← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7211–7250 · переход к 7216.

стр. 7211

﴿أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾. ﴿أُولئِكَ﴾: مبتدأ أول ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم للمبتدأ الثاني، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: مبتدأ ثان مؤخر، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره خبر للمبتدأ الأول، والجملة من المبتدأ الأول وخبره في محل الرفع خبر ثان، لـ ﴿إِنَّ﴾ الأولى أعني: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، أو خبر لها، إن قلنا: جملة ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ﴾ معترضة ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع ﴿مِنْ تَحْتِهِمُ﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّاتُ﴾؛ أو في محل النصب حال من ﴿جَنَّاتُ﴾ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثان، لـ ﴿أُولئِكَ﴾ فِيها متعلق بـ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أو حال من واو ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أي: حالة كونهم كائنين فيها ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿أَساوِرَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿يُحَلَّوْنَ﴾، وهو ممنوعٌ من الصرف لصيغة منتهى الجموع، أو جار ومجرور صفة لـ ﴿أَساوِرَ﴾. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ صفة لـ ﴿أَساوِرَ﴾ ﴿وَيَلْبَسُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُحَلَّوْنَ﴾. ﴿ثِيابًا﴾: مفعول به ﴿خُضْرًا﴾: صفة أولى لـ ﴿ثِيابًا﴾ ﴿مِنْ سُنْدُسٍ﴾: جار ومجرور صفة ثانية لـ ﴿ثِيابًا﴾ أو حال من ﴿ثِيابًا﴾ لتخصصه بالصفة، ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾: معطوف على ﴿سُنْدُسٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾: حال إما من الضمير في ﴿تَحْتِهِمُ﴾ أو من الضمير في ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ أو ﴿يَلْبَسُونَ﴾ ﴿فِيها﴾: جار ومجرور حال أيضًا من الضمير في ﴿يُحَلَّوْنَ﴾، أو ﴿يَلْبَسُونَ﴾ وهي حال متداخلة ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ متعلق بـ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾: فعل وفاعل وهو من أفعال المدح، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: هي؛ أي: الجنات، والجملة الفعلية خبر للمخصوص بالمدح، والجملة الاسمية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب، ﴿وَحَسُنَتْ﴾: فعل ماض لإنشاء المدح، معطوف على نعم، وفاعله ضمير يعود على الجنات ﴿مُرْتَفَقًا﴾: تمييز لفاعل ﴿حسن﴾ محول عن الفاعل، والتقدير: حسن مرتفقها، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: هي؛ أي: الجنات.

стр. 7212

التصريف ومفردات اللغة ﴿أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أطلعنا عليهم قومهم، وأظهرناهم، وأعثر يتعدى بالهمزة، وأصل العثار في القدم، وفي «الأساس»: وعثر على كذا اطلع عليه، وأعثره على كذا أطلعه، وأعثره على أصحابه دلّه عليهم، ويقال للمتورط: وقع في عاثور، وفلان يبغي صاحبه العواثير، وأصله حفرة تحفر للأسد، وغيره يعثر بها، فيطيح فيها، ويقال: عثر عثورا، وعثارا: إذا سقط لوجهه، ويقال في المثل: «من سلك الجدد أمن العثار» ثم استعمل في الاطلاع على أمر من غير طلب له. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ والساعة: يوم القيامة، حين يبعث الله الخلائق جميعًا للحساب والمجازاة، والتنازع والتّخاصم ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: رميًا بالخبر الخفي، وإتيانًا به، والرجم القول بالظن والحدس، ويقال: لكل ما يخرص رجم فيه، وحديث مرجوم، ومرجّم، وفي «المصباح» الرّجم بفتحتين الحجارة، ورجمته رجما من باب قتل، ضربته بالرجم، وهي الحجارة الصغار، ورجمته بالقول، رميته بالفحش، قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: ظنًا: من غير دليلٍ، ولا برهان، كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب: ومَا الحرب إلّا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم أي: المظنون، والغيب ما غاب عن الانسان، فالمراد أن يرمي الانسان ما غاب عنه، ولا يعرفه بالحقيقة، كما يقال: فلان يرمي بالكلام رميًا؛ أي: يتكلم من غير تدبر، والمراد هنا القول بالظن والتخمين. ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ﴾؛ أي: لا تجادل، يقال: مارى يماري مماراةً، ومراءً؛ أي: جادل وفي «القاموس» مارى مراء ومماراةً جادل، ونازع، ولاج وتماريا تجادلا وامترى في الشيء شك، والمرية بكسر الميم، والمرية الجدل؛ يقال: ما في ذلك مرية، أي: جدل وشك. ﴿مُلْتَحَدًا﴾؛ أي: ملتجأ تجنح إليه لائذًا، إن هممت بالتبديل للقرآن، وفي «المصباح» قال أبو عبيدة: ألحد إلحادًا جادل، ومارى، ولحد جار، وظلم،

стр. 7213

وألحد في الحرم، استحل حرمته وانتهكها، والملتحد بالفتح اسم الموضع، وهو: الملجأ. وفي «القاموس»: التحد عن الدين بمعنى ألحد، والتحد إلى كذا مال، والتحد إلى فلان التجأ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ في «المختار» الصبر: حبس النفس عن الجزع، وبابه: ضرب وصبره حبسه، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ اهـ. ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾؛ أي: لا تنصرف يقال: عداه إذا جاوزه، ومنه قولهم: عدا طوره، وجاءني القوم عدا زيدًا، فحق الكلام، أن يقال: بالنصب؛ أي: لا تعد عينيك، وإنما عدل إلى الرفع لأنه أراد صاحب العينين، فهو من المجاز كما سيأتي في البلاغة ﴿فُرُطًا﴾ بضمتين؛ أي: مجاوزًا الحدّ. قال ابن عطية: الفرط يحتمل أن يكون بمعنى التفريط، والتضييع للذي يجب أن يلزم، ويحتمل: أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف اهـ «سمين». والظاهر: أنه مصدر أفرط كما في «المختار» وعبارته: وأفرط في الأمر: جاوز فيه الحدّ اهـ. وعليه فيكون مصدرًا سماعيًا، لا قياسيًا، وفي «المختار» أيضًا: وأمرٌ فرطٌ بضمتين؛ أي: مجاوز فيه الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ اهـ ثمّ قال: وفرط إليه منه قول سبق، وبابه نصر اهـ. ﴿إِنَّا أَعْتَدْنا﴾؛ أي: أعددنا، وهيأنا ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين اختاروا الكفر بالله، والجحد له، والإنكار لأنبيائه نارًا عظيمة ﴿أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾؛ أي: اشتمل عليهم، والسّرادق واحد السرادقات، قال الجوهري: وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف؛ أي: قطن فهو سرادق، ومنه قول رؤبة: يا حكم بن المنذر بن جارود ... سرادق المجد عليك ممدود وفي «الفتوحات»: والسرادق قيل: هو ما أحاط بشيء، كالمضرب والخباء، وقيل للحائط المشتمل على شيء: سرادق، قاله الهرويّ، وقيل: هو الحجرة، تكون حول الفسطاط، وقيل: هو ما يمد على صحن الدار، وقال الراغب: السّرادق فارسيّ معرب، وليس في كلامهم اسم مفرد، ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا، وقيل: هو دخان يحيط بالكفار، قبل دخول النار، وقيل: حائط من نار يطيف بهم، وفي «الكشاف»: شبه ما يحيط بهم من النار

стр. 7214

بالسرادق، وهو الحجرة الّتي تكون حول الفسطاط اهـ. ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ الياء فيه منقلبةٌ عن واو، إذ الأصل يستغوثوا، فنقلت كسرة الواو للساكن قبلها، ثم قلبت ياء لمناسبة الكسرة. ﴿المهل﴾ بضم الميم اسم يجمع معدنيات الجواهر، كالفضة، والحديد، والصفر، ما كان منها ذائبًا، والقطران الرقيق، والزيت الرقيق، والسم، والقيح، أو صديد الميت خاصة، وما يتحات عن الخبز من الرماد، وقيل: هو كعكر الزّيت؛ أي: ما بقي في الإناء منه. والخلاصة: هو اسم جامع لكل المستقذرات التي تغشى منها النفس، وتتألم وتنفر ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾؛ أي: ينضجها إذا قدم ليشرب لشدة حرّه، والشيّ: الإنضاج بالنار من غير إحراق، ﴿مُرْتَفَقًا﴾؛ أي: متّكأً يقال: بات فلان مرتفقا؛ أي: متّكئا على مرفق يده، وأصل الارتفاق الاتكاء على المرفق مع نصب الساعد، وهي هيئة المتحزن والمتحسر ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أي: جنات إقامة، واستقرار، يقال: عدن بالمكان إذا أقام فيه، واستقر، ومنه المعدن لاستقرار الجواهر فيه. ﴿أَساوِرَ﴾ جمع أسورة، والأسورة جمع سوار، كأحمرة جمع حمار، فالأساور جمع الجمع. ﴿السندس﴾ ما رق من الديباج، ﴿الاستبرق﴾ ما غلظ من الديباج، والاستبرق يونانيّةٌ والسندس فارسية، وقيل: هندية ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أصله موتكئين من اتّكأ أصله، اوتكأ، والاتكاء: التحامل على الشيء ﴿عَلَى الْأَرائِكِ﴾ جمع أريكةٍ، وفي «القاموس»: الأريكة - كسفينة - سرير في حجلة، أو كل ما يتكأ عليه من سرير، ومنصّة، وفراش، أو سرير متخذ مزين في قبة، أو بيتٍ، فإن لم يكن فيه سريرٌ .. فهو حجلة، والجمع أرائك اهـ. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة المكنية في قوله تعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ فقد شبّه

стр. 7215

أمرهم بشيء كثر النزاع حوله، ثم حذف ذلك الشيء، واستعير النّزاع القائم حوله. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ فقد شبه الغيب، والخفاء بشيء يرمى بالحجارة، واستعير الرجم له. وفي «الفتوحات»: والرجم بمعنى الرمي، وهو: استعارة للتكلم بما لم يطّلع عليه لخفائه، عنه تشبيها له بالرمي بالحجارة التي لا تصيب غرضًا اهـ. ومنها: صيغة التعجب في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾. ومنها: المجاز العقليَّ في قوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ﴾؛ لأنه أسند فعل عدا، أي: تجاوز إلى العينين، ومن حقه: أن يسندهما إليه؛ لأن عدا متعد بنفسه، وإنّما جنح إلى المجاز؛ لأنه أبلغ من الحقيقة، فكأنّ عينيه ثابتتان في الرنوّ إليهم، وكأنما أدركتا ما لا تدركان، وأحستا بوجوب النظر، إلى هؤلاء، وصبر النفس، ورياضتها على ملازمتهم، وقيل: هو من باب التضمين، فقد ضمّن عدا معنى نبا، وعلا من قولهم: نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به. ومنها: الطباق في قوله: ﴿بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾ وبين قوله: ﴿فَلْيُؤْمِنْ﴾ ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾. ومنها: المشاكلة (١) في قوله: ﴿يُغاثُوا﴾ إذ لا إغاثة لهم بالماء المذكور، بل إتيانهم به، وإلجاؤهم لشربه غاية الإضرار، والإغاثة هي الانقاذ من الشدة، فكأنّه قال: يضروا ويعذبوا بماء. الخ وعبر عن هذا الإضرار بالإغاثة مشاكلة لقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ اهـ شيخنا. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا﴾، وفي قوله: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِرًا﴾. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا﴾. ومنها: اللف والنشر المشوش في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ﴾ فإنه راجع

