد جاء على وزن الجمع كآنك، ولا نظير لهما كما في «القاموس» والمراد (١) ببلوغ الأشد كمال عقله، ورشده، بحيث يمكنه القيام بمصالح ماله، وإلا لم ينفك عنه الحجر، والمعنى؛ أي: لا تقربوا مال اليتيم، ولا تتصرفوا فيه إلا بالطريق التي هي أحسن الطرق، وهي طريقة حفظه وتثميره، بما يزيد به حتى يبلغ اليتيم أشده، وتستحكم قوة عقله وشبابه، فإذا بلغ أشده، واستحكم عقله، كان لكم أن تدفعوه إليه، أو تتصرفوا فيه بإذنه؛ لأنه إذ ذاك يمكنه القيام على ماله بما فيه المصلحة، ولمّا نزلت هذه الآية اشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فكانوا لا يخالطون اليتامى في طعام، ولا في غيره، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فكانت لهم فيها رخصةٌ، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وبعد أن نهى عن الزنا والقتل، وأكل مال اليتيم .. أتبعها بثلاثة أوامر: فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، أي (٢): أتموا بالعهد سواء جرى بينكم وبين ربكم، أو بينكم وبين غيركم من الناس، أي وأوفوا بما عاهدتم الله عليه من التزام ما كلفكم به، وما عاهدتم الناس عليه من العقود التي تتعاملون بها في البيوع، والإجارة، ونحوها، قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد، ويدخل في ذلك ما بين العبد وربّه، وما بين العباد بعضهم مع بعض، والوفاء به: القيام بحفظه على الوجه الشرعيِّ، والقانون المرضيّ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾

стр. 6960

عنه، فيسئل النَّاكث، ويعاقب عليه يوم القيامة؛ أي: إنّ الله سائل ناقض العهد عن نقضه إيَّاه، فيقال للناكث على سبيل التبكيت والتوبيخ: لم نكثت عهدك، وهلا وفيت به؟ كما يقال لوائد الموءودة بأيّ ذنب قتلت؟ وقوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ﴾ والمخاطبة لعيسى والإنكار على غيره، أو مطلوبًا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به ٣٥ - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾. أي: أتمّوه، ولا تخسروه ﴿إِذا كِلْتُمْ﴾ لغيركم؛ أي (١): وقت كيلكم للمشترين، وتقييد الأمر بذلك، لأن التطفيف هناك، وأمّا وقت الاكتيال على النّاس، فلا حاجة إلى الأمر بالتّعديل قال تعالى: ﴿إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ فالخطاب فيه للبائعين، وأخذ من هذا بعضهم أنّ أجرة الكيال على البائع؛ لأنها من تمام التسليم، وكذلك عليه أجرة النقّاد للثمن، وهو كذلك كما هو مقرر في الفروع اهـ شيخنا. والمعنى: أي وأتموا الكيل للناس، ولا تخسروهم، إذا كلتم لهم حقوقهم من قبلكم، فإن كلتم لأنفسكم فلا جناح عليكم إن نقصتم عن حقكم، ولم تفوا الكيل ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾؛ أي: وزنوا بالميزان المعتدل بحيث لا يميل إلى أحد الجانبين، فيقع الجور، أو الحيف لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات، والبيع والشراء، ومن ثم بالغ الشارع في المنع من التطفيف، والنقصان سعيًا في إبقاء الأموال لأربابها، والقسطاس هو كل (٢) ما يوزن به صغيرًا كان أو كبيرًا، من ميزان الدّرهم إلى ما هو أكبر منه، وقيل هو القبان. وقرأ ابن كثير (٣)، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر ﴿القسطاس﴾ بضم القاف، وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بكسر القاف، وقرأت فرقة بالإبدال من السين الأولى صادًا. ﴿ذلِكَ﴾؛ أي: إيفاؤكم بالعهد، وإيفاؤكم من تكيلون له، ووزنكم بالعدل، لمن توفون له ﴿خَيْرٌ﴾ لكم في الدنيا من نكثكم وبخسكم في الكيل والوزن، لأن

