﴿أجوج﴾ بهمزة بدل الياء، وقرأ الحسن، وا لأعمش، وطلحة، وخلف، وابن سعدان، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جبير الأنطاكي، ومن السبعة حمزة والكسائي ﴿خراجا﴾ بألف هنا وفي حرفي قد أفلح، وسكن ابن عامر الراء فيها، وقرأ باقي السبعة ﴿خَرْجًا﴾ فيهما بسكون الراء، فخراج بالألف والخرج بمعنى واحد، كالنول والنوال، وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو بكر ﴿سُدًّا﴾ بضم السين، وابن محيصن، وحميد، والزهري، والأعمش، وطلحة، ويعقوب في رواية ابن عيسى الأصبهاني، وابن جرير، وباقي السبعة بفتحها.
٩٥ - ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين جوابًا لهم ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾؛ أي: ما بسطه الله لي، وجعلني فيه مكينًا قادرًا، من الملك والمال، وسائر الأسباب ﴿خَيْرٌ﴾ مما تريدون أن تبذلوه إلى من الخراج، فلا حاجة لي إليه، ومثله قول سليمان ﵇ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ ومن هذا يؤخذ أنّ الدول القوية يجب أن تحافظ على الدول الضعيفة، ولا تأخذ منها مالًا، ما دامت قادرة على إغاثتها.
وخلاصة ذلك: ما أنا فيه خير مما تبذلونه، وقرأ ابن كثير وحميد ﴿مَا مَكَّنَنِي﴾ بنونين متحركتين، وباقي السبعة؛ بإدغام نون مكني في نون الوقاية، ثم طلب منهم المعاونة له فقال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بعملة وصناع يحسنون البناء والعمل وبآلات لا بد منها في البناء ﴿أَجْعَلْ﴾ جواب الأمر ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيها القوم ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾؛ أي: وبين يأجوج ومأجوج ﴿رَدْمًا﴾؛ أي: حاجزًا حصينًا، وحجابًا عظيمًا، وهو أكبر من السد، وأوثق منه (١)، إذ السد كل ما يسد به، والردم وضع الشيء على الشيء، من حجارة، أو تراب، أو نحوهما، حتى يقوم من ذلك حجاب منيع، ومنه ردم ثوبه إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض.
٩٦ - وقوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾؛ أي: أعطوني وناولوني زبر الحديد، تفسير للقوة، فيكون المراد بها ترتيب الآلات، وهذا لا ينافي رد خراجهم, لأن المأمور به الإيتاء بالثمن والمناولة، ولأن إيتاء الآلة من قبيل الإعانة بالقوة دون
стр. 7352
الخراج على العمل، وقال الفراء معنى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ إئتوني بها، فلما ألقيت الياء .. زيدت ألفًا، وعلى هذا فانتصاب زبر بنزع الخافض، والزبر (١): جمع زبرة، كغرف جمع غرفة، وهي القطعة الكبيرة، قال في "القصص" قالوا: من أين لنا من الحديد ما يسع هذا العمل، فدلهم على معدن الحديد والنحاس، ولعل تخصيص الأمر بالإيتاء بها دون سائر الآلات من الصخور ونحوها, لما أن الحاجة إليها أمس، إذ هي الركن في السد، وفي "القصص": قاس ما بين الصدفين، فوجده ثلاثة أميال.
وقال بعضهم (٢): حفر ما بين السدين، وهو مئة فرسخ حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب بدل الطين لها والبنيان من زبر الحديد، بين كل زبرتين الحطب والفحم، وقرأ الجمهور (٣): ﴿آتُونِي﴾ وقرأ أبو بكر عن عاصم، ﴿إئتوني﴾؛ أي: جيئوني، وانتصب زبر بإيتوني على إسقاط حرف الجر؛ أي: جيئوني بزبر الحديد، وقرأ الجمهور: ﴿زُبَرَ﴾ بفتح الباء، والحسن بضمها، وعبارة "المراح" هنا: وقرأ حمزة ﴿ائتوني﴾ بوصل الهمزة في الموضعين، ووافقه أبو بكر هنا، وخالفه في الموضع الثاني، انتهى.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ معطوف على محذوف، تقديره فأتوه بها، فأمر برص بعضها فوق بعض، فرصوا حتى إذا ساوى ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾؛ أي: بين طرفي الجبلين بالبناء، والصدف (٤): منقطع الجبل، أو ناحيته، وبين: مفعول به، كبين السدين؛ أي: إنهم (٥) جاؤوا ذا القرنين بزبر الحديد، فشرع يبني شيئًا فشيئًا، حتى إذا جعل ما بين ناحيتي الجبلين من البنيان مساويًا لهما في السمك، يعني: ملأ ما بينهما إلى أعلاهما، وكان ارتفاعه مئتي ذراع، وعرضه خمسين ذراعًا، ووضع المنافخ والنار حول ذلك ﴿قَالَ﴾ للعملة ﴿انْفُخُوا﴾ بالكير؛ أي: في الحديد
стр. 7353
المبني، فنفخوا ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾؛ أي: المنفوخ فيه وهو زبر الحديد ﴿نَارًا﴾؛ أي: مثل النار في الحرارة والهيئة، وإسناد الجعل المذكور إلى ذي القرنين، مع أنه فعل العملة، للتثبيه على أنه العمدة في ذلك، وهم بمنزلة الآلة.
﴿قَالَ﴾ ذو القرنين للذين يتولون أمر النحاس من الإذابة ونحوها ﴿آتُونِي﴾ قطرًا أي: نحاسًا مذابًا ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أصبب على الحديد المحمى ﴿قِطْرًا﴾؛ أي: نحاسًا مذابًا، فأفرغه عليه، فدخل مكان الحطب والفحم، فامتزج بالحديد، والتصق بعضه ببعض، وصار جبلًا صلدًا، وهذه كرامة عظيمة، حيث صرف الله تأثير الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين والمفرغين للقطر.
والإفراغ الصب؛ أي: أصبب على الحديد المحمى قطرًا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وإسناد الإفراغ إلى نفسه للعلة التي وقفت عليها آنفًا.
وقرأ ابن كثير (١)، وأبو عمرو, وابن عامر، والزهري، ومجاهد، والحسن: ﴿الصُّدُفَيْنِ﴾ بضم الصاد والدال، وأبو بكر، وابن محيصن، وأبو رجاء، وأبو عبد الرحمن، كذلك إلا أنه سكَّن الدال، وباقي السبعة، وأبو جعفر، وشيبة، وحميد، وطلحة، وابن أبي ليلى، وجماعة عن يعقوب، وخلف في اختياره، وأبو عبيد، وابن سعدان، بفتحهما وابن جندب بالفتح وإسكان الدال، ورويت عن قتادة.
وقرأ الماجشون: بالفتح وضم الدال، وقرأ قتادة، وأبان عن عاصم بضم الصاد وفتح الدال، ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ في الكلام حذف، تقديره فنفخوا حتى إذا ... وقرأ الجمهور: ﴿قَالَ آتُونِي﴾؛ أي: أعطوني، وقرأ الأعمش، وطلحة، وحمزة، وأبو بكر بخلاف عنه قال ﴿إئتوني﴾؛ أي: جيئوني.
و ﴿قِطْرًا﴾ منصوب بأفرغ، على إعمال الثاني، ومفعول ﴿آتُونِي﴾ محذوف لدلالة الثاني عليه، كما مر
٩٧ - ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ بحذف (٢) تاء الافتعال تخفيفًا وحذرًا
стр. 7354
من تلاقي المتقاربين، وقال في "برهان القرآن":
اختار التخفيف في الأول, لأن مفعوله حرف وفعل وفاعل ومفعول، فاختير فيه الحذف والثاني مفعوله اسم واحد، وهو قوله: ﴿نَقْبًا﴾. انتهى.
والفاء (١): فصيحة؛ أي: فعلوا ما أمروا به من إيتاء القطر، فأفرغ عليه، فاختلط والتصق بعضه ببعض، فصار جبلًا صلدًا؛ أي: صلبًا أملس، فجاء يأجوج ومأجوج فقصدوا أن يعلوه وينقبوه، فما قدروا ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أي: أن يظهروا الجبل ويعلوه بالصعود، لارتفاعه وملاسته ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾؛ أي: وما استطاع يأجوج ومأجوج نقبًا للجبل وثقبًا له؛ أي: وما قدروا أن ينقبوه ويخرقوه من أسفله، لصلابته وثخانتِهِ، فلا سبيل إلى مجاوزته إلى غيرم من الأمم إلا بأحد هذين إما: ارتقاء، وإما نقب، وقد سلب قدرتهم على ذلك.
وهذه معجزة عظيمة؛ لأن تلك الزبر الكثيرة، إذا أثرت فيها حرارة النار .. لا يقدر الحيوان على أن يحوم حولها، فضلًا عن النفخ فيها، إلى أن تكون كالنار، أو عن إفراغ القطر عليها، وكأنه سبحانه صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك المباشرين للأعمال، وكان ما كان، والله على كل شيء قدير، كذا في "الإرشاد" أخذًا عن تفسير الإِمام. يقول الفقير: ليس ببعيد أن تكون المباشرة بالنفخ والصب من بعيد بطريق من طرق الحيل، ألا ترى أن نار نمرود لما كانت بحيث لا يقرب منها أحد .. عملوا المنجنيق، فألقوا به إبراهيم ﵇ فيها.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ بحذف التاء تخفيفًا، لقربها من الطاء، قرأ حمزة، وطلحة: بإدغامها في الطاء، كأنه أراد استطاعوا، فادغم التاء في الطاء، وهو إدغام على غير حده، وقال أبو علي: هي غير جائزة، وقرأ الأعمش عن أبي بكر: ﴿فما اصطاعوا﴾ بالإبدال من السين صادًا لأجل الطاء، قرأ الأعمش: ﴿فما استطاعوا﴾ بالتاء من غير حذف.
