ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ إذ المراد بالمضلين من انتفى عنهم إشهاد خلق السموات والأرض اهـ سمين.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿عَضُدًا﴾ لأنه حقيقة في العضو المعروف، ثمّ استعير للمعين والناصر.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ لأنه أضافهم إليه على زعمهم تهكمًا بهم، وتقريعًا لهم.
ومنها: الطباق بين ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾، وبين ﴿الْحَقَّ﴾ ﴿والباطل﴾ في قوله: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾؛ لأن اليدين مجاز عن النفس من إطلاق البعض، وإرادة الكل.
ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿الْهُدى﴾ و ﴿يَهْتَدُوا﴾ في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرى﴾؛ أي: أهل تلك القرى من إطلاق المحل، وإرادة الحال.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 7282
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله ، لما ذكر (١) قصص المشركين الذين افتخروا على فقراء المؤمنين بكثرة الأموال والأنصار، وامتنعوا عن حضور مجلس النبي ﷺ ، لئلا يشتركوا مع أولئك الصعاليك في مجلس واحد، ولئلا يؤذوهم بمناظرهم البشعة، وروائحهم المستقذرة .. قفّى على ذلك بذكر قصص موسى ﵇ مع الخضر، ليبين بها أن موسى مع كونه نبيًا صادقًا، أرسله الله إلى بني إسرائيل بشيرًا ونذيرًا، وهو كليم الله، أمر أن يذهب إلى الخضر، ليتعلم منه ما لم يعلمه، وفي ذلك دليل على أن التواضع خير من التكبر.
стр. 7283
مقدمة تشرح هذا القصص
١ - مَنْ موسى؟
أكثر العلماء على أنّ موسى الذي ذكر في هذه الآية، هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل، صاحب المعجزات الظاهرة، والشريعة الباهرة، ولهم على ذلك أدلة:
١ - أنه ما ذكر الله موسى في كتابه إلا أراد صاحب التوراة، فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان شخصا آخر سمي بهذا الاسم، لوجب تعريفه بصفة توجب الامتياز، وتزيل الشبهة.
٢ - ما أخرجه البخاري، ومسلم في جماعة آخرين، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس ﵄: إن نوفًا البكالي بن فضالة ابن امرأة كعب من أصحاب أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه، يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل، فقال: كذب عدو الله.
وذهب أهل الكتاب وتبعهم بعض المحدثين والمؤرخين، أنّ موسى هنا هو موسى بن ميشى بن يوسف بن يعقوب، وكان نبيًا قبل موسى بن عمران، ولهم على ذلك أدلة:
١ - أن موسى بعد أن أنزلت عليه التوراة، وكلّمه بلا واسطة، وحج خصمه بالمعجزات العظيمة التي لم يتفق مثلها لأكثر الأنبياء، يبعد أن يبعثه الله بعد ذلك ليستفيد علما من غيره. وردّ هذا: بأنه لا يبعد بأن العالم الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض أشياء، فيحتاج في تعلمها إلى من دونه، وهذا مشاهد معلومٌ.
٢ - أن موسى ﵇ بعد خروجه من مصر، وذهابه إلى التيه، توفي، ولم يخرج قومه منه إلا بعد وفاته، ولو كانت هذه القصة معه، لاقتضت خروجه من التيه؛ لأنها لم تكن وهو في مصر بالاتفاق.
٣ - أنها لو كانت معه لاقتضت غيبته أيامًا، ولو كان كذلك .. لعلمها الكثير من بني إسرائيل الذين كانوا معه، ونقلت لتوافر الدواعي على نقلها، ولم
стр. 7284
يكن شيء من ذلك، فإذًا لم تكن معه. وردّ هذا: بأنه قد يكون موسى ﵇ خرج وغاب أيامًا، لكن لم يعلموا أنه ذهب لهذا الغرض، بل ذهب ليناجي ربه، ولم يقفهم على حقيقة غيبته بعد أن رجع، لعلمه بقصور فهمهم، فخاف من حط قدره عندهم، فأوصى فتاه بكتمان ذلك، وعلى الجملة: فإنكارهم لا يؤبه به، وهو جائز عقلا، وقد أخبر به سبحانه رسوله.
٢ - من فتاه؟
فتى موسى: هو يوشع بن نون، بن أفراشيم، بن يوسف ﵇، وقد كان يخدمه ويتعلّم منه، والعرب تسمّي الخادم فتًى، لأن الخدم أكثر ما يكونون في سن الفتوة، كما يطلقون على العبد فتى، وفي الحديث الصحيح: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي» وهذا من محاسن الآداب الشرعية.
٣ - من الخضر؟
الخضر: - بفتح الخاء وكسرها وكسر الضاد، وسكونها -: لقبٌ لصاحب موسى، واسمه بليا - بفتح الباء وسكون اللام - ابن ملكان، والأكثرون على أنه كان نبيًا، ولهم على ذلك أدلة:
١ - قوله: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾، والرحمة النّبوّة بدليل قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾.
٢ - قوله: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، وهذا يقتضي أنه علمه بلا واسطة معلم، ولا إرشاد مرشد، وكلّ من كان كذلك كان نبيًا.
٣ - أنه قال له موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾، والنبي لا يتعلّم من غير النبي.
٤ - أنه قال: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾؛ أي: بل قد فعلته بوحي من الله، وهذا دليل النبوة.
٤ - أين كان مجمع البحرين؟
стр. 7285
مجمع البحرين: هو المكان الذي يجتمع فيه البحران ويصيران بحرًا واحدًا، وفيه رأيان:
١ - أنه ملتقى بحري فارس والروم، ملتقى المحيط الهندي والبحر الأحمر عند باب المندب.
٢ - أنه ملتقى بحر الروم والمحيط الأطلنطي عند طنجة، قاله محمد بن كعب القرظي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي عند مضيق جبل طارق أمام طنجة.
قال البقاعي: والله أعلم إنّه مجمع النيل، والملح عند دمياط أو رشيد من بلاد مصر، ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركب فيه سفينته للتعدية، كما ورد في الحديث، فإنّ الطير لا يشرب من الماء الملح اهـ. وليس في الكتاب الكريم ما يدل على تعيين هذين البحرين، فإن جاء في الخبر الصحيح شيء فذاك، وإلا فيجمل السكوت عنه.
قصة الخضر مع موسى ﵉
واعلم: أنه قد رويت في قصة الخضر مع موسى المذكورة في الكتاب العزيز أحاديث كثيرة بروايات مختلفة، وأتم الروايات وأصحها، ما روى الشيخان عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم: أن موسى صاحب الخضر، ليس موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله. حدثنا أبيّ بن كعب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يردّ العلم إليه، فأوحى الله إليه: إنّ لي عبدا بمجمع البحرين، هو أعلم منك، قال موسى: يا رب، فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت، فهو ثمّ، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثمّ انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، حتى أتيا الصخرة، وضعا رؤوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في
стр. 7286
البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربًا، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كانا من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾ قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، فقال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا، فقال موسى: ﴿ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾» قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، لا يصيب ماؤها ميتًا إلّا عاش، قال: وكان قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش، قال: فرجعا يقصان أثرهما، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام، قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل، قال: نعم، قال: أتيتك لتعلّمني مما علّمت رشدًا، قال: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يا موسى، إني على علم من الله علّمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله، علّمك الله لا أعلمه، قال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ فقال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة، فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، فحملوه بغير نولٍ، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدّوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟! لقد جئت شيئًا إمرًا. قال ﴿: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾ قال: وقال رسول الله ﷺ : «فكانت الأولى من موسى نسيانًا قال: وجاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلّا مثل ما نقص هذا العصفور الذي وقع على حرف السفينة، من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده، فاقتلعه بيده، فقتله، فقال موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ
стр. 7287
لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ قال: وهذه أشد من الأولى، ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾ ﴿فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ﴾ قال: مائل، فقال الخضر بيده هكذا، فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم، فلم يطعمونا، ولم يضيّفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾ فقال رسول الله ﷺ : وددنا أن موسى كان صبر، حتى يقص الله علينا من خبرهما».
قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ: ﴿وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾ وكان يقرأ: ﴿وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين﴾، وبقية روايات سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيِّ بن كعب، هي موافقة لهذه الرواية في المعنى، وإن تفاوتت الألفاظ في بعضها، فلا فائدة في الإطالة بذكرها، وكذا روايات غير سعيد عنه.
التفسير وأوجه القراءة
٦٠ - والظرف في قوله: ﴿وَإِذْ قالَ﴾ متعلق بفعل محذوف تقديره؛ واذكر يا محمد لقومك قصّة إذ قال مُوسى بن عمران ﵇، ﴿لِفَتاهُ﴾ يوشع بن نون بن أفراشيم بن يوسف ﵇، لما فيها من العبرة. قيل (١): ووجه ذكر هذه القصة في هذه السورة: أن اليهود لما سألوا النبي ﷺ عن قصة أصحاب الكهف، وقالوا: إن أخبركم فهو نبي، وإلا فلا .. ذكر الله قصّة موسى والخضر، تنبيهًا على أن النبي لا يلزمه أن يكون عالمًا بجميع القصص والأخبار، والمعنى: واذكر قصة وقت قول موسى لفتاه يوشع بن نون، وهو ابن أخت موسى، وكان من أكبر أصحابه، ولم يزل معه إلى أن مات، وخلفه في شريعته، وكان من أعظم بني إسرائيل بعد موسى، سمي فتاه إذ كان
стр. 7288
يخدمه، ويتبعه، ويتعلم منه، ويسمى الخادم والتلميذ فتى، وإن كان شيخا، وإليه يشير القول المشهور: تعلم يا فتى فالجهل عار.
﴿لا أَبْرَحُ﴾: من برح الناقص كزال يزال؛ أي: لا أزال أسير، فحذف الخبر اعتمادًا على قرينة الحال؛ إذ كان ذلك عند التوجه إلى السفر، ويدل عليه أيضًا ذكر السفر في قوله: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا﴾ ﴿حَتَّى أَبْلُغَ﴾ وأصل ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: ملتقى بحر فارس والروم، مما يلي المشرق، وهو المكان الذي وعد الله موسى بلقاء الخضر فيه، والمراد (١) بملتقاهما هنا موضع يقرب التقاؤهما فيه مما يلي المشرق، ويُعطى لما يقرب من الشيء حكم ذلك الشيء ويعبر به عنه، وفيه إشارة إلى أن موسى والخضر ﵉ بحران لكثرة علمهما ﴿أَوْ﴾ حتى ﴿أَمْضِيَ﴾ وأسير ﴿حُقُبًا﴾؛ أي: زمانًا طويلًا، أتيقن معه فوات المطلب، أو أسير ثمانين سنةً، يعني حتى يقع، إما بلوغ المجمع، أو مضي الحقب؛ قال الجوهري: الحقب - بالضم - ثمانون سنةً، وقال النّحّاس: الذي يعرفه أهل اللغة: أن الحقب والحقبة زمان من الدهر مبهم غير محدود، كما أن رهطًا وقومًا منهم غير محدود، وجمعه أحقاب، وسبب هذه العزيمة على السير من موسى ﵇ ما روي أنه سئل موسى من أعلم الناس؟ فقال: أنا، فأوحى الله إليه: أنّ أعلم منك عبد لي عند مجمع البحرين، كما مر في القصة، والمعنى؛ أي (٢): واذكر أيها الرسول قصة حين قال موسى بن عمران لفتاه يوشع: لا أزال أمشي حتى أبلغ مكان اجتماع البحرين، أو أسير دهرًا طويلًا.
وخلاصة ذلك: أن الله تعالى أعلم موسى هذا العالم، وما أعلمه موضعه بعينه، فقال: لا أزال أمشي حتى يجتمع البحران، فيصيرا بحرًا واحدًا، أو أمضي دهرًا طويلًا حتى أجده.
ومجمل الأمر: أنّه وطّن نفسه على تحمل التعب الشديد، والعناء العظيم،
стр. 7289
في السفر مهما طال به الزمان. وقرأ (١) الضحاك، وعبد الله بن مسلم بن يسار مجمع بكسر الميم الثانية، والنضر عن ابن مسلم بالكسر في كلا الحرفين، وهو شاذ، وقياسه: من يفعل بفتح الميم كقراءة الجمهور، والظاهر؛ أن مجمع البحرين، هو اسم مكان جمع البحرين، وقيل: مصدر، وقرأ الضحاك حقبا بإسكان القاف، والجمهور بضمها.
٦١ - قوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغا﴾ معطوف على محذوف تقديره: فذهبا يمشيان، فلما بلغا، أي: بلغ موسى وفتاه ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾؛ أي: مجمع البحرين، وأضيف مجمع إلى الظرف توسعًا، وهو الموضع الذي وعد موسى أن يجتمع فيه مع الخضر، وفيه الصّخرة، وفيه عين ماء الحياة، التي لا يصيب ماؤها ميتًا إلا حيي، وقد وقع أنّهما لمّا وضعا، أنّ حوتهما أصابه شيء من ماء الحياة فحيي، وقيل (٢): البين بمعنى الافتراق؛ أي: البحران المفترقان، يجتمعان هناك، وقيل: الضمير لموسى، والخضر؛ أي: وصلا الموضع الذي فيه اجتماع شملهما، ويكون البين: على هذا بمعنى الوصل؛ لأنه من الأضداد، والأول أولى، ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾؛ أي: تركا حوتهما الذي جعل فقدانه أمارة وجدان المطلوب؛ أي: نسي موسى تذكر الحوت لصاحبه، وصاحبه نسي الإخبار بأمره، فلا يخالفه ما في حديث «الصحيحين» من إسناد النسيان إلى صاحبه، وفي «الأسئلة المقحمة»: كانا جميعًا قد زوّداه لسفرهما، فجاز إضافة ذلك إليهما؛ وإن كان الناسي أحدهما، وهو يوشع: يقال: خرج القوم، وحملوا معهم الزاد، وإنما حمله بعضهم، ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الحوت. إن قلت: كيف أتى بالفاء، وذهاب الحوت مقدم على النسيان؟
قلت: الفاء فصيحة، ولا يلزم أن يكون المعطوف عليه الذي يفصح الفاء عنه معطوفًا على نسيا بالفاء، بل بالواو، والتقدير: وحيي الحوت، فسقط في البحر، فاتخذ ﴿سَبِيلَهُ﴾؛ أي: طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾؛ أي: مسلكًا مفعول ثان لـ ﴿اتخذ﴾، أي: اتخذ سبيلًا سربًا، والسرب: النفق، الذي يكون في الأرض،
стр. 7290
للضب ونحوه من الحيوانات، وذلك أن الله سبحانه أمسك جرية الماء عن الموضع الذي انسرب فيه الحوت ودخل فصار كالطاق فشبه مسلك الحوت في البحر مع بقائه، وانجياب الماء عنه بالسرب الذي هو الكوة المحفورة في الأرض، قال الفراء: لما وقع في الماء جمد مذهبه في البحر، فكان كالسرب،
٦٢ - فلما جاوزا ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة، وذهب الحوت فيه، انطلقا، فأصابهما ما يصيب المسافرين من النصب والكلال، ولم يجدا النصب حتّى جاوزا الموضع الذي فيه الخضر، فلهذا قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جاوَزا﴾، أي: جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة، مع الخضر؛ أي: انطلقا بقيّة يومهما وليلتهما حتى إذا كان الغد، ألقي على موسى الجوع، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى مطلبه، فعند ذلك، ﴿قالَ﴾ موسى ﴿لِفَتاهُ﴾ يوشع ﴿آتِنا غَداءَنا﴾؛ أي: قرّب لنا ما نتغدى به، وهو الحوت كما ينبىء عنه الجواب، والغداء - بالفتح - هو ما يعد للأكل أول النهار، والعشاء ما يعد له آخره، والله ﴿لَقَدْ لَقِينا﴾ وذقنا ﴿مِنْ سَفَرِنا هذا﴾؛ أي: من هذا السفر الذي سرناه بعد مجاوزة مجمع البحرين، ﴿نَصَبًا﴾؛ أي: تعبًا وإعياء.
وقرأ الجمهور: ﴿نَصَبًا﴾ بفتحتين، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمتين، قال صاحب «اللوامح»: وهي إحدى اللغات الأربع التي فيها، ذكره في «البحر»، قال النواوي: إنما لحقه النصب والجوع، ليطلب موسى الغداء، فيتذكر به يوشع الحوت، وفي الحديث: «لم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره به»، وفي «الأسئلة المقحمة»: كيف (١) جاع موسى ونصب في سفرته هذه، وحين خرج إلى الميقات ثلاثين يومًا لم يجع ولم ينصب؟
قيل: لأن هذا السفر، كان سفر تأديب وطلب علم، واحتمال مشقة، وذلك السّفر كان إلى الله تعالى، انتهى، وجملة القسم في محل التعليل للأمر بإيتاء الغداء
٦٣ - ﴿قالَ﴾ فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ قال ابن ملك (٢): هو يجيىء بمعنى أخبرني، وهنا بمعنى التعجب، ومفعوله محذوف، وذلك المحذوف عامل في
стр. 7291
قوله: ﴿إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ والتقدير: أرأيت ما دهاني أو نابني في ذلك الوقت والمكان، وتلك الصخرة كانت عند مجمع البحرين، الذي هو الموعد.
والمعنى: عجبت مما أصابني حين وصلنا إلى الصخرة، ونزلنا عندها ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ أن أذكر لك أمره، وما شاهدت منه من الأمور العجيبة، نسب النسيان إلى نفسه؛ لأن موسى كان نائمًا، وأحس يوشع بخروجه من المكتل إلى البحر، ورآه قد اتخذ السرب، فأشفق أن يوقظ موسى، وقال: أؤخر إلى أن يستيقظ، ثم نسي أن يعلمه حتى ارتحلا، وجاوزا مجمع البحرين.
وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذي تقدم ذكره، لبيان أن ذلك الغداء المطلوب هو ذلك الحوت الذي جعلاه زادا لهما، وأمارة لوجدان مطلوبهما.
ثم اعتذر بإنساء الشيطان إياه، لأنه لو ذكر ذلك لموسى ما جاوز ذلك المكان، وما ناله النصب فقال: ﴿وَما أَنْسانِيهُ﴾؛ أي: وما أنساني الحوت ﴿إِلَّا الشَّيْطانُ﴾ بوسوسته الشاغلة عن ذلك، ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل اشتمال من الضمير، وقرىء ﴿أن أذكر له﴾ كما في «البيضاوي»؛ أي: وما أنساني ذكر أمر الحوت لك، إلا الشيطان بوسوسته الشاغلة عن ذلك، ﴿وَاتَّخَذَ﴾ الحوت ﴿سَبِيلَهُ﴾ ومسلكه ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ اتخاذا ﴿عَجَبًا﴾، وهو كون مسلكه كالسرب، فلم يلتئم الماء، وجمد ما تحت الحوت منه حتى رجع موسى إليه، فرأى مسلكه، وكون الحوت قد مات، وأكل شقه الأيسر، ثمّ حيي بعد ذلك، وقرأ الجمهور ﴿وما أنسانيه﴾ بكسر الهاء على أصل حركة التقاء الساكنين ولمناسبة الياء وقرأ حفص بضم الهاء هنا وفي «الفتح» في قوله: ﴿عليه الله﴾ بناء على أن الغالب في حركة بناء هاء الضمير الضم، جبرًا لما فاته من الإعراب، وذلك في الوصل، وقد بسطنا البحث عن ذلك في سورة الفاتحة، فراجعه، وعبارة ابن الجوزي هنا: قرأ الكسائي ﴿أنسانيه﴾ بإمالة السين مع كسر الهاء، وقرأ ابن كثير ﴿أنسانيهي﴾ بإثبات ياء في الوصل بعد الهاء، وروي عن حفص ﴿أنسانيه إلا﴾ بضم الهاء في الوصل، وهذا الكلام يحتمل أن يكون من كلام يوشع، أخبر موسى أن الحوت اتخذ سبيله عجبًا
стр. 7292
للناس، فهو معطوف على جملة قوله؛ ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ وما بينهما اعتراض كما في «الجمل»: يعني أنّ قوله: ﴿وَما أَنْسانِيهُ﴾ اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه، سببهُ ما يجري مجرى العذر والعلة لوقوع ذلك النسيان، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه، لبيان طرف آخر من أمر الحوت، كأنه قيل: حيي واضطرب، ووقع في البحر، واتّخذ سبيله فيه سبيلًا عجبًا.
قلت: ويحتمل كون جملة، ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ حالًا من الحوت في قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾.
وفي «الخازن» (١): قيل: وأي شيء أعجب من حوت قد أكل منه دهرًا، ثم صار حيًا بعدما أكل بعضه.
وفي «القرطبي»: وموضع العجب: أن يكون حوت قد مات يؤكل شقه الأيسر، ثم حيي بعد ذلك، وقال أبو شجاع في كتاب «الطبري»: أتيت به، فرأيته، فإذا هو شقّ حوت بعين واحدة، وشق آخر ليس فيه شيء من اللحم، عليه قشرة رقيقة، تحتها الشوك اهـ.
وحاصل معنى الآية: أي (٢) قال له فتاه: أرأيت ما حدث لي حين لجأنا إلى الصخرة التي بمجمع البحرين، إني نسيت أن أخبرك بما حدث من الحوت، إنه حييّ واضطرب، ووقع في البحر، واتخذ سبيله فيه سبيلا عجبا، وذلك أن مسلكه كان كالطاق والسرب، وما أنساني ذكره إلّا الشيطان
٦٤ - ﴿قالَ﴾ موسى لفتاه: ﴿ذلِكَ﴾ الذي ذكرت من أمر الحوت، ﴿ما كُنَّا نَبْغِ﴾؛ أي: الأمر الذي كنا نبغيه ونطلبه لكونه أمارة الظفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر ﵇، أصله نبغيه، والضمير العائد إلى الموصول محذوف كما قدرناه.
وقرىء (٣): ﴿نبغ﴾ بغير ياء في الوصل، وإثباتها أحسن، وهي قراءة أبي
стр. 7293
عمرو، والكسائي، ونافع، وأما الوقف .. فالأكثر فيه طرح الياء اتباعًا لرسم المصحف، وأثبتها في الحالين ابن كثير، ﴿فَارْتَدَّا﴾؛ أي: رجع موسى وفتاه من ذلك الموضع، وهو (١) طرف نهر ينصب إلى البحر، ﴿عَلى آثارِهِما﴾؛ أي: على أعقابهما، وطريقهما الذي جاء منه، والآثار: الأعلام جمع أثر، وإثر، يقال: خرج في أثره، وفي إثره، أي: بعده وعقبه حالة كونهما يقصان ﴿قَصَصًا﴾ فهو مصدر فعل محذوف؛ أي: يتبعان آثارهما اتباعًا، ويتفحصان تفحصًا، حتى أتيا الصخرة التي حيي الحوت عندها، وسقط في البحر، واتخذ سبيله سربًا، قال البقاعي: إن هذا يدل على أن الأرض كانت رملًا لا علامة فيها.
وخلاصة ما تقدم (٢): أنه تعالى بيّن لموسى ﵇: أن موضع هذا العالم مجمع البحرين، وأن علامة وجوده في المكان المعين انقلاب الحوت الميت الذي في المكتل حيًا، فلما بلغا مجمع البحرين، اضطرب الحوت فيه، ووثب في الماء، وقد أمسك الله إجراء الماء على البحر، وجعله كالطاق أو الكوة، حتى سرى الحوت فيه، فلما جاوز موسى، وفتاه المكان المعين، وهو الصخرة بسبب النسيان، وسارا كثيرًا، وتعبا وجاعا .. قال موسى لفتاه: ﴿آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا﴾، قال الفتى: أرأيت ما وقع لي من الحوت حين لجأنا إلى الصخرة، فاتخذ سبيله في البحر اتخاذًا عجبًا، إذا انقلب من المكتل، وصار حيًا، وألقى نفسه في البحر على غفلة منّي، وإنّي نسيت أن أبلغك خبره، وما أنساني ذكره إلا الشيطان، قال موسى: ذلك الذي كنا نطلبه، لأنه أمارة الظفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر، فرجعا في طريقهما الأولى، إذ علما أنهما تجاوزا الموضع الذي يقيم فيه ذلك العالم
٦٥ - ﴿فَوَجَدا﴾؛ أي: فوجد موسى وفتاه عند الصخرة حين رجعا إليها ﴿عَبْدًا﴾ التنكير للتفخيم، ﴿مِنْ عِبادِنا﴾ الإضافة للتشريف، وهو الخضر، وكان مسجّى بثوب أبيض، فسلّم عليه موسى، وعرّفه نفسه، فقال الخضر: وأنّى بأرضك السلام، فقال: أنا موسى. قال:
стр. 7294
موسى بني إسرائيل، قال: نعم، والخضر (١) - بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد - لقبه، وسبب تلقيبه بذلك. ما جاء في «الصحيح» أنه ﵇ قال: «إنّما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء» الفروة وجه الأرض اليابسة، وقيل: النّبات اليابس المجتمع، والبيضاء الأرض الفارغة التي لا غرس فيها؛ لأنها تكون بيضاء، واهتزاز النبات تحركه وكنيته أبو العباس، واسمه بليا، - بباء موحدة مفتوحة، ثمّ لام ساكنة، ثمّ مثناة تحتية - ابن ملكان - بفتح الميم وإسكان اللام - ابن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد، بن سام، بن نوح ﵇، وكان ابن ملك من الملوك، فأراد أبوه أن يستخلفه من بعده، فلم يقبل، وهرب منه، ولحق بجزائر البحر، فلم يقدر عليه، وكان أبوه من الرّوم، وأمه من فارس، واسمها ألها، وقيل: أمه رومية، وأبوه فارسي، والله أعلم.
وروي (٢): أنهما وجدا الخضر، وهو نائم على وجه الماء، وهو مغطى بثوب أبيض، أو أخضر، طرفه تحت رجليه، والآخر تحت رأسه، فسلم عليه موسى، فرفع رأسه واستوى جالسا، وقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، فقال له موسى: ومن أخبرك أني نبي بني إسرائيل؟ فقال: الذي أدراك بي، ودلك علي. والصحيح أن الخضر نبيٌّ، وذهب الجمهور إلى أنه حيٌّ إلى يوم القيامة، لشربه من ماء الحياة. والله أعلم.
﴿آتَيْناهُ﴾؛ أي: أعطيناه ﴿رَحْمَةً﴾؛ أي: نبوة ووحيا كائنة ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾ وفضلنا، كما يشعر به تنكير الرحمة واختصاصه بجناب الكبرياء، وقال الإمام مسلم: إن النبوة رحمةٌ كما في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ ونحوه، ولكن لا يلزم أن تكون الرحمة نبوةً، فالرحمة هنا: هي طول العمر على قول من ذهب إلى عدم نبوته، وقيل: الرحمة: النعمة التي أنعم الله بها عليه ﴿وَعَلَّمْناهُ﴾؛ أي: علمنا ذلك العبد ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: من جنابنا، ﴿عِلْمًا﴾ خاصًّا حاصلًا له
стр. 7295
بلا واسطة معلم، ولا إرشاد مرشد، وهو: ما علمه الله سبحانه من علم الغيوب والإخبار عنها بإذنه تعالى، على ما ذهب إليه ابن عباس ﵄ أو علم الباطن.
قال السمرقندي (١): إنما قال: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ مع أن العلوم كلها من لدنه، لأن بعضها بواسطة تعليم الخلق، فلا يسمى ذلك علمًا لدنيًا، بل العلم اللدني: هو الذي ينزله في القلب من غير واسطة أحد، ولا سبب مألوف من خارج، كما كان لعمر، وعليٍّ، ولكثير من أولياء الله المرتضين، الذين فاقوا بالشوق والزهد على كل من سواهم.
قال الزجاج (٢): وفيما فعل موسى، وهو من أجلّة الأنبياء، من طلب العلم والرحلة في ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه، ولذا ورد: أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد.
٦٦ - ثم قص سبحانه ما دار بين موسى والخضر، بعد اجتماعهما فقال: ﴿قالَ لَهُ﴾؛ أي: لذلك العبد ﴿مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ كلام (٣) مستأنف مبني على سؤال نشأ من السياق، كأنه قيل: فماذا جرى بينهما من الكلام بعد اجتماعهما؟ فقيل: قال له موسى؛ أي: للخضر ﵉ ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾؛ أي: هل أصحبك، والاستفهام فيه للاستئذان ﴿عَلى﴾ شرط ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ وهو في موضع الحال من الكاف، وهو استئذان منه في اتباعه له على وجه التعليم، ويكفيك دليلا في شرف الاتباع. ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾؛ أي: على شرط أن تعلّمني علمًا ذا رشد وإصابة، أرشد به في ديني، كائنًا مما علمك الله ، وفي هذا (٤) السؤال ملاطفة، ومبالغة في حسن الأدب؛ لأنه استأذنه أن يكون تابعًا له، على أن يعلمه مما علمه الله تعالى من العلم، قال الإمام: والآية تدل على أن موسى راعى
стр. 7296
أنواع الأدب، حيث جعل نفسه تبعا له بقوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ واستأذن في إثبات هذه التبعية، وأقرّ على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم، في قوله: ﴿عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ و ﴿من﴾ في قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ للتبعيض؛ أي: لا أطلب مساواتك في العلوم، وإنما أريد بعضًا من علومك، كالفقير يطلب من الغني جزءًا من ماله، وفي قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ اعتراف بأنه أخذ من الله، والرشد: الوقوف على الخير، وإصابة الصّواب.
وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو (١): ﴿من لدنا﴾ بتخفيف النون، وهي لغة في لدن، وهي الأصل: قيل: وقد أولع كثير ممن ينتمي إلى الصلاح ادّعاء هذا العلم، ويسمونه العلم اللدني، وأنه يلقى في روع الصالح منهم شيء من ذلك، حتى يخبر بأن من كان من أصحابه، هو من أهل الجنة، على سبيل القطع، وأن بعضهم يرى الخضر، وقرأ الحسن، والزهري، وأبو بحرية، وابن محيصن، وابن مناذر، ويعقوب، وأبو عبيد، واليزيدي ﴿رشدا﴾ بفتحتين، وهي قراءة أبي عمرو من السبعة، وقرأ باقي السبعة بضم الراء، وإسكان الشين، وهما لغتان: كالبخل والبخل. وفي الآية دليل على أن المتعلّم تبع للعالم، وإن تفاوتت المراتب، وليس في ذلك ما يدل على أن الخضر أفضل من موسى، فقد يأخذ الفاضل عن المفضول، وقد يأخذ الفاضل عن الفاضل إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب، ومعرفة البواطن.
٦٧ - ﴿قالَ﴾ الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ﴾ يا موسى ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾؛ أي: لا تطيق أن تصبر على ما تراه من علمي؛ لأن الظواهر التي هي علمك لا توافق ذلك، فإني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه لا أعلمه أنا،
٦٨ - ثم أكد ذلك مشيرا إلى علة عدم الاستطاعة، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ﴾ يا موسى، وتسكت ﴿عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾؛ أي: علمًا و ﴿خُبْرًا﴾ تمييز محول عن الفاعل؛ أي: لم يحط به خبرك؛ أي: علمك، والخبر: العلم
стр. 7297
بالشيء، والخبير بالأمور: هو العالم بخفاياها، وبما يحتاج إلى الاختبار منها، والاستفهام فيه إنكاري، بمعنى النفي، وقرأ الحسن، وابن هرمز ﴿خبرا﴾ بضم الباء؛ أي: وكيف (١) تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور، ظواهرها منكرة، وبواطنها مجهولة، والرجل الصالح العالم لا يتمالك أن يصبر إذا رأى ذلك، بل يبادر بالإنكار،
٦٩ - ﴿قالَ﴾ موسى للخضر ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ ﴿صابِرًا﴾ معك ملتزمًا طاعتك، ﴿وَ﴾ ستجدني ﴿لا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾؛ أي: لا أخالف أمرًا لك تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله وشرعه، فجملة: ﴿وَلا أَعْصِي﴾ معطوفة على ﴿صابِرًا﴾ فيكون التقييد بقوله: ﴿إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ شاملًا للصبر ونفي المعصية، كما أشرنا إليه في الحل؛ أي: ستجدني صابرًا وغير عاص؛ أي: لا أخالفك في شيء، ولا أترك أمرك فيما أمرتني به.
وتعليق الوعد بالمشيئة (٢): إما طلبًا لتوفيقه في الصبر ومعونته، أو تيمنًا به، أو علما منه بشدة الأمر وصعوبته، فإن الصّبر من مثله عند مشاهدة الفساد شديد جدّا، لا يكون إلا بتأييد الله تعالى.
وقيل: إنما استثنى؛ لأنه لم يكن على ثقة فيما التزم من الصبر، وهذه عادة الصالحين، فإن قلت ما معنى قول موسى للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ الآية، ولم يصبر، وقول إسماعيل ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فصبر؟ قال بعض العلماء: لأن موسى جاء صحبة الخضر بصورة التعلم، والمتعلم لا يصبر إذا رأى شيئًا حتى يفهمه، بل يعترض على أستاذه كما هو دأب المتعلمين، وإسماعيل لم يكن كذلك، بل كان في معرض التسليم والتفويض إلى الله تعالى، وكلاهما في مقامهما واقفان، وقيل: كان موسى في مقام الغيرة والحدة، والذبيح في مقام الحكم والصبر، قال بعض العارفين: قال الذبيح من الصابرين: أدخل نفسه في عداد الصابرين، فدخل، وموسى ﵇ تفرد بنفسه، وقال: صابرًا، فخرج، والتفويض من التفرد أسلم وأوفق لتحصيل المقام ووصول المرام.
٧٠ - ﴿قالَ﴾ الخضر لموسى: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾؛ أي: فإن صحبتني لأخذ العلم، وهو إذن له في
стр. 7298
الاتباع، والفاء لتفريع الشرطية، على ما مر من التزامه للصبر والطاعة. ﴿فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ تشاهده من أفعالي وتنكره مني في نفسك؛ أي: تفاتحني بالسؤال عن حكمته، فضلا عن المناقشة والاعتراض، ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ أي: حتى أبتدىء لك ببيانه، وفيه إيذان بأن كل ما صدر منه فله حكمة، وغاية حميدة ألبتة، وهذا من آداب المتعلم مع العالم، والتابع مع المتبوع، وهذه (١) الجمل المعنونة بـ ﴿قال﴾ و ﴿قال﴾: مستأنفة، لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة، كل واحدة ينشأ السؤال عنها مما قبلها.
والمعنى: أي قال له الخضر: إن سرت معي فلا تفاتحن في شيء أنكرته علي حتى أبتدىء بذكره، فأبين لك وجه صوابه، فإني لا أقدم على شيء إلا وهو صواب جائز في نفس الأمر، وإن كان ظاهره غير ذلك، فقبل موسى شرطه، رعاية لأدب المتعلم مع العالم.
وقرأ ابن كثير (٢)، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي ﴿فَلا تَسْئَلْنِي﴾ ساكنة اللام مخففة النون، وقرأ نافع، وابن عامر، ﴿فلا تسألني﴾ مفتوحة اللام مشددة النون، قال أبو علي: كلهم بياء في الحالين. انتهى. وقرأ ابن عامر، في رواية الداجونيّ ﴿فلا تسألنّ عن شيء﴾ بتحريك اللام من غير ياء، والنون مكسورة مشددة.
٧١ - والفاء في قوله: ﴿فَانْطَلَقا﴾ فاء الفصيحة، كما في «روح البيان»؛ أي: ذهب موسى والخضر ﵉ على ساحل البحر، يطلبان السفينة، وأمّا يوشع فقد صرفه موسى إلى بني إسرائيل، أو كان معهما، وإنما لم يذكر في الآية لأنه تابع لموسى، فاكتفى بذكر المتبوع من التابع، فالمقصود ذكر موسى والخضر، فمرت بهم سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فحملوهم. ﴿حَتَّى إِذا رَكِبا﴾؛ أي: دخلا ﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ والألف واللام ﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ لتعريف الجنس إذ لم يتقدم عهدٌ في
стр. 7299
سفينة مخصوصة، كما ذكره في «البحر»، وقال في «الإرشاد»: في سورة هود، معنى الركوب العلو على شيء له حركة، إما إراديةٌ كالحيوان، أو قسرية كالسفينة والعجلة، ونحوهما، فإذا استعمل في الأول، يوفر له حظ الأصل، فيقال: ركبت الفرس، وإن استعمل في الثاني، يلوح بمحلية المفعول بكلمة ﴿فِي﴾ فيقال: ركبت في السفينة، وفي «الجلالين»: ﴿حَتَّى إِذا رَكِبا﴾ البحر ﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ ﴿خَرَقَها﴾؛ أي: ثقبها (١) الخضر وشقها لمّا بلغوا اللج؛ أي: معظم الماء، حيث أخذ فأسًا، فقلع بغتة؛ أي: على غفلة من القوم من ألواحها لوحين مما يلي الماء، فجعل موسى يسد الخرق بثيابه، وأخذ الخضر قدحًا من زجاج، ورقع به خرق السفينة، أو سده بخرقة.
روي أنه لما خرق السّفينة لم يدخلها الماء.
وقال الإمام في «تفسيره»: والظاهر أنه خرق جدارها، لتكون ظاهرة العيب، ولا يتسارع إلى أهلها الغرق، فعند ذلك ﴿قالَ﴾ موسى منكرًا عليه: ﴿أَخَرَقْتَها﴾ يا خضر، والاستفهام فيه للإنكار المضمن للتوبيخ. ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَها﴾؛ أي: لتهلك ركابها بالماء، فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها، المفضي إلى غرق أهلها، وهم قد أحسنوا بنا حيث حملونا بغير أجرة، وليس هذا جزاءهم، فاللام للعاقبة، وقيل: لام العلة.
وقرأ زيد بن علي (٢)، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو عبيد، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني: ﴿ليغرق﴾ بفتح الياء والراء، وسكون الغين ﴿أهلها﴾ بالرفع، وقرأ باقي السبعة بضم تاء الخطاب، وإسكان الغين، وكسر الراء، ونصب لام أهلها، وقرأ الحسن، وأبو رجاء كذلك، إلا أنهما فتحا الغين، وشددا الراء ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾؛ أي: والله لقد: أتيت وفعلت يا خضر ﴿شَيْئًا إِمْرًا﴾؛ أي: شيئًا عجيبًا عظيمًا شديدًا على القوم، قال في «القاموس»: أمرٌ إمرٌ، منكرٌ عجب: يقال: أمر الأمر إذا كبر، والإمر
стр. 7300
الاسم منه، وقال أبو عبيدة: الإمر: الداهية العظيمة.
٧٢ - ﴿قالَ﴾ الخضر لموسى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾ الاستفهام للتقرير؛ أي: قد قلت لك: ﴿إِنَّكَ﴾ يا موسى ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾؛ أي: لا تقدر صبرًا معي فيما ترى مما أفعل، وهو تذكير لما قاله من قبل متضمن للإنكار على عدم الوفاء بوعد
٧٣ - فـ ﴿قالَ﴾ موسى للخضر ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾؛ أي: بنسياني وصيّتك بعدم السؤال عن حكمة الأفعال قبل البيان، فإنه لا مؤاخذة على الناسي فـ ﴿ما﴾ مصدرية، ويحتمل كونها موصولة؛ أي: لا تؤاخذني بالذي نسيته، وهو قول الخضر ﴿فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ وقيل (١): هذا من التورية، وإيهام خلاف المراد، فالمراد بما نسيه شيء آخر غير الوصية؛ لكنه أوهم أنها المنسية، ليتقي بها من الكذب مع التوصل إلى المقصود، وهو بسط عذره في الإنكار، ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾؛ أي: لا تكلفني يا خضر، ولا تحملني ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾؛ أي: في أمر صحبتي إياك مشقة وشدة وصعوبةً، وقرأ أبو جعفر ﴿عسرا﴾ بضم السين حيث وقع، والمعنى: قال موسى (٢) للخضر: لا تؤاخذني بما غفلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك، ولا تكلفني مشقّةً، ولا تضيّق عليّ أمري؛ ولا تعسر عليّ متابعتك، بل يسرها بالإغضاء، وترك المناقشة، فإني أريد صحبتك، ولا سبيل لي إليها إلا بذلك.
٧٤ - والفاء في قوله: ﴿فَانْطَلَقا﴾ فصيحة، والانطلاق: الذهاب؛ أي: فقبل الخضر عذر موسى ﵇، فخرجا من السفينة، فانطلقا ﴿حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا﴾ بين قريتين لم يبلغ الحنث يلعب مع عشر صبيان، كان وضيء الوجه اسمه جيشور - بالجيم، أو بالخاء، أو بالحاء - أو حينون، قال السهيلي: فأخذه الخضر من بينهم ﴿فَقَتَلَهُ﴾ عطف (٣) على الشرط، بالفاء، أي: فقتله عقيب اللقاء؛ أي: فقتله بذبحه مضطجعًا بالسكين، أو بفتل عنقه، وقيل: معنى قتله أشار بأصابعه الثلاث: الإبهام، والسبابة، والوسطى، وقلع رأسه، كما قال رسول الله ﷺ : «ثم خرجا من السفينة، فبينما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع
стр. 7301
الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله» كذا في «الصحيحين» برواية أبي بن كعب ﵁.
أي (١): فانطلقا بعد نزولهما من السفينة وسلامتهما من الغرق والعطب يمشيان على الساحل، فأبصر الخضر غلامًا يلعب مع لداته وأترابه، فقتله، ولم يبين القرآن كيف قتله، أحز رأسه، أم ضرب رأسه بالجدار، أم بطريق آخر؟ وعلينا أن لا نهتم بذلك، إذ لو علم الله فيه خيرًا لنا .. لذكره، ولكن بيّنته السنة كما مر آنفًا. ﴿قالَ﴾ موسى للخضر، والجملة جواب الشرط ﴿أَقَتَلْتَ﴾ يا خضر، والاستفهام فيه للتوبيخ المضمن للإنكار ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾؛ أي: طاهرة من الذنوب، لأنها صغيرة لم تبلغ الحنث؛ أي: الإثم والذنب، وهو قول الأكثرين، ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: بغير قتل نفس محرمة، يعني لم تقتل نفسًا فيقتص منها، وخص (٢) هذا من بين مبيحات القتل، كالكفر بعد الإيمان، والزنا بعد الإحصان؛ لأنه أقرب إلى الوقوع، بالنظر إلى حال الغلام، وقرأ ابن عباس (٣)، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة، وابن محيصن، وحميد، والزهري، ونافع، واليزيدي، وابن مسلم، وزيد، وابن بكير، عن يعقوب، والتمار، عن رويس عنه، وأبو عبيد، وابن جبير، الأنطاكي وابن كثير، وأبو عمرو ﴿زَاكِيَةً﴾ بالألف، وقرأ زيد بن علي، والحسن، والجحدري، وابن عامر، والكوفيون ﴿زكية﴾ بغير ألف وبتشديد الياء وهي أبلغ من زاكية، لأن فعيلا المحول من فاعل يدل على المبالغة، وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا، وكفرًا» متفق عليه وهذا لفظ مسلم.
والله ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾، وفعلت يا خضر ﴿شَيْئًا نُكْرًا﴾؛ أي: شيئًا منكرًا، أنكر من الأول؛ لأن ذلك كان خرقًا يمكن تداركه بالسد، وهذا لا سبيل إلى تداركه،
стр. 7302
وقيل: الآمر: أعظم من المنكر، لأن قتل نفس واحدة، أهون من إغراق أهل السفينة.
والمعنى: أي (١) والله لقد فعلت شيئًا تنكره العقول، وتنفر منه النفوس، وأتى هنا بقوله: ﴿نُكْرًا﴾ وهناك بقوله: ﴿إِمْرًا﴾ لأن قتل الغلام أقبح من خرق السفينة؛ لأن ذلك لم يكن إهلاكًا لنفس، إذ ربما لا يحصل الغرق، وفي هذا إتلاف النفس قطعًا فكان أنكر.
وقرأ الجمهور: ﴿نُكْرًا﴾ بإسكان الكاف، وقرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان، وأبو جعفر، وشيبة، وطلحة، ويعقوب، وأبو حاتم، بضم الكاف حيث كان منصوبًا.
قال جماعة من القراء (٢): نصف القرآن عند قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾.
الإعراب
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ ﴿الواو﴾ استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد قصة إذ قال موسى لفتاه، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿قالَ مُوسى﴾ فعل وفاعل ﴿لِفَتاهُ﴾ متعلق به، والجملة في محل الجر، مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿لا أَبْرَحُ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿لا﴾ نافية ﴿أَبْرَحُ﴾ فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير يعود على موسى، والخبر محذوف تقديره: لا أبرح ماشيًا حتى أبلغ، ويحتمل إنها تامة، فلا تستدعي خبرًا، بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير، والطلب، ولا أفارقه، وجملة ﴿لا أَبْرَحُ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ حتى حرف جرّ
стр. 7303
وغاية، بمعنى إلى كما قاله أبو البقاء، أو بمعنى لام التعليل، كما قاله غيره ﴿أَبْلُغَ﴾ منصوب بأن مضمرةً وجوبًا بعد حتى بمعنى إلى، وفاعله ضمير يعود على موسى، ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مفعول به، ﴿أَوْ﴾ حرف عطف ﴿أَمْضِيَ﴾ معطوف على ﴿أَبْلُغَ﴾ وفاعله ضمير يعود على موسى ﴿حُقُبًا﴾ ظرف زمان متعلق بـ ﴿أَمْضِيَ﴾، وجملة ﴿أَبْلُغَ﴾ صلة ﴿أن﴾ المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَبْرَحُ﴾، والتقدير: لا أبرح ماشيًا إلى بلوغي مجمع البحرين، أو مضيّي حقبًا.
﴿فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة على محذوف، تقديره: فذهبا يمشيان، فلما بلغا الخ ﴿لما﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿بَلَغا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾ لا محلّ لها من الإعراب، ﴿مَجْمَعَ﴾ مفعول به، وهو مضاف ﴿بَيْنِهِما﴾ ظرف أضيف إليه على الاتساع، أو بمعنى الوصل؛ أي: مجمع وصلهما ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لما﴾ لا محلّ لها من الإعراب. وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الفاء عاطفة ﴿اتخذ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الحوت ﴿سَبِيلَهُ﴾ مفعول أول ﴿سَرَبًا﴾ مفعول ثان ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ متعلق بمحذوف حال من ﴿سَرَبًا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿نسي﴾.
﴿فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢)﴾.
﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿لما﴾ حرف شرط، ﴿جاوَزا﴾ فعل وفاعل ﴿قالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على موسى ﴿لِفَتاهُ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قالَ﴾، وجملة ﴿قالَ﴾ جواب لما، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على محذوف تقديره: فذهبا يمشيان، ﴿فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ ...﴾ إلخ ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الفتى، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿لَقِينا﴾ فعل وفاعل ﴿مِنْ سَفَرِنا﴾ متعلق به،
стр. 7304
﴿هذا﴾ بدل من ﴿سَفَرِنا﴾ أو صفة له ﴿نَصَبًا﴾ مفعول به لـ ﴿لَقِينا﴾ والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الفتى، والجملة مستأنفة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فعل وفاعل يتعدى إلى مفعولين، وهو بمعنى أخبرني، ومفعولاه محذوف، والتقدير: رأيت أمرنا ما عاقبته، وفي «البيضاوي» أرأيت ما دهاني؛ أي: أخبرني ما دهاني، ونابني إذ أوينا إلى الصخرة، وجملة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمعمول ﴿أَرَأَيْتَ﴾ المحذوف ﴿أَوَيْنا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية، في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ الظرفية ﴿فَإِنِّي﴾ ﴿الفاء﴾ تعليلية لتعليل الدهشة التي اعترتهما مما نابهما، ﴿إني﴾ ناصب واسمه ﴿نَسِيتُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، ﴿الْحُوتَ﴾: مفعول به منصوب والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿وَما أَنْسانِيهُ﴾ ﴿الواو﴾ اعتراضية ﴿ما﴾ نافية ﴿أنساني﴾ فعل ماض والنون للوقاية، والياء ضمير المتكلم مفعول به، و ﴿الهاء﴾ ضمير للمفرد المذكر الغائب في محل النصب مفعول ثان، مبني على الضم، على قراءة حفص، رجوعًا إلى الأصل في حركة بناء هاء الضمير، وإن كان الكسر مناسبًا للياء، المذكورة قبله، كما هو قراءة الجمهور إِلَّا أداة استثناء مفرّغ ﴿الشَّيْطانُ﴾ فاعل ﴿أنساني﴾، والجملة الفعلية معترضة لاعتراضها بين المعطوف، والمعطوف عليه، ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ ناصب وفعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الفتى، والجملة الفعلية مع أن المصدرية، في تأويل مصدر منصوب على كونه بدل اشتمال من ﴿الهاء﴾ في ﴿نَسِيتُ﴾ والتقدير: وما أنساني ذكره إلا الشيطان. ﴿وَاتَّخَذَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿اتَّخَذَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الحوت ﴿سَبِيلَهُ﴾ مفعول أول ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ إما متعلق بـ ﴿اتَّخَذَ﴾ أو حال من ﴿عَجَبًا﴾ ﴿عَجَبًا﴾ مفعول ثان، وجملة
стр. 7305
﴿اتَّخَذَ﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله، ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ﴿ذلِكَ﴾ مبتدأ ﴿ما﴾ اسم موصول في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص، واسمه ﴿نَبْغِ﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء، المحذوفة، اتباعًا لرسم المصحف العثماني، لأنه فعل معتل بالياء، وفاعله ضمير يعود على موسى، وفتاه وجملة ﴿نَبْغِ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما كنا نبغيه ﴿فَارْتَدَّا﴾ الفاء عاطفة ﴿ارتدا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلى آثارِهِما﴾ متعلق بـ ﴿ارتدا﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿قالَ﴾ ﴿قَصَصًا﴾ مفعول مطلق معنوي لـ ﴿ارتدا﴾ أو مفعول مطلق لمحذوف تقديره: يقصان قصصًا، والجملة المحذوفة حال من فاعل ﴿ارتدا﴾؛ أي: ارتدا حالة كونهما يقصان قصصًا، ﴿فَوَجَدا﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿وجدا عبدا﴾ فعل وفاعل ومفعول به، لأن وجد هنا بمعنى: أصاب يتعدى إلى مفعول واحد ﴿مِنْ عِبادِنا﴾ صفة أولى لـ ﴿عَبْدًا﴾، وجملة ﴿وجدا﴾ معطوفة على ارتدا ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً﴾ فعل وفاعل ومفعولان ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾ صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، وجملة ﴿آتَيْناهُ﴾ في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿عَبْدًا﴾ ﴿وَعَلَّمْناهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْناهُ﴾ ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ حال من ﴿عِلْمًا﴾ لأنه صفة نكرةٍ قدمت عليها، ﴿عِلْمًا﴾ مفعول ثانٍ لـ ﴿علمنا﴾ لا مفعول مطلق، ولو كان مفعولًا مطلقًا .. لقال تعليمًا، لأن فعله من باب فعل الرباعي.
﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض ﴿لَهُ﴾ متعلق به، ﴿مُوسى﴾ فاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾ حرف
стр. 7306
استفهام واستئذان ﴿أَتَّبِعُكَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿عَلى﴾ حرف جر ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، و ﴿النون﴾ للوقاية، و ﴿الياء﴾ مفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة الفعلية مع أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿عَلى﴾ تقديره: على تعليمك إياي، الجار والمجرور حال من ﴿الكاف﴾ في ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾، أي: أتبعك حال كونك معلّمًا لي ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ أو حال من ﴿رُشْدًا﴾ ﴿عُلِّمْتَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: مما علمته ﴿رُشْدًا﴾، مفعول ثان لـ ﴿تُعَلِّمَنِ﴾.
﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة مستأنفة ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ ناصب وفعل منصوب، وفاعله ضمير يعود على موسى ﴿مَعِيَ﴾ ظرف ومضاف إليه، حال من فاعل ﴿تَسْتَطِيعَ﴾؛ أي: حال كونك معي ﴿صَبْرًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿تَسْتَطِيعَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿وَكَيْفَ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام للاستفهام الإنكاري التعجبي في محل نصب على التشبيه بالحال، من فاعل ﴿تَصْبِرُ﴾، ﴿تَصْبِرُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على موسى، ﴿عَلى ما﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَصْبِرُ﴾، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّكَ﴾ على كونها مقول ﴿قالَ﴾ ﴿لَمْ تُحِطْ﴾ جازم وفعل مجزوم، وفاعله ضمير يعود على موسى ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تُحِطْ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد ضمير به ﴿خُبْرًا﴾ مفعول مطلق معنوي لـ ﴿تُحِطْ﴾ لأن معنى ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ لم تخبر، وأعربها الزمخشري تمييزًا محولًا عن الفاعل، أي: لم يحط به خبرك، وليس ببعيد.
﴿قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾.
стр. 7307
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة مستأنفة ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فعل، ومفعول أول، والنون للوقاية، وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة في محل النصب، مقول ﴿قالَ﴾، وجملة ﴿إِنْ شاءَ اللَّهُ﴾ معترضة ﴿صابِرًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿تجدني﴾ ﴿وَلا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿أَعْصِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على موسى ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور حال من ﴿أَمْرًا﴾ ﴿أَمْرًا﴾ مفعول به، وجملة ﴿لا أَعْصِي﴾ في محل النصب معطوفة على ﴿صابِرًا﴾، والتقدير: ستجدني صابرًا غير عاص لك، أو معطوفة على قوله: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ كونها مقول ﴿قالَ﴾. ﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة مستأنفة، ﴿فَإِنِ﴾ ﴿الفاء﴾ لتفريع الجملة الشرطية، على ما مر من التزامه للصبر، والطاعة، كما في «روح البيان» ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿اتَّبَعْتَنِي﴾ فعل وفاعل ونون وقاية، ومفعول به في محل الجزم، بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، ﴿فَلا﴾ ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب إن الشرطية، ﴿لا﴾ ناهية جازمة، ﴿تَسْئَلْنِي﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على موسى، والنون للوقاية، والياء مفعول به ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿تَسْئَلْنِي﴾، والجملة في محل الجزم بإن الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿أُحْدِثَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ مضمرةً بعد حتى، وفاعله ضمير يعود على الخضر؛ ﴿لَكَ﴾ متعلق بـ ﴿أُحْدِثَ﴾ ﴿مِنْهُ﴾ حال من ﴿ذِكْرًا﴾ ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به، ولا بد من تقدير صفة محذوفة بعد شيء؛ أي: عن شيء خفي عليك سره، وغبي أمره، وجملة ﴿أُحْدِثَ﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره: إلى إحداثي لك منه ﴿ذِكْرًا﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَسْئَلْنِي﴾.
﴿فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾.
﴿فَانْطَلَقا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة كما في «روح البيان»؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما تقاولا، وأردت بيان حالهما بعد ذلك، فأقول لك: ﴿انطلقا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب، إذا
стр. 7308
المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿رَكِبا﴾ فعل وفاعل ﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ متعلق به، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿خَرَقَها﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الخضر، وجملة ﴿إِذا﴾ من فعل شرطها، وجوابها في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، والتقدير: فانطلق إلى خرقه السفينة وقت ركوبهما إياها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿انطلقا﴾.
﴿قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة مستأنفةٌ ﴿أَخَرَقْتَها﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَخَرَقْتَها﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿خَرَقْتَها﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿لِتُغْرِقَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر وتعليل ﴿تغرق أهلها﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرةً، وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾ تقديره: لغرقك أهلها، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿خَرَقْتَها﴾ ﴿لَقَدْ﴾ جئت ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿جِئْتَ شَيْئًا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿إِمْرًا﴾ صفة لـ ﴿شَيْئًا﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محلّ لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾.
﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾.
﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة مستأنفة ﴿أَلَمْ أَقُلْ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري ﴿لَمْ أَقُلْ﴾ جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾. ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ ناصب ومنصوب وفاعله ضمير يعود على موسى ﴿مَعِيَ﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿تَسْتَطِيعَ﴾ ﴿صَبْرًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾
стр. 7309
وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿أَقُلْ﴾ ﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة مستأنفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿تُؤاخِذْنِي﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على الخضر، والنون للوقاية الياء مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالَ﴾ ﴿بِما﴾ ﴿الباء﴾ حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية، أو موصولة أو موصوفة ﴿نَسِيتُ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، أو الموصولة ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، تقديره: بنسياني أو بالذي نسيته، أو بشيء، نسيته، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُؤاخِذْنِي﴾ ﴿وَلا تُرْهِقْنِي﴾ جازم وفعل مجزوم ونون وقاية ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة معطوفة على جملة ﴿لا تُؤاخِذْنِي﴾ ﴿مِنْ أَمْرِي﴾ حال من ﴿عُسْرًا﴾ ﴿عُسْرًا﴾ مفعول به.
﴿فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾.
﴿فَانْطَلَقا﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما تقاولا، وأردت بيان ما جرى بينهما بعد ذلك .. فأقول لك: ﴿انطلقا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿إِذا﴾ ظرف لما يستقبل في الزمان ﴿لَقِيا غُلامًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿فَقَتَلَهُ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿قتله﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَقِيا﴾ ﴿قالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذا﴾ في محل جر بـ ﴿حَتَّى﴾ تقديره: فانطلقا إلى قول موسى، وقت لقائهما غلامًا فقتله إياه الجار والمجرور متعلق بـ ﴿انطلقا﴾ ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لـ ﴿قالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَقَتَلْتَ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري، ﴿قَتَلْتَ﴾ ﴿نَفْسًا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿زَكِيَّةً﴾ صفة لـ ﴿نَفْسًا﴾، والجملة في محل النصب
стр. 7310
مقول ﴿قالَ﴾ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَتَلْتَ﴾ أو في محل نصب على الحال من الفاعل، أو المفعول؛ أي: قتلته ظالمًا، أو مظلومًا ﴿لَقَدْ﴾ ﴿اللام﴾ موطئة للقسم ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿جِئْتَ شَيْئًا﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿نُكْرًا﴾ صفة ﴿شَيْئًا﴾ والجملة جواب القسم لا محلّ لها من الإعراب.
التصريف ومفردات اللغة
﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾: اسم مكان من جمع يجمع من باب فَتَح فالقياس في مصدره: ومكانه وزمانه الفتح، وهو ملتقى بحر الروم، وبحر فارس، مما يلي المشرق، وملتقاهما عند البحر المحيط، وقيل: ملتقى البحرين هو بحر الأردن، وبحر القلزم، وقيل: غير ذلك مما هو مذكور في المطوّلات ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾؛ أي: زمنًا طويلًا، والحقب ثمانون سنة وقيل: سبعون سنة، وقيل: سنة واحدة. بلغة قريش، ويجمع على أحقاب كعنق، وأعناق، وفي معناه الحقبة بالكسر، وبالضم، وتجمع الأولى: على حقب كقربة، وقرب، والثانية: على حقب كغرفة وغرف ذكره في «الفتوحات». ﴿سَرَبًا﴾؛ أي: مسلكا كالسرب، وهو: النفق، فصار الماء عليه كالقنطرة، وفي معاجم اللغة: السرب: بفتحتين الحفيرة، تحت الأرض، والقناة يدخل منها الماء، ويقال: طريق سرب؛ أي: يتتابع فيه الناس. ﴿غَداءَنا﴾، والغداء الطعام الذي يؤكل أولَ النهار، والمراد به هنا الحوت ﴿نَصَبًا﴾؛ أي: تعبًا وإعياءً ﴿إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾؛ أي: التجأنا، والصخرة معروفة، وهي حجر كبير ﴿نبغى﴾؛ أي: نطلب ﴿فَارْتَدَّا﴾؛ أي: رجعا ﴿عَلى آثارِهِما﴾؛ أي: على طريقهما الذي جاءا منه ﴿قَصَصًا﴾؛ أي: اتباعَا من قولهم أثره إذا تبعه ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾ لدن، وهي بمعنى عند، فتكون اسمًا لزمان الحضور ومكانه، كما أن عند كذلك إلا أن لدن تختص بستة أمور:
١ - أنها ملازمة لمبدأ الغايات الزمانية والمكانية، و ﴿عند﴾ غير ملازمة فمن ثم يتعاقبان في نحو: جئت من عنده من لدنه، وفي الآية الكريمة.
٢ - أن الغالب في لدن استعمالها مجرورة بمن، ونصبها قليل، وجر عند بمن دون جر لدن في الكثرة.
стр. 7311
٣ - أنها مبنية على السكون بخلاف عند فإنها معربةٌ دائمًا.
٤ - جواز إضافتها إلى الجمل.
٥ - جواز إفرادها قبل غدوة.
٦ - أنها لا تقع إلّا فضلة بخلاف عند، فإنها قد تقع عمدة، وقال بعضهم: إنّ ﴿عند﴾ في لسان العرب لما ظهر، ولدن، لما بطن، فيكون المراد بالرحمة: ما ظهر من كراماته، وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعًا بأنّه خاص.
﴿فِي السَّفِينَةِ﴾ السفينة معروفة، وتجمع على سفن، وعلى سفائن، وتحذف التاء فيقال: سفينة، وسفينٌ، وهو مما بينه وبين مفرده تاء التأنيث، وهو كثير في المخلوق، نادر في المصنوع نحو عمامة وعمام، وقال الشاعر:
متى تأته تأت لُجَّ بحرٍ ... تقاذف في غواربه السَّفين
ذكره في «البحر المحيط».
﴿الرشد﴾ - بضم فسكون وبفتحتين - إصابة الخير والإحاطة بالشيء معرفته معرفة تامة، والخبر المعرفة ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: بيانًا ﴿إِمْرًا﴾ بكسر الهمزة؛ أي: منكرًا من أمر الأمر إذا أنكر أو من أمر بمعنى كثر ﴿لا تُرْهِقْنِي﴾؛ أي: لا تحملني ﴿عُسْرًا﴾، والعسر: ضد اليسر، وهو المشقة ﴿زَكِيَّةً﴾؛ أي: طاهرة من الذنوب، ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أي: بغير حق قصاص لك عليها، ﴿نُكْرًا﴾ والنكر: المنكر الذي تنكره العقول، وتنفر منه النفوس.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: إطلاق الفتى على الخادم في قوله: ﴿لِفَتاهُ﴾ لأنه حقيقة في الرجل الشابّ، أو العبد.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿لا أَبْرَحُ﴾ لأن فيه حذف خبر برح الناقصة اعتمادًا على قرينة الحال؛ تقديره: لا أبرح سائرًا.
стр. 7312
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ لأن مضى حقيقة في نفوذ الأمر، فاستعارهُ للسير والذهاب.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ لأن الرؤية هنا مستعارة للمعرفة التامة، والمشاهدة الكاملة، فهي استعارة تصريحية تبعية؛ لأنها أجريت في فعل، وقد حذف المشبه، وأقيم المشبه به مقامه، شبهت المعرفة التامة، بالرؤية، فاستعير اسم المشبه به الذي هو الرؤية للمشبه الذي هو المعرفة التامة، ثم اشتق من الرؤية بمعنى المعرفة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بمعنى أعرفت، وشاهدت على طريق الاستعارة، التصريحية التبعية.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿سَرَبًا﴾ لأنه حقيقة في الحفيرة تحت الأرض، ثمّ استعير لمسلك الحوت في الماء، بجامع النفوذ في كل.
ومنها: الطباق بين ﴿نَسِيتُ﴾ ﴿واذكر﴾.
ومنها: التنكير للتفخيم في قوله: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا﴾.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿مِنْ عِبادِنا﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، والتقريري في قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا (١).
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
تأليف
الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي
المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة
إشراف ومراجعة
الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي
خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة
«المجلد السابع عشر»
стр. 7315
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار طوق النجاة
بيروت - لبنان
стр. 7316
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
[١٧]
стр. 7317
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 7318
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الموفق سبيل الرشاد، من أرادَ به خيرًا من العباد، والصلاة والسلام على من جمع علوم الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء الخامس عشر من القرآن بعون الله وتيسيره .. أردفته بتفسير الجزء السادس عشر منه، راجيًا منه سبحانه الإعانة والتوفيق، لما هو المعنى عنده، وأن يكون ذخيرة لي عنده، ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وأقول وقولي هذا:
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾
стр. 7319
المناسبة
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ ...﴾ الآيات، لا يزال الكلام متصلًا في قصص موسى والخضر ﵉، ولكن لوحظ في تقسيم القرآن إلى أجزائه الثلاثين جانب اللفظ، لا جانب المعنى، ولذا تجد نهاية جزء، وبداية آخر، حيث لا يزال الكلام في معنى واحد لم يتم بعد كما هنا.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) الأمور التي رآها موسى ﵇، حين صاحب الخضر وذكر ما كان من اعتراض موسى عليه، مرة بعد أخرى، وقد كان أعلمه من قبل أنه لا يستطيع معه صبرًا، وكان من جراء ذلك أنه فارقه، ولم يستطع صحبته .. أردف ذلك بتفسير ما أشكل عليه أمره، مما ينكر ظاهره، وقد أظهر الله تعالى الخضر على حكمة باطنة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، يحكمون بناء على الظواهر، كما قال النبي ﷺ : "نحن نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر".
وأحكام هذا العالِم مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وهذه لا يُطلع الله عليها إلا بعض خواص عباده، ومن ثم اعترض موسى على ما رأى، ولم يعلم ما آتاه الله تعالى الخضر من قوة عقلية، قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور، ويطّلع على حقائق الأشياء فكانت مرتبة موسى في معرفة الشرائع والأحكام بناءً على الظواهر ومرتبة هذا العالم الوقوف على بواطن الأمور وحقائق الأشياء والإطلاع على أسرارها الكامنة.
التفسير وأوجه القراءة
٧٥ - ﴿قَالَ﴾ الخضر ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يا موسى - والهمزة (٢) فيه للاستفهام التقريري،
стр. 7320
المضمَّن للتوبيخ لموسى على ترك الوصية، زاد هنا كلمة (لك) على سابقه، لتشديد العتاب على رفض الوصية لأنه قد نقض العهد مرتين -: إنك لن تستطيع معي صبرًا، ووسمه بقلة الصبر والثبات حين تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار، مع عدم الارعواء بالتذكير أول مرة، قال البغوي: روي أن يوشع كان يقول لموسى: اذكر العهد الذي أنت عليه، وفي البخاري قال: "يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما"
٧٦ - ﴿قَالَ﴾ موسى للخضر ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي بعد (١) هذه المرة أو بعد هذه النفس المقتولة فلا تصاحبني ولا ترافقني أي لا تجعلني صاحبًا لك ولا تكن مرافقًا معي، بل أبعدني عنك وإن سألتُ صحبتك، نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره، ولذا قال: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: قد وجدت (٢) عذرًا من قبلي حين خالفتك مرة بعد أخرى، أو (٣) قد بلغت الغاية التي تُعذر بسببها في فراقي، إذ خالفتك مرة بعد أخرى، وهذا كلام نادم أشد الندم، قد اضطره الحال إلى الاعتراف، وسلوك سبيل الإنصاف، وفي "البحر" ومعنى: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: قد اعتذرت إليَّ وبلغت إليَّ العذر. انتهى.
والعذر (٤): بضمتين وبسكون الذال في الأصل تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه، بأن يقول: لم أفعل أو فعلت لأجل كذا، أو فعلت فلا أعود، وهذا الثالث التوبة، فكل توبة عذر بلا عكس، والاعتذار عبارة عن هو أثر الذنب، وأصله القطع، يقال: اعتذرت إليه؛ أي: قطعت ما في قلبه من الموجدة.
وقرأ الجمهور (٥): ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ من باب المفاعلة، وقرأ عيسى ويعقوب: ﴿فلا تصحبني﴾ مضارع صحب، وقرأ عيسي أيضًا: ﴿فلا تصحبني﴾ بضم التاء وكسر الحاء مضارع أصحب.
ورواها سهل عن أبي عمرو؛ أي: فلا تصحبني علمك، وقدره بعضهم: