← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.

стр. 7316

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١٧]

стр. 7317

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 7318

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الموفق سبيل الرشاد، من أرادَ به خيرًا من العباد، والصلاة والسلام على من جمع علوم الأولين والآخرين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء الخامس عشر من القرآن بعون الله وتيسيره .. أردفته بتفسير الجزء السادس عشر منه، راجيًا منه سبحانه الإعانة والتوفيق، لما هو المعنى عنده، وأن يكون ذخيرة لي عنده، ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وأقول وقولي هذا: قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾

стр. 7319

المناسبة قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ ...﴾ الآيات، لا يزال الكلام متصلًا في قصص موسى والخضر ﵉، ولكن لوحظ في تقسيم القرآن إلى أجزائه الثلاثين جانب اللفظ، لا جانب المعنى، ولذا تجد نهاية جزء، وبداية آخر، حيث لا يزال الكلام في معنى واحد لم يتم بعد كما هنا. قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) الأمور التي رآها موسى ﵇، حين صاحب الخضر وذكر ما كان من اعتراض موسى عليه، مرة بعد أخرى، وقد كان أعلمه من قبل أنه لا يستطيع معه صبرًا، وكان من جراء ذلك أنه فارقه، ولم يستطع صحبته .. أردف ذلك بتفسير ما أشكل عليه أمره، مما ينكر ظاهره، وقد أظهر الله تعالى الخضر على حكمة باطنة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، يحكمون بناء على الظواهر، كما قال النبي ﷺ : "نحن نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر". وأحكام هذا العالِم مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وهذه لا يُطلع الله عليها إلا بعض خواص عباده، ومن ثم اعترض موسى على ما رأى، ولم يعلم ما آتاه الله تعالى الخضر من قوة عقلية، قدر بها أن يشرف على بواطن الأمور، ويطّلع على حقائق الأشياء فكانت مرتبة موسى في معرفة الشرائع والأحكام بناءً على الظواهر ومرتبة هذا العالم الوقوف على بواطن الأمور وحقائق الأشياء والإطلاع على أسرارها الكامنة. التفسير وأوجه القراءة ٧٥ - ﴿قَالَ﴾ الخضر ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يا موسى - والهمزة (٢) فيه للاستفهام التقريري،

стр. 7320

المضمَّن للتوبيخ لموسى على ترك الوصية، زاد هنا كلمة (لك) على سابقه، لتشديد العتاب على رفض الوصية لأنه قد نقض العهد مرتين -: إنك لن تستطيع معي صبرًا، ووسمه بقلة الصبر والثبات حين تكرر منه الاشمئزاز والاستكبار، مع عدم الارعواء بالتذكير أول مرة، قال البغوي: روي أن يوشع كان يقول لموسى: اذكر العهد الذي أنت عليه، وفي البخاري قال: "يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر حتى يقص علينا من أمرهما" ٧٦ - ﴿قَالَ﴾ موسى للخضر ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي بعد (١) هذه المرة أو بعد هذه النفس المقتولة فلا تصاحبني ولا ترافقني أي لا تجعلني صاحبًا لك ولا تكن مرافقًا معي، بل أبعدني عنك وإن سألتُ صحبتك، نهاه عن مصاحبته مع حرصه على التعلم لظهور عذره، ولذا قال: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: قد وجدت (٢) عذرًا من قبلي حين خالفتك مرة بعد أخرى، أو (٣) قد بلغت الغاية التي تُعذر بسببها في فراقي، إذ خالفتك مرة بعد أخرى، وهذا كلام نادم أشد الندم، قد اضطره الحال إلى الاعتراف، وسلوك سبيل الإنصاف، وفي "البحر" ومعنى: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: قد اعتذرت إليَّ وبلغت إليَّ العذر. انتهى. والعذر (٤): بضمتين وبسكون الذال في الأصل تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه، بأن يقول: لم أفعل أو فعلت لأجل كذا، أو فعلت فلا أعود، وهذا الثالث التوبة، فكل توبة عذر بلا عكس، والاعتذار عبارة عن هو أثر الذنب، وأصله القطع، يقال: اعتذرت إليه؛ أي: قطعت ما في قلبه من الموجدة. وقرأ الجمهور (٥): ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ من باب المفاعلة، وقرأ عيسى ويعقوب: ﴿فلا تصحبني﴾ مضارع صحب، وقرأ عيسي أيضًا: ﴿فلا تصحبني﴾ بضم التاء وكسر الحاء مضارع أصحب. ورواها سهل عن أبي عمرو؛ أي: فلا تصحبني علمك، وقدره بعضهم:

стр. 7321

فلا تصحبني إياك، وبعضم نفسك، وقرأ الأعرج بفتح التاء والباء وتشديد النون، وقرأ الجمور: ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ بإدغام نون لدن في نون الوقاية، التي اتصلت بياء المتكلم، وقرأ نافع وعاصم بتخفيف النون، وهي نون لدن، اتصلت بياء المتكلم، وهو القياس؛ لأن أصل الأسماء إذا أضيفت إلى ياء التكلم .. لم تلحق بها نون الوقاية، نحو: كلامي وفرسي، وأشمَّ شعبة الضم في الدال. ورُوي عن عاصم سكون الدال، قال ابن مجاهد: وهو غلط، وكأنه يعني من جهة الرواية. وأما من جهة اللغة: فليست بغلط؛ لأن من لغاتها (لَدْ) بفتح اللام وسكون الدال. وقرأ عيسى: ﴿عذرًا﴾ بضم الذال، ورويت عن أبي عمرو وعن أبيّ ﴿عذري﴾ بكسر الراء مضافًا إلى ياء المتكلم. ٧٧ - ﴿فَانْطَلَقَا﴾؛ أي: انطلق الخضر وموسى ﵉، بعد المرتين الأوليين، بعدما شرطا ذلك ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا﴾ ووصلا ﴿أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ بعد (١) الغروب في ليلة باردة، وهي أنطاكية، بفتح الهمزة وكسرها وسكون النون وكسر الكاف وفتح الياء المخففة، قاعدة العواصم، وهي ذات أعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة أجبل، دورها إثنا عشر ميلاً، كما في "القاموس" وقيل: برقة، وقيل: قرية من قر أذربيجان، وقيل: قرية من قرى الروم ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾؛ أي: طلبا من أهلها أن يطعموهما ضيافة، قيل: لم يسألاهم، ولكن نزولهما عندهم كالسؤال منهم، ووضع (٢) الظاهر موضع المضمر، لزيادة التأكيد، أو لكراهة اجتماع الضميرين في هذه الكلمة، لما فيه من الكلفة، أو لزيادة التشنيع على أهل القرية، بإظهارهم، فقوله: ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ جواب إذا، أو صفة لقرية كما سيأتي، وفي الأسئلة المقحمة (٣) استطعم موسى هاهنا فلم يطعم، وحين سقى

стр. 7322

لبنات شعيب ما استطعم وقد أُطعم، حيث قال: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ والجواب هاهنا: إن الحرمان كان بسبب المعارضة، بحيث لم يكشف بعلم الله بحاله، بل جنح إلى الاعتماد على مخلوق، فأراد السكوت بحادث مسبوق، وهناك جرى على توكله ولم يُدخل وساطة عن المخلوقين بينه وبين ربه، بل حط الرحل ببابه ﴿فَأَبَوْا﴾؛ أي: فامتنعوا؛ أي: أبى أهل القرية ﴿أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾؛ أي: أبوا من تضييفهما وتطعيمهما، وفي قوله: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ دون أن يقول: فأبوا أن يطعموهما، زيادة تشنيع عليهم، ووصفهم بالدناءة والشح، فإن الكريم قد يردّ السائل المستطعم ولا يعاب، ولكن لا يرد الغريب المستضيف إلا لئيم، ألا تراهم يقولون في أهاجييهم: فلان يطرد الضيف؟ وعن قتادة: شر القرى التي لا يضاف فيها، ولا يُعرف لابن السبيل حقه. وقرأ ابن الزبير والحسن وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن وعاصم في رواية المفضل وأبان: بكسر الهضاد وإسكان الياء من أضاف، كما تقول: ميَّل وأمال، ذكره في "البحر". ﴿فَوَجَدَا﴾؛ أي: فوجد الخضر وموسى ﵉ ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك القرية ﴿جِدَارًا﴾؛ أي: حائطاً مائلاً ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾؛ أي: يقرب أن يسقط فمسحه بيده ﴿فَأَقَامَهُ﴾؛ أي: أقام الخضر الجدار بالإشارة بيده فاستقام، أو هدمه ثم بناه، وعن ابن عباس: دفعه بيده فاستقام، وهذا أليق بحال الأنبياء، وكان ارتفاع الجدار مئة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، وامتداده على وجه الأرض خمس مئة ذراع، والمعنى: فوجدا في القرية حائطاً مائلاً، مشرفاً على السقوط، فمسحه بيده، فقام واستوى وكان ذلك من معجزاته ﴿قَالَ﴾ له موسى لضرورة الحاجة إلى الطعام ﴿لَوْ شِئْتَ﴾ يا خضر أخذ الأجرة ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾؛ أي: لأخذت ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على عملك هذا ﴿أَجْرًا﴾؛ أي: أجرة حتى تشتري بها طعامًا؛ أي: كان (١) ينبغي لك أن تأخذ منهم جعلًا على عملك، لتقصيرهم فينا