стр. 7355
٩٨ - ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين ﴿هَذَا﴾ السد ﴿رَحْمَةٌ﴾ عظيمةٌ ونعمةٌ جسيمةٌ ﴿مِنْ رَبِّي﴾ على كافة الخلق، لا سيما على مجاهديه، وفيه (١) إيذان بأنه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادةً، بل هو إحسان إلهي محض وإن ظهر بمباشرتي.
وقال ابن عطية (٢): والإشارة بهذا إلى الردم والقوة عليه والانتفاع به، وقال الزمخشري: إشارة إلى السد؛ أي: هذا السد نعمةٌ عظيمةٌ من الله تعالى، ورحمة منه على عباده، أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته، قيل: وفي الكلام حذف تقديره، فلما أكمل بناء السد، وامشوى واستحكم .. قال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ وقرأ ابن أبي عبلة ﴿هذه رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ بتأنيث اسم الإشارة.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، أي (٣): وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، وقيل: مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: موعود ربي وهو يوم القيامة، والمراد بمجيئه مجيء أشراطه وأماراته، من خروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدجال، ونزول عيسى ﵇. ونحو ذلك من أشراط يوم القيامة.
﴿جَعَلَهُ﴾؛ أي: جعل هذا السد المشار إليه بما تقدم مع متانته ﴿دَكَّاءَ﴾؛ أي: أرضًا مستويةً، والظاهر (٤) أن جعله بمعنى صيَّره، فدكًا: مفعول ثان، وقال الزمخشري: فإذا دنا (٥) مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي .. جعل السد دكًا؛ أي: مدكوكًا منبسطًا مستويًا بالأرض، وكل ما انبسط بعد ارتفاع .. فقد اندك. انتهى. وفيه بيان لعظمة قدرته تعالى بعد بيان سعة رحمته.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر (٦): ﴿دَكَّاً﴾ منونًا غير مهموز ولا ممدود، مصدر دككته، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي ﴿دَكَّاءَ﴾ ممدودةً مهموزةً بلا تنوين.
والمعنى: أي (٧) فإذا دنا وقت خروجهم من وراء السد .. جعل ربي ذلك
стр. 7356
السد بقدرته وسلطانه أرضًا مستويةً، فسلط عليه منهم أو من غيرهم من يهدمه، ويسوي به الأرض ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي﴾ بخروجهم وقت قرب الساعة ﴿حَقًّا﴾؛ أي: صدقًا ثابتًا لا ريب في تحقيقه واقعًا لا محالة فيه البتة، لا يتخلف، أو كان وعده بالثواب والعقاب، وهذا آخر قول ذي القرنين.
وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، ابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه ابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذين عليهم ارجعوا، فستفتحونه غدًا، فيعودون إليه أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم ارجعوا فستفتحونه غدًا - إن شاء الله تعالى - ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع مخضبةً بالدماء، فيقولون قهرنا من في الأرض، وعلونا من في السماء قسرًا وعلوًا، فيبعث الله تعالى عليهم نغفًا في أقفائهم، فيهلكون" قال رسول الله ﷺ : "فوالذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتبطر وتشكر شكراً من لحومهم".
وقد ثبت في "الصحيحين" من حديث زينب بنت جحش قالت: استيقظ رسول الله ﷺ من نومه وهو محمر الوجه، وهو يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه" وحلَّق قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون، قال: "نعم إذا كثر الخبث" وأخرجا نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعًا
٩٩ - قوله: ﴿وَتَرَكْنَا ...﴾ إلخ. من كلام الله سبحانه بعد انقضاء كلام ذي القرنين؛ أي: وصيَّرنا ﴿بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾؛ أي (١): صيَّرنا بعض يأجوج ومأجوج يوم خروجهم من السد يموج ويختلط ببعضهم الآخر
стр. 7357
من شدة الازدحام عند خروجهم، لكثرتهم، وذلك عقب موت الدجال، فينحاز عيسى ﵇ بالمؤمنين إلى جبل الطور فرارًا منهم. وروي: أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه، ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة والمدينة وبيت المقدس، ولا يصلون إلى من تحصَّن منهم بورد أو ذكر، ويُحبس نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار، فيتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء، فيسلط الله تعالى دودًا في أنوفهم أو آذانهم، فيموتون به، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه رممهم ونتنهم فيتوجه نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله تعالى، فيرسل عليهم طيرًا فتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطرًا يغسل الأرض حتى تصير كالمرآة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذٍ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الغنم والإبل، حتى إن اللقحة لتكفي الجماعة الكثيرة، فبينما هم كذلك إذ بعث الله تعالى عليهم ريحًا طيبةً، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ نفخة ثانية للبعث، وهو القرن الذي ينفخ فيه للبعث من القبور، والمراد بالنفخة هنا: النفخة الثانية التي عندها يكون الحشر، بمقتضى الفاء التي بعدها؛ لأن الفاء تشعر بذلك، ولم يذكر النفخة الأولى؛ لأن المقصود هنا ذكر أحوال القيامة.
والمعنى: نفخ إسرافيل في الصور أرواح الخلائق عند استعداد صور الأجساد لقبول الأرواح، كاستعداد الحشيش لقبوله الاشتعال، فتشتعل بأرواحها ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾؛ أي: جمعنا يأجوج ومأجوج وغيرهم ﴿جَمْعًا﴾؛ أي: جمعًا عجيبًا، لم نترك من الملك والإنس والجن والحيوانات أحدًا؛ أي: جمعنا الخلائق بعدما تفرقت أوصالهم وتمزقت أجسادهم في صعيد واحد للحساب والجزاء.
стр. 7358
الإعراب
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾: جار ومجرور متعلق به وهو في محل المفعول الثاني والجملة مستأنفة ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿السين﴾: حرف استقبال ﴿أتلو﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على محمد ﴿عليكم﴾ متعلق به ﴿منه﴾ حال من ﴿ذِكْرًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿ذِكْرًا﴾ مفعول به والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قُل﴾ ﴿إِنَّا﴾ إن حرف نصب ونا اسمها ﴿مَكَّنَّا﴾: فعل وفاعل ﴿لَهُ﴾: متعلق به وكذا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به أيضًا ومفعول ﴿مَكَّنَّا﴾ محذوف تقديره ﴿مَكَّنَّا لَهُ﴾ أمره من التصرف فيها كيف يشاء وجملة ﴿مَكَّنَّا﴾ في محل الرفع خبر إن وجملة إن: مستأنفة مسوقة لبيان الذكر المتلو عليهم ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: حال من سببا, لأنه صفة نكر قدمت عليها ﴿سَبَبًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿آتَيْنَا﴾ وجملة ﴿آتَيْنَا﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿مَكَّنَّا﴾.
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾.
﴿فَأَتْبَعَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية ﴿أَتْبَعَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿سَبَبًا﴾: مفعول به والجملة: معطوفة مفرعة على جملة ﴿آتَيْنَاهُ﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية ﴿إذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿بَلَغَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ مفعول به وجملة ﴿بَلَغَ﴾: في محل الجر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونا فعل شرط لها والظرف: متعلق بالجواب الآتي ﴿وَجَدَهَا﴾: فعل ومفعول أول وفاعله: ضمير يعود على ذي
стр. 7359
القرنين ﴿تَغْرُبُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الشمس ﴿فِي عَيْنٍ﴾: متعلق به ﴿حَمِئَةٍ﴾: صفة لـ ﴿عَيْنٍ﴾ وجملة ﴿تَغْرُبُ﴾: في محل النصب مفعول ثان أو حال من مفعول ﴿وَجَدَ﴾ وجملة ﴿وَجَدَ﴾ جواب ﴿إذَا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إذَا﴾: في محل الجر بحتى الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿أتبع﴾ والتقدير ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ إلى وجدانه الشمس غاربة ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ وقت بلوغه ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾. ﴿وَوَجَدَ﴾: فعل ماض معطوف على ﴿وَجَدَهَا﴾ وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿عِنْدَهَا﴾ متعلق بـ ﴿وجد﴾ ﴿قَوْمًا﴾ مفعول به ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة: جواب لشرط محذوف تقديره فلما وجدهم ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ الخ. وجملة الشرط المحذوف مستأنفة ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ ...﴾: منادى مضاف وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾ ونداء الله إياه إن كان نبيًا فبوحي وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي اهـ. بيضاوي. ﴿إِمَّا﴾: حرف تفصيل ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿تُعَذِّبَ﴾ فعل مضارع منصوب بأن وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة في تأويل مصدر مرفوع على كونه خبر مبتدأ محذوف تقديره إما الشأن فيهم تعذيبك إياهم أو على كونه مبتدأ خبره محذوف تقديره: إما تعذيبك إياهم واقع ومن شواهد الرفع قول الشاعر:
فَسِيْرُوْا فَإمَّا حَاجَةٌ تَقْضِيَانِهَا ... وَإِمَّا مَقِيْلٌ صَالِحٌ وَصَدِيْقُ
أو في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا لفعل محذوف، تقديره: إما فعلت التعذيب أو إختر إما: التعذيب ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذ﴾ معطوف على ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ ﴿فِيهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَتَّخِذَ﴾ أو مفعول ثان لـ ﴿تَتَّخِذَ﴾ و ﴿حُسْنًا﴾ مفعول أول.
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة مستأنفة ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿ظَلَمَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على من والجملة صلة الموصول ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أَمَّا﴾. ﴿سَوْفَ﴾: حرف استقبال ﴿نُعَذِّبُهُ﴾: فعل
стр. 7360
ومفعول وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ والجملة الاسمية جواب ﴿أَمَّا﴾: لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿أَمَّا﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿يُرَدُّ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعله ضمير يعود على من ﴿إِلَى رَبِّهِ﴾: متعلق به والجملة معطوفة على جملة نعذبه ﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب ﴿يُعَذِّبُهُ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله ﴿عَذَابًا﴾ مفعول مطلق ﴿نُكْرًا﴾: صفة له وجملة يعذب معطوفة على جملة ﴿يُرَدُّ﴾.
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾.
﴿وَأَمَّا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿آمَنَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على من والجملة صلة الموصول ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به أو صفة لمصدر محذوف أي عملًا صالحًا والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَ﴾. ﴿فَلَهُ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب أما له خبر مقدم ﴿جَزَاءً﴾: حال من ﴿الْحُسْنَى﴾. ﴿الْحُسْنَى﴾ مبتدأ مؤخر؛ أي: فالحسنى كائنة له حالة كونه مجزيًا بها، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر من الموصولة والجملة الاسمية جواب أما لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿أَمَّا﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَمَّا﴾: الأولى ﴿وَسَنَقُولُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿نقول﴾ ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿يُسْرًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿يُسْرًا﴾ مفعول به أو مفعول مطلق لأنه صفة لمصدر محذوف والتقدير سنقول له من أمرنا قولًا يسرًا وجملة ﴿نقول﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة قوله ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ على كونها خبرًا لمن الموصولة.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾.
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿أَتْبَعَ سَبَبًا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول والجملة: معطوفة على جملة قوله ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ السابق ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية
стр. 7361
﴿إِذَا﴾ ظرف لما يسشقبل من الزمان ﴿بَلَغَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾: مفعول به والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿وَجَدَهَا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لا من الإعراب وجملة إذا في محل الجر بحتى وحتى متعلقة بـ ﴿أَتْبَعَ﴾ والتقدير: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ إلى وجدانه الشمس طالعة على قوم وقت بلوغه ﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾. ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿تَطْلُعُ﴾ وجملة ﴿تَطْلُعُ﴾ في محل النصب حال من مفعول وجد أو مفعول ثان لوجد ﴿لَمْ﴾ حرف جزم ﴿نَجْعَلْ﴾: مجزوم بلم وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لجعل ﴿مِنْ دُونِهَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿سِتْرًا﴾. ﴿سِتْرًا﴾ مفعول أول لجعل وجملة نجعل في محل الجر صفة لقوم.
﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾
﴿كَذَلِكَ﴾ جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره الأمر كائن كذلك والجملة مستأنفة؛ أي: أمر ذي القرنين كائن كما وصفناه من بلوغه مغرب الشمس وبلوغه مطلع الشمس وبسطة الملك له. ﴿وَقَدْ﴾ الواو: استئنافية ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿أَحَطْنَا﴾: فعل وفاعل والجملة مستأنفة أو حالية أو معطوفة ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بأحطنا ﴿لَدَيْهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة الموصول ﴿خُبْرًا﴾: تمييز محول عن فاعل ﴿أَحَطْنَا﴾؛ أي: وقد أحاط علمنا بما لديه.
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾
﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿أَتْبَعَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿سَبَبًا﴾: مفعول به والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿بَلَغَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ مفعول به والجملة في محل
стр. 7362
الجر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿وَجَدَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿مِنْ دُونِهِمَا﴾: مفعول ثان لوجد ﴿قَوْمًا﴾ مفعول أول له وجملة ﴿وَجَدَ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر بحتى و ﴿حَتَّى﴾ متعلق بـ ﴿أَتْبَعَ﴾ والتقدير ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)﴾ إلى وجدانه ﴿قَوْمًا﴾ من دون السدين وقت بلوغه بينهما ﴿لَا يَكَادُونَ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة في محل النصب خبر كاد وجملة كاد في محل النصب صفة ﴿قَوْمًا﴾.
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل و ﴿الواو﴾: ضمير يعود على أولئك القوم والجملة مستأنفة ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي, وإن شئت قلت: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾: منادى مضاف وجملة النداء: في محل النصب مقول قال ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ﴾: ناصب واسمه ﴿وَمَأْجُوجَ﴾. معطوف على يأجوج ﴿مُفْسِدُونَ﴾: خبر إن ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول قال على كونها جواب النداء ﴿فَهَلْ﴾ ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتفريع ﴿هل﴾ حرف استفهام استخباري ﴿نَجْعَلُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على أولئك القوم ﴿هَلْ﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لجعل ﴿خَرْجًا﴾: مفعول أول والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة إن ﴿عَلَى﴾ حرف جر ﴿أَنْ تَجْعَلَ﴾: ناصب وفعل منصوب وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿بَيْنَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه في محل المفعول الثاني لتجعل ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾ معطوف على ﴿بَيْنَنَا﴾ ﴿سَدًّا﴾: مفعول أول لتجعل وجملة تجعل مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بعلى تقديره: على جعلك سدًا بيننا وبينهم الجار والمجرور: متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿خَرْجًا﴾ تقديره: خرجا قائمًا على شرط جعلك سدًا بيننا وبينهم.
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة مستأنفة
стр. 7363
﴿مَا مَكَّنِّي﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾: مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿مَكَّنِّي﴾ فعل ماض، ونون وقاية، وياء مفعول ﴿فِيهِ﴾ متعلق به ﴿رَبِّي﴾ فاعل والجملة صلة الموصول ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَعِينُونِي﴾ الفاء: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفتم ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: أعينوني. ﴿فَأَعِينُونِي﴾ فعل وفاعل ونون وقاية وياء مفعول ﴿بِقُوَّةٍ﴾ متعلق به والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول قال ﴿أَجْعَلْ﴾ فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿بَيْنَكُمْ﴾ ظرف في محل المفعول الثاني لـ ﴿أَجْعَلْ﴾ ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾ معطوف عليه ﴿رَدمًا﴾ مفعول أول لأجعل والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب الطلب.
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾.
﴿آتُونِي﴾ فعل أمر وفاعل ونون وقاية والياء مفعول أول ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: مفعول ثان، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مفسرة لأعينوني ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية متعلقة بمحذوف تقديره. فجاؤوه بما طلب فبنى وجعل ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ الفحم والحطب حتى ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ وسد ما بين الجبلين إلى أعلاهما ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ ... إلخ. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿سَاوَى﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها والظرف: متعلق بالجواب الآتي ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: مفعول به لـ ﴿سَاوَى﴾ كما مر في مبحث التفسير، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة إذا في محل الجر بحتى تقديره وجعل بين الصدفين الفحم والحطب والحديد إلى قوله لهم: ﴿انْفُخُوا﴾ وقت مساواته ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾. ﴿انْفُخُوا﴾: فعل وفاعل والجملة في محل النصب مقول قال ﴿حَتَّى﴾ حرف جر
стр. 7364
وغاية ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿جَعَلَهُ نَارًا﴾ فعل ومفعولان وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة: في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها والظرف متعلق بالجواب الآتي ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر بحتى تقديره إلى قوله آتوني وقت جعله إياه نارًا الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾. ﴿آتُونِي﴾: فعل أمر وفاعل ونون وقاية ومفعول أول والمفعول الثاني محذوف لدلالة العامل الثاني عليه لأن المسألة من باب التنازع تقديره ﴿آتُونِي﴾ قطرًا والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أُفْرِغْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به ﴿قِطْرًا﴾: مفعول به لـ ﴿أُفْرِغْ﴾ والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب الطلب، فأُعمل الثاني هنا على مذهب البصريين لقربه، ولو أعمل الأول لقيل آتوني أفرغه عليه قطرا.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره فجاء قوم يأجوج ومأجوج بعد أن أنهى بناءه وتسويته يحاولون أن يعلوه أو يثقبوه فما اسطاعوا والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿ما﴾ نافية ﴿اسْطَاعُوا﴾ فعل ماض وفاعل ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل ومفعول به والجملة في تأويل مصدر على المفعولية والتقدير فما اسطاعوا ظهورهم إياه والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ فعل وفاعل ﴿لَهُ﴾: متعلق به ﴿نَقْبًا﴾: مفعول به والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ذي القرنين والجملة: مستأنفة ﴿هَذَا رَحْمَةٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿مِنْ رَبِّي﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿رَحْمَةٌ﴾ والجملة الإسمية في محل النصب مقول قال ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على
стр. 7365
كونها فعل شرط لها والظرف: متعلق بالجواب الآتي ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعولان والجملة: جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة على كونها مقول قال ﴿وَكَانَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة أو حالية ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾: فعل ناقص واسمه ومضاف إليه وخبره والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إذا﴾ أو على جملة جوابها أو حال من فاعل ﴿جَاءَ﴾.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾.
﴿وَتَرَكْنَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله والتنوين في إذ عوض عن الجملة المحذوفة كما مر تقديره؛ أي: يوم إذ يدك السد أو يوم إذ يخرج يأجوج ومأجوج والظرف متعلق بـ ﴿يَمُوجُ﴾ أي: ﴿يَمُوجُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على بعضهم ﴿فِي بَعْضٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَمُوجُ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿تَرَكْنَا﴾ لأن ترك هنا من أفعال التصيير وجملة ﴿تَرَكْنَا﴾: مستأنفة. ﴿وَنُفِخَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿فِي الصُّورِ﴾ جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿نفخ﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿تَرَكْنَا﴾ ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿جَمْعًا﴾: مفعول مطلق ﴿والفاء﴾: عاطفة والجملة: معطوفة على جملة ﴿نفخ﴾. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: نبأً مذكورًا، وهو القرآن ﴿مَكَّنَّا لَهُ﴾ يقال: مكنه ومكن له، كنصحه ونصح له؛ أي: مهد له الأسباب، وجعله قادرًا على التصرف في الأرض، من حيث التدبير والرأي.
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ قد سبق لك في مبحث القراءة، أن نافعًا، وابن كثير، وأبا عامر، وابن عامر قرؤوا ﴿فَأَتْبَعَ﴾ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ في المواضع كلها، بهمزة وصل، وتشديد التاء من افتعل الخماسيِّ، والباقون بقطع الهمزة وسكون التاء من أتبع الرباعي، فقيل: هما بمعنى واحد فيتعديان لمفعول واحد، وقيل ﴿أتبع﴾
стр. 7366
بالقطع متعد لاثنين حذف أحدهما تقديره ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ سببًا آخر أو فأتبع أمره سببًا. ومنه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ فعداه لاثنين، ومن حذف أحد المفعولين قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾؛ أي: أتبعوا جنودهم، واختار أبو عبيد ﴿اتَّبع﴾ بالوصل، قال: لأنه من المسير، قال: تقول: تبعت القوم واتبعتهم، فأما الإتباع بالقطع فمعناه اللحاق، كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وقال يونس، وأبو زيد: ﴿أتبع﴾ بالقطع، عبارة عن المجد المسرع الحثيث الطلب، وبالوصل إنصا يتضمن الاقتفاء دون هذه الصفات. اهـ "سمين".
﴿سَبَبًا﴾؛ أي: طريقًا يوصله إليه، من علم أو قدرة أو آلة ﴿حَمِئَةٍ﴾؛ أي: ذات حمئة، وهي الطين الأسود، وفي "المصباح" والحمأة بسكون الميم: طين أسود، وحمئت البئر حمأً، من باب تعب، صار فيها الحمأة، وحميت الحديدة تحمى، من باب تعب فهي حامية، إذا اشتد حرها بالنار، ويتعدى بالهمزة فيقال: أحميتها فهي محماة، ولا يقال: حميتها بغير ألف. اهـ والعين الحمئة: ماء يجري على الطين الأسود.
﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾: بكسر الراء؛ أي: مكان غروبها، والقياس: فتحها لأن القاعدة (١) عند الصرفيين: أن كل فعل ثلاثي متصرف، لا يأتي مضارعه على وزن يفعل بكسر العين، بل يأتي على يفعل بضمها، أو على يفعل بفتحها ككرم يكرم، ونصر ينصر، وفرح يفرح، وغرب يغرب، وطلع يطلع، قياس مفعله فتح الميم والعين مع سكون فائه، سواء أريد به المصدر، أو الزمان أو المكان، والكسر فيه شاذ كما قال ابن مالك في "لامية الأفعال":
مِنْ ذِيْ الثَّلاثَةِ لاَ يَفْعَلْ لَهُ إئت بمفـ ... ـعل مَصْدَرَ أَو مَا فِيهِ قَدْ عَمِلاَ
﴿حُسْنًا﴾؛ أي: أمرًا ذا حسن ﴿نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا فظيعاً ﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: المثوبة الحسنى ﴿يُسْرًا﴾؛ أي: سهلًا ميسرًا غير شاق ﴿سِتْرًا﴾؛ أي: بناءً، وكانوا إذا طلعت الشمس تغوَّروا في المياه، وإذا غربت خرجوا ﴿خُبْرًا﴾؛ أي: علمًا
стр. 7367
يتعلق بظواهره وخفاياه ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾؛ أي: بين الجبلين، ويُروى: أن ذا القرنين سد ما بينهما، وإطلاق السد على الجبل لأنه سد في الجملة، وفي "القاموس": السد الجبل الحاجز، أو لكونه ملاصقاً للسد، فهو مجاز علاقته المجاورة، والقول الثاني هو المناسب لما قبله. اهـ "شهاب".
﴿يَفْقَهُونَ﴾ يفهمون ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ اسمان أعجميان، بدليل منع الصرف فيهما للعلمية والعجمة، وقيل: بل هما عربيان، واختلف في اشتقاقهما، فقيل: من أجيج النار، وهو التهابها وشدة توقدها، وقيل: من الأوجة، وهي الأخلاط، أو شدة الحر، وقيل: من الأوج، وهو سرعة العدو، وإنما منعا من الصرف، للعلمية والتأنيث، وكلاهما من أج الظليم، إذا أسرع، أو من أجت النار، إذا التهبت، ﴿خَرْجًا﴾؛ أي: جعلًا من أموالنا والخراج: ما لزمك أداؤه ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بما يتقوى به على المقصود من الآلات والناس ﴿رَدْمًا﴾ والردم أكبر من السد وأوثق منه، يقال: ثوب مردم؛ أي: فيه رقاع فوق رقاع.
﴿آتُونِي﴾ قرأ أبو بكر (١) ﴿ائتوني﴾ بهمزة وصل، من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة، بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني من غير خلاف عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما، فزبر على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض؛ أي: جيئوني بزبر الحديد وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكر يحتاج إلى كسر التنوين، من ﴿رَدْمًا﴾ لالتقاء الساكنين؛ لأن همزة الوصل تسقط درجا، فيقرأ له بكسر التنوين وبعده همزة ساكنة هي فاء الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمة ائتوني في قراءتِهِ وفي قراءة حمزة .. تبدأ بهمزة مكسورة للوصل، ثم ياء صريحة هي بدل عن همزة فاء الكلمة، وفي الدرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة لزوال موجب إبدالها، والباقون يبتدئون ويصلون بهمزة مفتوحة، لأنها همزة قطع ويتركون تنوين ﴿رَدْمًا﴾ على حاله من السكون، هذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء.
стр. 7368
﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾؛ أي: قطع الحديد، جمع زبرة كغرفة وغرف ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ بفتحتين وضمتين أيضًا، وضم الأول وسكون الثاني، وقد قرىء بالثلاث جميعًا، مثنى صدف بفتحتين، وصدف بضمتين، وصدف بضم الأول وفتح الثاني، وبالعكس منقطع الجبل، أو ناصيته، وقد سميا بذلك لأنهما يتقابلان وفي زاده وسميت كل ناحية من الجبلين صدفاً لكونه مصادفاً، ومقابلاً للآخر من قولك صادفت الرجل؛ أي: لقيته اهـ.
﴿قِطْرًا﴾؛ أي: نحاسًا مذابًا، فالقطر بكسر فسكون النحاس المذاب على الحديد المحمى، وقيل: رصاصًا مذابًا ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾؛ أي: أن يعلوه ويرقوا فوقه لارتفاعه وملاسته ﴿رَحْمَةٌ﴾؛ أي: أثر رحمة ﴿دَكَّاءَ﴾؛ أي: مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها، والمراد بها: الأرض المستوية ﴿حَقًّا﴾ ثابتًا واقعًا لا محالة ﴿يَمُوجُ﴾؛ أي: يضطرب اضطراب البحر ﴿الصُّورِ﴾ قرن ينفخ فيه والبوق.
فائدة في مبحث اسْطاع: قالوا: الأصل في اسطاع واستطاع أن التاء حذفت تخفيفًا، وفتحت همزة الوصل وقطعت، وهو قول الفراء، وفي استطاع لغات: اسطاع يستطيع، بفتح الهمزة في الماضي وضم حرف المضارعة، فهو أطاع يطيع، وأصله يطوع بقلب الفتحة من الواو إلى الطاء في أطوع، إعلالاً له حملاً على الماضي، فصار أطاع، ثم دخلت السين كالعوض من عين الفعل، هذا مذهب سيبويه، واللغة الثانية استطاع يستطيع بكسر الهمزة في الماضي ووصلها، وفتح حرف المضارعة، وهو استفعل نحو استقام واستعان.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع.
فمنها: تكرار ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿مَغرِبَ﴾ و ﴿مَطْلِعَ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿مَغْرِبَ﴾ و ﴿تَغْرُبُ﴾ و ﴿مَطْلِعَ﴾ و ﴿تَطْلُعُ﴾.
стр. 7369
ومنها: التفصيل أو التخيير في قوله: ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥)﴾ لأن السبب حقيقة في الحبل، فاستعير هنا لكل ما يُتوصل به إلى المقصود من الآلات والعملة وآلات السير وكثرة الجند.
ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ مقابل قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ...﴾ الآية.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾؛ أي: بين الجبلين؛ لأن السد حقيقة في الحاجز المبني، فاستعماله في الجبل مجاز، علاقته المجاورة.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ أي: كالنار في الحرارة وشدة الاحمرار، وحذفت أداة التشبيه فأصبح بليغًا.
ومنها: التفنن في قوله: ﴿رَدْمًا﴾ لأنه بمعنى سداً، إلا أنه أبلغ منه في المعنى.
ومنها: استعمال الماضي في المستقبل، في قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ لأن الاستطاعة المنفية مستقبلة بالنظر إلى وقت القول.
ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ شبههم لكثرتهم وتداخل بعضهم في بعض، بموج البحر المتلاطم، واستعار لفظ يموج لذلك الاختلاط، ففيه استعارة تبعية، والاستعارة هنا من نوع استعارة محسوس لمحسوس، كما هو من أقسام الاستعارة، فإن أصل الموج تحريك المياه، فاستعير لحركة يأجوج ومأجوج، أو لحركة الخلق كلهم، لاشتراك المستعار والمستعار له في الحركة، وهي استعارة مكنية تبعية.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 7370
قال الله سبحانه جلَّ وعلا:
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾
المناسبة
قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن الله ، لما ذكر (١) أنه إذا جاء يوم القيامة ينفخ في الصور لقيام الخلق من قبورهم، بعد أن تقطعت أوصالهم، وتمزقت أجسامهم، وجمعهم في صعيد واحد للحساب والجزاء .. أردف ذلك ببيان أنه إذ ذاك يُبرز النار للكافرين، بحيث يرونها ويسمعون لها تغيظًا وزفيرًا، وفي ذلك تعجيل الهم والحزن لهم، من قبل أنهم تعاموا وتصاموا عن قبول الهدى واتباع الحق، وحسبوا أن اتخاذهم أولياء من دون الله ينجيهم من عذابه، وأن ما عملوه من تلك الأعمال الباطلة نافع لهم، وكل ذلك وهم وخيال، فلا فائدة منه في ذلك اليوم ولا نقيم لهم إذ ذاك وزنًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (٢) ما أعده للكافرين من العذاب
стр. 7371
في جهنم جزاء كفرهم بربهم، واستهزائهم برسله وآياته .. أردف ذلك بما يرغِّب المؤمنين في العمل الصالح، من جنات تجري من تحتها الأنهار، جزاءً وفاقًا على إنابتهم إليه، وإخباتهم له، ثم ختم السورة ببيان حال القرآن الذي ذكر فيه الدلائل والبينات على وحدانيته، وإرساله الرسل، والبعث والجزاء، للدلالة على عظيم فضله، ومزيد إنعامه، ثم أعقب ذلك ببيان أن العمل لا يُتقبل إلا إذا صاحَبَهُ أمران: أن يكون خالصًا لوجهه تعالى، وأن يكون مبرءًا من الشرك الخفي والجلي.
