← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7386–7425 · переход к 7391.

стр. 7386

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿الَّذِينَ﴾ اسمها ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿كَانَتْ﴾ فعل ناقص ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿نُزُلًا﴾. ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ اسمها ﴿نُزُلًا﴾ خبرها وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾ وهذا أيضًا باعتبار الأزل؛ أي: حال كونهم محكوماً لهم في الأزل بالخلود فيها، كما في "الجمل" ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿لَا يَبْغُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿عَنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿حِوَلًا﴾. ﴿حِوَلًا﴾ مفعول به والجملة الفعلية في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿خَالِدِينَ﴾ ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله: ضمير يعود على محمد والجملة. مستأنفة لو كان البحر إلى آخر الآية مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم ﴿كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره والجملة: فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿مِدَادًا﴾ ومضاف إليه ﴿لَنَفِدَ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْ﴾ ﴿نَفِدَ الْبَحْر﴾: فعل وفاعل ﴿قَبْلَ﴾: ظرف متعلق به والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب وجملة ﴿لَوْ﴾: في محل النصب مقول لـ ﴿قُل﴾ لنفد البحر قبل أن تنفد ناصب وفعل وفاعل ومضاف إليه والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه تقديره قبل نفاد ﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ما بعدها على جملة مقدرة مدلول عليها بما قبلها تقديوها ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ كلماته لو لم يجيء بمثله مددا والجملة المحذوفة في محل النصب حال من ﴿رَبِّي﴾ ﴿لَوْ﴾ حرف شرط ﴿جِئْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿بِمِثْلِهِ﴾ متعلق به ﴿مَدَدًا﴾ تمييز ﴿بِمِثْلِهِ﴾ منصوب به وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ لنفد ولم تفرغ وجملة

стр. 7387

﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة لو المحذوفة. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ إلى آخر الآية. مقول محكي لـ ﴿قُلْ﴾ وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿أَنَا بَشَر﴾ مبتدأ وخبر ﴿مِثْلُكُمْ﴾ صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿إِلَيَّ﴾: متعلق به ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿ما﴾ كافة لكفها ما قبلها عما بعدها ﴿إِلَهُكُمْ﴾: مبتدأ ﴿إِلَهٌ﴾: خبره ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة ﴿إِلَهٌ﴾ والجملة الاسمية: صلة ﴿أن﴾ المكفوفة لأن ما الكافة وإن كفتها عن العمل لا تخرجها عن المصدرية، و ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع، على كونها نائب فاعل ليوحى، تقديره: يوحى إليّ وحدانية الله سبحانه وجملة يوحى في محل الرفع صفة ثانية لبشر والمعنى (١) لم يوح إليّ إلا وحدانية إلا ﴿إِلَهٌ﴾؛ أي: لا تعدده، فالحصر نسبي. اهـ شيخنا. ﴿فَمَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر: جملة الجواب، أو الشرط أو هما، ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها واسمها: ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ تقديره فمن كان راجيًا لقاء ربه ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملةً طلبيةً ﴿واللام﴾ حرف أمر وجزم ﴿يعمل﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وفاعله: ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿عَمَلًا﴾ مفعول به أو مطلق ﴿صَالِحًا﴾ صفة له والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾: ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿يُشْرِكْ﴾ مجزوم بلا الناهية وفاعله: ضمير يعود على

стр. 7388

﴿من﴾ ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُشْرِكْ﴾ ﴿أَحَدًا﴾ مفعول به وجملة ﴿لَا يُشْرِكْ﴾ في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ على كونها جواب ﴿من﴾ الشرطية. التصريف ومفردات اللغة ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾؛ أي: أعددنا وهيانا ﴿نُزُلًا﴾: والنزل: الطعام النفيس يعد للضيف إكرامًا وقال في "القاموس": النزاع (١) بضمتين المنزل، وما يهيأ للضيف أن ينزل عليه والجمع: أنزال والطعام ذو البركة كالنزيل والفضل والطعام. اهـ. ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾: قال في "الجلالين" الإضافة فيه للبيان، ولعل وجه الجمع حينئذٍ اعتبار ما فيه؛ أي: في الفردوس من القصور وغيرها فكأنه جنان متعددة. اهـ. شيخنا. في "القاموس"، و"التاج": الفردوس: بالكسر الأودية التي تنبت ضروبًا من النبت، والبستان: يجمع كل ما يكون في البساتين، تكون فيه الكروم، وقد يؤنث عربيةً، أو روميةً نقلت، أو سريانيةً، وروضةً دون اليمامة لبني يربوع، وماء لبني تميم، قرب الكوفة وقلعة فردوس بقزوين، إلى أن يقول والفردسة: السعة، وصدر مفردس: واسع أو ومنه الفردوس، قال شارحه، قوله: أو ومنه الفردوس؛ أي: ومن اشتقاقه كما نقله ابن القطاع، وهذا يؤيد كونه عربيًا، ويدل له أيضًا قول حسان ﵁: وَإِنَّ ثَوَابَ اللهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ ... جِنَانٌ مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِيْهَا يُخَلَّدُ قال أبو حيان (٢): قيل: ولم يسمع الفردوس في كلام العرب، إلا في هذا البيت، بيت حسان وهذا لا يصح، فقد قال أمية بن أبي الصلت: كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ إِذْ ذَاكَ ظَاهِرَةً ... فِيْهَا الْفَرَادِيْسُ ثَمّ الْفُوْمُ وَالْبَصَلُ والفراديس: جمع فردوس والظاهر: أن معنى جنات الفردوس: بساتين

стр. 7389

حول الفردوس، ولذلك أضاف الجنات إليه، ويقال: كرم مفردس؛ أي: معرش، وكذلك سميت الروضة التي دون اليمامة فردوسًا، لاجتماع نخلها، وتعريشها على أرضها، وفي دمشق، باب الفراديس، يخرج منه إلى البساتين. انتهى. ﴿حِوَلًا﴾؛ أي: تحولاً إلى غيرها، فحول مصدر سماعي التحول. انتهى. شيخنا. وفي "السمين" "الحول" قيل: مصدر بمعنى التحول، يقال: حال عن مكانه ﴿حِوَلًا﴾، فهو مصدر كالعوج والصغر. انتهى. قال الزمخشري: يقال: حال عن مكانه حولا كقوله عادني حبها عودًا، يعني لا مزيد عليها، حتى تنازعهم أنفسهم إلى أجمع لأغراضهم وأمانيهم، وهذه غاية الوصف؛ لأن الإنسان في الدنيا في أي نعيم كان .. فهو طامح الطرف إلى أرفع منه، ويجوز أن يراد نفي التحول، وتأكيد الخلود. انتهى. وقال ابن عطية: والحول بمعنى التحول، قال مجاهد: متحولاً وقال الشاعر: لِكُلِّ دَوْلَةٍ أَجَلُ ... ثُمَّ يُتَاحُ لَهَا حِوَلُ ﴿مِدَادًا﴾ والمداد: ما يمد به الشيء، واختص به تمد به الدواة من الحبر، وما يمد به السراج من السليط، ويقال: السماد مداد الأرض ﴿لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾؛ أي: معلوماته غير المتناهية ﴿يَرْجُو﴾ والرجاء: طمع حصول ما فيه مسرة مستقبلة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: كانوا ينظرون فلا يعتبرون، وتعرض عليهم الآيات الكونية فلا يؤمنون، ولم تكن أعينهم حقيقةً في غطاءٍ وحجاب، وإنما هو بطريق التمثيل، وكذا قوله: ﴿وَكَانُوا لَا

стр. 7390

يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لأن هذا تمثيل لإعراضهم عن الأدلة السمعية، كما أن الأول تصوير لتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار. ومنها: الاستفهام الإنكاري الذي يفيد التوبيخ والتقريع في قوله: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ومنها: التهكم في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾. ومنها: جناس التصحيف في قوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ويسمى الجناس الناقص، وهو أن يكون النقط فيه فارقًا بين الكلمتين على حد قول البحتري: وَلَمْ يَكُنِ الْمُغْتَرُّ بِاللَّهِ إِذْ سَرَى ... لِيُعْجِزَ وَالْمُغْتَرُّ بِاللَّهِ طَالِبُهْ والجناس ويقال له: التجنس والمجانسة والتجانس لغةً مشتق من الجنس واصطلاحًا تشابه الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى، وفائدته: أن يميل بالسامع إلى الإصغاء، فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلاً وإصغاءً إليها. ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ والمغاير في قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7391

إجمال ما تضمنته السورة من الأغراض والمقاصد ١ - وصف الكتاب الكريم بأنه قيم، لا عوج فيه، جاء للتبشير والإنذار. ٢ - جعل ما على ظهر الأرض زينة لها، وقد خلقه الله تعالى ابتلاءً للإنسان، ليرى كيف ينتفع به. ٣ - ما جاء من قصص أهل الكهف، ليس بالعظيم إذا قيس بما في ملكوت السموات والأرض. ٤ - وصف الكهف وأهله، ومدة لبثهم فيه، وبيان عدد أهله. ٥ - أمر النبي ﷺ بالجلوس مع الفقراء المؤمنين، وعدم الفرار منهم إلى أغنيائهم إجابةً لدعوتهم. ٦ - ذكر ما يلاقيه الكفار من الوبال والنكال يوم القيامة. ٧ - ضرب مثل، بين حال فقراء المؤمنين، وأغنياء المشركين. ٨ - ضرب المثل لحال الدنيا. ٩ - عرض كتاب المرء عليه في الآخرة وخوف المجرمين منه. ١٠ - عداوة إبليس لآدم وبنيه. ١١ - قصص موسى والخضر. ١٢ - وصف أعمال المشركين وأنها ضلال وخيبة في الآخرة. ١٣ - قصص ذي القرنين وسدُّ يأجوج ومأجوج وكيف صنعه ذو القرنين.

стр. 7392

١٤ - ما يلقاه المؤمنون من النعيم في الآخرة. ١٥ - علومُ الله تعالى لا نهاية لها (١). والله أعلم * * *

стр. 7393

سورة مريم سورة مريم مكيَّة كلها، أو إلا آيتين هما: (٥٨) و (٧١) فمدنيتان، وهي ثمان أو تسع وتسعون آية، وكلماتها تسع مئة واثنتان وستون كلمة، وحروفها ثلاثة آلاف وثلاث مئةٍ وحرفان، وسميت سورة مريم، لذكر مريم فيها، ولم (١) تذكر امرأة باسمها صريحاً في القرآن إلا مريم، فقد ذكرت فيه في ثلاثين موضعًا. ومن فضائلها: ما روي (٢) عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة مريم أُعطي عشر حسنات، بعدد من كذب زكريا وصدق به، ويحيى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - المذكورين فيها، وبعدد من دعا الله في الدنيا ومن لم يدع" ولكنه موضوع لا أصل له. وروى محمد بن إسحاق في السيرة، من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل، عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة: أن جعفر بن أبي طالب، قرأ صدر هذه السورة على النجاشي فبكى حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. وقد ذكر ابن إسحاق القصة بطولها. ومناسبتها لسورة الكهف (٣): اشتمالها على نحو ما اشتملت عليه من أعاجيب القصص، كقصة ولادة يحيى، وقصة ولادة عيسى ﵉. وقال أبو حيان (٤): مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى ضمّن السورة قبلها قصصًا عجبًا، كقصة أهل الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وهذه

стр. 7394

السورة تضمنت قصصًا عجبًا، من ولادة يحيى بين شيخٍ فانٍ وعجوزٍ عاقرٍ، وولادة عيسى من غير أب، فلما اجتمعا في هذا الشيء المستغرب .. ناسب ذكر هذه السورة بعد تلك. الناسخ والمنسوخ من هذه السورة: قال أبو عبد الله محمد بن حزم الأندلسي: في سورة مريم خمس آيات من المنسوخ. أولاهن: قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٣٩) الآية. نسخ الإنذار هنا بآية السيف. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٥٩) الآية. نسخت بالاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٦٠). الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ (٧٥) الآية. نسخت بآية السيف. الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية (٨٤). نسخ أولها بآية السيف. الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية (٥٩). نسخت بالاستثناء، وهو قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ (٦٠). وفيها تقديم في النظم. انتهى. والله أعلم * * *

стр. 7395

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ المناسبة قد سبق لك بيان مناسبة جملة هذه السورة للسورة السابقة آنفًا، وأما مناسبة

стр. 7396

أول هذه السورة لآخر السابقة، فلأنه سبحانه ذكر في آخر السابقة الرحمة في ضمن قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾؛ أي: يرجو رحمة ربه وثوابه يوم لقائه وعرضه عليه للمجازاة، وبدأ هذه السورة بقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ﴾ فذكر الرحمة هنا صريحاً هذا ما ظهر لي بعد التأمل. قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه - تعالى - لما ذكر قصة زكريا وطلبه الولد، وإجابة الله إياه، فوُلد له من شيخ فانٍ وعجوزٍ له عاقرٍ، وكان ذلك مما يتعجب منه .. أردفَه بما هو أعظم في الغرابة والعجب، وهو وجود ولد من غير ذكر، فدل ذلك على عظم قدرة الله تعالى وحكمته، ذكره في "البحر". التفسير وأوجه القراءة ١ - قوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾ (١) قرأ ابن كثير ﴿كهيعص ذِكْرُ﴾ بفتح الهاء والياء، وتبيين الدال التي في هجاء ﴿صاد﴾، وقرأ أبو عمرو: ﴿كهيعص﴾ بكسر الهاء وفتح الياء ويدغم الدال في الذال، وكان نافع يلفظ بالهاء والياء بين الكسر والفتح، ولا يُدغم الدال التي في هجاء (صاد) في الذال من ﴿ذِكْرُ﴾، وقرأ أبو بكر عن عاصم، والكسائي: بكسر الهاء والياء، إلا أن الكسائي لا يبين الدال، وعاصم يبينها، وقرأ ابن عامر، وحمزة: بفتح الهاء وكسر الياء ويدغمان، وقرأ أبي بن كعب: ﴿كهَيعَصَ﴾ برفع الهاء وفتح الياء، وقد ذكرنا في أول البقرة ما يشتمل على بيان هذا الجنس ﴿كهيعص (١)﴾ هذه الأحرف الخمسة يتعين في الكاف والصاد منها المد المطول المذكور باتفاق السبعة، وهو ثلاث ألفات، ويتعين في الهاء والياء المد الطبيعي باتفاقهم أيضًا، وهو قدر ألف، ويجوز في العين المد المطول المذكور وقصره بقدر ألفين، القراءتان سبعيتان، ويتعين في النون من عين إخفاؤها في الصاد وغنها، ويجوز في الدال من صاد إظهارها وإدغامها في ذال ذكر والقراءتان سبعيتان. انتهى. شيخنا. وقد خص المفسرون

стр. 7397

هذه الحروف المذكورة هاهنا بأربعة أقوال: أحدهما (١): أنها حروف من أسماء الله تعالى، قاله الأكثرون، ثم اختلف هؤلاء في الكاف من أيِّ اسم هو على أربعة أقوال: أحدها: أنه من اسم الله الكبير. والثاني: من الكريم. والثالث: من الكافي، روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس. والرابع: أنه من الملك، قاله محمد بن كعب، فأما الهاء .. فكلهم قالوا: هي من اسمه الهادي، إلا القرظي فإنه قال: من اسمه الله. وأما الياء: ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها من حكيم. والثاني: من رحيم. والثالث: من أمين، روى هذه الأقوال الثلاثة سعيد بن جبير عن ابن عباس، فأما العين ففيها أربعة أقوال: أحدها: أنها من عليم. والثاني: من عالم. والثالث: من عزيز رواها أيضًا سعيد بن جبير عن ابن عباس. والرابع: أنها من عدل، قاله الضحاك.

стр. 7398

وأما الصاد ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها من صادق. والثاني: من صدوق، رواهما سعيد بن جبير أيضًا عن ابن عباس. والثالث: من الصمد، قاله محمد بن كعب. والقول الثاني: إن ﴿كهيعص (١)﴾ قسم أقسم الله تعالى به، وهو من أسمائه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وروي عن عليّ ﵇ أنه قال: هو اسم من أسماء الله تعالى، وروي عنه أنه كان يقول: يا ﴿كهيعص (١)﴾ اغفر لي، قال الزجاج: والقسم بهذا الدعاء به لا يدل على أنه اسم واحد؛ لأن الداعي إذا علم أن الدعاء بهذه الحروف يدل على صفات الله فدعا بها .. فكأنه قال: يا كافي، يا هادي، يا عالم، يا صادق، وإذا أقسم بها .. فكأنه قال: والكافي، الهادي، العالم، الصادق، وأسكنت هذه الأحرف لأنها حروف تهج، النية فيها الوقف. والثالث: أنه اسم للسورة، قاله الحسن ومجاهد. والرابع: اسم من أسماء القرآن، قال قتادة، فإن (١) قيل لِمَ قالوا: هايا، ولم يقولوا في الكاف: كما، وفي العين: عا، وفي الصاد: صا، لتتفق المعاني كما اتفقت العلل .. فقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: حروف المعجم التسعة والعشرون تجري مجرى الرسالة والخطبة، فيستقبحون فيها اتفاق الألفاظ، واستواء الأوزان، كما يستقبحون ذلك في خطبهم ورسائلهم، فيغيِّرون بعض الكلم ليختلف الوزن وتتغير المباني، فيكون ذلك أعذب على الألسن، وأحلى في الأسماع، وعبارةُ "المراغي" هنا: ﴿كهيعص (١)﴾. تقدم الكلام في المراد من أوائل السور، وأن المختار أن المقصود بها التنبيه، كحروف التنبيه التي تقع أول الكلام، نحو: ألا ويا، وغيرهما، وتقرأ باسمائها فيقال: ﴿كاف ها يا عين صاد﴾. انتهت.

стр. 7399

٢ - قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ قال الزجاج (١): الذكر: مرفوع بالمضمر؛ والمعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد، ذكر رحمة ربك عبده ﴿ذِكْرُ﴾ مضاف إلى مفعوله ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول ﴿رَحْمَتِ﴾، ﴿زَكَرِيَّا﴾: بدل منه وقال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى هذا الذي نتلوه عليك ذكر ربك عبده زكريا بالرحمة. والحاصل: أن ﴿ذِكْرُ﴾ (٢): مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله: محذوف؛ أي: ذكر الله رحمة عبده زكريا، و ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾: مضاف لفاعله، و ﴿عَبْدَهُ﴾: مفعوله، وهذه التاء لا تمنع من عمل المصدر؛ لأنه مبني عليها، أي: مقترن بها وضعًا، فليست للوحدة والمرة، والتاء التي تمنع من عمل المصدر هي التي يؤتى بها للدلالة على المرة؛ والمعنى: هذا الذي نتلوه عليك يا محمد في هذه السورة، ذكر إجابة ربك عبده زكريا دعاءه إياه، حين دعاه وسأله الولد نداءً خفيًا ودعاءً سرًا؛ ومعنى ذكر الرحمة: ذكر بلوغها وإصابتها له، وإجابته دعائه، و ﴿زَكَرِيَّا﴾ يمد ويقصر، ابن آزر، قال الإِمام: زكريا من ولد هارون أخي موسى، وهما من ولد لاوى بن يعقوب بن إسحاق ﵈ وقرأ الحسن (٣)، وابن يعمر: ﴿ذِكْرُ﴾ فعلًا ماضيًا ﴿رَحْمَتِ﴾، أي: هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ربك وذكر الداني عن ابن يعمر: ﴿ذِكْرُ﴾ فعل أمر من التذكير ﴿رَحْمَتِ﴾ بالنصب، و ﴿عَبْدَهُ﴾ نصب بالرحمة وذكر صاحب "اللوامح" أن: ﴿ذكر﴾ بالتشديد ماضيًا، عن الحسن باختلاف وهو صحيح عن ابن يعمر، معناه: أنَّ المتلو أي القرآن ذكَّر برحمة ربك، فلما نزع الباء .. انتصب، ويجوز أن يكون معناه: أن القرآن ذكر الناس تذكيرًا أن رحم الله عبده، فيكون المصدر عاملاً في عبده ﴿زَكَرِيَّا﴾ لأنه ذكَّرهم بما نسوه من رحمة، فتجدد عليهم بالقرآن ونزوله على النبي ﷺ ويجوز أن يكون ذكر على المضي مسندًا إلى الله سبحانه، وقرأ الكلبي: ﴿ذِكْرُ﴾ على المضي خفيفًا من الذكر ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾: بنصب التاء

стр. 7400

﴿عَبْدَهُ﴾ بالرفع على إسناد الفعل إليه، ٣ - وقوله: ﴿إِذْ نَادَى﴾؛ أي: دعا: ظرف لرحمة ربك؛ أي: دعا ﴿رَبَّهُ﴾ في المحراب ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾؛ أي: دعاءً سرًا من قومه في جوف الليل، ولقد (١) راعى ﵇ في إخفاء دعائه، حسن الأدب، لأن الجهر والإسرار عند الله تعالى سيَّان، لكن الإخفاء أولى، لأنه أبعد عن الرياء، وأدخل في الإخلاص، وقيل: أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته، وكان سنه وقتئذٍ تسعًا وتسعين على ما اختاره الكاشفيّ، ولكونه من أمور الدنيا، وقيل أخفاه مخافةً من قومه الذين خافهم أن يطلعوا عليه، وقيل خفت صوته لضعفه وهرمه لكونه قد صار ضعيفًا هرمًا لا يقدر على الجهر، كما يدل عليه قوله الآتي ٤ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾، وقيل لأن الإخفاء سنة الأنبياء، والجهر به يعدّ من الإعتداء، فإِن قلت (٢): شرط النداء الجهر، فكيف يكون خفيًا؟ قلت: دعا في الصلاة فأخفاه، قال بعضهم: النداء وإن كان بمعنى الصوت، لكن الصوت قد يتصف بالضعف، ويقال: صوت خفيٌّ وهو الهمس، فكذا النداء، والوجه في عبارة النداء الإشارة إلى شدة الإقبال والتوجه في الأمر المتوجه إليه، كما هو شأن الأنبياء ومن له بهم أسوة من كُمَّلِ الأولياء؛ والمعنى: أي: مما نقص عليك يا محمد، ذكر رحمة ربك عبده زكريا، حين دعا ربه دعاءً خفيًا مستورًا عن أعين الناس، وإنما أخفى دعاءه، لأنه أدل على الإخلاص، وأبعد من الرياء، وأقرب إلى الخلاص من لائمة الناس، على طلب الولد وقت الكبر والشيخوخة، وقصارى ذلك: أن في هذه السورة ذكر الرحمة التي رحم الله بها عبده زكريا، حين أسرَّ بدعائه إليه، ثم فصل كيفية دعائه بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ استئناف وقع بيانًا للنداء؛ أي: قال زكريا: يا رب ﴿إِنِّي وَهَنَ﴾ وضعف ﴿الْعَظْمُ﴾ حالة كونه كائنًا ﴿مِنِّي﴾ فالجملة (٣) مفسرة لقوله: ﴿نَادَى رَبَّهُ﴾ يقال: وهن يهن وهنًا، إذا ضعف فهو واهن، وقرىء: بالحركات الثلاث، كما سيأتي، أراد أن عظامه فترت وضعفت قوته، وإنما أسند الوهن إلى العظم، لأنه عمود

стр. 7401

بيت البدن، وبه قوامه، وهو أصل بنائه، فهذا أصابه الضعف مع صلابته وقلة تأثره بالعلل .. أصاب سائر الأجزاء، وتساقطت قوته، ولأن أشد ما في الإنسان صلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن، وأفرد العظم قصدًا إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام، وقال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس كما في "البغوي". وقرأ الجمهور (١): ﴿وَهَنَ﴾ بفتح الهاء وقرأ الأعمش: بكسرها، وقرىء: بضمها لغاتٌ ثلاثٌ ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ منِّي: حذف اكتفاءً بما سبق؛ أي: وابيضَّ الشعر مني. ﴿شَيْبًا﴾؛ أي: أخذ رأسي شمطًا، وقد صار مثل شواظ النار، شبّه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار، وانتشاره وفشوَّه في الشعر باشتعالها مبالغةً (٢)، وإشعارًا لشمول الشيب جميع الرأس، حتى لم يبق من السواد شيء، وجعل الشيب تمييزًا إيضاحًا، للمقصود، والأصل اشتعل شيب رأسي، فوزانه بالنسبة إلى الأصل وزان اشتعل بيته نارًا، بالنسبة إلى اشتعل النار في بيته. ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾؛ أي: ولم أكن بدعائي إياك يا ربي خائبًا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كلما دعوتك استجبت لي، وهذا توسّلٌ منه بما سلف من الاستجابة عند كل دعوة، إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة، من كبر السن، وضعف الحال، فإنه تعالى بعدما عوّد عبده بالإجابة دهرًا طويلًا، لا يخيبه أبدًا لا سيما عند اضطرارٍ وشدة افتقارٍ؛ والمعنى: أي: قد أحسنت إليّ فيما سلف، وسعدت بدعائي إياك، فالإنعام يقتضي أن تجيبني آخرًا كما أجبتني أولًا، ذكره في "البحر". قال العلماء (٣): يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع وذكر نعم الله عليه، كما فعل زكريا هاهنا، فإن في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن نيل مطالبه وبلوغ

стр. 7402

مآربه وفي قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ذكر ما عوده الله من الإنعام عليه، بإجابة أدعيته، يقال: شقي بكذا؛ أي: تعب فيه ولم يحصل مقصوده منه، ٥ - ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾؛ أي: خفت جور مواليّ وورثتي وبني عمّي الذين يخلفونني في السياسة وفي القيامة بأمر الدين ﴿مِنْ وَرَائِي﴾؛ أي: بعد موتي، فلا بدّ لي من الخلف، وهم بنو عمّه، وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف ﵇ أن لا يُحسنوا خلافته في أمته، ويبدّلوا عليهم دينهم، وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ متعلق بمحذوف؛ أي: فعل الموالي، أو جور الموالي، كما قدرنا آنفًا لا بـ ﴿خِفْتُ﴾ لفساد المعنى، والجملة (١): معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ مترتب مضمونها على مضمونها، فإن ضعف القوى وكبر السن من مبادي خوفه ممن يلي أمره بعد موته. وقرأ الجمهور (٢): ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ بكسر الخاء وسكون الفاء، على أن فاعله ضمير يعود إلى ﴿زَكَرِيَّا﴾ ومفعوله ﴿الْمَوَالِيَ﴾، وأسكن الزهري ياء ﴿الْمَوَالِيَ﴾ وقرأ عثمان بن عفان، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وسعيد بن العاص، وابن يعمر، وابن جبير، وعلي بن الحسين، وولده محمد، وزيد، وشبيل بن عزرة، والوليد بن مسلم ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ بفتح الخاء وتشديد الفاء وكسر تاء التأنيث وسكون ياء ﴿الْمَوَالِيَ﴾ على أنه فاعل ﴿خِفْتُ﴾؛ أي: قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي، أو انقطعوا بالموت مأخوذًا، من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة شاذة بعيدة عن الصواب، وقرأ الجمهور: ﴿وَرَائِي﴾ بالهمز والمد وسكون الياء، وقرأ ابن كثير: بالهمز والمد وفتح الياء، وروي عنه أنه قرأ بالقصر مفتوح الياء، مثل عصاي، واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده، فقيل: خاف أن يرثوا ماله، وأراد أن يوثه ولده، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولدًا، وقال آخرون: إنهم كانوا مهملين لأمر الدين، فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب وليًا يقوم به بعد موته، وهذا القول أرجح من الأول؛ لأن الأنبياء لا يورثون، وهم أجل من أن يعتنوا بأمور الدنيا،

стр. 7403

فليس المراد هنا وراثة المال، بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين، وقد ثبت عن نبينا محمد ﷺ أنه قال: "نحن - معاشر الأنبياء - لا نورث، ما تركناه صدقة". ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾؛ أي: لا تلد من حين شبابها، اسمها إيشاع بنت فاقوذ بن فيل، وهي أخت حنّة بنت فاقوذ أم مريم، والعاقر من الرجال والنساء: من لا يولد له ولد، وكان سنّها حينئذٍ ثمان وتسعين على ما اختاره الكاشفي، ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾؛ أي: أعطني من محض فضلك الواسع، وقدرتك الباهرة، ﴿وَلِيًّا﴾؛ أي: ولدًا من صلبي ٦ - ﴿يَرِثُنِي﴾ من حيث العلم والدين والنبوة، فإن الأنبياء لا يورّثون المال كما مر آنفًا، ولم يصرّح بطلب الولد، لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما وحصوله منهما. فإن قلت (١): وقد وصف الوليَّ بالوراثة ولم يستجب له في ذلك، فإنَّ يحيى خرج من الدنيا قبل زكريا على ما هو المشهور. قلتُ: الأنبياء وإن كانوا مستجابي الدعوة، لكنهم ليسوا كذلك في جميع الدعوات، حسبما تقتضيه المشيئة الإلهية المبنية على الحكم البالغة، ألا ترى إلى دعوة إبراهيم ﵇ في حق أبيه وإلى دعوة النبي ﷺ حيث قال: "وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها". وقد كان من قضائه تعالى: أن يهبه يحيى نبيًا مرضيًا ولا يرثه، فاستُجيب دعاؤه في الأول دون الثاني ﴿وَيَرِثُ﴾ الملك ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ وآل الرجل خاصته الذين يؤول إليه أمرهم للقرابة والصحبة، أو الموافقة في الدين، وقال (٢) الكلبي ومقاتل: هو يعقوب بن ماثان، أخو عمران بن ماثان، من نسل سليمان بن أبو مريم ﵇، وكان آل يعقوب أخوال يحيى بن زكريا، قال الكلبي: كان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وملوكهم، وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذٍ، فأراد

стр. 7404

أن يرث ولده حبورته - وكان حبرا - ويرث من بني ماثان ملكهم. وقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة (١): ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ برفع الفعلين صفةً للولي، فالمعنى عليه: هب لي وليًا وارثًا، وقرأ النحويان أبو عمرو، والكسائي، والزهري، والأعمش، وطلحة، واليزيدي، وابن عيسى الأصبهاني، وابن محيصن، وقتادة: بجزمهما على جواب الأمر، كقولك إن وهبته لي ورثني، ورجح أبو عبيد القراءة الأولى، وقرأ عليّ، وابن عباس، والحسن، وابن يعمر، والجحدري، وقتادة، وأبو حرب بن أبي الأسود، وجعفر بن محمد، وأبو نهيك: ﴿يَرِثُنِي﴾ بالرفع والياء ﴿وأرث﴾ جعلوه فعلًا مضارعًا من ورث، قال صاحب "اللوامح": وفيه تقديم؛ فمعناه: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ من آل يعقوب ﴿يَرِثُنِي﴾ إن متّ قبله؛ أي: نبوتي، وأرثه إن مات قبلي؛ أي: ماله، وهذا معنى قول الحسن وقرأ علي، وابن عباس، والجحدري ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال أبو الفتح: هذا هو التجريد. التقدير: يرثني منه وأرث، وقال الزمخشري: وأرث؛ أي: يرثني به وارث، ويسمى التجريد في علم البيان؛ لأنه جرد عن المذكور أولًا مع أنه المراد. وقرأ مجاهد: ﴿أو يرث من آل يعقوب﴾ على التصغير، وأصله وُوَيْرِث، فأبدلت الواو همزة على اللزوم، لاجتماع الواوين، وهو وارث؛ أي: غُلَيْم صغير، وعن الجحدري: ﴿وارث﴾ بكسر الواو؛ يعني به: الإمالة المحضة لا الكسر الخالص، وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظًا ومعنًى، ﴿وَاجْعَلْهُ﴾؛ أي: الولد الموهوب لي يا ﴿رَبِّ رَضِيًّا﴾؛ أي: مرضيًا عندك قولًا وفعلًا، وتوسيط (٢) ﴿رَبِّ﴾ بين مفعولي الجعل، كتوسيطه بين كان وخبرها فيما سبق لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع، ولذلك قيل: إذا أراد العبد أن يستجاب له دعاؤه .. فليدع الله بما يناسبه من أسمائه وصفاته. واعلم: أن الله تعالى لا يمكن العبد من الدعاء إلا لإجابته كلاً أو بعضًا،

стр. 7405

كما وقع لزكريا ﵇ وفي الحديث: "من فتح له باب الدعاء .. فتحت له أبواب الرحمة" ومعنى الآية؛ أي: أعطني من واسع فضلك، وعظيم جودك وعطائك، لا بطريق الأسباب العادية ولدًا من صلبي، يرث الحبورة مني ويرث من آل يعقوب ملكهم وكان زكريا رئيس الأحبار يومئذٍ ويكون برًا تقيًا مرضيًا عندك وعند خلقك، تحبه ويحبونه لدينه وخلقه ومحاسن شيمته. ونحو الآية قوله تعالى في سورة آل عمران حكايةً عنه: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ وقوله في سورة الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾. والحاصل: أن زكريا ﵇ قد عرف ببعض الإمارات، أن عصبته وهم إخوته وبنو عمه ربما استمروا على عادتهم في الشر والفساد، فخافهم أن يغيروه، وأن لا يحسنوا الخلافة على أمته، فطلب عقبًا من صلبه يقتدى به في إحيائه، وينهج نهجه فيه، فدعا بهذا الدعاء، ثم أخبر سبحانه أنه أجاب دعاءه، وتولى تسمية الولد بنفسه، فقال: ﴿يَا زَكَرِيَّا﴾ وفي الكلام حذف تقديره؛ أي: فاستجاب له دعاءه، فقال بوساطة الملك، يا زكريا، كما قال في سورة آل عمران، ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ ٧ - ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾؛ أي: بولد ذكر يرث العلم والنبوة في حياتك، فإنه قتل قبل موت أبيه، وبين هذه البشارة ووجود الغلام في الخارج بالفعل، ثلاث عشرة سنة كما تقدم في سورة آل عمران، وإن طلب زكريا للولد والبشارة به كان في صغر مريم وهي في كفالته، وإن الحمل بيحيى كان مقارنًا للحمل بعيسى، وكانت مريم إذ ذاك بنت ثلاث عشرة سنة، وتقدم أَن أشاع حملت بيحيى قبل حمل مريم بعيسى بستة أشهر. اهـ. شيخنا. والبشارة بكسر الباء: الإخبار بما يظهر سرورًا في المخبر ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ سمي به لإحيائه رحم أمه بعد موته بالعقم، أو لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها، وتولّى الله تسميته بنفسه تشريفًا له. ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾؛ أي: ليحيى ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل ولادته ﴿سَمِيًّا﴾؛ أي: شريكًا له في هذا الاسم، حيث لم

стр. 7406

يكن قبل يحيى أحد يسمى بيحيى، وقيل؛ أي: شبيهًا في الفضل والكمال، فإنه لم يعص، ولم يهم بمعصية من حال الصغر، وأنه صار سيدَ الشهداء على الإطلاق، والأظهر (١): أن يحيى أعجمي، وإن كان عربياً فهو منقول عن الفعل، كيعمر ويعيش، وهذا شاهد بأن التسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمّى وإياها كانت العرب تعني لكونها أنبه وأنوه وأنزه عن النير. وفي إخباره سبحانه بأنه لم يسمَّ بهذا الاسم قبله أحد فضيلة له من جهتين (٢): الأولى: أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به، ولم يكلها إلى الأبوين. والجهة الثانية: أن تسميته باسم لم يوضع لغيره، يفيد تشريفه وتعظيمه ٨ - ﴿قَالَ﴾ زكريا، استئناف بياني على سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال زكريا حينئذ، فقيل: قال: ﴿رَبِّ﴾ ناداه تعالى بالذات مع وصول خطابه تعالى إليه، بتوسط الملك للمبالغة في التضرع والمناجاة، والجد في التبتل إليه تعالى، والاحتراز عما عسى يوهم خطابه للملك من توهم أن علمه بما صدر منه متوقف على توسطه، كما أن علم البشر بما يصدر عنه سبحانه، متوقف على ذلك في عامة الأوقات ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾؛ أي: كيف يكون لي غلام!؟ أو من أين يحدث لي غلام!؟ وليس معنى هذا الاستفهام الإنكار، بل التعجب من قدرة الله تعالى، وبديع صنعه، حيث يخرج ولدًا من امرأة عاقر، وشيخ كبير، ﴿و﴾ الحال أنه قد ﴿كَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾؛ أي: لم تلد في شبابها وشبابي، فكيف وهي عجوز الآن ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ﴾ أنا ﴿مِنَ الْكِبَرِ﴾؛ أي: من أجل كبر السن ﴿عِتِيًّا﴾؛ أي (٣): يبوسةً وجفافًا، كالعود اليابس، من قولهم عتا العود إذا يبس، وعتا الشيخ إذا كبر وهرم وولى، ويقال لكل شيء انتهى قد عتا، وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافًا بأن المؤثر فيه كمال قدرته، وأن الوسائط عند التحقيق

стр. 7407

ملغاة، فـ ﴿أَنَّى﴾ استعجاب واستبعاد من حيث العادة لا من حيث القدرة. وقرأ أبو بحرية، وابن أبي ليلى، والأعمش، وحمزة، والكسائي: ﴿عِتِيًّا﴾ و ﴿بكِيًّا﴾ و ﴿صِلِيًّا﴾ بكسر أوائلها، ووافقهم حفص عن عاصم، إلا في قوله: ﴿بكِيًّا﴾ فإنه ضم أوله، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بضم أوائلها، وقرأ عبد الله: ﴿عِتِيًّا﴾ و ﴿صِلِيًّا﴾ بفتح العين والصاد، وعن عبد الله ومجاهد ﴿عسيا﴾ بضم العين والسين. قال الإمام (١): فان قيل: لم تعجَّب زكريا بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مع أنه طلبه؟ قلنا: تعجب من أن يجعلهما شابين، ثم يرزقهما الولد، أو يتركهما شيخين، ويلدان مع الشيخوخة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾؛ أي: أعدنا له قوة الولادة. انتهى. وفي "الأسئلة المقحمة": أراد من التي يكون منه هذا الولد، أمن هذه المرأة وهي عاقر أم من امرأة أخرى أتزوج بها، أو مملوكة؛ أي: ومن أي وجه يكون لي ذلك، وامرأتي عاقر لا تحبل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء، أبأن تقويني على ما ضعفت عنه من ذلك، وتجعل زوجي ولودًا، وأنت القادر على ما تشاء، أم بأن أتزوج زوجًا غير تلك العاقر؟. وخلاصة ذلك: أنه يستثبت ربه الخبر عن الوجه الذي يكون من قبلها الولد الذي بشره به، لا إنكار منه لذلك، وكيف يكون منه الإنكار لذلك، وهو المبتدىء مسألة ربه بقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾؟. وإجمال المعنى: أنه تعجب حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، وفرح فرحًا شديدًا، وسأل عن الوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته عاقر لم تلد

стр. 7408

من أول عمرها، والآن قد كبرت وهو قد كبر وعتا؛ أي: يبس عظمه ونحل، ولم يبق له قدرة على قربان النساء، وكأنه يقول: إني حين كنت شابًا وكهلًا لم أرزق الولد، لاختلال أحد السببين، وهو: عقم المرأة، أفحين اختل السببان أرزقه؟ ٩ - ثم أجاب الله سبحانه على هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله: ﴿قَالَ﴾ الله الأمر: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما قلنا لك من خلق ولد من بينكما، فسنهب لك الولد مع ما أنتما عليه من العقم والشيخوخة؛ أي: أمرنا وشأننا ذلك الذي قلنا لك وهذا تصديق له. ثم علل هذا بقوله: ﴿قَالَ رَبُّكَ﴾؛ أي: قال ربك الذي عودك الإحسان ﴿هُوَ﴾؛ أي: خلق ولد منكما على هذه الحال ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾؛ أي: سهل علي خاصةً، وإن كان في العادة مستحيلًا، فإني إذا أردت شيئًا كان دون توقف على الأسباب العادية التي رسمتها للحمل والولادة، وهذه الجملة مقررة للوعد المذكور بقوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ دالة على إنجازه، وقرأ (١) معاذ القاريّ، وعاصم الجحدري. ﴿هين﴾ بإسكان الياء، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ يا زكريا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يحيى في تضاعيف خلق آدم. ﴿وَلَمْ تَكُ﴾ يا زكريا إذ ذاك ﴿شَيْئًا﴾ موجودًا أصلًا بل عدمًا صرفًا، فخلق يحيى من البشرين، أهون من خلقك مفردًا والمراد خلق آدم؛ لأنه أنموذج مشتمل على جميع الذرية، قال الإِمام: وجه الاستدلال بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ الخ. أن خلقه من العدم الصرف، خلق للذات والصفات، وخلق الولد من شيخين لا يحتاج إلا إلى تبديل الصفات، والقادر على خلق الذات والصفات، أولى أن يقدر على تبديل الصفات. انتهى. وخلاصة ذلك: أن من قدر على خلق الذوات والصفات والآثار من العدم، أجدر بأن يكون قادرًا على تبديل الصفات، فيعيد إليه وإلى زوجه القوة وسائر الوسائل التي بها يمكن أن ينشأ منهما الولد، كما قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ

стр. 7409

يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ وقرأ الجمهور (١): ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ بتاء المتكلم وقرأ الأعمش، وطلحة، وابن وثاب، وحمزة، والكسائي: ﴿خلقناك﴾ بنون العظمة، وقال الزمخشري: وإنما قال: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئًا يعتد به. ١٠ - ثم أخبر سبحانه: أن زكريا تاقت نفسه إلى سرعة وجود المبشر به، ليطمئن قلبه بما وعد به، لا لتوقف عن صدق ما وعد به، ولا لتوهم أن ذلك من عند غير الله، لعصمة الأنبياء عن مثل ذلك ﴿قَالَ﴾ زكريا ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾؛ أي: علامةً على تحقق المسؤول في زمن معين، إذ كانت البشارة غير مقيدة بوقت، والحمل خفي في مبدئه، ولا سيما ممن انقطع حيضها لكبرها، إلا أنه أراد أن يطلعه على ذلك ليتلقى تلك النعمة الجليلة بالشكر حين حدوثها، ثم بين أنه أجابه إلى ما طلب فقال: ﴿قَالَ﴾ الله سبحانه ﴿آيَتُكَ﴾؛ أي: علامتك على وجود المبشر به، وحصول الحمل ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾؛ أي: أن لا تقدر على تكليم الناس بكلامهم المعروف في محاوراتهم ومخاطباتهم، مع القدرة على التسبيح والذكر، كما هو المفهوم من تخصيص الناس ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ مع أيامها وإنما قيدنا بالأيام؛ لأن الليالي الثلاث قد تكون من يومين، لأن الليل سابق على النهار، فحينئذٍ يحصل التعارض بين ما هنا وبين الآية الأخرى، وإنما عبر هنا بالليالي وهناك بالأيام؛ لأن هذه السورة مكيّة، والمكي سابق على المدني والليل سابق على النهار، فأُعطي السابق للسابق، وسورة آل عمران مدنية، والمدني متأخر عن المكي، والنهار متأخر عن الليل، فأعطى المتأخر للمتأخر سلوكًا مسلك التناسب، ذكره في "الفتوحات". حالة كونك ﴿سَوِيًّا﴾؛ أي: سوي الخلق تامه، سليم الجوارح صحيحها، ليس بك علة ولا مرض ولا شائبة بكم ولا خرس؛ أي: علامتك امتناعك من كلامهم حالة كونك صحيحاً سليمًا، قالوا: رجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها، ووقع الولد في رحمها فلما أصبح امتنع عليه الكلام مع الناس ١١ - ﴿فَخَرَجَ﴾ زكريا صبيحة حمل امرأته ﴿عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾؛ أي: من

стр. 7410

المصلى، أو من الغرفة، والمحراب هنا: هو المسمى (١) عند أهل الكتاب بالمذبح، وهو مقصورة في مقدم المعبد، لها باب يصعد إليه بسلم ذي درج قليلة، يكون من فيه محجوبًا عمن في المعبد؛ أي: خرج عليهم من المحراب متغير اللون، منطلق اللسان بذكر الله منحبسه عن كلام الناس، وقد كانوا ينتظرون أن يفتح لهم الباب إذ كانَ من عادتهم أن يصلوا معه صلاتي الغداة والعشي في محرابه، فأنكروه صامتًا، وقالوا: مالك يا زكريا ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: أشار إليهم لقوله تعالى: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾؛ أي: أومأ زكريا إلى قومه برأسه ويده ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾ أن إما مصدرية أو مفسرة، لأوحى، والمعنى؛ أي: صلوا أو بأن صلوا ﴿بُكْرَةً﴾؛ أي: من طلوع الفجر إلى وقت الضحى، ﴿وَعَشِيًّا﴾: هو من وقت زوال الشمس إلى أن تغرب وهما ظرفا زمان التسبيح، وعن أبي العالية: أن المراد بها صلاة الفجر، وصلاة العصر، أو سبحوا ربكم ونزهوه عن الشريك والولد، وعن كل نقص، طرفي النهار، وقولوا: سبحان الله، ولعله (٢) كان مأمورًا بأن يسبح شكرًا، ويأمر قومه بذلك، كما في "الإرشاد". يقول الفقير: هو الظاهر لأن معنى التسبيح في هذا الموضع تنزيه الله تعالى عن العجز عن خلق ولد يُستبعد وقوعه من الشيخين؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير، وقد ورد في "الأذكار": "لكل أُعجوبة سبحان الله" وقد كان أخبرهم بما بشر به قبل وجود الآية، فلما تعذر عليه الكلام .. أشار إليهم بحصول ما بشر به من ذلك الأمر العجيب في مجرى العادة فسروا به. وقرأ طلحة (٣): ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾ بهاء الضمير عائدة على الله تعالى، وروى ابن غزوان عن طلحة: ﴿أن سبحن﴾ بنون مشددة من غير واو، ألحق فعل الأمر نون التوكيد الثقيلة، ١٢ - وقوله: ﴿يَا يَحْيَى﴾ على إرادة القول؛ أي: ووهبنا له يحيى، وقلنا له بعدما بلغ سنًا يؤمر فيه مثله يا يحيى ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾؛ أي: خذ التوراة التي هي نعمة الله علي بني إسرائيل ﴿بِقُوَّةٍ﴾؛ أي: بجد واجتهاد وحرص على العمل

стр. 7411

بها، ثم وصفه الله تعالى بصفاتٍ كلها مناهج للخير، ووسائل للطاعة: ١ - ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: وأعطينا يحيى ﴿الْحُكْمَ﴾؛ أي: الفهم في التوراة، والفقه في الدين، والإقبال على الخير حالة كونه ﴿صَبِيًّا﴾؛ أي: صغيرًا لم يتم سبع سنين، وروي: أنه ﵇ دعاه الصبيان إلى اللعب فقال: ما للّعبِ خُلقنا، اذهبوا بنا نصلي، وعن بعض السلفِ: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ، فهو ممن أوتي الحكم صبيًا، وقال ابن عباس: الحكم: النبوة، استنبأه الله تعالى وهو ابن ثلاث سنين أو سبع، وإنما سمِّيت النبوة حكمًا لأن الله تعالى أحكم عقله في صباه، وأوحي إليه. ٢ - ١٣ وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ معطوف على الحكم وتنوينه للتفخيم، وهو في الأصل التحنن والاشتياق، يقال: حن؛ أي: ارتاح واشتاق، ثم استعمل في العطف والرأفة؛ أي: وآتيناه رحمةً عظيمةً عليه، كائنة من جنابنا، أو رحمة في قلبه، وشفقةً على أبويه وغيرهما. أو المعنى (١): أي وجعلناه ذا حنانٍ وشفقة على الناس، وحسن نظر فيما وليه من الحكم فيهم، وقد وصف الله سبحانه نبيه ﷺ بمثل هذا في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. ٣ - ﴿وَزَكَاةً﴾؛ أي: وآتيناه طهارةً من الدنس، وبعدًا من اجتراح الذنوب والآثام، قال الإِمام: لم تدعه شفقته إلى الإخلال بواجب؛ لأن الرأفة ربما أورثت ترك الواجب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فالمعنى: جمعنا له التعطف عليهم مع الطهارة عن الإخلال بالواجبات انتهى. أو جعلناه صدقةً؛ أي: تصدق الله به على أبويه، أو وفقناه للتصدق على الناس. ٤ - ﴿وَكَانَ﴾ يحيى ﴿تَقِيًّا﴾؛ أي: مطيعًا لما أمر به، ومتجنبًا عن المعاصي لم يعمل خطيئةً قط، ولم يهم بها، ومن جملة تقواه: أنه كان يتقوت بالعشب، وكان كثير البكاء، فكان لدمعه مجار على خده. اهـ شيخنا.

стр. 7412

٥ - ١٤ ﴿و﴾ كان ﴿بَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ عطف على تقيًا؛ أي: برًا بهما، لطيفًا بهما، محسنًا إليهما، والمعنى؛ أي: كان كثير البر بهما، والإحسان إليهما، والحدب عليهما، بعيدًا عن عقوقهما قولًا وفعلًا، وقد جعل الله طاعة الوالدين في المرتبة التي تلي مرتبة طاعته فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقرأ (١) الحسن، وأبو جعفر في رواية، وأبو نهيك، وأبو مجلز: ﴿وبراً﴾ في الموضعين بكسر الباء؛ أي: وذا برّ. ٦ - ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾؛ أي: ولم يكن يحيى متكبرًا على الناس، بل كان لين الجانب، متواضعًا لهم، وقد أمر الله سبحانه نبيه محمدًا ﷺ بمثل هذا في قوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢ ١٥)﴾ ووصفه بقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ومن ثم لما تجبر إبليس وتمرد .. صار مبعدًا من رحمة ربه، وقال في "بحر العلوم (٢) ": الجبار المتكبر، وقيل: هو الذي يضرب ويقتل على الغضب، لا ينظر في العواقب وقيل: هو المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله. اهـ. ٧ - ولم يكن: ﴿عَصِيًّا﴾؛ أي: عاصيًا لربه، مخالفًا له فيما أمر به ونهى عنه، عاقًا بوالديه ١٥ - ثم ذكر سبحانه جزاءه على ما قدم من عمل صالح، وأسلف من طاعة ربه، فقال: ﴿سَلَامٌ﴾؛ أي: سلامة من الله تعالى وأمان ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على يحيى، أصله (٣): وسلمنا عليه في هذه الأحوال الثلاثة، وهي أوحش المواطن، لكن نقل إلى الجملة الاسمية، للدلالة على ثبات السلام واستقراره، فإن وحشتها لا تكاد تزول إلا بثبات السلام فيها ودوامه ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ وخرج من رحم أمه، من طعن الشيطان كما يطعن سائر بني آدم ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ بموت الطبيعي، من هول الموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ من القبر حال كونه ﴿حَيًّا﴾ من هول القيامة وعذاب النار، والمعنى (٤): وتحية من الله عليه أول ما يرى

стр. 7413

الدنيا، وأول يوم يرى فيه أمر الآخرة، وأول يوم يرى فيه الجنة والنار، وإنما خص هذه المواضع الثلاثة لأن العبد أحوج ما يكون إلى رضا ربه فيه, لضعفه، وحاجته، وقلة حيلته، وأفتقاره إلى رحمة ربه ورأفته به. ١٦ - ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد للناس ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: في القرآن وفي هذه السورة الكريمة، فإنها بعض من الكتاب، فصح إطلاقه عليها ﴿مَرْيَمَ﴾؛ أي: خبر مريم بنت عمران وقصتها، فإن الذكر لا يتعلق بالأعيان، ومريم بمعنى العابدة. فائدة: قال بعض العلماء (١) في حكمة ذكر مريم في القرآن باسمها دون غيرها من النساء: إن الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ، ولا يبتذلون أسماءَهن، بل يكنون عن الزوجة بالعرس والعيال والأهل ونحو ذلك، فإذا ذكروا الإماء لم يكنوا عنهن، ولم يصونوا أسماءَهن عن الذكر والتصريح بها، فلما قالت النصارى في حق مريم ما قالت وفي ابنها .. صرح الله تعالى باسمها ولم يكنّ عنها تأكيداً للأمة والعبودية التي هي صفة لها، وإجراءً للكلام على عادة العرب في ذكر إمائها، ومع هذا فإن عيسى ﵇ لا أب له، واعتقاد هذا واجب، فإذا تكرّر ذكرهُ منسوبًا إلى الأم .. استشعرت القلوب ما يجب عليها اعتقاده من نفي الأب عنه، وتنزيه الأم الطاهرة عن مقالة اليهود - لعنهم الله تعالى - كذا في "التعريف والإعلام" للإمام السهيلي. وقال في "أسئلة الحكم": سميت مريم (٢) في القرآن باسمها لأنها أقامت نفسها في الطاعة كالرجل الكامل، فزكرت باسمها كما يذكر الرجال، من موسى وعيسى ونحوهما ﵈ وخوطبت كما خوطب الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ ولذا قيل بنبوتها، وقوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ وابتعدت، ظرف لذلك المضاف المقدر، من النبذ وهو الطرح، والانتباذ انفعال منه ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ أي: من قومها متعلق بانتبذت ﴿مَكَانًا

стр. 7414

شَرْقِيًّا﴾ مفعول به لانتبذت، باعتبار ما في ضمنه من معنى الإتيان؛ أي: مكانًا في الدار، مما يلي الشرق، والشرق: بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس عند الطلوع، وإنما (١) خص المكان بالشرق؛ لأنهم كانوا يعظمون جهة الشرق، لأنها مطلع الأنوار. حكى معناه ابن جرير. ومن ثمة اتخذ النصارى المشرق قبلةً، كما اتخذ اليهود المغرب قبلةً؛ لأن الميقات وإيتاء التوراة واقعان في جانب الجبل الغربي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾. والمعنى: أي (٢) واذكر يا محمد لقومك قصة مريم بنت عمران، حين اعتزلت وانفردت وتباعدت من قومها، فأتت مكانًا شرقيًا من دار خالتها إيشاع، زوجة زكريا فإن موضعها كان المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، وإذا طهرت عادت إلى المسجد، فاحتاجت يومًا إلى الاغتسال، وكان الوقت وقتا الشتاء، فجاءت إلى ناحيةٍ شرقيةٍ من الدار، وموضع مقابل للشمس؛ لأن ذلك اليوم كان شاتيًا، شديدَ البرد. ١٧ - ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾؛ أي: فأرخت من أدنى مكان أهلها ﴿حِجَابًا﴾؛ أي: سترًا تتستّر به حال التطهر من الحيض؛ أي: أرخت بينها وبين أهلها حجاباً يسترها عنهم، لئلا يروها حال التطهر من الحيض، فبينما هي في مغتسلها وقد تطهرت ولبست ثوبها .. أتاها الملك في صورة آدميٍّ شابٍّ أمرد، وضيىء الوجه، جعد الشعر، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا﴾؛ أي: إلى مريم في مغتسلها ذلك ﴿رُوحَنَا﴾؛ أي: رسولنا جبريل ﵇ فإنه كان روحانيًا، فأطلق عليه الروح للطافته مثله، ولأن الدين يحيى به ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾؛ أي: فتصور وتشبه لأجلها وانتصاب قوله: ﴿بَشَرًا﴾ على أنه مفعول به؛ أي: تشبه لأجلها آدميًا ﴿سَوِيًّا﴾؛ أي: تام الخلق، كامل البنية، لم يفقد من حسان نعوت الآدمية شيئًا،

стр. 7415

وقيل: تمثل لها في صورة تِرْبٍ لها اسمه يوسف، من خدم بيت المقدس، وتتلقى منه ما يلقى إليها من كلماته تعالى، إذ لو بدا لها على الصورة الملكية لنفرت منه، ولم تستطع استماع كلامه، ولأنه جاء للنفخ المنتج للبشر فتمثل بشرًا، ولو جاء على صورة الملك لجاء عيسى على صورة الروحانيين كما لا يخفى، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ القربان بعد الطهر التام أطهر والولد إِذن أنجب، فافهم. وقرأ أبو حيوة وسهل (١): ﴿روحنا﴾ بفتح الراء؛ لأنه سبب لما فيه روح العباد، وإصابة الروح عند الله الذي هو عدة المقربين في قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾؛ أي: مقربنا وذا روحنا، وذكر النقاش: أنه قرىء: ﴿روحنا﴾ بتشديد النون: اسم ملك من الملائكة، ١٨ - فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق، قد خرق عليها الحجاب .. ظنت أنه يريدها بسوءٍ فاستعاذت بالله منه و ﴿قَالَتْ﴾؛ أي: مريم ﴿إِنِّي أَعُوذُ﴾ وأتحصن وامتنع ﴿بـ﴾ عصمة ﴿بِالرَّحْمَنِ مِنْ﴾ شر ﴿ك﴾ يا شاب، ذكره (٢) تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى، واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها، قال في "الكشاف": دل على عفافها وورعها، أنها تعوذت الله من تلك الصورة الجميلة ﴿إِنْ كُنْتَ﴾ أيها الشاب ﴿تَقِيًّا﴾ تتقي الله وتبالي الاستعاذة به، وقيل (٣): إن ﴿تَقِيًّا﴾: اسم رجل صالح، فتعوذت منه تعجبًا، وقيل: إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، يتبع النساء، فظنت مريم أنَّ ذلك المشاهد هو ذلك المتقي، فمن ذلك تعوذت منه، وخصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه، والأول أولى، وجواب الشرط: محذوف ثقةً بدلالة السياق عليه؛ أي: فإني عائذة به أو فلا تتعرض. والمعنى: أي فلما رأته فزعت منه وقالت: إني أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرم الله عليك، إن كنت ذا تقوى له، تتقي محارمه، وتجتنب معاصيه، فمن يتق الله .. يجتنب ذلك.

стр. 7416

وإجمال المعنى؛ أنه لما تبدى لها في صورة البشر، وهي في مكان منفرد، وبينها وبين قومها حجاب .. خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: إني أعوذ بالله منك، إن كنت تخافه، وقد فعلت المشروع في الدفع، وهو أن يكون بالهوينى، والأسهل فالأسهل. وخلاصة ذلك: أن الاستعاذة لا تؤثر إلا في المتقي؛ لأن الله تعالى يخشى في حال دون حال، فهو كقوله تعالى ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إن الإيمان يوجب ذلك، ١٩ - فلما علم جبريل خوفها .. ﴿قَالَ﴾ مجيبًا لها، ومزيلًا لما حصل لها من الخوف على نفسها ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ الناظر في مصلحتك، والمالك لأمرك، ولست ممن تظنّين، ولا يقع مني ما تتوهمين من الشر، ولكن رسول ربك، بعثني إليك. ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾؛ أي: ولدًا طاهرًا مبرأً من العيوب، وقد أضاف الهبة إلى نفسه من قبل أنها جرت على يده، بأن نفخ في جيبها بأمر الله تعالى، أو لكونه سببًا فيها من جهة كون الإعلام لها من جهته، والزكي: الطاهر من الذنوب، الذي ينمو على النزاهة والعفة، وقيل: المراد بالزكي: النبي. وقرأ شيبة (١)، وأبو الحسن، وأبو بحرية، والزهري، وابن مناذر، ويعقوب، واليزيديّ، ومن السبعة نافع، وأبو عمرو: ﴿ليهب﴾؛ أي: ليهب ربك وقرأ الجمهور، وباقي السبعة، ﴿لِأَهَبَ﴾ بهمزة المتكلم ٢٠ - فلما عجبت مريم مما سمعت .. ﴿قَالَتْ﴾ مستبعدةً متعجبةً من حيث العادة، لا مستبعدةً من حيث القدرة؛ أي: قالت لجبريل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾؛ أي: من أي وجه يكون لي ولد كما وصفت ﴿و﴾ الحال أني ﴿لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾؛ أي: لم يباشرني، ولم يقربني رجل بنكاح، ولست بذات زوج ﴿و﴾ الحال أَني أيضًا ﴿لَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾؛ أي: فاجرةً تبغي الرجال، ولا يتصور منِّي الفجور، تريد أنَّ الولد إما أن يكون من نكاح، أو سفاح ولم يكن هاهنا واحد منهما, ولم يقل (٢) بغية؛ لأنه وصف

стр. 7417

غالب على المؤنث، كحائض؛ أي: فاجرة تبغي الرجال، يريد نفي الوطأ مطلقًا وأن الولد إما من النكاح الحلال أو الحرام، أما الحلال فلأنها لم يمسها بشر، وأما الحرام فلأنها لم تك بغيًا، فإذا انتفى السببان جميعًا .. انتفى الولد. ٢١ - ﴿قَالَ﴾ جبريل مجيبًا لها عما سألت ﴿كَذَلِكِ﴾؛ أي: الأمر كما قلت لك من هبة الولد لك، أو الأمر كما قلت (١) لي من أنه لم يمسسمك رجل نكاحًا أو سفاحًا ولكن ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ ومالك أمرك الذي أرسلني إليك ﴿هُوَ﴾؛ أي: هبة الولد لك، وخلقه منك من غير أن يمسك بشر أصلًا ﴿عَلَيَّ﴾ خاصةٌ ﴿هَيِّنٌ﴾؛ أي: سهل وإن كان مستحيلًا عادةً؛ لأني لا أحتاج إلى الوسائط. والمعنى (٢): أي قال الملك مجيبًا لها عما سألت إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلام، ولم تكوني ذات بعلٍ ولا تقترفين فاحشةً، فإنه تعالى على ما يشاء قدير، ولا يمتنع عليه فعل ما يريده، ولا يحتاج في إنشائه إلى المواد والآلات، ونحو الآية قوله في سورة آل عمران: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ معطوف على علةٍ محذوفة لمعلول محذوف، تقديره: فعلنا ذلك لنبين به قدرتنا، ولنجعل هذا الغلام أو خلقه من غير أب ﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: برهانًا يستدلون به على كمال قدرتنا، وباهر حكمتنا، أو علة لمعلول محذوف متأخر، تقديره؛ أي: ولنجعله آيةً للناس خلقناه. والمعنى: وفعلنا ذلك لنجعل خلقه من غير أبٍ برهانًا على قدرتنا، فقد خلقنا أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلقنا عيسى من أنثى من غير ذكر، وخلقنا حواء من ذكر من غير أنثى، وخلقنا بقية بني آدم من ذكر وأنثى، فجمله أنواع خلق البشر أربعة، وإلى الأولين أشار القائل: ألاَ رُبَّ مَوْلُوْدٍ وَلَيْسَ لَهُ أبُ ... وَذِيْ وَلَدٍ لَمْ يَلِدْهُ أَبَوَانِ وقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾: معطوف على ﴿آيَةً﴾؛ أي: وخلقناه لنجعله رحمةً

стр. 7418

عظيمةً كائنةً منا للناس، لما يناله منه من الهداية، والخير الكثير؛ لأن كل نبي رحمةٌ لأمته لأنه يدعوهم إلى توحيده وعبادته ﴿وَكَانَ﴾ خلقه بلا فحلٍ ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ قضيت به في سابق علمي، وحكمت بوقوعه لا محالة، فيمتنع خلافه، فلا فائدة في الحزن لأنه لا يبدّل ولا يغيّر ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. ٢٢ - قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ قبله كلام مطوي والتقدير: فلما قال لها جبريل ما قال .. استسلمت لقضاء لله، واطمأنت إلى قوله، فدنا منها فنفخ في جيب درعها - الفتحة التي في القميص من الأمام - فوصلت النفخة إلى بطنها، فحملته، قاله ابن عباس، وقيل (١): كانت النفخة في ذيلها، وقيل: في فمها، والقرآن قد أثبت النفخ فقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ ولم يعين موضع النفخة، فلا نجزم بشيء من ذلك إلا بالدليل القاطع، قيل: إن وضعها كان متصلًا بهذا الحمل، من غير مضي مدة للحمل، ويدل على ذلك قوله: ﴿فَانْتَبَذَتْ﴾ أبتعدت واعتزلت وتنحت من الناس ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالذي حملته، وهو عيسى ﵇ حيث أتى بفاء التعقيب، وقيل (٢): كانت مدة العمل ثلاث ساعات، وقيل حمل في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة، وقيل: ستة أشهر، وقيل: سبعة أشهر، كما قاله أبو العالية، والضحاك، وعطاء، وقيل: ثمانية أشهر، ولم يعش مولود وضع لثمانية أشهر إلا عيسى، وهذه أقوال مضطربة متناقضة، كان ينبغي أن يضرب عنها صفحًا، إلا أن المفسرين ذكروها وسودوا بها الورق. والقرآن الكريم لم يعيق مدة العمل، ولا حاجة إليها في العبرة، فنقول: إنها كانت كما يكون غيرها من النساء، إلا إذا ثبت غيره، وكذلك لا حاجة إلى تعيين سنها حينئذ، إذ لا يتعلق به كبير فائدة؛ لأنه قيل: كانت بنت أربع عشرة سنة، وقيل: بنت خمس عشرة سنة، وقيل: بنت ثلاث عشرة، وقيل: بنت اثنتي عشرة سنة، وقيل: عشر سنين: وقيل: بعد أن حاضت حيضتين. ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾؛

стр. 7419

أي: مكانًا قصيًا بعيدًا عن أهلها، قيل: كان هذا المكان وراء الجبل، وقيل: أبعد مكان في تلك الدار، وقيل: أقصى الوادي وقيل: إنها فرت إلى مصر: وقيل: إلى موضع يعرف ببيت لحم، بينه وبين إيلياء أربعة أميال، ولا حاجة إلى تعيينه، وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة ﴿قاصيا﴾ ذكره ابن الجوزي. وإنما اتخذت المكان البعيد حياءً من قومها، وهي من سلائل بيت النبوة، ولأنها استشعرت منهم باتهامها بالريبة، فرأت أن لا تراهم، وأن لا يروها. قال وهب بن منبه (١): لما حملت مريم بعيسى .. كان معها ابن عم لها، يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان يوسف ومريم يخدمان ذلك المسجد، ولا يُعلم في أهل زمانهما أحد أشد عبادةً منهما، وأوَّل من علم حمل مريم هو يوسف، فتحيَّر في أمرها فكلما أراد أن يتهمها .. ذكر عبادتها، وأنها لم تغب عنه ساعةً قط، وإذا أراد أن يبرئها .. رأى الذي ظهر بها من الحمل، فأول ما تكلم به أن قال: قد وقع في نفسي من أمرك شيء، وقد حرصت على كتمانه، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام فيه أشفى لصدري، فقالت: قل: قولًا جميلاً، قال: أخبريني يا مريم، هل ينبت زرع بغير بذر، وهل تنبت شجرة من غير غيث، وهل يكون ولد من غير ذكر، قالت: نعم ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الشجرة من غير غيث، وبالقدرة جعل الغيث حياةَ الشجرة، بعدما خلق كل واحد منهما على حدة، أو نقول: إن الله تعالى لا يقدر على أن ينبت الشجرة حتى استعان بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباتها، فقال يوسف: لا أقول هذا, ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، فيقول له: كن فيكون، فقالت له مريم: ألم تعلم أن الله تعالى خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى، فعند ذلك زالت التهمة عن قلبه، وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لاستيلاء الضعف عليها بسبب الحمل، وضيق القلب، ٢٣ - فلما دنت ولادتها .. أوحى الله إليها أن أخرجي من أرض قومك، فخرجت إلى أقصى الدار ﴿فَأَجَاءَهَا

стр. 7420

الْمَخَاضُ﴾؛ أي: فألجأها وجع الولادة وأم الطلق، يقال: جاء بها، وأجاءها، فهو تعدية جاء بالهمزة، ويقال: مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَأَجَاءَهَا﴾؛ أي: ساقها واضطرها، وقال الشاعر: وجَارٌ سَارَ مُعْتَمِدَاً إِلَيْكُم ... أَجَاءَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاءُ وأمال فتحة الجيم الأعمش، وطلحة، وقرأ حماد بن سلمة عن عاصم: قال ابن عطية، وشبيل بن عزرة: ﴿فاجأها﴾ من المفاجاة، وقال صاحب "اللوامح" شبيل بن عزرة: ﴿فاجأها﴾ فقيل: هو من المفاجاة، بوزن فاعلها وروي عن مجاهد: كقراءة حماد عن عاصم، وقرأ (٢) عكرمة، وإبراهيم النخعي، وعاصم الجحدري ﴿المِخَاض﴾ بكسر الميم؛ أي: فالجأها واضطرها وجه الولادة أن تستند ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾؛ أي: إلى (٣) أصل نخلة يابسة، لا رأس لها للتشبث به، لتسهل الولادة، كما أن الحامل تتعلق لشدة وجع الولادة بشيء مما تجد عندها، وكان الوقت شتاءً شديد البرد، فلما اعتمدت عليه بصدرها أخضر، وأطلع الجريد والخوص والثمر رطبًا في وقت واحد، كما أن حمل عيسى وتصويره وولادته في وقت واحد، وكأن الله أرشدها إلى النخلة ليريها من آياته ما يسكن روعتها، وليطعمها الرطب الذي هو أشد الأشياء موافقة للنفساء، فهو خرسة لها. والخرسة بالتاء: طعام النفساء، وبدونها طعام الولادة، ولأن النخلة من أقل الأشجار صبرًا على الأرض، ولأنها لا تثمر إلا عند اللقاح من ذكر النخل، وإذا قطعت رأسها ماتت، فكأنه تعالى قال: كما أن الأنثى لا تلد إلا مع الذكر، فكذا النخلة لا تثمر إلا عند اللقاح، ثم إني أظهر الرطب من غير اللقاح، ليدل ذلك على جواز ظهور الولد من غير ذكر، فحملها بمجرد هزها أنسب شيء بإتيانها بولد من غير والد.

стр. 7421

والجذع ما بين العرق والغصن؛ أي: أسفلها ما دون الرأس الذي عليه الثمر ﴿قَالَتْ﴾ مريم لما خافت أن يظن بها السوء في دينها، فيضع في المعصية من يتكلم فيها، وهي راضية بما بشرها به جبريل: ﴿يَا﴾؛ أي: أنبهك يا أيها المخاطب، أو يا هؤلاء ﴿لَيْتَنِي مِتُّ﴾؛ أي: أتمنى موت نفسي ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ الوقت الذي رأيت فيه ما رأيت من الأمر العظيم، وقرأ (١) نافع، وحفص، وحمزة، والكسائي: ﴿مِتُّ﴾ بكسر الميم، والباقون بالضم ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾؛ أي: شيئًا تافهاً حقيرًا، شأنه أن ينسى، ولا يعتد به أصلًا، كخرقة الطمث ونحوها، وقرأ حفص، وحمزة، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى: بفتح النون، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، والكسائي: بكسر النون، وهو فعل بمعنى مفعول، كالذبح وهو ما من شأنه أن يذبح، وقرأ محمد بن كعب القرظي ﴿نساءً﴾ بكسر النون والهمز مكان الياء، وهي: قراءة نوف الأعرابي، وقرأ بكر بن حبيب السهمي، ومحمد بن كعب، أيضًا: ﴿نسأ﴾ بفتح النون والهمزة، وهو مصدر من نسأت اللبن، إذا صببت عليه ماءً، فاستهلك اللبن فيه لقلته، فكأنها تمنت أن تكون مثل ذلك اللبن، الذي لا يرى ولا يتميز من الماء، وقال ابن عطية: وقرأ بكر بن حبيب ﴿نسأ﴾ بفتح النون والسين من غير همز، بناه على فعل كالقبض والنقض، بمعنى المقبوض والمنقوض ﴿مَنْسِيًّا﴾؛ أي: متروكًا لا يخطر ببال أحد من الناس، وهو نعت للمبالغة. وهذا جري على عادة الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم (٢)، فإنهم يقولون مثل ذلك، كما روي عن أبي بكر: أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر، تقع على الشجرة وتأكل من الثمر، وددت أني ثمرةٌ ينقرها الطائر. وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة ولم أك شيئًا. وعن علي

стр. 7422

أنه قال يوم الجمل: يا ليتني من قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال أنه قال: ليت بلالًا لم تلده أمه. وقرأ الأعمش، وأبو جعفر في رواية (١): ﴿منسيا﴾ بكسر الميم إتباعًا لحركة السين، كما قالوا: منتن باتباع حركة الميم لحركة التاء. ٢٤ - ﴿فَنَادَاهَا﴾؛ أي: فنادى جبريل مريم ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت مريم من مكان أسفل منها، تحت الأكمة، حين سمع جزعها؛ لأن عيسى لم يتكلم حتى أتت به قومها، وقال في (٢) القصص من تحت النخلة، أو فناداها (٣) عيسى ﵇ كما قال الحسن البصري، وسعيد بن جبير: وقد أنطقه الله حين وضعته تطييبًا لقلبها، وإزالةً للوحدة عنها، حتى تشاهد بادىء ذي بدءٍ علو شأن ذلك المولود الذي بشرها جبريل به. وقرأ ابن عباس (٤): ﴿فناداها ملك من تحتها﴾ وقرأ البراء بن عازب، وابن عباس، والحسن، وزيد بن علي، والضحاك، وعمرو بن ميمون، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفص ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بكسر الميم والتاء حرف جر، وقرأ الابنان: ابن كثير، وابن عامر، والأبوان: أبو عمرو، وأبو بكر، وعاصم وزر ومجاهد، والجحدري، والحسن، وابن عباس في رواية عنهما: ﴿مَنْ تحتَها﴾ بفتح الميم والتاء بمعنى الذي، وتحت: ظرف منصوب صلة لـ (من)، قال ابن الجوزي (٥): فمن قرأ بكسر الميم ففيه وجهان: أحدهما: ناداها الملك من تحت النخلة، وقيل: كانت على نشز فناداها الملك أسفل منها. والثاني: ناداها عيسى لما خرج من بطنها. قال ابن عباس: كل ما رفعت إليه طرفك فهو فوقك، وكل ما خفضت إليه طرفك فهو تحتك.

стр. 7423

ومن قرأ بفتح الميم ففيه الوجهان المذكوران، وكان الفراء يقول: ما خاطبها إلا الملك على القراءتين جميعًا. انتهى. ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ أن إما مفسرة للنداء؛ أي: لا تحزني يا مريم بولادة عيسى وبمكان القحط، أو لا تحزني يا أمي، أو مصدرية على حذف الباء؛ أي: بأن لا تحزني والحزن (١): غم يلحق لوقوعه من ذوات نافع، أو حصول ضار ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ﴾ المحسن إليك ﴿تَحْتَكِ﴾؛ أي في مكان أسفل منك، أو قريب منك، أو تحت ذيلك ﴿سَرِيًّا﴾؛ أي: نهرًا صغيرًا، أو غلامًا رفيع الشأن، سامي القدر، ذا سخاء في مروءةٍ. قال جمهور المفسرين (٢): السري: النهر الصغير, والمعنى قد جعل ربك تحت قدمك نهرًا، قيل: كان نهرًا قد انقطع عنه الماء فأرسل الله فيه الماء لمريم، وأحيا به ذلك الجذع اليابس، الذي اعتمدت عليه، حتى أورق وأثمر، وقيل: المراد بالسريّ هنا عيسى، والسريّ العظيمُ من الرجال، ومنه قولهم: فلان سريّ؛ أي: عظيم، ومن قومٍ سراةٍ؛ أي: عظام. والمعنى على قراءة ﴿مِنْ﴾ الجازَة: فناداها (٣) جبريل من مكان أسفل منها تحت الأكمة؛ أي: لا تحزني يا مريم على ولادة عيسى، قد جعل ربك بمكان أسفل منك، أو قريبًا منك، نهرًا صغيرًا، أو إنسانًا شريفًا جليلًا، ويدل على ذلك قراءة من قرأ: ﴿فناداها ملك من تحتها﴾ أو ناداها المولود كائنًا من تحت ذيلها؛ أي: لا تحزني يا أمي قد جعل ربك تحتك جدولًا يجري، ويمسك بأمرك، أو نبيًا مرتفعَ القدر، وعلى قراءة: ﴿مَنْ﴾ الموصولة فناداها عيسى الذي كان تحت ذيلها؛ أي: لا تحزني قد جعل ربك تحتك رئيسًا عزيزًا، لا يكاد يوجد له نظير، أو جدولًا بضرب جبريل الأرض برجله، أو فناداها جبريل من تحتها يقبل الولد كالقابلة، أو من تحت النخلة، بأن لا تحزني قد جعل ربك قربك عين ماء عذب،

стр. 7424

تعظيمًا لشأنك، فإن الله تعالى أرسل جبريل إليها ليناديها بهذه الكلمات، كما أرسل إليها في أول الأمر، ليكون ذلك تذكيرًا لها ما تقدم من أصناف البشارات. أو يقال: إن الله تعالى أنطق عيسى لها حين وضعته، تطييبًا لقلبها، وإزالةً للوحشة عنها، حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل، من علو شأن ذلك المولود، كما قال الحسن بن علي ﵄: إن عيسى ﵇ لو لم يكن كلمها لما علمت أنه ينطق، فما كانت تشير إلى عيسى بالكلام. ٢٥ - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾؛ أي: حركي وأميلي ﴿إِلَيْكِ﴾؛ أي: إلى جهتك يا مريم ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، أي: جذع النخلة، فالباء صلة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ أي: حركي أصل النخلة تحريكًا عنيفًا إلى جهتك ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾؛ أي: تسقط النخلة ﴿عَلَيْكِ﴾ إسقاطًا متواترًا بحسب تواتر الهز. ﴿رُطَبًا﴾؛ أي: بسرًا ناضجًا ﴿جَنِيًّا﴾؛ أي: صالحًا للأجناء، والجني فعيل بمعنى مفعول؛ أي: رطبًا مجنيًا؛ أي: صالحًا للاجتناء، قد بلغ الغاية، قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل. والمعنى: أي (١) أميلي إليك جذع النخلة واجذبيه بتحريكه، يسقط عليك رطبًا جنيًا تأكلين منه ما تشائين، وتلك آية أخرى لها، روي أنها كانت نخلةً يابسةً لا رأس لها ولا ثمر، وكان الوقت شتاءً، فأنزل الله لها رزقًا، فجعل للنخلة رأسًا وخوصًا، وجعل لها ثمرًا رطبًا، وهذه رواية يعوزها الدليل. وفي هذا إيماءٌ وتنبيه إلى أن من يقدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء، يقدر أن يجعلها تحمل من غير السنن العادية، وإلى أن السعي في الرزق مطلوب، ولا ينافي التوكل، ولله درّ القائل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَوْحَى لِمَرْيَمِ ... وَهُزِّيْ إِلَيْكِ الْجِذع يُسَاقِطِ الرُّطَبْ وَلَوْ شَاءَ أحْنَى الْجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ ... إِلَيْهَا وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ

стр. 7425

وقرأ ابن كثير (١)، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ﴿تَسَّاقَط﴾ بفتح التاء والسين وشدها بعدها ألف وفتح القاف، وقرأ حمزة، والأعمش، وطلحة، وابن وثاب، ومسروق ﴿تساقط﴾ كذلك إلا أنهم خففوا السين وقرأ حفص عن عاصم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف مخففة السين، مضارع ساقطت، وقرأ يعقوب، وأبو زيد عن المفضل، والبراء بن عازب، والأعمش في رواية: ﴿يساقط﴾ بالياء مفتوحةً وتشديد السين وفتح القاف، فهذه القراءات المشاهير، وقرأ أبي بن كعب، وأبو حيوة، ومسروق: ﴿تسقط﴾ بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف، وعن أبي حيوة كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وعنه أيضًا: ﴿تسقط﴾ بالتاء من فوق مفتوحةً وضمّ القاف، وعنه كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وقال بعضهم في قراءة أبي حيوة هذه: أنه قرأ: ﴿رطب جني﴾ بالرفع على الفاعلية، وقرأ أبو السماك العدوي، وابن حزام: ﴿تتساقط﴾ بتاءَين مفتوحتين وبألف، وقرأ معاذ القارىء، وابن يعمر ﴿نساقط﴾ بالنون. وقال الزجاج (٢): من قرأ ﴿يساقط﴾. فالمعنى: يتساقط فادغمت التاء في السين، ومن قرأ ﴿تساقط﴾ .. فكذلك أيضًا، وأنَّث لأن لفظ النخلة يؤنث، ومن قرأ ﴿تساقط﴾ بالتاء والتخفيف .. فإنه حذف من تتساقط اجتماع التاءَين، ومن قرأ ﴿يساقط﴾ .. ذهب إلى معنى تساقط الجذع عليك، ومن قرأ ﴿نساقط﴾ بالنون .. فالمعنى: نحن نساقط عليك فنجعله لك آيةً، وقرأ (٣) طلحة بن سليمان ﴿جَنِيًّا﴾ بكسر الجيم اتباعًا لحركة النون ٢٦ - ﴿فَكُلِي﴾ يا مريم من ذلك الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من ماء النهر، أو فكلي من ذلك الرطب، واشربي من عصيره، وكان (٤) ذلك إرهاصًا لعيسى، أو كرامةً لأمه، وليس معجزة لفقد شرطها وهو: التحدي كما في "بحر العلوم". قال الإِمام: وقدم الأكل على الشرب لأن حاجتها إليه أشد من حاجتها إلى
следующие страницы →