стр. 7323

مع حاجتنا، وليس لنا في إصلاح الجدار فائدة، فهو من فضول العمل. قال بعضهم (١): لما قال له: ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ .. قال الخضر: أليس كنت في البحر ولم تغرق بغير سفينة، ولما قال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ .. قال أليس قتلت القبطي بغير ذنب، ولما قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قال: أنسيت سقياك لبنات شعيب من غير أجرة، وهذا من باب لطائف المحاورات. قال بعضهم (٢): إن قلت: كيف جوز موسى طلب الأجر بمقابلة العمل الذي حصل بمجرد الإشارة، وهو من طريق خرق العادة الذي لا مؤنة فيه؟ قلت: لم ينظر إلى جانب الأسباب، وإنما نظر إلى النفع العائد إلى جانب أصحاب الجدار، ألا ترى أنه جوز أخذ الأجرة بمقابلة الرقية بسورة الفاتحة ونحوها، وهو ليس من قبيل طلب الأجر على الدعوة، فإنه لا يجوز للنبي أن يطلب أجرًا من قومه على دعوته وإرشاده، كما أشير إليه في مواضع كثيرة من القرآن. والمعنى (٣): أي قال موسى ذلك تحريضًا للخضر، وحثًا له على أخذ الجعل - الأجر - على فعله، لإنفاقه في ثمن الطعام والشراب وسائر مهام المعيشة. وقرأ الجمهور (٤): ﴿يَنْقَضَّ﴾، أي: يسقط، من انقضاض الطائر، ووزنه انفعل، نحو انجر، قال صاحب "اللوامح": من الفضة وهي الحصى الصغار، ومنه طعام قضض، إذا كان فيه حصى، فعلى هذا يريد أن ينقض؛ أي: يتفتت فيصير حصاة. انتهى. وقيل: وزنه افعل كاحمر، وقرأ أبي ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾ بضم الياء وفتح القاف والضاد، مبنيًا للمفعول من نقضته، وهي مروية عن النبي ﷺ . وفي حرف عبد الله وقراءة الأعمش ﴿يُرِيدُ لِيَنْقَضَّ﴾ كذلك، إلا أنه منصوب

стр. 7324

بأن المقدرة بعد اللام، وقرأ علي، وعكرمة، وأبو شيخ خيوان بن خالد الهنائي، وخليد بن سعد، ويحيى بن يعمر: ﴿ينقاص﴾ بالصاد غير معجمة مع الألف، ووزنه ينفعل اللازم، من قاص يقيص، إذا كسرته .. تقول: قصصته فانقاص، وقرأ الزهري ﴿ينقاض﴾ بألف وضاد معجمة، وهو من قولهم: قضته - بضاد معجمة - فانقاض؛ أي: هدمته فانهدم، قال أبو علي: والمشهور عن الزهري بصاد غير معجمة. انتهى. وعبارة ابن الجوزي هنا: وقرأ أبيُّ بن كعب وأبو رجاء: ﴿ينقاض﴾ بألف وضاد معجمة، وقرأ ابن مسعود، وأبو العالية، وأبو عثمان النهدي ﴿ينقآص﴾ بألف ومدة وصاد غير معجمة، وكله بلا تشديد، قال الزجاج: فمعنى ينقض يسقط بسرعة، وينقاص غير معجمة ينشق طولًا، يقال: انقاصت سنه، إذا انشقت قال ابن مقسم: انقاصت سنه وانقاضت بالصاد والضاد على معنى واحد. انتهى. وقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قرأ (١) ابن كثير وأبو عمرو ﴿لتخذت﴾ بكسر الخاء، غير أن أبا عمرو كان يدغم الذال، وابن كثير يظهرها. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿لاتخذت﴾ وكلهم أدغموا إلا حفصاً عن عاصم فإنه لم يدغم مثل ابن كثير. قال الزجاج: يقال: تخذ يتخذ، في معنى اتخذ يتخد، نحو تبع واتبع، افتعل من تخذ، وأدغم التاء في التاء. ٧٨ - ﴿قَالَ﴾ الخضر لموسى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾؛ أي: هذا الوقت وقت الفراق بيننا، أو هذا الاعتراض الثالث منك سبب الفراق الموعود بقوله ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾، أو هذا (٢) الاعتراض المتوالي منك، هو سبب الفراق بيني وبينك، بحسب ما شرطت على نفسك، وإنما كان هذا الأخير سبب الفراق دون الأولين لأن ظاهرهما منكر، فكان موسى فيهما معذورًا دون هذا، إذ لا ينكر الإحسان إلى المسيء بل يحمد، وإضافة الفراق إلى البين من إضافة المصدر إلى الظرف

стр. 7325

اتساعًا؛ أي: هذا الكلام والإنكار منك على ترك الأجر، هو المفرق بيننا، وتكريره (١) بيني وبينك وعدوله عن بيننا، لمعنى التأكيد، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ بالتنوين والجمهور على الإضافة. ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾؛ أي: سأخبرك، السين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة، وقرأ ابن وثاب: ﴿سأنبيك﴾ بإخلاص الياء من غير همز ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾؛ أي: بعاقبة ومآل ما لم تقدر يا موسى صبرًا عليه من الأفعال الثلاثة التي صدرت مني وهي خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، ومألها خلاص السفينة من اليد الغاصبة، وخلاص أبوي الغلام من شره، مع الفوز ببدل حسن، واستخراج اليتيمين للكنز. وفي قوله (٢): ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ دون أن يقول بتأويل ما فعلت، أو بتأويل ما رأيت ونحوهما، تعريض به ﵇ وعتاب له. قال بعضهم (٣): ومن هذا أخذ قول بعض الكبار: من قال لأستاذه: لِمَ .. لم يفلح، والتأويل رجع الشيء إلى مآله، والمراد به هاهنا المال والعاقبة، إذ هو المنبأ به دون التأويل ثم شرع في البيان له. ٧٩ - فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ التي خرقتها ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ أعني لضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظلمة، وكانوا عشرة إخوة، خمسة منهم زمنى ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بها أي يكتسبون بها ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ مؤاجرة، فإسناد العمل إلى الكل بطريق التغليب أو لأن عمل الوكلاء بمنزلة عمل الموكلين. ﴿فَأَرَدْتُ﴾ بحكم الله وإرادته ﴿أَنْ أَعِيبَهَا﴾؛ أي: أن أجعلها ذات عيب بالخرق ﴿و﴾ الحال أنه كان ورائهم؛ أي: أمامهم كقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ فوراء من الأضداد ﴿مَلِكٌ﴾ كافر اسمه جلندي بن كرر، ملك غسان وقيل: اسمه هدد بن بدد، كان بجزيرة الأندلس ببلدة قرطبة، وأول فساد ظهر في البحر كان

стр. 7326

ظلمه على ما ذكره أبو الليث، وأول فساد ظاهر في البر قتل قابيل هابيل على ما ذكره أيضًا عند تصير قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ الآية، ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صحيحة جيدة، وهو من قبيل إيجاز الحذف ﴿غَصْبًا﴾ من أصحابها وانتصابه على أنه مصدر مبين لنوع الأخذ، أو على الحالية، بمعنى غاصبًا، والغصب أخذ الشيء ظلمًا وقهرًا، ويسمى المغصوب غصبًا، والمعنى؛ أي (١): أما فعلي ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم ضعفاء، لا يقدرون على دفع الظلمة، وكانوا يؤاجرونها ويكتسبون قوتهم منها، فأردت أن أعيبها بالخرق الذي خرقته، وكان قدامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة للاستعمال غصبًا، ويدع كل معيبة، فعبتها لأرده عنها، وخلاصة ذلك: أن السفينة كانت لقوم مساكين عجزة، يكتسبون بها، فأردت بما فعلت إعانتهم على ما يخافون ويعجزون عن دفعه، من غصب ملك قدامهم، من عادته غصسب السفن الصالحة؛ أي: إنما خرقتها لأن الملك إذا راها منخرقة .. تركها ورقعها أهلها فانتفعوا بها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَسَاكِينَ﴾ بتخفيف السين جمع مسكين، وقرأ علي - كرم الله وجهه - بتشديد السين، جمع مسَّاك جمع تصحيح، فقيل: المعنى ملاحين، والمساك الذي يمسك رجل السفينة، وكل منهم يصلح لذلك، وقرأ الجمهور: ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ وهو لفظ يطلق على الخلف وعلى الأمام، ومعناه أمامهم في المكان، لأنهم كانوا يسيرون إلى بلده، وقرأ (٣) أبي بن كعب وابن مسعود ﴿وكان أمامهم ملك﴾. قال الزمخشري: فإن قلت قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ مسبب عن خوف الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب، فلِمَ قدَّم عليه؟. قلتُ: النية به التأخير وإنما قدم للعناية، ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها لمساكين، فكان بمنزلة قولك: زيد ظني مقيم.

стр. 7327

٨٠ - ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ الذي قتلته، وهر جيسور، وكان كافرًا .. ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ﴾ من عظماء تلك القرية، اسم أبيه كازبرا، واسم أمه سهوى، كما في "التعريف" ﴿مُؤْمِنَيْنِ﴾؛ أي: مقرين بتوحيد الله تعالى ﴿فَخَشِينَا﴾؛ أي: خفنا من ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾؛ أي: يكلفهما ﴿طُغْيَانًا﴾؛ أي: ضلالةً ﴿وَكُفْرًا﴾؛ أي: إشراكًا بالله ويتبعان له لمحبتهما إياه، فيكفران بعد الإيمان، ويضلان بعد الهداية، وإنما خشي الخضر من ذلك لأن الله تعالى أعلمه بحال الولد، أنه طُبع؛ أي: خلق كافرًا ٨١ - ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾؛ أي: أن يبدل الأبوين، ويعوضهما ويرزقهما ولدًا ﴿خَيْرًا مِنْهُ﴾؛ أي: من المقتول ﴿زَكَاةً﴾؛ أي: دينًا وصلاحًا وطهارةً من الذنوب والأخلاق الرديئة ﴿وَأَقْرَبَ﴾ منه ﴿رُحْمًا﴾؛ أي: رحمةً وبرًا بوالديه. قال ابن عباس ﵄: أبدلهما الله تعالى جارية، تزوجها نبي من الأنبياء فولدت سبعين نبيًا. قال مطرف: فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي .. لكان فيه هلاكهما، فليرض المرء بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن خير له من قضائه فيما يحب. وفي الحديث "لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له" وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وخلاصة ذلك: أنا قد علمنا أنه لو أدرك وبلغ .. لدعا أبويه إلى الكفر فأجاباه ودخلا معه في دينه لفرط حبهما له، وإنما قال أولًا فأردت، وثانيًا فأردنا، وثالثًا فأراد ربك؛ لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتفاقه، مع تساوي المعاني؛ لأنه أعذب على الألسن، وأحسن موقعاً في الأسماع، ذكره في "زاد المسير" وقرأ ابن عباس (١): ﴿وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين﴾ وقرأ أبو سعيد الخدري والجحدري ﴿فكان أبواه مؤمنان﴾ فخرجه الزمخشري، وابن عطية، وأبو الفضلى الرازي، على أن في ﴿كان﴾ ضمير الشأن والجملة في

стр. 7328

موضع نصب خبر لكان، وأجاز أبو الفضل أن يكون مؤمنًا خبرًا لكان، على لغة بني الحرث بن كعب، فيكون منصوبًا. وفي قراءة أُبيَّ ﴿فخاف ربك أن يرهقهما﴾ والمعنى: فكره ربك كراهة من خاف سوء عاقبة الأمر فغيَّره، والظاهر إسناد فعل الخشية في خشينا إلى ضمير الخضر وأصحابه الصالحين، الذين أهمهم الأمر وتكلموا، وقرأ (١) نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وشيبة، وحميد، والأعمش، وابن جرير ﴿أن يبدلهما﴾ بالتشديد هنا، وبالتحريم والقلم، وقرأ باقي السبعة والحسن وابن محيصن ﴿أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ بالتخفيف. ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾؛ أي: أوصل للرحم، وأبر للوالدين، والرحم والرحمة: العطف، مصدران كالكثر والكثرة، وقال رؤبة بن الحجاج: يَا مُنْزِلَ الرَّحْمِ عَلَى إِدْريْسَا ... وَمُنْزِلَ اللَّعْنِ عَلَى إِبْلِيْسَا وأفعل التفضيل هنا ليس على بابه؛ لأن ذلك الغلام لا زكاة فيه ولا رحمة، وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر في رواية، ويعقوب، وأبو حاتم ﴿رُحُمًا﴾ بضم الحاء، وقرأ ابن عباس ﴿رحمًا﴾ بفتح الراء وكسر الحاء، ٨٢ - ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ الذي سويته وأصلحته ﴿فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ﴾ اسمهما (٢) أصرم وصريم ابنا كاشح، وكان سياحًا تقيًا، واسم أمهما دنيا، فيما ذكره النقاش كائنين ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ وهي القرية المذكورة سابقًا، وهي أنطاكية، وفيه (٣) جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة وعبر عنها بالقرية فيما تقدم تحقيراً لها, لخسة أهلها، وعبر عنها هنا بالمدينة تعظيمًا لها، من حيث اشتمالها على هذين الغلامين وعلى أبيهما اهـ شيخنا ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ﴾؛ أي: تحت ذلك الجدار ﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾؛ أي: مال مدفون لهما، من ذهب وفضة ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا﴾ أي: أبو الغلامين ﴿صَالِحًا﴾ كان الناس يضعون الودائع عند ذلك الصالح، فيردها إليهم سالمة، فحفظا بصلاح أبيهما في مالهما وأنفسهما، قال جعفر بن محمد: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء، فيكون الذي دفن ذلك الكنز جدهما السابع ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ يا موسى بالأمر بتسوية

стр. 7329

الجدار؛ أي: مالكك ومدبر أمرك، وأضاف الرب إلى ضمير موسى تشريفًا له. ﴿أَنْ يَبْلُغَا﴾؛ أي: أن يبلغ الغلامان ﴿أَشُدَّهُمَا﴾؛ أي: حلمهما وكمال رأيهما، وتمام نموهما ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ من ذلك الموضع الذي عليه الجدار، ولولا أني أقمته لانقضّ وخرج الكنز من تحته، قبل اقتدارهما على حفظ المال، وتنميته وضاع بالكلية ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لهما مصدر في موقع الحال؛ أي: مرحومين من قبله تعالى، أو علة لإرادة، فإن إرادة الخير رحمة، أو مصدر لمحذوف؛ أي: رحمهما الله سبحانه بذلك رحمة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾؛ أي: وما فعلت ما رأيته يا موسى من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار ﴿عَنْ أَمْرِي﴾؛ أي: عن رأيي واجتهادي، وإنما فعلته بأمر الله، ووحيه، وهذا إيضاح لما أشكل على موسى، وتمهيد للعذر في فعله المنكر ظاهرًا، والمعنى؛ أي: وما فعلت الذي رأيتني أفعله، عن رأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلته عن أمر الله إياي به، لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم، لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع. ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من تلك البيانات التي بينتها لك، وأوضحت وجوهها لك، ﴿تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾؛ أي: مآل وعاقبة الأمر الذي لم تطق ولم تقدر الصبر والسكوت عليه، لكون ظاهره من المنكر؛ أي: لم تستطع الصبر عليه، فحذف (١) التاء للتخفيف، فإن استطاع واسطاع بمعنى واحد، وهو إنجاز للتنبئة الموعودة. وخلاصة المسائل الثلاثة (٢): أنه حين يتعارض ضرران، يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى، فلو لم يعب تلك السفينة بالتخريق لغصبها الملك، وفاتت منافعها بتاتًا، ولو لم يقتل ذلك الغلام لكان بقاؤه مفسدة لوالديه في دينهم ودنياهم، ولأن المشقة الحاصلة بإقامة الجدار أقل ضررًا من سقوطه، إذ بالسقوط كان يضيع مال أولئك الأيتام.

стр. 7330

ومجمل الأمر في ذلك: أن الله أطلع الخضر على بواطن الأشياء وحقائقها في أنفسها، وهذا لا يمكن تعلمه إلا بتصفية الباطن، وتجريد النفس، وتطهير القلب عن العلائق الجسمية، ومن ثم قال في صفة علمه ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ وموسى ﵇ لما كملت مرتبته في علم الشريعة، بعثه الله إلى هذا العالِم ليعلمه أن كمال المعرفة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظواهر، إلى علوم الباطن المبنية على الإشراف على معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليها في الواقع. روي (١): أن موسى لما أراد أن يفارقه .. قال له الخضر: لو صبرت .. لأتيت على ألف عجيب، كل عجيب أعجب مما رأيت، فبكى موسى على فراقه وقال له: أوصني يا نبي الله، قال لا تطلب العلم لتحدث به الناس، واطلبه لتعمل به، وذلك لأن من لم يعمل بعلمه، فلا فائدة في تحديثه، بل نفعه يعود إلى غيره. ومن وصايا الخضر: كن نفاعًا، ولا تكن ضرارًا، وكن بشاشًا، ولا تكن عبوسًا غضابًا، وإياك واللجاجة، ولا تمشِ في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجيب، ولا تعير المذنبين خطاياهم بعد الندم، وابك على خطيئتك ما دمت حيًا، ولا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، واجعل همك في معادك، ولا تخض فيما لا يعنيك، ولا تأمن لخوف من أمَّنك، ولا تيأس من الأمن من خوفك، وتدبر الأمور في علانيتك، ولا تذر الإحسان في قدرتك، فقال له موسى: قد أبلغت في الوصية، فأتم الله عليك نعمته، وغمرك في رحمته، وكلأك من عدوه، فقال له الخضر: أوصني أنت يا موسى، فقال له موسى: إياك والغضب إلا في الله، ولا تحب الدنيا، فإنها تخرجك من الإيمان وتدخلك في الكفر. فقال له الخضر: قد أبلغت في الوصية فأعانك الله على طاعته، وأراك السرور في أمرك، وحببك إلى خلقه، وأوسع عليك من فضله، قال له: آمين،

стр. 7331

كما في "التعريف والإعلام" للإمام السهيلي رحمه الله تعالى. تنبيه: لذكر هذه القصة في الكتاب الكريم فوائد (١): ١ - أن لا يعجب المرء بعلمه، وأن لا يبادر إلى إنكار ما لا يستحسنه، فلعل فيه سرًا لا يعرفه. ٢ - أن فيها تأديبًا لنبيه، بترك طلب الاستعجال بعقوبة المشركين الذين كذبوه، واستهزؤوا به، وبكتابه؛ لأن تأويل ذلك صائر إلى هلاكهم وبوارهم بالسيف في الدنيا، واستحقاقهم من الله في الآخرة الخزي والعذاب الدائم. ٣ - أن ما حدث فيها يجري مثله كل يوم في هذه الحياة، ألا ترى أن قتل الغلام وهو صغير لا ذنب له، يشبه الطاعون الذي يهلك الأمم، ويفتك بها فتكًا ذريعًا، والبهائمَ التي تفتك بها السباع، أو تأكلها الناس، ولو تأمل الناس حكمة ذلك .. لعلموا أنهم لو بقوا على الأرض مئة عام أو نحوها ولم يمت منهم أحد .. لضاقت بهم الأرض، ولماتوا جوعًا، ولأكل الابن أباه، ولأصبحت الأرض منتنة، قذرة، ولهلك الناس جميعًا، وأن أكل كواسر الطير لصغارها ليخلو به الجو والأرض من الحيوان المزدحمة، ولولا ذلك .. لأصبحت الأرض مضرة بالناس والحيوان، فاقتناصها رحمة ونعمة على الناس وأن خرق السفينة التي هي لمساكين، أشبه بموت بقرة فلاح فقير، بجانبه رجل غني لم تصب بقرته بسوء، وذلك إنما يكون لحكمة لا يعلمها إلا الله، وقد يكون منها أن الفقير حين موته يخرج من هذا العالم خفيفًا، لا يحزنه شيء، وأن الغني إذا لم يهذب نفسه .. تكون روحه مجذوبة إلى هذا العالم، متطلعة إلى ما فيه، فيصير في حسرة حين موته. وإن ذكر الجدار وإقامته تشيران إلى أن كل من ترى ليس أهلًا للنعمة ظاهرًا، وقد أغدقت عليه، فأهل هذه القرية اللؤماء الأشحاء ليسوا أهلًا للإكرام.

стр. 7332

وخلاصة ما قال الخضر: إن هذه الأعمال في ست من جنس أعمال الناس، بل هي من أعمال الله تعالى، وإنما كنت واسطة فيها، فهي نماذج لفعل ربكم في هذه الحياة. الإعراب ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير مستتر، يعود على الخضر، والجملة مستأنفةٌ ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام التقريري المضمن للتوبيخ ﴿لَمْ أَقُلْ﴾ جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على الخضر ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه وجملة ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ في محل الرفع خبر إن، وجملة إن في محل النصب مقول أقل. ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على موسى، والجملة مستأنفة ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿إن﴾ حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتُكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور متعلق بسأل، وهو في محل المفعول الثاني، ﴿بَعْدَهَا﴾: ظرف ومضاف إليه صفة لشيء ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية، ﴿لا﴾ ناهيةٌ جازمةٌ تصاحب فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، و ﴿النون﴾ للوقاية والياء مفعول به، والجملة في محل جزم بإن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب، مقول قال ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿بَلَغْتَ﴾ (١): فعل وفاعل ﴿مِنْ لَدُنِّي﴾ جار ومجرور متعلق ببلغت أو حال من عذرًا ﴿عُذْرًا﴾ مفعول به والجملة الفعلية

стр. 7333

في محل النصب مقول قال. ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾. ﴿فَانْطَلَقَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فتقاولا وتشارطًا فانطلقا. ﴿انْطَلَقَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إِذَا﴾ في مجل الجر بحتى تقديره: فانطلقا إلى استطعامهما أهل قرية، وقت إتيانهما إياها، الجار والمجرور متعلق بانطلقا ﴿فَأَبَوْا﴾ الفاء: عاطفة ﴿أَبَوْا﴾ فعل وفاعل معطوف على استطعما ﴿أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ تقديره: فابوا ضيافتهم إياهما ﴿فَوَجَدَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿وَجَدَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَبَوْا﴾ متعلق به ﴿جِدَارًا﴾ مفعول به، ﴿يُرِيدُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الجدار والجملة في محل النصب، صفة للجدار ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾: ناصب ومنصوب وفاعله: ضمير يعود على الجدار، والجملة: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يريد إنقضاضه ﴿فَأَقَامَهُ﴾ الفاء: عاطفة أقامه فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الخضر، والجملة معطوفة على جملة وجدا ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على موسى والجملة مستأنفة ﴿لَوْ شِئْتَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم ﴿شِئْتَ﴾: فعل وفاعل والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ اللام: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ فعل وفاعل جواب لو ﴿عَلَيْهِ﴾ حال من أجرًا ﴿أَجْرًا﴾: مفعول به، وجملة لو الشرطية في محل النصب مقول قال. ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾.

стр. 7334

﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الخضر والجملة مستأنفة ﴿هَذَا فِرَاقُ﴾ مبتدأ وخبر والجملة في محل النصب مقول قال ﴿فِرَاقُ﴾ مضاف ﴿بَيْنِي﴾ مضاف إليه ﴿بين﴾ مضاف و ﴿الياء﴾ ضمير المتكلم في محل الجر مضاف إليه ﴿وَبَيْنِكَ﴾ معطوف على بيني وساغت إضافة بين إلى غير متعدد لتكرير بين بالعطف والداعي إلى هذا التكرير التوصل إلى العطف على ضمير الخفض لأنه يجب عند العطف عليه إعادة الخافض، فكأنه قال بيننا. اهـ شيخنا. ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ السين: حرف استقبال ﴿أنبئك﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر دخل على مضمون المفعولين الثاني والثالث ﴿تَأْوِيلِ﴾ مجرور بها الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أُنَبِّئُكَ﴾ وهو مضاف و ﴿ما﴾ في محل الجر مضاف إليه ﴿لَمْ تَسْتَطِعْ﴾ جازم وفعل وفاعل مستتر ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بصبرا و ﴿صَبْرًا﴾ مفعول به والجملة صلة لما، أو صفة لها. ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾. ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل ﴿السَّفِينَةُ﴾ مبتدأ. ﴿فَكَانَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾ واقعة في غير موضعها. ﴿كانت﴾ فعل ناقص واسمها ضمير يعود على ﴿السَّفِينَةُ﴾. ﴿لِمَسَاكِينَ﴾: جار ومجرور خبر كان وهو ممنوع من الصرف لصيغة منتهى المجموع؛ لأنه على زنة مفاعيل. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل صفة لـ ﴿مَسَاكِينَ﴾. ﴿فِي الْبَحْرِ﴾: متعلق بـ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، وجملة كان في محل الرفع، خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ مع خبره جواب ﴿أَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أَمَّا﴾ مستأنفة. ﴿فَأَرَدْتُ﴾ الفاء: عاطفة ﴿أردت﴾ فعل وفاعل والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كانت﴾ ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿أَعِيبَهَا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: فأردت تعييبها ﴿وَكَانَ﴾ ﴿الواو﴾: واو الحال ﴿كان﴾ فعل ماض ناقص ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ منصوب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر كان مقدم على اسمها ﴿مَلِكٌ﴾ اسمها مؤخر، وجملة كان في محل النصب حال من

стр. 7335

فاعل يعملون ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿مَلِكٌ﴾ ﴿غَصْبًا﴾: مفعول مطلق مبين لنوع الأخذ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من فاعل ﴿يَأْخُذُ﴾. ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أما﴾ حرف شرط ﴿الْغُلَامُ﴾ مبتدأ ﴿فَكَانَ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿أما﴾ ﴿كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، وجملة المبتدأ مع خبره جواب ﴿أما﴾ وجملة ﴿أما﴾ معطوفة على جملة ﴿أَمَّا﴾ السابقة. ﴿فَخَشِينَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿خشينا﴾ فعل وفاعل معطوف على كان ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا﴾ فعل ومفعولان، وفاعله ضمير يعود على الولد ﴿وَكُفْرًا﴾ معطوف على ﴿طُغْيَانًا﴾ وجملة ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره فخشينا إرهاقه إياهما طغياناً وكفراً. ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾. ﴿فَأَرَدْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أَرَدْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿خشينا﴾ ﴿أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾: ناصب وفعل ومفعول أول ﴿رَبُّهُمَا﴾ فاعل ﴿خَيْرًا﴾ مفعول ثان ﴿مِنْهُ﴾ متعلق بـ ﴿خَيْرًا﴾ وجملة ﴿يُبْدِلَهُمَا﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أَرَدْنَا﴾ تقديره فأردنا إبدال ربهما إياهما خيرًا منه ﴿زَكَاةً﴾: تمييز لاسم الفضيل منصوب به ﴿وَأَقْرَبَ﴾ معطوف على خيرًا ﴿رُحْمًا﴾ تمييز لأقرب منصوب به. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾. ﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿ما﴾ حرف شرط ﴿الْجِدَارُ﴾ مبتدأ ﴿فَكَانَ﴾ الفاء: رابطة كان فعل ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿الْجِدَارُ﴾ ﴿لِغُلَامَيْنِ﴾ جار ومجرور خبر كان ﴿يَتِيمَيْنِ﴾ صفة أولى ﴿لِغُلَامَيْنِ﴾. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ صفة ثانية له

стр. 7336

وجملة كان في محل الرفع، خبر المبتدأ وجملة المبتدأ جواب أما وجملة أما معطوفة على جملة أما الأولى ﴿وَكَانَ﴾ فعل ناقص معطوف على كان الأولى ﴿تَحْتَهُ﴾ ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ ﴿كَنْزٌ﴾ اسمها مؤخر ﴿لَهُمَا﴾ صفة لـ ﴿كَنْزٌ﴾ ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فعل ناقص واسمه وخبره وجملة كان معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. ﴿فَأَرَادَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أَرَادَ رَبُّكَ﴾ فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ ناصب وفعل وفاعل ومفعول والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره فأراد ربك بلوغهما أشدهما ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَبْلُغَا﴾. ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله منصوب بـ ﴿أَرَادَ﴾ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾ ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾ نافية ﴿فَعَلْتُهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة مستأنفة ﴿عَنْ أَمْرِي﴾ جار ومجرور حال من ضمير المفعول تقديره ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ﴾ حالة كونه صادرًا ﴿عَنْ أَمْرِي﴾. ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة تأويل مضاف ﴿مَا﴾ اسم موصول أو نكرة موصوفة في محل الجر، مضاف إليه ﴿لَمْ تَسْطِعْ﴾ جازم وفعل وفاعل مستتر أصله تستطع حذفت منه تاء الافتعال للتخفيف ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿صَبْرًا﴾ ﴿صَبْرًا﴾ مفعول به والجملة الفعلية صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ أي لا تجعلني صاحبًا لك والمفاعلة هنا على بابها ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾؛ أي: وجدت عذرًا من قبلي ﴿أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ والقرية هي أنطاكية كما روي عن ابن عباس أو الأبلة أو الناصرة ولا يوثق بصحة شيء من هذا ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾؛ أي: طلبا منهم أن يطعموهما، وفي تكرير أهلها وجهان:

стр. 7337

أحدهما: أنه توكيد، من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، والحكمة في ذلك، أنه لو قال استطعماها, لم يصح؛ لأنهما لم يستطعما القرية، أو قال استطعماهم، فكذلك لأن جملة استطعما أهلها صفة لقرية. والثاني: أنه للتأسيس، وذلك أن الأهل المأتيين ليسوا جميع الأهل، وإنما هم البعض، إذ لا يمكن أن يأتيا جميع الأهل في العادة في وقت واحد، فلما ذكر الاستطعام ذكره بالنسبة إلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا الأهل واحدًا واحدًا، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أن يعود الضمير على ذلك البعض المأتي دون غيره، فكرر الأهل لذلك اهـ كرخي. ﴿أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ أي ينزلوهما أضيافًا يقال: ضافه إذا كان له ضيفًا، وأضافه وضيَّفه أنزله لديه ضيفاً، وأصل ضاف مال، من قولهم ضاف السهم عن الهدف؛ أي: مال عن الغرض، والجمع ضيوف وأضياف وضيفان ﴿جِدَارًا﴾؛ أي حائطًا ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾؛ أي: يسقط بسرعة، وقد كثر في كلامهم إسناد ما يكون من أفعال العقلاء إلى غيرهم، كما قال الشاعر: يُرِيْدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِيْ بَرَاءٍ ... وَيعْدِلُ عَنْ دِمَاءِ بَنِيْ عَقِيْلِ ﴿فَأَقَامَهُ﴾؛ أي: مسحه بيده فقام كما روي عن ابن عباس ﵄ ﴿لَاتَّخَذْتَ﴾ يقرأُ بكسر الخاء مخففة وهو من تخذ يتخذ، إذا عمل شيئًا، ويقرأ بالتشديد وفتح الخاء، وفيه وجهان: أحدهما: هو افتعل من اتخذ، والثاني: أنه من الأخذ، وأصله يتخذ فأبدلت الياء تاء وأدغمت، وأصل الياء الهمزة، ذكره أبو البقاء ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾؛ أي: سأخبرك ببيان سر ووجه ما فعلت في الأمور الثلاثة. فائدة: في مباحث الأفعال السبعة التي تنصب ثلاثة مفاعل: الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعل سبعة، وهي: أعلم، وأرى، وأنبا، ونبَّأ، وأخبر، وخبَّر، وحدَّث. والأصل في هذه الأفعال، أعلم، وأرى، اللَّذان كان أصلهما قبل دخول

стр. 7338

همزة النقل عليها، علم ورأى المتعديان لاثنين، وأما الخمسة الباقية، فليس لها ثُلاثي يُستعمل في العلم إلا خبَّر, ولكنها أُلحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدي إلى ثلاثة, لأن الإنباء والتنْبِيىء والإخبار والتخبير والتحديث بمعنى الإعلام، هذا وتستعمل الخمسة متعدية إلى واحد بأنفسها، وإلى مضمون الثاني والثالث، أو مضمون الثالث وحده بالباء، نحو حدثتك بخروج زيد، وعليه يُحمل قوله تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. والتأويل من آل إلى كذا؛ أي: صار إليه، فإذا قيل: ما تأويله؛ أي: ما مصيره وفي "الشهاب" المراد بالتأويل إظهار ما كان باطناً ببيان وجهه اهـ. وفي "القرطبي" المراد: بالتأويل التفسير قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ في "المصباح": السفينة معروفة، والجمع سفين بحذف الهاء، وسفائن، ويُجمع السفين على سفن بضمتين، وجمع السفينة على سفين شاذ, لأن الجمع الذي بينه وبين واحده الطاء، بابه المخلوقات مثل تمرة وتمر، ونخلة ونخل، وأما في المصنوعات مثل سفينة وسفين فممنوع إلا في ألفاظ قليلة، ومنهم من يقول: السفين لغةٌ في الواحدة، وهي فعيلة بمعنى فاعله، كأنها تسفن الماء؛ أي: ثقشره، وصاحبها سفَّان اهـ. ﴿لِمَسَاكِينَ﴾ جمع مسكين، وهو الضعيف العاجز عن الكسب، لأمر في نفسه، أو في بدنه، ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾؛ أي: يكتسبون ويؤاجرون ﴿أَعِيبَهَا﴾؛ أي: أجعلها ذات عيب، بنزع ما نزعته منها ﴿وَرَاءَهُمْ﴾؛ أي: أمامهم، وهو لفظ يُستعمل في الشيء وضده، كما قال: ألَيْسَ وَرَائِيْ أنْ أدِبَّ عَلَى الْعَصَا ... فَيَأْمَنَ أَعْدَائِيْ وَيسْأَمَنِيْ أهْلِيْ ﴿خشينا﴾؛ أي: خفنا ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ أي يحملهما ويكلفهما ﴿طُغْيَانًا﴾ أي مجاوزةً للحدود الإلهية ﴿زَكَاةً﴾؛ أي: طهارةً من الذنوب ﴿رُحْمًا﴾؛ أي: رحمةً كالكثر والكثرة ﴿أَشُدَّهُمَا﴾ مفرد بمعنى القوة، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: جمع له واحد من لفظه، قيل: أَشِد بكسر الشين وقيل: أشَد بفتحها اهـ

стр. 7339

شيخنا. ﴿عَنْ أَمْرِي﴾؛ أي: عن رأيي واجتهادي ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾؛ أي: تستطع ماضيه اسطاع، الذي أصله استطاع من باب افتعل الخماسي، حذفت تاء الافتعال منه للتخفيف كما مر، ومضارعه يسطيع، أصله يستطيع، بوزن يستقيم، فحذفت منه التاء أيضًا. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التأكيد بزيادة لك في قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ في المرة الثانية للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة بعد مرة، والوسم بعدم الصبر. ومنها: تكرير ﴿أَهْلَهَا﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ للتأكيد، وفيه أيضًا إقامة الظاهر مقام المضمر؛ لأن مقتضى الظاهر أن يقال استطعماهم. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فقد استُعيرت الإرادة للمشارفة والمداناة، ويجوز أن يكون مجازاً عقلياً، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم, لأن المراد هنا لازم الإرادة العرفي، وهو القرب من الشيء؛ أي: يقرب من السقوط؛ لأن الإرادة من صفات العقلاء، وإسنادها إلى الجدار من لطيف الاستعارة، وبليغ المجاز، كقول الشاعر: يُرِيْدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِيْ بَرَاءٍ ... وَيَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِيْ عَقِيْلِ ومنها: التكرار في قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ كرر البين لغرض التوصل إلى العطف على ضمير الخفض, لأنه يجب عند العطف عليه، إعادة الخافض، فكأنه قال بيننا كما مر، ومنها السلف والنشر المرتب في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ﴾ فقد جاء بها مرتبة بعد ذكر ركوب السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار، بطريقة السلف والنشر المرتب، وهو من المحسنات البديعية. ومنها: التقديم والتأخير لغرض العناية بالمقدم في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا

стр. 7340

وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ لأن مقتضى الظاهر تأخير قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ عن قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ لأن إرادة العيب مسببة عن خوف الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخر عن السبب، ولكن قدم المسبب على السبب للعناية به، ولأن خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾؛ أي: صالحة، حذف لدلالة لفظ ﴿أَعِيبَهَا﴾ وكذلك حذف لفظ فكان كافرًا من قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ﴾ لدلالة قوله تعالى: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ عليه. ومنها: تعليم الأدب في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ حيث أسند ما ظاهره شر لنفسه، وأسند الخير إلى الله تعالى، وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله . ومنها: التغليب في قوله: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ﴾ لأن المراد بهما أبوه وأمه، فثنى الأب تغليباً له على الأم، كالقمرين في الشمس والقمر، والعمرين في أبي بكر وعمر، وهو تثنية لا تنقاس. ومنها: التفنن في قوله: ﴿فَأَرَدْتُ﴾ ﴿فَأَرَدْنَا﴾، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ وأبدى بعضهم حكمة في اختلاف التعبير، وهي أن: الأول: لما كان إفساداً محضاً .. عبّر فيه بقوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أدباً مع الله. والثاني: لما كان فيه نوع إفساد، ونوع إصلاح .. عبر فيه بقوله: ﴿فَأَرَدْنَا ...﴾ إلخ اهـ. شيخنا "جمل". والثالث: لما كان إصلاحاً محضاً ونعمة من الله .. عبر فيه بقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7341

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾. المناسبة لما ذكر الله قصة الخضر .. أعقبها بذكر قصة ذي القرنين، ورحلاته الثلاث إلى الغوب والشرق، وإلى السدين، وبنائه للسد في وجه يأجوج ومأجوج، وهي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وجميعها ترتبط بالعقيدة والإيمان, وهو الهدف الأصيل للسورة الكريمة. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ...﴾ سبب نزوله: ما روي عن قتادة قال: إن اليهود يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ...﴾. وقبل الشروع في تفسير الآيات الكريمة، لا بد من بيان مَنْ ذو القرنين،

стр. 7342

فنقول: المراد بذي القرنين في الآية الكريمة، هو ذو القرنين الأكبر (١)، واسمه إسكندر بن فيلقوس اليوناني، ملك الدنيا بأسرها، كما قال مجاهد: ملك الأرض أربعةٌ: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان وذو القرنين، والكافران نمرود وبختنصر، وفي "مشكاة الأنوار" شداد بن عاد بدل بختنصر، وكان ذو القرنين بعد نموود في عهد إبراهيم ﵇ على ما يأتي، ولكنه عاش زمنًا طويلًا، ألفًا وست مئة سنة على ما قالوا، وفي تفسير الشيخ، وكان بعد ثمود، وكان الخضر على مقدمه جيشه بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير. وقال ابن كثير: والصحيح أنه ما كان نبيًا ولا ملكًا، وإنما كان ملِكاً صالحًا عادلاً، ملك الأقاليم وقهر أهلها من الملوك وغيرهم، وانقادت له البلاد، مات بمدينة شهر زور، بعدما خرج من الظلمة (لأنه دخل الظلمة والنور في سياحته)، ودُفن فيها. وفي "التبيان" مدة دوران ذي القرفين في الدنيا خمس مئة، ولما فرغ من بناء السد .. رجع إلى بيت المقدس ومات به، وإنما سُمي بذي القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس؛ أي: جانبيها مشرقها ومغربها، كما لُقِّب أردشير واضع النرد بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد، وفي "القاموس": لما دعاهم إلى الله تعالى، ضربوه على القرن الأيمن، فمات فأحياه الله، ثم دعاهم فضربوه على قرنه الأيسر، فمات ثم أحياه الله، كما سُمي عليُّ بن أبي طالب ﵁ بذي القرنين لما كان شجتان في قرني رأسه، إحداهما من عمرو بن ود، والثانية من ابن ملجم، وفي "قصص الأنبياء": وكان قد رأى في منامه أنه دنا من الشمس، حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها، فلما قص رؤياه على قومه، سموه به، وقالا السيوطي في "الأوائل": أول من لبس العمامة ذو القرنين، وذلك أنه طلع له في رأسه قرنان كالظلفين، يتحركان، فلبسها من أجل ذلك، ثم إنه دخل الحمام ومعه كاتبه فوضع العمامة وقال لكاتبه: هذا الأمر لم يطلع عليه غيرك، فإن سمعت به

стр. 7343

من أحد قتلتُك، فخرج الكاتب من الحمام، فأخذه كهيئة الموت، فأتى الصحراء، فوضع فمه بالأرض، ثم نادى: ألا إن للملك قرنين، فأنبت الله من كلمته قصبتين، فمر بهما راع فقطعهما، واتخذهما مزماراً، فكان إذا زمر، خرج من القصبتين: ألا إن للملك قرنين، فانتشر ذلك في المدينة، فقال ذو القرنين: هذا أمر أراد الله تعالى أن يبديه. وأما ذو القرنين الثاني، وهو إسكندر الرومي، الذي يؤرخ بأيامه الروم، فكان متأخرًا عن الأول بدهر طويل أكثر من ألف سنة، كان هذا قبل المسيح ﵇ بنحو من ثلاث مئة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف. وهو الذي حارب دارَا، وأذل ملوك الفرس، ووطىء أرضهم، وكان كافرًا، عاش ستًا وثلاثين سنة، فالمراد بذي القرنين في القرآن هو الأول دون الثاني، وقد غلط كثير من العلماء في الفرق بينهما، فظنوا أن المذكور في الآية هو الرومي سامحهم الله اهـ. من "روح البيان". التفسير وأوجه القراءة ٨٣ - ولما أجاب سبحانه عن سؤالين من سؤالات اليهود، وانتهى الكلام حيث انتهى .. شرع سبحانه في السؤال الثالث، والجواب عنه، فالمراد بالسائلين اليهود، أو كفار قريش بتلقينهم، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾؛ أي: يسألك يا محمد اليهود، أو كفار قريش، بتلقين اليهود سؤال اختبار وامتحان ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الأكبر إسكندر بن فيلقوس اليوناني، كان عبدًا صالحًا ملَّكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، ملك الأقاليم كلها، وقهر أهلها من الملوك وغيرهم، ودانت له البلاد، وكان داعيًا إلى الله كما مر؛ أي: يسألونك عن خبره وقصته وحاله، وعبر (١) بصيغة الاستقبال، للدلالة على استمرارهم على ذلك السؤال إلى ورود الجواب. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد في الجواب ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: سأذكر لكم أيها

стр. 7344

السائلون ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: من خبر ذي القرنين وحاله، فحذف المضاف ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: نبأً مذكورًا، وبيانًا واضحًا، أو المعنى سأتلو عليكم في شأنه من جهته تعالى ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: قرآنًا والسين للتأكيد والدلالة على التحقق؛ أي: لا أترك التلاوة البتة، أي: قل لهؤلاء المتعنتين: سأقص عليكم قصصًا وافيًا، جامعًا لما تريدون، أعلمنيه ربي، وأخبرني به، ٨٤ - ثم فصل ذلك فقال: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ﴾؛ أي: لذي القرنين أمره من التصرف ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ كيف يشاء، بحيث يصل إلى جميع مسالكها، ويظهر على سائر ملوكها؛ أي (١): جعلنا له قدرةً على التصرف في الأرض، من حيث التدبير والرأي، وعلى الأسباب حيث سخر له السحاب وبسط له النور وكان الليل والنهار عليه سواء في الضوء، وسهل عليه السير في الأرض ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: أعطيناه ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يحتاج إليه في إصلاح ملكه ﴿سَبَبًا﴾؛ أي: طريقًا يوصله إلى ذلك الشيء المقصود، كآلات السير، وكثرة الجند، فأراد بلوغ المغرب ٨٥ - ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أي: سلك طريقا يوصله إلى استقصاء بقاع الأرض، ليملأها عدلًا ٨٦ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: حتى إذا بلغ منتهى الأرض من جهة المغرب، بحيث لا يمكنه مجاوزته، ووقف على حافة البحر المحيط الأطلسي الغربي، الذي يقال له: أوقيانوس، الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات، التي هي مبدأ الأطوال، أو جاوز البحر المحيط، ووصل إلى موضع غروبها، ولا مانع من ذلك عقلًا ولا شرعًا، وما المانع من هذا بعد أن حكى الله عنه أنه بلغ مغرب الشمس، ومكن له في الأرض، والبحر من جملتها، ومجرد الاستبعاد لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهره، ذكره الشوكاني. ﴿وَجَدَهَا﴾؛ أي: الشمس كأنها ﴿تَغْرُبُ﴾ في رأي العين ﴿فِي عَيْنٍ﴾؛ أي: في بحر محيط ﴿حَمِئَةٍ﴾؛ أي: ذات طين أسود، شديد السخونة، كما يدل عليه قراءة شعبة، وحمزة، والكسائي، وابن عامر ﴿حامية﴾ بألف بعد الحاء، وبياء بعد الميم، وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة؛ أي: وجد الشمس تغرب في عين ذات حمأة، وطين أسود، وتلك العين هي نفس البحر المحيط لا غير.

стр. 7345

وخلاصة ذلك (١): أنه بلغ بلادًا لا بلد بعدها تغرب عليها الشمس، إذ لم يكن عمران إلا ما عرفوه عند بحر الظلمات، فهو قد سار إلى بلاد تونس، ثم مراكش، ووصل إلى البحر، فوجد الشمس كأنها تغيب فيه، وهو أزرق اللون كأنه طين وماء. قال في "البيان" (٢): ولما وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس، يطلب عين الحياة .. قال له شيخ: هي خلف أرض الظلمة، ولما أراد أن يسلك في الظلمة .. سأل: أي الدواب في الليل أبصر؟ قالوا: الخيل فقال: أي الخيل أبصر؟ قالوا: الإناث فقال؛ أي الإناث أبصر؟ قالوا: البكارة، فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك فركبوا الرماك، وترك بقية عسكره، فدخلوا الظلمات فساروا يومًا وليلة، فأصاب الخضر العين, لأنه كان على مقدمة جيشه صاحب لوائه الأكبر، فشرب منها واغتسل، وأخطأ ذو القرنين، فساروا على حصحاص من حجارة، لا يدرون ما هي، فسألوه عنها فقال الإسكندر: خذوا من هذه الحجارة ما استطعتم، فإنه من أقل منها ندم، ومن أكثر منها ندم، فأخذوا وملأوا مخالي دوابهم من تلك الحجارة، فلما خرجوا .. نظروا إلى ما في مخاليهم، فوجوده زمردًا أخضر، فندموا كلهم لكونهم لم يكثروا ذلك ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾؛ أي: عند تلك العين؛ يعني عند نهاية العمارة ﴿قَوْمًا﴾ كفارًا لباسهم جلود الوحوش، وطعامهم ما يلفظه البحر من السمك، فخيَّره الله سبحانه، بين أن يعذبهم بالقتل، أو أن يدعوهم إلى الإيمان, وهذا تفصيل قوله ﴿قُلْنَا﴾ له بطريق الإلهام ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ هؤلاء القوم الكفار؛ أي: أنت مخير في أمرهم بعد الدعوة إلى الإِسلام، بين أن تعذبهم بالقتل إن هم أبوا عن الإيمان, ولم يقروا بوحدانيتي، ويذعنوا لك، في ما تدعوهم إليه من طاعتي ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ﴾ وتفعل ﴿فِيهِمْ حُسْنًا﴾؛ أي: أمرًا ذا حسن، فحذف المضاف؛ أي: وبين أن تفعل فيهم إحسانًا بالعفو أو الأسر، وسماما إحسانًا في مقابلة القتل، أي: بأن تتركهم أحياء، أي: فأنت مخير فيهم بين تعذيبهم بالقتل، وبين تركهم أحياء، إن أبوا عن

стр. 7346

الإِسلام، ويجوز (١) أن يكون ﴿إِمَّا﴾ ﴿وَإِمَّا﴾ للتوزيع والتقسيم، دون التخيير؛ أي: ليكن شأنك معهم إما التعذيب، وإما الإحسان. فالأولى: لمن بقي على حاله ولم يؤمن. والثانية: لمن تاب وآمن. والإحسان إليهم بتعليمهم طريق الهدى والرشاد، وتبصيرهم بالشرائع والأحكام ٨٧ - ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين لبعض خاصته وبطانته: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسه بالإصرار على الكفر، ولم يقبل الإيمان منى ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾؛ أي: فسنعذبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل، وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، ومن آمن أعطاه وكساه ﴿ثُمَّ يُرَدُّ﴾ ويرجع ﴿إِلَى رَبِّهِ﴾ وخالقه في الآخرة ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾؛ أي: يعذب ذلك الظالم ﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ أي: عذابًا شديدًا منكرًا، لم يُعهد مثله وهو عذاب النار ٨٨ - ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ وصدق بالله ووحدانيته بسبب دعوتي ﴿وَعَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ حسبما يقتضيه الإيمان ﴿فَلَهُ﴾؛ أي: فلذلك المؤمن الحامل في الدارين ﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾؛ أي: فله المثوبة الحسنى، حال كونه مجزيًا بها فـ ﴿جَزَاءً﴾ حال، أو فله في الآخرة الجنة ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا﴾؛ أي: مما نأمر به ﴿يُسْرًا﴾؛ أي: قولًا سهلًا متيسرًا غير شاق عليه، والمعنى (٢): فله في الدارين المثوبة الحسنى جزاء وفاقًا على تلك الخلال الجميلة التي عملها في دنياه، وسنعلمه في الدنيا ما يتيسر لنا تعليمه مما يقربه إلى ربه، ويليِّن له قلبه ولا يشق عليه فعله مشقةً كبيرةً، كالصلاة، والزكاة، والجهاد، ونحوها. وقرأ زيد بن علي، والزهري، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، والكوفيون، وابن عامر (٣): ﴿فَأَتْبَعَ﴾ ثلاثتها بالتخفيف وقرأ باقي السبعة بالتشديد، والظاهر أنهما بمعنى واحد وعن يونس بن حبيب، وأبي زيد أنه بقطع الهمزة، عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، وبوصلها أنه يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات.

стр. 7347

وقرأ عبد الله، وطلحة بن عبيد الله، وعمرو بن العاص، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، والحسن، وزيد بن علي، وابن عامر، وحمزة، والكسائي ﴿حامية﴾ بالياء؛ أي: حارة. وقرأ ابن عباس، وباقي السبعة، وشيبة، وحميد ابن أبي ليلى، ويعقوب، وأبو حاتم، وابن جبير الأنطاكي ﴿حَمِئَةٍ﴾ بهمزة مفتوحة، والزهري يليِّنها؛ أي: ذات طين أسود، ولا تنافي بين الحامية والحمئة، إذ تكون العين جامعة للوصفين، وفي التوراة تغرب في ماء وطين. وقرأ حمزة (١)، والكسائي، وحفص، وأبو بحرية، والأعمش، وطلحة، وابن مناذر، ويعقوب، وأبو عبيد، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جبير الأنطاكي، ومحمد بن جرير ﴿فَلَهُ جَزَاءً﴾ بالنصب والتنوين، والمراد بالحسنى على قراءة النصب الجنة وقرأ باقي السبعة ﴿جزاء الحسنى﴾ يرفع جزاء مضافًا إلى الحسنى. قال أبو علي: جزاء الخلال الحسنة التي أتاها وعملها، و ﴿جزاء﴾ مبتدأ و ﴿لَهُ﴾ خبره، وقرأ عبد الله ابن أبي إسحاق ﴿فله جزاء﴾ مرفوعًا منونًا، وهو مبتدأ وخبر، والحسنى بدل من جزاء. وقرأ ابن عباس، ومسروق ﴿جزاء﴾ بالنصب بغير تنوين الحسنى بالإضافة، ويخرج على حذف المبتدأ لدلالة المعنى عليه؛ أي: فله الجزاء جزاء الحسنى، وخرَّجه المهدوي: على حذف التنوين لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو جعفر ﴿يسرًا﴾ بضم السين حيث وقع. ٨٩ - ﴿ثُمَّ﴾ قفل ذو القرنين راجعاً من مغرب الشمس و ﴿أَتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أي: سلك طريقًا موصلًا إلى مشرقها ٩٠ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾؛ أي: وصل الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولًا من معمور الأرض، إذ لا يمكنه أن يبلغ موضع طلوع الشمس، وقيل (٢): مكان طلوعها, لعدم المانع شرعًا ولا عقلًا من وصوله إليه،

стр. 7348

كما أوضحناه فيما سبق، قيل بلغه في اثني عشرة سنة، وقيل: في أقل من ذلك بناءً على ما ذكر من أنه سخر له السحاب، وطوى له الأسباب. ﴿وَجَدَهَا﴾؛ أي: الشمس ﴿تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ عراة ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا﴾؛ أي: من دون الشمس وأمامها ﴿سِتْرًا﴾ من اللباس والبناء، يعني ليس لهم لباس يستترون به من حر الشمس، ولا بناء يستظلون فيه؛ لأن أرضهم لا تمسك الأبنية لغاية رخاوتها، وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوا الأسراب، أو البحر من شدة الحر، وإذا ارتفعت عنهم خرجوا؛ أي (١): حتى إذا بلغ الموضع الذي تطلع عليه الشمس أولًا من المعمور، وجدها تطلع على قوم ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس، فليس لهم سقوف ولا جبال تمنع من وقوع أشعة الشمس عليهم, لأن أرضهم لا تحمل بنيانًا، بل لهم سروب يغيبون فيها حين طلوع الشمس، ويظهرون حين غروبها، فهم حين طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش، وحين غروبها يشتغلون بتحصيل مهماتهم وأحوالهم، على الضد من أحوال الناس. وخلاصة ذلك: أنه بلغ غاية المعمور من الأرض جهة المشرق، ووجد قومًا لا لباس لهم ولا بناء، فهم عراةٌ في العراء، أو في سراديب في الأرض. وقرأ الحسن، وعيسى، وابن محيصن ﴿مطلع﴾ بفتح اللام، ورويت عن ابن كثير، وأهل مكة، وهو القياس، وقرأ الجمهور بكسرها، وهو مسموع في أحرف معدودة، وقياس كسره أن يكون المضارع مكسور العين، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في مباحث الصرف، وكان الكسائي يقول: هذه لغة ماتت في كثير من لغات العرب، يعني: ذهب من يقول من العرب. تطلع بكسر اللام، وبقي مطلع بكسرها في اسم المكان والزمان على ذلك القياس. ٩١ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: أمر ذي القرنين وشأنه وحاله كذلك؛ أي: كما وصفناه

стр. 7349

وبيناه لك يا محمد من قبل من بلوغه طرفي المشرق والمغرب، ومن فعله الأفاعيل المذكورة، فهو قد بلغ الغاية في رفعة الشأن، وبسطة الملك، مما لم يتح لكثير من الناس، أو أمره في أهل المشرق كأمره في أهل المغرب، فحكم في أهل المطلع كما حكم في أهل المغرب، من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين ﴿و﴾ نحن ﴿قَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾؛ أي: بما عند ذي القرنين من الأسباب والعدد ﴿خُبْرًا﴾؛ أي: علمًا، تمييز؛ أي: ونحن قد علمنا بما لديه من الأسباب والعدد، والشؤون والأحوال، علمًا محيطًا بظواهره وخفاياه. وخلاصة ذلك: أنه كما وُصف، وفوق ما وصف، مما لا يحيط بعلمه إلا اللطيف الخبير. فانظر (١) يا أخي سعة لطف الله تعالى، وإمداده بمن شاء من عباده، فإنه ذكر وهب بن منبه: أن ذا القرنين كان رجلًا من أهل الإسكندرية، ابن امرأة عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان خارجًا عن قومه، ولم يكن بأفضلهم حسبًا ولا نسبًا، ولكنه نشأ في ذات حسن وجمال، وحلم ومروءة وعفة، من لدن كان غلامًا، إلى أن بلغ رجلًا، ولم يزل منذ نشأ يتخلق بمكارم الأخلاق، ويسمو إلى معالي الأمور، إلى أن علا صيته، وعز في قومه، وألقى الله تعالى عليه الهيبة، ثم إنه زاد به الأمر إلى أن حدَّث نفسه بالأشياء، فكان أول ما أجمع عليه رأيه الإِسلام فأسلم، ثم دعا قومه إلى الإِسلام، فأسلموا عنوة منه عن آخرهم، ثم كان من أمره ما كان، ٩٢ - ثم حكى سفر ذي القرنين إلى ناحية أخرى، وهي ناحية القطر الشمالي، بعد تهيئة أسبابه، فقال: ﴿ثُمَّ﴾ قفل ذو القرنين راجعاً من مطلع الشمس و ﴿أَتْبَعَ سَبَبًا﴾؛ أي: سلك طريقًا ثالثاً، معترضًا بين المشرق والمغرب آخذًا من الجنوب إلى الشمال ٩٣ - ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾ ذو القرنيق ووصل ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾؛ أي: بين الجبلين الذين سد ما بينهما، وهما جبلان عاليان، في منقطع أرض الترك، مما يلي المشرق، من ورائهما يأجوج ومأجوج،

стр. 7350

وانتصاب ﴿بَيْنَ﴾ على المفعولية؛ لأنه مبلوغ، وهو من الظروف التي تُستعمل أسماء وظروفًا، كما ارتفع في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ وانجرَّ في قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾. قال وهب (١): السدان جبلان مرتفعان في السماء، من ورائهما ومن أمامهما البلدان، وهما بمنقطع أرض الترك، مما يلي أرمينية وأذربيجان، وذكر الهروي: أنما جبلان من وراء بلاد الترك، وقيل: هما جبلان من جهة الشمال، ليِّنان أملسان، يزلق عليهما كل شيء، ويسمى الجبلان سدين, لأن كل واحد منهما سد فجاج الأرض، وكانت بينهما فجوة كان يدخل منها يأجوج ومأجوج. وقرأ مجاهد (٢)، وعكرمة، والنخعي، وحفص، وابن كثير، وأبو عمرو: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بفتح السين، وقرأ باقي السبعة بضمها، قال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، وقال الخليل وسيبويه: بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. ﴿وَجَدَ﴾ ذو القرنين ﴿مِنْ دُونِهِمَا﴾؛ أي: من دون السدين؛ أي: من ورائهما، مجاوزًا عنهما، وقيل: أمامهما؛ أي: من جهة الأمام، خارجة عنهما، لا داخلة بناحية يأجوج ومأجوج اهـ شيخنا. وفي "الخطيب": وجد من دونهما؛ أي: بقربهما من الجانب الذي هو أدنى منهما، إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين اهـ. وخلاصة ذلك (٣): أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالًا يعطون إياه، حتى يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حاجزًا بين الجبلين، يمنعهم من الخروج إليهم فلا يصلون إليهم. ٩٤ - وقرأ عاصم (٤)، والأعمش، ويعقوب في رواية بالهمز في ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ هنا، وكذا في الأنبياء، وهي لغة بني أسد، ذكره الفراء، قيل: ولا وجه له إلا الغريبة المحكية عن العجاج أنه كان يهمز العألم والخأتم، وقرأ باقي السبعة بألف غير مهموزة، وهي لغة كل العرب، غير بني أسد. وقرأ العجاج وابنه رؤبة:

стр. 7351

﴿أجوج﴾ بهمزة بدل الياء، وقرأ الحسن، وا لأعمش، وطلحة، وخلف، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جبير الأنطاكي، ومن السبعة حمزة والكسائي ﴿خراجا﴾ بألف هنا وفي حرفي قد أفلح، وسكن ابن عامر الراء فيها، وقرأ باقي السبعة ﴿خَرْجًا﴾ فيهما بسكون الراء، فخراج بالألف والخرج بمعنى واحد، كالنول والنوال، وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر ﴿سُدًّا﴾ بضم السين، وابن محيصن، وحميد، والزهري، والأعمش، وطلحة، ويعقوب في رواية ابن عيسى الأصبهاني، وابن جرير، وباقي السبعة بفتحها. ٩٥ - ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين جوابًا لهم ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾؛ أي: ما بسطه الله لي، وجعلني فيه مكينًا قادرًا، من الملك والمال، وسائر الأسباب ﴿خَيْرٌ﴾ مما تريدون أن تبذلوه إلى من الخراج، فلا حاجة لي إليه، ومثله قول سليمان ﵇ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ ومن هذا يؤخذ أنّ الدول القوية يجب أن تحافظ على الدول الضعيفة، ولا تأخذ منها مالًا، ما دامت قادرة على إغاثتها. وخلاصة ذلك: ما أنا فيه خير مما تبذلونه، وقرأ ابن كثير وحميد ﴿مَا مَكَّنَنِي﴾ بنونين متحركتين، وباقي السبعة؛ بإدغام نون مكني في نون الوقاية، ثم طلب منهم المعاونة له فقال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بعملة وصناع يحسنون البناء والعمل وبآلات لا بد منها في البناء ﴿أَجْعَلْ﴾ جواب الأمر ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيها القوم ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾؛ أي: وبين يأجوج ومأجوج ﴿رَدْمًا﴾؛ أي: حاجزًا حصينًا، وحجابًا عظيمًا، وهو أكبر من السد، وأوثق منه (١)، إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على الشيء، من حجارة، أو تراب، أو نحوهما، حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض. ٩٦ - وقوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾؛ أي: أعطوني وناولوني زبر الحديد، تفسير للقوة، فيكون المراد بها ترتيب الآلات، وهذا لا ينافي رد خراجهم, لأن المأمور به الإيتاء بالثمن والمناولة، ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة دون

стр. 7352

الخراج على العمل، وقال الفراء معنى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ إئتوني بها، فلما ألقيت الياء .. زيدت ألفًا، وعلى هذا فانتصاب زبر بنزع الخافض، والزبر (١): جمع زبرة، كغرف جمع غرفة، وهي القطعة الكبيرة، قال في "القصص" قالوا: من أين لنا من الحديد ما يسع هذا العمل، فدلهم على معدن الحديد والنحاس، ولعل تخصيص الأمر بالإيتاء بها دون سائر الآلات من الصخور ونحوها, لما أن الحاجة إليها أمس، إذ هي الركن في السد، وفي "القصص": قاس ما بين الصدفين، فوجده ثلاثة أميال. وقال بعضهم (٢): حفر ما بين السدين، وهو مئة فرسخ حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب بدل الطين لها والبنيان من زبر الحديد، بين كل زبرتين الحطب والفحم، وقرأ الجمهور (٣): ﴿آتُونِي﴾ وقرأ أبو بكر عن عاصم، ﴿إئتوني﴾؛ أي: جيئوني، وانتصب زبر بإيتوني على إسقاط حرف الجر؛ أي: جيئوني بزبر الحديد، وقرأ الجمهور: ﴿زُبَرَ﴾ بفتح الباء، والحسن بضمها، وعبارة "المراح" هنا: وقرأ حمزة ﴿ائتوني﴾ بوصل الهمزة في الموضعين، ووافقه أبو بكر هنا، وخالفه في الموضع الثاني، انتهى. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ معطوف على محذوف، تقديره فأتوه بها، فأمر برص بعضها فوق بعض، فرصوا حتى إذا ساوى ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾؛ أي: بين طرفي الجبلين بالبناء، والصدف (٤): منقطع الجبل، أو ناحيته، وبين: مفعول به، كبين السدين؛ أي: إنهم (٥) جاؤوا ذا القرنين بزبر الحديد، فشرع يبني شيئًا فشيئًا، حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من البنيان مساويًا لهما في السمك، يعني: ملأ ما بينهما إلى أعلاهما، وكان ارتفاعه مئتي ذراع، وعرضه خمسين ذراعًا، ووضع المنافخ والنار حول ذلك ﴿قَالَ﴾ للعملة ﴿انْفُخُوا﴾ بالكير؛ أي: في الحديد

стр. 7353

المبني، فنفخوا ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾؛ أي: المنفوخ فيه وهو زبر الحديد ﴿نَارًا﴾؛ أي: مثل النار في الحرارة والهيئة، وإسناد الجعل المذكور إلى ذي القرنين، مع أنه فعل العملة، للتثبيه على أنه العمدة في ذلك، وهم بمنزلة الآلة. ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة ونحوها ﴿آتُونِي﴾ قطرًا أي: نحاسًا مذابًا ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أصبب على الحديد المحمى ﴿قِطْرًا﴾؛ أي: نحاسًا مذابًا، فأفرغه عليه، فدخل مكان الحطب والفحم، فامتزج بالحديد، والتصق بعضه ببعض، وصار جبلًا صلدًا، وهذه كرامة عظيمة، حيث صرف الله تأثير الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين والمفرغين للقطر. والإفراغ الصب؛ أي: أصبب على الحديد المحمى قطرًا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وإسناد الإفراغ إلى نفسه للعلة التي وقفت عليها آنفًا. وقرأ ابن كثير (١)، وأبو عمرو, وابن عامر، والزهري، ومجاهد، والحسن: ﴿الصُّدُفَيْنِ﴾ بضم الصاد والدال، وأبو بكر، وابن محيصن، وأبو رجاء، وأبو عبد الرحمن، كذلك إلا أنه سكَّن الدال، وباقي السبعة، وأبو جعفر، وشيبة، وحميد، وطلحة، وابن أبي ليلى، وجماعة عن يعقوب، وخلف في اختياره، وأبو عبيد، وابن سعدان، بفتحهما وابن جندب بالفتح وإسكان الدال، ورويت عن قتادة. وقرأ الماجشون: بالفتح وضم الدال، وقرأ قتادة، وأبان عن عاصم بضم الصاد وفتح الدال، ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ في الكلام حذف، تقديره فنفخوا حتى إذا ... وقرأ الجمهور: ﴿قَالَ آتُونِي﴾؛ أي: أعطوني، وقرأ الأعمش، وطلحة، وحمزة، وأبو بكر بخلاف عنه قال ﴿إئتوني﴾؛ أي: جيئوني. و ﴿قِطْرًا﴾ منصوب بأفرغ، على إعمال الثاني، ومفعول ﴿آتُونِي﴾ محذوف لدلالة الثاني عليه، كما مر ٩٧ - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ بحذف (٢) تاء الافتعال تخفيفًا وحذرًا

стр. 7354

من تلاقي المتقاربين، وقال في "برهان القرآن": اختار التخفيف في الأول, لأن مفعوله حرف وفعل وفاعل ومفعول، فاختير فيه الحذف والثاني مفعوله اسم واحد، وهو قوله: ﴿نَقْبًا﴾. انتهى. والفاء (١): فصيحة؛ أي: فعلوا ما أمروا به من إيتاء القطر، فأفرغ عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض، فصار جبلًا صلدًا؛ أي: صلبًا أملس، فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن يعلوه وينقبوه، فما قدروا ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أي: أن يظهروا الجبل ويعلوه بالصعود، لارتفاعه وملاسته ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾؛ أي: وما استطاع يأجوج ومأجوج نقبًا للجبل وثقبًا له؛ أي: وما قدروا أن ينقبوه ويخرقوه من أسفله، لصلابته وثخانتِهِ، فلا سبيل إلى مجاوزته إلى غيرم من الأمم إلا بأحد هذين إما: ارتقاء، وإما نقب، وقد سلب قدرتهم على ذلك. وهذه معجزة عظيمة؛ لأن تلك الزبر الكثيرة، إذا أثرت فيها حرارة النار .. لا يقدر الحيوان على أن يحوم حولها، فضلًا عن النفخ فيها، إلى أن تكون كالنار، أو عن إفراغ القطر عليها، وكأنه سبحانه صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك المباشرين للأعمال، وكان ما كان، والله على كل شيء قدير، كذا في "الإرشاد" أخذًا عن تفسير الإِمام. يقول الفقير: ليس ببعيد أن تكون المباشرة بالنفخ والصب من بعيد بطريق من طرق الحيل، ألا ترى أن نار نمرود لما كانت بحيث لا يقرب منها أحد .. عملوا المنجنيق، فألقوا به إبراهيم ﵇ فيها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ بحذف التاء تخفيفًا، لقربها من الطاء، قرأ حمزة، وطلحة: بإدغامها في الطاء، كأنه أراد استطاعوا، فادغم التاء في الطاء، وهو إدغام على غير حده، وقال أبو علي: هي غير جائزة، وقرأ الأعمش عن أبي بكر: ﴿فما اصطاعوا﴾ بالإبدال من السين صادًا لأجل الطاء، قرأ الأعمش: ﴿فما استطاعوا﴾ بالتاء من غير حذف.

стр. 7355

٩٨ - ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين ﴿هَذَا﴾ السد ﴿رَحْمَةٌ﴾ عظيمةٌ ونعمةٌ جسيمةٌ ﴿مِنْ رَبِّي﴾ على كافة الخلق، لا سيما على مجاهديه، وفيه (١) إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادةً، بل هو إحسان إلهي محض وإن ظهر بمباشرتي. وقال ابن عطية (٢): والإشارة بهذا إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به، وقال الزمخشري: إشارة إلى السد؛ أي: هذا السد نعمةٌ عظيمةٌ من الله تعالى، ورحمة منه على عباده، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته، قيل: وفي الكلام حذف تقديره، فلما أكمل بناء السد، وامشوى واستحكم .. قال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ وقرأ ابن أبي عبلة ﴿هذه رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ بتأنيث اسم الإشارة. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، أي (٣): وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، وقيل: مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: موعود ربي وهو يوم القيامة، والمراد بمجيئه مجيء أشراطه وأماراته، من خروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇. ونحو ذلك من أشراط يوم القيامة. ﴿جَعَلَهُ﴾؛ أي: جعل هذا السد المشار إليه بما تقدم مع متانته ﴿دَكَّاءَ﴾؛ أي: أرضًا مستويةً، والظاهر (٤) أن جعله بمعنى صيَّره، فدكًا: مفعول ثان، وقال الزمخشري: فإذا دنا (٥) مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي .. جعل السد دكًا؛ أي: مدكوكًا منبسطًا مستويًا بالأرض، وكل ما انبسط بعد ارتفاع .. فقد اندك. انتهى. وفيه بيان لعظمة قدرته تعالى بعد بيان سعة رحمته. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر (٦): ﴿دَكَّاً﴾ منونًا غير مهموز ولا ممدود، مصدر دككته، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي ﴿دَكَّاءَ﴾ ممدودةً مهموزةً بلا تنوين. والمعنى: أي (٧) فإذا دنا وقت خروجهم من وراء السد .. جعل ربي ذلك
следующие страницы →