стр. 7216

لقوله ﴿وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ فإنه راجع لقوله: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾. ومنها: التهكم في قوله: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ﴾ فقد سمى أعلى أنواع العذاب إغاثةً، والإغاثة هي: الإنقاذ من العذاب تهكما بهم، وتشفيًا منهم، والتهكم: فن طريف من فنونهم. ومنها: التشبيه (١) المؤكد في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ فقد شبه النار المحيطة بهم، بالسرادق المضروب على من يحتويهم، وأضيف السّرادق إلى النار، فذلك هو التشبيه المؤكّد، وهو أن يضاف المشبّه إلى المشبه به، كقول بعضهم: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء فقد أضاف الأصيل، وهو المشبه إلى الذهب، وهو المشبّه به، كما أضاف الماء الذي هو المشبه إلى اللجين، الذي هو المشبه به. ومنها: التشبيه المرسل المفصل في قوله: ﴿بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ لذكر الأداة، ووجه الشبه، وقيل: وجه الشّبه فيه الثخن والرداءة في كلٍ كما في «الفتوحات». ومنها: المقابلة البديعة بين الجنة في قوله: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، والنار في قوله: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ فقد ذكر الارتفاق في النار مقابلةً كقوله: فيما بعد في وصف الجنة ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7217

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا أمر (١) نبيّه بصبر نفسه مع فقراء المؤمنين، وعدم طاعة أولئك الأغنياء من المشركين، الذين طلبوا منه ﷺ طرد هؤلاء الصعاليك،

стр. 7218

وأن يعيّن لهم مجلسًا، وللسادة مجلسًا آخر، حتى لا يؤذوهم بمناظرهم وروائحهم المستقذرة، وحتّى لا يقال: إنّ السّادة ومواليهم يجتمعون في صعيد واحد، ويتحدثون وإياهم حديث الند للند، وفي ذلك امتهان لكبريائهم، وخفض من عزتهم .. أردف ذلك بمثل يستبين منه أن المال لا ينبغي أن يكون موضع فخار؛ لأنه ظل زائل، وأنه كثيرًا ما يصير الفقير غنيًا، والغني فقيرًا، وإنّما الذي يجب أن يكون أساس التفاخر وعمدة التفاضل، هو: طاعة الله وعبادته، والعمل على ما يرضيه في دار الكرامة، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمّا (١) أبان أن الدنيا ظل زائل، وأنه لا ينبغي أن يغترّ أحد بزخرفها ونعيمها، بل يجب أن يكون موضع التفاخر العمل الصالح الذي فيه رضا الله، وانتظار مثوبته في جنات تجري من تحتها الأنهار .. أردف ذلك بذكر أحوال يوم القيامة، وما يكون فيها من أخطار وأهوال، وأنه لا ينجي منها إلّا اتباع ما أمر به الدين، وترك ما نهى عنه مما جاء على لسان الأنبياء والمرسلين، لا الأموال التي يفتخر بها المشركون على المؤمنين. التفسير وأوجه القراءة ٣٢ - قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ هذا المثل ضربه الله تعالى لمن يتعزز ويفتخر بالدنيا، ويستنكف عن مجالسة الفقراء، فهو على هذا متّصل بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ﴿وَاضْرِبْ﴾ هنا بمعنى اجعل، يتعدى إلى مفعولين ﴿لَهُمْ﴾ متعلّق به ﴿مَثَلًا﴾ مفعول ثان، ﴿رَجُلَيْنِ﴾ مفعول أول، أي واجعل يا محمد رجلين موصوفين بالصفات الآتية، ﴿مَثَلًا﴾ وشبها لهؤلاء المشركين بالله الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ، وللمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر؛ أي: مثل حال هؤلاء الكافرين والمؤمنين بحال (٢) رجلين شريكين في بني إسرائيل، أحدهما

стр. 7219

كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، أو تمليخا، لهما ثمانية آلاف دينار، فاقتسماها فاشترى أحدهما أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن فلانًا قد اشترى أرضا بألف دينار، وإني أشتري منك أرضًا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم إن صاحبه بنى دارًا بألف دينار، فقال هذا: اللهمّ إن فلانًا بنى دارًا بألف دينار، وإنّي اشتريت منك دارًا في الجنة، بألف دينار، فتصدّق بها، ثم تزوّج صاحبه امرأة، وأنفق عليها ألف دينار، فقال هذا: اللهمّ إني أخطب إليك امرأةً من نساء الجنة بألف دينار، فتصدّق بها، ثمّ إن صاحبه اشترى خدمًا، ومتاعًا بألف دينار، فقال هذا: اللهم إني أشتري منك خدمًا ومتاعًا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها، ثم أصابته حاجة شديدة، فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف، فجلس على طريق، حتى مر به في حشمه، فقام إليه، فنظر إليه صاحبه، فعرفه فقال له: فلان؟ قال: نعم، فقال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتعينني بخير، قال: فما فعلت بمالك؟ فقص عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصّدقين، فطرده ووبخه على التصدق بماله، وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى فنزل في شأنهما قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾؛ أي: واضرب أيها الرسول لهؤلاء المشركين المتقلبين في نعم الله، والمؤمنين المكابدين لمشاق الفقر، مثلا رجلين؛ أي: اجعل مثل الفريقين مثل رجلين ﴿جَعَلْنا لِأَحَدِهِما﴾، وهو الكافر: ﴿جَنَّتَيْنِ﴾؛ أي: بستانين ﴿مِنْ أَعْنابٍ﴾؛ أي: من كروم متنوعة، فإطلاق الأعناب عليها مجاز، ويجوز أن يكون بتقدير المضاف؛ أي: من أشجار أعناب، والأعناب جمع عنب، وهو ثمر الكرم ﴿وَحَفَفْناهُما﴾؛ أي: أحطنا البستانين ﴿بِنَخْلٍ﴾؛ أي: جعلنا النّخل محيطة بالجنتين ملفوفا بها، كرومهما ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾؛ أي: وجعلنا وسط البستانين ﴿زَرْعًا﴾ ليكون كل منهما جامعًا للأقوات والفواكه، متواصل العمارة على الشكل الحسن، والترتيب الأنيق. وخلاصة ذلك (١): أن أرضه جمعت القوت والفواكه، وهي متواصلة

стр. 7220

متشابكة، فلها منظرٌ ورواءٌ حسنٌ ووضعٌ أنيقٌ يخلب اللب بجماله وبهجته إذا امتلأ منه البصر. روي: أن أخوين من بني إسرائيل ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطراها، فاشترى الكافر بنصيبه ضياعًا وعقارًا، وأنفق المؤمن ما ورثه في وجوه الخير وطاعة الله، وآل أمرهما إلى ما قصه الله علينا في كتابه، وسواء أصحت الرواية أم لم تصحّ، فإن ضرب المثل لا يتوقف على صحتها. ٣٣ - وقد ضرب الله المثل ليبين حال الفريقين المؤمنين والكافرين، من قبل أن الكفار مع تقلبهم في النعيم قد عصوا ربهم، وأن المؤمنين مع مكابدتهم للشدائد والبأساء قد أطاعوه ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾؛ أي: كل من البستانين ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾؛ أي: أعطت وأخرجت ثمرها كل عام، وبلغ مبلغًا صالحًا للأكل وإفراد (١) الضمير في ﴿آتَتْ﴾ للحمل على لفظ المفرد، قال الحريري: ولا يثنى خبر كلا إلا بالحمل على المعنى ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾؛ أي: ولم تنقص ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من أكلها وثمرها ﴿شَيْئًا﴾ في سائر الأعوام على خلاف ما يعهد في الكروم والأشجار من أنها تكثر غلتها أعوامًا، وتقل أعوامًا أخرى، فقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾؛ أي: في بعض السنين بل في كل سنة يأتي ثمرها وافيًا. وقرأ الجمهور (٢): كلتا الجنتين، وفي مصحف عبد الله ﴿كلا الجنتين﴾، أتى بصيغة التذكير، لأن تأنيث الجنتين مجازي، ثمّ قرأ ﴿آتت﴾ فأنّث، لأنه ضمير مؤنّث، فصار نظير قولهم: طلع الشّمس، وأشرقت، وقال الفراء في قراءة ابن مسعود: ﴿كل الجنتين آتى أكله﴾ انتهى. فأعاد الضمير على كل ﴿وَفَجَّرْنا﴾؛ أي: أجرينا وشققنا ﴿خِلالَهُما﴾؛ ﴿خِلالَهُما﴾؛ أي: وسط الجنتين ﴿نَهَرًا﴾ ليسقيهما دائما من غير انقطاع، وقرأ (٣) الجمهور، ﴿وَفَجَّرْنا﴾ بتشديد الجيم للمبالغة، وقال الفراء: إنما شدد ﴿وَفَجَّرْنا﴾ وهو نهر واحد، لأن النهر يمتد، فكان التفجر فيه

стр. 7221

كله، أعلم الله تعالى أن شربهما كان من نهر واحد، وهو أغزر الشرب، وقرأ الأعمش وسلّام، ويعقوب، وعيسى بن عمر، بتخفيف الجيم، وكذا قرأ الأعمش في سورة القمر، والتشديد في سورة القمر، أظهر لقوله ﴿عُيُونًا﴾ وقوله ﴿نَهَرًا﴾ وانتصب ﴿خِلالَهُما﴾؛ أي: وسطهما على الظرف لأنه كان النهر يجري من داخل الجنتين، وقرأ الجمهور (١) ﴿نَهَرًا﴾ بفتح الهاء، وقرأ أبو السمال، والفياض بن غزوان، وطلحة بن سليمان بسكون الهاء؛ أي: وشققنا وسط الجنتين نهرًا كبيرًا، تتفرع منه عدة جداول، ليدوم سقيهما، ويزيد بهاؤهما، وتكثر غلتهما. ولعل (٢) تأخير ذكر تفجير النهر عن ذكر إيتاء الأكل مع أن الترتيب الخارجي على العكس، للإيذان باستقلال كل من إيتاء الأكل، وتفجير النهر في تكميل محاسن الجنتين، ولو عكس لانفهم أنّ المجموع خصلة واحدة، بعضها مرتب على بعض، فإن إيتاء الأكل متفرع على السقي عادة، وفيه إيماء إلى أن إيتاء الأكل لا يتوقّف على السقي كقوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ ٣٤ - ﴿وَكانَ لَهُ﴾، أي: لصاحب الجنّتين ﴿ثَمَرٌ﴾؛ أي: أنواع من المال غير الجنتين من ذهب وفضة ثمرها بما ادخره من غلات الجنتين ومن تجارات أخرى، والثّمر بفتحتين جمع ثمرة، وهي المجني من الفاكهة، وذكرها وإن كانت الجنة لا تخلو عنها إيذان بكثرة الحاصل له في الجنتين من الثمار وغيرها، وقال ابن (٣) عباس وقتادة: الثمر: - يعني إذا قرىء بضمتين - جميع المال من الذهب والحيوان وغير ذلك، وقال النابغة: مهلًا فداءٌ لَكَ الأَقوامُ كلُّهمُ ... وما أثمَّرُ من مالٍ ومن ولد وقال مجاهد: يراد بها: الذهب والفضّة خاصة، وقال ابن العلاء: الثمر المال. وخلاصة ذلك: أنه سبحانه أنعم عليه بخيرات الدنيا صامتها وناطقها،

стр. 7222

ثاغيها، وراغيها، وكان له مزارع يستخدم فيها أعوانه، وخدمه، ولا يستعصي عليه شيء من مسرات الدنيا ومباهجها، ولذاتها ونعيمها. وقرأ الأعمش (١)، وأبو رجاء، وأبو عمرو بإسكان الميم فيهما تخفيفًا، أو جمع ثمرة، كبدنة وبدن، وقرأ أبو جعفر، والحسن، وجابر بن زيد، والحجاج، وعاصم، وأبو حاتم، ويعقوب عن رويس عنه، بفتح الثاء والميم فيهما، وقرأ رويس عن يعقوب: ثمر بضمهما، ﴿وثمره﴾ بفتحهما، وأما الثُّمُرُ بضمتين فقد مر تفسيره آنفًا عن ابن عباس وغيره، وأما من قرأ بالفتح فلا اتكال عليه، لأنّه يعني به حمل الشجر، وقرأ أبو رجاء في رواية ﴿ثمر﴾ بفتح الثاء وسكون الميم، وفي مصحف أبيّ ﴿وآتيناه ثمرا كثيرا﴾ وينبغي أن يجعل تفسيرًا. وبعد أن تم له الأمر، وقعد على سنام العز والكبرياء، داخله الزهو والخيلاء ﴿فَقالَ﴾؛ أي: صاحب الجنّتين ﴿لِصاحِبِهِ﴾ وأخيه المؤمن الذي جعل مثلا للفقراء المؤمنين ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أنّ صاحب الجنتين ﴿يُحاوِرُهُ﴾؛ أي: يراجع صاحبه، ويكلّمه بالكلام الذي فيه الافتخار بالمال، والخدم، وإنكار البعث والإشراك بالله، من حار إذا رجع ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا﴾ وعن (٢) محمد بن الحسن ﵀: المال كل ما يتملكه الإنسان من دراهم، أو دنانير، أو ذهب، أو فضة، أو حنطة، أو خبز، أو حيوان، أو ثياب، أو سلاح، أو غير ذلك، ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾؛ أي: أكثر حشمًا، وأعوانًا، وأولادًا ذكورًا لأنهم الذين ينفرون معه دون الإناث، والنفر بفتحتين من الثلاثة إلى العشرة من الرجال، ولا يقال فيما فوق العشرة، وقال صاحب «روح البيان»: لاح لي ههنا إشكال، وهو أنه إن حمل أفعل على حقيقته في التفضيل، يلزم أن يكون الرجلان المذكوران مقدرين لا محقّقين أخوين، لأنه على تقدير التحقيق يقتضي أن لا يكون لأحدهما مال أصلا كما يفصح عنه البيان السابق، وقد أثبت هاهنا الأكثرية للكافر، والأقلية للمؤمن، وجوابه يستنبط من السؤال، والله أعلم بحقيقة الحال انتهى.

стр. 7223

والمعنى: أي (١) فقال لصاحبه المؤمن حين حاوره، وراجعه الحديث: أنا أكثر منك مالًا كما ترى، من جنّاتي، وزروعي المختلفة، وأعزّ عشيرةً، ورهطًا تقوم بالذب عني، ودفع خصومي، وتنفر معي عند الحاجة إلى ذلك. ٣٥ - ثم زاد فخرًا على صاحبه المسلم، وأراه عيانًا ما يتمتع به من المناظر البهيجة في تلك الجنان التي لا تفنى في زعمه، وذلك ما أخبر عنه سبحانه بقوله: ﴿وَدَخَلَ﴾ صاحب الجنتين ﴿جَنَّتَهُ﴾؛ أي: بستانه مع صاحبه المؤمن يطوف به فيها، ويريه حسنها، ويعجبه منها، ويفاخره بها. وأفرد الجنة (٢) لأن المراد ما هو جنته، وهي ما متّع به من الدنيا تنبيهًا على أنه لا جنّة له غيرها، ولا حظ له في الجنة التي وعد بها المتقون، أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة فواحدة ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: والحال أنّ صاحب الجنتين ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾؛ أي: ضار لها بعجبه، واعتماده على ماله، وبكفره بالمبدأ والمعاد، وهو أقبح الظلم، كأنه قيل: فماذا قال إذ ذاك؟ ﴿قالَ﴾ صاحب الجنتين استئناف بيانيّ لسبب الظلم، ﴿ما أَظُنُّ﴾ كثيرًا ما يستعار الظن للعلم، لأنّ الظن الغالب يداني العلم، ويقوم مقامه في العادات والأحكام ومنه: المظنة للعلم ﴿أَنْ تَبِيدَ﴾ وتفنى، وتهلك، وتنعدم، من باد إذا ذهب وانقطع ﴿هذِهِ﴾ الجنة يعني جنتيه ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: دهرا فلطول أمله، وتمادي غفلته، واغتراره بمهلته، قال ذلك بمقابلة موعظة صاحبه، وتذكيره، بفناء جنته، والاغترار بها وأمره بتحصيل الباقيات الصالحات. والأبد: الدهر (٣) كالأمد وانتصابه على الظرف، والمراد هنا: المكث الطويل، وهو مدّة حياته، لا الدوام المؤبّد إذ لا يظنّه عاقل لدلالة الحسّ والحدس على أنّ أحوال الدنيا ذاهبة باطلة. ٣٦ - ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ﴾؛ أي: القيامة التي هي عبارة عن وقت البعث

стр. 7224

﴿قائِمَةً﴾؛ أي: كائنة حاصلة فيما سيأتي، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾؛ أي: والله لئن رجعت ﴿إِلى رَبِّي﴾ بالبعث على الفرض، والتقدير: كما زعمت أن الساعة آتية فليس فيه دلالة على أنه كان عارفا بربه، مع أن العرفان لا ينافي الإشراك، وكان كافرًا مشركًا. قال في «البرهان» (١): قال تعالى هنا: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي﴾ وفي «حم» ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي﴾ لأن الرد يتضمّن كراهة المردود، ولما كان في الكهف، تقديره: ولئن رددت عن جنتي هذه التي ما أظن أن تبيد أبدًا إلى ربي كان لفظ الرد الذي يتضمن الكراهة أولى هنا، وليس في «حم» ما يدل على كراهته، فذكر بلفظ الرّجع ليقع في كل سورة ما يليق بها. انتهى. ﴿لَأَجِدَنَّ﴾ يومئذ ﴿خَيْرًا مِنْها﴾؛ أي: من هذه الجنة ﴿مُنْقَلَبًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ؛ أي: مرجعًا، وعاقبةً، ومدار هذا الطّمع واليمين الفاجرة اعتقاد أنه تعالى إنّما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي، وكرامته عليه سبحانه، وهو معه أينما توجه، ولم يدر أن ذلك استدراج. وحاصل معنى الآيتين: أي ودخل (٢) هذا الذي جعلنا له جنتين من أعناب، وأشجار، ونخيل، ومعه صاحبه هاتين الجنتين، وطاف به فيهما مفاخرا، وقال حين عاين ما فيهما من أشجار وثمار وزروع وأنهار مطردة: - ما أظن أن تفنى هذه الجنة أبدًا، ولا تخرب كما قال: وهو شاك في المعاد إلى الله والبعث والنشور، ما أظن أن يوم القيامة آت كما تقولون، وقد كان في كل ذلك ظالمًا لنفسه، إذ وضع الشيء في غير موضعه، فقد كان أليق به أن يكون شاكرًا لتلك النعم، متواضعا لربه، لا أن يكون كافرًا به منكرًا لما جاء به الوحي وأقرته جميع الشرائع. وخلاصة ذلك: أنه لحقه الخسار من وجهين: ١ - ظنه أن تلك الجنة لا تهلك، ولا تبيد مدى الحياة.

стр. 7225

٢ - ظنه أن يوم القيامة، لن يكون ثمّ تمني أمنية أخرى كان في شك منها، فقال: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ﴾ إلخ؛ أي: والله لئن كان معاد ورجعة إلى الله ليكوننّ لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، والذي جرّأه على هذا الطّمع، وعلى تلك اليمين الفاجرة، اعتقاده أنّ الله إنما حباه بما حباه به في الدنيا لما له من كرامة لديه، ولما فيه من مزايا استحق بها أن ينال ما نال. وخلاصة ذلك: أنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة، ما هو أفضل منها، قال ذلك طمعًا، وتمنيًا على الله، وادعاءً للكرامة عنده تعالى كما مرّ. وقرأ ابن الزبير، وزيد بن علي، وأبو بحرية، وأبو جعفر، وشيبة، وابن محيصن، وحميد، وابن مناذر، ونافع، وابن كثير، وابن عامر، ﴿لأجدنّ خيرا منهما﴾ بالتثنية وعود الضمير على الجنتين، وكذا في مصاحف مكة، والمدينة، والشام، وقرأ الكوفيون، وأبو عمرو ﴿مّنها﴾ على الإفراد، وعود الضمير على الجنة المدخولة، وكذا في مصاحف الكوفة، والبصرة، ٣٧ - ثمّ ذكر سبحانه جواب المؤمن له، فقال: ﴿قالَ لَهُ﴾؛ أي: لصاحب الجنتين ﴿صاحِبُهُ﴾؛ أي: أخوه المؤمن، وهو استئناف بياني كما سبق ﴿وَهُوَ﴾ أي: والحال أنّ صاحبه المؤمن ﴿يُحاوِرُهُ﴾؛ أي: يجاوب الكافر، ويخاطبه بالتوبيخ على شكه في حصول البعث. قال في «الإرشاد»: وفائدة هذه الجملة الحالية: التنبيه من أوّل الأمر على أن ما يتلوه كلامٌ معتنى بشأنه مسوق للمحاورة، وقرأ أبيٌّ: ﴿وهو يخاصمه﴾ وهي قراءة تفسير لا قراءة رواية لمخالفته سواد المصحف ذكره في «البحر». ﴿أَكَفَرْتَ﴾ حيث قلت: ما أظن الساعة قائمةً، فإنه شك في صفات الله وقدرته، وقرأ ثابت البناني، ويلك أكفرت، وهو تفسير معنى التوبيخ والإنكار، لا قراءة ثابتة عن الرسول ﷺ ، ﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ﴾؛ أي (١): في ضمن خلق أصلك آدم ﵇. ﴿مِنْ تُرابٍ﴾ فإنّه متضمن بخلقه منه، إذ هو أنموذج مشتمل إجمالًا

стр. 7226

على جميع أفراد الجنس، وهمزة الاستفهام فيه للتقرير والإمكان بمعنى ما كان ينبغي أن تكفر، ولم كفرت بمن أوجدك من تراب أولًا ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ أي: من منيّ في رحم أمك، ثانيًا، وهي مادتك القريبة ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ﴾؛ أي: جعلك معتدل الخلق والقامة حال كونك ﴿رَجُلًا﴾؛ أي: إنسانًا ذكرًا بالغا مبلغ الرجال، قال في «القاموس» الرّجل: بضم الجيم وسكونها: معروف، وإنما هو إذا احتلم وشب. والمعنى: أي (١) قال له صاحبه المؤمن واعظًا، وزاجرًا عمّا هو فيه من الكفر: أكفرت بالذي خلقك من التراب، إذ غذاء والديك من النبات والحيوان، وغذاء النبات من التراب والماء، وغذاء الحيوان من النبات، ثمّ يصير هذا الغذاء دما يتحول بعضه إلى نطفة يكون منها خلقك بشرًا سويًّا على أتم حال وأحكمه بحسب ما تقتضيه الحكمة، فهذا الذي خلقك على هذه الحال قادرٌ على أن يخلقك مرة أخرى. والخلاصة: كيف تجحدون ربّكم، ودلالة خلقكم على وجوده ظاهرة جليّة، يعلمها كلّ أحد من نفسه، فما من أحد إلّا يعلم أنه كان معدومًا، ثمّ وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنها مثله، ٣٨ - وقد أشار إلى ذلك بقوله: ﴿لكِنَّا﴾؛ أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف بالوحدانية والربوبية، وأقول: ﴿هُوَ﴾، أي: الشأن ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾؛ أي: مالكي وخالقي. أصل ﴿لكِنَّا﴾ لكن (٢) أنا فحذفت الهمزة بنقل حركتها إلى نون لكن أو بدون نقل على خلاف القياس، فتلاقت النّونان، فكان الإدغام، وأثبت جميع القراء ألفها في الوقف، وحذفوها في الوصل غير ابن عامر، فإنه أثبتها في الوصل أيضًا لتعويضها عن الهمزة أو لإجراء الوصل مجرى الوقف، و ﴿هُوَ﴾: ضمير الشأن مبتدأ خبره ﴿اللَّهُ رَبِّي﴾، وتلك الجملة خبر (أنا) والعائد منها إليه ياء الضمير في

стр. 7227

﴿رَبِّي﴾ والاستدراك من قوله: ﴿أَكَفَرْتَ﴾ كأنّه قال لأخيه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد، فوقع لكن بين جملتين مختلفتين في النفي والإثبات. وقرأ الكوفيون (١)، وأبو عمرو وابن كثير، ونافع في رواية ورش، وقالون ﴿لكن﴾ بتشديد النون بغير ألف في الوصل، وبألف في الوقف، وأصله، ولكن أنا نقلت حركة الهمزة إلى نون لكن، وحذفت الهمزة فالتقى مثلان فأدغم أحدهما في الآخر، وقرأ ابن عامر، ونافع في رواية المستملى، وزيد بن عليّ، والحسن، والزهري، وأبو بحريّة، ويعقوب في رواية، وأبو عمرو في رواية، وكردم، وورش في رواية، وأبو جعفر بإثبات الألف وقفا، ووصلا، أما في الوقف، فظاهر، وأما في الوصل فبنو تميم يثبتونها فيه في الكلام، وغيرهم في الاضطرار، فجاء على لغة بني تميم، وعن أبي جعفر حذف الألف وصلا ووقفا، وذلك من رواية الهاشمي، ودل إثباتها في الوصل أيضًا على أن أصل ذلك: لكن أنا، ويدلّ على ذلك أيضًا قراءة فرقة ﴿لكننا﴾ بحذف الهمزة، وتخفيف النونين، وقرأ أبيّ والحسن ﴿لكن أنا هو الله ربي﴾ على الانفصال، وفكه من الإدغام، وتحقيق الهمز، وحكاها ابن عطية عن ابن مسعود، وحكاها الأهوازي عن الحسن. وقد قرىء (٢) ﴿لكن هو الله ربي﴾ و ﴿لكن أنا لا إله إلا هو ربي﴾ ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ فهو المعبود وحده لا شريك له، وفيه إيذان بأنّ كفره كان بطريق الإشراك؛ لأن صاحبه لما عجّز الله عن البعث، فقد جعله مساويا لخلقه في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشريك، ٣٩ - ثم زاد في عظة صاحبه، فقال له: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾؛ أي: وهلّا حين دخلت بستانك، فلولا تحضيضية بمعنى هلا ﴿قُلْتَ﴾ عند إعجابك بها ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ ما موصولة خبر مبتدأ، محذوف أي الأمر هو الذي شاء الله ﴿لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: لا قوّة لأحد على أمر من الأمور إلا بإعانة الله تعالى وإقداره.

стр. 7228

والمراد بهذا الكلام (١): تحضيضه على الإعتراف بأن جنّته، وما فيها بمشيئة الله تعالى، إن شاء أبقاها على حالها عامرة وإن شاء أفناها وجعلها خربةً؛ أي: هلا قلت ذلك اعترافًا بعجزك، وبأن ما تيسر لك من عمارتها، وتدبيرها، إنما هو بمعونته تعالى، وإقداره وفي الحديث «من رأى شيئًا فأعجبه، فقال: ما شاء الله، لا قوّة إلا بالله، لم تضرّه العين». وفي الحديث أيضًا «من رأى أحدًا أعطي خيرًا من أهل أو مالٍ فقال عنده: ما شاء الله لا قوة إلا بالله .. لم ير فيه مكروهًا». والمعنى: أي وهلا (٢) إذ أعجبتك جنتك حين دخلتها، ونظرت إليها، حمدت الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال، والولد ما لم يعط غيرك، وقلت: الأمر ما شاء الله، والكائن ما قدره الله، ليكون ذلك منك اعترافا بالعجز، وبأن كل خير بمشيئة الله، وفضله، وهلا قلت لا قوّة إلا بالله إقرارًا بأنّ ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها فإنما هو بمعونة الله وتأييده. وبعد أن نصح الكافر بالإيمان، وأبان له عظيم قدرة الله، وكبير سلطانه، أجابه عن افتخاره بالمال، والنفس وردّ على قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ فقال: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ وخدمًا في الدنيا أصله: إن ترني، والرؤية إما بصرية فـ ﴿أَقَلَّ﴾ حال، وإما علمية فهو مفعول ثان، والأول ياء المتكلم المحذوفة، وأنا على كلا التقديرين. تأكيد للياء. وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَقَلَّ﴾ بالنصب مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تَرَنِ﴾ إن كانت، علميةً أو حالًا إن كانت بصريةً، وقرأ عيسى بن عمر، ﴿أقل﴾ بالرفع على أن تكون ﴿أَنَا﴾ مبتدأ، و ﴿أقل﴾ خبره، والجملة في موضع مفعول ﴿تَرَنِ﴾ الثاني: إن كانت علمية، وفي موضع الحال إن كانت بصرية، ويدل قوله: ﴿وَوَلَدًا﴾ على أن قول صاحبه ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ عنى به الأولاد إذ قابل كثرة المال بالقلة، وعزة النفر بقلة الولد ٤٠ - ﴿فَعَسى رَبِّي﴾؛ أي: فلعل ربي ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾، أي: أن يعطيني أصله

стр. 7229

يؤتيني ﴿خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ هذه في الآخرة بسبب إيماني، لأن الجنة الدنيوية فانية، والأخروية باقية، والجملة جواب الشرط ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْها﴾؛ أي: على جنتك في الدنيا ﴿حُسْبانًا﴾؛ أي: عذابًا يرميها به ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ من برد أو صاعقة أو نار قال في «القاموس» الحسبان: بالضم جمع حساب، والعذاب، والبلاء، والشّرّ، والصّاعقة، وإنما توقع (١) في حقه العذاب لعلمه بأنّ الكفران مؤد إلى الخسران، وأن الإعجاب سبب للخراب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فكلامه هذا جواب عن قول صاحبه المنكر للبعث: ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾. ﴿فَتُصْبِحَ﴾ الإصباح هنا بمعنى الصيرورة؛ أي: فتصير جنتك ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾؛ أي: أرضًا ملساء لا نبات فيها، بحيث تزلق الرجل فيها لكفرك، ف زَلَقًا مصدر أريد به المفعول مبالغة؛ أي: فتصبح جنتك بعد إرسال الله عليها حسبانًا أرضًا ملساء تزلق فيها الأقدام لملاستها، باستئصال نباتها وأشجارها، وجوز القرطبي أن يكون ﴿زَلَقًا﴾ من زلق رأسه، إذا حلقه، والمراد: أنه لا يبقى فيها نبات كالرأس المحلوق، فـ ﴿زَلَقًا﴾ بمعنى مزلوق أيضًا ٤١ - ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها﴾؛ أي: ماء جنّتك معطوفة على الجملة التي قبلها ﴿غَوْرًا﴾؛ أي: غائرًا داخلًا في الأرض ذاهبا فيها، لا تناله الأيدي، ولا الدلاء، فأطلق هذا المصدر مبالغة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿غَوْرًا﴾ بفتح الغين، وقرأ البرجمي ﴿غورا﴾ بضم الغين، وقرأت فرقة بضم الغين، وهمز الواو، ويعنون بواو بعد الهمزة فيكون ﴿غؤورا﴾ كما جاء في مصدر غارت عينه ﴿غؤورا﴾ ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ﴾؛ أي: فلن تقدر ﴿لَهُ﴾؛ أي: للماء الغائر، ﴿طَلَبًا﴾ فضلًا عن وجدانه ورده، قال في «الجلالين»: لا يبقى له أثر تطلبه به؛ أي: لن تستطيع طلب الماء الغائر، فضلًا عن وجوده وردّه، ولا تقدر عليه بحيلة من الحيل، وقيل (٣): المعنى فلن تستطيع طلب غيره عوضًا عنه. والمعنى: أي (٤) إن ترني أيها الرّجل أفقر منك فإني أرجو الله أن يقلب

стр. 7230

الآية، ويجعل ما بي بك، ويرزقني الغنى، ويرزقني لإيماني جنّة خيرًا من جنتك، ويسلبك بكفرك نعمته، ويخرّب جنّتك بأن يرسل عليها مطرا من السماء، يقلع زروعها، وأشجارها، أو يجعل ماءها يغور في الأرض، فلن تطيق أن تدركه بعد غوره بطلبك إياه. وخلاصة ذلك: أن المؤمن رجا هلاك جنة صاحبه الكافر، إما بآفة سماويّةٍ، أو بآفة أرضيةٍ، وهي غور مائها، وكلتاهما تتلف الشجر والزرع والكرم، ٤٢ - ثمّ أخبر سبحانه بأنه قد حقق ما رجاه ذلك المؤمن وتوقعه من إهلاك جنة الكافر فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ قد قدمنا اختلاف القراء في هذا الحرف وتفسيره؛ أي: أهلك ثمر بستانه بالكلية، وجميع أمواله مأخوذ (١) من أحاط به العدو لأنّه إذا أحاط به فقد غلبه، واستولى عليه، فيهلكه، فهو معطوف على مقدر، كأنه قيل: فوقع بعض ما توقّعه من المحذور، وأهلك أمواله المعهودة التي هي جنتاه وما حوتاه وأحيط بثمره. ﴿فَأَصْبَحَ﴾؛ أي: صار صاحب الجنّتين ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ظهرًا لبطن، ويضرب إحداهما على الأخرى تأسفًا وتحسرًا كما هو عادة النادمين فإن النادم يضرب يديه واحدةً على الأخرى، قال السمرقندي (٢) تقليب الكفين، وعض الكف، والأنامل، واليدين، وأكل البنان، وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الندم والحسرة؛ لأنها من روادفها فتطلق الرّادفة على المردوف، فيرتقي الكلام به إلى الذروة العليا، ويزيد الحسن بقبول السامع. انتهى ولكونه في معنى النّدم عداه تعديته بعلى، كأنّه قيل: فأصبح يندم ﴿عَلى ما أَنْفَقَ﴾ وصرف ﴿فِيها﴾؛ أي: في عمارتها وإصلاحها من الأموال، ولعل (٣) تخصيص الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما أنّه إنّما يكون على الأفعال الاختيارية، يقول الفقير الظاهر: أن الإنفاق إنما هو لتملكها، فالتّحسر على ماله مغن عن التحسر على الجنة؛ لأنّها بدله، وهذا شائع في العرف كما يقول بعض النّادمين: قد صرفت لهذا كذا، وكذا مالًا، وقد آل أمره إلى الهلاك متحسرًا على المال المصروف، وجملة

стр. 7231

قوله: ﴿وَهِيَ﴾، أي الجنة من الأعناب المحفوفة بنخل ﴿خاوِيَةٌ﴾؛ أي: خالية ساقطة، في محل نصب على الحال، يقال: خوت الدار خويّا، إذا تهدمت، وخلت من أهلها؛ أي: ساقطة ﴿عَلى عُرُوشِها﴾؛ أي: على دعائمها المصنوعة للكروم سقطت عروشها على الأرض، وسقط فوقها الكروم، وتخصيص حالها بالذكر دون النخل والزرع لكونها العمدة، قيل: أرسل الله تعالى عليها نارا فأحرقتها، وغار ماؤها، وجملة قوله: ﴿وَيَقُولُ﴾ معطوفة على يقلّب، أي: ويقول صاحب الجنة ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾؛ أي: يقول ذلك الكافر: تأسفًا على تلف ماله يا قوم أتمنى عدم إشراكي بالله أحدًا من المخلوقات، كأنّه تذكر موعظة أخيه، وعلم أنه إنما هلكت جنته بشؤم شركه، فتمنى أن لا يكون مشركًا، فلم يصبه ما أصابه حين لا ينفعه التّمني، ولمّا (١) كانت رغبته في الإيمان لطلب الدنيا لم يكن قوله هذا توبة وتوحيدًا؛ لخلوه عن الإخلاص. والمعنى (٢): أي وأحاطت الجوائح بثمار جنته التي كان يقول فيها: ﴿ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾، فأصبح يقلب كفّيه ندمًا، وأسفًا على ضياع نفقته الّتي أنفقها في عمارتها حين رآها ساقطة على عروشها، ويتمنى أن لم يكن قد أشرك بربه أحدًا. والخلاصة: أنه لما أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وأعرض عن الدين، ثمّ ضاعت منه الدنيا حرم الدين والدنيا معا، ومن ثمّ عظمت حسرته، وقال: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ ٤٣ - ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ﴾، أي: لذلك الكافر ﴿فِئَةٌ﴾؛ أي: جماعة ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾؛ أي: يقدرون على نصره بدفع الهلاك، أو على رد المهلك والإتيان بمثله ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فإنه وحده القادر على نصره بذلك لا غير، لكنه لا ينصره لاستحقاقه الخذلان بكفره ومعاصيه، ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾؛ أي: ممتنعًا بقوته عن انتقامه سبحانه. والمعنى: أي ولم تكن له عشيرة ممن افتخر بهم واستعز ينصرونه،

стр. 7232

ويقدرون على دفع الجوائح عنه، أو ردّ المهلك له من دون الله تعالى، فإنّ الله هو الذي يقدر وحده على نصره، وما كان منتصرًا بقوته عن انتقام الله منه بإهلاك جنته. وخلاصته: أنه لا يقدر على نصره إلا الله، ولا ينصره غيره، من عشيرةٍ وولدٍ، وخدمٍ وحشمٍ، وأعوانٍ كما لا يقدر أن ينتصر لنفسه. وقرأ الأخوان (١) - حمزة والكسائي - ومجاهد، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة، وأيوب، وخلف، وأبو عبيد، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جرير: ﴿ولم يكن﴾ بالياء، لأنّ تأنيث الفئة مجاز، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، والحسن، وأبو جعفر، وشيبة ﴿وَلَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿فئة تنصره﴾ على اللفظ. ٤٤ - ﴿هُنالِكَ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت، وفي تلك الحال، وفي مثل ذلك المقام ﴿الْوَلايَةُ﴾؛ أي: النصرة ﴿لِلَّهِ﴾ وحده، ولا يقدر عليها أحد ﴿الْحَقِّ﴾، أي: الثّابت الوجود، أزلًا، وأبدًا، وهو تقرير لقوله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. والمعنى: أي في مثل تلك الشدائد والمحن، النصرة لله وحده، لا يقدر عليها غيره، أو المعنى (٢) ينصر في مثل تلك الأحوال أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم، كما نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمن، وحقق ظنه وترك عدوه مخذولًا مقهورًا، ويؤيّد هذا المعنى قوله: ﴿هُوَ﴾ ﴿خَيْرٌ ثَوابًا﴾؛ أي (٣): إثابة في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾؛ أي: عاقبة في الدنيا لمن رجاه، وعمل لوجهه، وقيل: المعنى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾؛ أي (٤): أفضل جزاءً لأهل طاعته، لو كان غيره يثيب ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾؛ أي: عاقبة طاعته، خير من عاقبة طاعة غيره، فهو خير إثابةً وعاقبةً.

стр. 7233

وقرأ ابن كثير (١)، ونافع، وابن عامر، وعاصم ﴿الولاية﴾ بفتح الواو بمعنى الموالاة والصلة، وقرأ حمزة، والكسائي، والأعمش، وابن وثاب، وشيبة، وابن غزوان، عن طلحة، وخلف وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جرير، ﴿الولاية﴾ بكسر الواو، وهي بمعنى الرئاسة والرعاية، وقرأ النحويان: أبو عمرو، والكسائي، وحميد، والأعمش، وابن أبي ليلى، وابن مناذر، واليزيدي، وابن عيسى الأصبهانيّ ﴿الحَقُّ﴾ برفع القاف، صفة للولاية، وقرأ باقي السبعة بخفضها وصفًا لله تعالى، وقرأ أُبيٍّ ﴿هنالك الولاية الحق لله﴾ برفع الحقّ صفة لـ ﴿الْوَلايَةُ﴾ وتقديمها على قوله ﴿لِلَّهِ﴾، وقرأ أبو حيوة، وزيد بن علي، وعمرو بن عبيد، وابن أبي عبلة، وأبو السمال، ويعقوب عن عصمة، عن أبي عمرو لله الحق بنصب الحق قال الزمخشري على التأكيد «والمدح». قال أبو علي (٢): من كسر قاف ﴿الْحَقِّ﴾ جعله من وصف الله ، ومن رفعه جعله صفة لـ ﴿الْوَلايَةُ﴾ فإن قيل: لم نعت الولاية، وهي مؤنثة بالحق، وهو مصدر؟ فعنه جوابان: ذكرهما ابن الأنباري: أحدهما: أنّ تأنيثها ليس حقيقيًا، فحملت على معنى النصر، والتقدير: هنالك النصر لله الحق، كما حملت الصيحة على معنى الصّياح في قوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾. والثاني: أن الحقّ مصدرٌ يستوي في لفظه المذكر والمؤنث، والاثنان والجمع، فيقال: قولك حق، وكلمتك حق، وأقوالكم حقٌّ، ويجوز ارتفاع الحق على المدح للولاية، وعلى المدح لله تعالى بإضمار هو. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي ﴿عقبا﴾ بضم القاف، والتنوين، وقرأ عاصم، وحمزة، والحسن، والأعمش، ﴿عقبا﴾ بسكون القاف، والتنوين، وعن عاصم ﴿عقبى﴾ بألف التأنيث المقصورة على وزن رجعى. قال أبو علي: ما كان على ﴿فُعُل﴾ جاز تخفيفه بسكون عينه، كالعنق

стр. 7234

والطّنب. قال أبو عبيدة: العقب، والعقب، والعقبى والعاقبة بمعنًى، وهي الآخرة، والمعنى: عاقبة طاعة الله خير من عاقبة طاعة غيره. ٤٥ - وبعد أن ضرب المثل لدنيا هؤلاء الكافرين التي أبطرتهم وكانت سبب شقائهم، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، ضرب مثلًا لدار الدنيا عامّة في سرعة فنائها، وعدم دوام نعميها. فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك وبيّن لهم ﴿مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أي: صفتها العجيبة في فنائها، وبيّن لهم ما يشبهها في زهرتها، ونضارتها، وسرعة زوالها؛ لئلا يطمئنوا إليها ولا يعكفوا عليها، ولا يعرضوا عن الآخرة بالكليّة، وقوله: ﴿كَماءٍ﴾ استئناف (١) لبيان المثل؛ أي: هي كماء ﴿أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ ليس المراد تشبيه حال الدنيا بالماء وحده، بل بمجموع ما في حيز الأداة؛ أي: صفتها، وحالها وهيئتها كصفة، وحال وهيئة ماء أنزلناه من السحاب ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء؛ أي: التف وتكاتف، وتراكم بسبب ذلك الماء ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾ أشجارها، وزروعها، وحشيشها، حتى خالط بعضه بعضًا، وصار في المنظر في غاية الحسن والنضارة ﴿فَأَصْبَحَ﴾ ذلك النبات؛ أي: فصار ذلك النبات الملتف إثر بهجته، ونضارته ﴿هَشِيمًا﴾؛ أي: مهشومًا مكسورًا ليبسه، من الهشم، وهو: كسر الشيء الرخو ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾؛ أي: تحمله، وتفرقه، وتطيّره وتذهبه وتعدمه، يقال: ذرت الريح الشيء، وأذرته، وذرته أطارته وأذهبته، وذرا هو بنفسه، ويقال: ذرى الحنطة: إذا نقّاها في الريح كما في «القاموس»، وهذه الآية مختصرة من قوله: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ﴾ الآية. شبه الدنيا في نضرتها ثم صيرورتها إلى الزوال بحال نبات اخضرّ والتف، وأزهر، ثمّ صار هشيمًا متفتتًا تنثره الرياح ذات اليمين وذات الشمال، ومن ثمّ ينبغي أن لا يغترن أهلها بها، ولا يفخرن ذوو الأموال الكثيرة بأموالهم، ولا يستكبرن بها على غيرهم، فإنّما هي ظلٌّ زائلٌ، وضيفٌ راحل، وفي الحديث

стр. 7235

«الدنيا كسوق قام ثمّ انفض». وقرأ ابن مسعود، وأبي وابن عباس، وابن أبي عبلة (١): ﴿تذريه﴾ بضم التاء وكسر الراء، بعدها ياء ساكنة، وهاء مكسورة من أذرى الرباعيّ إلا أنّ ابن مسعود فتح التاء، وقرأ (٢) زيد بن علي، والحسن، والنخعي، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وابن محيصن، وخلف، وابن عيسى، وابن جرير ﴿الريح﴾ على الإفراد، وقرأ الجمهور ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ بالجمع ﴿وَكانَ اللَّهُ﴾ سبحانه ذو الكمال والجلال ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه من الإنشاء والإبقاء، والإفناء ﴿مُقْتَدِرًا﴾؛ أي: قادرًا لا يعجزه شيء، والمقتدر مفتعل من قدرت؛ أي: وكان (٣) الله ذو الجلال والجمال قادرًا على كل شيءٍ إنشاءً وفناءً وإعادة فهو يوجد الأشياء، ثم ينميها ثم يفنيها، وما حال الدنيا إلا هذه الحال، فهي تظهر أوّلًا ناضرةً ظاهرةً، ثمّ تتزايد قليلًا قليلًا، ثمّ تأخذ في الانحطاط إلى أن تصير إلى الهلاك، والفناء، فلا ينبغي للعاقل أن يبتهج بما يحوزه منها، أو يفخر به، أو يصعّر خدّه استكبارًا، ٤٦ - ثم بين سبحانه ما كانوا يفتخرون به من محسنات الدنيا، إثر بيان حالها بما مرّ من المثل، فقال: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ﴾ اللذان يفتخر بهما الناس، لا سيّما رؤساء العرب وأغنياؤهم، ﴿زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أي: شيءٌ يتزينون به في الحياة الدنيا، ويفنى عنهم عن قريب، وليسا من زاد الآخرة، فيقبح بالعاقل أن يفتخر بهما، والزّينة (٤) مصدر في الأصل، أطلق على المفعول مبالغة، كأنهما نفس الزينة، وقدم (٥) المال على البنين مع كونهم أعزّ منه لدى جميع الناس من قبل أنّ الزينة به أتمّ، ولأنه يمدّ الآباء والأبناء في كل حين، ولأنه مناط ببقاء النفس والأولاد، وبذا يبقى النوع الإنساني، ولأنّ الحاجة إليه أمس من الحاجة إليهم، ولأنه زينة بدونهم، دون العكس، فإنّ من له بنون ولا مال له، فهو في بؤس وشقاء.

стр. 7236

روي عن علي ﵁: المال والبنون حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد جمعهما الله لأقوام. وهذا (١) رد على الأغنياء والرؤساء الذين يفتخرون بالمال والغنى والأبناء، فأخبرهم سبحانه أنّ ذلك مما يتزين به في الدنيا، لا مما ينفع في الآخرة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقال أيضًا: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، ولهذا عقّب هذه الزينة الدنيوية بقوله: ﴿وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ﴾؛ أي: والأعمال الصالحة التي تبقى ثمراتها أبد الآباد من الصلاة، والصوم، والزكاة، وأعمال الحج، والجهاد في سبيل الله، ومساعدة البائسين وذوي الحاجات، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ونحو ذلك من الكلم الطيب، ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ في الآخرة من الفانيات الفاسدات، من المال والبنين؛ أي: أفضل لصاحبها من هذه الزينة بالمال والبنين في الآخرة. ﴿ثَوابًا﴾ وجزاء، وأكثر عائدة ومنفعة لأهلها ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾؛ أي: رجاء (٢) حيث ينال بها صاحبها في الآخرة كلّ ما كان يؤمله في الدنيا، وأما ما مر من المال والبنين: فليس لصاحبه أمل يناله. يعني أن (٣) هذه الأعمال الصّالحة لأهلها من الأمل أفضل مما يؤمله أهل المال والبنين، لأنهم ينالون بها في الآخرة أفضل ممّا كان يؤمله هؤلاء الأغنياء في الدنيا، وليس في زينة الدنيا خير حتى تفضل عليها الآخرة، ولكن هذا التفضيل خرج مخرج قوله تعالى: ﴿أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ والظاهر أنّ الباقيات الصالحات كلّ عمل خير، فلا وجه لقصرها على الصلاة، كما قاله بعض، ولا لقصرها على نوع من أنواع الذكر كما قاله بعضٌ آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبهذا تعرف أن تفسير الباقيات الصالحات في الأحاديث الآتية ببعض الأعمال الصالحة بخصوصها لا ينافي إطلاق هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من غيرها. وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وابن جرير، وابن مردويه، والحاكم، وصححه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 7237

«استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟: قال: التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله». وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، هن الباقيات الصالحات، وهنّ يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة». وأخرج النسائي والطبراني والبيهقي، عن أبي هريرة مرفوعًا «خذوا جنّتكم قيل: يا رسول الله من أي عدوّ قد حضر؟ قال: بل جنتكم من النار، قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات، معقبات، ومجنبات، وهي الباقيات الصالحات». ٤٧ - ولما ذكر الله ما يؤول إليه حال الدنيا من النفاد، أعقب ذلك بأوائل أحوال يوم القيامة فقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾، وقرأ (١) نافع، وحمزة، والكسائي، والأعرج، وشيبة، وعاصم، وابن مصرف، وأبو عبد الرحمن، ﴿نُسَيِّرُ﴾ بنون العظمة ﴿الْجِبالَ﴾ بالنصب، وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، والحسن، وشبل، وقتادة، وعيسى، والزهري وحميد، وطلحة، واليزيدي، والزبيري، عن رجاله، عن يعقوب ﴿تسير﴾ بضم التاء وفتح الياء المشددة مبنيًا للمفعول، ﴿الجبال﴾ بالرفع، وعن الحسن كذلك إلّا أنه بضم الياء المثناة من تحتها، وقرأ ابن محصين، ومحبوب عن أبي عمرو ﴿ويوم تسير الجبال﴾ من سار الثلاثي، وقرأ أبي ﴿ويوم سيرت الجبال﴾ بصيغة الماضي المبني للمجهول. أي: واذكر يا محمد لأمتك قصة يوم نسير الجبال، ونقلعها، ونزيلها من أماكنها، وتسير في الجو على هيآتها كما تسير السحاب، أو تسير أجزاؤها بعد أن نجعلها هباء منبثًا، والمراد بتذكيره: تحذير المشركين، مما فيه من الدواهي ﴿وَتَرَى﴾ يا محمد أو يا كلّ من يصلح للرؤية ﴿الْأَرْضَ﴾؛ أي جميع جوانبها حالة كونها ﴿بارِزَةً﴾؛ أي: ظاهرة منكشفة ليس عليها ما يسترها من جبل ولا شجر ولا

стр. 7238

نبات ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾؛ أي: والحال أنا قد جمعنا الخلائق من الأولين والآخرين من كل جانب إلى الموقف. ﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾؛ أي: لم نترك ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ تحت الأرض إلا وقد جمعناهم لذلك اليوم، يقال: غادره: وأغدره إذا تركه ومنه الغدر الذي هو ترك الوفاء، ومنه: الغدير، وهو ماء غادره السيل، وتركه في الأرض الغائرة، أي: المنخفضة. وقال الزمخشري: فإن قلت (١): لم جيء بـ ﴿حَشَرْناهُمْ﴾ ماضيا بعد ﴿نُسَيِّرُ﴾ و ﴿تَرَى﴾؟ قلت: للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير وقبل البروز ليعاينوا تلك الأهوال والعظائم، كأنه قيل: وحشرناهم قبل ذلك انتهى. والأولى أن تكون ﴿الواو﴾ واو الحال، لا واو العطف، والمعنى: وقد حشرناهم؛ أي: يوقع التسيير في حالة حشرهم، وقيل: ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾، ﴿وَعُرِضُوا﴾، ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل لتحقيق وقوعه. وقرأ عمرو بن العاص وابن السميفع وأبو العالية (٢): ﴿وترى الأرض بارزة﴾ بضم التاء، والضاد، وقرأ أبو رجاء العطاردي، كذلك إلا أنه فتح ضاد الأرض. وقرأ الجمهور (٣): ﴿نُغادِرْ﴾ بنون العظمة وقتادة ﴿تغادر﴾ على الإسناد إلى القدرة أو الأرض، وقرأ أبان بن يزيد عن عاصم كذلك، أو بفتح الدال وبالياء مبنيًا للمفعول و ﴿أحد﴾ بالرفع، وعصمة كذلك، والضحاك ﴿نغدر﴾ بضم النون، وإسكان الغين، وكسر الدال. ٤٨ - ﴿وَعُرِضُوا﴾؛ أي: الخلائق يوم القيامة يعني المحشورين ﴿عَلى رَبِّكَ﴾ كعرض الجند على السلطان ليقضى بينهم حالة كونهم ﴿صَفًّا﴾؛ أي: مصفوفين كل أمة وزمرة صف. والمعنى (٤): صفوفًا يقف بعضهم وراء بعض، غير متفرقين، ولا مختلطين،

стр. 7239

شبهت حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان، ليحكم فيهم بما أراد، لا ليعرفهم، مقولًا لهم وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ أيها العباد حالة كونكم كائنين ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ خلقا ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ حفاة عراة غرلًا، بلا أموال، وأعوان، وبنين كما ورد في الحديث، وعن عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: «عراة حفاة» قلت: والنّساء؟ قال: «نعم» قلت: يا رسول الله نستحي؟ قال: «يا عائشة، الأمر أشد من ذلك، لن يهمهم أن ينظر بعضهم إلى بعض» وقوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ إضراب وانتقال من كلام إلى كلام آخر للتقريع، والتوبيخ، وهو خطاب لمنكري البعث؛ أي: بل زعمتم، وقلتم أيها المشركون المنكرون للبعث، والزعم الادعاء بالكذب، ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة؛ أي: بل زعمتم في الدنيا أنه ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ﴾ في الآخرة أبدًا ﴿مَوْعِدًا﴾؛ أي: وقتًا ننجز فيه ما وعدناه لكم على ألسنة الأنبياء من البعث والمحاسبة، والمجازاة خيرًا أو شرًّا. والحاصل: أنه ذكر في هذه الآيات من أحوال يوم القيامة أمورًا: ١ - ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾؛ أي: واذكر أيها الرسول قصّة يوم نقلع الجبال من أماكنها، ونسيرها في الجو كالسحاب، ونجعلها هباء منثورا كما قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧)﴾؛ أي: تذهب الجبال، وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض سطحًا مستويًا لا عوج فيه، ولا وادي، ولا جبل، وقال: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ وقال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)﴾. ٢ - ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾؛ أي: وترى أيها الرائي جميع جوانب الأرض بادية ظاهرة إذ لم يبق على وجهها شيء من العمائر ولا شيء من الجبال، ولا شيء من الأشجار، فليس عليها ما يسترها، فيكون جميع الخلائق ضاحين لربهم، لا تخفى عليه خافية من أمرهم، وهذا هو المراد من قوله: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧)﴾.

стр. 7240

٣ - ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾؛ أي: وجمعنا الأولين والآخرين للحساب بعد أن أقمناهم من قبورهم، فلم نترك منهم أحدًا لا صغيرًا، ولا كبيرًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ وقال: ﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾. ولما ذكر سبحانه حشر الخلق .. بيّن كيفية عرضهم على ربهم فقال: ٤ - ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: يعرض الخلق كلهم على الله صفًّا واحدًا، كما قال: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ ويقال لهم على طريق التوبيخ والتقريع: لقد جئتمونا أيها الناس، أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أوّل مرة فرادى، حفاةً، عراةً، لا شيء معكم من المال، والولد، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ وفي هذا زجر لأولئك المشركين المنكرين للبعث، الذين يفخرون في الدنيا على الفقراء من المؤمنين بالأموال والأنصار. أخرج ابن المنذر عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: «إن الله ينادي يوم القيامة: يا عبادي أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، وأسرع الحاسبين، أحضروا حجتكم، ويسروا جوابكم فإنكم مسؤولون محاسبون، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفًا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب». وفي الحديث الصحيح: «يجمع الله تعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد صفوفًا يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ...» والحديث له بقية. ٥ - ٤٩ ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ معطوف على «عرضو» والمراد (١) بالكتاب، صحائف الأعمال، وأفرده لكون التعريف فيه للجنس، والوضع: إما حسي بأن توضع صحيفة كل واحد في يده، السعيد في يمينه، والشقي في شماله، أو في الميزان، وإما عقلي، أي: أظهر عمل كل واحد من خير أو شر بالحساب الكائن في ذلك اليوم، وقرأ زيد بن علي ﴿ووضع﴾ مبنيًا للفاعل ﴿الكتاب﴾ بالنصب، والفاعل

стр. 7241

الله أو الملك، أي: وضع (١) في هذا اليوم الرهيب، كتاب كل إنسان في يده اليمنى، إن كان مؤمنًا، وفي يده اليسرى إن كان كافرًا، فقد تطايرت الكتب إلى أيدي الخلائق مثل الثلج ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: المشركين والمنافقين ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾؛ أي: خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة؛ أي: يحصل لهم خوف العقاب من الله بذنوبهم، وخوف الفضيحة عند الخلق بظهور الجرائم لأهل الموقف، ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: ويقول المجرمون عند وقوفهم على ما في الكتاب من السيئات، نقيرًا، وقطميرًا، تعجبًا من شأنه ﴿يا وَيْلَتَنا﴾؛ أي: يا هلكتنا احضري وتعالي فهذا أوانك، يدعون على أنفسهم بالويل، لوقوعهم في الهلاك (٢)، منادين لهلكتهم التي هلكوا بها من بين الهلكات، مستدعين لها ليهلكوا ولا يروا هول ما لاقوه، فإن الويل والويلة الهلكة. ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ﴾ قال البقاعي (٣): رسم لام الجر وحده إشارةٌ إلى أنهم صاروا من قوة الرعب، وشدة الكرب، يقفون على بعض الكلمة؛ أي: أي شيء لهذا الكتاب حالة كونه ﴿لا يُغادِرُ﴾، ولا يترك ﴿صَغِيرَةً﴾ من السيئات ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾ من الذنوب تصدر عن جانيها، وقدّم الصغيرة اهتمامًا بها، وإذا أحصيت فالكبيرة أحرى. ﴿إِلَّا أَحْصاها﴾؛ أي: إلّا عدها، وضبطها، وحواها، وأثبتها، وعن ابن عباس ﵄ الصّغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة، وعن سعيد بن جبير: الصغيرة: المسيس، والكبيرة الزنا؛ وهذا (٤) الإحصاء لا يعارض قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ...﴾ الآية، إذ لا يلزم من العد عدم التكفير، إذ يجوز أن تكتب الكبائر ليشاهدها العبد يوم القيامة، ثمّ تكفّر عنه، فيعلم قدر نعمة العفو عليه اهـ كرخي. ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا﴾ في الدنيا من المعاصي الموجبة للعقوبة، أو وجدوا جزاء ما عملوا ﴿حاضِرًا﴾، أي مكتوبًا مثبتًا في كتابهم، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ من خلقه، فلا ينقص من حسنات أحد أجره الذي يستحقه، ولا يزيد على سيئات

стр. 7242

أحد، فيكتب ما لم يعمل من السيئات، أو يزيد في عقابه الملائم لعمله، فيكون إظهارا لمعدلة القلم الأزلي. بل يعفو (١) ويصفح، ويغفر ويرحم، ويعذب من يشاء بحكمته وعدله، فإنه سبحانه وعد بإثابة المطيع، وتعذيب العاصي بمقدار جرمه من غير زيادة، وإنه قد يغفر له ما سوى الكفر، ومن ثم لا يعذب أحدًا بما لم يعمله، ولا ينقص ثواب ما عمله مما أمر به وارتضاه، ولا يزيد في عقابه الملائم لعمله الذي نهى عنه، ولم يرتضه. ونحو الآية قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)﴾. وخلاصة ذلك: أن الجزاء نتيجة العمل، والعمل مرسوم في قوالب حافظة له، فليس يمكن رفعه، ولا دفعه، ولا يكون الجزاء عليه ظلما، كما لا تعد التخمة بعد الأكل الكثير ظلمًا، ولا المرض بعد الشرب من الماء الآسن المملوء بالجراثيم والأدران ظلمًا، وإنما تلك مسببات لأسباب كلّ عاقل يعلم أنّها نتيجة حتمية لها. الإعراب ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢)﴾. ﴿وَاضْرِبْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اضْرِبْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿اضْرِبْ﴾ ﴿مَثَلًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿اضْرِبْ﴾ لأنه بمعنى اجعل ﴿رَجُلَيْنِ﴾: مفعول أول له؛ أي: واجعل رجلين مثلًا، وشبها لهم، وفي «روح البيان» ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ مفعولان لـ ﴿اضْرِبْ﴾ أولهما ثانيهما، لأنه المحتاج إلى التفصيل والبيان اهـ ﴿جَعَلْنا﴾: فعل وفاعل ﴿لِأَحَدِهِما﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾: مفعول أول له ﴿مِنْ أَعْنابٍ﴾: صفة لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾،

стр. 7243

والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾ ولكنها سببية، ﴿وَحَفَفْناهُما﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿بِنَخْلٍ﴾: متعلق بـ ﴿حففنا﴾ ﴿وَجَعَلْنا﴾: فعل وفاعل ﴿بَيْنَهُما﴾: ظرف في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿زَرْعًا﴾: مفعول أول له، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنا لِأَحَدِهِما﴾. ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾. ﴿كِلْتَا﴾: مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأنه اسم مقصور ﴿الْجَنَّتَيْنِ﴾: مضاف إليه ﴿آتَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿كِلْتَا﴾ ﴿أُكُلَها﴾: مفعول ثان لـ ﴿آتَتْ﴾، والأول محذوف تقديره: آتته أكلها؛ لأن ﴿آتى﴾ هنا بمعنى أعطى، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ وقد روعي لفظ ﴿كِلْتَا﴾ فأتى الخبر مفردًا، وروعيت التثنية المعنوية في قوله: ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾، والجملة الاسمية في محل النصب صفة لـ ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ في قوله: ﴿جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ أو مستأنفة، استئنافًا بيانيًا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على ﴿كِلْتَا﴾ ﴿مِنْهُ﴾: حال من ﴿شَيْئًا﴾، لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به لـ ﴿تَظْلِمْ﴾، أو مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿آتَتْ﴾ ﴿وَفَجَّرْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آتَتْ﴾ ﴿خِلالَهُما﴾: منصوب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿فَجَّرْنا﴾ ﴿نَهَرًا﴾: مفعول به، ﴿وَكانَ﴾: الواو: عاطفة ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص ﴿لَهُ﴾: خبرها مقدم ﴿ثَمَرٌ﴾: اسمها مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾. ﴿فَقالَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿قال﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنتين ﴿لِصاحِبِهِ﴾ متعلق بـ ﴿قال﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾ ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ حالية ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُحاوِرُهُ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل قال ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَنَا أَكْثَرُ﴾: مبتدأ وخبر ﴿مِنْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَكْثَرُ﴾ ﴿مالًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾: معطوف على ﴿أكثر مالا﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾.

стр. 7244

﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾. ﴿وَدَخَلَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿دَخَلَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنتين ﴿جَنَّتَهُ﴾: مفعول به على السعة، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾، ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾ حالية ﴿هُوَ ظالِمٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿لِنَفْسِهِ﴾: ﴿اللام﴾ زائدة لـ ﴿نفسه﴾ مفعول به لـ ﴿ظالِمٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل، ﴿دَخَلَ﴾: ﴿قالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الظلم، وهو الأحسن، ويجوز أن تكون حالا من الضمير في ﴿ظالِمٌ﴾؛ أي: وهو ظالم في حال كونه قائلًا كذا في «الجمل». ﴿ما﴾ نافية ﴿أَظُنُّ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الداخل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿أَنْ تَبِيدَ هذِهِ﴾: ناصب وفعل وفاعل ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿تَبِيدَ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر سادّ مسد مفعولي ﴿أَظُنُّ﴾ تقديره: ما أظن بيد هذه الجنة وهلاكها أبدًا. ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿أَظُنُّ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الداخل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿ما أَظُنُّ﴾ ﴿السَّاعَةَ قائِمَةً﴾: مفعولان لـ ﴿أَظُنُّ﴾ ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة، و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿رُدِدْتُ﴾: فعل ونائب فاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿إِلى رَبِّي﴾: متعلق به ﴿لَأَجِدَنَّ﴾: ﴿اللام﴾ واقعة في جواب القسم مؤكدة للأولى ﴿أجدن﴾ فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الداخل ﴿خَيْرًا﴾: مفعول به لأنه من وجد بمعنى أصاب ﴿مِنْها﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ ﴿مُنْقَلَبًا﴾: تمييز لـ ﴿خَيْرًا﴾ منصوب به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿ما أَظُنُّ﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾، وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم كما هي القاعدة على حدّ قول ابن مالك:

стр. 7245

واحذف لدى اجتماعِ شَرطٍ وَقَسَمْ ... جَوابَ ما أَخَّرتَ فهو مُلتزَمْ التقدير: إن رددت إلى ربي أجد خيرًا منها منقلبًا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه. ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض ﴿لَهُ﴾: متعلق به ﴿صاحِبُهُ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُحاوِرُهُ﴾: خبره والجملة الاسمية في محل النصب حال من صاحبه، ﴿أَكَفَرْتَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَكَفَرْتَ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التوبيخي ﴿كَفَرْتَ﴾ فعل وفاعل ﴿بِالَّذِي﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿خَلَقَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿مِنْ تُرابٍ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار، والمجرور قبله. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿سَوَّاكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة معطوفة على جملة الصلة ﴿رَجُلًا﴾: حال من (كاف) الخطاب، ولكنه جامد مؤول بمشتق تقديره: كاملًا، ويجوز أن يعرب مفعولًا ثانيًا لـ ﴿سَوَّاكَ﴾. ﴿لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾. ﴿لكِنَّا﴾ أصله لكن أنا هو الله ﴿لكن﴾ حرف استدراك استدرك به على قوله: ﴿أَكَفَرْتَ﴾: ﴿أنا﴾ ضمير المتكلم مبتدأ أول ﴿هُوَ﴾: ضمير شأن مبتدأ ثان ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ثالث ﴿رَبِّي﴾: خبر لثالث، وجملة الثالث خبر للثاني، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَلا﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿لا﴾ نافية ﴿أُشْرِكُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الرجل المؤمن منهما ﴿بِرَبِّي﴾ متعلق بـ ﴿أُشْرِكُ﴾ ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَلَوْلا﴾: الواو استئنافية ﴿لَوْلا﴾: حرف تحضيض

стр. 7246

بمعنى هلا ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿قُلْتَ﴾ ﴿دَخَلْتَ﴾: فعل وفاعل ﴿جَنَّتَكَ﴾: مفعول به على السعة، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿قُلْتَ﴾: فعل وفاعل والتّقدير: ولولا قلت وقت دخولك جنتك، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْتَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿ما﴾ موصولة في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الذي أعطيته هو ما شاءه الله، وأراده لا بحولي، وقوتي، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْتَ﴾ ﴿شاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره ما شاءه الله ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل إن ﴿قُوَّةَ﴾: في محل النصب اسمها ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿بِاللَّهِ﴾: خبر لا، وجملة ﴿لا﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْتَ﴾ ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿تَرَنِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الألف والفتحة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة النون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزأ عنها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول أول لـ ﴿ترى﴾ ﴿أَنَا﴾ تأكيد لياء المتكلم المحذوفة ﴿أَقَلَّ﴾: مفعول ثان لـ ﴿تر﴾ ﴿مِنْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَقَلَّ﴾ ﴿مالًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل ﴿وَوَلَدًا﴾: معطوف على ﴿مالًا﴾. ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾. ﴿فَعَسَى﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة جامديةً ﴿عسى﴾ فعل ماض من أفعال الرجاء ﴿رَبِّي﴾: اسمها ﴿أَنْ﴾ حرف مصدر ﴿يُؤْتِيَنِ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة، وفاعله ضمير يعود على الله، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة في محل النصب مفعول أول ﴿خَيْرًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿أتى﴾ ﴿مِنْ جَنَّتِكَ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرا لـ ﴿عسى﴾، ولكنه في تأويل مشتق، والتقدير، فعسى ربي آتيًا إياي خيرًا من جنتك، وجملة ﴿عسى﴾ في محل الجزم جواب لـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في

стр. 7247

محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَيُرْسِلَ﴾: معطوف على ﴿يُؤْتِيَنِ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبِّي﴾ ﴿عَلَيْها﴾: متعلق بـ ﴿يُرْسِلَ﴾ ﴿حُسْبانًا﴾: مفعول به ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: صفة لـ ﴿حُسْبانًا﴾ ﴿فَتُصْبِحَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿تصبح﴾ فعل مضارع معطوف على ﴿يُرْسِلَ﴾ هي فعل من الأفعال الناقصة، واسمها ضمير يعود على ﴿جَنَّتِكَ﴾ ﴿صَعِيدًا﴾: خبر ﴿أصبح﴾ منصوب ﴿زَلَقًا﴾: صفة لـ ﴿صَعِيدًا﴾. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾: فعل ناقص واسمه، وخبره معطوف على قوله: ﴿فَتُصْبِحَ﴾ ﴿فَلَنْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفةٌ ﴿لن﴾ حرف نصب ﴿تَسْتَطِيعَ﴾: منصوب بـ ﴿لن﴾، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿طَلَبًا﴾ ﴿طَلَبًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُصْبِحَ﴾. ﴿وَأُحِيطَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف تقديره: فانقضت الصواعق على جنته، وغارت المياه فيها، وأحيط بثمره، ﴿أُحِيطَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بِثَمَرِهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿فَأَصْبَحَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿أصبح﴾ فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة، ﴿عَلى ما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُقَلِّبُ﴾ لأنه ضمنه معنى يندم، وجملة ﴿يُقَلِّبُ﴾: في محل النصب خبر ﴿أصبح﴾، وجملة ﴿أصبح﴾: معطوفة على جملة ﴿أُحِيطَ﴾. ﴿أَنْفَقَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿فِيها﴾: متعلق بـ ﴿أَنْفَقَ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: على ما أنفقه فيها، ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿عَلى عُرُوشِها﴾: متعلق بـ ﴿خاوِيَةٌ﴾ والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿فِيها﴾ ﴿وَيَقُولُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُقَلِّبُ﴾ وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة، ﴿يا لَيْتَنِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿يا﴾ حرف تنبيه أو حرف نداء والمنادى محذوف تقديره: يا قوم ﴿لَيْتَنِي﴾: ﴿ليت﴾ حرف تمني ونصب، والنون للوقاية لأنّها تقي حركة البناء الأصلي عن الكسر، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها

стр. 7248

﴿لَمْ أُشْرِكْ﴾: جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿بِرَبِّي﴾: متعلق بـ ﴿أُشْرِكْ﴾ ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿أُشْرِكْ﴾: في محل الرفع خبر ﴿ليت﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾. ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ جازم ومجزوم، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم لـ ﴿تَكُنْ﴾ ﴿فِئَةٌ﴾: اسمها مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُحِيطَ﴾. ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صفة لـ ﴿فِئَةٌ﴾ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه حال من فاعل ﴿ينصرون﴾ وذكّرت الصفة، وجمعت لأن الفئة تتضمن الجمع، وهو يتضمن الذكور والإناث، ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿مُنْتَصِرًا﴾: خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾. ﴿هُنالِكَ﴾: اسم إشارة يشار به إلى المكان البعيد، في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على السكون، واللام لبعد المشار إليه، و ﴿الكاف﴾ حرف دال على الخطاب، والظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿الْوَلايَةُ﴾: مبتدأ ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والتقدير: الولاية مستحقة مستقرة لله هنالك لا لغيره، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿الْحَقِّ﴾: بالجر صفة للجلالة، وبالرّفع صفة لـ ﴿الْوَلايَةُ﴾؛ أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو الحق، ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿ثَوابًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب بأفعل التفضيل، ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ ثَوابًا﴾ و ﴿عُقْبًا﴾ بمعنى عاقبة. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾. ﴿وَاضْرِبْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿اضْرِبْ﴾: فعل أمر بمعنى اذكر، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به ﴿مَثَلَ الْحَياةِ﴾: مفعول به ﴿الدُّنْيا﴾: صفة لـ ﴿الْحَياةِ﴾؛ أي: واذكر لهم صفة الحياة الدنيا، والجملة مستأنفة ﴿كَماءٍ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هي كماء، والجملة مستأنفة استئنافًا

стр. 7249

بيانيًا، ويجوز أن يكون ﴿مَثَلَ الْحَياةِ﴾: مفعولًا أول ﴿كَماءٍ﴾: مفعولًا ثانيًا؛ أي: واجعل لهم مثل الحياة الدنيا مثل ماء، ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿ماء﴾ ﴿فَاخْتَلَطَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿اختلط﴾: فعل ماض ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿فَأَصْبَحَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿أصبح﴾ فعل ناقص، واسمه ضمير يعود على نبات الأرض ﴿هَشِيمًا﴾: خبر ﴿أصبح﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿اختلط﴾ ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿هَشِيمًا﴾، ﴿وَكانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿مُقْتَدِرًا﴾ ﴿مُقْتَدِرًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾. ﴿الْمالُ﴾: مبتدأ ﴿وَالْبَنُونَ﴾: معطوف عليه ﴿زِينَةُ الْحَياةِ﴾: خبر، ومضاف إليه ﴿الدُّنْيا﴾: صفة للحياة، والجملة مستأنفة ﴿وَالْباقِياتُ﴾: مبتدأ ﴿الصَّالِحاتُ﴾: صفة لـ ﴿وَالْباقِياتُ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ ﴿ثَوابًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَخَيْرٌ﴾: معطوف على خير ﴿أَمَلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلّق بمحذوف تقديره: واذكر لهم يوم نسير الجبال؛ أي: قصته وهوله، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ﴾: فعل ومفعول به لأن ﴿تَرَى﴾ بصرية ﴿بارِزَةً﴾: حال من ﴿الْأَرْضَ﴾: وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ ولكنه على تقدير قد لكونه فعلًا ماضيًا؛

стр. 7250

أي: ويوم نسير الجبال حالة كوننا حاشرين إياهم، ﴿فَلَمْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿لم﴾ ﴿نُغادِرْ﴾: جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من ﴿أَحَدًا﴾. ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾: لأنه ماض معنى بسبب لم. ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾. ﴿وَعُرِضُوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾. ﴿عَلى رَبِّكَ﴾: متعلق به ﴿صَفًّا﴾: حال من ﴿الواو﴾ في ﴿عُرِضُوا﴾ أي: حالة كونهم مصفوفين ﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿جِئْتُمُونا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم في محل النصب مقول لقول محذوف حال من ﴿واو﴾ عُرِضُوا: والتقدير: وعرضوا على ربك صفا حالة كونهم مقولًا لهم لقد جئتمونا ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه ﴿ما﴾ مصدرية ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿خَلَقْناكُمْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ تقديره: كخلقنا إياكم أول مرة، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: لقد جئتمونا مجيئًا مشابهًا بخلقنا إياكم أول مرة حفاة عراة غرلا. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وانتقال مفيد للتوبيخ ﴿زَعَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل ﴿أَلَّنْ﴾ ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ﴿لن﴾ حرف نفي ونصب، ﴿نَجْعَلَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني ﴿مَوْعِدًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ إذا كان بمعنى صير، وإذا كان الجعل مجرد الإيجاد كانت لكم متعلقة به و ﴿مَوْعِدًا﴾: هو المفعول به و ﴿مَوْعِدًا﴾ أي مكانًا، وزمانًا تبعثون فيه، وجملة ﴿نَجْعَلَ﴾: في محل الرفع خبر أن المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي زعم، والتقدير: بل زعمتم عدم جعلنا لكم موعدا تبعثون فيه. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.
следующие страницы →