تتمة: واعلم أنا نعد لك الخصال الخمس والعشرين التي وردت الإشارة إليها بقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذلِكَ ...﴾ على ترتيبها المذكور في الآيات، وهذا إحصاؤها بذلك الترتيب:
١ - ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ﴾. ٢
و٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ...﴾ إلى آخر الآية لاشتماله على تكليفين، وهما عبادة الله، والنهي عن عبادة غيره.
٤ - ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا﴾.
٥ - ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾.
٦ - ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾
٧ - ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
٨ - ﴿وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾.
٩ - ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما﴾.
١٠ - ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾.
١١ - ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾.
١٢ - ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
١٣ - ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.
١٤ - ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾.
١٥ - ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾.
١٦ - ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ﴾.
١٧ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾.
١٨ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾.
١٩ - ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾.
٢٠ - ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.
٢١ - ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾.
٢٢ - ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾.
٢٣ - ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ﴾.
٢٤ - ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
٢٥ - ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.
وقرأ الحرميان (١) - نافع وابن كثير - وأبو عمرو، وأبو جعفر، والأعرج ﴿سيئة﴾ بالنصب والتأنيث، وقرأ باقي السبع، والحسن، ومسروق ﴿سَيِّئُهُ﴾ بضم الهمزة مضافًا فـ ﴿الهاء﴾ ضمير المذكر الغائب، وقرأ عبد الله ﴿سيئاته﴾ بالجمع مضافا للهاء، وعنه أيضًا ﴿سيئات﴾ بغير هاء، وعنه أيضًا ﴿كان خبيثه﴾.
٣٩ - ثم بيّن وجوب امتثال تلك الأوامر، وترك تلك النواهي، فقال: ﴿ذلِكَ﴾ المذكور في الآيات السابقة، أي: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الحميدة، ونهيناك عنه من الرذائل الذميمة التي جملتها خمس وعشرون خصلةً ﴿مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾؛ أي: بعض ما أوحى إليك ربك من فقه الدين، ومعرفة أسراره، حالة كونه: ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ التي هي معرفة الحق لذاته، والخير للعمل به اهـ.
«بيضاوي» فالتوحيد من القسم الأول، وباقي التكاليف من القسم الثاني اهـ «زاده»
стр. 6967
أو حالة (١) كونه من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخ، والفساد ﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ أيها المكلف ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ ﴿إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى﴾؛ أي: ترمى ﴿فِي﴾ نار ﴿جَهَنَّمَ﴾ حالة كونك ﴿مَلُومًا﴾ عند نفسك وعند الناس وعند الملائكة ﴿مَدْحُورًا﴾؛ أي: مطرودًا مبعدًا من رحمة الله تعالى، ومن كل خير، كرر هذه (٢) الآية مع ما سلف للتنبيه على أن التوحيد رأس الدين، ورأس الحكمة، وهو مبتدأ الأمر، ومنتهاه، وقد رتب عليه أولًا آثار الشرك في الدنيا، فقال: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ورتّب عليه هنا نتيجته في العقبى فقال: ﴿فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ وقد علمت فيما تقدم لك أنّ مثل هذا الخطاب إما موجهٌ إلى الإنسان عامة، وإما إلى الرسول خاصةً، والمراد أمته، والكلام من وادي قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة.
فائدة: والفرق (٣) بين المذموم والملوم، وبين المخذول والمدحور، أن المذموم معناه: من يذكر له أنّ الفعل الذي أقدم عليه قبيحٌ ومنكرٌ، وأنّ الملوم معناه من يقال له لم فعلت هذا الفعل القبيح، وما الذي حملك عليه، وهذا هو اللوم، وأنّ المخذول هو: الضعيف الذي لا ناصر له، والمدحور هو: المبعد المطرود عن كل خير،
٤٠ - ولمّا أمر بالتوحيد، ونهى عن إثبات الشريك لله، أتبعه بذكر فساد طريقة من أثبت الولد له تعالى، فقال: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، والخطاب (٤) فيه للقائلين بأن الملائكة بنات الله. وكان المشركون يستنكفون من البنات، فيختارون لأنفسهم الذكور، ومع ذلك ينسبون إليه تعالى الإناث، فأنكر الله ذلك منهم.
و ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلةٌ على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفضّلكم ربكم على جنابه ونفسه أيها المشركون، فأصفاكم واختاركم، وخصّكم بالبنين، أفضل الأولاد ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا﴾؛ أي: واختار لنفسه من الملائكة إناثًا التي هي أخس الأولاد
стр. 6968
وأدناها - بحسب زعمكم -، وهذا خلاف الحكمة، وما عليه عقولكم، وعادتكم، فإنّ العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشَّوب والنَّقص ويكون أردأها وأدناها للسادات.
وعبر عن البنات بالإناث إظهارًا لجهة خساستهن؛ لأنّ الأنوثة أخسُّ أوصاف الحيوان.
والمعنى (١): أفْضَّلكم على جنابه، فخصَّكم ربّكم بالذكور من الأولاد، واتخذ من الملائكة إناثًا، وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهنَّ، وتقتلونهن، فتجعلون له ما لا ترضون لأنفسكم.
وخلاصة ذلك: أنّهم جعلوا الملائكة إناثًا، ثم ادعوا أنّهن بنات الله، ثمّ عبدوهن، فأخطؤوا في الأمور الثلاثة، خطأً عظيمًا، ومن ثمّ قال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿لَتَقُولُونَ﴾ بإضافة الولد إليه تعالى ﴿قَوْلًا عَظِيمًا﴾ أي: قولا فظيعا لا يجترىء عليه أحد؛ حيث تجعلونه سبحانه من قبيل الأجسام المتجانسة السّريعة الزوال، ثمّ تضيفون إليه ما تكرهون من أخس الأولاد، وتفضّلون عليه أنفسكم بالبنين، ثم تصفون الملائكة الذين هم من أشرف الخلق بالأنوثة التي هي أخس أوصاف الحيوان.
ونحو الآية قوله تعالى ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾.
٤١ - ولما كان هذا الكلام غايةً في الوضوح والبيان، ولا يخفى فهمه على إنسان، ثمّ هم بعد ذلك، أعرضوا عنه نبّه إلى ذلك فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد صرّفنا وبيّنا وكررنا في هذا القرآن الكريم الآيات والحجج، وضربنا لهم الأمثال وحذرناهم، وأنذرناهم ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ويتعظوا، فيقفوا على بطلان
стр. 6969
ما يقولون، فإنّ التكرار يقتضي الإذعان واطمئنان النفس، وهم مع ذلك لا يعتبرون، ولا يتذكرون بما يرد عليهم من الآيات والنذر، بل ﴿وَما يَزِيدُهُمْ﴾ التذكير ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ وفرارًا، وهربًا من الحق، وبعدًا منه وإعراضًا عنه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿صرّفنا﴾ بتشديد الراء، أي: لم نجعله نوعًا واحدًا، بل وعدًا، ووعيدًا، ومحكمًا، ومتشابهًا، وأمرًا، ونهيًا، وناسخًا، ومنسوخًا، وأخبارًا، وأمثالًا مثل تصريف الرياح وتقليبها من صبا، ودبور وجنوب، وشمال، ومفعول ﴿صَرَّفْنا﴾ على هذا المعنى محذوف، وهي هذه الأشياء أي: صرّفنا الأمثال، والعبر والحكم والأحكام والأعلام، وقرأ الحسن بتخفيف الراء. وقال صاحب «اللوامح»: هو بمعنى قراءة الجمهور. قال لأن فعل، وفعّل ربّما تعاقبا على معنى واحد، وقال ابن عطية على معنى صرفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقرأ الجمهور ﴿ليذَّكَّرُوا﴾ بتشديد الذال والكاف المفتوحتين، أو ﴿لِيَتَذَكَّروا﴾ من التذكر، فأدغمت التاء في الذال، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي، وطلحة، وابن وثاب، والأعمش، ﴿ليذْكُروا﴾ بسكون الذال وضم الكاف من الذكر، أو الذكر، أي ليتّعظوا، ويعتبروا.
٤٢ - ثم ردّ على هؤلاء الذين يشركون بربهم، ويتخذون الشفعاء والأنداد، وندّد عليهم، وسفّه أحلامهم فقال ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله إلها آخر لإظهار بطلان ما هم عليه من الشرك من جهة أخرى ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ﴾ ﴿آلِهَةٌ﴾ أخرى ﴿كَما يَقُولُونَ﴾؛ أي: كما يقول المشركون قاطبة، والكاف في محل النصب على أنّها صفة لمصدر محذوف، أي: كونًا مشابهًا بما يقولون، والمراد بالمشابهة الموافقة والمطابقة، وقرأ ابن كثير، وحفص ﴿يَقُولُونَ﴾ بالياء التحتية على الغيبة، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب للقائلين بأنّ مع الله آلهة أخرى ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء قال الزمخشري: ﴿إِذًا﴾ دالّة على أنّ ما بعدها، وهو ﴿لَابْتَغَوْا﴾ جواب لمقالة المشركين، وجزاء لـ ﴿لَوْ﴾ اهـ «سمين».
стр. 6970
﴿لَابْتَغَوْا﴾، أي: لابتغت تلك الآلهة، وطلبت ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ﴾، أي: إلى صاحب الملك والسرير، أي: إلى من له الملك والربوبية على الإطلاق ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا بالمغالبة والممانعة؛ أي: ليغالبوه، ويقهروه، ويدفعوا عن أنفسهم العيب والعجز كما هو ديدن الملوك بعضهم مع بعض.
يشير إلى أن الآلهة لا يخلو أمرهم: من أنّهم كانوا أكبر منه، أو كانوا أمثاله، أو كانوا أدنى منه، فإن كانوا أكبر منه طلبوا طريقًا إلى إزعاج صاحب العرش، ونزع الملك قهرا وغلبة، ليكون لهم الملك لا له كما هو المعتاد من الملوك
٤٣ - ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أي: تنزه (١) الله بذاته تنزّهًا حقيقيًا عما يقولون من أنّ معه آلهة أخرى ﴿وَتَعالى﴾ عطف على ما تضمنه المصدر، قبله، أي: تنزه وتعالى، أي: ترفّع بصفاته ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ من أنّ له بناتًا ﴿عُلُوًّا﴾ واقع موقع تعاليًا كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧)﴾؛ أي: إنباتًا ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: تعالى عما يقولون من الأقوال الشّنيعة، والفرية العظيمة، علوًّا كبيرًا؛ أي: تعاليًا لا غاية وراءه، كيف لا وإنه سبحانه في أقصى غايات الوجود، وهو الوجوب الذاتي، وما يقولون: من أن له تعالى شركاء وأولادًا في أبعد مراتب العدم، أعني الامتناع، ووصف (٢) العلوّ بالكبر مبالغةً في النزاهة، وتنبيها على أن بين الواجب لذاته، والممكن لذاته، وبين الغنيّ المطلق، والفقير المطلق، مباينةٌ لا تعقل الزيادة عليها، والمعنى: تنزيهًا لله، وعلوًا له عما يقولون أيّها القوم من الفرية والكذب، فهو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
قوله: ﴿كَما يَقُولُونَ﴾، وقوله: ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾ يقرأ (٣) بالياء التحتية فيهما، وبالتاء الفوقية فيهما، وبالياء التحتية في الأول، والتاء الفوقية في الثاني، فالقراءات الثلاثة كلها سبعية، وعلى الأخيرة يكون في الكلام التفات اهـ شيخنا.
стр. 6971
٤٤ - ثم بيّن سبحانه عظمة ملكه وكبير سلطانه فقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ﴾؛ أي: تنزه الله تعالى السموات السبع، والأرض عن كل نقص بدلالة أحوالها على توحيد الله تعالى، وقدرته، ولطيف حكمته، فكأنها تنطق بذلك، ويصير لها بمنزلة التسبيح النطقي، ﴿وَ﴾ يسبحه تعالى أيضًا ﴿مَنْ فِيهِنَّ﴾؛ أي: من في السموات والأرض من المخلوقات؛ أي: تنزهه عمّا يقول هؤلاء المشركون، وتعظمه، وتشهد له بالوحدانية، في ربوبيته، وألوهيته كما قال أبو نواس:
وفيْ كلّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنَّه واحدُ
والمكلف العاقلُ (١) يسبح ربه إما بالقول كقوله: «سبحان الله» وإما بدلالة أحواله على توحيده وتقديسه، وغير العاقل لا يسبّح إلا بالطريق الثاني، فهي تدل بحدوثها دلالة واضحة على وجوب وجوده تعالى، ووحدانيته، وقدرته وتنزهه عن الحدوث، فإنّ الأثر يدل على مؤثره.
ومعنى التسبيح (٢): تنزيه الحق، وتبعيدُه عن نقائص الإمكان، والحدوث، إمّا بلسان الحال، الدال على وجود الخالق، وقدرته وحكمته، كتسبيح السموات والأرض، وإما بلسان القال الناطق بما يسمع كتسبيح من فيهن من الملائكة، والجن والإنس، فالتسبيح مشترك بين اللفظ الدّال عليه، وبين مثل الحدوث والإمكان، الدّالّ على تنزيهه تعالى عن لوازم الإمكان وتوابع الحدوث.
وقرأ النحويان (٣): أبو عمرو والكسائي، وحمزة وحفص ﴿تُسَبِّحُ﴾ بالتاء من فوق، وباقي السبعة بالياء، وفي بعض المصاحف ﴿سبحت له السماوات﴾ بلفظ الماضي، وتاء التأنيث، وهي قراءة عبد الله، والأعمش، وطلحة بن مصرّف.
ثم أكّد ما سلف بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وما من شيء من المخلوقات ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ تعالى، أي: يدل بإمكانه وحدوثه دلالةً واحدةً على وجوب وجوده تعالى، ووحدته وقدرته، وتنزهه عن لوازم الحدوث.
стр. 6972
والمعنى (١): وما من شيء من الأشياء حيوانًا كان أو نباتًا، أو جمادًا إلا ينزهه تعالى متلبسًا بحمده بلسان الحال عما لا يليق بذاته تعالى من لوازم الإمكان.
والخلاصة: أن كل الأكوان بأسرها شاهدة بتنزهه تعالى عن مشاركته للمخلوقات في صفاتها المحدثة ﴿وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾، أيها المشركون، ولا تفهمون ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ ما عدا من يسبح بلغتكم، ولسانكم، والفقه (٢): عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه؛ أي: ولكن لا تفهمون أيّها المشركون تلك الدّلالة، لأنّكم لما جعلتم مع الله آلهةً، فكأنكم لم تنظروا، ولم تفكروا؛ إذ النّظر الصحيح، والتفكير الحق، يؤدي إلى غير ما أنتم عليه، فأنتم إذًا لم تفقهوا التسبيح، ولم تستوضحوا الدلالة على الخالق.
فإنّ الكفار (٣)، وإن كانوا مقرّين بألسنتهم بإثبات إله العالم، لم يتفكروا في أنواع الدلائل، ولم يعلموا كمال قدرته تعالى، فأستبعدوا كونه تعالى قادرًا على النشر، والحشر، فهم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد؛ لأنهم أثبتوا لله شركاء، وزوجًا وولدًا.
وقرىء ﴿لا يُفَقَّهونَ﴾ على صيغة المبني للمفعول مع فتح الفاء، وتشديد القاف ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كانَ حَلِيمًا﴾ على جهلكم، وإشراككم، فمن حلمه أن أمهلكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وسوء جهلكم بهذا التسبيح بإشراككم به سواه، وعبادتكم معه غيره، والحلم (٤): تأخير مكافأة الظالم بالنسبة إلى الخالق، والطمأنينة عند سورة الغضب بالنسبة إلى المخلوق ﴿غَفُورًا﴾ لمن تاب منكم ورجع إلى التوحيد، ومن مغفرته لكم أنّه لا يؤاخذ من تاب منكم.
أخرج أحمد وابن مردويه، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إنّ نوحًا عليه
стр. 6973
السلام، لما حضرته الوفاة، قال لابنيه: - آمركما بسبحان الله وبحمده؛ فإنّها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء -».
تنبيه: وهذا المعنى الذي ذكرناه من أنّ المراد من تسبيح كل شيء: الدَّلالة على الخالق ما عليه الزمخشري، والبيضاوي، وأبو السعود، ومن يليهم من أهل الظاهر، وهم الذين لهم عين واحدة، وسمع واحد، وقال الشيخ علي السمرقندي ﵀ في «بحر العلوم»: ذهب السلف الصالح، إلى أنّ التسبيح في الآية في المحلّين محمول على حقيقته، وهو الأصح، فإنه إن كان كلام الجماد مسلما، فينبغي أن يكون تسبيحه أيضًا مسلّما، قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف حجرا بمكة، كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» وعن ابن مسعود، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، على أنَّ شهادة الجوارح والجلود مما نطق به القرآن الكريم، وعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨)﴾. كان داود إذا سبح جاوبتهُ الجبالُ بالتسبيح، وقال مجاهد (١): كُلُّ الأشياء تسبح الله حيًّا كان أو جمادًا، وتسبيحها: سبحان الله وبحمده.
وعن المقداد بن معديكرب: إنَّ التُّراب يسبح ما لم يبتلَّ، والخريزة تسبح ما لم ترفع من موضعها، والورق ما دام على الشجر، والماءَ ما دام جاريًا، والثوب ما دام جديدًا، فإذا اتسخ ترك التسبيح، والوحش، والطير إذا صاحت، فإذا سكتت تركت التسبيح، وفي الحديث عن السدي: «ما اصطيد حوت في البحر، ولا طائر يطير إلا بما يضيّع من تسبيح الله» كما في تفسير «المدارك للنسفي».
٤٥ - ولما فرغ سبحانه من الإلهيات شرع في ذكر بعض من آيات القرآن، وما يقع من سامعيه فقال: ﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾؛ أي: وإذَا قرأت أيُّها الرسول القرآن على هؤلاء المشركين، الذين لا يصدقون بالبعث، ولا يقرُّون بالثواب، والعقاب، ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ﴾ يا محمد ﴿وَبَيْنَ﴾ هؤلاء المشركين ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا﴾
стр. 6974
يحجبهم من أن يدركوك على ما أنْتَ عليه من النبوة، ويفهموا قدرك الجليل، ولذلك اجترؤوا على أن يقولوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ويمنعوا قلوبهم عن أن تفهم ما تقرؤه عليهم، فينتفعوا به، عقوبة منّا لهم على كفرهم، وتدسيتهم لأنفسهم، واجتراحهم الجرائم، والمعاصي التي تظلم القلوب، وتضع عليها الأغشية، وتستر عنها فهم حقائق القرآن، ومراميه، وأسراره وأحكامه، وحكمه، ومواعظه، وعبره؛ أي: أنهم (١) لإعراضهم عن قراءتك، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجابٌ يمرون بك ولا يرونك، ذكر هذا المعنى الزجّاج وغيره. ومعنى ﴿مَسْتُورًا﴾؛ أي: ساترًا يسترك عنهم، قال الأخفش: أراد ساترًا، والفاعل قد يكون في لفظ المفعول، كما تقول إنك لمشؤومٌ وميمونٌ، وإنما هو شائم، ويامن وقيل: معنى مستورًا ذا ستر كقولهم: سيلٌ مفعمٌ؛ أي: ذو إفعام من أفعمت الإناء؛ أي: ملأته، وقيل: حجابًا لا تراه الأعين، فهو مستور عنها، وقيل: حجاب من دونه حجابٌ، فهو مستور بغيره، والمعنى حجابًا محجوبًا وقيل: المراد بالحجاب المستور الطّبع والختم.
٤٦ - ثمّ بين السّبب في عدم فهمهم لمدارك القرآن فقال: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: على قلوب هؤلاء المشركين ﴿أَكِنَّةً﴾؛ أي: أغطيةً، وموانع كثيرةً جمع كنان، وهو الغطاءُ ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: كراهية (٢) أن يفهموا القرآن على كنهه، ويعرفوا أنه من عند الله تعالى، فهو مفعول لأجله، ولكنه على حذف مضاف، هذا على رأي الكوفيين، أو لئلّا يفقهوا القرآن ويفهموا ما فيه من الأوامر، والنواهي، والحكم والمعاني، هذا على مذهب البصريين لقلة حذف ﴿لا﴾ بالنسبة إلى حذف المضاف، وهذا تمثيل (٣) لتجافي قلوبهم عن الحق، ونبوِّها عن قبوله، واعتقاده كأنها في غلف وأغطية، تحول بينها وبينه، وتمنع من نفوذه فيها.
﴿وَ﴾ جعلنا ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي صممًا، وثقلًا مانعًا عن سماعه اللائق به، وهذا تمثيل لمجّ أسماعهم للحقّ ونبوها عن الإصغاء إليه، كأنّ بها صممًا
стр. 6975
يمنع عن سماعه، ولَمَّا (١) كان القرآن معجزًا من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى حقّ فهمه، وإدراك اللفظ حقَّ إدراكه.
ومن قبائح المشركين: أنهم كانوا يحبّون أن يذكر محمَّدٌ ﷺ آلهتهم كما يذكر الله سبحانه، فإذا سمعوا ذكر الله دون ذكر آلهتهم نفروا عن المجلس، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ وأنت تتلوه حالة كونه ﴿وَحْدَهُ﴾ أي واحدا غير مشفوع به آلهتهم؛ أي: منفردا غير مقرون به آلهتهم؛ أي: إذا قلت: لا إله إلا الله، ولم تقل: واللات والعزّى، فهو (٢) مصدر وقع موقع الحال، أصله تحده وحده فحذف الفعل الذي هو الحال، وأقيم المصدر مقامه ﴿وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ﴾؛ أي: رجعوا على أعقابهم، وانفضّوا من حولك، وهربوا ونفروا ﴿نُفُورًا﴾ وهو مصدر كالقعود، أو جمع نافر؛ أي: أعرضوا ورجعوا على أعقابهم حالة كونهم نافرين استكبارًا واستعظامًا لأن يذكر الله وحده.
والحاصل: أنّ الكفّار (٣) عند استماع القرآن كانوا على حالتين، فإذا سمعوا من القرآن ما ليس فيه ذكر الله، بقوا متحيرين لا يفهمون منه شيئًا، وإذا سمعوا آيةً فيها ذكر الله تعالى وذمّ الشرك بالله تركوا ذلك المجلس، ولا يستطيعون سماع القرآن،
٤٧ - ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ﴾؛ أي: بالسبب والغرض الذي يستمعونك ﴿بِهِ﴾؛ أي: لأجله من الاستخفاف والهزء بك وبالقرآن، فالباء بمعنى اللام؛ أو للملابسة متعلّقةٌ بمحذوف حال من الواو، وفي يستمعون؛ أي: يستمعونك حالة كونهم ملابسين بذلك السبب، وهو الهزء المذكور ﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ ظرف لأعلم، وفائدته: تأكيد الوعيد بالإخبار بأنه كما يقع الاستماع المذكور منهم يتعلق به العلم، وكذا قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾؛ أي: ذوو نجوى؛ أي: أصحاب مناجاةٍ، ومحادثة بينهم ظرف لأعلم لكن (٤) لا من حيث تعلّقه بما به الاستماع، بل بما به التناجي المدلول عليه بسياق النظم، ونجوى مصدر أو جمع نجيّ؛ أي: نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك،
стр. 6976
مضمرون له، وهو الهزء والسخرية بك، وبالقرآن، وبقولهم حين هم متناجون، متحدّثون فيما بينهم من قول بعضهم: إنه مجنون، وبعضهم إنه كاهن، وقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ بدل من إذ هم نجوى، ووضع ﴿الظَّالِمُونَ﴾ موضع المضمر؛ للدلالة على أنّ هذا القول منهم ظلم، وتجاوز عن الحد، وفيه: دليل على أن من يتناجون به غير ما يستمعون به؛ أي: نحن أعلم إذ يقول الظالمون بعضهم لبعض عند تناجيهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ﴾؛ أي: ما تتبعون إن وجد منكم الاتباع فرضًا ﴿إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾؛ أي: إلا رجلًا سحر فجن، فمن ظلمهم وضعوا اسم المسحور موضع المبعوث.
والمعنى: أي نحن (١) أعلم بالغرض الذي يستمعون إليك لأجله، وهو الهزء، والسخرية، والتكذيب حين استماعهم، وأعلم بما يتناجون به، ويتسارون به، فبعضهم يقول: مجنونٌ، وبعضهم يقول: كاهن، وبعضهم يقول: ما اتبعتم إلّا رجلًا قد سحر فاختلط عليه عقله، وزال عن حد الاستواء، وهل من خير لكم في اتباع أمثاله المجانين
٤٨ - ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد؛ أي: تأمّل، وفكّر أيها الرسول ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ﴾؛ أي: كيف جعلوا لك الأشباه ومثّلوا لك الأمثال حيث شبهوك بالمسحور مثلًا، فقالوا: هو مسحور، وهو شاعر مجنون، ﴿فَضَلُّوا﴾ في كل ذلك عن سواء السبيل. ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى طريق الحق لضلالهم عنه، وبعدهم منه، والاستفهام فيه للتعجيب، فكأنّه قال: تعجب من ضربهم الأمثال لك، وفي هذا من الوعيد وتسلية الرسول ﷺ ما لا يخفى.
والمعنى: فضلّوا عن طريق الصواب في جميع ذلك القول، فلا يستطيعون سبيلًا وطريقًا موصلًا إلى الطعن الذي تقبله العقول، ويقع التصديق له، لا أصل الطعن، فقد فعلوا منه ما قدروا عليه، أو فضلّوا (٢) عن الحق، والرشاد، فلا يستطيعون سبيلًا إليه؛ لأنهم بالغوا في الضلالة والإنكار، وكانوا مستمعين بالهوى، فيستمعون الأساطير، والسحر، والشعر، ولو استمعوا كلام الله،
стр. 6977
وصفاته، ولانحراف مزاجهم، وحصول المرض في قلوبهم، كانوا يتنفّرون عند استماع ذكر الواحد الأحد، بالوحدانية، والحدة، ولا يجدون حلاوة التوحد، بل يجدون منه المرارة لسوء المزاج.
ومن هذا القبيل إكباب أهل الهوى في كل عصر على استماع الملاهي، والأخبار والأساطير، وقيل وقال، معرضين عن كلام الله الملك العليِّ الكبير، بل وأكثرهم لا يريد إلا المحادثة الدنيويَّة، والمذاكرة العرفيَّة والتعدي إلى أعراض الناس، والاتباع إلى ما يوسوس به الوسواس الخناس، والقدح في شأن أهل الحق الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، فيا مصيبةً ابتلي بها المسلمون عامّةً وخاصّةً من تتبع اليهود والنصارى، والمسابقة فيه، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
٤٩ - ولما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النُّبُوَّات حكى شبهتهم في أمر المعاد، فقال: ﴿وَقالُوا﴾؛ أي: وقال الذين لا يؤمنون بالآخرة من مشركي مكة، وغيرهم على سبيل الإنكار، والاستبعاد، وقد نسوا بداية خلقهم من تراب، بل إنهم خلقوا من لا شيء كقوله تعالى: ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾؛ أي: قالوا: ﴿أَإِذا كُنَّا﴾؛ أي: أنبعث ونعاد إذا كنّا ﴿عِظامًا﴾ في قبورنا، لم نتحطم ولم نتكسّر بعد مماتنا ﴿وَ﴾ كنّا ﴿رُفاتًا﴾؛ أي: عظاما متكسّرة مدقوقة مفتتة ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ بعد مصيرنا فيها، وقد بلينا فتكسّرت عظامنا، وتقطعت أوصالنا؛ أي: أئنا لمخلوقون ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾ كما كنا قبل الممات، نصب على المصدر من غير لفظه، أو على الحالية على أنّ الخلق بمعنى المخلوق.
وإذا في قوله (١): ﴿أَإِذا﴾ متمحضة للظرفية، وهو الأظهر، والعامل فيها: ما دل عليه مبعوثون لا نفسه، لأنّ ما بعد إن، والهمزة، واللام لا يعمل فيما قبلها، وهو نبعث، أو نعاد كما قدّرنا في الحلّ، وهو محل الاستفهام الإنكاري؛ أي: حياتنا بعد الموت محال منكرٌ لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم من التنافي،
стр. 6978
وتقييده بالوقت المذكور، ليس لتخصيصه به، فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت، وإن كان البدن على حاله، بل لتقوية الإنكار للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافية له.
ومثل الآية قوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) وقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾.
٥٠ - وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يجيبهم ويعرفهم قدرته على بعثه إيّاهم بعد مماتهم، وإنشائه لهم كما كانوا قبل بلاهم خلقًا جديدًا على أي حال كانوا، عظامًا أو رفاتًا أو حجارةً أو حديدًا أو خلقًا مما يكبر في صدورهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد جوابًا لهم ﴿كُونُوا﴾ أيها المشركون المنكرون للإعادة ﴿حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾
٥١ - ﴿أَوْ خَلْقًا﴾ آخر ﴿مِمَّا يَكْبُرُ﴾ ويعظم ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ أي: في قلوبكم من قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها، فإنكم مبعوثون، ومعادون لا محالة.
والمعنى (١): لو تكونون حجارة مع أنها لا تقبل الحياة بحالٍ أو حديدًا مع أنه أصلب من الحجارة، أو خلقًا آخر غيرهما كائنًا من الأشياء التي تعظم في اعتقادكم عن قبول الحياة، كالسموات والأرض، فلا بدّ من إيجاد الحياة فيكم، فإنّ قدرته تعالى لا تعجز عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض، فكيف إذا كنتم عظامًا ممزّقةً، وقد كانت طريّةً موصوفةً بالحياة من قبل، والشّيء أقبل لما اعتيد فيه مما لم يعتد ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ تماديا في الاستهزاء ﴿مَنْ﴾ الذي ﴿يُعِيدُنا﴾ ويبعثنا بعد الموت؛ أي: من الذي يقدر على إعادة الحياة إلينا، إذا صرنا كذلك؟ وقد نسوا مبدأهم فلزمهم نسيان معيدهم. ﴿قُلِ﴾ إرشادا لهم إلى طريقة الاستدلال يعيدكم الإله القادر العظيم ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ وأنشأكم واخترعكم ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ على غير مثال سبق، وكنتم ترابًا ما شمّ رائحة الحياة، فهو المبدىء
стр. 6979
والمعيد؛ أي: فالذي ابتدأ خلقكم أوّل مرة من غير مثال، يعيدكم إلى الحياة بالقدرة التي ابتدأكم بها، فكما لم تعجز تلك القدرة عن البداءة لا تعجز عن الإعادة ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يحركون جهتك ﴿رُؤُسَهُمْ﴾ تعجبًا وإنكارًا، وتكذيبًا لقولك، يقال: أنغض إذا حرك كالمتعجب، أي: يحركون رؤوسهم إلى فوق، وإلى أسفل هزءا وسخرية ﴿وَيَقُولُونَ﴾ استهزاء ﴿مَتى هُوَ﴾، أي: متى الإحياء والإعادة التي وعدتنا؟ فهو سؤال عن وقت البعث بعد تعيين الباعث ﴿قُلِ﴾ جوابًا لهم ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك البعث والإعادة؛ أي: حقّ ووجب كونه ﴿قَرِيبًا﴾ إذ كل ما هو آت قريب، أو لأنه مضى أكثر الزمان، وبقي أقله، وعسى في الأصل: للطمع، والإشفاق، وفي كلامه تعالى: للوجوب، يعني: أنه قرب وقته فقد قرب ما يكون فيه من الحساب والعقاب.
٥٢ - اذكروا ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ من الأجداث كما دعاكم من العدم إلى المحشر على لسان إسرافيل بالنداء الذي يسمعه جميع الخلائق، وهو النفخة الأخيرة، فإن (١) إسرافيل ينادي: أيتها الأجسام البالية، والعظام النخرة، والأجزاء المتفرقة، عودي كما كنت بقدرة الله تعالى وبإذنه.
﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ منها استجابة الأحياء، وتوافقون الداعي فيما دعاكم إليه حالة كونكم متلبسين ﴿بِحَمْدِهِ﴾ تعالى؛ أي: حامدين لله تعالى على قدرته على البعث، كما قال سعيد بن جبير: إنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، فيقدّسونه، ويحمدونه حين لا ينفعهم ذلك، وهذا مبالغة في انقيادهم للبعث. ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ عندما ترون الأهوال الهائلة ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أي: ما مكثتم في القبور، أو في الدنيا ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ كالذي مرّ على قرية؛ أي: تظنون عند البعث أنكم ما لبثتم في قبوركم إلا زمنًا قليلًا بالنسبة إلى لبثكم بعد الإحياء وذلك (٢) لأن الإنسان لو مكث في الدنيا وفي القبر ألوفًا من السنين عدّ ذلك قليلًا بنسبة مدة القيامة، والخلود في الآخرة، وقيل: إنهم يستحقرون مدّة الدنيا في جنب
стр. 6980
القيامة، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾ وقوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ قال الحسن: المراد تقريب وقت البعث، فكأنك بالدنيا، ولم تكن، وبالآخرة، ولم تزل.
الإعراب
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤)﴾.
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ﴾ فعل وفاعل، ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء، مفرغ من أعم الأحوال؛ أي لا تقربوه بحال من الأحوال إلا بالخصلة، أو الطريقة التي هي أحسن، وهي حفظه وصيانته، واستغلاله لمصلحة اليتيم ﴿بِالَّتِي﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَقْرَبُوا﴾ ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول ﴿حَتَّى﴾ حرف جر، وغاية ﴿يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْيَتِيمِ﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى بلوغه أشده الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَقْرَبُوا﴾، أو متعلق بما فهم من الاستثناء، من جواز قربانه، تقديره: فأقربوه (١) بالخصلة التي هي أحسن، إلى أن يبلغ أشده، فلا تقربوه بعد ذلك، لأن التّصرّف له حينئذ، ﴿وَأَوْفُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلا تَقْرَبُوا﴾. ﴿بِالْعَهْدِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوْفُوا﴾ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ﴾ ناصب واسمه ﴿كانَ مَسْؤُلًا﴾ فعل ناقص، وخبره واسمه ضمير مستتر فيه يعود على العهد، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 6981
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾.
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد من معنى الشرط متعلق بـ ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿كِلْتُمْ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿وَزِنُوا﴾ فعل وفاعل معطوفة على جملة ﴿أَوْفُوا﴾ ﴿بِالْقِسْطاسِ﴾ متعلق به ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ صفة لـ ﴿القسطاس﴾. ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿وَأَحْسَنُ﴾ معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾ ﴿تَأْوِيلًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦)﴾.
﴿وَلا﴾ ناهية جازمة ﴿تَقْفُ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلّة، وهو الواو لأنه من قفا يقفو من باب عَدَا وسمَا، وفاعله ضمير يعود على المخاطب. ﴿ما﴾ موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ ﴿لَيْسَ﴾ فعل ناقص ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾ ﴿عِلْمٌ﴾ اسم ليس مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، ﴿إِنَّ السَّمْعَ﴾ ناصب واسمه ﴿وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ﴾ معطوفان عليه ﴿كُلُّ أُولئِكَ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿كُلُّ﴾. ﴿عَنْهُ﴾ متعلق بما بعده ﴿مَسْؤُلًا﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧)﴾.
﴿وَلا تَمْشِ﴾ جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿تَمْشِ﴾ ﴿مَرَحًا﴾ حال من فاعل تمش، ولكنه على تقدير مضاف أي ذا مرح؛ أي: مارحًا ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب
стр. 6982
واسمه ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ﴾ ناصب، وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على المخاطب ﴿طُولًا﴾ تمييز محول عن الفاعل؛ أي: ولن يبلغ طولك الجبال، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾.
﴿كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾.
﴿كُلُّ ذلِكَ﴾ مبتدأ، ومضاف إليه ﴿كانَ سَيِّئُهُ﴾ فعل ناقص، واسمه ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق بما بعده ﴿مَكْرُوهًا﴾ خبر ﴿كانَ﴾، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ذلِكَ مبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿مِمَّا﴾ خبر ﴿أَوْحى﴾ فعل ماض ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به ﴿رَبُّكَ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها والعائد أو الرابط محذوف؛ تقديره: مما أوحاه إليك ربك، ﴿مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ جار ومجرور حال من العائد المحذوف، أو من نفس الموصول؛ أي: ذلك مما أوحاه إليك ربّك حالة كونه كائنًا من الحكمة التي هي معرفة الحق لذاته، والخير للعمل به.
﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾.
﴿وَلا تَجْعَلْ﴾ جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على المخاطب ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ ظرف، ومضاف إليه في محل المفعول الثاني لـ ﴿جعل﴾ ﴿إِلهًا﴾ مفعول أول ﴿آخَرَ﴾ صفة له، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾. ﴿فَتُلْقى﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة سببية. ﴿تلقى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة منصوب بأن مضمرة، وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، ونائب فاعله ضمير يعود على المخاطب ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ متعلق به، ﴿مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ حالان من نائب فاعل ﴿تلقى﴾، وجملة ﴿تلقى﴾ في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن جعلك مع الله إلهًا آخر، فإلقاؤك في جهنم ملومًا مدحورًا.
стр. 6983
﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
﴿أَفَأَصْفاكُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للإستفهام التوبيخي، المضمَّن للإنكار، داخلة على محذوف و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف ﴿أصفاكم﴾ ﴿رَبُّكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعل ﴿بِالْبَنِينَ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أخصكم ربكم بالبنين فأصفاكم بهم، واتخذ من الملائكة إناثا، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿وَاتَّخَذَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿اتَّخَذَ﴾ فعل ماض متعدّ لمفعولين ﴿مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني ﴿إِناثًا﴾ مفعول أول له، والجملة معطوفة على جملة ﴿أصفاكم﴾ ويجوز أن تكون حالًا ﴿من ربكم﴾ على تقدير قد و ﴿الواو﴾ حينئذ واو الحال ﴿إِنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿لَتَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل، و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء ﴿قَوْلًا﴾ مفعول مطلق ﴿عَظِيمًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿صَرَّفْنا﴾ فعل وفاعل ﴿فِي هذَا﴾ متعلق به، ﴿الْقُرْآنِ﴾ بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان منه، والجملة الفعلية جواب القسم، لا مَحَلَّ لها من الإعراب ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر، وتعليل ﴿يذكروا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام التعليل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره: لتذكرهم الجار والمجرور متعلق بـ ﴿صَرَّفْنا﴾ ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿ما﴾ نافية ﴿يَزِيدُهُمْ﴾ فعل ومفعول أول وفاعله ضمير يعود على القرآن ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿نُفُورًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿يزيد﴾، والجملة الفعلية في محل النصب حال من القرآن.
﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿لَوْ كانَ
стр. 6984
مَعَهُ آلِهَةٌ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿مَعَهُ﴾ ظرف، ومضاف إليه، خبر ﴿كانَ﴾ ﴿آلِهَةٌ﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿كانَ﴾ فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، ﴿كَما﴾ ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾ موصولة في محل الجر بـ ﴿الكاف﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل صلة ﴿ما﴾ الموصولة، الجار والمجرور، صفة لمصدر محذوف تقديره: قل لو كان معه آلهة كونًا مشابهًا لما يقولون ﴿إِذًا﴾ حرف جواب وجزاء، دالّة على أنّ ما بعدها جواب لمقالة المشركين، وجزاءً لفعل شرط ﴿لَوْ﴾ مهملة لا عمل لها ﴿لَابْتَغَوْا﴾ ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿ابتغوا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلى ذِي الْعَرْشِ﴾ متعلق بـ ﴿أبتغوا﴾ أو حال من ﴿سَبِيلًا﴾. ﴿سَبِيلًا﴾ مفعول ﴿ابتغوا﴾ وجملة ﴿ابتغوا﴾ جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿سُبْحانَهُ﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبحه سبحانًا، والجملة مستأنفة، أو في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿وَتَعالى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿سُبْحانَهُ﴾ ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَعالى﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾، والعائد محذوف تقديره: عما يقولونه ﴿عُلُوًّا﴾ مفعول مطلق لـ ﴿تَعالى﴾ لأنه مصدر واقعٌ موقع التعالي ﴿كَبِيرًا﴾ صفة له.
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.
﴿تُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع ﴿لَهُ﴾ متعلق به ﴿السَّماواتُ﴾ فاعل ﴿السَّبْعُ﴾ صفة لـ ﴿السَّماواتُ﴾ ﴿وَالْأَرْضُ﴾ معطوف على ﴿السَّماواتُ﴾ ﴿وَمَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع معطوف على ﴿السَّماواتُ﴾ ﴿فِيهِنَّ﴾ جار ومجرور صلة من الموصولة، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو مستأنفة ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿مَنْ﴾ زائدة ﴿شَيْءٍ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة، تقدم النفي عليه، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿يُسَبِّحُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿شَيْءٍ﴾ ﴿بِحَمْدِهِ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾، أي: حالة كونه ملتبسًا بحمده، والجملة الفعلية
стр. 6985
في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ﴾ عطف اسمية على فعلية، أو مستأنفة ﴿وَلكِنْ﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿لكِنْ﴾ حرف استدراك مهمل ﴿لا﴾ نافية ﴿تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾. ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾ ناصب واسمه وخبره الأول ﴿غَفُورًا﴾ خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة.
﴿وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالشرط، أو بالجواب أو هما ﴿جَعَلْنا﴾ فعل وفاعل ﴿بَيْنَكَ﴾ ظرف، ومضاف إليه في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ﴾ ظرف، ومضاف إليه معطوف على الظرف الأول ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ متعلق به ﴿حِجابًا﴾ مفعول أول لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿مَسْتُورًا﴾ صفة ﴿حِجابًا﴾، وجملة ﴿جَعَلْنا﴾ جواب ﴿إِذا﴾ لا محلَّ لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة.
﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾.
﴿وَجَعَلْنا﴾ فعل وفاعل معطوف على قوله ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ﴾ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿أَكِنَّةً﴾ مفعول أول له، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر إليه، تقديره: كراهية فقههم إياه أو مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: من فقههم إياه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَكِنَّةً﴾ ﴿وَفِي آذانِهِمْ﴾ جار ومجرور معطوف على قوله: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿وَقْرًا﴾ معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ على كونه مفعولًا أولًا لـ ﴿جَعَلْنا﴾.
﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾.
стр. 6986
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ متعلق بـ ﴿ذَكَرْتَ﴾ ﴿وَحْدَهُ﴾ حال من ربك لأنه في تأويل النكرة، أي منفردًا، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب، ﴿وَلَّوْا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلى أَدْبارِهِمْ﴾ متعلق به، أو حال من فاعل، ﴿وَلَّوْا نُفُورًا﴾ مفعول مطلق معنوي، لـ ﴿وَلَّوْا﴾، أو حال من فاعل ﴿وَلَّوْا﴾ أي: نافرين على أنه جمع نافر، وجملة ﴿وَلَّوْا﴾ جواب إذا لا محلّ لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ مستأنفة.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾.
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ، وخبر، والجملة مستأنفة ﴿بِما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول بِهِ متعلق به، و ﴿الباء﴾ سببية، والمعنى: ما يستمعون بسببه، أو لأجله، وهو الهزء بك، وبالقرآن، ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿وَإِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان معطوف على ﴿إِذْ﴾ الأولى على كونه متعلقًا بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، ﴿هُمْ نَجْوى﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوى﴾ بدل كل من كل، ﴿يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿تَتَّبِعُونَ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر ﴿رَجُلًا﴾ مفعول به ﴿مَسْحُورًا﴾ صفة لـ ﴿رَجُلًا﴾.
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨) وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾.
﴿انْظُرْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام للاستفهام التعجبي، في محل النصب على الحال، والعامل فيه ﴿ضَرَبُوا﴾، وهي معلقة لـ ﴿انْظُرْ﴾ للعمل في لفظ ما بعدها، ﴿ضَرَبُوا﴾ فعل وفاعل ﴿لَكَ﴾ متعلق به ﴿الْأَمْثالَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿ضَرَبُوا﴾ في محل النصب
стр. 6987
سادّة مسد مفعول ﴿انْظُرْ﴾. فَضَلُّوا ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿ضلوا﴾ فعل، وفاعل معطوف على ﴿ضَرَبُوا﴾ ﴿فَلا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿ضلوا﴾ لأن العاطف مرتب، ﴿وَقالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على ﴿ضَرَبُوا﴾ ﴿أَإِذا كُنَّا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَإِذا﴾ ﴿الهمزة﴾ للإستفهام الإنكاري الابتعادي، لاستبعاد ما يتساءلون عنه، إِذا ظرف لما يستقبل من الزمان مجرد عن معنى الشرط، متعلق بمحذوف دلّ عليه ﴿مبعوثون﴾ ﴿كُنَّا عِظامًا﴾ فعل ناقص، واسمه وخبره، ﴿وَرُفاتًا﴾ معطوف على ﴿عِظامًا﴾ والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذا﴾ والتقدير: أنبعث وقت كوننا عظامًا ورفاتًا، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قالُوا﴾، ولا يجوز أن يتعلّق إِذا بـ ﴿مبعوثون﴾ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها، وكذا ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله، وقد اجتمعا هنا، ويجوز أن تكون ﴿إِذا﴾ شرطية، والجواب حينئذ الفعل الذي تعلقت به ﴿إذا﴾ ﴿أَإِنَّا﴾ الهمزة للاستفهام، الإنكاري الاستبعادي، ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ خبره، واللام حرف ابتداء ﴿خَلْقًا﴾ حال من الضمير المستكن في ﴿مبعوثون﴾ ﴿جَدِيدًا﴾ صفته ولكنه على تأويله بالمشتق؛ أي: مخلوقين، أو مفعول مطلق من معنى الفعل، لا من لفظه أي: نبعث بعثًا جديدًا.
﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿كُونُوا حِجارَةً﴾ إلى قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿كُونُوا حِجارَةً﴾ فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿أَوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أَوْ خَلْقًا﴾ معطوفان على ﴿حِجارَةً﴾، وجملة ﴿كُونُوا﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة ﴿خَلْقًا﴾. ﴿يَكْبُرُ﴾ فعل مضارع ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة ﴿لما﴾ أو صفة لها، ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، و ﴿السين﴾
стр. 6988
حرف استقبال، ﴿يقولون﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قُلْ﴾ ﴿مَنْ يُعِيدُنا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿يُعِيدُنا﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿يقولون﴾.
﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.
﴿قُلِ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، خبره محذوف تقديره: الذي فطركم أول مرة يعيدكم، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو الذي فطركم أوّل مرة، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾. ﴿فَطَرَكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظرف متعلق به، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة، و ﴿السين﴾ حرف استقبال ﴿ينغضون﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به ﴿رُؤُسَهُمْ﴾ مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿قُلِ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾. ﴿مَتى﴾ اسم استفهام في محل النصب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ مؤخر، تقديره: كائن ﴿مَتى هُوَ﴾ أي البعث، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ (يقولون). ﴿قُلِ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿عَسى﴾ فعل ماض من أفعال الرجاء، ترفع الاسم، وتنصب الخبر، واسمها ضمير مستتر فيه، تقديره: هو يعود على البعث ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ﴿يَكُونَ﴾ فعل مضارع ناقص منصوب بأن، واسمها ضمير يعود على البعث ﴿قَرِيبًا﴾ خبر ﴿يَكُونَ﴾، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عَسى﴾ تقديره: عسى كونه ﴿قَرِيبًا﴾، ولكنه في تأويل اسم الفاعل ليصح الإخبار؛ أي: عسى كائنا قريبا، ويصح كون عسى تامة، والتقدير: عسى كونه قريبا، و ﴿عَسى﴾ هنا للتحقق كما مرّ.
стр. 6989
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾.
﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية، والظرف متعلق بمحذوف تقديره: اذكروا: يوم يدعوكم كما ذكره أبو البقاء وأبو السعود، أو متعلق بـ ﴿يَكُونَ﴾ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿تستجيبون﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يَدْعُوكُمْ﴾. ﴿بِحَمْدِهِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الواو﴾ في ﴿تستجيبون﴾، أي: فتجيبون حال كونكم حامدين لله على كمال قدرته، ﴿وَتَظُنُّونَ﴾ ﴿الواو﴾ حالية ﴿تَظُنُّونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تستجيبون﴾؛ أي: حالة كونكم ظانّين ﴿إِنْ﴾ ﴿إِنْ﴾ نافية معلقة للظن عن العمل فيما بعدها، وقلّ من ذكر ﴿إِنْ﴾ النافية في أدوات تعليق هذا الباب، ذكره في «الفتوحات» ﴿لَبِثْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾ لأنه صفة لزمان محذوف أي إلّا زمانا قليلا أو منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف أي لبثًا قليلًا، وجملة ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في محل النصب سادة مسد مفعولي الظن.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ وفي الكرخي: والمراد بالأشد هاهنا بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده؛ القيام بمصالح ماله، فحينئذ تزول ولاية غيره عنه، فإن بلغ غير كامل العقل لم تزل الولاية عنه اهـ والأشدّ: مفرد بمعنى القوة، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: جمع شدة بكسر الشين، وقيل: جمع شد كذلك، وقيل: جمع شد بفتحها، وعلى كلّ، فالمراد به القوة؛ أي: حتى يبلغ قوته، والمراد بها هنا بلوغه عاقلًا رشيدًا، وإن كان الأشد في الأصل عبارة عن بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، اهـ شيخنا.
﴿بِالْقِسْطاسِ﴾ هو روميٌّ عُرِّبَ، ولا يقدح ذلك في عربية القرآن؛ لأن العجميَّ إذا استعملته العرب، وأجرته مجرى كلامهم في الإعراب، والتعريف،
стр. 6990
والتنكير، ونحوها .. صار عربيّا، والقسطاس بضم القاف وكسرها، القرسطون؛ أي: القبان، وقيل: كل ميزان صغر، أو كبر، و ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾ العدل ﴿تَأْوِيلًا﴾ والتأويل: ما يؤول إليه الشيء، وهو عاقبته. ومآله ﴿مَرَحًا﴾ والمرح: الفخر، والكبر، وفي «المصباح» مرح مرحًا، فهو مرح مثل فرح فرحًا وزنًا ومعنًى، وقيل: المرح أشد الفرح اهـ.
﴿وَلا تَقْفُ﴾؛ أي: ولا تتبع، يقال: قفا أثره من بابي عدا، وسما هو مأخوذ من القفا، كأنه يقفو الأمور يتّبعها ويتعرّفها، ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ﴾ أي أخصّكم وخلّصكم، والإصفاء جعل الشيء خالصًا له، والتصفية في الأصل: معناها التّخليص، ولكنه هنا ضمّن معنى خصّكم لأجل تعلق البنين به، وفي «الأساس» - يعني أساس البلاغة - ومن المجاز: أصفيته المودة، وأصفيته بالبر آثرته، واختصصته. ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، وأصفى عياله بشيء يسير، أرضاهم به، وألفه منقلبه عن واو؛ لأنه من صفا يصفو ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾؛ أي: بيّنا وأوضحنا، ولها معان كثيرة بالتشديد، يقال صرفه بمعنى صرفه مع مبالغة، وصرف الشيء باعه، وصرف الدّراهم بدّلها، وصرف الخمر شربها صرفًا؛ أي: غير ممزوجة، وصرف الكلام اشتق بعضه من بعض، وصرفه في الأمر فوض الأمر إليه، وصرف الماء أجراه، وصرّف الله الرّياح: أجراها من وجه إلى وجه.
﴿وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾: ﴿وَحْدَهُ﴾: اعلم: أنّ ﴿وَحْدَهُ﴾ لم يُستعمل إلا منصوبًا، إلا ما ورد شاذًا، قالوا: هو نسيجٌ وحده، وعيير وحده، وجحيشٌ وحده.
فأما نسيج وحده، فهو مدح، وأصله أنّ الثّوب إذا كان رفيعًا، فلا ينسج على منواله غيره، فكأنّه قال: نسيج أفراده، يقال هذا للرجل: إذا أفرد بالفضل، وأما عيير وحده، وجحيش وحده فهو تصغير عير، وهو الحمار: يقال للوحش والأهلي، وجحيش وحده، وهو ولد الحمار، فهو ذمٌّ يقال للرجل المعجب برأيه لا يخالط أحدًا في رأي ولا يدخل في معونة أحد، ومعناه ينفرد بخدمة نفسه،
стр. 6991
وأما قولك جاء وحده: فوحده حال من فاعل جاء المستتر فيه، وهو معرفة بالإضافة إلى الضمير، فيؤوّل بنكرة من لفظه، أو من معناه؛ أي: متوحدًا، أو منفردًا، وتقول: مررت به وحده، ومررت بهم وحدهم، فوحده مصدر في موضع الحال، كأنه في معنى إيحاد جاء على حذف الزوائد، كأنك قلت أوحدته بمروري إيحادا، أو إيحاد في معنى موحد؛ أي: منفرد فإذا قلت مررت به، وحده فكأنّك قلت: مررت به منفردًا، ويحتمل عند سيبويه أن يكون للفاعل والمفعول.
﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ الحجاب والحجب: المنع من الوصول إلى الشيء، والمراد الحاجب والمستور، أي: الساتر كما جاء عكسه من نحو ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾، أي: مدفوق فاسم المفعول بمعنى اسم الفاعل ﴿أَكِنَّةً﴾ والأكنة الأغطية واحدها كنان ﴿وَقْرًا﴾ والوقر الصّمم، والثّقل في الآذان المانع من السماع، ﴿نُفُورًا﴾ مفعول مطلق لـ ﴿وَلَّوْا﴾ لتفاوت معناهما، لأن النفور الإدبار مع الانزعاج، ويجوز أن يكون جمع نافر كقاعد، وقعود وشاهد وشهود، اهـ من «الشهاب» و «البيضاوي» ﴿مَسْحُورًا﴾؛ أي: مخبول العقل فهو كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ﴿فَضَلُّوا﴾؛ أي: جاروا عن قصد السبيل ﴿رُفاتًا﴾ والرّفات ما تكسّر وبلي من كل شيء، وما بولغ في دقّه، وتفتيته، وهو اسم مفرد لأجزاء ذلك الشيء المفتت، وقال الفرّاء: هو التراب، يؤيده أنه تكرر في القرآن ترابا وعظاما، والرّفات والحطام بمعنى، ويقال: رفت الشيء يرفته بالكسر من باب: ضرب؛ أي: كسره، والفعال يغلب في التفريق، كالحطام والرقاق والفتات، وفي «القاموس» «وتاج العروس»: رفته يرفته بالضم، ويرفته بالكسر إذا كسره ودقه وانكسر واندق وانقطع لازم ومتعد.
﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾؛ أي: يحركون رؤوسهم، في «المختار»: نَغَضَ رأسه من باب نصر، وجلس؛ أي: تحرك وأنغض رأسه حركه كالمتعجب من الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ﴾ ونغض فلان رأسه؛ أي: حركه يتعدى ويلزم اهـ وفي «اللسان يقال: أنغض رأسه ينغضها؛ أي: حركها إلى فوق، وإلى أسفل إنغاضًا فهو منغض، وأمّا نغض ثلاثيًا ينغض بالفتح، وينغض بالضم، فبمعنى
стр. 6992
تحرك لا يتعدَّى يقال: نغضت سنه إذا تحرّكت تنغض نغضًا اهـ. ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾؛ أي: تجيبون الداعي.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا﴾ إذا جعلنا ضمير مسؤولًا راجعًا إلى العهد، وينسب إليه السؤال على طريق الاستعارة بالكناية، بأن يشبه العهد بمن نكث عهده، ونسبة السؤال إليه تخييل.
ومنها: الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾، ولو جرى على ما تقدم لقيل: كنت عنه مسؤولًا.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾، وقوله: ﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ﴾ للتنبيه على أنّ التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه، وعلى أنّه رأس الحكمة وملاكها.
ومنها: الفرض والتقدير في قوله: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾.
ومنها: التنكيت في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ والتنكيتُ، هو قصدُ المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره ممّا يسد مسدّه لنكتة في المذكور، ترجح مجيئه على سواه، فقد خص سبحانه ﴿تَفْقَهُونَ﴾ دون تعلمون لما في الفقه من الزيادة على العلم؛ لأنه التصرف في المعلوم بعد علمه، واستنباط الأحكام منه، والمراد الذي يقتضيه معنى الكلام التفقه في معرفة التسبيح من الحيوان البهيم، والنبات، والجماد، وكلَّ ما يدخل تحت لفظة شيء مما لا
стр. 6993
يعقل، ولا ينطق، إذ تسبيح ذلك بمجرد وجوده الدالّ على قدرة موجده وحكمته.
ومنها: الاستفهام الإنكاريّ في قوله: ﴿أَإِذا كُنَّا عِظامًا﴾ وتكرير ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لتأكيد الإنكار، وكذلك تأكيده بـ ﴿إن﴾ و ﴿اللام﴾ للإشارة إلى قوّة الإنكار.
ومنها: التعجيز والإهانة في الأمر في قوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾.
ومنها: التخيير في هاتين الآيتين، وهو أن يؤتى بقطعةٍ من الكلام، وقد عطف بعضها على بعض بأداة التخيير.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ تسجيلًا عليهم بصفة الظلم؛ إذ مقتضى السياق أن يقال: إذ يقولون ... الخ.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
عن كتاب الله، إذا سمعوه، وإيذاء الرسول ﷺ ونسبته إلى أنه مسحور، وإنكار البعث، كان ذلك مدعاة لإيذاء المؤمنين، ومجلبة لبغض المؤمنين إياهم، ومعاملتهم بما عاملوهم ... فأمر الله تعالى نبيّه أن يوصي المؤمنين بالرفق بالكفار، واللطف بهم في القول، وأن لا يعاملوهم بمثل أفعالهم وأقوالهم، فعلى هذا يكون المعنى: قل لعبادي المؤمنين يقولوا للمشركين الكلم التي هي أحسن، وقيل: المعنى: يقولوا؛ أي: يقول بعض المؤمنين لبعض الكلم التي هي أحسن؛ أي: يعظّم بعضهم بعضًا.
وعبارة المراغي (١) هنا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنّ الله لما أقام الحجج على إبطال الشرك فقال: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآية، وذكر الأدلة على صحّة البعث، والجزاء .. فقال: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ....﴾.
أمر رسوله ﷺ أن يأمر عباده المؤمنين بأن يحاجوا مُخَالفيهم، ويجادلوهم باللين، ولا يغلّظوا لهم في القول، ولا يشتموهم، فإنّ الكلمة الطّيّبة تجذب النفوس، وتميل بها إلى الاقتناع، كما يعلم ذلك الذين تولوا النصح والإرشاد من الوعاظ، والساسة، والزعماء في كل أمة، ثمّ ذكر من الكلمة الطيبة أن يقول لهم: ربكم العليم بكم إن شاء عذبكم، وإن شاء رحمكم، ولا يصرح بأنهم من أهل النار؛ فإنّ ذلك مما يهيّج الشرّ، مع أن الخاتمة مجهولة لا يعلمها إلا الله سبحانه، ثم بيّن لرسوله أنه لا يقسر الناس على الإسلام، فما عليه إلا البلاغ، والإنذار، والله هو العليم بمن في السموات والأرض، فيختار لنبوته من يشاء، ممن يراه أهلًا لذلك، وأولئك الأنبياء ليسوا سواءً في مراتب الفضل والكمال، وأفضلهم محمد ﷺ وأمته.
قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنها (٢) عود على بدء في تسفيه آراء المشركين الذين كانوا يعبدون الملائكة، والجنّ والمسيح، وعزيرًا؛ إذ رد عليهم بأن من تدعونهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويخافون عذابه، ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فادعوني وحدي لأني أنا المالك لنفعكم وضرّكم دونهم.
стр. 6996
ثم بيّن أنّ قرى الكافرين صائرة إما إلى الفناء والهلاك بعذاب الاستئصال، وإمّا بعذاب دون ذلك من قتل كبرائها، وتسليط المسلمين عليهم بالسّبي، واغتنام الأموال، وأخذ الجزية، ثمّ أردف ذلك ببيان أنه ما منعه من إرسال الآيات التي طلب مثلها الأولون كقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ...﴾ إلخ. إلا أنّه لو جاء بها، ولم يؤمنوا .. لأصابهم عذاب الاستئصال كما أصاب من قبلهم، أو لم ينظروا إلى ما أصاب ثمود حين كذبوا بآيات ربهم، وعقروا الناقة، ثم قفّى على ذلك بأن الله حافظه من قومه، وأنه سينصره، ويؤيّده، ثمّ أتبع ذلك بأنّ أمر الإسراء كان فتنةً للناس وامتحانًا لإيمانهم، كما كان ذكر شجرة الزقوم في قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ كذلك ثم تلا هذا بذكر تماديهم في العناد، وأنه كلما خوّفهم وأنذرهم، ازدادوا تماديًا، وطغيانًا، فلو أنزل عليهم الآيات التي اقترحوها .. لم ينتفعوا بها، ومن ثم أجّل عذابهم إلى يوم الوقت المعلوم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها من وجهين (١):
أحدهما: أنه لمّا نازعوا الرسول ﷺ في النبوة، واقترحوا عليه الآيات، كان ذلك لكبرهم وحسدهم للرسول ﷺ على ما آتاه الله من النبوة، والدرجة الرفيعة .. فناسب ذكر قصة آدم ﵇ وإبليس حيث حمله الكبر والحسد على الامتناع من السجود.
والثاني: أنه لما قال: ﴿فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ بيّن سبب هذا الطغيان، وهو قول إبليس ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه لمّا ذكر (٢) أن الرسول ﷺ كان في محنة في قومه، إذ كذبوه وتوعَّدوه حين حدَّثهم بالإسراء، وشجرة الزقوم، وأنهم نازعوه، وعاندوه، واقترحوا عليه الآيات حسدًا
стр. 6997
على ما آتاه الله من النبوة، وكبرًا عن أن ينقادوا إلى الحق .. بيَّن أنَّ هذا ليس ببدع من قومك، فقد لاقى كثير من الأنبياء من أهل زمانهم مثل ما لاقيت، ألا ترى أن آدم ﵇ كان في محنة شديدة من إبليس، وأنّ الكبر والحسد هما اللذان حملاه على الخروج من الإيمان، والدخول في الكفر، والحسد بلية قديمة، ومحنة عظيمة للخلق. انتهت.
قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه تعالى (١) لما ذكر وصف المشركين في اعتقادهم آلهتهم، وأنها تضر وتنفع، وأتبع ذلك بقصة إبليس مع آدم، وتمكينه من وسوسة ذريته، وتسويله، ذكر ما يدلّ من أفعاله على وحدانيته، وأنه هو النافع الضار المتصرف في خلقه بما يشاء، فذكر إحسانه إليهم بحرا، وبرا، وأنه تعالى متمكن بقدرته ممّا يريده، وعبارة المراغي هنا: مناسبتها لما قبلها: أنه لما ذكر في الآية السالفة أنه هو الحافظ الكالىء للعبد المؤمن من غواية إبليس، وأنه لا يستطيع أن يمسّه بسوء، قفّى على ذلك بذكر بعض نعمته تعالى على الإنسان التي كان يجب عليه أن يقابلها بالشكران، لا بالكفران، وهو الذي يرى دلائل قدرته في البر والبحر، فهو الذي يزجي له الفلك في البحر لتنقل له أرزاقه، وأقواته من بعيد المسافات، لكنه مع هذا هو كفور للنعمة، إذا مسه الضر دعا ربه، وإذا أمن أعرض عنه، وعبد الأصنام والأوثان، فهل يأمن أن يخسف به الأرض، أو يرسل عليه حاصبًا من الريح في البر، أو قاصفًا من الريح في البحر، فيغرقه بكفره، أفلا يفرده بالعبادة، ويخبت له كفاء تلك النعم المتظاهرة عليه.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن مسعود قال: كان ناسٌ من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجنيون، واستمسك الآخرون بعبادتهم، فأنزل الله ﴿قُلِ
стр. 6998
ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الحاكم والطبراني وغيرهما، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحّي عنهم الجبال، فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت تؤتهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم، قال: بل أستأني بهم، فأنزل الله ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ...﴾ الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن الزبير نحوه بأبسط منه.
قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ ...﴾ الآية، سبب نزولها (١): ما أخرجه أبو يعلى عن أم هانىء أنه ﷺ لما أسري به ... أصبح يحدث نفرًا من قريش، يستهزئون به، فطلبوا منه آيةً فوصف لهم بيت المقدس، وذكر لهم قصّة العير، فقال الوليد بن المغيرة: هذا ساحر، فأنزل الله ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ وأخرج ابن المنذر عن الحسن نحوه، وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي أنَّ رسول الله ﷺ أصبح يومًا مهمومًا فقيل له: ما لك يا رسول الله؟ لا تهتمّ، فإنّ رؤياك فتنة لهم، فأنزل الله ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.
وأخرج ابن جرير، من حديث سهل بن سعد نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم من حديث عمرو بن العاص، ومن حديث يعلى بن مرّة، ومن مرسل سعيد بن المسيب نحوها، وأسانيدها ضعيفة.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ...﴾ الآية، أخرج ابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن ابن عباس، قال: لما ذكر الله الزقّوم خوّف به هذا الحيَّ من قريش، قال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزقُّوم الذي يخوفكم به محمدٌ؟ قالوا: لا، قال: الثريد بالزبد، أما لئن أمكننا منها لنزقمنّها زقمًا، فأنزل الله
стр. 6999
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾، وأنزل ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾.
التفسير وأوجه القراءة
٥٣ - ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿لِعِبادِي﴾ المؤمنين إذا أردتم إتيان الحجّة على المخالفين، فأذكروها غير مخلوطة بالشتم والسب، فيقابلونهم بمثله، ولا يخاشنوهم بل ﴿يَقُولُوا﴾ لهم الكلمة ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ كأن يقولوا لهم: يهديكم الله، ولا يتخاشنوا معهم في الكلام، كأن يقولوا لهم: إنكم من أهل النار، فإنه يهيّجهم إلى الشر؛ أي: وقل لعبادي يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم مع خصومهم من المشركين وغيرهم الكلام الأحسن للإقناع، مع البعد عن الشّتم والسّبّ والأذى، ونظير الآية قوله: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وقوله: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ روي أنّ الآية نزلت في عمر بن الخطاب، ذلك أنّ رجلا شتمه، فسبّه عمر وهمّ بقتله، فكادت تثير فتنة، فأنزل الله الآية، ثمّ علّل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: يفسد ويلقي العداوة بينهم؛ أي: إنّ الشيطان يفسد بين المؤمنين والمشركين، ويهيّج الشرّ بينهم، فينتقل الحال من الكلام إلى الفعال، ويقع الشر والمخاصمة، ومن ثمّ نهى رسول الله ﷺ أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإنّ الشّيطان ينزغ في يده، فربما أصابه بها، وفي الحقيقة: المعلل محذوف يعلم بطريق المفهوم، تقديره: ولا يقولوا غير الأحسن، وهو القول الخشن على النفوس، لأنّ الشيطان ينزغ بينهم.
روى أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ولا يشيرنّ أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعلّ الشيطان ينزغ في يده، فيقع في حفرة من النار» وروي أيضًا عن رجل من بني سليط قال: أتيت النبي ﷺ وهو في رفلةٍ - جماعة - من النّاس فسمعته يقول: «والمسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، التقوى هاهنا، ووضع يده على صدره» ثم بيّن سبب نزغ الشيطان
стр. 7000
للإنسان بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ﴾ في قديم الزمان ﴿لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾؛ أي: ظاهر العداوة؛ أي: إن بين الشيطان والإنسان عداوة قديمةً، مستحكمة لا يريد صلاحهم أصلًا، بل يريد هلاكهم، وقد أبان عداوته، إذ أخرج أباهم من الجنة، ونزع عنه لباس النور، كما قال تعالى حكايةً عن الشيطان: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ وقال: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾.
وقرأ طلحة (١): ﴿ينزغ﴾ بكسر الزاي. قال أبو حاتم: لعلها لغة، والقراءة بالفتح، وقال صاحب «اللوامع» هي لغة، وقال الزمخشري هما لغتان، نحو: ﴿يَعرِشون﴾، و ﴿يَعرِشون﴾
٥٤ - ثم فسر سبحانه التي هي أحسن بما علمهم النصفة - من الإنصاف - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿أَعْلَمُ بِكُمْ﴾، أي: بعاقبتكم منَّا ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ سبحانه ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ بأن يوفّقكم للإيمان، والمعرفة إلى أن تموتوا فينجيكم من العذاب ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ﴾ سبحانه ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ بأن يميتكم على الكفر فيعذّبكم، إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم، فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق، ولا تصروا على الباطل، لئلا تصيروا محرومين من السعادات الأبدية.
والمعنى: أي (٢) ربكم أيها القوم هو العليم بكم، إن يشأ رحمتكم بتوفيقكم للإيمان، والعمل الصالح .. يرحمكم، وإن يشأ يعذّبكم بأن يخذلكم عن الإيمان فتموتوا على شرككم، وفي هذا إيماء إلى أنّه لا ينبغي للمؤمنين أن يحتقروا المشركين، ولا أن يقطعوا بأنهم من أهل النار، ويعيّروهم بذلك، فإن العاقبة مجهولة، ولا يعلم الغيب إلا الله، إلى أنّ ذلك مما يجر إلى توليد الضغينة في النفوس، بلا فائدة، ولا داع يدعو إليها، وهذا تفسير (٣) للتي هي أحسن، وما بينهما اعتراض؛ أي: قولوا لهم: هذه الكلمة، وما يشاكلها، ولا تصرّحوا بأنهم من أهل النار، فإنه مما يهيّجهم على الشر، هذا ما ذهب إليه صاحب «الكشاف»
стр. 7001
وتبعه البيضاوي، وأبو السعود، وقال الجمهور: المراد بالتي هي أحسن: المحاورة الحسنة بحسب المعنى، والرحمة الإنجاء من كفار مكة، وأذاهم، والتعذيب تسليطهم عليهم، فيكون الخطاب في ربكم للمؤمنين.
ثم وجّه خطابه إلى أعظم الخلق ليكون من دونه أسوة له فقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ يا محمد رقيبا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ حفيظًا لأعمالهم ﴿وَكِيلًا﴾ عليهم؛ أي موكولًا إليك أمورهم، ومفوّضًا إليك شؤونهم تجبرهم على الإيمان؛ أي: وما أرسلناك أيها الرسول حفيظا ورقيبا تقسر الناس على ما يرضي الله، وإنما أرسلناك بشيرًا ونذيرًا، فدارهم ولا تغلظ عليهم، ومر أصحابك بذلك، فإن ذلك هو الذي يؤثّر في القلوب، ويستهوي الأفئدة،
٥٥ - ثم انتقلَ من علمه تعالى بهم إلى علمه بجميع خلقه، فقال: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بأحوالهم الظاهرة والباطنة، فيختار منهم لنبوته والفقه في دينه، من يراه أهلا لذلك، ويفضل بعضهم على بعض لإحاطة علمه، وواسع قدرته، ونحو الآية قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ وهذا أعم من قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ لأنّ هذا يشمل كل ما في السموات والأرض من مخلوقاته، وذلك خاص ببني آدم أو ببعضهم.
وفي هذا: ردٌّ عليهم حين قالوا: يبعد كل البعد أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، وأن يكون أولئك الجوع العراة كصهيب، وبلال، وخباب، وغيرهم أصحابه دون الأكابر، والصناديد من قريش، ولا يجوز (١) إطلاق لفظ يتيمٍ على النبي ﷺ ، لإشعاره بالتحقير حتى أفتى بعض المالكية بقتل قائله كما في «الشِّفاء» وفي ذكر (٢) من في السموات ردّ لقولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ وفي ذكر من في الأرض ردّ لقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾؛ أي: من إحدى القريتين مكة والطائف كالوليد بن المغيرة المخزومي، وعروة بن مسعود الثقفي، وقيل غيرهما.
стр. 7002
وهذا كالتوطئة لقوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾؛ أي: وعزتي، وجلالي لقد فضلنا ورفعنا بعض النبيين والمرسلين على بعض آخر منهم، بما لهم من الفضائل النفسية، والمزايا القدسيّة، وإنزال الكتب السماويّة، فخصصنا كلّا منهم بفضيلة ومزية، ففضلنا إبراهيم باتخاذه خليلًا، وموسى بالتكليم، ومحمدًا ﷺ بالقرآن الذي أعجز البشر، والإسراء والمعراج؛ أي: إن (١) هذا التّفضيل عن علم منه بمن هو أعلى رتبة، وبمن دونه، وبمن يستحق مزيد الخصوصية، بتكثير فضائله، وفواضله، ونحو الآية قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾، ولا خلاف في أنّ أولي العزم منهم، وهم الخمسة المذكورون في سورة الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أفضل من بقيتهم، ولا خلاف في أن محمدًا ﷺ أفضلهم، ثمّ إبراهيم، فموسى، فعيسى ﵈، ثمّ ذكر ما فضّل به داود، فقال: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾؛ أي: كتابًا مزبورًا؛ أي: إن تفضيل داود لم يكن بالملك، بل كان بما آتاه الله من الكتاب، وأفرده بالذكر، لأنه ذكر في الزبور فضل محمد، وأنه خاتم النبيين، وأمته خير الأمم، وكون الأرض يرثها عباد الله الصالحون، وهم محمد ﷺ وأمته كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾. قال الزجاج؛ أي: فلا تنكروا تفضيل محمد ﷺ وإعطاءه القرآن، فقد أعطى الله داود زبورًا. اهـ.
وفي هذا (٢): رد لقول اليهود: لا نبيّ بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فإذا أعطى الله موسى التوراة، فلا يبعد أن يعطي داود زبورًا، وعيسى الإنجيل، ومحمدًا القرآن، ولا يبعد أن يفضل محمدًا ﷺ على جميع الخلق، فكيف تنكر اليهود ذلك وكفّار قريش فضل محمد، وإعطاءه القرآن.
والزبور (٣) كتاب أنزل على داود يشتمل على مئة وخمسين سورةً، أطولها
стр. 7003
قدر ربع من القرآن، وأقصرها قدر سورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وكلها دعاء لله، وتحميد وتمجيد وتسبيح، ليس فيها حلالٌ ولا حرامٌ، ولا فرائضٌ ولا حدودٌ، ولا أحكامٌ، وقرأ حمزة ﴿زبورًا﴾ بضم الزاي. ذكره البيضاوي.
ونكّر زبورا هنا (١)، وعرفه في الأنبياء حيث قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ﴾ لأنهما واحد كعباس والعباس، وفي قوله: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ إشارة إلى أن فضل النبي ﷺ على داود، بقدر فضل القرآن على الزبور.
٥٦ - ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين والكفار قاطبة ﴿ادْعُوا﴾ عند حلول الشدائد بكم الأشخاص ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى، وعبدتموهم متجاوزين الله تعالى كعيسى، ومريم، وعزير وطائفة من الملائكة، وطائفة من الجن، وذلك أن (٢) الكفار أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي ﷺ ليدعو لهم فأنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة مِنْ دُونِهِ وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ فإنّ هذا لا يليق بالجمادات ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾؛ أي: فلا يملك أولئك المعبودون، ولا يستطيعون ﴿كَشْفَ الضُّرِّ﴾ النازل بكم، وإزالته ﴿عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ له، ونقله إلى غيركم، أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر، والمعبود الحقّ هو الذي يقدر على كشف الضر، وعلى تحويله من حالٍ إلى حال، ومن مكان إلى مكان، فوجب القطع بأنّ هذه التي تزعمونها آلهةً ليست بآلهة.
والمعنى (٣): أي قل - يا محمد - لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أربابٌ وآلهةٌ من دونه، حين ينزل الضر بكم من فقر ومرض ونحوهما، وانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم؟ أو تحويله عنكم إلى غيركم، إنهم لا يقدرون على دفع شيءٍ من ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم.
стр. 7004
٥٧ - ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار، فقال: ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفته، وضمير الصلة محذوف؛ أي: يدعونهم وخبر المبتدأ ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، والوسيلة القربة بالطاعة والعبادة؛ أي (١): أولئك الآلهة الذين يدعوهم المشركون من المذكورين، أعني: عيسى، ومريم وعزيرًا، يبتغون؛ أي: يطلبون لأنفسهم الوسيلة إلى ربهم؛ أي: القرب إلى ربهم بالطاعة والعبادة، و ﴿أي﴾: في قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ موصولة بدل من (واو) ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: يبتغي الذي هو أقرب منهم إلى الله القرب إليه بالعبادة، والطاعة، فكيف بمن دونه من غير الأقرب، قال في «الكواشي»: أو ﴿أَيُّهُمْ﴾ استفهام مبتدأ خبره أقرب، والجملة معمول لمحذوف، والتقدير: يبتغون ويطلبون القرب إليه تعالى، لينظروا أيّ المعبودين أقرب إليه تعالى، فيتوسلوا به، والمعنى؛ أي (٢): هؤلاء الذين يدعوهم المشركون أربابا، وينادونهم لكشف الضر عنهم، يطلبون مجتهدين إلى ربهم، ومالك أمرهم القرب إليه بالطاعة والعبادة، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾؛ أي: إن أقرب أولئك المعبودين إلى الله يدعوه ويبتغي إليه الوسيلة، والقرب منه، وإذا كان العجز عن كشف الضر عنكم، والافتقار إلى ربكم شأن أعلاهم، وأدناهم .. فكيف تعبدونهم.
والخلاصة: آلهتهم أيضًا يطلبون القرب إليه تعالى ﴿وَيَرْجُونَ﴾ بفعلهم الطاعة، ﴿رَحْمَتَهُ﴾ تعالى ﴿وَيَخافُونَ﴾ بمخالفة أمره ﴿عَذابَهُ﴾ تعالى كدأب سائر العباد، فأين هم من كشف الضر؟ فضلا عن الإلهية، ثمّ ذكر العلّة في خوفهم من العذاب، فقال: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿كانَ مَحْذُورًا﴾؛ أي: حقيقًا بأن يحذره كلّ أحد حتى الرسل والملائكة، فضلًا عن غيرهما، وإن لم يحذره العصاة لكمال غفلتهم بل يتعرضون له، وتخصيصه بالتعليل لما أنّ المقام مقام التحذير من العذاب، فعلى العاقل أن يترك الاعتذار، ويحذر من بطش القهار.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿يَدْعُونَ﴾ بياء الغيبة، وابن مسعود، وقتادة بتاء
стр. 7005
الخطاب، وزيدُ بن علي بياء الغيبة مبنيًا للمفعول، وقرأ الجمهور ﴿إِلى رَبِّهِمُ﴾ بضمير الجمع الغائب، وقرأ ابن مسعود ﴿إلى ربك﴾ بالكاف خطابًا للرسول ﷺ .
٥٨ - ثم ذكر مآل الدنيا وأهلها، فقال: ﴿وَإِنْ﴾ نافية ﴿مِنْ﴾ استغراقية ﴿قَرْيَةٍ﴾ قال أبو السعود: المراد بها القرية الكافرة؛ أي: ما من قرية من قرى الكفّار ﴿إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾؛ أي: مخربوها البتة بالخسف بها، أو بإهلاك أهلها بالكلية حين ارتكبوا من عظائم المعاصي الموجبة لذلك ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾؛ لأن (١) الهلاك يومئذ غير مختص بالقرى الكافرة، ولا هو بطريق العقوبة، وإنما هو لانقضاء عمر الدنيا. ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها﴾؛ أي: معذبوا أهلها على الإسناد المجازي ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ بالقتل والقحط، والزلازل، ونحوها من البلايا الدنيوية، والعقوبات الأخروية؛ لأن التعذيب مطلق عمّا قُيِّد به الإهلاك من قبلية يوم القيامة، وكثير من القرى العاصية قد أخرت عقوباتها إلى يوم القيامة، هذا ما ذهب إليه أبو السعود، ولا يخفى أن هذا التعميم لا يناسب سوق الآية، وقيد القبلية معتبرٌ في الشق الثاني أيضًا، وهو لا ينافي العذاب الشديد الواقع بعد يوم القيامة، فالوجه: حمل الإهلاك على الاستئصال، والتعذيب: على أنواع البلية التي هي أشد من الموت.
والمعنى (٢): أي وما من قرية من القرى التي ظلم أهلها بالكفر والمعاصي إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء، ومبيدوهم بالاستئصال قبل يوم القيامة، أو معذبوها ببلاء من قتل بالسيف أو غير ذلك من صنوف العذاب بسبب ذنوبهم، وخطاياهم، كما قال سبحانه عن الأمم الماضية: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وقال: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩)﴾، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ﴾ الآية، ﴿كَانَ ذلِكَ﴾ المذكور من الإهلاك والتعذيب ﴿فِي الْكِتابِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ، أو في علم الله ﴿مَسْطُورًا﴾؛ أي: مثبتًا، أو مكتوبًا لم يغادر منه شيء إلا بيّن فيه كيفياته وأسبابه الموجبة له، ووقته المضروب له.