стр. 6961

ذلك مما يرغّب الناس في معاملتكم، وحب الثناء عليكم ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾؛ أي: وأجمل عاقبة لما يترتّب على ذلك من الثواب في الآخرة، والخلاص من العقاب الأليم، وكثير من الفقراء الذين اشتهروا بالأمانة، والبعد عن الخيانة، أقبلت عليهم الدنيا، وحصل لهم الثروة والغنى وكان ذلك سبب سعادتهم في الدنيا، فقوله: ﴿تَأْوِيلًا﴾ تفعيل من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه أمره. ٣٦ - وبعد أن ذكر سبحانه أوامر ثلاثةً نهى عن مثلها فقال: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: ولا تتبع أيها المرء ما لا علم لك به ولا ظنّ من قول أو فعل، من قولك: قفوت فلانا إذا اتبعت أثره، ومنه قافية الشّعر؛ لأنها تقفو كل بيت، ومنه القبيلة المشهورة بالقافة؛ لأنهم يتّبعون آثار أقدام الناس؛ أي: لا تكن (١) في اتباع ما لا علم لك به من قول، أو فعل، كمن يتبع مسلكًا لا يدري أنه يوصله إلى مقصده، وذلك (٢) دستورٌ شامل لكثير من شؤون الحياة، ومن ثمّ قال المفسرون فيه أقوالا كثيرة: ١ - قال ابن عباس: لا تشهد إلّا بما رأت عيناك وسمعته أذناك، ووعاه قلبك. ٢ - قال قتادة: لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم. ٣ - وقيل: المراد النهي عن القول بلا علم، بل بالظن والتوهم كما قال: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وفي الحديث «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث». ٤ - وقيل: المراد نهي المشركين عن اعتقاداتهم تقليدًا لأسلافهم، واتّباعًا للهوى كما قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾.

стр. 6962

قال الشوكاني: وأقول (١): إنّ هذه الآية قد دلّت على عدم جواز العمل بما ليس بعلم، ولكنها عامة مخصصة بالأدلة الواردة بجواز العمل بالظن، كالعمل بالعام، وبخبر الواحد، والعمل بالشهادة، والاجتهاد في القبلة، وفي جزاء الصيد، ونحو ذلك، فلا تخرج من عمومها، ومن عموم ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ إلا ما قد قام دليلٌ على جواز العمل به فالعمل بالرأي في مسائل الشرع إن كان لعدم وجود دليل في الكتاب والسنة، فقد رخّص فيه النبي ﷺ كما في قوله ﵌ لمعاذ حين بعثه قاضيا إلى اليمن: «بم تقضي؟» قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد»، قال: فبسنة رسول الله قال: «فإن لم تجد»، قال: أجتهد رأيي. وهو حديث صالح للاحتجاج به. وأما التوثب على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة، ولكنه قصّر صاحب الرأي عن البحث، فجاء برأيه فهو داخل تحت هذا النهي دخولًا أوليًا؛ لأنه محض رأي في شرع الله، وبالناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه، وبسنة رسوله ﷺ ولم تدع إليه حاجة على أنّ الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل إنّما هو رخصة للمجتهد، يجوز له أن يعمل به، ولم يَدُلَّ دليل على أنه يجوز لغيره العمل به، وينزله منزلة مسائل الشرع. وقد قيل: إن هذه الآية خاصَّة بالعقائد، ولا دليل على ذلك أصلًا، ثم علّل سبحانه النهي عن العمل بما ليس بعلم بقوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ﴾؛ أي: كل واحد من هذه الأعضاء الثلاثة، فهو إشارة إلى الأعضاء المذكورة، فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولةً عن أحوالها شاهدة على أصحابها ﴿كانَ عَنْهُ﴾؛ أي: عن نفسه، وعما فعل به صاحبه ﴿مَسْؤُلًا﴾؛ أي: إنّ الله سبحانه سائل هذه الأعضاء عما فعل بها صاحبها يوم القيامة. ومعنى سؤال هذه الجوارح (٢): أنه يسأل صاحبها عما استعملها فيه؛ لأنها

стр. 6963

آلات، والمستعملُ لها هو الروح الإنساني، فإن استعملها في الخير .. استحق الثّواب، وإن استعملها في الشر .. استحقَّ العقاب، وقيل: إنّ الله سبحانه ينطق هذه الأعضاء عند سؤالها، فتخبر عمّا فعله صاحبها كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ وفي الخبر: عن شكل بن حميد قال: «أتيت النبي ﷺ فقلت: يا نبي الله علّمني تعويذًا أتعوّذ به، فأخذ بيدي ثمّ قال: قل: «أعوذ بك من شر سمعي، وشر بصري وشر بصري وشر قلبي، وشرٍّ منّي» يريد الزنا. قال علي السمرقندي: واعلم (١) أنّ المراد بالنهي: النهي عن اتباع كلّ ما فيه جهل مما يتعلق بالسمع، والبصر، والقلب، كأنه تعالى قال: لا تسمع كل ما لا يجوز سماعه، ولا تبصر كل ما لا يجوز إبصاره، ولا تعزم على كل ما لا يجوز لك العزم عليه؛ لأن كلّ واحد منها يسأله الله تعالى ويجازيه، ولم يذكر اللسان مع أنه من أعظمها؛ لأن السّمع يدل عليه، لأنه ما يكب الناس على مناخرهم في نار جهنّم إلّا حصائد ألسنتهم، وتلك الحصائد من قبل المسموعات اللازمة للسمع. انتهى وقرأ الجمهور (٢) ﴿وَلا تَقْفُ﴾ بحذف الواو، للجازم مضارع قفا كعدا، وقرأ زيد بن علي: ﴿ولا تقفو﴾ بإثبات الواو، كما قال الشاعر: هجوت زبان ثُمَّ جئت معتذرًا ... من هجو زبَّان كأن لم تهجو ولم تَدَعُ وإثبات الواو، والياء، والألف مع الجازم لغة لبعض العرب، وضرورة لغيرهم، وقرأ معاذ القارىء ﴿وَلَا نَقُفْ﴾ مثل تقل من قاف، يَقُوف، تقول العرب: قفت أثره، وقفوت أثره، وهما لغتان لوجود التصاريف فيهما، كجبذ وجذب، وقرأ الجراح العقيلي، ﴿والفواد﴾ بفتح الفاء والواو، وقلبت الهمزة واوًا بعد الضمة في الفؤاد، ثم استصحب القلب مع الفتح، وهي لغة في الفؤاد،

стр. 6964

وأنكرها أبو حاتم وغيره. ٣٧ - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ﴾ التقييد لزيادة التقرير ﴿مَرَحًا﴾؛ أي: ولا تمش - أيها الإنسان - متبخترًا متمايلًا كمشي الجبارين فتحتك الأرض التي لا تقدر على خرقها، بدوسك، وشدة وطئك لها، وفوقك الجبال التي لا تقدر على الوصول إليها، فأنت محوط بنوعين من الجماد أنت أضعف منهما، والضعيف المحصور لا يليق به التكبر، ولقد أحسن من قال: ولا تمش فوق الأَرض إلّا تواضعًا ... فكم تحتها قومٌ هم منك أرفعُ وإن كنت في عزٍّ وحرزٍ ومنعةٍ ... فكم مات من قومٍ هم منك أمنعُ والمرح (١): قيل: هو شدة الفرح، وقيل: التكبر في المشي، وقيل: تجاوز الإنسان قدره، وقيل: الخيلاء في المشي، وقيل: البطر، والأشر وقيل: النشاط، والظاهر: أنّ المراد به هنا الخيلاء والفخر، والمرح: مصدر وقع حالا، أي ذا مرح، وفي وضع المصدر موضع الصفة نوع تأكيد وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها، أو على ما هو معتمد عليها تأكيدا، وتقريرا كما ذكرنا آنفًا. وخلاصة ذلك (٢): تواضع ولا تتكبّر فإنك مخلوقٌ ضعيفٌ محصور بين حجارة وتراب، فلا تفعل فعل القوي المقتدر، ولا يخفى ما في الآية من التقريع، والتهكم، والزجر لمن اعتاد ذلك. وقرأ الجمهور: ﴿مَرَحًا﴾ بفتح الراء على المصدر، وحكى يعقوب عن جماعة كسرها على أنه اسم فاعل، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: ﴿إِنَّكَ﴾ أيها المرء ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾؛ أي: إنك لن تشق الأرض، ولن تثقبها بمشيك عليها، وشدة وطئك فيها تكبرا حتى تبلغ آخرها، وفيه تهكم بالمختال المتكبر. ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ﴾ التي هي بعض أجزاء الأرض ﴿طُولًا﴾؛ أي: في

стр. 6965

الطول حتى يمكنك أن تتكبَّر عليها؛ أي: لن يبلغ طولك الجبال حتّى يكون عظم جثّتك حاملًا لك على التكبر، فالتكبر إنما يكون بالقوة، وعظم الجثّة وكلاهما غير موجود لديك، فما الحامل لك على ما أنت فيه، وأنت أحقر من كل من الجمادين، وكيف يليق بك الكبر. فطولا منصوب على التمييز؛ أي: لن يبلغ طولك الجبال؛ أي: تطاولك، واستعلاؤك، وقال الزجاج: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾؛ أي: لن تجعل فيها خرقا بدوسك لها، وشدة وطئك عليها ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا﴾؛ أي: بتطاولك، وهو تهكم بالمختال وقرأ الجراح الأعرابي (١) ﴿لَنْ تَخْرِقَ﴾ بضم الراء قال أبو حاتم: لا تعرف هذه اللغة ٣٨ - ﴿كُلُّ ذلِكَ﴾ المذكور من الخصال الخمس والعشرين من قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ﴾ إلى هنا فهو نهي عن اعتقاد أن مع الله إلهًا آخر، وهو أولاها، والثانية والثالثة قوله: ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فهو أمر بعبادة الله ونهي عن عبادة غيره، والبواقي ظاهرة بعد الأوامر، والنواهي ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾؛ أي: السيىء القبيح منه، وهو المنهيات منها، وهو أربع عشرة خصلة، فإنّ المأمور به حسن وهو إحدى عشرة، ثلاث مستترة، وثمان ظاهرة كما في «بحر العلوم» ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿مَكْرُوهًا﴾ أي: مبغوضا، والمراد به المبغوض المقابل للمرضى لا ما يقابل المراد، ووصف ذلك بمتعلق الكراهة، مع أن البعض من الكبائر، للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده تعالى كافية في وجوب الانتهاء عن ذلك وتأكده. والمعنى (٢): كل ما ذكر من الخصال أثناء الأوامر والنواهي، وهي الخمس والعشرون السالفة، كان السيىء منه، وهو ما نهي عنه منها من الجعل مع الله إلهًا آخر، وعبادة غيره، والتأفف، والتبذير، وغل اليد، وقتل الأولاد خشية الإملاق مكروها عند ربك؛ أي: مبغوضًا عنده تعالى، وإن كان مرادًا له تعالى بالإرادة التكونية، كما قال ﷺ : «ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» وهذه الإرادة لا تستدعي الرضا منه سبحانه.

стр. 6966

تتمة: واعلم أنا نعد لك الخصال الخمس والعشرين التي وردت الإشارة إليها بقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذلِكَ ...﴾ على ترتيبها المذكور في الآيات، وهذا إحصاؤها بذلك الترتيب: ١ - ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ﴾. ٢ و٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ...﴾ إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين، وهما عبادة الله، والنهي عن عبادة غيره. ٤ - ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾. ٥ - ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾. ٦ - ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾ ٧ - ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾. ٨ - ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾. ٩ - ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما﴾. ١٠ - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾. ١١ - ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾. ١٢ - ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. ١٣ - ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾. ١٤ - ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾. ١٥ - ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾. ١٦ - ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾. ١٧ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾. ١٨ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾. ١٩ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾. ٢٠ - ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾. ٢١ - ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾. ٢٢ - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾. ٢٣ - ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ﴾. ٢٤ - ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. ٢٥ - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. وقرأ الحرميان (١) - نافع وابن كثير - وأبو عمرو، وأبو جعفر، والأعرج ﴿سيئة﴾ بالنصب والتأنيث، وقرأ باقي السبع، والحسن، ومسروق ﴿سَيِّئُهُ﴾ بضم الهمزة مضافًا فـ ﴿الهاء﴾ ضمير المذكر الغائب، وقرأ عبد الله ﴿سيئاته﴾ بالجمع مضافا للهاء، وعنه أيضًا ﴿سيئات﴾ بغير هاء، وعنه أيضًا ﴿كان خبيثه﴾. ٣٩ - ثم بيّن وجوب امتثال تلك الأوامر، وترك تلك النواهي، فقال: ﴿ذلِكَ﴾ المذكور في الآيات السابقة، أي: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الحميدة، ونهيناك عنه من الرذائل الذميمة التي جملتها خمس وعشرون خصلةً ﴿مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾؛ أي: بعض ما أوحى إليك ربك من فقه الدين، ومعرفة أسراره، حالة كونه: ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ التي هي معرفة الحق لذاته، والخير للعمل به اهـ. «بيضاوي» فالتوحيد من القسم الأول، وباقي التكاليف من القسم الثاني اهـ «زاده»

стр. 6967

أو حالة (١) كونه من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ، والفساد ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ أيها المكلف ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ ﴿إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى﴾؛ أي: ترمى ﴿فِي﴾ نار ﴿جَهَنَّمَ﴾ حالة كونك ﴿مَلُومًا﴾ عند نفسك وعند الناس وعند الملائكة ﴿مَدْحُورًا﴾؛ أي: مطرودًا مبعدًا من رحمة الله تعالى، ومن كل خير، كرر هذه (٢) الآية مع ما سلف للتنبيه على أن التوحيد رأس الدين، ورأس الحكمة، وهو مبتدأ الأمر، ومنتهاه، وقد رتب عليه أولًا آثار الشرك في الدنيا، فقال: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ورتّب عليه هنا نتيجته في العقبى فقال: ﴿فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ وقد علمت فيما تقدم لك أنّ مثل هذا الخطاب إما موجهٌ إلى الإنسان عامة، وإما إلى الرسول خاصةً، والمراد أمته، والكلام من وادي قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة. فائدة: والفرق (٣) بين المذموم والملوم، وبين المخذول والمدحور، أن المذموم معناه: من يذكر له أنّ الفعل الذي أقدم عليه قبيحٌ ومنكرٌ، وأنّ الملوم معناه من يقال له لم فعلت هذا الفعل القبيح، وما الذي حملك عليه، وهذا هو اللوم، وأنّ المخذول هو: الضعيف الذي لا ناصر له، والمدحور هو: المبعد المطرود عن كل خير، ٤٠ - ولمّا أمر بالتوحيد، ونهى عن إثبات الشريك لله، أتبعه بذكر فساد طريقة من أثبت الولد له تعالى، فقال: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، والخطاب (٤) فيه للقائلين بأن الملائكة بنات الله. وكان المشركون يستنكفون من البنات، فيختارون لأنفسهم الذكور، ومع ذلك ينسبون إليه تعالى الإناث، فأنكر الله ذلك منهم. و ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلةٌ على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفضّلكم ربكم على جنابه ونفسه أيها المشركون، فأصفاكم واختاركم، وخصّكم بالبنين، أفضل الأولاد ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا﴾؛ أي: واختار لنفسه من الملائكة إناثًا التي هي أخس الأولاد

стр. 6968

وأدناها - بحسب زعمكم -، وهذا خلاف الحكمة، وما عليه عقولكم، وعادتكم، فإنّ العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشَّوب والنَّقص ويكون أردأها وأدناها للسادات. وعبر عن البنات بالإناث إظهارًا لجهة خساستهن؛ لأنّ الأنوثة أخسُّ أوصاف الحيوان. والمعنى (١): أفْضَّلكم على جنابه، فخصَّكم ربّكم بالذكور من الأولاد، واتخذ من الملائكة إناثًا، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهنَّ، وتقتلونهن، فتجعلون له ما لا ترضون لأنفسكم. وخلاصة ذلك: أنّهم جعلوا الملائكة إناثًا، ثم ادعوا أنّهن بنات الله، ثمّ عبدوهن، فأخطؤوا في الأمور الثلاثة، خطأً عظيمًا، ومن ثمّ قال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿لَتَقُولُونَ﴾ بإضافة الولد إليه تعالى ﴿قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: قولا فظيعا لا يجترىء عليه أحد؛ حيث تجعلونه سبحانه من قبيل الأجسام المتجانسة السّريعة الزوال، ثمّ تضيفون إليه ما تكرهون من أخس الأولاد، وتفضّلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم تصفون الملائكة الذين هم من أشرف الخلق بالأنوثة التي هي أخس أوصاف الحيوان. ونحو الآية قوله تعالى ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾. ٤١ - ولما كان هذا الكلام غايةً في الوضوح والبيان، ولا يخفى فهمه على إنسان، ثمّ هم بعد ذلك، أعرضوا عنه نبّه إلى ذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد صرّفنا وبيّنا وكررنا في هذا القرآن الكريم الآيات والحجج، وضربنا لهم الأمثال وحذرناهم، وأنذرناهم ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ويتعظوا، فيقفوا على بطلان

стр. 6969

ما يقولون، فإنّ التكرار يقتضي الإذعان واطمئنان النفس، وهم مع ذلك لا يعتبرون، ولا يتذكرون بما يرد عليهم من الآيات والنذر، بل ﴿وَما يَزِيدُهُمْ﴾ التذكير ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ وفرارًا، وهربًا من الحق، وبعدًا منه وإعراضًا عنه. وقرأ الجمهور (١): ﴿صرّفنا﴾ بتشديد الراء، أي: لم نجعله نوعًا واحدًا، بل وعدًا، ووعيدًا، ومحكمًا، ومتشابهًا، وأمرًا، ونهيًا، وناسخًا، ومنسوخًا، وأخبارًا، وأمثالًا مثل تصريف الرياح وتقليبها من صبا، ودبور وجنوب، وشمال، ومفعول ﴿صَرَّفْنا﴾ على هذا المعنى محذوف، وهي هذه الأشياء أي: صرّفنا الأمثال، والعبر والحكم والأحكام والأعلام، وقرأ الحسن بتخفيف الراء. وقال صاحب «اللوامح»: هو بمعنى قراءة الجمهور. قال لأن فعل، وفعّل ربّما تعاقبا على معنى واحد، وقال ابن عطية على معنى صرفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقرأ الجمهور ﴿ليذَّكَّرُوا﴾ بتشديد الذال والكاف المفتوحتين، أو ﴿لِيَتَذَكَّروا﴾ من التذكر، فأدغمت التاء في الذال، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي، وطلحة، وابن وثاب، والأعمش، ﴿ليذْكُروا﴾ بسكون الذال وضم الكاف من الذكر، أو الذكر، أي ليتّعظوا، ويعتبروا. ٤٢ - ثم ردّ على هؤلاء الذين يشركون بربهم، ويتخذون الشفعاء والأنداد، وندّد عليهم، وسفّه أحلامهم فقال ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله إلها آخر لإظهار بطلان ما هم عليه من الشرك من جهة أخرى ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ ﴿آلِهَةٌ﴾ أخرى ﴿كَما يَقُولُونَ﴾؛ أي: كما يقول المشركون قاطبة، والكاف في محل النصب على أنّها صفة لمصدر محذوف، أي: كونًا مشابهًا بما يقولون، والمراد بالمشابهة الموافقة والمطابقة، وقرأ ابن كثير، وحفص ﴿يَقُولُونَ﴾ بالياء التحتية على الغيبة، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب للقائلين بأنّ مع الله آلهة أخرى ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء قال الزمخشري: ﴿إِذًا﴾ دالّة على أنّ ما بعدها، وهو ﴿لَابْتَغَوْا﴾ جواب لمقالة المشركين، وجزاء لـ ﴿لَوْ﴾ اهـ «سمين».

стр. 6970

﴿لَابْتَغَوْا﴾، أي: لابتغت تلك الآلهة، وطلبت ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ﴾، أي: إلى صاحب الملك والسرير، أي: إلى من له الملك والربوبية على الإطلاق ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا بالمغالبة والممانعة؛ أي: ليغالبوه، ويقهروه، ويدفعوا عن أنفسهم العيب والعجز كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض. يشير إلى أن الآلهة لا يخلو أمرهم: من أنّهم كانوا أكبر منه، أو كانوا أمثاله، أو كانوا أدنى منه، فإن كانوا أكبر منه طلبوا طريقًا إلى إزعاج صاحب العرش، ونزع الملك قهرا وغلبة، ليكون لهم الملك لا له كما هو المعتاد من الملوك ٤٣ - ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أي: تنزه (١) الله بذاته تنزّهًا حقيقيًا عما يقولون من أنّ معه آلهة أخرى ﴿وَتَعالى﴾ عطف على ما تضمنه المصدر، قبله، أي: تنزه وتعالى، أي: ترفّع بصفاته ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ من أنّ له بناتًا ﴿عُلُوًّا﴾ واقع موقع تعاليًا كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧)﴾؛ أي: إنباتًا ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: تعالى عما يقولون من الأقوال الشّنيعة، والفرية العظيمة، علوًّا كبيرًا؛ أي: تعاليًا لا غاية وراءه، كيف لا وإنه سبحانه في أقصى غايات الوجود، وهو الوجوب الذاتي، وما يقولون: من أن له تعالى شركاء وأولادًا في أبعد مراتب العدم، أعني الامتناع، ووصف (٢) العلوّ بالكبر مبالغةً في النزاهة، وتنبيها على أن بين الواجب لذاته، والممكن لذاته، وبين الغنيّ المطلق، والفقير المطلق، مباينةٌ لا تعقل الزيادة عليها، والمعنى: تنزيهًا لله، وعلوًا له عما يقولون أيّها القوم من الفرية والكذب، فهو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. قوله: ﴿كَما يَقُولُونَ﴾، وقوله: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ يقرأ (٣) بالياء التحتية فيهما، وبالتاء الفوقية فيهما، وبالياء التحتية في الأول، والتاء الفوقية في الثاني، فالقراءات الثلاثة كلها سبعية، وعلى الأخيرة يكون في الكلام التفات اهـ شيخنا.
следующие страницы →