وتبعه البيضاوي، وأبو السعود، وقال الجمهور: المراد بالتي هي أحسن: المحاورة الحسنة بحسب المعنى، والرحمة الإنجاء من كفار مكة، وأذاهم، والتعذيب تسليطهم عليهم، فيكون الخطاب في ربكم للمؤمنين.
ثم وجّه خطابه إلى أعظم الخلق ليكون من دونه أسوة له فقال: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ يا محمد رقيبا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ حفيظًا لأعمالهم ﴿وَكِيلًا﴾ عليهم؛ أي موكولًا إليك أمورهم، ومفوّضًا إليك شؤونهم تجبرهم على الإيمان؛ أي: وما أرسلناك أيها الرسول حفيظا ورقيبا تقسر الناس على ما يرضي الله، وإنما أرسلناك بشيرًا ونذيرًا، فدارهم ولا تغلظ عليهم، ومر أصحابك بذلك، فإن ذلك هو الذي يؤثّر في القلوب، ويستهوي الأفئدة،
٥٥ - ثم انتقلَ من علمه تعالى بهم إلى علمه بجميع خلقه، فقال: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد ﴿أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بأحوالهم الظاهرة والباطنة، فيختار منهم لنبوته والفقه في دينه، من يراه أهلا لذلك، ويفضل بعضهم على بعض لإحاطة علمه، وواسع قدرته، ونحو الآية قوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ وهذا أعم من قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ لأنّ هذا يشمل كل ما في السموات والأرض من مخلوقاته، وذلك خاص ببني آدم أو ببعضهم.
وفي هذا: ردٌّ عليهم حين قالوا: يبعد كل البعد أن يكون يتيم أبي طالب نبيا، وأن يكون أولئك الجوع العراة كصهيب، وبلال، وخباب، وغيرهم أصحابه دون الأكابر، والصناديد من قريش، ولا يجوز (١) إطلاق لفظ يتيمٍ على النبي ﷺ ، لإشعاره بالتحقير حتى أفتى بعض المالكية بقتل قائله كما في «الشِّفاء» وفي ذكر (٢) من في السموات ردّ لقولهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ﴾ وفي ذكر من في الأرض ردّ لقولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾؛ أي: من إحدى القريتين مكة والطائف كالوليد بن المغيرة المخزومي، وعروة بن مسعود الثقفي، وقيل غيرهما.
стр. 7002
وهذا كالتوطئة لقوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾؛ أي: وعزتي، وجلالي لقد فضلنا ورفعنا بعض النبيين والمرسلين على بعض آخر منهم، بما لهم من الفضائل النفسية، والمزايا القدسيّة، وإنزال الكتب السماويّة، فخصصنا كلّا منهم بفضيلة ومزية، ففضلنا إبراهيم باتخاذه خليلًا، وموسى بالتكليم، ومحمدًا ﷺ بالقرآن الذي أعجز البشر، والإسراء والمعراج؛ أي: إن (١) هذا التّفضيل عن علم منه بمن هو أعلى رتبة، وبمن دونه، وبمن يستحق مزيد الخصوصية، بتكثير فضائله، وفواضله، ونحو الآية قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ﴾، ولا خلاف في أنّ أولي العزم منهم، وهم الخمسة المذكورون في سورة الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أفضل من بقيتهم، ولا خلاف في أن محمدًا ﷺ أفضلهم، ثمّ إبراهيم، فموسى، فعيسى ﵈، ثمّ ذكر ما فضّل به داود، فقال: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾؛ أي: كتابًا مزبورًا؛ أي: إن تفضيل داود لم يكن بالملك، بل كان بما آتاه الله من الكتاب، وأفرده بالذكر، لأنه ذكر في الزبور فضل محمد، وأنه خاتم النبيين، وأمته خير الأمم، وكون الأرض يرثها عباد الله الصالحون، وهم محمد ﷺ وأمته كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾. قال الزجاج؛ أي: فلا تنكروا تفضيل محمد ﷺ وإعطاءه القرآن، فقد أعطى الله داود زبورًا. اهـ.
وفي هذا (٢): رد لقول اليهود: لا نبيّ بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة، فإذا أعطى الله موسى التوراة، فلا يبعد أن يعطي داود زبورًا، وعيسى الإنجيل، ومحمدًا القرآن، ولا يبعد أن يفضل محمدًا ﷺ على جميع الخلق، فكيف تنكر اليهود ذلك وكفّار قريش فضل محمد، وإعطاءه القرآن.
والزبور (٣) كتاب أنزل على داود يشتمل على مئة وخمسين سورةً، أطولها
стр. 7003
قدر ربع من القرآن، وأقصرها قدر سورة ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وكلها دعاء لله، وتحميد وتمجيد وتسبيح، ليس فيها حلالٌ ولا حرامٌ، ولا فرائضٌ ولا حدودٌ، ولا أحكامٌ، وقرأ حمزة ﴿زبورًا﴾ بضم الزاي. ذكره البيضاوي.
ونكّر زبورا هنا (١)، وعرفه في الأنبياء حيث قال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ﴾ لأنهما واحد كعباس والعباس، وفي قوله: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ إشارة إلى أن فضل النبي ﷺ على داود، بقدر فضل القرآن على الزبور.
٥٦ - ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين والكفار قاطبة ﴿ادْعُوا﴾ عند حلول الشدائد بكم الأشخاص ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى، وعبدتموهم متجاوزين الله تعالى كعيسى، ومريم، وعزير وطائفة من الملائكة، وطائفة من الجن، وذلك أن (٢) الكفار أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب والجيف، فاستغاثوا بالنبي ﷺ ليدعو لهم فأنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة مِنْ دُونِهِ وإنما خصصت الآية بمن ذكرنا لقوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ فإنّ هذا لا يليق بالجمادات ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾؛ أي: فلا يملك أولئك المعبودون، ولا يستطيعون ﴿كَشْفَ الضُّرِّ﴾ النازل بكم، وإزالته ﴿عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ له، ونقله إلى غيركم، أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر، والمعبود الحقّ هو الذي يقدر على كشف الضر، وعلى تحويله من حالٍ إلى حال، ومن مكان إلى مكان، فوجب القطع بأنّ هذه التي تزعمونها آلهةً ليست بآلهة.
والمعنى (٣): أي قل - يا محمد - لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعوا أيها القوم الذين زعمتم أنهم أربابٌ وآلهةٌ من دونه، حين ينزل الضر بكم من فقر ومرض ونحوهما، وانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم؟ أو تحويله عنكم إلى غيركم، إنهم لا يقدرون على دفع شيءٍ من ذلك، ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم.
стр. 7004
٥٧ - ثم إنه سبحانه أكد عدم اقتدارهم ببيان غاية افتقارهم إلى الله في جلب المنافع ودفع المضار، فقال: ﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ صفته، وضمير الصلة محذوف؛ أي: يدعونهم وخبر المبتدأ ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، والوسيلة القربة بالطاعة والعبادة؛ أي (١): أولئك الآلهة الذين يدعوهم المشركون من المذكورين، أعني: عيسى، ومريم وعزيرًا، يبتغون؛ أي: يطلبون لأنفسهم الوسيلة إلى ربهم؛ أي: القرب إلى ربهم بالطاعة والعبادة، و ﴿أي﴾: في قوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ موصولة بدل من (واو) ﴿يَبْتَغُونَ﴾؛ أي: يبتغي الذي هو أقرب منهم إلى الله القرب إليه بالعبادة، والطاعة، فكيف بمن دونه من غير الأقرب، قال في «الكواشي»: أو ﴿أَيُّهُمْ﴾ استفهام مبتدأ خبره أقرب، والجملة معمول لمحذوف، والتقدير: يبتغون ويطلبون القرب إليه تعالى، لينظروا أيّ المعبودين أقرب إليه تعالى، فيتوسلوا به، والمعنى؛ أي (٢): هؤلاء الذين يدعوهم المشركون أربابا، وينادونهم لكشف الضر عنهم، يطلبون مجتهدين إلى ربهم، ومالك أمرهم القرب إليه بالطاعة والعبادة، ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾؛ أي: إن أقرب أولئك المعبودين إلى الله يدعوه ويبتغي إليه الوسيلة، والقرب منه، وإذا كان العجز عن كشف الضر عنكم، والافتقار إلى ربكم شأن أعلاهم، وأدناهم .. فكيف تعبدونهم.
والخلاصة: آلهتهم أيضًا يطلبون القرب إليه تعالى ﴿وَيَرْجُونَ﴾ بفعلهم الطاعة، ﴿رَحْمَتَهُ﴾ تعالى ﴿وَيَخافُونَ﴾ بمخالفة أمره ﴿عَذابَهُ﴾ تعالى كدأب سائر العباد، فأين هم من كشف الضر؟ فضلا عن الإلهية، ثمّ ذكر العلّة في خوفهم من العذاب، فقال: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿كانَ مَحْذُورًا﴾؛ أي: حقيقًا بأن يحذره كلّ أحد حتى الرسل والملائكة، فضلًا عن غيرهما، وإن لم يحذره العصاة لكمال غفلتهم بل يتعرضون له، وتخصيصه بالتعليل لما أنّ المقام مقام التحذير من العذاب، فعلى العاقل أن يترك الاعتذار، ويحذر من بطش القهار.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿يَدْعُونَ﴾ بياء الغيبة، وابن مسعود، وقتادة بتاء
стр. 7005
الخطاب، وزيدُ بن علي بياء الغيبة مبنيًا للمفعول، وقرأ الجمهور ﴿إِلى رَبِّهِمُ﴾ بضمير الجمع الغائب، وقرأ ابن مسعود ﴿إلى ربك﴾ بالكاف خطابًا للرسول ﷺ .
٥٨ - ثم ذكر مآل الدنيا وأهلها، فقال: ﴿وَإِنْ﴾ نافية ﴿مِنْ﴾ استغراقية ﴿قَرْيَةٍ﴾ قال أبو السعود: المراد بها القرية الكافرة؛ أي: ما من قرية من قرى الكفّار ﴿إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾؛ أي: مخربوها البتة بالخسف بها، أو بإهلاك أهلها بالكلية حين ارتكبوا من عظائم المعاصي الموجبة لذلك ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾؛ لأن (١) الهلاك يومئذ غير مختص بالقرى الكافرة، ولا هو بطريق العقوبة، وإنما هو لانقضاء عمر الدنيا. ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها﴾؛ أي: معذبوا أهلها على الإسناد المجازي ﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ بالقتل والقحط، والزلازل، ونحوها من البلايا الدنيوية، والعقوبات الأخروية؛ لأن التعذيب مطلق عمّا قُيِّد به الإهلاك من قبلية يوم القيامة، وكثير من القرى العاصية قد أخرت عقوباتها إلى يوم القيامة، هذا ما ذهب إليه أبو السعود، ولا يخفى أن هذا التعميم لا يناسب سوق الآية، وقيد القبلية معتبرٌ في الشق الثاني أيضًا، وهو لا ينافي العذاب الشديد الواقع بعد يوم القيامة، فالوجه: حمل الإهلاك على الاستئصال، والتعذيب: على أنواع البلية التي هي أشد من الموت.
والمعنى (٢): أي وما من قرية من القرى التي ظلم أهلها بالكفر والمعاصي إلا نحن مهلكو أهلها بالفناء، ومبيدوهم بالاستئصال قبل يوم القيامة، أو معذبوها ببلاء من قتل بالسيف أو غير ذلك من صنوف العذاب بسبب ذنوبهم، وخطاياهم، كما قال سبحانه عن الأمم الماضية: ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وقال: ﴿فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩)﴾، وقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ﴾ الآية، ﴿كَانَ ذلِكَ﴾ المذكور من الإهلاك والتعذيب ﴿فِي الْكِتابِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ، أو في علم الله ﴿مَسْطُورًا﴾؛ أي: مثبتًا، أو مكتوبًا لم يغادر منه شيء إلا بيّن فيه كيفياته وأسبابه الموجبة له، ووقته المضروب له.
стр. 7006
وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب؛ فقال: ما أكتب؟ قال: اكتب المقدّر، وما هو كائن إلى يوم القيامة».
٥٩ - وكان كفار قريش يقولون: يا محمد إنّك تزعم أنه كان قبلك أنبياء منهم من سُخِّرت له الريح، ومنهم من كان يحي الموتى، فإن سرّك أن نؤمن بك، ونصدّقك .. فادع ربَّك أن يجعل لنا الصّفا ذهبا، فأجاب الله عن هذه الشّبهة بقوله: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ ﴿الباء﴾ زائدة، وأن المصدرية في محل النصب بـ ﴿مَنَعَنا﴾ على كونه مفعولا ثانيا له؛ أي: وما (١) صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحتها قريش من إحياء الموتى، وقلب الصّفا ذهبا، ورفع جبال مكة لتنبسط الأرض، وتصلح للزراعة، وإجراء الأنهار لتحصل الحدائق ونحو ذلك، و ﴿أن﴾ في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ في محل رفع على المفعولية والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء؛ أي: وما منعنا عن إرسالها شيء من الأشياء إلا تكذيب الأولين، الذين هم أمثالهم في الطبع، كعاد، وثمود، وأنها لو أرسلت لكذبوا تكذيب أولئك واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنّتنا، وقد قضينا أن لا نستأصلهم؛ لأن فيهم من يؤمن أو يلد من يؤمن، ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة، فقال: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ معطوف على معلوم من السياق كأنه (٢) قيل: وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذّب بها الأولون، حيث آتيناهم ما اقترحوا من الآيات الباهرة، فكذبوها، وآتينا ثمود الناقة حالة كونها ﴿مُبْصِرَةً﴾ بكسر الصاد؛ أي: مبيّنة مظهرة لنبوة صالح ﴿فَظَلَمُوا﴾ أنفسهم بتكذيبهم. ﴿بِهَا﴾ وأقبلوا أنفسهم للهلاك بعقرها؛ أي: لم يكتفوا بمجرد الكفر بها، بل فعلوا بها ما فعلوا من العقر، وظلموا أنفسهم، وعرضوها للهلاك بسبب عقرها، ولعلّ تخصيصها بالذكر، لأنّ آثار ديارهم الهالكة باقية في ديار العرب، قريبة من حدودهم يبصرها صادرهم وواردهم، ومعنى الآية؛ أي (٣): إنّه تعالى لو
стр. 7007
أظهر تلك المعجزات القاهرة، ثمَّ لم يؤمنوا بها بل بقوا مصرين على كفرهم .. لاستحقوا عذاب الاستئصال كما هي سنتنا في الأمم السّالفة، لكن هذا العذاب على هذه الأمة لا يكون لأن الله علم أن فيهم من سيؤمنون، أو يؤمن أولادهم، فلم يجبهم إلى ما طلبوا، ولم يظهر لهم تلك المعجزات.
والخلاصة: أنه ما منعنا من إرسال الآية التي سألوها إلا تكذيب الأولين بمثلها، فإن أرسلناها، وكذّب بها هؤلاء عوجلوا ولم يمهلوا كما هو سنة الله في عباده.
وأخرج البيهقي في «الدلائل» عن الربيع بن أنس قال: قال الناس لرسول الله ﷺ : لو جئتنا بآية كما جاء بها صالح والنبيون؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن شئتم دعوت الله فأنزلها عليكم، فإن عصيتم هلكتم» فقالوا: لا نريدها.
ثمّ بيّن: أنَّ الآيات التي التمسوها هي مثل آية ثمود، وقد أوتوها واضحة بينة فكفروا بها، فاستحقّوا العذاب، فكيف يتمنّى مثلها هؤلاء على سبيل الاقتراح، كما قال: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ وهذا معطوف على محذوف كما سبق آنفا؛ أي: وقد سألت ثمود من قبل قومك الآيات، فآتيناها ما سألت، وجعلنا لها الناقة حجة واضحة، دالّةً على وحدانية من خلقها، وصدق رسوله الذي أجيب دعاؤه فيها، فكفروا بها، ومنعوها شربها وقتلوها، فأبادهم الله تعالى، وانتقم منهم، وأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر.
وقرأ الجمهور (١): ﴿ثَمُودَ﴾ ممنوع الصرف، وقال هارون: أهل الكوفة ينوّنون ثمود في كل وجه، وقال أبو حاتم: لا تنوّن العامّة والعلماء بالقرآن ثمود في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف انتهى. وانتصب مبصرةً على الحال، وهي قراءة الجمهور، وقرأ زيد بن عليّ ﴿مبصرةٌ﴾ بالرفع على إضمار مبتدأ؛ أي: هي مبصرةٌ، وأضاف الإبصار إليها على سبيل المجاز، لما كانت يبصرها الناس، والتقدير: آيةٌ مبصرةٌ، وقرأ قوم
стр. 7008
بفتح الصاد، اسم مفعول؛ أي: يبصرها الناس، ويشاهدونها، وقرأ قتادة: بفتح الميم والصاد، مفعلة من البصر؛ أي: محل إبصار، أجراها مجرى صفات الأمكنة، نحو: أرض مسبعة، ومكان مضبّة.
﴿وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ﴾ المقترحة ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ من نزول العذاب المستأصل على المقترحين، فإن لم يخافوا ذلك، نزل أو بغير المقترحة، كالمعجزات، وآثار القرآن، إلّا تخويفًا بعذاب الآخرة، فإنّ أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة كرامة لك. أو المعنى؛ أي: إنّ الله تعالى يخوّف الناس بما شاء من الآيات، لعلهم يعتبرون ويذكرون، فيرجعوا.
ذكر المؤرخون أنّ الكوفة رجفت - زلزلت - في عهد ابن مسعود، فقال: أيها النّاس إنّ ربّكم يستعتبكم فأعتبوه، وروي أنّ المدينة زلزلت في عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات، فقال عمر: أحدثتم والله، لئن عادت لأفعلنّ ولأفعلنّ، وفي الحديث الصحيح: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنّهما لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته، ولكن الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره» ثم قال: «يا أمّة محمد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمّته» يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم .. لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرًا»،
٦٠ - ثم قال سبحانه محرّضًا رسوله على إبلاغ رسالته، ومخبرًا له بأنه قد عصمه من الناس. ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ أوحينا إليك ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ﴾ أي: علمًا وقدرةً فهم في قبضته فامض لأمرك، ولا تخف أحدًا؛ أي: واذكر إذ أوحينا إليك أنّ ربك هو القادر على عباده، وهم في قبضته، وتحت قهره، وغلبته، فلا يقدرون على أمر إلا بقضائه، وقدره، وقد عصمك من أعدائك، فلا يقدرون على إيصال الأذى إليك كما قال ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
وخلاصة ذلك: أن الله ناصرك ومؤيدك حتى تبلّغ رسالته وتظهر دينه قال الحسن: حال بينهم وبين أن يقتلوه، ويؤيّد هذا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠)﴾.
стр. 7009
﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾؛ أي: أريتها ليلة الإسراء ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ أي إلّا امتحانًا، واختبارًا للناس، فأنكرها قوم وكذبوا بها، وكفر كثير ممن كان قد آمن به، وازداد المخلصون إيمانًا، والمراد بالرؤيا: ما عاينه ﵇ ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء، والتعبير عن ذلك بالرؤيا: إمّا لأنه لا فرق بينه وبين الرؤيا كما في «الكواشي» الرؤيا تكون نومًا ويقظةً كالرؤية، أو لأنها وقعت بالليل، وتقضت بالسرعة، كأنها منامٌ، أو لأن الكفرة قالوا: لعلّها رؤيا، فتسميتها رؤيا على قول المكذبين، قال في «الحواشي السعدية»: قد يقال: تسميتها رؤيا على وجه التشبيه والاستعارة لما فيها من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات. انتهى.
وقوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ معطوف على الرؤيا، والمراد بلعنها فيه: لعن طاعمها على الإسناد المجازي، أو إبعادها عن الرحمة، فإنّ تلك الشجرة التي هي الزقوم، تنبت في أصل الجحيم، في أبعد مكان من الرحمة؛ أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة؛ أي: الملعون آكلها المذكورة في القرآن، أو المذمومة، أو المؤذية؛ لأن العرب تقول لكل طعام ضار ملعون، إلا فتنة واختبارا للنّاس، فإنهم حين سمعوا ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ اختلفوا: فقوم ازدادوا إيمانًا، وقوم ازدادوا كفرًا، كأبي جهل إذ قال: إنّ ابن أبي كبشة - يعني النبيّ ﷺ توعّدكم بنار تحرق الحجارة، ثمّ يزعم أنها تنبت شجرة، وتعلمون أنّ النار تحرق الشجر ولقد ضلوا في ذلك ضلالًا بعيدًا، حيث كابروا قضيّة عقولهم، فإنهم يرون النعامة تبتلع الجمر وقطع الحديد المحماة فلا يضرّها، ويشاهدون المناديل المتّخذة من وبر السمندل تلقى في النار، ولا تؤثر فيها، والسمندل: هي دويبة في بلاد الترك، يتخذ من وبره مناديل، فإذا اتسخت طرحت في النار، فيذهب وسخها، وتبقى هي سالمة لا تعمل فيها النّار، قال في «الكشاف»: وقد فات هؤلاء أنّ في الدنيا أشياء كثيرةٌ لا تحرقها النار.
والخلاصة: أنّ هؤلاء المشركين فتنوا بالرؤيا، وفتنوا بالشجرة ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾؛ أي: ونخوف كفّار مكّة بمخاوف الدنيا، والآخرة ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ التخويف ﴿إِلَّا
стр. 7010
طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ وعتوًا متجاوزًا الحدّ؛ أي: إلا تماديًا في الطغيان والضلال، فلو أننا أنزلنا عليهم الآيات التي اقترحوها .. لم يزدادوا بها إلّا تمرّدًا، وعنادًا، واستكبارًا في الأرض، وفعل بهم ما فعل بأمثالهم من الأمم الغابرة، من عذاب الاستئصال، لكن قد سبقت كلمتنا بتأخير العذاب عنهم، إلى حلول الطامة الكبرى، والكلام مسوق لتسليته ﷺ على ما عسى أن يعتريه من عدم الإجابة، إلى إنزال الآيات المقترحة، لمخالفتها للحكمة من الحزن، لطعن الكفار، إذ ربّما يقولون: لو كنت رسولًا حقًا .. لأتيت بمثل هذه المعجزات التي أتى بها من قبلك من الأنبياء والمرسلين.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ عطفًا على الرؤيا، فهي مندرجة في الحصر؛ أي: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك، والشّجرة الملعونة في القرآن إلّا فتنة للناس، وقرأ زيد بن علي برفع ﴿وَالشَّحَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ على الإبتداء، والخبر محذوف تقديره: كذلك؛ أي: فتنة وقرأ الأعمش ﴿ويُخَوّفُهم﴾ بياء الغيبة، والجمهور بنون العظمة.
٦١ - وذكر قَصَصَ آدم مع إبليس في سبع سور: البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف طه، ص، وقد تقدم الكلام فيها فيما سلف من تلك السور، وها نحن نفسرها في هذه السورة ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد لقومك قصّة ﴿إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾، أي: قصّة وقت قولنا للملائكة ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ تحيّة، وتكريمًا لما له من الفضائل المستوجبة لذلك.
وفي الحقيقة (٢): كانت السجدة للحق تعالى، وكان آدم بمثابة الكعبة قبلةً للسجود، ﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: سجدت الملائكة كلهم أجمعون من غير تباطؤ، أداء لحقه ﵇، وامتثالا لأمره تعالى، فدل ائتمارهم بأوامر الحق، والانتهاء عن نواهيه على السعادة الأزليّة، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فإنه أبى واستكبر فدل استكباره
стр. 7011
وإباؤه على الشقاوة الأزلية، إذ الأبد مِرآةُ الأزل، يظهر فيها صورةُ الحال سعادةً وشقاوةً.
قال في «بحر العلوم»: استثني (١) إبليس من الملائكة وهو جنّيّ؛ لأنه قد أمر بالسجود معهم، فغلّبوا عليه تغليب الرجال على المرأة، في قولك: خرجوا إلا فلانة، ثُمَّ استثني الواحد منهم استثناء متصلًا.
﴿قالَ﴾؛ أي: إبليس اعتراضًا، وعجبًا، وتكبرًا، وإنكارًا عندما وبَّخه الله تعالى بقوله: ﴿يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ ﴿أَأَسْجُدُ﴾، وأنا مخلوق من العنصر العالي، وهو النار ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾؛ أي: لمن خلقته من طين؛ أي: ما صح مني أن أسجد له واستحال ذلك مني، لأنَّ الاستفهام فيه إنكاري، فهو بمعنى النفي.
وحاصل المعنى: أي (٢) واذكر أيها الرسول لقومك عداوة إبليس، استكبر وأبى أن يسجد له افتخارًا عليه، واحتقارًا له، وقال: أأسجد لمن خلقته من الطين، وأنا مخلوق من النار، كما جاء في الآية الأخرى ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فكفر بنسبة ربه إلى الجور بتخيّله أنه أفضل من آدم من قبل وأنّ الفروع ترجع إلى الأصول، وأنّ النّار - التي هي أصله - أكرم من الطين الذي هو أصل آدم، وقد فاته أنّ الطّين أنفع من النار، ولئن سلم غير هذا، فالأجسام كلّها من جنس واحد، والله هو الذي أوجدها من العدم، ويفضل بعضها على بعض، بما يحدث فيها من الأعراض، فاستحقّ اللعن والطرد والبعد.
٦٢ - ﴿قالَ﴾؛ أي: إبليس أيضًا بعد الاستنظار لربه، جرأة وكفرا، والربّ يحلم وينظر ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾؛ أي: أخبرني يا إلهي ﴿هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾، أي: أخبرني عن هذا الذي فضّلته علي، لم فضلته علي، وقد خلقتني من نار، وخلقته من طين، وهل يوجد ما يدعو إلى تفضيله عليّ، وهذا كلام قاله على وجه التعجب والإنكار؛ أي:
стр. 7012
قال إبليس بعدما لعن وطرد وأبعد إظهارا للعداوة، وإقدامًا على الحسد: وعزتك وجلالك ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾؛ أي: لئن أنظرتني حيًّا إلى يوم القيامة ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾؛ أي: لأستأصلنّ ولأغوينّ ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ وأولاده، ولأستولين عليهم استيلاء قويًا بالإغواء والإضلال، أو لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم، وهذا القليل هم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ وإنما (١) أقسم اللعين هذا القسم على أنه سيفعل بذرية آدم ما ذكره، لما ظنه من قوة نفوذ كيده في بني آدم، وأنه يجري منهم في مجاري الدم، وأنهم بحيث يروج عندهم كيده، وتنفق لديهم وسوسته، إلا من عصم الله تعالى، ويؤيّد هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ فإنه يفيد، أنه قال ما قاله هنا اعتمادًا على الظن، وقيل: إنه استنبط ذلك من قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ وقيل: علم ذلك من طبع البشر؛ لما ركّب فيهم من الشهوات، أو ظنّ ذلك لأنه وسوس لآدم، فقبل منه ذلك ولم يجد له عزما، كما روي عن الحسن.
وقرأ ابن كثير (٢)، ونافع وأبو عمرو ﴿وأخرتني﴾ بياءٍ في الوصل، ووقَفَ ابن كثير بالياء، وقرأ ابن عامرٍ، وعاصم، وحمزة، والكسائي بغير ياء في وصل ولا في وقفٍ، هذا كله في حرف هذه السورة، أَمَّا الذي في المنافقون في قوله: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فالياء ثابتة للكل لثبوتها في الرسم الكريم، اهـ «سمين».
٦٣ - ثمّ ذكر سبحانه أنه أجابه إلى النّظرة، وأخره إلى يوم الوقت المعلوم بقوله: ﴿قالَ﴾ الله لإبليس اللعين: ﴿اذْهَبْ﴾ على طريقتك السوء بالإغواء والإضلال، أو امض لشأنك الذي اخترته، ولما سولته لك نفسك، وقد أخرتك، وهذا كما تقول لمن يخالفك: افعل ما تريد.
стр. 7013
وفي «بحر العلوم» (١): ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيءِ، بَلْ معناه: امض لما قصدته، أو طردت له، تخلية بينه وبين ما سولت له نفسه، أو هو على وجه الإهانة والتهديد، تقول لمن لا يقبل منك: اذهب وكن على ما اخترت لنفسك. ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ على الضلالة ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾؛ أي: جزاؤك وجزاؤهم، فغلّب المخاطب رعاية لحق المتبوعية، ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ نصب على المصدرية بإضمار فعله؛ أي: تجزون جزاء مكملًا من وفر الشيء إذا كمل.
والمعنى: فمن أطاعك من ذرية آدم، وضلَّ عن الحق، فإن جزاءك على دعائك إياهم، وجزاءهم على اتباعهم لك وخلافهم أمري جزاءٌ موفور، لا ينقص لكم منه شيءٌ بما تستحقون من سيء الأعمال، وما دنّستم به أنفسكم من قبيح الأفعال،
٦٤ - ثم قال تعالى مهددًا له: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾؛ أي: استزل واستخف وأزعج وحرك ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من ذرية آدم استزلاله وإزعاجه ﴿بِصَوْتِكَ﴾؛ أي: بوسوستك ودعائك إلى معصية الله تعالى، وقيل: أراد بصوتك الغناء، والمزامير، واللهو واللعب ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: وصح على من استطعت من ذرية آدم مصحوبًا ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾؛ أي: بأعوانك وأنصارك الركاب والمشاة.
فروى أبو الضحى عن ابن عباس أنه قال: كل راكب أو ماش في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليس وجنوده، وفي «الكواشي» (٢): جلب وأجلب واحدٌ بمعنى: الحث والصياح؛ أي: صح عليهم بأعوانك، وأنصارك من راكب وراجل من أهل الفساد، والخيل الخيّالة بتشديد الياء، وهي أصحاب الخيول، والرّجل بالسكون بمعنى الراجل، وهو من لم يكن له ظهر يركبه.
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: إن خيلًا ورجلًا من الجن والإنس، فما كان من راكب يقاتل في معصية الله فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل يقاتل في معصية الله فهو من رجل إبليس.
стр. 7014
وقال الزجاج (١): أي اجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك، فالإجلاب: الجمع و ﴿الباء﴾ في بخيلك زائدة، وقال أبو زيد: فالخيل والرجل كناية عن جميع مكايد الشيطان، أو المراد كل راكب وراجل في معصية الله.
﴿وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ﴾ بحملهم على كسبها أو جمعها من الحرام، والتصرّف فيها على ما لا ينبغي من الربا، والإسراف، ومنع الزكاة وغير ذلك، وقال الحسن: مرهم أن يكسبوها من خبيثٍ، وينفقوها في حرام. ﴿وَ﴾ شاركهم في ﴿الْأَوْلادِ﴾ بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة، والوأد، والإشراك كتسميتهم بعبد اللات، وعبد العزى، وعبد مناة، والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة، والحرف الذميمة، والأفعال القبيحة.
وقال الشوكاني: أمّا المشاركة في الأموال (٢): فهي كل تصرف فيها يخالف ميزان الشرع سواء كان أخذًا من غير حق، أو وضعًا في غير حق، كالغصب والسرقة، والربا، ومن ذلك تبتيك آذان الأنعام، وجعلها بحيرةً وسائبة، والمشاركة في الأولاد دعوى الولد بغير سبب شرعي، وتحصيله بالزنا، وتسميتهم بعبد اللات، وعبد العزى، والإساءة في تربيتهم على وجه يألفون فيه خصال الشر، وأفعال السوء، ويدخل فيه ما قتلوا من أولادهم خشية إملاق، ووأد البنات، وتصيير أولادهم على الملة الكفرية التي هم عليها، ومن ذلك مشاركة الشّيطان للمجامع إذا لم يسمّ. اهـ.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿ورَجْلِك﴾ بفتح الراء وسكون الجيم، وهو اسم جمع واحده راجلٍ كركبٍ، وراكب، وقرأ الحسن وأبو عمرو - في رواية - وحفص بكسر الجيم - قال صاحب - «اللّوامح»: بمعنى الرجال، وقرأ قتادة وعكرمة ﴿ورجالك﴾ وقرىء ﴿ورجَّل لك﴾ بضم الراء وتشديد الجيم ﴿وَعِدْهُمْ﴾ المواعيد الباطلة، والأماني الكاذبة، وأخبرهم الأخبار العاطلة الغارة لهم كشفاعة الآلهة،
стр. 7015
والاتكال على كرامة الآباء، وتأخير التوبة بتطويل الأمل، وإخبارهم أن لا جَنَّةَ ولا نارَ ونحو ذلك.
وخلاصة ذلك (١): أنه يُغويهم بأن لا ضرر من فعل هذه المعاصي، فإنه لا جنة ولا نار، ولا حياة بعد هذه الحياة، وإنها سبيل اللذَّة والسُّرور، ولا حياة للإنسان إلّا بها، فتفويتها غبنٌ وخسرانٌ وقال الشاعر:
خذوا بنصيبٍ من سرورٍ ولذّةٍ ... فكلٌّ وإن طال المدى يتصَّرم
وينفِّرهم من الطاعة بأن لا فائدة فيها، إذ لا رجعة بعد هذه الحياة، فهي عبثٌ محضٌ. فهذه بعض تلبيسات الشيطان، وهذه خدعة.
قال في «بحر العلوم» (٢): هذه الأوامر المذكورة كلّها واردة على طريق التهديد كقوله للعصاة: اعملوا ما شئتم، وقيل: على سبيل الخذلان والتخلية اهـ. ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ أي: إلا باطلًا؛ أي: وما يخبرهم من الأماني الكاذبة، إلّا خبرا باطلًا عاطلًا، لأنه لا يغني عنهم من عقاب الله شيئًا إذا نزل بهم، فمواعيده خدعة. يزينها لهم، ويلبّسها ثوب الحق كما قال إبليس إذ حصحص الحقّ يوم يقضي ربّك بالحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
٦٥ - وهذه الجملة (٣) اعتراض واقع بين الجمل التي خاطب الله بها الشيطان ﴿إِنَّ عِبادِي﴾ الذين أطاعوني، فاتّبعوا أمري، وعصوك ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على إغوائهم وإضلالهم ﴿سُلْطانٌ﴾ أي: تسلّطٌ وقدرةٌ، فلا تقدر أن تغويهم، وتحملهم على ذنب لا يغفر، فإني قد وفقتهم بالتوكّل عليّ فكفيتهم أمرك، والإضافة في قوله: عبادي للتشريف، وفيه تعريضٌ بأنّ من تبعه ليس منهم. ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾؛ أي: مالك أمرك ومغويك وخاذلك يا إبليس من جهة كونه: ﴿وَكِيلًا﴾ أي: حافظًا لهم، فهم يتوكلون عليه، ويستمدون منه العون في الخلاص من إغوائك
стр. 7016
ووسوستك، وفي الآية إيماءٌ إلى أنّ الإنسان لا يمكنه أن يحترز (١) بنفسه عن مواقع الضلال؛ لأنه لو كان الإقدام على الحق والإحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه .. لوجب أن يقال: وكفى بالإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان، فلما لم يقل ذلك، بل قال: وكفى بربك وكيلًا .. علمنا أنّ الكلّ من الله تعالى، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوّة على طاعة الله إلّا بقوته. اه كرخي.
٦٦ - وقوله: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ تعليل (٢) لكفايته، وبيانٌ لقدرته على عصمة من توكل عليه في أموره، وهذا شروع في تذكير بعض النعم عليهم، حملًا لهم على الإيمان. اه شيخنا ﴿رَبُّكُمُ﴾ مبتدأ خبره ﴿الَّذِي﴾؛ أي: مالككم هو القادر الحكيم الذي ﴿يُزْجِي﴾ ويجري ويسوق بقدرته الكاملة ﴿لَكُمُ﴾؛ أي: لمنافعكم ﴿الْفُلْكَ﴾؛ أي: السفن فِي الْبَحْرِ قال في «القاموس»: البحر الماء الكثير، ﴿لِتَبْتَغُوا﴾؛ أي: لتطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: من رزق هو فضل من قبله؛ أي: لتبتغوا الرّبح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم. اهـ بيضاوي. و ﴿مِنْ﴾ زائدة في المفعول ﴿إِنَّهُ كانَ﴾ أزلا وأبدا ﴿بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه، وسهل عليكم ما يعسر من أسبابه، فالمراد: الرّحمة الدنيوية، والنعمة العاجلة المنقسمة إلى الجليلة والحقيرة.
والمعنى: أي إنّ ربكم أيها القوم، هو القادر الحكيم، الذي يجري لنفعكم السفن في البحر بالريح اللينة، أو بالآلات البخارية، أو الكهربائية لتسهيل نقل أقواتكم، وحجاجكم من إقليم إلى آخر من أقصى المعمورة إلى أدناها، والعكس بالعكس، ونقل أشخاصكم من قطر إلى قطر، ابتغاء للرزق أو للسياحة، ورؤية مظاهر الكون على اختلاف الأصقاع، مما يرشد على باهر القدرة، ووافر النعمة عليكم، إنه كان بكم رحيمًا، إذ سهل ما فيه الفوائد المرجوّة لكم في هذه الحياة،
٦٧ - ثم خاطب الكفار، بقوله: ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾؛ أي: الشدّة، وخوف
стр. 7017
الغرق ﴿فِي الْبَحْرِ ضَلَّ﴾، وذهب، وغاب عن أوهامكم وخواطركم ﴿مَنْ تَدْعُونَ﴾؛ أي: كلّ من تدعون، وتستغيثون به من حوادثكم، من الأصنام وغيرها. ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾؛ أي: إلا الله تعالى، وحده، فإنّكم لا تذكرون سواه، ولا يخطر ببالكم غيره؛ لأنه القادر على إغاثتكم ونجاتكم.
وقرأ مجاهد، وأبو المتوكل (١): ﴿ضل من يدعون﴾ بالياء، والمعنى؛ أي: وإذا نالتكم شدّة جهد في البحر، ذهب عن خواطركم كل من تدعونه، وترجون نفعه من صنم، أو جن، أو ملك، أو بشر، أو حجر، فلا تذكرون إلا الله، ولا يخطر على بالكم سواه، لكشف ما حل بكم.
وخلاصة ذلك: أنكم مسّكم الضر دعوتم الله منيبين إليه، مخلصين له الدين ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾؛ أي: أجاب دعاءكم، وأنجاكم من هول البحر وشدته، وأخرجكم ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾؛ أي: عن الإيمان والإخلاص، والطاعة، ورجعتم إلى عبادة الأوثان، وكفرتم النّعمة وهو قوله تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ﴾؛ أي: جنس الإنسان ﴿كَفُورًا﴾؛ أي: كثير الكفران للنعمة، ولم يقل (٢): وكنتم كفورا ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة، والمعنى: أي (٣) ومن عجيب أمركم أنكم حين دعوتموه، وأغاثكم، وأجاب دعاءكم، ونجّاكم من هول ما كنتم فيه في البحر، أعرضتم عن الإخلاص، ورجعتم إلى الإشراك به كفرا منكم بنعمته، ثمّ علل هذا الإعراض بقوله: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾؛ أي: وكانت سجية الإنسان وطبيعته أن ينسى النّعم ويجحدها إلا من عصمه الله تعالى.
وخلاصة ما سلف: أنكم حين الشدائد تجأرون طالبين رحمته، وحين الرخاء تعرضون عنه،
٦٨ - ثمّ حذر من كفران نعمته فقال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾ و ﴿الهمزة﴾ فيه للاستفهام الإنكاري. و ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف، والخطاب فيه للسابق ذكرهم، والتّقدير: أنجوتم فأمنتم أيها الناجون المعرضون
стр. 7018
عن صنع الله الذي نجاكم من أن يخسف الله ويقلب جانب البر وناحيته الذي كنتم عليه حالة كون ذلك الجانب مصحوبا بكم، فيحصل بخسفه إهلاككم، و ﴿بِكُمْ﴾ حال من جانب البر، وهو مفعول به لخسف، والمعنى: إنّ الجهات كلّها له، وفي قدرته برًّا كان أو بحرًا، بل إن كان الغرق في البحر ففي جانب البر ما هو مثله، وهو الخسف لأنه يغيّب تحت الثرى كما أنّ الغرق يغيّب تحت الماء .. اهـ خازن.
قال الزمخشري (١): و ﴿الفاء﴾ للعطف على محذوف تقديره: أنجوتم فأمنتم انتهى، وتقدم لنا الكلام معه في دعواه أنّ ﴿الفاء﴾ و ﴿الواو﴾ في مثل هذا التركيب للعطف على محذوفٍ بين الهمزة وحرف العطف، وأنّ مذهب الجماعة أن لّا محذوف هناك، وأنّ الفاء والواو للعطف على ما قبلها، وأنه اعتني بهمزة الاستفهام، لكونها لها صدر الكلام، فقدمت، والنية التأخير، وأن التقدير: أفأمنتم، وقد رجع الزمخشري إلى مذهب الجماعة. ﴿أَوْ﴾ أمنتم ﴿أن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ من فوقكم ﴿حاصِبًا﴾؛ أي: ريحًا ترمي الحصباء، وهي الحصى الصغار، يرجمكم بها فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر، وقيل: أي أو يمطر عليكم حصباء كما أرسلها على قوم لوط، وأصحاب الفيل، ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾؛ أي: حفظيا يحفظكم من ذلك، وناصرا يصرفه عنكم، فإنه لا رادّ لأمره الغالب.
والمعنى: أي أفحسبتم (٢) أنكم بخروجكم إلى البر أمنتم من انتقام الله وعذابه، فهو إن شاء .. خسف بكم جانب البر وغيّبه في أعماق الأرض، وأنتم عليها، وإن شاء .. أمطر عليكم حجارةً من السماء تقتلكم كما فعل بقوم لوط، ثمّ لا تجدون من تكلون إليه أموركم، فيحفظكم من ذلك أو يصرفه عنكم غيره جل وعلا.
وخلاصة ذلك: إن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف، أصابكم من
стр. 7019
فوقكم بريح يرسلها عليكم، فيها الحصباء يرجمكم بها، فيكون أشدّ عليكم من الغرق في البحر.
٦٩ - و ﴿أَمْ﴾ في قوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ منقطعة تقدر بـ ﴿بل﴾ وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أأمنتم ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ الله ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في البحر بعد خروجكم إلى البر وسلامتكم ﴿تارَةً﴾؛ أي: مرة ﴿أُخْرى﴾ بخلق دواعٍ وأسباب تلجئكم إلى أن ترجعوا فتركبوه، فإسناد (١) الإعادة إليه تعالى مع أنّ العود إليه باختيارهم باعتبار خلق تلك الدواعي الملجئة، وفيه إيماء إلى كمال شدة هول ما لاقوه في التارة الأولى، بحيث لولا الإعادة لما عادوا، وأوثرت كلمة (في) على كلمة (إلى) المنبئة عن مجرد الانتهاء للدلالة على استقرارهم فيه.
﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ﴾ وأنتم في البحر ﴿قاصِفًا﴾، أي: شديدًا ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ كاسرًا لما مر عليه، والقاصف من الريح هي التي لا تمر بشيء إلا قصفته؛ أي: كسرته، وجعلته كالرميم، وذكّر قاصفا؛ لأنه ليس بإزائه ذكر فجرى مجرى حائض كما في «الكواشي» ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ سبحانه بعد كسر فلككم كما ينبىء عنه عنوان القصف ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾؛ أي: بسبب إشراككم وكفرانكم، لنعمة الإنجاء ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا﴾ ناصرًا ﴿لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ﴾؛ أي: بإغراقكم ﴿تَبِيعًا﴾؛ أي: ثائرًا، ولا طالبًا يطالبنا بثأر إغراقكم، أو بصرفه عنكم، والمعنى؛ أي: أم أمنتم أيها المعرضون عنّا بعدما اعترفتم بتوحيدنا في البحر، حتى خرجتم إلى البر، أن يعيدكم فيه مرّة أخرى فيرسل عليكم ريحا تقصف السّواري، وتغرق المراكب بسبب كفركم، وإعراضكم عن الله، ثمّ لا تجدوا لكم نصيرا يعينكم، ويأخذ بثأركم، وقال قتادة في تفسيرها: أي: لا نخاف أحدًا يتبعنا بشيء ممّا فعلنا، يريد أنكم لا تجدون ثائرا يطلبنا بما فعلنا انتصارا منا، أو دركا للثأر من جهتنا، وفي معنى الآية قوله: ﴿فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)﴾، وفي الآية وعيد أيما وعيد، فكأنه قيل: ننتقم منكم من غير أن يكون لكم نصيرٌ يدفع عنكم شديد بأسنا.
стр. 7020
وقرأ ابن كثير (١)، وأبو عمرو، ﴿نخسف﴾ و ﴿أو نرسل﴾ و ﴿أن نعيدكم﴾ و ﴿فنرسل﴾ و ﴿فنغرقكم﴾ خمستها بالنون، وباقي القراء بياء الغيبة، وقرأ مجاهد، وأبو جعفر، فتغرقكم بتاء الغائبة مسندًا إلى الريح، وقرأ الحسن، وأبو رجاء، فيغرقكم بياء الغيبة وفتح الغين، وشدّ الراء عداه بالتضعيف، والمقرىء لأبي جعفر كذلك إلّا بتاء الغيبة، وقرأ حميد بالنون، وإسكان الغين وإدغام القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن، وقرأ الجمهور من الريح بالإفراد، وأبو جعفر من الرياح جمعًا، والله أعلم.
الإعراب
﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾.
﴿وَقُلْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو استئنافية ﴿قُلْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على ما سبق من الأوامر، ليستكمل التعاليم التي بها قوام أمورهم، أو مستأنفة ﴿لِعِبادِي﴾ جار ومجرور متعلق به، ﴿يَقُولُوا﴾ فعل مضارع بمعنى يذكروا .. مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف النون، و ﴿الواو﴾ فاعل ﴿الَّتِي﴾ في محل النصب على المفعولية على كونها صفة للموصوف المحذوف، تقديره: يقولوا الكلمة التي هي أحسن، والمراد بالكلمة: الكلمة اللغوية، على حد قول ابن مالك: وكلمة بها كلام قد يؤم ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول، ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَنْزَغُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيْطانَ﴾ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف، ومضاف إليه متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ﴾ ناصب واسمه ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمه ضمير يعود على الشيطان ﴿لِلْإِنْسانِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَدُوًّا﴾ ﴿عَدُوًّا﴾ خبر ﴿كانَ﴾ ﴿مُبِينًا﴾ صفة لـ ﴿عَدُوًّا﴾، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾،
стр. 7021
وجملة ﴿إِنَّ﴾ مسوقة لتعليل قوله: ﴿يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة ﴿بِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ جازم وشرط مجزوم، وفاعله ضمير يعود على الرب ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم على كونه جواب الشرط، وفاعله ضمير يعود على الرب، والجملة الشرطية مستأنفة ﴿أَوْ﴾ حرف عطف وتفصيل ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ جازم وفعل مجزوم وفاعله ضمير يعود على الرب ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ فعل ومفعول مجزوم على كونه جواب الشرط، والجملة الشرطية معطوفة على الشرطية الأولى ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿أَرْسَلْناكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة الشرط ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿وَكِيلًا﴾ ﴿وَكِيلًا﴾ حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْناكَ﴾ أي: وما أرسلناك إليهم حالة كونك موكولًا إليه أمرهم فتحاول هدايتهم.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾.
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ ﴿بِمَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ جار ومجرور صلة ﴿من﴾ الموصولة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّماواتِ﴾ ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب لقسم محذوف، وجملة القسم مستأنفة ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَضَّلْنا﴾ ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَضَّلْنا﴾.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾.
﴿قُلِ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿ادْعُوا الَّذِينَ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ﴾ فعل
стр. 7022
وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلِ﴾ ﴿زَعَمْتُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعولا ﴿زعم﴾ محذوفان للعلم بهما، تقديره؛ زعمتموهم آلهةً، وجملة زعم صلة الموصول ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ جار ومجرور حال من الموصول، لأن في الكلام تقديمًا، وتأخيرًا، تقديره: قل ادعوا الذين من دونه، زعمتم أنهم شركاء لله، فلا يرد السؤال، كيف قال من دونه مع أنّ المشركين، ما زعموا غير الله إلها دون الله، بل مع الله على وجه الشركة اهـ كرخي. ﴿فَلا﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية ﴿لا﴾ نافية ﴿يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾ فعل وفاعل ﴿عَنْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿كَشْفَ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة، ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة لا نافية ﴿تَحْوِيلًا﴾ معطوف على ﴿كَشْفَ الضُّرِّ﴾.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾.
﴿أُولئِكَ﴾ مبتدأ واقع على الذين زعموهم آلهة من العقلاء ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من ﴿أُولئِكَ﴾، أو عطف بيان عليه ﴿يَدْعُونَ﴾ فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يدعونهم ﴿يَبْتَغُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿إِلى رَبِّهِمُ﴾ متعلق بـ ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، ويجوز لك أن تعرب الذين هو الخبر، وجملة ﴿يَبْتَغُونَ﴾ حال من فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾. ﴿أَيُّهُمْ﴾ أي: اسم موصول في محل الرفع بدل من فاعل ﴿يَبْتَغُونَ﴾ و ﴿الهاء﴾ مضاف إليه ﴿أَقْرَبُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو أقرب والجملة صلة الموصول، ويجوز أن تعرب ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ على الابتداء، والخبر على جعل أيّ استفهامية، والجملة الاسمية في محل النصب على إسقاط الخافض على إضمار فعل التعليق، تقديره: ينظرون في أيهم أقرب، وجملة الفعل المعلق حال من فاعل ﴿يَبْتَغُونَ﴾. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَبْتَغُونَ﴾ ﴿وَيَخافُونَ عَذابَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَرْجُونَ﴾. ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ﴾ ناصب واسمه، ومضاف إليه ﴿كانَ مَحْذُورًا﴾ فعل ناقص وخبره واسمه ضمير يعود على العذاب، وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل جملة الخوف.
стр. 7023
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾.
﴿وَإِنْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿قَرْيَةٍ﴾ مبتدأ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾ مبتدأ، وخبر ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ متعلق بـ ﴿مُهْلِكُوها﴾، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة ﴿أَوْ مُعَذِّبُوها﴾ معطوف على ﴿مُهْلِكُوها﴾ ﴿عَذابًا﴾ مفعول مطلق لـ ﴿مُعَذِّبُوها﴾ ﴿شَدِيدًا﴾ صفة ﴿عَذابًا﴾. ﴿كانَ ذلِكَ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿فِي الْكِتابِ﴾ متعلق بـ ﴿مَسْطُورًا﴾ ﴿مَسْطُورًا﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة ﴿كانَ﴾ مستأنفة.
﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾.
﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿مَنَعَنا﴾ فعل ومفعول أول ﴿أَنْ نُرْسِلَ﴾ ناصب وفعل، وفاعله ضمير يعود على الله، ومفعول الإرسال محذوف، تقديره: نرسل رسولًا ﴿بِالْآياتِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُرْسِلَ﴾ أو حال من المفعول المحذوف، تقديره: أن نرسل رسولًا حالة كونه ملتبسا بالآيات، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ (منع) تقديره؛ وما منعنا إرسال رسول بالآيات ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْ كَذَّبَ﴾ ناصب ومنصوب ﴿بِهَا﴾ متعلق به ﴿الْأَوَّلُونَ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، لـ ﴿منع﴾ تقديره: وما منعنا إرسال رسول بالآيات إلا تكذيب الأولين بها، وجملة ﴿منع﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أو مستأنفة. ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة مستأنفة ﴿مُبْصِرَةً﴾ حال من ﴿النَّاقَةَ﴾. ﴿فَظَلَمُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿ظلموا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهَا﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْنا﴾. وَما ﴿الواو﴾ حالية ﴿ما﴾ نافية ﴿نُرْسِلَ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِالْآياتِ﴾ متعلق بـ ﴿نُرْسِلَ﴾ أو حال من المفعول المحذوف كما مر نظيره آنفًا ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿تَخْوِيفًا﴾ مفعول لأجله منصوب بـ ﴿نُرْسِلَ﴾؛ أو حال من فاعل ﴿نُرْسِلَ﴾ أي حالة كوننا مخوفين بها، أو من ﴿الآيات﴾ أي: مخوفًا بها.
стр. 7024
﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى متعلق بمحذوف تقديره: واذكر لقومك قصة إذ قلنا لك ﴿قُلْنا﴾ فعل وفاعل ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قُلْنا﴾، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿أَحَاطَ﴾ فعل ماض ﴿بِالنَّاسِ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، وجملة ﴿أَحاطَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْنا﴾ ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿جَعَلْنَا الرُّؤْيَا﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة مستأنفة ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿أَرَيْناكَ﴾ ﴿أَرَيْناكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره أريناكها، وهو العائد على الموصول، وجملة ﴿أَرَيْناكَ﴾ صلة الموصول ﴿إِلَّا﴾ أداء استثناء مفرغ ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ ﴿لِلنَّاسِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾.
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾.
﴿وَالشَّجَرَةَ﴾ معطوف على ﴿الرُّؤْيَا﴾. ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾ صفة لـ ﴿الشَّجَرَةَ﴾. ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الشَّجَرَةَ﴾؛ أي: حالة كونها مذكورة في القرآن، ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿نُخَوِّفُهُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿يَزِيدُهُمْ﴾ فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على التخويف ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿طُغْيانًا﴾ مفعول ثان ﴿كَبِيرًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿نخوف﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر قصّة إذ قلنا للملائكة ﴿قُلْنا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ متعلق بـ ﴿قُلْنا﴾ ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اسْجُدُوا﴾ فعل وفاعل ﴿لِآدَمَ﴾ متعلق به، والجملة في محل
стр. 7025
النصب مقول ﴿قُلْنا﴾ ﴿فَسَجَدُوا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿سجدوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قُلْنا﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿إِبْلِيسَ﴾ منصوب على الاستثناء ﴿قالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾ والجملة في محل النصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ ﴿أَأَسْجُدُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿أَسْجُدُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾ والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿لِمَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَسْجُدُ﴾ ﴿خَلَقْتَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: لمن خلقته ﴿طِينًا﴾ حال من من الموصولة، والعامل فيه ﴿أَسْجُدُ﴾ أو من العائد المحذوف، والعامل ﴿خَلَقْتَ﴾ أو منصوب بنزع الخافض أي: من طين أو مفعول منه، منصوب بـ ﴿خَلَقْتَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ﴾؛ أي: من قومه؛ لأن قومه مفعول به كما ذكرنا في مبحثه.
﴿قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾، والجملة مستأنفة ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قالَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أرايت﴾ فعل وفاعل، و ﴿الكاف﴾ حرف دال على الخطاب لتأكيد الخطاب المفهوم من ﴿التاء﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿هذَا﴾ في محل النصب مفعول أول لـ ﴿رأيت﴾ ﴿الَّذِي﴾ صفة لاسم الإشارة، أو بدل منه ﴿كَرَّمْتَ﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَيَّ﴾ متعلق به، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: كرمته عليّ والمفعول الثاني لـ ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ محذوف لدلالة الصلة عليه، ولا بد من كونه جملة استفهامية، والتقدير: أخبرني عن هذا الذي كرمته علي، بأن أمرتني بالسجود له، لم كرمته علي؛ أي: تقديره أرأيتك هذا الذي كرمته علي لم كرمته علي، ولم يجبه الله تعالى عن هذا السؤال، استصغارًا لأمره، واحتقارًا لشأنه، فاختصر الكلام بحذف ذلك، ثمَّ ابتدأ بالقسم فقال: ﴿لَئِنْ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿أَخَّرْتَنِ﴾ فعل وفاعل، ومفعول ونون وقاية في محل الجزم
стр. 7026
بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَخَّرْتَنِ﴾ ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم مؤكدة للأولى ﴿أحتنكن﴾ فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: أنا يعود على إبليس ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ مفعول به ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿قَلِيلًا﴾ مستثنى من الذرية منصوب بإلا على الاستثناء، والجملة الفعلية: جواب القسم لا محلّ لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، تقديره: إن أخرتني أحتنك ذريته إلّا قليلا وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿اذْهَبْ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اذْهَبْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾ استئنافية ﴿من﴾ اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط، أو هما ﴿تَبِعَكَ﴾ فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور حال من ضمير الفاعل في ﴿تَبِعَكَ﴾ ﴿فَإِنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية ﴿إن جهنم جزاؤكم﴾ ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة ﴿جَزاءً﴾ منصوب على المفعولية المطلقة بالمصدر المذكور قبله، أو بفعل محذوف تقديره: تجزون جزاء ﴿مَوْفُورًا﴾ صفة لـ ﴿جَزاءً﴾.
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾.
﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿مَنِ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول
стр. 7027
به ﴿اسْتَطَعْتَ﴾ فعل وفاعل، ومفعوله، محذوف تقديره: من استطعت استفزازه، والجملة صلة ﴿مَنِ﴾ الموصولة، والعائد الضمير المحذوف ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿مَنِ﴾ الموصولة، أو من العائد المحذوف ﴿بِصَوْتِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْتَفْزِزْ﴾ ﴿وَأَجْلِبْ﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على إبليس، والجملة معطوفة على جملة ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أَجْلِبْ﴾ ﴿بِخَيْلِكَ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿أَجْلِبْ﴾؛ أي: حالة كونك مصحوبًا بخيلك، ﴿وَرَجِلِكَ﴾ معطوف على خيلك، ﴿وَشارِكْهُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿اذْهَبْ﴾ وفاعله ضمير يعود على إبليس فِي ﴿الْأَمْوالِ﴾ متعلق بـ ﴿شارِكْهُمْ﴾، ﴿وَالْأَوْلادِ﴾ معطوف على الأموال، ﴿وَعِدْهُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿اذْهَبْ﴾ وفاعله ضمير يعود على إبليس، ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ حالية، أو اعتراضية ﴿ما﴾ نافية ﴿يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ﴾ فعل ومفعول وفاعل ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿غُرُورًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة لأنه صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا وعدا غرورا؛ أي: باطلا، والجملة المنفية في محل النصب حال من فاعل، ﴿عِدْهُمْ﴾، وفي الكلام التفات أو جملة معترضة لا محلَّ لها من الإعراب لاعتراضها بين الجمل التي خاطب الله بها إبليس. اهـ كرخي.
﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾.
﴿إِنَّ عِبادِي﴾ ناصب واسمه ﴿لَيْسَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لَكَ﴾ خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿سُلْطانٌ﴾ ﴿سُلْطانٌ﴾ اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر؛ أي: ليس سلطان عليهم كائنًا لك، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ فعل وفاعل و ﴿الباء﴾ زائدة في فاعل ﴿كَفى﴾ ﴿وَكِيلًا﴾ منصوب على التمييز لنسبة ﴿كَفى﴾ إلى فاعله، وجملة ﴿كَفى﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾.
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل كفايته،
стр. 7028
وبيان قدرته على عصمة من توكل عليه في أموره. اهـ زاده. ﴿يُزْجِي﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الموصول ﴿لَكُمُ﴾ متعلق به ﴿الْفُلْكَ﴾ مفعول به ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ حال من الفلك، والجملة الفعلية صلة الموصول ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿تبتغوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لابتغائكم من فضله الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُزْجِي﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على الرب ﴿بِكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿رَحِيمًا﴾ ﴿رَحِيمًا﴾ خبر ﴿كانَ﴾ وجملة ﴿كانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها فهي تعليل ثان لقوله: ﴿يُزْجِي﴾.
﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧)﴾.
﴿وَإِذا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ فعل ومفعول، وفاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ جار ومجرور حال من كاف المخاطبين تقديره: حالة كونكم في البحر ﴿ضَلَّ﴾ فعل ماض ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل ضل، وجملة ﴿تَدْعُونَ﴾ صلة من الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من تدعونه ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿إِيَّاهُ﴾ في محل النصب على الاستثناء من ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وجملة ﴿ضَلَّ﴾ جواب ﴿إِذا﴾ لا محلّ لها من الإعراب، وجملة إذا معطوفة على جملة قوله: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف تقديره: ولما دعوتموه تعالى نجاكم إلى البر ﴿لما﴾ حرف شرط غير جازم ﴿نَجَّاكُمْ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية فعلُ شرط لـ ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾ جار ومجرور حال من ضمير المخاطبين؛ أي: حَالَة كونكم، واصلين إلى البر، أو متعلق بـ ﴿نَجَّاكُمْ﴾ ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا
стр. 7029
محلّ لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، ﴿وَكانَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿كانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كانَ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿أَعْرَضْتُمْ﴾.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾.
﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿أمنتم﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والتقدير: أنجوتم فأمنتم، والجملة المحذوفة جملة إنشائية مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ ناصب وفعل منصوب وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِكُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿جانِبَ الْبَرِّ﴾ ﴿جانِبَ الْبَرِّ﴾ مفعول به: والتقدير أن يخسف جانب البر حالة كونه مصحوبًا بكم، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية، في تأويل مصدر مجرور، بحرف جر محذوف، تقديره: أفأمنتم من خسف الله تعالى جانب البرّ ﴿بِكُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أمنتم﴾ ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ معطوف على ﴿يَخْسِفَ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به ﴿حَاصِبًا﴾ مفعول به ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿لا﴾ نافية ﴿تَجِدُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يُرْسِلَ﴾ ﴿لَكُمْ﴾ حال من ﴿وَكِيلًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿وَكِيلًا﴾ مفعول به لـ ﴿وجد﴾ فهو من وجدان الضالة يتعدى لمفعول واحد.
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.
﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل، وهمزة الاستفهام الإنكاري ﴿أَمِنْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ أو مستأنفة، ويجوز أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة؛ أي: أي الأمرين كائن ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ ناصب وفعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿يعيد﴾ ﴿تارَةً﴾ منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ ﴿يعيد﴾ أيضًا ﴿أُخْرى﴾ صفة لـ ﴿تارَةً﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، والتقدير: أم أمنتم إعادتَه إيَّاكم فيه مرةً
стр. 7030
أخرى ﴿فَيُرْسِلَ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿يرسل﴾ معطوف على ﴿يعيد﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق به ﴿قاصِفًا﴾ مفعول به ﴿مِنَ الرِّيحِ﴾ جار ومجرور، صفة لـ ﴿قاصِفًا﴾ ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿يغرقكم﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿يرسل﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر وسبب ﴿ما﴾ مصدرية ﴿كَفَرْتُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الباء﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يغرق﴾؛ أي: فيغرقكم بسبب كفركم، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿لا﴾ نافية، ﴿تَجِدُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿يغرقكم﴾ ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿تَبِيعًا﴾ لأنه كان في الأصل صفة لـ ﴿تَبِيعًا﴾ فقدّم عليه على حد قول أبي الطيب المتنبي:
لَوْلا مفارقةُ الأَحْبَاب مَا وَجَدَتْ ... لَهَا المَنَايَا إلَى أَرْوَاحِنَا سُبُلَا
فقوله: لها متعلق بمحذوف حال من سُبلًا لأنه صفة نكرة، قدمت عليها، ولا يجوز تعلقه بوجدت، لأن وجد لا يتعدى باللام، وإنما يتعدَّى بنفسه، و ﴿عَلَيْنا﴾ متعلق بمحذوف حال من ﴿تَبِيعًا﴾ أيضًا، و ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَبِيعًا﴾ ﴿تَبِيعًا﴾ مفعول لـ ﴿تَجِدُوا﴾، ويجوز أن يتضمن ﴿تَبِيعًا﴾ بمعنى ﴿نَاصِرًا﴾ فيكون ﴿عَلَيْنَا﴾ متعلق به؛ أي: ناصرًا علينا، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ يقال: نزغ بينهم من باب نفع، إذا أفسد، وأغرى، ووسوس أي يفسد ويهيج الشر والمراء بينهم فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد، وازدياد الفساد، وفي «القاموس»: ونزغه كمنعه طعن فيه، واغتابه ﴿وَكِيلًا﴾، والوكيل: هو المفوض إليه الأمر. ﴿زَبُورًا﴾ والزبور: اسم الكتاب الذي أنزل على داود ﵇، وتعريف الزبور تارةً، وتنكيره أخرى إمّا لأنه في الأصل فعول بمعنى المفعول، كالحلوب أو مصدر بمعناه كالقبور، وإما لأن المراد إيتاء داود زبورا من الزبر فيه ذكره ﷺ اهـ.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ الزعم بتثليث الزاي: القول المشكوك في صدقه: وقد يستعمل بمعنى الكذب، حتى قال ابن عباس: كل موضع في كتاب الله ورد فيه
стр. 7031
«زعم» فهو كذب ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾؛ أي: لا يستطيعون ﴿كَشْفَ الضُّرِّ﴾ ﴿وَلا تَحْوِيلًا﴾؛ أي: إزالته عنكم، أو تحويله، ونقله عنكم إلى غيركم ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ القرب إليه تعالى بالطاعة والعبادة ﴿مَحْذُورًا﴾، أي يحذره، ويحترس منه كل أحد ﴿فِي الْكِتابِ﴾؛ أي: في اللوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾؛ أي: مكتوبًا اسم مفعول من سطر - من باب نصر - سطرًا بالسكون، وسطرًا بالتحريك، وجمع السطر بالسكون أسطر كفلس، وأفلس وجمع السطر بالتحريك: أسطارٌ كسبب، وأسباب ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾؛ والآيات هي ما اقترحته قريش من جعل الصَّفا ذهبًا. ﴿مُبْصِرَةً﴾؛ أي: ذات بصيرة، لمن يتأملها، ويتفكر فيها ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾؛ أي: فكفروا بها، وجحدوا ﴿أَحاطَ بِالنَّاسِ﴾، أي: أحاطت بهم قدرته فلا يستطيعون إيصال الأذى إليك إلا بإذننا ﴿الرُّؤْيَا﴾ والرؤيا هي ما عاينه ﷺ ليلة أسري به من العجائب. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾، أي: المؤذية، وهي شجرة الزقوم، وللعلماء في معنى الملعونة ثلاثة أقوال:
أحدها: المذمومة. قاله ابن عباس.
والثاني: الملعون آكلها، ذكره الزجَّاج، وقال: إن لم يكن في القرآن ذكر لعنها، ففيه لعن آكلها، قال: والعرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون، وأما قوله: ﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ فمعناه التي ذكرت في القرآن، وهي مذكورةٌ في قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾.
والثالث: أن معنى الملعونة المبعدة عن منازل أهل الفضل. ذكره ابن الأنباري.
وفي هذه الشّجرة أيضًا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّها شجرة الزقوم، رواه عكرمة.
والقول الثاني: أنَّ الشَّجرة الملعونة هي التي تلتوي على الشجر يعني الكشوثي، وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا. قال الجوهري: الكشوث نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر:
هُو الْكَشُوْثُ فَلا أَصْلٌ وَلا ورقٌ ... وَلا نَسِيمٌ وَلا ظلٌّ ولا ثمرُ
стр. 7032
والقول الثالث: أنّ الشجرة كناية عن الرجال على ما ذكرنا عن سعيد بن المسيب ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير»، وهي أخبث الشجر المرّ، وهي تنبت بتهامة؛ وتنبت في الآخرة في أصل الجحيم، أي قعرها، وتكون طعام أهل النار ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾؛ أي: لأستأصلنّ ذرّيته بالإغواء من احتنك الجراد الأرض إذا جرّد ما عليها أكلًا مأخوذ من الحنك، وقيل: معنى لأحتنكنّ لأسوقنهم، وأقودنهم حيث شئت من حنك الدابة إذا جعل الرسن في حنكها، وفي «المختار» حنك الفرس جعل في فيه الرسن، وبابه نصر، وضرب، وكذا احتنكه، واحتنك الجراد الأرض أكل ما عليها، وأتى على نبتها، وقوله تعالى حاكيًا عن إبليس: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قال الفراء: لأستولين عليهم، والحنك المنقار يقال: أسود مثل حنك الغراب، وأسود حانك مثل حالك، والحنك ما تحت الذقن من الإنسان وغيره، ويقال: حنك الدابّة، واحتنكها إذا جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به، كأنه يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه ﴿اذْهَبْ﴾؛ أي: امض لشأنك، فقد خليتك، وما سولت لك نفسك ﴿مَوْفُورًا﴾؛ أي: مكملًا لا يدخر منه شيء من قولهم: فر لصاحبك عرضه فرة؛ أي: أكمله له، قال الشاعر:
وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوْفَ مِنْ دُوْنِ عِرْضِهِ ... يَفِرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ يقال: أفزه الخوف، واستفزه؛ أي: أزعجه، واستخفه، وفي «القاموس» «والتاج»: فزّ يفزّ فزًّا من باب شد انفرد، وفز عنه تنحَّى، وعدل واستفزه أزعجه، وأخرجه من داره، وقتله. ﴿بِصَوْتِكَ﴾؛ أي: بدعائك إلى معصية الله ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: صح عليهم من الجلبة، وهي الصياح، ويقال: أجلب على العدو إجلابا إذا جمع عليه الخيول، والمعنى: صح وصوِّت عليهم حال كونك ملتبسًا، ومصحوبًا بجنودك الركاب، والمشاة، والخيل تطلق على النوع المعروف، وعلى الراكبين لها، والمراد هنا الثاني، أعني الفرسان كما جاء في قوله ﷺ في بعض غزواته لأصحابه: يا خيل الله اركبي.
وقيل: معنى ﴿أَجْلِبْ﴾ اجمع، والباء زائدة؛ أي: أجلب عليهم خيلك، واجمع، وفي «المختار» وجلب على فرسه يجلب جلبًا بوزن طلب يطلب طلبًا،
стр. 7033
صاحَ بهِ من خلفه، واستحثه للسبق، وكذا أجْلب عليه اهـ. وهذا يقتضي زيادة الباء، ويكون المعنى عليه، و ﴿حث﴾ و ﴿أسرع﴾ عليهم جندك خيلًا ومشاةً، لتدركهم، وتتمكن منهم فليتأمل ﴿وَرَجِلِكَ﴾ اسم جمع لراجل بمعنى الماشي، كصحب اسم جمع لصاحب، وقرىء في السبعة، ورجلك بكسر الجيم، وهو مفرد بمعنى الجمع فهو بمعنى المشاة، وفي «القاموس»: الرجل الراجل. والرّاجل من يمشي على رجليه لا راكبًا، وجمعه رجلٌ ورجّالة، ورجّالٌ، ورجال، ورجالى، ورجالى ورجلان، ويقال: جاءت الخيالة، والرّجّالة، وأغار عليهم بخيله ورجله، والخيل الخيّالة ﴿غُرُورًا﴾، والغرور: تزيين الباطل بما يظن أنه حق ﴿وَكِيلًا﴾ والوكيل: الحافظ، والرّقيب ﴿يُزْجِي﴾؛ أي: يسوق حينا بعد حين يجري، ويسير وفي «القاموس» زجاه ساقه، ودفعه كزجاه، وأزجاه اهـ. ومنه قول الشاعر:
يَا أَيُّهَا الرَّاكبُ الْمُزْجِيْ مَطِيَّتَهُ ... سَائل بنيْ أسدٍ ما هذه الصَّوْتُ
﴿لَكُمُ الْفُلْكَ﴾، وفي «المختار» الفلك السفينة، واحدٌ وجمعٌ يذكَّر ويؤنث قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ فأفرد، وذكّر، وقال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ فأنَّث، ويحتمل الإفراد، والجمع، وقال: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ فجمع فكأنّه يذهب بها إذا كانت واحدة إلى المركب، فيذكَّر، وإلى السفينة فيؤنث اهـ. ﴿وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾، والمراد بالضر هنا: خوف الغرق بتقاذف الأمواج ﴿ضَلَّ﴾؛ أي: غاب عن ذكركم ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾، والخسف: والخسوف دخول الشيء في الشيء، يقال: عين خاسفةٌ إذا غابت حدقتها في الرأس، وعين من الماء خاسفة؛ أي: غائرة الماء، وخسفت الشمس؛ أي: احتجبت، وكأنّها غارت في السحاب. ﴿حَاصِبًا﴾ الحاصب: الريح الّتي تحصب؛ أي: ترمي بالحصباء والحصباء: الحجارة الصغيرة، واحدتها حصبة كقصبة، وفي «المصباح»: وحصبته حصبًا من باب: ضرب، وفي لغة من باب قتل رميته بالحصباء اهـ قال أبو عبيدة والقتيبي: الحصب الرمي، أي: ريحًا شديدة حاصبة، وهي التي ترمي بالحصى الصغار، وقال الزجاج: الحاصب التّراب الذي فيه حصباء فالحاصب ذو الحصباء كاللابن، والتّامر، ويقال للسحابة التي ترمي بالبرد
стр. 7034
حاصبٌ، ومنه قول الفرذدق:
مُستقبلينَ جِبالَ الشَّامِ تَضربُنَا ... بحَاصبٍ كنديف القطنِ منثورُ
﴿تارَةً أُخْرى﴾ بمعنى مرّة، وكرّةً فهو مصدر، ويجمع على تيرة، وتارات، وألفها يحتمل أن تكون عن واو أو عن ياء اهـ سمين ﴿قاصِفًا﴾ والقاصف: الرّيح تقصف الشّجر وتكسره يقال: قصفه يقصفه من باب ضرب يضرب وقيل: القاصف الريح التي لها قصيف، وهو الصوت الشديد، كأنها تتقصف؛ أي: تتكسَّر، وقيل: التي لا تمرّ بشيء إلّا قصفته. ﴿تَبِيعًا﴾ التَّبيع - كأمير -: المطالب قال الشماخ: يصف عقابًا:
تَلوذُ ثعالبُ الشَّرقين منها ... كَمَا لاذَ الغَريم من التَّبيع
أي: تهرب منها ثعالب الشرقين - بمعنى المشرقين - كما هرب، والتجأ الغريم؛ أي: المدين من التبيع؛ أي: الدَّائن المطالب.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي﴾؛ لأن المراد بهم المؤمنون.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ﴾؛ لأنّ مقتضى السّياق أن يقال: إنه.
ومنها: الاعتراض بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ...﴾ إلى آخر الآية بين قوله: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ لأن قوله: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ بيان لـ ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿يَرْحَمْكُمْ﴾ و ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾.
ومنها: التخصيص في قوله: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ بعد التعميم في قوله:
стр. 7035
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ ردًا على اليهود، حيث زعموا أنه لا نبي بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَلا تَحْوِيلًا﴾؛ أي: ولا تحويل الضرّ عنكم إلى غيركم، لدلالة ما قبله عليه.
ومنها: المقابلة اللّطيفة بين الجملتين ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾، ويخافون عذابه.
ومنها: الإظهار في قوله: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ﴾ للتهويل، وكان مقتضى المقام أن يقال: إنه لتقدم المرجع.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ...﴾ الخ؛ لأنّ المنع هنا مجاز عن الترك؛ لأنه محال في حقه تعالى؛ لأنه سبحانه لا يمنعه مانع عن إرادته، فكأنه قال: وما كان سبب ترك الإرسال بالآيات إلّا تكذيب الأولين.
ومنها: المجاز العقليّ في قوله: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ لأنه لما كانت الناقة سببًا في إبصار الحق، والهدى نسب إليها الإبصار، ففيه مجاز عقليّ علاقته السببية.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾ حيث شبه الرؤية البصريّة بالرؤيا الحملية، لما فيها من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، فاستعار لها لفظ الرؤيا الّتي هي حقيقة في الحلمية على طريقة الاستعارة التّصريحية الأصلية.
ومنها: الجناس المغاير بين لفظي ﴿الرُّؤْيَا﴾ و ﴿أَرَيْناكَ﴾.
ومنها: الإسناد المجازيّ في قوله: ﴿الْمَلْعُونَةَ﴾ لأنّ المعنى: الملعون طاعمها.
ومنها: المجاز المرسل في استعمال الرؤية بمعنى الإخبار في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ لأنها سببه، فالعلاقة فيها السببية.
стр. 7036
ومنها: الاستعارة التمثيليةُ في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ حيث مثل حال الشيطان في تسلطه على من يغويه بالفارس الذي يصيح بجنده للهجوم على الأعداء لاستئصالهم.
ومنها: الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: وما تعدهم إلا غرورًا، ولكنه عدل عن ذلك تهوينًا لأمره، واستصغارًا لأمر الغرور الذي يعدهم به.
ومنها: المجاز العقلي في نسبة الغرور، إلى الوعد على حد قوله: نهاره صائم، وليله قائم.
ومنها: التذييل في قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾؛ لأنه كالتعليل لما سبق من تسيير السفن، وتسخيرها في البحر.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، وفي قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
تنجيتهم من الغرق ... تمم ذكر المنّة بذكر تكرمتهم، ورزقهم، وتفضيلهم. أو يقال: لما هددهم بما هدد به من الخسف، والغرق، وأنهم كافرو نعمته .. ذكر ما أنعم به عليهم، ليتذكّروا فيشكروا نعمه ويقلعوا عما كانوا فيه من الكفر، ويطيعوه تعالى، وفي ذكر النّعم وتعدادها هز لشكرها؛ أي: حثٌّ على شكرها.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنّ الله (١)، لما ذكر أحوال بني آدم في الدنيا، وذكر أنه أكرمهم على كثير من خلقه، وفضّلهم عليهم تفضيلًا .. فصّل في هذه الآيات تفاوت أحوالهم في الآخرة مع شرح أحوال السعداء، ثم أردفه ما يجري مجرى تحذير السعداء من الاغترار بوساوس أرباب الضّلال، والانخداع بكلامهم المشتمل على المكر، والتلبيس ثمّ قفى على ذلك ببيان أنّ سنّته قد جرت بأن الأمم التي تلجىء رسلها إلى الخروج من أرضها، لا بدّ أن يصيبها الوبال والنكال.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لمّا عدد نعمه على بني آدم، ثمّ ذكر حالهم في الآخرة من إيتاء الكتاب باليمين لأهل السعادة، ومن عمى أهل الشقاوة .. أتبع ذلك بما يهم به الأشقياء في الدنيا من المكر والخداع، والتلبيس على سيّد أهل السعادة المقطوع له بالعصمة، ذكره في «البحر».
قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أن الله لما ذكر كيدهم للرسول ﷺ وما كانوا يرومون به .. أمره الله أن يقبل على شأنه من عبادة ربه، وأن لا يشغل قلبه بهم، وكان قد تقدّم القول في الإلهيات، والمعاد، والنبوات، فأردف ذلك بالأمر بأشرف العبادات والطاعات بعد الإيمان، وهي الصلاة.
стр. 7039
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا ذكر (١) كيد الكفّار واستفزازهم لرسول الله ﷺ ليخرجوه من أرضه، وسلّاه بما سلّاه به .. أمره بالإقبال على ربّه بعبادته، لينصره عليهم، ولا يبالي بسعيهم، ولا يلتفت إليهم، فإنه سبحانه يدفع مكرهم، وشرّهم، ويجعل يده فوق أيديهم، ودينه عاليا على أديانهم، ثمّ وعده بما يغبطه عليه الخلق أجمعون من المقام المحمود، ثمّ بيّن أن ما أنزل عليه من كتاب ربه فيه الشفاء للقلوب من الأدواء النفسية، والأمراض الاعتقادية، كما أنه يزيد الكافرين خسارة وضلالًا، لأنه كلّما نزلت عليه آية ازدادوا بها كفرًا وعتوًا.
قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر تنويع ما أنزل من القرآن شفاء ورحمة للمؤمن، وبزيادة خسار للظالم .. عرّض بما أنعم به، وما حواه من لطائف الشرائع على الإنسان، ومع ذلك أعرض عنه، وبعّد بجانبه عنه اشمئزازًا له، وتكبرًا عن قرب سماعه، وتبديلًا مكان شكر الإنعام كفره.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما (٢) امتنّ على نبيه بما أنزل عليه من الكتاب، وذكر أنه شفاء للناس، وأنه ثبته عليه حين كادوا يفتنونه عنه، ثمّ أردفه بمسألة الروح اعتراضا، لأنّ اليهود والمشركين اشتغلوا بها عن تدبر الكتاب والانتفاع به، وسألوا تعنتا عن شيء لم يأذن الله بالعلم به لعباده .. امتنّ عليه ببقاء ذلك الكتاب، وحذّره من فتنة الضالين، وإرجاف المرجفين، وهو المعصوم من الفتنة، فإنّه لو شاء لأذهب ما بقلبه منه، ولكن رحمة بالناس تركه في الصدور، وفي هذا تحذيرٌ عظيم للهداة والعلماء، وهم غير معصومين من الفتنة بأن يباعد بينهم وبين هدي الدين بمظاهرتهم للرؤساء، والعامة، وتركهم العمل به اتباعا لأهوائهم، واستبقاء لودهم، وحفظًا لزعامتهم على الناس.
стр. 7040
ثم ذكر أنّ القرآن وحيٌ يوحى فلا يستطيع الجن والإنس أن يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض معينا، وقد اشتمل على الحكم والأحكام، والآداب التي يحتاج إليها البشر في معاشهم، ومعادهم، وكثيرٌ من الناس جحدوا فضله عتوًا وكبرًا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما ذكر (١) إنعامه على نبيه ﷺ بالنبوة، وبإنزال وحيه عليه .. ذكر ما منحه تعالى من الدليل على نبوته الباقي بقاء الدهر، وهو القرآن الذي عجز العالم عن الإتيان بمثله، وأنّه من أكبر النعم عليه، والفضل الذي أبقى له ذكرًا إلى آخر الدهر، ورفع له قدرا به في الدنيا والآخرة.
قوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله ، لما (٢) أقام الدليل على إعجاز القرآن، ولزمتهم الحجة، وغلبوا على أمرهم .. أخذوا يراوغون، ويقترحون الآيات، ويتعثرون في أذيال الحيرة، فطلبوا آية من آيات ست، فإن جاءهم بآية منها، آمنوا به وصدَّقوا برسالته.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ...﴾ الآيات، سبب نزولها (٣): ما أخرجه ابن مردويه، وابن أبي حاتم، من طريق إسحاق عن محمد ابن أبي محمد عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج أميّة بن خلف، وأبو جهل بن هشام، ورجال من قريش، فأتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد، تعالى تمسّح بآلهتنا، وندخل معك في دينك، وكان يحب إسلام قومه، فرقّ لهم، فأنزل الله قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾.