← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

بمعنى هلا ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿قُلْتَ﴾ ﴿دَخَلْتَ﴾: فعل وفاعل ﴿جَنَّتَكَ﴾: مفعول به على السعة، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿قُلْتَ﴾: فعل وفاعل والتّقدير: ولولا قلت وقت دخولك جنتك، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ مقول محكي لـ ﴿قُلْتَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿ما﴾ موصولة في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذا الذي أعطيته هو ما شاءه الله، وأراده لا بحولي، وقوتي، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْتَ﴾ ﴿شاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره ما شاءه الله ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل إن ﴿قُوَّةَ﴾: في محل النصب اسمها ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿بِاللَّهِ﴾: خبر لا، وجملة ﴿لا﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْتَ﴾ ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿تَرَنِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهي الألف والفتحة قبلها دليل عليها، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة النون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزأ عنها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول أول لـ ﴿ترى﴾ ﴿أَنَا﴾ تأكيد لياء المتكلم المحذوفة ﴿أَقَلَّ﴾: مفعول ثان لـ ﴿تر﴾ ﴿مِنْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَقَلَّ﴾ ﴿مالًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل ﴿وَوَلَدًا﴾: معطوف على ﴿مالًا﴾. ﴿فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾. ﴿فَعَسَى﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة جامديةً ﴿عسى﴾ فعل ماض من أفعال الرجاء ﴿رَبِّي﴾: اسمها ﴿أَنْ﴾ حرف مصدر ﴿يُؤْتِيَنِ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه فتحة ظاهرة، وفاعله ضمير يعود على الله، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة في محل النصب مفعول أول ﴿خَيْرًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿أتى﴾ ﴿مِنْ جَنَّتِكَ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية في تأويل مصدر منصوب على كونه خبرا لـ ﴿عسى﴾، ولكنه في تأويل مشتق، والتقدير، فعسى ربي آتيًا إياي خيرًا من جنتك، وجملة ﴿عسى﴾ في محل الجزم جواب لـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية في

стр. 7247

محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَيُرْسِلَ﴾: معطوف على ﴿يُؤْتِيَنِ﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿رَبِّي﴾ ﴿عَلَيْها﴾: متعلق بـ ﴿يُرْسِلَ﴾ ﴿حُسْبانًا﴾: مفعول به ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: صفة لـ ﴿حُسْبانًا﴾ ﴿فَتُصْبِحَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿تصبح﴾ فعل مضارع معطوف على ﴿يُرْسِلَ﴾ هي فعل من الأفعال الناقصة، واسمها ضمير يعود على ﴿جَنَّتِكَ﴾ ﴿صَعِيدًا﴾: خبر ﴿أصبح﴾ منصوب ﴿زَلَقًا﴾: صفة لـ ﴿صَعِيدًا﴾. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾. ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾: فعل ناقص واسمه، وخبره معطوف على قوله: ﴿فَتُصْبِحَ﴾ ﴿فَلَنْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفةٌ ﴿لن﴾ حرف نصب ﴿تَسْتَطِيعَ﴾: منصوب بـ ﴿لن﴾، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿طَلَبًا﴾ ﴿طَلَبًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُصْبِحَ﴾. ﴿وَأُحِيطَ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة على محذوف تقديره: فانقضت الصواعق على جنته، وغارت المياه فيها، وأحيط بثمره، ﴿أُحِيطَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿بِثَمَرِهِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿فَأَصْبَحَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿أصبح﴾ فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة، ﴿عَلى ما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُقَلِّبُ﴾ لأنه ضمنه معنى يندم، وجملة ﴿يُقَلِّبُ﴾: في محل النصب خبر ﴿أصبح﴾، وجملة ﴿أصبح﴾: معطوفة على جملة ﴿أُحِيطَ﴾. ﴿أَنْفَقَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿فِيها﴾: متعلق بـ ﴿أَنْفَقَ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: على ما أنفقه فيها، ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿عَلى عُرُوشِها﴾: متعلق بـ ﴿خاوِيَةٌ﴾ والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿فِيها﴾ ﴿وَيَقُولُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُقَلِّبُ﴾ وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة، ﴿يا لَيْتَنِي﴾ إلى آخر الآية مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿يا﴾ حرف تنبيه أو حرف نداء والمنادى محذوف تقديره: يا قوم ﴿لَيْتَنِي﴾: ﴿ليت﴾ حرف تمني ونصب، والنون للوقاية لأنّها تقي حركة البناء الأصلي عن الكسر، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها

стр. 7248

﴿لَمْ أُشْرِكْ﴾: جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿بِرَبِّي﴾: متعلق بـ ﴿أُشْرِكْ﴾ ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿أُشْرِكْ﴾: في محل الرفع خبر ﴿ليت﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾. ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ جازم ومجزوم، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم لـ ﴿تَكُنْ﴾ ﴿فِئَةٌ﴾: اسمها مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُحِيطَ﴾. ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صفة لـ ﴿فِئَةٌ﴾ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه حال من فاعل ﴿ينصرون﴾ وذكّرت الصفة، وجمعت لأن الفئة تتضمن الجمع، وهو يتضمن الذكور والإناث، ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿كانَ﴾ فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود على صاحب الجنة ﴿مُنْتَصِرًا﴾: خبرها، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾. ﴿هُنالِكَ﴾: اسم إشارة يشار به إلى المكان البعيد، في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على السكون، واللام لبعد المشار إليه، و ﴿الكاف﴾ حرف دال على الخطاب، والظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، ﴿الْوَلايَةُ﴾: مبتدأ ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والتقدير: الولاية مستحقة مستقرة لله هنالك لا لغيره، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿الْحَقِّ﴾: بالجر صفة للجلالة، وبالرّفع صفة لـ ﴿الْوَلايَةُ﴾؛ أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو الحق، ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿ثَوابًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب بأفعل التفضيل، ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ ثَوابًا﴾ و ﴿عُقْبًا﴾ بمعنى عاقبة. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾. ﴿وَاضْرِبْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿اضْرِبْ﴾: فعل أمر بمعنى اذكر، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به ﴿مَثَلَ الْحَياةِ﴾: مفعول به ﴿الدُّنْيا﴾: صفة لـ ﴿الْحَياةِ﴾؛ أي: واذكر لهم صفة الحياة الدنيا، والجملة مستأنفة ﴿كَماءٍ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هي كماء، والجملة مستأنفة استئنافًا

стр. 7249

بيانيًا، ويجوز أن يكون ﴿مَثَلَ الْحَياةِ﴾: مفعولًا أول ﴿كَماءٍ﴾: مفعولًا ثانيًا؛ أي: واجعل لهم مثل الحياة الدنيا مثل ماء، ﴿أَنْزَلْناهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿ماء﴾ ﴿فَاخْتَلَطَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿اختلط﴾: فعل ماض ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْناهُ﴾. ﴿فَأَصْبَحَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿أصبح﴾ فعل ناقص، واسمه ضمير يعود على نبات الأرض ﴿هَشِيمًا﴾: خبر ﴿أصبح﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿اختلط﴾ ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿هَشِيمًا﴾، ﴿وَكانَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿مُقْتَدِرًا﴾ ﴿مُقْتَدِرًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة. ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾. ﴿الْمالُ﴾: مبتدأ ﴿وَالْبَنُونَ﴾: معطوف عليه ﴿زِينَةُ الْحَياةِ﴾: خبر، ومضاف إليه ﴿الدُّنْيا﴾: صفة للحياة، والجملة مستأنفة ﴿وَالْباقِياتُ﴾: مبتدأ ﴿الصَّالِحاتُ﴾: صفة لـ ﴿وَالْباقِياتُ﴾ ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾ ﴿ثَوابًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَخَيْرٌ﴾: معطوف على خير ﴿أَمَلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل. ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿يَوْمَ﴾: ظرف متعلّق بمحذوف تقديره: واذكر لهم يوم نسير الجبال؛ أي: قصته وهوله، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ﴾: فعل ومفعول به لأن ﴿تَرَى﴾ بصرية ﴿بارِزَةً﴾: حال من ﴿الْأَرْضَ﴾: وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نُسَيِّرُ الْجِبالَ﴾ ولكنه على تقدير قد لكونه فعلًا ماضيًا؛

стр. 7250

أي: ويوم نسير الجبال حالة كوننا حاشرين إياهم، ﴿فَلَمْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿لم﴾ ﴿نُغادِرْ﴾: جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مِنْهُمْ﴾: حال من ﴿أَحَدًا﴾. ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾: لأنه ماض معنى بسبب لم. ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾. ﴿وَعُرِضُوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾. ﴿عَلى رَبِّكَ﴾: متعلق به ﴿صَفًّا﴾: حال من ﴿الواو﴾ في ﴿عُرِضُوا﴾ أي: حالة كونهم مصفوفين ﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿جِئْتُمُونا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم في محل النصب مقول لقول محذوف حال من ﴿واو﴾ عُرِضُوا: والتقدير: وعرضوا على ربك صفا حالة كونهم مقولًا لهم لقد جئتمونا ﴿كَما﴾: ﴿الكاف﴾ حرف جر وتشبيه ﴿ما﴾ مصدرية ﴿خَلَقْناكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿خَلَقْناكُمْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿الكاف﴾ تقديره: كخلقنا إياكم أول مرة، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: لقد جئتمونا مجيئًا مشابهًا بخلقنا إياكم أول مرة حفاة عراة غرلا. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وانتقال مفيد للتوبيخ ﴿زَعَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل ﴿أَلَّنْ﴾ ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ﴿لن﴾ حرف نفي ونصب، ﴿نَجْعَلَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾ وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني ﴿مَوْعِدًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جعل﴾ إذا كان بمعنى صير، وإذا كان الجعل مجرد الإيجاد كانت لكم متعلقة به و ﴿مَوْعِدًا﴾: هو المفعول به و ﴿مَوْعِدًا﴾ أي مكانًا، وزمانًا تبعثون فيه، وجملة ﴿نَجْعَلَ﴾: في محل الرفع خبر أن المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي زعم، والتقدير: بل زعمتم عدم جعلنا لكم موعدا تبعثون فيه. ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾.

стр. 7251

﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿وَعُرِضُوا﴾ ﴿فَتَرَى﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿ترى﴾ فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾: مفعولان لـ ﴿ترى﴾ إن كانت علمية، ﴿مُشْفِقِينَ﴾: حال إن كانت بصرية، والجملة معطوفة على جملة ﴿وُضِعَ﴾ ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور، صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿يا وَيْلَتَنا﴾ إلى قوله: ﴿وَوَجَدُوا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿وَيْلَتَنا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿لِهذَا﴾: جار ومجرور خبره ﴿الْكِتابُ﴾: بدل من اسم الإشارة، والجملة في محل النصب مقول القول ﴿لا﴾: نافية ﴿يُغادِرُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الكتاب ﴿صَغِيرَةً﴾: مفعول به ﴿وَلا كَبِيرَةً﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿لا يُغادِرُ﴾: في محل النصب حال من الكتاب، والعامل فيه، الجار والمجرور، لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الجار ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أَحْصَاهَا﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿الْكِتابُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿صَغِيرَةً﴾ و ﴿كَبِيرَةً﴾ ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني، لأن ﴿يُغادِرُ﴾ بمعنى يترك، ويترك قد يتعدى لاثنين اهـ «سمين». ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. ﴿وَوَجَدُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَوُضِعَ﴾ ﴿ما﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب مفعول أول لـ ﴿وَجَدُوا﴾ ﴿عَمِلُوا﴾: فعل وفاعل صلة ﴿ما﴾ الموصولة أو صفة ﴿ما﴾ الموصوفة، والعائد أو الرابط محذوف تقديره: ما عملوه ﴿حاضِرًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿وجد﴾ ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿جَنَّتَيْنِ﴾: تثنية جنة، والجنة البستان سميت بذلك لاجتنان أرضها، واستتارها بظل الشجر، وكل مادة (جـ ن ن) تفيد الخفاء، والاستتار كالجنين،

стр. 7252

والجن، والمجنون لاستتار عقله، وجن الليل؛ أي: أظلم إلى نحو ذلك ﴿مِنْ أَعْنابٍ﴾؛ أي: كروم منوعة، جمع عنب، والعنبة الحبة، وفي «القاموس» وغيره: عنب الكرم صار ذا عنب، والعنب ثمر الكرم، وجمعه أعناب، والحبة منه عنبة ﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾؛ أي: جعلنا النّخل محيطًا بكل منهما يقال: حفه القوم إذا طافوا به، وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله، فتزيده الباء مفعولًا ثانيًا كقولك: غشية، وعشيته به، والمعنى: جعلنا النخل محيطًا بهما مطبقا بحفافيهما؛ أي: جانبيهما، ومنه قوله تعالى: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ﴿أُكُلَها﴾؛ أي: ثمرها ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾؛ أي: ولم تنقص منه شيئًا ﴿نَهَرًا﴾ والنّهر: بالتحريك لغة في النهر بالسكون، وهو مجرى الماء العذب ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾؛ أي: أنواع من المال يقال: ثمر فلان ماله، وأثمره، إذا نماه، قال الحارث بن كلدة: ولقد رأيت معاشرا ... قد أثمروا مالًا وولدَا وفي «البيضاوي»: مأخوذ من ثمر ماله بالتشديد إذا كثّره، وفي «المصباح» الثمر بفتحتين، والثمرة مثله، فالأول مذكّرٌ، ويجمع على ثمارٍ، مثل جبلٍ، وجبال، ثم يجمع الثمار على ثمر، مثل كتابٍ وكتب، ثمّ يجمع على أثمارٍ مثل عنق، وأعناق، والثاني مؤنث، والجمع منه: ثمرات مثل قصبة وقصبات، والثمر: هو الحمل الذي تخرجه الشجرة، وسواءٌ أكل أو لا، فيقال: ثمر الأراك، وثمر العوسج، وثمر الدّوم، وهو المقل كما يقال: ثمر النخل، وثمر العنب، قال الأزهري: وأثمر الشجر أطلع ثمره، أول ما يخرجه فهو مثمر، ومن هنا قيل لما لا نفع فيه: ليس له ثمرة اهـ. وفي «الأساس» ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾؛ أي: مال وانظر ثمر مالك، ونماءه، ومال ثمر؛ أي: مبارك فيه، وأثمر القوم، وثمروا ثمورًا، كثر مالهم، وثمر ماله، يثمر كثر، وفلان مجدود ما يثمر له مال، والمراد في الآية أنه كان إلى جانب الجنتين الموصوفتين الأموال الدائرة من الذهب والفضة وغيرهما، وكان وافر اليسار من كل وجه والصاحب المصاحب لك ﴿يُحاوِرُهُ﴾؛ أي: يجادله، ويراجعه الكلام بالوعظ، والدعاء؛ إلى الإيمان بالله والبعث ﴿نَفَرًا﴾ والمراد من النفر الخدم، والحشم حشم الرجل خدمه ومن يغضب له سموا بذلك لأنهم يغضبون له والأعوان ﴿تَبِيدَ﴾ تفنى وتهلك ﴿مُنْقَلَبًا﴾؛ أي: مرجعًا، وعاقبةً، وهو اسم مكان من الانقلاب

стр. 7253

﴿سَوَّاكَ﴾، أي: عدلك، وكملك إنسانا ﴿لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أصل التركيب: لكن أنا هو الله ربي دخله نقل، وحذف كما مر في مبحث التفسير. ﴿إِنْ تَرَنِ﴾ ﴿أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ كلاهما رسم بدون ياء؛ لأنها من ياءات الزوائد، وأما في النطق: فبعض السبعة يثبتها، وبعضهم يحذفها كما مر ﴿حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ﴾؛ أي: مطرًا عظيمًا يقلع زرعها، وأشجارها يحتمل إما أن يكون مصدرًا كالغفران، والبطلان، وإما أن يكون جمع حسبانة؛ أي: اسم جنس يفرق بينه وبين واحده بالتاء كما في «الشهاب». ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ والصّعيد وجه الأرض، الزّلق الأملس؛ أي: أرضًا ملساء لا تثبت عليها القدم، وفي «القاموس» الزلق بفتحتين، والزّلق بفتح فسكون أرض ملساء، ليس بها شيء، وصيرورتها كذلك لاستئصال نباتها، وأشجارها بالذهاب، والإهلاك، فلم يبق له أثر اهـ. بيضاوي. ﴿غَوْرًا﴾ مصدر غار في الأرض، أي: ذهب فلا سبيل إليه، فهو بمعنى الفاعل؛ أي: غائرًا في الأرض لا يدرك، فهو مصدر وصف به مبالغة ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾؛ أي: بأمواله من النقد، والمواشي وغيرهما، يقال: أحاط به العدو إذا استولى عليه، وغلبه ثمّ استعمل في كل إهلاك. ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ هذا أسلوب في اللّغة يفيد النّدامة والحسرة فإن من عظمت حسرته، يصفق بإحدى يديه على الأخرى متأسفًا متلهفًا، ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ﴾؛ أي: ساقطةٌ يقال: خوت الدّار، وخويت خيًا، وخويًا تهدمت، وخلت من أهلها ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ واحدها عرش، وهي الأعمدة التي توضع عليها الكروم، وفي «المصباح»: العرش شبه بيت من جريد، يجعل فوقه الثمام، والجمع عروش مثل فلس وفلوس، والعريش مثله، وجمعه عرش بضمتين كبريد، وبرد، وعريش الكرم، ما يعمل مرتفعًا يمتد عليه الكرم، والجمع عرائش أيضًا اهـ. وفي «الشهاب»: العروش جمع عرش، وهو ما يصنع ليوضع عليه الكرم، فإذا سقط .. سقط ما عليه اهـ. ﴿مُنْتَصِرًا﴾؛ أي: ممتنعًا بقوة عن انتقام الله ﴿الْوَلايَةُ﴾ بفتح الواو، وبكسرها الملك والقهر والسلطنة ﴿عُقْبًا﴾؛ أي: عاقبة ﴿مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ المثل الصّفة

стр. 7254

﴿هَشِيمًا﴾ أي: يابسًا متفرق الأجزاء، وقال الزمخشري: الهشيم ما تهشم، وتحطّم الواحدة هشيمة، وقال ابن قتيبة: كل ما كان رطبًا ويبس فهو هشيم، ويقال: صارت الأرض هشيمًا؛ أي: صار ما عليها من النبات والشجر قد يبس وتكسر ﴿تَذْرُوهُ﴾؛ أي: تفرقه وتنشره، وذرت الريح التراب وأذرت العين دمعها، وعيناه تذريان الدّموع، وطعنته فأذريته عن فرسه، وأذراه الفرس عن ظهره رمى به، وذرا حد نابه انسحقت أسنانه، وسقطت أعاليها، وبلغني عنه ذروٌ من قولٍ؛ أي: طرف منه، وأخذ في ذروٍ من الحديث، إذا عرّض، ولم يصرح، قال صخر بن حبناء: أتاني عن مغيرة ذرو قولٍ ... وعن عيسى فقلت له كذاك ﴿مُقْتَدِرًا﴾؛ أي: كامل القدرة، فهو مفتعل من قدر للمبالغة ﴿بارِزَةً﴾؛ أي: ظاهرةٍ إذ لم يبق على وجهها شيء من العمائر، ولا من الجبال والأشجار ﴿وَحَشَرْناهُمْ﴾؛ أي: سقناهم إلى الموقف من كل أوب ﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾؛ أي: لم نترك يقال غادره، وأغدره إذا تركه، ومنه الغدر، وهو ترك الوفاء، والغدير: ما غادره السيل؛ أي: تركه من الماء في الغديرة؛ أي: في الحفرة، والغديرة الشّعر الذي نزل حتى طال، والجمع غدائر، ومنه قوله: غدائره مستشزرات إلى العلا. والمفاعلة هنا: ليست على بابه؛ أي: ليس فيها مشاركةٌ ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾؛ أي: أحضروا لفصل القضاء ﴿صَفًّا﴾؛ أي: مصطفين، وهو في الأصل مصدر يقال فيه: صف يصف صفًا من باب شد، واختلف هنا في ﴿صَفًّا﴾ هل هو مفردٌ وقع موقع الجمع إذ المراد صفوفًا، أو فيه حذف؛ أي: صفًا صفًا كما في آية أخرى ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ ﴿مَوْعِدًا﴾؛ أي: وقتًا ننجز فيه ما وعدنا من البعث، وما يتبعه ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾؛ أي: جعل كتاب كل عامل في يد صاحبه حين الحساب ﴿مُشْفِقِينَ﴾؛ أي: خائفين من أشفق إذا خاف ﴿يا وَيْلَتَنا﴾؛ أي: يا هلكتنا أقبل فهذا أوانك والويل: الهلاك ﴿أَحْصاها﴾؛ أي: عدها وضبطها ﴿حاضِرًا﴾؛ أي: مسطورًا في كتاب كل منهم ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ﴾؛ أي: لا يتجاوز ما حده من الثّواب والعقاب.

стр. 7255

البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾ لأنّ وجه الشبه منتزع من متعدد. ومنها: التتميم - ويقال له التمام - في قوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ لأن وصف الجنّتين أولًا باشتمالهما على أعناب، ونخيل ثم تمم ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ لئلا يتوهّم أنّ الانتفاع قاصر على النخيل والأعناب، ولتكون كلٌّ من الجنّتين جامعة للأقوات والفواكه، متواصلة العمار على الشكل الحسن، والترتيب الأنيق، ثم تمم ذلك أيضًا بقوله: ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ للدلالة على ديمومة الانتفاع بهما، فإن الماء هو سر الحياة، وعامل النمو الأول في النباتات، وإذن فقد استكمل هذا الرجل كلّ الملاذ، واستوفى ضروب النّعم ثم تمم ذلك أيضًا بقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ لاستحضار الصورة التامة للانتفاع بالموارد. ومنها: الاحتراس بقوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ لأنه احتراس به من أن يكون ثمة نقص في الأكل الذي آتته. ومنها: الكناية في قوله: ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ لأنّه كناية عن تمامها، ونموها دائمًا، وأبدًا فليست على عادة الأشجار حيث يتم ثمرها في بعض السنين، وينقص في بعض. ومنها: اللف والنشر المشوش في قوله: ﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ﴾ الخ لأن (١) حاصل ما قاله الكافر من القول الشنيع ثلاث مقالات: الأولى: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا ...﴾ إلخ الثانية: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ...﴾ إلخ الثالثة: ﴿وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ...﴾ إلخ، وقد تعقبه المؤمن في الثلاثة على سبيل اللف، والنشر المشوش، فوبخه على الأخيرة، بقوله: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي

стр. 7256

خَلَقَكَ ...﴾ إلخ، ووعظه، ونصحه على الثانية بقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ...﴾ إلخ وقرعه على الأولى بقوله: فعسى ربي، الخ اهـ شيخنا. ومنها: الكناية في قوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ لأنه كناية عن التّحسر والندم، لأن النادم يضرب بيمينه على شماله. ومنها: المبالغة بإطلاق المصدر على اسم الفاعل في قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾؛ أي: غائرًا. ومنها: التشبيه التّمثيلي المقلوب في قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ...﴾ إلى آخر الآية، أما التشبيه التمثيلي: فهو تشبيه الحياة الدنيا، وما فيها من زخارف بالنبات الذي اختلط به الماء الهاطل من السماء، فربا والتفّ وزها، ورف، وأمّا التشبيه المقلوب: فقد كان من حق الكلام أن يقول: فاختلط بنبات الأرض، ووجهه: أنه لمّا كان كل من المختلطين موصوفا بصفة صاحبه، عكس للمبالغة في كثرته. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿يا وَيْلَتَنا﴾ نداء الويلة قائم على تشبيهها بشخص يطلب إقباله كأنه قيل: يا هلاكنا أقبل، فهذا أوانك. ومنها: الجمع في قوله: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾، وهو أن يجمع المتكلِّم بين شيئين أو أكثر في حكم واحد، وهو واضح في الآية، ومنه في الحديث قوله ﷺ : «من أصبح آمنًا في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها» فجمع الأمن ومعافاة البدن، وقوت اليوم في حوز الدنيا بحذافيرها، أي: بأسرها. ومنها: الحذف والزيادة في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7257

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لما ذكر (١) ردّه على أولئك المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بأموالهم وأعوانهم، وقالوا: كيف نجلس مع هؤلاء، ونحن من أنساب شريفة، وهم من أنساب وضيعة، ونحن أغنياء، وهم فقراء .. أردف ذلك بذكر عصيان إبليس لأمره تعالى بالسجود لآدم؛ لأن الذي حداه إلى ذلك هو كبره وافتخاره عليه بأصله ونسبه، إذ قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فأنا أشرف منه أصلًا ونسبًا فكيف أسجد له، تنبيهًا على أنّ هذه الطريقة السّالفة هي بعينها طريقة إبليس، ثمّ حذّر سبحانه منها في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ

стр. 7258

وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ وقد تكرر ذكر هذه القصة في مواضع من الكتاب الكريم، وهي في كل موضع سيقت لفائدة غير ما جاءت له في المواضع الأخرى على اختلاف أساليبها وعباراتها، ولا عزو فهي من نسج العليم الخبير. وعبارة أبي حيان هنا: ذكروا (١) في ارتباط هذه الآية بما قبلها: أنه تعالى لمّا أمر نبيه ﷺ بمجالسة الفقراء، وكان أولئك المتكبرون قد تأنفوا عن مجالستهم، وذكروا للرسول ﷺ طردهم عنه، وذلك لما جبلوا عليه من التكبر، والتكثر بالأموال والأولاد، وبشرف الأصل والنّسب، وكان أولئك الفقراء بخلافهم في ذلك .. ناسب ذكر قصة إبليس بجامع ما اشتركا فيه من التكبر، والافتخار بالأصل الذي خلق منه، وهذا الذي ذكروه في الارتباط هو ظاهر بالنسبة للآيات السابقة قبل ضرب المثلين، وأما أنه واضح بالنسبة لما بعد المثلين فلا، والذي يظهر في ارتباط هذه الآية بالآية التي قبلها هو أنه لمّا ذكر يوم القيامة، والحشر، وذكر خوف المشركين مما سطر في ذلك الكتاب، وكان إبليس هو الذي حمل المجرمين على معاصيهم، واتخاذ شركاء مع الله، ناسب ذكر إبليس، والنهي عن اتخاذ ذريته أولياء من دون الله، تبعيدا عن المعاصي وعن امتثال ما يوسوس به. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أنّ الله لمّا ذكر شبهات المبطلين، ورد عليها بأدلة لا تدحض، وبرهانات لا ترد .. قفّى على ذلك ببيان أن في القرآن من الأمثال ما فيه مقنع لمن تذكّر وتدبر، وألقى السمع، وهو شهيد، لكنها القلوب قد تحجرت، والأفئدة قد قست، فلا تنفع فيها الذكرى، ولا تستجيب لوعظ الواعظ، ونصيحة المذكر، ولو آخذهم ربهم بما كسبوا ... لأرسل عليهم العذاب معجلًا، ولم يبق منهم على ظهر الأرض أحدًا، ولكنه الغفور ذو الرحمة، فجعل لهلاكهم موعدا، لعلهم يتوبون إلى رشدهم ويرعوون عن غيّهم.

стр. 7259

التفسير وأوجه القراءة ٥٠ - ثمّ إنه تعالى عاد إلى الرد على أرباب الخيلاء من قريش، فذكر قصّة آدم، واستكبار إبليس فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصّة وقت قولنا للملائكة: ﴿اسْجُدُوا﴾ يا ملائكتي ﴿لِآدَمَ﴾ سجود تحية وتكريم، لا سجود عبادة، وكان ذلك مشروعًا في الأمم السالفة، ثم نسخ بالسلام ﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: فسجدت الملائكة جميعًا، امتثالًا لأمر الله وطاعة لطلبه السجود ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ اللعين فإنه أبى واستكبر، ولم يسجد، وكأنه قيل: ما باله لم يسجد؟ فقيل: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: كان أصله جنيًا خلق من نار السموم، ولم يكن من الملائكة، فلهذا عصى، فالجملة مستأنفةٌ مسوقة لبيان سبب عصيانه. وإنّما صح (١) الاستثناء المتّصل لأنه أمر بالسجود معهم، فغلبوا عليه في قوله ﴿فَسَجَدُوا﴾ ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلًا كقولك: خرجوا إلّا فلانة، لا مرأة بين الرجال. ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: خرج عن طاعته بترك السجود، فالأمر على حقيقته جعل عدم امتثاله للأمر خروجًا عنه، ويجوز أن يكون المراد المأمور به، وهو السجود، والفاء للسببية لا للعطف؛ أي: كونه من الجن سبب فسقه، ولو كان ملكا .. لم يفسق عن أمر ربه؛ لأن الملك معصوم دون الجن والإنس. والمعنى (٢): واذكر - أيها الرسول - لقومك وقت قولنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تحية وتكريم اعترافًا بفضله، واعتذارًا عما قالوه في شأنه من نحو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ فسجدوا كلهم أجمعون امتثالًا إلا إبليس، ثم بيّن السّبب في عصيانه، ومخالفته للأمر فقال: ﴿كانَ مِنَ الْجِنِّ﴾؛ أي: إن الذي منعه من السجود أنّه كان جنّيًا بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورًا بينهم متّصفًا بصفاتهم، بدليل أنه قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، ولأنه أثبت له في هذه الآية ذريةً ونسلًا، والملائكة لا ينسلون، ولأن الملائكة لا يستكبرون

стр. 7260

وهو قد استكبر ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: فصار فاسقًا كافرًا بسبب أمر الله للملائكة المعدود هو في عدادهم، إذ لولا الأمر ما تحقق إباؤه. ثم حذر سبحانه من اتباعه بعد أن استبان من حاله ما استبان فقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ ﴿الهمزة﴾ للإستفهام الإنكاري التعجبي داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد علمكم يا بني آدم بصدور الفسق من إبليس تتبعونه، وتتخذونه ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾؛ أي: أولاده وأتباعه ﴿أَوْلِياءَ﴾، أي: أصدقاء ﴿مِنْ دُونِي﴾ تطيعونهم بدل طاعتي مجاوزين عني إليهم؛ أي (١): ذلك الاتخاذ منكر غاية الإنكار، حقيق بأن يتعجب منه، والمراد بالولاية هنا: اتباع الناس لهم فيما يأمرونهم به من المعاصي، فالموالاة مجاز عن هذا، لأنه من لوازمها، فلا يرد كيف قال ذلك، مع أنّ الشيطان وذرّيته ليسوا أولياء بل أعداء، لأنّ الأولياء هم الأصدقاء، ذكره في «الفتوحات». ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن إبليس وذريّته ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾؛ أي: أعداء فحقهم أن تعادوهم لا أن توالوهم شبه بالمصادر للموازنة كالقبول. وحاصل المعنى (٢): كيف تصنعون هذا الصنع، وتستبدلون بمن خلقكم وأنعم عليكم بجميع ما أنتم فيه من النعم من لم يكن لكم منه منفعة قط، بل هو عدو لكم، يترقب حصول ما يضركم في كل حين ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: للكافرين ﴿بَدَلًا﴾ من الله، إبليس وذريته، تمييز لفاعل ﴿بِئْسَ﴾ البدل للكافرين بالله، والمخصوص بالذم إبليس وذرّيته، أي: اتخاذهم إبليس وذريته أولياء من دونه وهو المنعم عليهم وعلى أبيهم آدم من قبلهم المتفضل عليهم بما لا يحصى من الفواضل؛ أي: بئس (٣) البدل من الله إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله.

стр. 7261

٥١ - ثم بيّن السبب في عدم استحقاق إبليس وذريته هذه الولاية في أنفسهم بعد بيان خباثة أصلهم، فقال: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ﴾؛ أي: ما أحضرت إبليس وذريته ﴿خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأعتضد بهم في خلقهما، وأشاورهم في تدبير أمرهما، حيث خلقتهما قبل خلقهم، وفيه (١) ردّ لمن يدّعي أن الجن يعلمون الغيب؛ لأنهم لم يحضروا خلق السموات والأرض حتى يطّلعوا على مغيّباتهما، ﴿وَلا﴾ أشهدتهم ﴿خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعضهم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾. والمعنى: أي (٢) ما أحضرت إبليس وذريّته خلق السموات والأرض، ولا أشهدت بعضهم خلق بعض فكيف تطيعونهم، وتعبدون الأصنام من دوني، وهم عبيد أمثالكم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا. وقصارى ذلك (٣): ما أطلعتهم على أسرار التكوين، وما خصّصتهم بخصائص لا تكون لسواهم، حتى يقتدي الناس بهم، فأنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ليس لي في ذلك شريك ولا وزير. ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾؛ أي: الشّياطين الذين يضلون الناس عن الدين، والأصل (٤) متخذهم، فوضع المظهر موضع المضمر، ذمًا لهم وتسجيلًا عليهم بالإضلال، ﴿عَضُدًا﴾؛ أي: أعوانًا في شأن الخلق وفي شأن من شؤوني حتى يتوهم شركتهم في التولي، بناء على الشركة في بعض الأحكام الربوبية، وقال في «القاموس»: العضد النّاصر، والمعين، وهم عضدي وأعضادي، انتهى. والمعنى: ما استعنت على خلق السموات والأرض بهم، ولا شاورتهم، وما كنت متخذ الشياطين أو الكافرين أعوانًا، ووحّد العضد لموافقة الفواصل؛ أي: وما كنت متّخذ من لا يهدون إلى الحق أعوانًا وأنصارًا، لأنهم يضلون، فمتبعهم يحور عن قصد السبيل، ولا يصل إلى هدى فكيف اتبعوهم وعبدوا

стр. 7262

الأصنام على مقتضى وسوستهم، حتى يكونوا قدوة للناس. وقرأ عبيد الله بن زياد على المنبر، وهو يخطب (١): ﴿أفتتخذونه وذريته﴾ بفتح الذال، وقرأ الجمهور ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ﴾ بتاء المتكلم، وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والسختياني وعون العقيلي، وابن مقسم ﴿ما أشهدناهم﴾ بنون العظمة، وقرأ أبو جعفر، والجحدري، والحسن، وشيبة، ﴿وما كنت﴾ بفتح التاء خطابًا للرسول ﷺ . قال الزمخشري: والمعنى: وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم. انتهى. وقرأ علي بن أبي طالب ﴿متخذًا المضلين﴾ أعمل اسم الفاعل، وقرأ عيسى بن عمر ﴿عضدًا﴾ بسكون الضاد خفف فعلًا كما قالوا: رجل وسبع، في رجل وسبع، وهي لغة عن تميم، وعنه أيضًا بفتحتين، وقرأ شيبة، وأبو عمرو في رواية هارون، وخارجة، والخفّاف عضدًا بضمتين، وعن الحسن عضدًا بفتحتين، وعنه أيضًا بضمتين، وقرأ الضحاك عضدًا بكسر العين، وفتح الضاد، وقرأ عكرمة (٢) بضم العين وإسكان الضاد، ولغة تميم فتح العين وسكون الضاد كما مرّ ففي عضد ثمان لغات: أفصحها فتح العين، وضمّ الضاد، وبها قرأ الجمهور. واعلم (٣): أنّ الله منفرد في الألوهية، والكل مخلوق له، وقد خلق الملائكة والجنّ والإنس، فباين بينهم في الصورة والأشكال والأحوال. قال سعيد بن المسيب: الملائكة ليسوا بذكور، ولا إناث، ولا يتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون، والجن يتوالدون، وفيهم ذكور وإناث، ويموتون، والشّياطين ذكور وإناث، ويتوالدون، ولا يموتون، بل يخلدون في الدنيا، كما خلّد فيها إبليس، وإبليس: هو أبو الجن، وقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض بيضة فتفلق البيضة عن جماعةٍ من الشياطين. ٥٢ - ثم أخبر سبحانه عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رؤوس الأشهاد

стр. 7263

تقريعًا لهم وتوبيخًا، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾؛ أي: واذكر يا محمد قصة يوم يقول الله للكفار توبيخًا وتعجيزًا، وهو يوم القيامة، وقال بعضهم: يقول على ألسنة الملائكة، والأظهر هو الأول، لأنه قد ثبت أنّ الله تعالى يتجلّى يوم القيامة للخلق، مسلمهم وكافرهم، بصور شتّى، حتى يرونه بحسب ما اعتقدوه في هذه الدار، فلا يبعد كلامه معهم أيضًا، لأنه كلام بالغيب والتوبيخ، لا بالرضى والتشريف، كما كلم إبليس بعد اللعن والطرد على ما سبق في سورة الحجر والتشريف، كما كلم إبليس بعد اللعن والطرد على ما سبق في سورة الحجر ونحوها. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ بالياء؛ أي: الله مناسبة لقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ وقرأ الأعمش، وطلحة، ويحيى، وابن أبي ليلى، وحمزة، وابن مقسم، ﴿نقول﴾ بنون العظمة مناسبة لقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ الخ. أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين أهوال يوم يقول الله للكفار توبيخًا لهم وتقريعًا: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ أضافهم إليه، على زعمهم تهكمًا بهم، وتقريعًا، أي: نادوا آلهتكم التي قلتم إنهم شركائي، وقرأ الجمهور ﴿شركائي﴾ ممدودًا مضافًا للياء، وابن كثير، وأهل مكة مقصورًا مضافًا لها أيضًا، ذكره في «البحر». ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وادّعيتم أنهم شفعاؤكم ليشفعوا لكم، ويمنعوكم من عذابي، والمراد بهم كل من عبد من دون الله تعالى ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾؛ أي: نادوهم للإغاثة، ذكر كيفية دعوتهم في آية أخرى ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا﴾؛ أي: فعلوا ما أمرهم الله به من دعاء الشركاء، ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾؛ أي: فلم يغيثوهم، أي لم يدفعوا عنهم ضرًا، ولا أوصلوا إليهم نفعًا، إذ لا إمكان لذلك، فهو لا ينافي إجابتهم صورة ولفظًا، كما قال: حكاية عن الأصنام، إنها تقول: ﴿ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ﴾. ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين المشركين وآلهتهم ﴿مَوْبِقًا﴾؛ أي (٢): حاجزًا

стр. 7264

بعيدًا، أو واديًا في جهنم من قيح ودم، وذلك أن المشركين الذين اتّخذوا من دون الله آلهة: الملائكة، وعزيرا، وعيسى ومريم، ﵈. دعوا هؤلاء فلم يجيبوهم استهانةً بهم، واشتغالًا بأنفسهم، ثم حيل بينهم، فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنّم، وأدخل عزيرًا وعيسى ومريم الجنّة، وسار الملائكة إلى حيث أراد الله من الكرامة، وحصل بين الكفار ومعبوديهم هذا الحاجز وهو ذلك الوادي. وعلى هذا فهو اسم مكان، ويحتمل كونه مصدرًا من وبق يبق وبوقا، كوثب وثوبا أو من وبق يوبق وبقًا كفرح يفرح فرحًا إذا هلك أي: مهلكًا يشتركون فيه، وهو النار، وقال الفراء: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: تواصلهم في الدنيا ﴿مَوْبِقًا﴾؛ أي: هلاكًا في الآخرة، فالبين على هذا القول التواصل كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ في سورة الأنعام على قراءة من ضم النون، ومفعول أول لـ ﴿جَعَلْنا﴾ وعلى الوجه الأول مفعولٌ ثان. ٥٣ - ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: الكافرون ﴿النَّارَ﴾ من مكان بعيد ﴿فَظَنُّوا﴾؛ أي: أيقنوا ﴿أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾؛ أي: واردوها (١)، وداخلوها، ومخالطوها في تلك الساعة من غير تأخير لشدة ما يسمعون من تغيظها، وزفيرها كقوله تعالى: ﴿إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، والمكان (٢) البعيد، قيل: مسيرة خمس مئة سنة، والظن هنا بمعنى اليقين، والمواقعة المخالطة بالوقوع فيها، وقيل: إن الكفّار يرون النار من مكان بعيد، فيظنون ذلك ظنًا ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها﴾؛ أي: عن النار ﴿مَصْرِفًا﴾؛ أي: مهربًا ومعدلًا يعدلون إليه، ومكانًا ينصرفون إليه، أو انصرافًا عنها، لأن النّار أحاطت بهم من كل مكان. وفي مصحف عبد الله (٣): ﴿ملاقوها﴾ مكان مواقعوها، وقرأه كذلك الأعمش، وابن غزوان، عن طلحة، والأولى جعله تفسيرًا لمخالفته سواد

стр. 7265

المصحف، وعن علقمة أنه قرأ ﴿ملافُّوها﴾ بالفاء مشددة من لففت، وأجاز أبو معاذ ﴿مصرفا﴾ بفتح الراء، وهي قراءة زيد بن علي جعله مصدرا، كالمضرب، لأن مضارعه يصرف على وزن يفعل كيضرب. ٥٤ - ولما ذكر (١) سبحانه افتخار الكفرة على فقراء المسلمين بأموالهم وعشائرهم، وأجابهم عن ذلك، وضرب لهم الأمثال الواضحة، وحكى بعض أحوال الآخرة فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد كررنا وبيّنا وذكرنا على وجوه كثيرة من النظم ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾ الكريم ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لمصلحتهم ومنفعتهم ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ أي: من كل نوع من أنواع الأمثال، كمثل الرجلين المذكورين، ومثل الحياة الدنيا، ليتذكروا ويتعظوا، أو من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان، التي هي في الغرابة والحسن كالمثل ليتلقوه بالقبول؛ فلم يفعلوا، والمعنى؛ أي: ولقد وضحنا للناس كل ما هم في حاجة إليه من أمور دينهم، ودنياهم، ليتذكروا فينيبوا، ويعتبروا، ويزدجروا عما هم عليه مقيمون من الشرك بالله، وعبادة الأوثان؛ لكنهم لم يقبلوا ذلك، ولم يرعووا عن غيّهم وعنادهم، واستكبارهم وعتوهم. ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ﴾؛ أي: جنس الإنسان بحسب جبلته، ومقتضى طبيعته ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾؛ أي: مراء وخصومة، تمييز؛ أي: أكثر (٢) الأشياء التي يتأتى منها الجدل، كالجن والملك؛ أي: جدله أكثر من جدل كل مجادل، لا ينبي إلى حق، ولا يزدجر لموعظة، والمراد بذلك خصومة الأمم لأنبيائهم، وردهم عليهم ما جاؤوا به كما حكى الله عنهم من قولهم: ﴿ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ وقولهم: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾. أخرج الشيخان، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن علي كرم الله وجهه، أن النبي ﷺ طرقه وفاطمة ليلا فقال: «ألا تصليان» فقلت: يا رسول الله؛ إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ

стр. 7266

شيئًا، ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلا» والجدل: هاهنا شدة الخصومة بالباطل، لاقتضاء خصوصية المقام ذلك، وإلا فالجدل لا يلزم أن يكون بالباطل قال تعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وخلاصة ذلك: أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل لما أتيه من سعة الحيلة، وقوة المعارضة، واختلاف النزعات، والأهواء، وقوة العزيمة إلى غير حد فلو اتجه إلى سبيل الخير، وتاقت نفسه إلى سلوك طريقه ارتقى إلى حظيرة الملائكة، ولو نزعت نفسه إلى اتباع وساوس الشيطان انحط إلى الدرك الأسفل، ولحق بأنواع الحيوان، يفعل ما يشاء، غير مقيّد بوازع من الدين، ولا زمام من العقل، وصادق العزيمة، ٥٥ - ولما بيّن إعراضهم ذكر علة ذلك فقال: ﴿وَما مَنَعَ النَّاسَ﴾؛ أي: لم يمنع أهل مكة من ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ بالله تعالى، ويتركوا الشرك الذي هم عليه ﴿إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى﴾ وهو الرسول الكريم الداعي، والقرآن العظيم الهادي ﴿وَ﴾ من أن ﴿يَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ من أنواع الذّنوب ﴿إِلَّا﴾ انتظار ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: سنة الله، وعادته في الأمم الماضية، وهو الاستئصال لما كان تعنتهم مفضيًا إليه، جعلوا كأنهم منظرون له. ﴿أَوْ﴾ انتظار أن ﴿يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ﴾؛ أي: عذاب الآخرة حال كونه ﴿قُبُلًا﴾؛ أي: أنوعًا، جمع قبيل، أو عيانًا لهم؛ أي: معاينًا. والمعنى: أي (١) وما منع هؤلاء المشركين من أن يؤمنوا بالله حين جاءتهم البينات الواضحة، والدّلالات الظاهرة، وعلموا صحّة ما تدعوهم إليه، وأن يستغفروا ربهم بالتوبة عما فرّط منهم من الذنوب، إلا تعنتهم وعنادهم الذي جعلهم يطلبون أحد أمرين: ١ - إما عذاب الاستئصال بنحو قولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾. ٢ - وإمّا أن تأتيهم بأنواع من العذاب، والبلاء يتلوا بعضها بعضًا حين

стр. 7267

وجودهم في الدنيا كقولهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾، وقولهم: ﴿ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وقرأ الحسن (١)، والأعرج، والأعمش، وابن أبي ليلى، وخلف، وأيوب، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جرير، والكوفيون بضم القاف والباء فاحتمل أن يكون بمعنى قبلًا، لأنّ أبا عبيدة حكاهما بمعنى واحد في المقابلة، وأن يكون جمع قبيل كسبيل، وسبل، أي: يجيئهم العذاب أنواعًا، وألوانًا، وقرأ باقي السبعة، ومجاهد، وعيسى بن عمر ﴿قِبلًا﴾ بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه عيانا، وقرأ أبو رجاء، والحسن أيضًا بضم القاف وسكون الباء وهو تخفيف ﴿قبل﴾ على لغة تميم، وذكر ابن قتيبة: أنه قرىء بفتحتين، وحكاه الزمخشري، وقال: مستقبلًا، وقرأ أبي بن كعب، وابن غزوان عن طلحة ﴿قَبِيلًا﴾ بفتح القاف، وباء مكسورة بعدها ياء على وزن فعيل. فحاصل معنى الآية (٢): أنهم لا يؤمنون، ولا يستغفرون إلا عند نزول عذاب الدنيا المستأصل لهم، أو عند إتيان أصناف عذاب الآخرة، أو معاينته. ٥٦ - ولما كان مجيء ذلك بيد الله وأمره مفوّض إليه لا إلى الرسول، نبه إلى ذلك بقوله: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى الأمم متلبسين بحال من الأحوال ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ للمؤمنين والمطيعين بالثواب، والدرجات ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ للكافرين، والعاصين بالعقاب، والدركات، فإنّ طريق الوصول إلى الأول والحذر عن الثاني مما لا يستقل به العقل، فكان من لطف الله ورحمته أن أرسل الرّسل لبيان ذلك. والمعنى: أي (٣) وما نرسل رسلنا إلا ليبشروا أهل الإيمان والتصديق بالله ورسوله بجزيل ثوابه في الآخرة، وينذروا أهل الكفر به وتكذيب رسله بعظيم

стр. 7268

عقابه، وأليم عذابه، ولم نرسلهم ليقترح عليهم الظالمون من أممهم الآيات بعد ظهور المعجزات، ويطلبوا منهم ما لا قبل لهم به، ثم ذكر أن من شأن المشركين كثرة الجدل للرسول ﷺ فقال: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كلام مستأنف، فالوقف على ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾، أي: يجادلون ويخاصمون الرسل المبشرين والمنذرين ﴿بِالْباطِلِ﴾ حيث يقولون: ﴿ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ ويقترحون آيات بعد ظهور المعجزات، تعنّتًا ﴿لِيُدْحِضُوا﴾؛ أي: ليزيلوا ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالجدال ﴿الْحَقَّ﴾ الذي مع الرسل عن مقره ومركزه، ويبطلوه. مأخوذٌ من إدحاض القدم، وهو إزلاقها عن موطنها، والدحض الزلق؛ أي: ويجادل أولئك المشركون بالباطل كقولهم للنبي ﷺ : أخبرنا عن فتية ذهبوا أوّل الدهر ما شأنهم؟ وعن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وعن الروح، وما أشبه ذلك مما يقصد منه التعنت وإزالة الحقّ الذي جاء به الرسل ﵈، لا كشف حقيقة تفيد في دين أو دنيا. وخلاصة ذلك: أن الرّسل ما أرسلوا للجدل والشغب بالباطل، بل بعثوا للبشارة والإنذار، وأنتم تجادلون بالباطل لتدحضوا الحق الذي جاءكم به رسولي. ﴿وَاتَّخَذُوا آياتِي﴾ الدالة على الوحدة والقدرة ونحوهما ﴿وَما أُنْذِرُوا﴾؛ أي: خوّفوا به من العذاب ﴿هُزُوًا﴾؛ أي: سخرية يعني موضع استهزاء (١) فيكون من باب الوصف بالمصدر مبالغة، يقرأ بالواو، وبالهمز سبعيتان، والمعنى؛ أي: واتخذوا الحجج الّتي أحجّ بها عليهم، وكتابه الذي أنزل إليهم، والنذر التي أنذروا بها من العذاب والعقاب، استهزاء وسخريةً كقولهم: ﴿وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ وقولهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾. ٥٧ - ولما حكى عنهم خبيث أحوالهم، وصفهم بما يوجب الخزي والنّكال

стр. 7269

فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام إنكاري مضمن للتوبيخ؛ أي: من أشد ظلمًا ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾؛ أي: وعظ بالقرآن الكريم فقوله: ﴿ذُكِّرَ﴾ قد روعي لفظ ﴿من﴾ في خمسة مواضع هذا أولها، وروعي معناها في خمسة أولها: قوله ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾. اهـ شيخنا. ﴿فَأَعْرَضَ عَنْها﴾؛ أي: فصرف عنها، ولم يتدبرها، ولم يتفكرها ﴿وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ من الكفر والمعاصي، وتغافل عنها، ولم يتفكر في عاقبتها، ولم ينظر في أن المسيء والمحسن لا بد لهما من جزاء، ولما كان (١) الإنسان يباشر أكثر أعماله بيديه غلّبت الأعمال باليدين على الأعمال التي تباشر بغيرهما، حتى قيل في عمل القلب: هو ممّا عملت يداك، وحتى قيل لمن لا يدين له: ما قدمت يداك، قال بعضهم: أحق الناس تسمية بالظلم من يرى الآيات فلا يعتبر بها، ويرى طريق الخير فيعرض عنها، ويرى مواقع الشر فيتّبعها، ولا يجتنب عنها. وحاصل المعنى: أي لا أحد أظلم ممن وعظ بآيات الله، ودل بها على سبيل الرشاد، وهدي بها إلى طريق النجاة، فأعرض عنها، ولم يتدبّرها، ولم يتّعظ بها، ونسي ما عمله من الكفر والمعاصي، أي: لم يتفكر في عواقبه، ومن ثم لم يتب منها، ولم ينب إلى ربه. ثم علل ذلك الإعراض والنسيان بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾؛ أي: أغطية جمع كنان، كأزمّة وزمام كراهية ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: أن يفقهوا ما ذكر من آيات الله تعالى، وتذكير الضمير وتوحيده باعتبار معنى القرآن، وهو تعليل لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم كراهة أن يقفوا على كنه الآيات، أو المعنى: جعلنا على قلوبهم أغطية مانعة من أن يفهموا القرآن فيتبعوه، وتلك الأغطية ما ران على قلوبهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ﴿وَ﴾ جعلنا ﴿فِي آذانِهِمْ وَقْرًا﴾؛ أي: ثقلًا وصممًا يمنعهم عن استماعه، وفيه: إشارة إلى أن أهل اللّغو والهذيان لا يصيخون إلى القرآن. والمعنى: أي إن (٢) ذلك الإعراض منهم بسبب أنّا جعلنا على قلوبهم أغطية

стр. 7270

كراهة أن يفقهوا ما ذكّروا به، وجعلنا في آذانهم ثقلًا لئلّا يسمعوه، والمراد: أنه لا يدع شيئًا من الخير يصل إليها، فهي لا تعي شيئًا من الآيات إذا تليت عليها، ذلك أنهم فقدوا الاستعداد لقبول الرشاد بما دنّسوا به أنفسهم من قبيح الأفعال والأقوال، وبما اجترحوا من الكفر، والفسوق، والعصيان، فأصبح بينهم وبين سماع الحق حجاب غليظ، فلا ينفذ إلى السمع شيء مما يسمع سماع تدبّر واتّعاظ، ولا إلى القلب شيء مما يقال فيعيه وينتفع به، كما قال: ﴿كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ وقد تكرر هذا المعنى في غير موضع من الكتاب الكريم. ثم ذكر سبحانه أثر هذا الختم على القلوب ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد ﴿إِلَى الْهُدى﴾؛ أي: إلى طريق الفلاح، وهو دين الإسلام ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾؛ أي: لن يوجد منهم اهتداء أبدًا، أي: مدة التكليف كلها البتة إن دعوتهم إلى الهدى؛ لأنه محال منهم، وتقييده (١) بالأبدية مبالغة في انتفاء هدايتهم، أي: ومهما كررت أيها الرّسول من الدعوة إلى الحق حرصًا منك على نجاتهم، وخشية نزول البلاء بهم، فلن يستجيبوا لك، ولن يهتدوا بهديك، لأن الله قد كتب عليهم الضلال بسوء أعمالهم، وقبح طواياهم، فأنى يفيد النصح وتجدي العظة، ويرق القلب. وخلاصة المعنى (٢): كأنه ﷺ حرصًا منه على هداهم قال: مالي أدعوهم رجاء أن تنكشف تلك الأكنّة، وتمزّق بيد الدعوة، فقيل له: وأنى لك ذلك ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ وقد جاءت هذه الآية في قومٍ علم الله أنهم سيموتون على الكفر من مشركي مكة. ٥٨ - ثم بيّن أنّه سبحانه لا يعجل العقوبة لعباده على ما يجترحون من الفسوق والآثام رجاء أن ينيبوا إليه فقال: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد مبتدأ، خبره ﴿الْغَفُورُ﴾؛ أي: البيلغ في المغفرة، وهي صيانة العبد عما استحقه من العقاب، للتجاوز عن

стр. 7271

ذنوبه من الغفر، وهو إلباس الشيء ما يصونه من الدنس ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خبر بعد خبر؛ أي: الموصوف بالرحمة الواسعة، وهي الإنعام على الخلق، وإيراد (١) المغفرة على صيغة المبالغة دون الرّحمة للتنبيه على كثرة الذنوب، وأن المغفرة ترك المضار، وهو سبحانه قادر على ترك ما لا يتناهى من العذاب، وأما الرحمة: فهي إنعام، وإيجاد، ولا يدخل تحت الوجود إلّا ما يتناهى، وتقديم الوصف الأول؛ لأن التّخلية مقدم على التحلية. ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾؛ أي: لو يريد مؤاخذتهم ﴿بِما كَسَبُوا﴾ من الذنوب ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ﴾؛ أي: عذاب الاستئصال في الدنيا من غير إمهال لاستيجاب أعمالهم لذلك، ولكنه لم يعجل، ولم يؤاخذ بغتة ﴿بَلْ﴾ جعل ﴿لَهُمُ﴾؛ أي: لعذابهم ﴿مَوْعِدٌ﴾؛ أي: أجل مقدر قيل: هو عذاب الآخرة، وقيل: يوم بدر، فالموعد هنا اسم زمان ﴿لَنْ يَجِدُوا﴾ ألبتة حين مجيء الموعد ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى؛ أي: من غيره سبحانه، وقيل: من دون العذاب ﴿مَوْئِلًا﴾؛ أي: منجى وملجأ، يقال: وأل أي نجا، ووأل إليه أي لجأ إليه، وفيه دلالة على أبلغ وجه على أن لا ملجأ لهم ولا منجى، فإن من يكون ملجأه العذاب .. كيف يرى وجه الخلاص والنجاة منه؟. وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَوْئِلًا﴾ بسكون الواو، وهمزة بعدها مكسورة، وقرأ الزهري ﴿مولًا﴾ بتشديد الواو من غير همز، ولا ياء، وقرأ أبو جعفر عن الحلواني عنه ﴿مولا﴾ بكسر الواو خفيفة من غير همز، ولا ياء. والمعنى: أي وربك أيها الرسول غفورٌ لذنوب عباده، ذو رحمة واسعة بهم إذ هم أنابوا إليه، ورجعوا إلى رحاب عفوه وجوده وكرمه، فيرحمهم واسع الرحمات، ويتجاوز لهم عن عظيم الخطيئات، ولو شاء أن يؤاخذهم بما اجترحوا من المعاصي، كإعراضهم عن آياته، ومناصبتهم العداء لرسله، ومجادلتهم بالباطل، لعجل لهم العذاب في الدنيا، وأنزل بهم عذاب الاستئصال جزاء وفاقًا لقبيح أعمالهم، ومثل الآية قوله: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ

стр. 7272

عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ إلى نحو ذلك من الآيات الكثيرة في هذا الباب، ثم أبان أن هذا إمهال لا إهمال، فقال: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ ليس لهم منه محيص، ولا ملجأ يلتجئون إليه من عذابه. ٥٩ - ثم ذكر ما هو كالدليل على ما سلف، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾؛ أي: قرى عاد وثمود وأضرابهما، وهي على تقدير المضاف؛ أي: وأهل تلك القرى مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾ واستأصلناهم ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ وكفروا برسلهم؛ أي: وقت ظلمهم مثل ظلم أهل مكة بالتكذيب والجدال وأنواع المعاصي، و ﴿لَمَّا﴾ (١) إما حرف كما قال ابن عصفور، وإما ظرف استعمل للتعليل، وليس المراد به الوقت المعيّن الذي عملوا فيه الظلم، بل زمان من ابتداء الظلم إلى آخره ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ﴾؛ أي: لهلاكهم ﴿مَوْعِدًا﴾؛ أي: وقتًا معينًا لا يتأخرون عنه. والمعنى: أي (٢) وتلك القرى من عاد، وثمود، وأصحاب الأيكة، أهلكناهم لما ظلموا، فكفروا بآياتنا، وجعلنا لهلاكهم ميقاتا، وأجلا حين بلغوه جاءهم عذابنا فأهلكناهم به، وهكذا جعلنا لهؤلاء المشركين من قومك الذين لا يؤمنون بك موعدا لهلاكهم، إذا جاء أهلكناهم، كما هي سنتنا في الذين خلوا من قبلهم من أضرابهم من سالفي الأمم، فليعتبروا بهم، ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم، وقرأ الجمهور (٣) ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ بضم الميم، وفتح اللام قال الزجاج: وفيه احتمالان: أحدهما: أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول، فيكون المعنى: وجعلنا لإهلاكهم، والثاني: أن يكون زمانا، فالمعنى لوقت هلاكهم، وقرأ حفص، وهارون عن أبي بكر بفتح الميم واللام، وهو مصدر مثل الهلاك، وهو مصدر مضاف إلى المفعول، أي لإهلاكهم، وقرأ حفصٌ عن عاصم بفتح الميم وكسر اللام، فيكون زمانًا، أي: لوقت إهلاكهم.

стр. 7273

الإعراب ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قلنا، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿قُلْنا﴾ فعل وفاعل ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾ ﴿اسْجُدُوا﴾: فعل أمر، وفاعل ﴿لِآدَمَ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْنا﴾ ﴿فَسَجَدُوا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿سجدوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قُلْنا﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء متصل أو منقطع ﴿إِبْلِيسَ﴾: منصوب على الاستثناء ممنوع من الصرف للعلمية والعجمية ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾. ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة مسوقة لبيان علة استثناء ﴿إِبْلِيسَ﴾ من الساجدين ﴿فَفَسَقَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿فسق﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على إبليس ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾. ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾: ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري التعجبي، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف ﴿تتخذونه﴾ فعل وفاعل، ومفعول أول، ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾: معطوف على ضمير المفعول، ويجوز أن يكون مفعولًا معه ﴿أَوْلِياءَ﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتخذ﴾ ﴿مِنْ دُونِي﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿أَوْلِياءَ﴾ أو متعلق بـ ﴿تتخذونه﴾، وجملة ﴿اتخذ﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والتقدير: أبعد ما عرفتم فسقه عن أمر ربه تتبعونه، فتتخذونه، وذريته أولياء من دوني، والجملة المحذوفة جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾ لأنه صفة على زنة المصادر كالقبول ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿تتخذونه﴾ أو

стр. 7274

من فاعله لأن فيها مصححًا لكل من الوجهين، وهو الرابط اهـ «سمين» ﴿بِئْسَ﴾: فعل ماض جامد لإنشاء الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا مفسر بنكرة مذكورة بعده ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿بَدَلًا﴾ و ﴿بَدَلًا﴾: تمييز لفاعل ﴿بِئْسَ﴾ ويجوز أن يتعلّق ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ بمحذوف حال من ﴿بَدَلًا﴾ وأن يتعلق بفعل الذمّ والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا والتقدير: بئس البدل للظالمين بدلًا، والمخصوص بالذم إبليس وذريته، وجملة ﴿بِئْسَ﴾: جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿ما﴾: نافية ﴿أَشْهَدْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿خَلْقَ السَّماواتِ﴾: مفعول ثان ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على السموات، والجملة مستأنفة ﴿وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾: معطوف على ﴿خَلْقَ السَّماواتِ﴾ ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ نافية ﴿كُنْتُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾: خبره، ومضاف إليه، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة قوله ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ﴾ ﴿عَضُدًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿مُتَّخِذَ﴾ لأنه اسم فاعل من اتخذ مضاف إلى مفعوله الأول. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد يوم يقول، والجملة المحذوفة مستأنفةٌ ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿نادُوا﴾: فعل وفاعل ﴿شُرَكائِيَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه ﴿الَّذِينَ﴾: نعت لـ ﴿شُرَكائِيَ﴾، وجملة ﴿نادُوا﴾: في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾ ﴿زَعَمْتُمْ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: زعمتموهم شركائي ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَقُولُ﴾ لأن الماضي هنا بمعنى المستقبل؛ أي: يوم يقول نادوا شركائي فيدعونهم ﴿فَلَمْ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿لم﴾ حرف جزم ونفي ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾ ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ ﴿وَجَعَلْنا﴾: فعل وفاعل ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف في محل المفعول الثاني

стр. 7275

لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿مَوْبِقًا﴾: هو المفعول الأول له، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾. ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾. ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿فَظَنُّوا﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿ظنوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿رَأَى﴾ ﴿أَنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿ظن﴾ ﴿وَلَمْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لَمْ﴾ ﴿يَجِدُوا﴾: جازم وفعل وفاعل ﴿عَنْها﴾: متعلق بـ ﴿مَصْرِفًا﴾ و ﴿مَصْرِفًا﴾: مفعول به لـ ﴿وجد﴾ لأنه بمعنى أصاب، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَظَنُّوا﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية و ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿صَرَّفْنا﴾: فعل وفاعل ﴿فِي هذَا الْقُرْآنِ﴾: متعلق به ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿صَرَّفْنا﴾ أيضًا ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾: جار ومجرور صفة لمحذوف وقع مفعولًا لـ ﴿صَرَّفْنا﴾ تقديره: مثلًا من جنس كل مثل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ﴾: خبره ﴿جَدَلًا﴾: تمييز محول عن اسم ﴿كانَ﴾ والأصل: وكان جدل الإنسان أكثر شيء، وجملة ﴿كَانَ﴾: معطوفة على جملة ﴿صَرَّفْنا﴾ على كونها جواب القسم. ﴿وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥)﴾. ﴿وَما﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿مَنَعَ النَّاسَ﴾: فعل ومفعول أول ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾: ناصب وفعل، وفاعل، والجملة في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا تقديره: وما منع الناس إيمانهم ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُوا﴾ ﴿جاءَهُمُ الْهُدى﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُؤْمِنُوا﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾: ناصب وفعل ومفعول به

стр. 7276

مقدم ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: فاعل مؤخر، والجملة في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿مَنَعَ﴾ ولكنه على تقدير مضاف، والتقدير: وما منع الناس إيمانهم، وقت مجيء الهدى إياهم، واستغفارهم ربهم، إلا إتيان سنة الأولين إياهم؛ أي: إلا انتظار إتيان سنة الأولين إياهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل معطوفة على ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ ﴿قُبُلًا﴾: حال من الضمير، أو من العذاب، والتقدير: أو إلا انتظار إتيان العذاب إياهم، ﴿قُبُلًا﴾: وجملة ﴿مَنَعَ﴾: مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿صَرَّفْنا﴾ وفي الكرخي: وإنما احتيج إلى حذف المضاف، إذ لا يمكن جعل إتيان سنة الأولين مانعًا عن إيمانهم، فإن المانع يقارن الممنوع، وإتيان العذاب متأخرٌ عن عدم إيمانهم بمدة كثيرة اهـ. ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة على ﴿صَرَّفْنا﴾، أو استئنافية، ﴿ما﴾ نافية ﴿نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾: حال من ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: معطوف على ﴿مُبَشِّرِينَ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة أو معطوفة على ﴿صَرَّفْنا﴾ ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿يُجادِلُ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿كَفَرُوا﴾: فعل، وفاعل صلة الموصول ﴿بِالْباطِلِ﴾: متعلق بـ ﴿يُجادِلُ﴾ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾: ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿يدحضوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يدحضوا﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإدحاض الحق به، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُجادِلُ﴾ ﴿وَاتَّخَذُوا﴾: ﴿الواو﴾ حالية أو استئنافية ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل ﴿آياتِي﴾: مفعول أول ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿آياتِي﴾ ﴿أُنْذِرُوا﴾: فعل ونائب فاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: وما أنذروا به، ويصح أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، والمصدر المؤول معطوف على ﴿آياتِي﴾، ﴿هُزُوًا﴾ مفعول ثاني لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ وجملة ﴿اتَّخَذُوا﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿يجادل﴾ على

стр. 7277

تقدير قد أو مستأنفة. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية من اسم استفهام إنكاري بمعنى النفي في محل الرفع مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة مستأنفة ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾ ﴿ذُكِّرَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على من والجملة صلة الموصول ﴿بِآياتِ رَبِّهِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ذُكِّرَ﴾ ﴿فَأَعْرَضَ﴾: ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿أعرض﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿عَنْها﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على ﴿ذُكِّرَ﴾ ﴿وَنَسِيَ﴾: فعل ماض، معطوف على ﴿أعرض﴾: وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾. ﴿ما﴾: موصولة، أو موصوفة في محل النصب مفعول ﴿نَسِيَ﴾ ﴿قَدَّمَتْ يَداهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما قدمته يداه ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه وجملة ﴿جَعَلْنا﴾ خبره، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنا﴾ ﴿أَكِنَّةً﴾: مفعول أول له ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المقدر إليه، وذلك المقدر منصوب على أنه مفعول لأجله، والتقدير: إنا جعلنا على قلوبهم أكنة كراهية فقههم بآيات الله ﴿وَفِي آذانِهِمْ﴾: معطوفة على ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ ﴿وَقْرًا﴾: معطوف على ﴿أَكِنَّةً﴾ ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿أَنْ﴾ حرف شرط ﴿تَدْعُهُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿أَنْ﴾ الشرطية، وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿إِلَى الْهُدى﴾: متعلق به ﴿فَلَنْ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة الجواب وجوبًا لاقترانه بـ ﴿لن﴾ ﴿يَهْتَدُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بلن ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل ﴿أَبَدًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَهْتَدُوا﴾، وجملة ﴿يَهْتَدُوا﴾: في محل الجزم بـ ﴿أَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿أَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنا﴾: عطف فعلية على اسمية.

стр. 7278

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾. ﴿وَرَبُّكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿رَبُّكَ﴾: مبتدأ ﴿الْغَفُورُ﴾: خبر أول ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم ﴿يُؤاخِذُهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محلّ لها من الإعراب، ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُؤاخِذُهُمْ﴾ ﴿كَسَبُوا﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: بما كسبوه ﴿لَعَجَّلَ﴾: ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿عجل﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿الله﴾ ﴿لَهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْعَذابَ﴾: مفعول به، والجملة جواب لولا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة، أو في محل الرفع خبر ثالث، لربك ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وابتداء ﴿لَهُمُ﴾: خبر مقدم ﴿مَوْعِدٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة ﴿لَنْ يَجِدُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَوْئِلًا﴾ أو متعلق بـ ﴿يَجِدُوا﴾ و ﴿مَوْئِلًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿لَنْ يَجِدُوا﴾: في محل النصب حال من ضمير ﴿لَهُمُ﴾ أو في محل الرفع صفة لـ ﴿مَوْعِدٌ﴾ ﴿وَتِلْكَ﴾: مبتدأ ﴿الْقُرى﴾ بدل منه ﴿أَهْلَكْناهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين متعلق بـ ﴿أهلكنا﴾، وجملة ﴿ظَلَمُوا﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾ الحينية ﴿وَجَعَلْنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أهلكنا﴾ ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾: حال من ﴿مَوْعِدًا﴾ أو متعلق به لأن ﴿جعل﴾ هنا بمعنى قدر، وعين ﴿مَوْعِدًا﴾: مفعول به لـ ﴿جَعَلْنا﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ أي: خرج يقال: فسق الرطب إذا خرج عن قشره، قال الفراء: العرب تقول: فسقت الرطبة عن قشرها لخروجها منه. ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ والذرية: الأولاد، وبذلك قال جمع من العلماء، منهم: الضحّاك، والأعمش،

стр. 7279

والشعبيُّ، وقيل: المراد بهم الأتباع من الشياطين. قال أبو نصر القشيري، وبالجملة: فإن الله تعالى أخبر بأن لإبليس أتباعًا، وذرية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم، وهم أعداؤهم، ولم يثبت عندنا علم بكيفيّة التوالد منهم، وحدوث الذرية من إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح اهـ. ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ والعدو اسم جنس يطلق على الواحد، والكثير، كما قال ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧)﴾، وقال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ ﴿عَضُدًا﴾، والعضد: أصله ما بين المرفق إلى الكتف، ويستعمل بمعنى المعين كاليد، ونحوها، وهو المراد هنا، وفي «السمين»: والعضد من الإنسان، وغيره معروف، ويعبر به عن المعين، والناصر، يقال: فلان عضدي، ومنه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾؛ أي: سنقوي نصرتك ومعونتك اهـ. ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾، أي: فلم يجيبوا لهم فالسين والتاء زائدتان ﴿مَوْبِقًا﴾ الموبق مكان الوبوق؛ أي: الهلاك، وهو النار وفي «القاموس»: وبق كوعد ووجل، وورث وبوقا، وموبقًا هلك، وكمجلس المهلك والموعد، والمحبس واد في جهنم، وكل شيء حال بين شيئين، وأوبقه حبسه أو أهلكه وأوبقته ذنوبه: أهلكته اهـ. وفي أبي السعود: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾، أي: بين الداعين والمدعوين ﴿مَوْبِقًا﴾ اسم مكان، أو مصدر من وبق وبوقًا كوثب وثوبًا أو وبق وبقا كفرح فرحًا، إذا هلك؛ أي: مهلكًا يشتركون فيه وهو النار ﴿مَصْرِفًا﴾ أي: مكانًا ينصرفون إليه. وفي «السمين» والمصرف يجوز أن يكون اسم مكانٍ أو زمان، وقال أبو البقاء: ﴿مَصْرِفًا﴾ أي: انصرافًا، ويجوز أن يكون مكانًا اهـ. ﴿جَدَلًا﴾؛ أي: خصومة في الباطل قال الفرزدق: ما أنت بالحكم التُّرضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرّأي والجدل ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ الإهلاك بعذاب الاستئصال، ﴿قُبُلًا﴾ والقبل، بضمتين الأنواع والألوان واحدها قبيل كسبل وسبيل وفي «القاموس»: رأيته قبلا (بضمتين) وقَبْلا (بفتح فسكون) وقَبَلا (بفتحتين) وقِبَلًا (بكسر ففتح) وقُبَيلًا (بضم ففتح) وقبيلًا؛ أي: عيانًا، ومقابلةً، وقال الفراء: إن قبلا جمع قبيل؛ أي: متفرقا يتلو

стр. 7280

بعضه بعضًا، وقيل: عيانًا، وقيل: فجأة ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾، والإدحاض الإزلاق يقال أدحض قدمه؛ أي: أزلقها، وأزلها من موضعها، والحجة الداحضة التي لا ثبات لها، والدحض الطين: لأنه يزلق فيه، ومكان دحض من هذا اهـ «سمين». وفي «المختار»: دحضت حجته بطلت، وبابه خضع وأدحضها الله، ودحضت رجله زلقت وبابه قطع، والإدحاض الإزلاق اهـ. ﴿أَكِنَّةً﴾؛ أي: أغطية جمع كنان كزمام، وأزمة، وأصله أكننة، كأزممة نقلت حركة النون إلى الكاف، قبلها، ثم أدغمت في التي بعدها اهـ شيخنا وفي «القاموس»: أنّه جمع كن أيضًا، ونصه: والكن - بالكسر - وقاء كل شيءٍ وستره كالكنة، والكنان بكسرهما، والجمع أكنان وأكنة اهـ ﴿وَقْرًا﴾؛ أي: ثقلا في السمع ﴿مَوْئِلًا﴾ والموئل المرجع، من وأل، يئل، وألًا، وؤولًا إذا رجع، وهو من التأويل، وقال الفراء: الموئل المنجا، يقال وألت نفسه، أي نجت، وقال ابن قتيبة: الموئل الملجأ يقال وأل فلان إلى فلان يئل، وألا، وؤولا إذا لجأ إليه، وهو هنا مصدر اهـ. وفي «المصباح»: وأل إلى الله يئل - من باب وعد - التجأ إليه، وباسم الفاعل سمي ومنه: وائل بن حجر، وهو صحابي، وسحبان بن وائل، ووأل رجع، وإلى الله الموئل؛ أي: المرجع اهـ. ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ بضم الميم اسم مصدر لأهلك لكنه على زنة اسم المفعول، وهو مضاف لمفعوله؛ أي: لإهلاكنا إياهم. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿اسْجُدُوا﴾ ﴿فَسَجَدُوا﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري التعجبي في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿أَوْلِياءَ﴾ و ﴿عَدُوٌّ﴾ في قوله: ﴿أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ لأن الأولياء معناه الأصدقاء وإن كان مجازًا عن الأتباع.

стр. 7281

ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ إذ المراد بالمضلين من انتفى عنهم إشهاد خلق السموات والأرض اهـ سمين. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿عَضُدًا﴾ لأنه حقيقة في العضو المعروف، ثمّ استعير للمعين والناصر. ومنها: التهكم في قوله: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ لأنه أضافهم إليه على زعمهم تهكمًا بهم، وتقريعًا لهم. ومنها: الطباق بين ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾، وبين ﴿الْحَقَّ﴾ ﴿والباطل﴾ في قوله: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾؛ لأن اليدين مجاز عن النفس من إطلاق البعض، وإرادة الكل. ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿الْهُدى﴾ و ﴿يَهْتَدُوا﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾. ومنها: المجاز في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾؛ أي: أهل تلك القرى من إطلاق المحل، وإرادة الحال. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7282

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله ، لما ذكر (١) قصص المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأنصار، وامتنعوا عن حضور مجلس النبي ﷺ ، لئلا يشتركوا مع أولئك الصعاليك في مجلس واحد، ولئلا يؤذوهم بمناظرهم البشعة، وروائحهم المستقذرة .. قفّى على ذلك بذكر قصص موسى ﵇ مع الخضر، ليبين بها أن موسى مع كونه نبيًا صادقًا، أرسله الله إلى بني إسرائيل بشيرًا ونذيرًا، وهو كليم الله، أمر أن يذهب إلى الخضر، ليتعلم منه ما لم يعلمه، وفي ذلك دليل على أن التواضع خير من التكبر.

стр. 7283

مقدمة تشرح هذا القصص ١ - مَنْ موسى؟ أكثر العلماء على أنّ موسى الذي ذكر في هذه الآية، هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل، صاحب المعجزات الظاهرة، والشريعة الباهرة، ولهم على ذلك أدلة: ١ - أنه ما ذكر الله موسى في كتابه إلا أراد صاحب التوراة، فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان شخصا آخر سمي بهذا الاسم، لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز، وتزيل الشبهة. ٢ - ما أخرجه البخاري، ومسلم في جماعة آخرين، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس ﵄: إن نوفًا البكالي بن فضالة ابن امرأة كعب من أصحاب أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه، يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل، فقال: كذب عدو الله. وذهب أهل الكتاب وتبعهم بعض المحدثين والمؤرخين، أنّ موسى هنا هو موسى بن ميشى بن يوسف بن يعقوب، وكان نبيًا قبل موسى بن عمران، ولهم على ذلك أدلة: ١ - أن موسى بعد أن أنزلت عليه التوراة، وكلّمه بلا واسطة، وحج خصمه بالمعجزات العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر الأنبياء، يبعد أن يبعثه الله بعد ذلك ليستفيد علما من غيره. وردّ هذا: بأنه لا يبعد بأن العالم الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض أشياء، فيحتاج في تعلمها إلى من دونه، وهذا مشاهد معلومٌ. ٢ - أن موسى ﵇ بعد خروجه من مصر، وذهابه إلى التيه، توفي، ولم يخرج قومه منه إلا بعد وفاته، ولو كانت هذه القصة معه، لاقتضت خروجه من التيه؛ لأنها لم تكن وهو في مصر بالاتفاق. ٣ - أنها لو كانت معه لاقتضت غيبته أيامًا، ولو كان كذلك .. لعلمها الكثير من بني إسرائيل الذين كانوا معه، ونقلت لتوافر الدواعي على نقلها، ولم

стр. 7284

يكن شيء من ذلك، فإذًا لم تكن معه. وردّ هذا: بأنه قد يكون موسى ﵇ خرج وغاب أيامًا، لكن لم يعلموا أنه ذهب لهذا الغرض، بل ذهب ليناجي ربه، ولم يقفهم على حقيقة غيبته بعد أن رجع، لعلمه بقصور فهمهم، فخاف من حط قدره عندهم، فأوصى فتاه بكتمان ذلك، وعلى الجملة: فإنكارهم لا يؤبه به، وهو جائز عقلا، وقد أخبر به سبحانه رسوله. ٢ - من فتاه؟ فتى موسى: هو يوشع بن نون، بن أفراشيم، بن يوسف ﵇، وقد كان يخدمه ويتعلّم منه، والعرب تسمّي الخادم فتًى، لأن الخدم أكثر ما يكونون في سن الفتوة، كما يطلقون على العبد فتى، وفي الحديث الصحيح: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي» وهذا من محاسن الآداب الشرعية. ٣ - من الخضر؟ الخضر: - بفتح الخاء وكسرها وكسر الضاد، وسكونها -: لقبٌ لصاحب موسى، واسمه بليا - بفتح الباء وسكون اللام - ابن ملكان، والأكثرون على أنه كان نبيًا، ولهم على ذلك أدلة: ١ - قوله: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾، والرحمة النّبوّة بدليل قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. ٢ - قوله: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، وهذا يقتضي أنه علمه بلا واسطة معلم، ولا إرشاد مرشد، وكلّ من كان كذلك كان نبيًا. ٣ - أنه قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾، والنبي لا يتعلّم من غير النبي. ٤ - أنه قال: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾؛ أي: بل قد فعلته بوحي من الله، وهذا دليل النبوة. ٤ - أين كان مجمع البحرين؟

стр. 7285

مجمع البحرين: هو المكان الذي يجتمع فيه البحران ويصيران بحرًا واحدًا، وفيه رأيان: ١ - أنه ملتقى بحري فارس والروم، ملتقى المحيط الهندي والبحر الأحمر عند باب المندب. ٢ - أنه ملتقى بحر الروم والمحيط الأطلنطي عند طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي عند مضيق جبل طارق أمام طنجة. قال البقاعي: والله أعلم إنّه مجمع النيل، والملح عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركب فيه سفينته للتعدية، كما ورد في الحديث، فإنّ الطير لا يشرب من الماء الملح اهـ. وليس في الكتاب الكريم ما يدل على تعيين هذين البحرين، فإن جاء في الخبر الصحيح شيء فذاك، وإلا فيجمل السكوت عنه. قصة الخضر مع موسى ﵉ واعلم: أنه قد رويت في قصة الخضر مع موسى المذكورة في الكتاب العزيز أحاديث كثيرة بروايات مختلفة، وأتم الروايات وأصحها، ما روى الشيخان عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم: أن موسى صاحب الخضر، ليس موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله. حدثنا أبيّ بن كعب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ لي عبدا بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: يا رب، فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت، فهو ثمّ، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثمّ انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى أتيا الصخرة، وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في
следующие страницы →