أسباب النزول
قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه (١) الحاكم وغيره، عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ وقال اليهود: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي ...﴾ إلخ. الآية.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّه ...﴾ الآية، أخرج ابن أبي حاتم، وابن أبي الدنيا في كتاب "الإخلاص" عن طاووس قال: قال رجل: يا رسول الله إني أقف أريد وجه الله وأحب أن يُرى موطني، فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ مرسل وأخرجه الحاكم في "المستدرك" موصولًا، عن طاووس، عن ابن عباس صححه على شرط الشيخين.
وأخرج (٢) ابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: كان رجل من المسلمين يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه فأنزل الله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّه ...﴾. الآية.
стр. 7372
وأخرج أبو نعيم، وابن عساكر في تاريخه، من طريق السدى الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: قال جندب عن زهير: إذا صلى الرجل، أو صام، أو تصدق، فذُكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس له فنزلت في تلك ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١٠٠ - ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ أبرزنا نار جهنم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ نفخ في الصور، وجمعناهم جمعًا وأظهرناها ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ باللهِ وبرسله ﴿عَرْضًا﴾ هائلاً وإظهارًا عجيبًا، لا يُعرف كنهه حتى يروا أهوالها، وشديد نكالها، ويسمعوا لها تغيظًا وزفيرًا، وفي هذا تعجيل للهم والحزن لهم، ومعرفة أنهم مواقعوها، ولا يجدون عنها مصرفا.
وتخصيص العرض بالكافرين (١)، مع أنها بمرىءً من أهل الجمع قاطبةً، لأن ذلك لأجلهم خاصةً، وهذا العرض يجري مجرى العقاب لهم من أول الأمر، لما يتداخلهم من الغم العظيم
١٠١ - ﴿الَّذِينَ﴾ الموصول مع صلته نعت للكافرين، أو بدل ولذا لا وقف على عرضا، كما في "الكواشي" ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ أي: أعين قلوبهم، وهم في الدنيا ﴿فِي غِطَاءٍ﴾؛ أي: في غلاف وغيظ وأغشية كثيفة، محاطة بذلك من جميع الجوانب، والغطاء: ما يغطي الشيء ويستره ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ على وجه يليق بي، وعن كتابي فلا يهتدون به؛ أي: في غطاء عن الآيات المؤدية لأولي الأبصار المتدبرين فيها إلى ذكري بالتوحيد والتمجيد، كما قيل:
فَفِي كَلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
﴿وَكَانُوا﴾ مع ذلك ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يقدرون لفرط تصاممهم عن الحق، وكمال عداوتهم للرسول ﷺ ﴿سَمْعًا﴾؛ أي: استماعًا لذكري وكلامي وقرآني، فلا يؤمنون به، يعني: أن حالهم أعظم من الصمم، فإن الأصم قد يستطيع السمع إذا
стр. 7373
صيح به، وهؤلاء زالت عنهم تلك الاستطاعة.
والمعنى (١): أن هذا العذاب إنما نالهم من جراء أنهم كانوا لا ينظرون في آيات الله، فيتفكروا فيها، ولا يتأملون حججه، فيعتبروا بها وينيبوا إلى ربهم، وينقادوا لأمره ونهيه، وكانوا لا يطيقون أن يسمعوا ذكر الله، الذي ذكرهم به، وبيانه الذي بيِّنه لهم في آي كتابه، فتغافلوا وتعاموا، وتصاموا عن قبول الهدي، واتباع الحق كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ ذاك أنهم لما دنسوا أنفسهم باجتراح الذنوب والآثام، وأطاعوا وساوس الشيطان وما نصبه لهم من الحبائل .. طبع الله على قلوبهم، وجعل على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة،
١٠٢ - ثم بيَّن أن ما اعتمدوا عليه من المعبودات لا يجديهم نفعًا، فقال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والهمزة فيه للتوبيخ والتقريع المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والحسبان هنا بمعنى الظن، والتقدير أَكفروا بي (٢) مع جلالة شأني، فحسبوا وظنوا ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾ من الملائكة، وعيسى وعزير، وهم تحت سلطاني وملكوتي ﴿مِنْ دُونِي﴾ مجاوزين إيّاي؛ أي: تاركين عبادتي ﴿أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: معبودين ينصرونهم من بأسي، والمعنى: أظنوا أن ذلك الاتخاذ ينفعهم، أو يرفع عنهم ما يحل بهم من النكال والوبال، وخلاصة هذا: أظنوا أن ذلك الاتخاذ ينفعهم وأنه لا يغضبني؟ كلا.
وقرأ علي بن أبي طالب (٣)، وزيد بن علي بن الحسين، ويحيى بن يعمر، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ونعيم بن ميسرة، والضحاك، وابن أبي ليلى، وابن كثير، ويعقوب بخلاف عنهما، وابن محيصن، وأبو حيوة، والشافعي، ومسعود بن صالح ﴿أَفَحَسِبَ﴾ بإسكان السين وضم الباء مضافًا إلى الذين؛ أي: أفكفايتهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء، على أنه مبتدأ وخبر، يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.
стр. 7374
ثم أكد هذا الإنكار بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾؛ أي: أعددنا وهيأنا ﴿جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ﴾ المعهودين ﴿نُزُلًا﴾ وهو ما يعد للنزيل والضيف؛ أي: أحضرنا جهنم للكافرين، كالنزل المعد للضيف، وفيه تهكم بهم، كقولهم: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والمعنى: إن جهنم معدة لهم عندنا، كما يعد النزاع للضيف؛ أي (١): إنا هيأنا لهؤلاء الكافرين جهنم عوضًا مما أعدوه لأنفسهم من الأولياء الذين اتخذوهم زادًا ليوم المعاد، والخلاصة: إنا أعتدنا لهم مكان ما أعدوا لأنفسهم من العدة والذخر عُدةً، هي جهنم وبئس المصير.
وقرأ أبو حيوة، وأبو عمرو بخلاف عنه ﴿نزْلاً﴾ بسكون الزاي وفي ذلك تهكم بهم، وتخطئة لهم في حسبانهم ذلك، وإيماء إلى أن لهم وراء جهنم ألوان أخرى من العذاب، وما جهنم إلا أنموذج منه.
وفي الآية (٢): إشارة إلى أن من ادعى محبة الله وولاءه، لا يتخذ من دون الله أولياء، أيًا كان، إذ لا يجتمع ولاية الحق وولاية الخلق، ومن كفر بنعمة الولاء واتخذ من دون الله أولياء، فله جهنم البعد والقطيعة أبدًا.
١٠٣ - ثم ذكر سبحانه ما فيه تنبيه إلى جهلهم فقال: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يجادلونك بالباطل من أهل الكتابين، اليهود والنصارى، ومن المشركين ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أيها الكفرة؛ أي: هل نخبركم أنا ومن تبعني من المؤمنين ﴿بِالْأَخْسَرِينَ﴾ في الآخرة ﴿أَعْمَالًا﴾ نصب على التمييز والجمع، للإيذان بتنوعها؛ أي: بالقوم الذين هم أشد الخلق وأعظمهم خسراناً فيما عملوا، قال في "الإرشاد" هذا بيان حال الكفرة باعتبار ما صدر عنهم من الأعمال الحسنة في أنفسها، من صلة الرحم، وإطعام الفقراء، وعتق الرقاب ونحوها، وفي حسبانهم أيضًا حيث كانوا معجبين بها، واثقين بنيل ثوابها، ومشاهدة آثارها غِبَّ بيان حالهم باعتبار أعمالهم السيئة في أنفسها، مع كونها حسنة في حسبانهم. انتهى.
وقال في "البحر": والأخسر من أتعب نفسه بعمل فأدى تعبه به إلى النار،
стр. 7375
نعوذ بالله من ذلك
١٠٤ - ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: هم الذين ضل؛ أي: ضاع وبطل سعيهم وجهدهم في إقامة الأعمال الحسنة ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بالسعي لا بالضلالة، لأن بطلان سعيهم غير مختص بالدنيا ﴿وَهُمْ﴾ أي: ضل سعيهم والحال أنهم ﴿يَحْسَبُونَ﴾؛ أي: يظنون ﴿أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾؛ أي: يعملون عملًا ينفعهم في الآخرة؛ أي (١): يحسبون أنهم يعملون ذلك، على الوجه اللائق، وذلك لإعجابهم بأعمالهم التي سعوا في إقامتها، وكابدوا في تحصيلها.
وفي الآية: إشارة إلى أهل الأهواء والبدع، وأهل الرياء والسمعة، فإن اليسير من الرياء شرك، وان الشرك محبط الأعمال، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ والمعنى (٢): قل لهم يا محمَّد: هل نخبركم بالذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبغون به ثوابًا وفضلًا، فنالوا به هلاكًا وبوارًا، كالمشتري سلعةً يرجو بها ربحًا، فخاب رجاؤه، وخسر بيعته، ووكس في الذي رجا فضله.
وخلاصة ذلك: أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به، وظنوا أنهم بفعلهم هذا مطيعون له، وأنهم يحسنون صنعًا، ثم استبان لهم أنهم كانوا مخطئين، وفي ضلال مبين، وأن سعيهم الذي سعوه في الدنيا ذهب هباءً، فلم يجدهم نقيرًا ولا قطميرًا.
١٠٥ - ثم بيَّن السبب في بطلان سعيهم فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر من ضلال سعيهم مع الحسبان المذكور هم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: بدلائله الداعية إلى توحيده عقلًا ونقلاً ﴿و﴾ كفروا بـ ﴿لِقَائِهِ﴾ بالبعث وما يتبعه من أمور الآخرة، على ما هي عليه ﴿فَحَبِطَتْ﴾؛ أي: ضاعت وبطلت بذلك ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ التي عملوها مما يحسبونها حسنة حبوطًا كليًا، فلا يثابون عليها، وذلك خسران وضلالٌ مبين.
وقرأ ابن عباس وأبو السمال (٣): ﴿فحبطت﴾ بفتح الباء، والجمهور
стр. 7376
بكسرها، ثم حكم عليهم بقوله: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ﴾؛ أي: فلا نجعل لأولئك الموصوفين بما مر من حبوط الأعمال ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ وقدرًا؛ أي (١): فنزدري بهم، ولا نجعل لهم مقدارًا واعتبارًا، لأن مداره الأعمال الصالحة، وقد حبطت بالمرة، ولما كان هذا الازدراء من عواقب حبوط الأعمال .. عطف عليه بطريق التفريع، وأما ما هو من أجزية الكفر، فسيجيء بعد ذلك.
والمعنى (٢): أن هؤلاء الأخسرين أعمالاً، هم الذين كفروا بالدلائل المنبثة في الآفاق والأنفس، التي تدعو إلى توحيده، وكفروا بالبعث والحساب، وما يتبع ذلك من أمور الآخرة، ومن ثم حبطت أعمالهم، فلم يكن لها ثواب ينفع أصحابها، بل لهم منها عذاب وخزي طويل، ولا تثقل بها موازينهم؛ لأن الموازين إنما تثقل بالأعمال الصالحة، وليس لهم منها شيء.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿فَلَا نُقِيمُ﴾ بالنون ﴿وَزْنًا﴾ بالنصب، ومجاهد، وعبيد بن عمير ﴿فَلَا نُقِيمُ﴾ بالياء لتقدم قوله ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ وعن عبيد أيضًا ﴿يقوم﴾ بفتح الياء كأنه جعل قام متعدياً، وعن مجاهد، وابن محيصن، ويعقوب بخلاف عنهم ﴿فلا يقوم﴾ مضارع قام ﴿وزنٌ﴾ مرفوع به وعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة" وقال: "اقرؤوا - إن شئتم -: فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنًا" متفق عليه.
١٠٦ - ثم بيَّن مآلهم بسبب كفرهم، وسائر معاصيهم إثر بيان أعمالهم المحبطة بذلك الكفر فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة (٤) إلى ما ذكر، من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم عند الله، فاسم الإشارة خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: الأمر ذلك؛ أي: أمر هؤلاء المذكورين، وشأنهم ذلك الذي ذكرناه، وقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ جملة مستأنفة مسوقة لبيان جزائهم؛ أي: جزاء هؤلاء المذكورين نار جهنم، وقيل:
стр. 7377
المعنى: ذلك التصغير لهم، وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال، ذكره ابن الجوزي ﴿بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ الدالة على وحدانيتي ﴿وَرُسُلِي﴾ المؤيدين بالمعجزات ﴿هُزُوًا﴾؛ أي: مهزوءاً بها؛ أي: جزاؤهم (١) جهنم بسبب كفرهم وإنكارهم لما يجب إيمانهم وإقرارهم به، واتخاذهم القرآن وغيره من الكتب الإلهية ورسل الله وأنبيائه سخرية واستهزاء، وهذا من قبيل الوصف بالمصدر للمبالغة، يعني: أنهم بالغوا في الاستهزاء بآيات الله ورسله، فكأنهم جعلوها وإياهم عين الاستهزاء، أو المعنى مهزوءاً بهما كما مر، أو مكان هزء
١٠٧ - ثم ذكر سبحانه بعد هذا الوعيد لهؤلاء الكفار، الوعد للمؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بآيات ربهم ولقائه في الدنيا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من الأعمال وهي ما كانت خالصةً لوجه الله تعالى ﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ في علم الله تعالى في الأزل، وإنما قدرنا ذلك جوابًا عما يقال المقام للمضارع، فما وجه المعنى هنا؟
وحاصل الجواب: أن الكينونة المذكورة بحسب علم الله الأزلي وإن كانت الكينونة المقارنة بالدخول ستحصل، ذكره في "الفتوحات" ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾؛ أي: ثمار بساتين الفردوس ﴿نُزُلًا﴾ معدًا لهم مبالغةً في إكرامهم حالة كونهم
١٠٨ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: مقدرين الخلود في تلك الجنات حالة كونهم ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ مصدر كالصغر؛ أي: لا يطلبون تحولاً وانتقالاً عنها إلى غيرها، كما ينتقل الرجل في الدنيا من دار إذا لم توافقه إلى دار، إذ لا مزيد عليها وفيها كل المطالب، والمراد بنفي التحويل تأكيد الخلود، والفردوس (٢): ربوة خضراء في الجنة أعلاها وأحسنها، يقال: لها سرة الجنة، وفي حديث (٣) عبادة: "الفردوس أعلاها"؛ يعني: أعلى الجنة، قال قتادة: وربوتها ومنها تفجر أنهار الجنة، قال أبو هريرة: جبل تتفجر منه أنهار الجنة، وفي حديث أبي أمامة "الفردوس سرة الجنة" قال المبرد: الفردوس فيما سمعت من كلام العرب: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وقال مجاهد: الفردوس البستان باللغة الرومية، واختار
стр. 7378
الزجاج ما قاله مجاهد.
ومعنى الآي: أي (١) إن الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا صالح الأعمال، ابتغاء المثوبة من ربهم، لم بساتين الفردوس في أعلى الجنة وأوسطها منزلًا، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس فإنها أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقها عرش الرحمن ﵎ ومنه تفجر الأنهار".
حالة كونهم خالدين ولابثين فيها أبدًا، لا يبغون تحولاً عنها إلى غيرها، قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه، إلى دار أخرى، وخلاصة هذا: أنه لا مكان أعز منها عندهم، ولا أرفع شأنًا. حتى تنازعهم إليه أنفسهم، وتطمح إليه أبصارهم،
١٠٩ - ثم نبه إلى عظيم شأن القرآن بقوله: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء المجادلين لك ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾؛ أي: جنس ماء البحر ﴿مِدَادًا﴾ وحبرًا ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾؛ أي: لكتابتها وهي حكمه وعجائبه، والكلمات هي: العبارات عنها كما في "الجلالين" ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾؛ أي: لفنى جنس ماء البحر بأسره، مع كثرته ولم يبق فيه شيء؛ لأن كل جسم متناه ﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ وتفنى ﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾؛ أي: من غير (٢) أن تفنى معلوماته وحكمه، فإنها غير متناهية لا تنفد، كعلمه فلا دلالة للكلام على نفادها بعد نفاد البحر.
و ﴿قَبْلَ﴾ هنا بمعنى غير أو بمعنى دون، وإنما اختار جمع القلة على الكثرة، وهي الكلم - تنبيهًا على أن ذلك لا يقابل بالقليل، فكيف بالكثير كما في "بحر العلوم" ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾؛ أي: بمثل ماء البحر الموجود ﴿مَدَدًا﴾ تمييز؛ أي: زيادة ومعونة .. ما نفدت كلمات - الله تعالى - لأن كلمات الله غير متناهية، فلا نفاد لها، فحذف جواب الشرط الثاني لدلالة الأول عليه، والواو (٣) لعطف ما بعده على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها؛ أي: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾
стр. 7379
كلماته لو لم يجىء بمثله مددًا ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
والمعنى (١): قل لهم أيها الرسول: لو كان ماء البحر مددًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربي وعلومه .. لنفد ماء البحر قبل أن تنفد تلك الكلمات ولو مددنا ماء البحر بمثل ما فيه من الماء مددًا وعونًا؛ لأن مجموع المتناهيين متناه وعلوم الله وحكمته لا نهاية لها، والمتناهي لا يفي البتة بغير المتناهي، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ وقرأ عبد الله (٢)، وابن عباس، والأعمش، ومجاهد، والأعرج، والحسن، والمنقري عن أبي عمرو ﴿مددا لكلمات ربي﴾ بدل ﴿مِدَادًا﴾ وقرأ (٣) ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم ﴿تَنْفَدَ﴾ بالتاء الفوقانية وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعمرو بن عبيد، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى ﴿ينفد﴾ بالياء التحتانية، قال أبو علي: التأنيث أحسن لأن المسند إليه الفعل مؤنث، والتذكير حسن لأن التأنيث ليس بحقيقي، وإنما لم تنفد كلمات الله؛ لأن كلامه صفة من صفات الله، ولا يتطرق على صفاته النفاد.
وقرأ السلمي (٤): ﴿أن تنفد﴾ بتشديد الفاء على وزن تفعل على المضي، وجاء كذلك عن عاصم، وأبي عمرو، فهو مطاوع من نفَّد مشدداً، نحو كسرته فتكسّر، وفي قراءة الجماعة مطاوع؛ لأنفد وقرأ الجمهور: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ بفتح الميم والدال بغير ألف، والأعرج بكسر الميم، وقرأ ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والأعمش بخلاف عنه، وأبو رجاء، وقتادة، وابن محيصن، والتيمي، وحميد، والحسن في رواية، وأبو عمرو في رواية، وحفص في رواية: ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ بألف بين الدالين وكسر الميم.
فإن قيل (٥): لِمَ قال في أول الآية ﴿مَدَادًا﴾ وفي آخرها ﴿مَدَدًا﴾ وكلاهما
стр. 7380
بمعنى واحد، واشتقاقهما غير مختلف، فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: لما كان الثاني آخر آية وأواخر الآيات هاهنا أتت على الفعل، والفعل كقوله نزلاً هزوًا حولاً، كان قوله: ﴿مددًا﴾ أشبه بهؤلاء الألفاظ من المداد واتفاق المقاطع عند أواخر الآيي، وانقضاء الأبيات، وتمام السجع في النثر، أخف على الألسن وأحلى موقعًا في الأسماع، فاختلفت اللفظتان لهذه العلة، وفي "الفتوحات": المعنى مختلف كاللفظ، فلا اعتراض كما عُلم من هذا ومما سبق.
١١٠ - ﴿قُل﴾ يا محمَّد لهؤلاء المجادلين لك بعدما بينت لهم شأن كلمات الله تعالى، ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ أي: ما أنا إلا آدمي مثلكم في الصورة، ومساويكم في الصفات البشرية؛ أي: إنَّ حالي (١) مقصور على البشرية، لا يتخطاها إلى الملكية، ومن كان هكذا فهو لا يدَّعى الإحاطة بكلمات الله، إلا أنه امتاز عنهم بالوحي إليه من الله سبحانه، كما قال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ من ربي من بعض تلك الكلمات، وكفى بهذا الوصف فارقًا بينه وبين سائر أنواع البشر، ثم بيَّن أن الذي أوحي إليه هو قوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ ومعبودكم الذي يستحق منكم العبادة ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ أي: منفرد في ألوهيته وربوبيته، لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله، يعني: أنا معترف ببشريتي ولكن الله منّ عليّ من بينكم بالنبوة والرسالة، وفي "التأويلات النجمية" يشير إلى أن بني آدم في البشرية واستعداد الإنسانية سواء، النبي والولي والمؤمن والكافر، والفرق بينهم بفضيلة الإيمان والولاية والنبوة والوحي والمعرفة، بأن إله العالمين إله واحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. اهـ.
وفي هذا: إرشاد إلى التوحيد، ثم أمرهم بالعمل الصالح والتوحيد، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾ ويطمع شرط جزاؤه ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ قال في "الإرشاد" (كان) للاستمرار، والرجاء: توقع وصول الخير في المستقبل؛ أي: فمن كان يرجو ويأمل ويطمع ﴿لِقَاءَ رَبِّهِ﴾، أي: رؤية ربه أو كرامة ربه وثوابه، أو من كان يخاف
стр. 7381
لقاء ربه والمصير إليه للمجازاة .. ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ لتحصيل ذلك المطلوب العزيز ﴿عَمَلًا صَالِحًا﴾ لائقًا بذلك المرجو كما فعله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من قبل.
وقال الإمام (١): حمل أصحابنا لقاء الرب على رؤيته، والمعتزلة على لقاء ثوابه، يقال: لقيه كرضيه رآه، كما في "القاموس" والرجاء: يكون بمعنى الخوف، وبمعنى الأمل، كما في "البغوي".
والمعنى (٢): من كان له هذا الرجاء الذي هو شأن المؤمنين، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو ما دل الشرع على أنه عمل خير يثاب عليه فاعله وقال في "التأويلات النجمية" العمل الصالح متابعة النبي ﷺ والتأسي بسنته ظاهرًا وباطناً، فأما سُنَّة باطنهِ فالتبتل إلى الله تعالى وقطع النظر عما سواه.
﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ من المخلوقات سواء كان صالحًا أو طالحًا حيوانًا أو جمادًا قال أبو البقاء (٣): أي: في عبادة ربه، ويجوز أن تكون الباء على بابها؛ أي بسبب عبادة ربه. اهـ.
ومعنى الآية: أي فمن كان يطمع في ثواب الله على طاعته .. فليخلص له العبادة وليفرد له الربوبية، ولا يشرك به سواه لا إشراكًا جليًا كما فعل الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه، ولا إشراكًا خفيًا كما فعل أهل الرياء ممن يطلب بعمله وعلمه الدنيا، أو الجاه، أو التسمية، أو الوظيفة، أو الشهرة، وهذا هو الشرك الأصغر، كما صح في الحديث وروي مستفيضًا في الأخبار من أن كل عمل أريد به الدنيا لا يُقبل، فقد أخرج أحمد، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ يرويه عن ربه قال: "أنا خير الشركاء، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو للذي أشرك".
وقرأ الجمهور (٤): ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾ بياء الغائب كالأمر في قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي عنه ﴿ولا تشرك﴾ بالتاء خطابًا للسامع والتفاتًا من
стр. 7382
ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب، وهو المأمور بالصالح، ثم عاد إلى الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، في قوله: ﴿بربه﴾ ولم يأت التوكيب بربك إيذانًا بأنَّ الضميرين لمدلولٍ واحد، وهو ﴿من﴾ في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو﴾.
خاتمة
وقد ورد في فضائل هذه الآية بخصوصها: ما أخرجه الطبراني، وابن مردويه، عن أبي حكيم قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لم ينزل على أمتي إلا خاتمة سورة الكهف لكفتهم".
وأخرج ابن راهويه، والبزار، والحاتم وصححه، والشّيرازي في "الألقاب" وابن مردويه، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ في ليلة ﴿كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ...﴾ الآية كان له نور من عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة" قال ابن كثير بعد إخراجه: غريب جدًّا.
وأخرج ابن الضريس، عن أبي الدرداء قال: "من حفظ خاتمة الكهف كان له نور يوم القيامة من لدن قرنه إلى قدمه" وفي "تفسير الحدادي" عن أبيّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الكهف .. فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة تكون فيها، ومن قرأ الآية التي في آخرها حين يأخذ من مضجعه .. كان له نور يتلألأ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة، يصلون عليه حتى يقوم من مضجعه، وإن كان مضجعه بمكة فتلاها .. كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور، حشو ذلك النور ملائكة، يصلون عليه ويستغفرون له حتى يستيقظ".
وفي "تفسير البيضاوي" عن النبي ﷺ "من قرأ عند مضجعه ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ .. كان له نور في مضجعه، يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة، يصلون عليه حتى يستيقظ".
وفي "فتح القريب" من قرأ عند إرادة النوم ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخ. ثم قال: اللهم أيقظني في أحب الأوقات إليك، واستعملني
стр. 7383
بأحب الأعمال إليك .. فإنه سبحانه يوقظه، ويكتبه من قوّام الليل. وقال ابن عباس ﵄: إذا أردت أن تقوم آية ساعة شئت من الليل .. فاقرأ إذا أخذت مضجعك ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ الآية. فإن الله يوقظك متى شئت من الليل.
وتكلموا في القراءة في الفراش مضطجعًا (١): قال في "الفتاوي الحمدية": لا بأس للمضطجع بقراءة القرآن. انتهى. والأولى أن لا يقرأ وهو أقرب إلى التعظيم، كما في "شرح الشرعة" ليحيى الفقيه وعن ظهير الدين المرغيناني لا بأس للمضطجع بالقراءة مضطجعًا إذا أخرج رأسه من اللحاف؛ لأنه يكون كاللبس وإلا فلا نقله قاض خان وفي "المحيط": لا بأس بالقراءة إذا وضع جنبيه على الأرض لكن يضم رجليه إلى نفسه. انتهى. نسأل الله تعالى أن يوقظنا من الغفلة قبل انقضاء الأعمار، ويؤنسنا بالقرآن آناء الليل وأطراف النهار، آمين.
الإعراب
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾
﴿وَعَرَضْنَا﴾ الواو: عاطفة ﴿عرضنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تركنا﴾ ﴿جَهَنَّمَ﴾: مفعول به ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظرف مضاف إلى مثله متعلق بـ ﴿عرضنا﴾ و ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ متعلق بـ ﴿عرضنا﴾ أيضًا ﴿عَرْضًا﴾: مفعول مطلق. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ أو بدل منه ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿فِي غِطَاءٍ﴾ جار ومجرور خبر كان ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ صفة لـ ﴿غِطَاءٍ﴾ أو متعلق به وجملة كان صلة الموصول ﴿وَكَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ فعل وفاعل ومفعول به والجملة الفعلية خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كَانُوا﴾ معطوفة على جملة ﴿كان﴾ الأولى على كونها صلة الموصول.
стр. 7384
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾.
﴿أَفَحَسِبَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف ﴿والفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف تقديره أكفر الذين كفروا بي مع جلالة شأني فحسبوا ﴿حسب﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل والجملة معطوفة على ذلك المحذوف والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا﴾ فعل وفاعل ﴿عِبَادِي﴾ مفعول أول لاتخذ ﴿مِنْ دُونِي﴾ جار ومجرور حال من ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ مفعول ثان له وجملة ﴿اتخذ﴾ مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر سَدّ مسد مفعولي ﴿حسب﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل الإنكار المفهوم من الاستفهام ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ حال من ﴿نُزُلًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿نُزُلًا﴾ حال من ﴿جَهَنَّمَ﴾.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة: مستأنفة ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ ﴿هَلْ﴾ حرف للاستفهام الاستعلامي ﴿نُنَبِّئُكُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول أول ﴿بِالْأَخْسَرِينَ﴾ الباء داخلة على مضمون المفعولين الثاني والثالث، وجملة ﴿نبأ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾ ﴿أَعْمَالًا﴾: تمييز ﴿الأخسرين﴾: منصوب به وجمع التمييز، والأصل فيه الافراد، لمشاكلة المميز، وللإيذان بأن خسرانهم، إنما كان من جهاتٍ شتى، لا من جهة واحدة، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم ﴿الَّذِينَ﴾ والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر كأنه قيل: من هم الأخسرون أعمالاً؟ فقيل: هم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ فعل وفاعل والجملة: صلة الموصول ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متعلق بالسعي ﴿وَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿هم﴾: مبتدأ وجملة ﴿يَحْسَبُونَ﴾ خبره والجملة الإسمية: في محل النصب، حال من ضمير
стр. 7385
﴿سَعْيُهُمْ﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه ﴿يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وما في خبرها سد مسد مفعولي ﴿يَحْسَبُونَ﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾: مبتدأ وخبر والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل والجملة: صلة الموصول ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿وَلِقَائِهِ﴾ معطوفة على ﴿آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾. ﴿فَحَبِطَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع ﴿حبطت أعمالهم﴾: فعل وفاعل والجملة، معطوفة على جملة ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع ﴿لا﴾: نافية ﴿نُقِيمُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة: معطوفة على جملة ﴿حبطت﴾ ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُقِيمُ﴾ ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿نُقِيمُ﴾ ﴿وَزْنًا﴾ مفعول به.
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾
﴿ذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره الأمر ذلك أي أمر هؤلاء الكفرة، وشأنهم ذلك الذي ذكرناه من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم، والجملة مستأنفة ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ مبتدأ وخبر والجملة مستأنفة مسوقة لبيان جزاء الذين حبطت أعمالهم، ويجوز أن يعرب ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ و ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ مبتدأ ثان و ﴿جَهَنَّمُ﴾ خبر ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ والجملة: خبر المبتدأ الأول، وهو ﴿ذَلِكَ﴾، ويجوز أن يعرب ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ و ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ خبر و ﴿جَهَنَّمُ﴾ بدل أو عطف بيان لقوله ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾. ﴿بِمَا﴾ ﴿الباء﴾: حرف جر ما مصدرية ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾، أي: حالة كونهم مجزيين بها بسبب كفرهم أو متعلق بـ ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ لأن الخبر من معمولات المبتدأ فليس أجنبيًا كما في "الجمل" ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿وَرُسُلِي﴾: معطوف على ﴿آيَاتِي﴾. ﴿هُزُوًا﴾ مفعول ثان والجملة: معطوفة على جملة ﴿كَفَرُوا﴾.
стр. 7386
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾
﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿كَانَتْ﴾ فعل ناقص ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿نُزُلًا﴾. ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ اسمها ﴿نُزُلًا﴾ خبرها وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾.
﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾ وهذا أيضًا باعتبار الأزل؛ أي: حال كونهم محكوماً لهم في الأزل بالخلود فيها، كما في "الجمل" ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿لَا يَبْغُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿حِوَلًا﴾. ﴿حِوَلًا﴾ مفعول به والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله: ضمير يعود على محمد والجملة. مستأنفة لو كان البحر إلى آخر الآية مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم ﴿كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره والجملة: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿مِدَادًا﴾ ومضاف إليه ﴿لَنَفِدَ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿نَفِدَ الْبَحْر﴾: فعل وفاعل ﴿قَبْلَ﴾: ظرف متعلق به والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿لَوْ﴾: في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾ لنفد البحر قبل أن تنفد ناصب وفعل وفاعل ومضاف إليه والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره قبل نفاد ﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ما بعدها على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها تقديوها ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ كلماته لو لم يجيء بمثله مددا والجملة المحذوفة في محل النصب حال من ﴿رَبِّي﴾ ﴿لَوْ﴾ حرف شرط ﴿جِئْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿بِمِثْلِهِ﴾ متعلق به ﴿مَدَدًا﴾ تمييز ﴿بِمِثْلِهِ﴾ منصوب به وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ لنفد ولم تفرغ وجملة
стр. 7387
﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة لو المحذوفة.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ إلى آخر الآية. مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿أَنَا بَشَر﴾ مبتدأ وخبر ﴿مِثْلُكُمْ﴾ صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق به ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿ما﴾ كافة لكفها ما قبلها عما بعدها ﴿إِلَهُكُمْ﴾: مبتدأ ﴿إِلَهٌ﴾: خبره ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة ﴿إِلَهٌ﴾ والجملة الاسمية: صلة ﴿أن﴾ المكفوفة لأن ما الكافة وإن كفتها عن العمل لا تخرجها عن المصدرية، و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع، على كونها نائب فاعل ليوحى، تقديره: يوحى إليّ وحدانية الله سبحانه وجملة يوحى في محل الرفع صفة ثانية لبشر والمعنى (١) لم يوح إليّ إلا وحدانية إلا ﴿إِلَهٌ﴾؛ أي: لا تعدده، فالحصر نسبي. اهـ شيخنا. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر: جملة الجواب، أو الشرط أو هما، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها واسمها: ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ تقديره فمن كان راجيًا لقاء ربه ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملةً طلبيةً ﴿واللام﴾ حرف أمر وجزم ﴿يعمل﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وفاعله: ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿عَمَلًا﴾ مفعول به أو مطلق ﴿صَالِحًا﴾ صفة له والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾: ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿يُشْرِكْ﴾ مجزوم بلا الناهية وفاعله: ضمير يعود على
стр. 7388
﴿من﴾ ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُشْرِكْ﴾ ﴿أَحَدًا﴾ مفعول به وجملة ﴿لَا يُشْرِكْ﴾ في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ على كونها جواب ﴿من﴾ الشرطية.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾؛ أي: أعددنا وهيانا ﴿نُزُلًا﴾: والنزل: الطعام النفيس يعد للضيف إكرامًا وقال في "القاموس": النزاع (١) بضمتين المنزل، وما يهيأ للضيف أن ينزل عليه والجمع: أنزال والطعام ذو البركة كالنزيل والفضل والطعام. اهـ.
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾: قال في "الجلالين" الإضافة فيه للبيان، ولعل وجه الجمع حينئذٍ اعتبار ما فيه؛ أي: في الفردوس من القصور وغيرها فكأنه جنان متعددة. اهـ. شيخنا.
في "القاموس"، و"التاج": الفردوس: بالكسر الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت، والبستان: يجمع كل ما يكون في البساتين، تكون فيه الكروم، وقد يؤنث عربيةً، أو روميةً نقلت، أو سريانيةً، وروضةً دون اليمامة لبني يربوع، وماء لبني تميم، قرب الكوفة وقلعة فردوس بقزوين، إلى أن يقول والفردسة: السعة، وصدر مفردس: واسع أو ومنه الفردوس، قال شارحه، قوله: أو ومنه الفردوس؛ أي: ومن اشتقاقه كما نقله ابن القطاع، وهذا يؤيد كونه عربيًا، ويدل له أيضًا قول حسان ﵁:
وَإِنَّ ثَوَابَ اللهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ... جِنَانٌ مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِيْهَا يُخَلَّدُ
قال أبو حيان (٢): قيل: ولم يسمع الفردوس في كلام العرب، إلا في هذا البيت، بيت حسان وهذا لا يصح، فقد قال أمية بن أبي الصلت:
كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ ظَاهِرَةً ... فِيْهَا الْفَرَادِيْسُ ثَمّ الْفُوْمُ وَالْبَصَلُ
والفراديس: جمع فردوس والظاهر: أن معنى جنات الفردوس: بساتين
стр. 7389
حول الفردوس، ولذلك أضاف الجنات إليه، ويقال: كرم مفردس؛ أي: معرش، وكذلك سميت الروضة التي دون اليمامة فردوسًا، لاجتماع نخلها، وتعريشها على أرضها، وفي دمشق، باب الفراديس، يخرج منه إلى البساتين. انتهى.
﴿حِوَلًا﴾؛ أي: تحولاً إلى غيرها، فحول مصدر سماعي التحول. انتهى. شيخنا. وفي "السمين" "الحول" قيل: مصدر بمعنى التحول، يقال: حال عن مكانه ﴿حِوَلًا﴾، فهو مصدر كالعوج والصغر. انتهى.
قال الزمخشري: يقال: حال عن مكانه حولا كقوله عادني حبها عودًا، يعني لا مزيد عليها، حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم، وهذه غاية الوصف؛ لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان .. فهو طامح الطرف إلى أرفع منه، ويجوز أن يراد نفي التحول، وتأكيد الخلود. انتهى.
وقال ابن عطية: والحول بمعنى التحول، قال مجاهد: متحولاً وقال الشاعر:
لِكُلِّ دَوْلَةٍ أَجَلُ ... ثُمَّ يُتَاحُ لَهَا حِوَلُ
﴿مِدَادًا﴾ والمداد: ما يمد به الشيء، واختص به تمد به الدواة من الحبر، وما يمد به السراج من السليط، ويقال: السماد مداد الأرض ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾؛ أي: معلوماته غير المتناهية ﴿يَرْجُو﴾ والرجاء: طمع حصول ما فيه مسرة مستقبلة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: كانوا ينظرون فلا يعتبرون، وتعرض عليهم الآيات الكونية فلا يؤمنون، ولم تكن أعينهم حقيقةً في غطاءٍ وحجاب، وإنما هو بطريق التمثيل، وكذا قوله: ﴿وَكَانُوا لَا
стр. 7390
يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لأن هذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية، كما أن الأول تصوير لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار.
ومنها: الاستفهام الإنكاري الذي يفيد التوبيخ والتقريع في قوله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.
ومنها: جناس التصحيف في قوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ويسمى الجناس الناقص، وهو أن يكون النقط فيه فارقًا بين الكلمتين على حد قول البحتري:
وَلَمْ يَكُنِ الْمُغْتَرُّ بِاللَّهِ إِذْ سَرَى ... لِيُعْجِزَ وَالْمُغْتَرُّ بِاللَّهِ طَالِبُهْ
والجناس ويقال له: التجنس والمجانسة والتجانس لغةً مشتق من الجنس واصطلاحًا تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى، وفائدته: أن يميل بالسامع إلى الإصغاء، فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاءً إليها.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ والمغاير في قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *