← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

والجذع ما بين العرق والغصن؛ أي: أسفلها ما دون الرأس الذي عليه الثمر ﴿قَالَتْ﴾ مريم لما خافت أن يظن بها السوء في دينها، فيضع في المعصية من يتكلم فيها، وهي راضية بما بشرها به جبريل: ﴿يَا﴾؛ أي: أنبهك يا أيها المخاطب، أو يا هؤلاء ﴿لَيْتَنِي مِتُّ﴾؛ أي: أتمنى موت نفسي ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ الوقت الذي رأيت فيه ما رأيت من الأمر العظيم، وقرأ (١) نافع، وحفص، وحمزة، والكسائي: ﴿مِتُّ﴾ بكسر الميم، والباقون بالضم ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾؛ أي: شيئًا تافهاً حقيرًا، شأنه أن ينسى، ولا يعتد به أصلًا، كخرقة الطمث ونحوها، وقرأ حفص، وحمزة، وابن وثاب، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى: بفتح النون، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، والكسائي: بكسر النون، وهو فعل بمعنى مفعول، كالذبح وهو ما من شأنه أن يذبح، وقرأ محمد بن كعب القرظي ﴿نساءً﴾ بكسر النون والهمز مكان الياء، وهي: قراءة نوف الأعرابي، وقرأ بكر بن حبيب السهمي، ومحمد بن كعب، أيضًا: ﴿نسأ﴾ بفتح النون والهمزة، وهو مصدر من نسأت اللبن، إذا صببت عليه ماءً، فاستهلك اللبن فيه لقلته، فكأنها تمنت أن تكون مثل ذلك اللبن، الذي لا يرى ولا يتميز من الماء، وقال ابن عطية: وقرأ بكر بن حبيب ﴿نسأ﴾ بفتح النون والسين من غير همز، بناه على فعل كالقبض والنقض، بمعنى المقبوض والمنقوض ﴿مَنْسِيًّا﴾؛ أي: متروكًا لا يخطر ببال أحد من الناس، وهو نعت للمبالغة. وهذا جري على عادة الصالحين عند اشتداد الأمر عليهم (٢)، فإنهم يقولون مثل ذلك، كما روي عن أبي بكر: أنه نظر إلى طائر على شجرة فقال: طوبى لك يا طائر، تقع على الشجرة وتأكل من الثمر، وددت أني ثمرةٌ ينقرها الطائر. وعن عمر أنه أخذ تبنة من الأرض فقال: يا ليتني هذه التبنة ولم أك شيئًا. وعن علي

стр. 7422

أنه قال يوم الجمل: يا ليتني من قبل هذا اليوم بعشرين سنة. وعن بلال أنه قال: ليت بلالًا لم تلده أمه. وقرأ الأعمش، وأبو جعفر في رواية (١): ﴿منسيا﴾ بكسر الميم إتباعًا لحركة السين، كما قالوا: منتن باتباع حركة الميم لحركة التاء. ٢٤ - ﴿فَنَادَاهَا﴾؛ أي: فنادى جبريل مريم ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت مريم من مكان أسفل منها، تحت الأكمة، حين سمع جزعها؛ لأن عيسى لم يتكلم حتى أتت به قومها، وقال في (٢) القصص من تحت النخلة، أو فناداها (٣) عيسى ﵇ كما قال الحسن البصري، وسعيد بن جبير: وقد أنطقه الله حين وضعته تطييبًا لقلبها، وإزالةً للوحدة عنها، حتى تشاهد بادىء ذي بدءٍ علو شأن ذلك المولود الذي بشرها جبريل به. وقرأ ابن عباس (٤): ﴿فناداها ملك من تحتها﴾ وقرأ البراء بن عازب، وابن عباس، والحسن، وزيد بن علي، والضحاك، وعمرو بن ميمون، ونافع، وحمزة، والكسائي، وحفص ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بكسر الميم والتاء حرف جر، وقرأ الابنان: ابن كثير، وابن عامر، والأبوان: أبو عمرو، وأبو بكر، وعاصم وزر ومجاهد، والجحدري، والحسن، وابن عباس في رواية عنهما: ﴿مَنْ تحتَها﴾ بفتح الميم والتاء بمعنى الذي، وتحت: ظرف منصوب صلة لـ (من)، قال ابن الجوزي (٥): فمن قرأ بكسر الميم ففيه وجهان: أحدهما: ناداها الملك من تحت النخلة، وقيل: كانت على نشز فناداها الملك أسفل منها. والثاني: ناداها عيسى لما خرج من بطنها. قال ابن عباس: كل ما رفعت إليه طرفك فهو فوقك، وكل ما خفضت إليه طرفك فهو تحتك.

стр. 7423

ومن قرأ بفتح الميم ففيه الوجهان المذكوران، وكان الفراء يقول: ما خاطبها إلا الملك على القراءتين جميعًا. انتهى. ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ أن إما مفسرة للنداء؛ أي: لا تحزني يا مريم بولادة عيسى وبمكان القحط، أو لا تحزني يا أمي، أو مصدرية على حذف الباء؛ أي: بأن لا تحزني والحزن (١): غم يلحق لوقوعه من ذوات نافع، أو حصول ضار ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ﴾ المحسن إليك ﴿تَحْتَكِ﴾؛ أي في مكان أسفل منك، أو قريب منك، أو تحت ذيلك ﴿سَرِيًّا﴾؛ أي: نهرًا صغيرًا، أو غلامًا رفيع الشأن، سامي القدر، ذا سخاء في مروءةٍ. قال جمهور المفسرين (٢): السري: النهر الصغير, والمعنى قد جعل ربك تحت قدمك نهرًا، قيل: كان نهرًا قد انقطع عنه الماء فأرسل الله فيه الماء لمريم، وأحيا به ذلك الجذع اليابس، الذي اعتمدت عليه، حتى أورق وأثمر، وقيل: المراد بالسريّ هنا عيسى، والسريّ العظيمُ من الرجال، ومنه قولهم: فلان سريّ؛ أي: عظيم، ومن قومٍ سراةٍ؛ أي: عظام. والمعنى على قراءة ﴿مِنْ﴾ الجازَة: فناداها (٣) جبريل من مكان أسفل منها تحت الأكمة؛ أي: لا تحزني يا مريم على ولادة عيسى، قد جعل ربك بمكان أسفل منك، أو قريبًا منك، نهرًا صغيرًا، أو إنسانًا شريفًا جليلًا، ويدل على ذلك قراءة من قرأ: ﴿فناداها ملك من تحتها﴾ أو ناداها المولود كائنًا من تحت ذيلها؛ أي: لا تحزني يا أمي قد جعل ربك تحتك جدولًا يجري، ويمسك بأمرك، أو نبيًا مرتفعَ القدر، وعلى قراءة: ﴿مَنْ﴾ الموصولة فناداها عيسى الذي كان تحت ذيلها؛ أي: لا تحزني قد جعل ربك تحتك رئيسًا عزيزًا، لا يكاد يوجد له نظير، أو جدولًا بضرب جبريل الأرض برجله، أو فناداها جبريل من تحتها يقبل الولد كالقابلة، أو من تحت النخلة، بأن لا تحزني قد جعل ربك قربك عين ماء عذب،

стр. 7424

تعظيمًا لشأنك، فإن الله تعالى أرسل جبريل إليها ليناديها بهذه الكلمات، كما أرسل إليها في أول الأمر، ليكون ذلك تذكيرًا لها ما تقدم من أصناف البشارات. أو يقال: إن الله تعالى أنطق عيسى لها حين وضعته، تطييبًا لقلبها، وإزالةً للوحشة عنها، حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل، من علو شأن ذلك المولود، كما قال الحسن بن علي ﵄: إن عيسى ﵇ لو لم يكن كلمها لما علمت أنه ينطق، فما كانت تشير إلى عيسى بالكلام. ٢٥ - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾؛ أي: حركي وأميلي ﴿إِلَيْكِ﴾؛ أي: إلى جهتك يا مريم ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، أي: جذع النخلة، فالباء صلة للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ أي: حركي أصل النخلة تحريكًا عنيفًا إلى جهتك ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾؛ أي: تسقط النخلة ﴿عَلَيْكِ﴾ إسقاطًا متواترًا بحسب تواتر الهز. ﴿رُطَبًا﴾؛ أي: بسرًا ناضجًا ﴿جَنِيًّا﴾؛ أي: صالحًا للأجناء، والجني فعيل بمعنى مفعول؛ أي: رطبًا مجنيًا؛ أي: صالحًا للاجتناء، قد بلغ الغاية، قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل. والمعنى: أي (١) أميلي إليك جذع النخلة واجذبيه بتحريكه، يسقط عليك رطبًا جنيًا تأكلين منه ما تشائين، وتلك آية أخرى لها، روي أنها كانت نخلةً يابسةً لا رأس لها ولا ثمر، وكان الوقت شتاءً، فأنزل الله لها رزقًا، فجعل للنخلة رأسًا وخوصًا، وجعل لها ثمرًا رطبًا، وهذه رواية يعوزها الدليل. وفي هذا إيماءٌ وتنبيه إلى أن من يقدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء، يقدر أن يجعلها تحمل من غير السنن العادية، وإلى أن السعي في الرزق مطلوب، ولا ينافي التوكل، ولله درّ القائل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَوْحَى لِمَرْيَمِ ... وَهُزِّيْ إِلَيْكِ الْجِذع يُسَاقِطِ الرُّطَبْ وَلَوْ شَاءَ أحْنَى الْجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ ... إِلَيْهَا وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبْ

стр. 7425

وقرأ ابن كثير (١)، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ﴿تَسَّاقَط﴾ بفتح التاء والسين وشدها بعدها ألف وفتح القاف، وقرأ حمزة، والأعمش، وطلحة، وابن وثاب، ومسروق ﴿تساقط﴾ كذلك إلا أنهم خففوا السين وقرأ حفص عن عاصم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف مخففة السين، مضارع ساقطت، وقرأ يعقوب، وأبو زيد عن المفضل، والبراء بن عازب، والأعمش في رواية: ﴿يساقط﴾ بالياء مفتوحةً وتشديد السين وفتح القاف، فهذه القراءات المشاهير، وقرأ أبي بن كعب، وأبو حيوة، ومسروق: ﴿تسقط﴾ بالتاء من فوق مضمومة وكسر القاف، وعن أبي حيوة كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وعنه أيضًا: ﴿تسقط﴾ بالتاء من فوق مفتوحةً وضمّ القاف، وعنه كذلك إلا أنه بالياء من تحت، وقال بعضهم في قراءة أبي حيوة هذه: أنه قرأ: ﴿رطب جني﴾ بالرفع على الفاعلية، وقرأ أبو السماك العدوي، وابن حزام: ﴿تتساقط﴾ بتاءَين مفتوحتين وبألف، وقرأ معاذ القارىء، وابن يعمر ﴿نساقط﴾ بالنون. وقال الزجاج (٢): من قرأ ﴿يساقط﴾. فالمعنى: يتساقط فادغمت التاء في السين، ومن قرأ ﴿تساقط﴾ .. فكذلك أيضًا، وأنَّث لأن لفظ النخلة يؤنث، ومن قرأ ﴿تساقط﴾ بالتاء والتخفيف .. فإنه حذف من تتساقط اجتماع التاءَين، ومن قرأ ﴿يساقط﴾ .. ذهب إلى معنى تساقط الجذع عليك، ومن قرأ ﴿نساقط﴾ بالنون .. فالمعنى: نحن نساقط عليك فنجعله لك آيةً، وقرأ (٣) طلحة بن سليمان ﴿جَنِيًّا﴾ بكسر الجيم اتباعًا لحركة النون ٢٦ - ﴿فَكُلِي﴾ يا مريم من ذلك الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من ماء النهر، أو فكلي من ذلك الرطب، واشربي من عصيره، وكان (٤) ذلك إرهاصًا لعيسى، أو كرامةً لأمه، وليس معجزة لفقد شرطها وهو: التحدي كما في "بحر العلوم". قال الإِمام: وقدم الأكل على الشرب لأن حاجتها إليه أشد من حاجتها إلى

стр. 7426

الماء، لكثرة ما سأل منها من الدماء ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ أي وطيبي نفسًا، وبردي قلبك، وارفضي عنه ما أحزنك، وأهمك، فإن الله تعالى قد نزه ساحتك بالخوارق، من جرى النهر المنقطع، واخضرار النخلة اليابسة، وإثمارها قبل وقتها, لأنهم إذا رأوا ذلك، لم يستبعدوا ولادة ولد بلا فحل، واشتقاقه من القرار، فإن العين إذا رأت ما يسر النفس .. سكنت إليه من النظر إلى غيره، يقال: أقر الله عينيك؛ أي: صادف فؤادك ما يرضيك، فيقر عينك من النظر إلى غيره. والمعنى: أي طيبي نفسًا بولدك عيسى، فالعين إذا رأت ما يسر النفس .. يسكنت إليه من النظر إلى غيره، وإنّ دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة، ولذلك يقال للمحبوب: قرة العين وللمكروه سخنة العين، فإن الله قدير أن ينزه ساحتك، ويبعد عنك تخرصات المبطلين، الذين يتقيدون بالسنن التي جعلها الله تعالى الطريق للولادة في البشر، ويرشدهم إلى الوقوف على سريرة أمرك حتى يثبتوا لك القداسة والطهر، وقرأ الجمهور (١): ﴿قَرِّي﴾ بفتح القاف، وحكى ابن جرير: أنه قرىء بكسرها، قال وهي لغة نجدٍ. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾؛ أي: فإن تري أحدًا من البشر كائنًا من كان، فيسألك عن شأنك وشأن ولدك، و (ما) مزيدة لتأكيد معنى الشرط، وهي بمنزلة لام القسم في أنها إذا دخلت على الفعل .. دخلت معها النون المؤكدة ﴿فَقُولِي﴾ له باللسان أو فأشيري له بالأركان: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وأوجبت على نفسي ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ سبحانه ﴿صَوْمًا﴾؛ أي: صمتًا عن الكلام، أو صيامًا، وكان صيام المجتهدين في بني إسرائيل بالإمساك عن الطعام والكلام حتى يمسي، وقد نسخ في هذه الأمة؛ لأنه ﷺ نهى عن صوم الصمت. أي: قولي إن طلب منك الكلام أحد من الناس ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ وصمتًا ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾؛ أي: آدميًا بعد أن أخبرتك بنذري، وإنما

стр. 7427

أكلم الملائكة وأناجي ربي، وإنما منعت مريم من الكلام ليكون عيسى المتكلم عنها، فيكون أقوى لحجتها في إزالة التّهمَة عنها, ولكراهة مجادلة السفهاء. والمعنى: أي فإن رأيت أحدًا من بني آدم يسألك عن أمرك وأمر ولدك وكيف ولدته .. فأشيري إليهم: أني أوجبت على نفسي لله صمتًا ألا أكلم اليوم أحدًا فإن كلامي يقبل الرد والجدل، ولكن يتكلم عني هذا المولود، الذي لا يقبل كلامه الدفع والرد، وإني أنزه نفسي مجادلة السفهاء، ولا أكلم إلا الملائكة أو أناجي الخالق، وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس: سفيه لم يجد مسافهًا، وفي الآية إشارة إلى الصوم عن الالتفات لغير الله تعالى، كما قال بعض السلف الدنيا يوم ولنا فيه صوم، ولا يكون إفطار إلا على مشاهدة الهلال. والظاهر (١): أن الآمر لها بالأكل والشرب وذلك القول هو ولدها، وقيل: جبريل ﵇ على الخلاف المار، وليس الصمت عن الكلام من شريعة الإِسلام، فقد روي أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على امرأة قد نذرت أن لا تتكلم، فقال: إن الإِسلام قد هدّم هذا فتكلمي. وقرأ ابن عباس (٢)، وأبو مجلز، وابن السميقع، والضحاك، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: ﴿ترئنَّ﴾ بهمزة مكسورة من غير ياء، وقرأ أبو عمرو فيما روى عنه ابن رومي: ﴿ترئن﴾ بالإبدال من الياء همزةً وروي عنه: ﴿لترؤن﴾ بالهمزة أيضًا، بدل الواو، قال ابن خالويه: وهو عند أكثر النحويين لحن، وقرأ أبو جعفر، وشيبة: ﴿ترين﴾ بسكون الياء وفتح النون خفيفةً، قال ابن جني: وهي شاذة؛ يعني: لأنه لم يؤثر الجازم فيحذف النون، وقرأ (٣) أبي: ﴿إني نذرت للرحمن صومًا صمتًا﴾ بالجمع بين اللفظين، وكذا روي عن أنس، وروي عنه أنه قرأ: ﴿صومًا وصمتًا﴾ بالواو.

стр. 7428

الإعراب ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾. ﴿كهيعص (١)﴾: إن قلنا إنه من الأمور التي استأثر الله سبحانه بعلمها .. فلا محل له من الإعراب؛ لأن الإعراب فرع عن المعنى، والمعنى لم يعرف، وإن قلنا: إنه علم على السورة .. فيجري عليه من الإعراب، ما يجري على أسماء التراجم من الأوجه الخمسة أو السبعة، كما ذكرناها في "مناهل الرجال على لامية الأفعال" ﴿ذِكْرُ﴾: خبر لمبتدء محذوف تقديره هذا المتلو عليك من القرآن ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ أو مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾: والجملة الإسمية: مستأنفة ﴿ذِكْرُ﴾ مضاف ﴿رَحْمَتِ﴾: مضاف إليه وهو من إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل، محذوف تقديره ذكر الله رحمة عبده زكريا ﴿رَحْمَتِ﴾ مضاف، ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه وهو من إضافة المصدر لفاعله ﴿عَبْدَهُ﴾: مفعول به لرحمة ﴿زَكَرِيَّا﴾ بدل من عبده أو عطف بيان له ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق برحمة ربك؛ أي: رحمة الله إياه وقت ندائه ﴿نَادَى رَبَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعله: ضمير يعود على عبده ﴿نِدَاءً﴾: مفعول مطلق ﴿خَفِيًّا﴾: صفة له والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾ والجملة الفعلية: في محل الجر بدل من جملة نادى ﴿رَبِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ مقول محكي وإن شئت قلت ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، حذف منه حرف النداء، وجملة النداء: في محل النصب مقول قال ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾: فعل وفاعل ﴿مِنِّي﴾: حال من ﴿الْعَظْمُ﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر إن وجملة، إن في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾.

стр. 7429

﴿شَيْبًا﴾: تمييز محول عن الفاعل منصوب بـ ﴿اشْتَعَلَ﴾ والتقدير: واشتعل شيب الرأس ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿أَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم، واسمها: ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾ تقديره: أنا ﴿شَقِيًّا﴾: خبرها ﴿بِدُعَائِكَ﴾: متعلق بـ ﴿شَقِيًّا﴾ ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، وجملة ﴿لم أكن﴾ في محل الرفع معطوف على جملة قوله ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ﴾ على كونها خبر إن. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ ﴿وَإِنِّي﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿إني﴾: ناصب واسمه ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ وَرَائِي﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْمَوَالِيَ﴾. ﴿مِنْ﴾: متعلق بمحذوف أو بما تضمنه ﴿الْمَوَالِيَ﴾ من معنى الفعل تقديره: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ﴾ فعل ﴿الْمَوَالِيَ﴾ أو ﴿خِفْتُ﴾ الذين يلون الأمر ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ ولا يصح تعلقه بخفت لفساد المعنى، كما في "السمين" ووجه فساده: أن الخوف واقع في الحال لا فيما يستقبل، فلو جعل ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ متعلقًا بخفت .. لزم أن يكون الخوف واقعًا في المستقبل؛ أي: بعد موته وهو كما ترى ظاهر الفساد، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر إِن وجملة إن: في محل النصب معطوفة على جملة إن في قوله: ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾. ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره والجملة: في محل النصب حال من فاعل خفت ﴿فَهَبْ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا علمتَ يا إلهي شكواي إليك، وأردت بيان مسألتي منك فأقول لك ﴿هَبْ﴾ فعل دعاء وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لِي﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: جار ومجرور حال من ﴿وَلِيًّا﴾ ﴿وَلِيًّا﴾: مفعول به منصوب بهب والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة: إذا المقدرة: في محل النصب مقول قال ﴿يَرِثُنِي﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول والثاني محذوف. تقديره: النبوة والحبورة، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿وَلِيًّا﴾ ﴿وَيَرِثُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر

стр. 7430

ومفعوله محذوف، تقديره، العلم، والدين، والجملة: معطوفة على جملة ﴿يَرِثُنِي﴾ ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَرِثُ﴾ ﴿وَاجْعَلْهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعله ضمير يعود على الله ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف ﴿رَضِيًّا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾ والجملة الفعلية: معطوفة على جملة قوله ﴿هَبْ لِي﴾. ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾. ﴿يَا زَكَرِيَّا﴾ منادى مفرد العلم مبني على الضم المقدر، أو الظاهر وجملة النداء وما بعده: في محل النصب مقول لقول محذوف تقديره: قال الله سبحانه ﴿يَا زَكَرِيَّا﴾ وجملة القول المحذوف: مستأنفة ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿نُبَشِّرُكَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله ﴿بِغُلَامٍ﴾ متعلق به والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾: في محل النصب مقول القول المحذوف، على كونها جواب النداء ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ مبتدأ وخبر والجملة، في محل الجر صفة أولى لـ ﴿غُلَامٍ﴾ ﴿لَمْ نَجْعَلْ﴾ جازم ومجزوم وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور في محل النصب مفعول ثان لجعل ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور حال من ﴿سَمِيًّا﴾. ﴿سَمِيًّا﴾: مفعول أول لجعل وجملة ﴿نَجْعَلْ﴾ في محل جر صفة ثانية لـ ﴿غُلَامٍ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾ والجملة: مستأنفة ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام للتعجب في محل النصب الظرفية المكانية بمعنى أين، أو في محل النصب على الحالية بمعنى كيف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر يكون ﴿لِي﴾: خبر ﴿يَكُونُ﴾ مقدم ﴿غُلَامٌ﴾: اسمه مؤخر وجملة ﴿يَكُونُ﴾: في محل النصب مقول قال ﴿وَكَانَتِ﴾ ﴿الواو﴾ واو الحال ﴿كانت امرأتي عاقرا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره والجملة: في محل النصب حال من الياء في ﴿لِي﴾ ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾:

стр. 7431

حالية ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿بَلَغْتُ﴾ فعل وفاعل ﴿مِنَ الْكِبَرِ﴾: حال من ﴿عِتِيًّا﴾. ﴿عِتِيًّا﴾: مفعول به لـ ﴿بَلَغْتُ﴾: والجملة الفعلية: في محل النصب حال ثانية من الياء في ﴿لِي﴾ أو من الياء في ﴿امْرَأَتِي﴾ لأن المضاف كالجزء من المضاف إليه لأن المرأة كاللباس للرجل. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله أو على جبريل والجملة: مستأنفة ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدء محذوف تقديره، الأمر كذلك والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿قَالَ رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل كرره للتأكيد ﴿هُوَ﴾: مبتدأ ﴿عَلَيَّ﴾ متعلق بـ ﴿هَيِّنٌ﴾. ﴿هَيِّنٌ﴾: خبر المبتدأ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿خَلَقْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بخلقتك والجملة الفعلية: في محل النصب حال من الياء في ﴿عَلَيَّ﴾ ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَكُ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وعلامة جزمه سكون ظاهر على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها ضمير يعود على زكريا ﴿شَيْئًا﴾: خبرها وجملة تكون في محل النصب حال من كاف ﴿خَلَقْتُكَ﴾. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿زَكَرِيَّا﴾ والجملة: مستأنفة ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة ﴿اجْعَلْ﴾: فعل دعاء ﴿لِي﴾ جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جْعَلْ﴾، ﴿آيَةً﴾ مفعول أول لجعل والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله والجملة مستأنفة ﴿آيَتُكَ﴾ مبتدأ ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لَا﴾: نافية ﴿تُكَلِّمَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ وفاعله ضمير يعود على زكريا ﴿النَّاسَ﴾: مفعول به ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تُكَلِّمَ﴾. ﴿سَوِيًّا﴾: حال من فاعل تكلم أي حالة كونك سليمًا بلا علة ولا مرض، أو منصوب على كونه صفة لثلاث بمعنى أنها كاملات، وجملة ﴿تُكَلِّمَ﴾: في محل

стр. 7432

الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾. ﴿فَخَرَجَ﴾ الفاء: استئنافية ﴿خَرَجَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على زكريا ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿خَرَجَ﴾ وكذا قوله: ﴿مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ متعلق بـ ﴿خَرَجَ﴾. ﴿فَأَوْحَى﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أوحى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على زكريا ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق به والجملة معطوفة على جملة ﴿خرج﴾ ﴿أَن﴾: مفسرة، أو مصدرية على تقدير الباء ﴿سَبِّحُوا﴾ فعل أمر وفاعل ومفعول مبني على حذف النون ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾: منصوبان على الظرفية الزمانية، متعلقان بـ ﴿سَبِّحُوا﴾ والجملة: جملة مفسرة لـ ﴿أَوْحَى﴾ لا محل لها من الإعراب، أو في محل الجر بالباء المقدرة المتعلقة بـ ﴿أوحى﴾ ﴿يَحْيَى﴾ ﴿يَا﴾ أداة نداء ﴿يَحْيَى﴾: منادى مفرد العلم في محل النصب مبني على الضم المقدرة للتعذر وجملة النداء: في محل النصب مقول لقول محذوف معطوف على مقدر، تقديره: فحملت به ووضعته ومضى عليه سنتان مثلاً، فقال له الرب ﷻ على لسان الملك ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على يحيى ﴿بِقُوَّةٍ﴾: متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿خُذِ﴾؛ أي: حالة كونك متلبسًا بجدٍ واجتهادٍ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان لأن آتى بمعنى أعطى والجملة مستأنفة أو معطوفة على قولٍ محذوف؛ أي: فقلنا له: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ ﴿صَبِيًّا﴾: حال من الهاء في ﴿آتَيْنَاهُ﴾. ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾. ﴿وَحَنَانًا﴾: معطوف على ﴿الْحُكْمَ﴾؛ أي: وآتيناه ﴿حَنَانًا﴾؛ أي: رحمةً ورقةً في قلبه وعطفاً على الآخرين ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿حَنَانًا﴾ ﴿وَزَكَاةً﴾ معطوف على ﴿حَنَانًا﴾. ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ فعل ناقص وخبره واسمه ضمير يعود على ﴿يَحْيَى﴾ والجملة معطوفة على ﴿آتَيْنَاهُ﴾ ﴿وَبَرًّا﴾ معطوفة على ﴿تَقِيًّا﴾

стр. 7433

﴿بِوَالِدَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿بَرًّا﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾: جازم ومجزوم وهي فعل من الأفعال الناقصة، واسمها ضمير يعود على ﴿يَحْيَى﴾. ﴿جَبَّارًا﴾: خبرها ﴿عَصِيًّا﴾ صفة ﴿جَبَّارًا﴾ وجملة ﴿يَكُنْ﴾: معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾، ﴿وَسَلَامٌ﴾: مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة، قصد الدعاء ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ والجملة مستأنفة ﴿يَوْمَ﴾. ظرف متعلق بالسلام. ﴿وُلِدَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿يَحْيَى﴾ والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾: معطوفان على ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾. ﴿حَيًّا﴾: حال من نائب فاعل ﴿يُبْعَثُ﴾. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾. ﴿وَاذْكُرْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿اذْكُرْ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة مستأنفة ﴿فِي الْكِتَابِ﴾: متعلق بـ ﴿اذْكُرْ﴾ ﴿مَرْيَمَ﴾: مفعول به ولكنه على حذف مضاف؛ أي: قصة مريم وخبرها ﴿إِذِ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بالمضاف المحذوف؛ أي: واذكر قصة مريم وقت انتباذها من أهلها ﴿انْتَبَذَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَرْيَمَ﴾. ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾: متعلق به والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾ ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾: ظرف مكان متعلق بـ ﴿انْتَبَذَتْ﴾؛ أي: في مكان شرقي ﴿شَرْقِيًّا﴾: صفة لـ ﴿مَكَانًا﴾: ويجوز أن يعرب ﴿مَكَانًا﴾ مفعولًا به على أن معنى ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أتت. ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾. ﴿فَاتَّخَذَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿اتَّخَذَتْ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَرْيَمَ﴾. ﴿مِنْ دُونِهِمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لاتخذ ﴿حِجَابًا﴾: مفعول أول لـ ﴿اتَّخَذَ﴾ والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿انْتَبَذَتْ﴾ ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿أرسلنا﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على جملة ﴿اتَّخَذَتْ﴾ ﴿إِلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿رُوحَنَا﴾ مفعول به. ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿تَمَثَّلَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الروح ﴿لَهَا﴾ متعلق بـ ﴿تَمَثَّلَ﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿بَشَرًا﴾: حال

стр. 7434

من فاعل ﴿تَمَثَّلَ﴾ ﴿سَوِيًّا﴾: صفة لـ ﴿بَشَرًا﴾ وسوغ وقوع الحال جامدةً وصفها بما بعدها ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَرْيَمَ﴾ والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿أَعُوذُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿مَرْيَمَ﴾. ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾. ﴿مِنْكَ﴾: متعلق به أيضًا والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة: ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِن﴾ حرف شرط ﴿كُنْتَ﴾ فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿تَقِيًّا﴾: خبرها وجواب الشرط محذوف تقديره: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ لله تعالى فاتركني وانته عني، والجملة الشرطية: في محل النصب مقول قال. ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الملك، والجملة: مستأنفة ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿أَنَا﴾: مبتدأ ﴿رَسُولُ رَبِّكِ﴾ خبره والجملة: في بحر النصب مقول قال ﴿لِأَهَبَ﴾ ﴿اللام﴾، حرف جر وتعليل ﴿أَهَبَ﴾: منصوب بأن مضمرة بعد لام كي وفاعله: ضمير يعود على الملك، ﴿لَكِ﴾ متعلق به ﴿غُلَامًا﴾: مفعول به ﴿زَكِيًّا﴾: صفة له والجملة الفعلية: صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره لهبتي ﴿لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿رَسُولُ رَبِّكِ﴾. ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على مريم، والجملة: مستأنفة ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام تعجب بمعنى. كيف في محل النصب على الحال مبني على السكون ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص ﴿لِي﴾: خبر ﴿يَكُونُ﴾ مقدم ﴿غُلَامٌ﴾ اسمها مؤخر وجملة ﴿يَكُونُ﴾: في محل النصب مقول قال ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالة لم حرف نفي وجزم ﴿يَمْسَسْنِي﴾: مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ والنون نون الوقاية والياء ضمير المتكلم في محل النصب على المفعولية ﴿بَشَرٌ﴾: فاعل والجملة: في محل النصب حال من الياء في ﴿لِي﴾. ﴿وَلَمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم ﴿أَكُ﴾: فعل مضارع ناقص

стр. 7435

مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه سكون ظاهر على النون المحذوفة للتخفيف، واسمها ضمير يعود على مريم تقديره ﴿وَلَمْ أَكُ﴾ أنا ﴿بَغِيًّا﴾: خبرها منصوب والجملة الفعلية: في محل النصب على الحال معطوفة على جملة ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي﴾. ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الملك والجملة: مستأنفة ﴿كَذَلِكِ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره الأمر كذلك والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة معللة للجملة التي قبلها كأنه قيل: الأمر ﴿كَذَلِكِ﴾ لأنه علينا ﴿هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ...﴾ إلخ. ﴿هُوَ﴾ مبتدأ ﴿عَلَيَّ﴾ متعلق بـ ﴿هَيِّنٌ﴾. ﴿هَيِّنٌ﴾: خبر والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة على علة محذوفة لمعلول محذوف تقديره: فعلنا ذلك لنبين به قدرتنا ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ ﴿نَجْعَلَهُ﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل ﴿نَجْعَلَهُ﴾: فعل مضارع ومفعول أول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي وفاعله ضمير يعود على الله سبحانه ﴿آيَةً﴾: مفعول ثان لجعل ﴿لِلنَّاسِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آيَةً﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل والتقدير ولجعلنا إياه ﴿آيَةً لِلنَّاسِ﴾: الجار والمجرور معطوف على الجار والمجرور في قولنا لنبين به قدرتنا ﴿وَرَحْمَةً﴾ معطوف على ﴿آيَةً﴾. ﴿مِنَّا﴾ صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾. ﴿وَكَانَ أَمْرًا﴾: فعل ناقص وخبره واسمه ضمير مستتر يعود على خلقه ﴿مَقْضِيًّا﴾: صفة ﴿أَمْرًا﴾: والجملة: مستأنفة. ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾. ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره فنفخ جبريل في حبيب

стр. 7436

درعها ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ ﴿حملته﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على مريم ومفعول به والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿فَانْتَبَذَتْ﴾ ﴿الفاء﴾ عاطفة ﴿انتبذت﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على مريم والجملة: معطوفة على جملة ﴿حملت﴾ ﴿بِهِ﴾: جار ومجرو حال من فاعل ﴿انْتَبَذَتْ﴾؛ أي: حالة كونه منتبذةً بالمولود ﴿مَكَانًا﴾: مفعول فيه أو مفعول به ﴿قَصِيًّا﴾ صفة لـ ﴿مَكَانًا﴾ ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ فعل وفاعل مؤخر و ﴿الفاء﴾ للتعقيب ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ متعلق بمحذوف حال ﴿قَالَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على مريم، والجملة: مستأنفة ﴿يَالَيْتَنِي﴾ ﴿يا﴾ حرف نداءٍ والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء أو يا مخاطب أو يا لمجرد التنبيه ﴿ليتني﴾ ﴿ليت﴾ حرف تمنٍ ونصبٍ والنون للوقاية، والياء ضمير المحكم اسمها ﴿مِتُّ﴾ فعل وفاعل ﴿قَبْلَ هَذَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مِتُّ﴾ وجملة ﴿مِتُّ﴾: في محل الرفع خبر ليت وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول قال ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره معطوف على ﴿مِتُّ﴾. ﴿مَنْسِيًّا﴾: خبر ثان لكان مؤكد لـ ﴿نَسْيًا﴾؛ لأنه بمعناه ولك أن تعربه نعتاً له. ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾. ﴿فَنَادَاهَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿نَادَاهَا﴾ فعل ومفعول به وفاعله ضمير يعود على الملك أو على عيسى أو الجملة: معطوفة على جملة ﴿قَالَتْ﴾ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق بـ ﴿نَادَاهَا﴾؛ أي: في مكانٍ أسفل من مكانها، أو متعلق بمحذوف حالٍ من فاعل ﴿نَادَاهَا﴾؛ أي: ناداها وهو تحتها ﴿أَلَّا﴾ ﴿أَن﴾: مفسرة لأن النداء فيه معنى القول دون حروفه، و ﴿لَّا﴾ ناهية ﴿تَحْزَنِي﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَّا﴾ الناهية والجملة جملة مفسرة لـ ﴿ناداها﴾: لا محل لها من الإعراب، ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ مصدرية و ﴿لا﴾: نافية تحزني فعل وفاعل منصوب بها و ﴿أَن﴾ المصدرية وما بعدها: في تأويل مصدر مجرور بالباء المقدرة المتعلقة بالنداء؛ أي: و ﴿ناداها﴾ بعدم الحزن، والأول أسهل وأوضح ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿جَعَلَ رَبُّكِ﴾ فعل وفاعل ﴿تَحْتَكِ﴾: ظرف متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾

стр. 7437

﴿سَرِيًّا﴾: مفعول أول له والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾. ﴿وَهُزِّي﴾: فعل وفاعل مبني على حذت النون معطوف على قوله ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾. ﴿إِلَيْكِ﴾: متعلق به. ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والباء: زائدة ﴿تُسَاقِطْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق وفاعله ضمير يعود على ﴿النَّخْلَةِ﴾؛ أي: تسقط ﴿عَلَيْكِ﴾: متعلق بـ ﴿تُسَاقِطْ﴾. ﴿رُطَبًا﴾: مفعول به ﴿جَنِيًّا﴾ صفة لـ ﴿رُطَبًا﴾. ﴿فَكُلِي﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا تم لك هذا المذكور كله وأردت بيان ما هو الأصلح لك فأقول لك ﴿كلي﴾. ﴿كلي﴾: فعل وفاعل مبني على حذف النون والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿وَاشْرَبِي﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿كلي﴾ وكذلك ﴿وَقَرِّي﴾: معطوف عليه ﴿عَيْنًا﴾: تمييز محول عن الفاعل إذ الأصل لتقرَّ عينك ﴿فَإِمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿إن﴾ حرف شرط جازم مبني بسكون على النون المدغمة في ميم ﴿ما﴾ الزائدة ﴿ما﴾ زائدة زيدت لتأكيد معنى الشرط مبني على السكون ﴿تَرَيِنَّ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها وعلامة جزمه حذف النون وإلياء ضمير للمؤنثة المخاطبة: في محل الرفع فاعل والنون المشددة نون التوكيد مبني على الفتح وأصله: ترأيينن بهمزة هي عين الفعل، وياء مكسورة هي لامه وأخرى ساكنة هي ياء الفاعل والنون الأولى: نون علامة الرفع حذفت هنا للجازم، والنون المشددة نون التوكيد، وإنما أُعرب الفعل هنا بالجزم لعدم مباشرة نون التوكيد به ﴿مِنَ الْبَشَرِ﴾: حال من ﴿أَحَدًا﴾: لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به لأن ترى هنا بصرية تتعدى لمفعول واحد ﴿فَقُولِي﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب إن الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملةً طلبيةً ﴿قولي﴾ فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل والجملة الفعلية: في محل الجزم بأن الشرطية على كونها جواب الشرط وجملة إن الشرطية: في محل

стр. 7438

النصب معطوفة على جملة ﴿كلي﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿نَذَرْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: متعلق به، ﴿صَوْمًا﴾ مفعول به والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُولِي﴾. ﴿فَلَنْ﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع ﴿لن﴾: حرف نفي ونصب ﴿أُكَلِّمَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿لن﴾ وفاعله: ضمير يعود على مريم ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أُكَلِّمَ﴾ ﴿إِنْسِيًّا﴾: مفعول به وجملة ﴿أُكَلِّمَ﴾: في محل الرفع معطوفة مفرعة على جملة ﴿نَذَرْتُ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿زَكَرِيَّا﴾: يمد ويقصر من ولد سليمان بن داود ﵈ وكان نجارًا. ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾؛ أي: مستورًا عن الناس لم يسمعه أحدٌ منهم. ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ ضعف ورق من الكبر إذ قد بلغ خمسًا وسبعين سنةً أو ثمانين. وفي "المصباح": وهن يهن: من باب وعد ضعف، فهو واهن في الأمر، أو العمل، أو البدن، ووهنته: أضعفته، يتعدى ولا يتعدى في لغة، فهو موهون البدن والعظم، والأجود أن يتعدى بالهمزة، فيقال أوهنته، والوهن: بفتحتين لغةٌ في المصدر، ووهن يهن بالكسر: فيهما لغة قال أبو زيد: سمعت من العرب من يقرأ فما وهنوا بالكسر اهـ. وفي "البيضاوي": وقرىء وهن بالضم ووهن بالكسر، ونظيره كمل في الحركات الثلاث انتهى. وفي "القاموس" وغيره: وهنه يهنه وهنا، وأوهنه أضعفه، ووهن وأوهن الرجل، دخل في الوهن من الليل، ووهن ووهن يهن ووهن يوهن وهنًا ووهنا ووهن يوهن، وهنا ضعف في الأمر أو العمل، أو البدن، وتوهن البعير. اضطجع، والطائر: أثقل من أكل الجيف، قلم يقدر على النهوض، والوهن

стр. 7439

مصدر، ومن الرجال أو الإبل الغليظ القصير، والوهن من الليل: نحو منتصفه أو بعد ساعة منه، والوهن من الليل كالوهن، والوهانة من النساء الكسلى عن العمل تنعماً. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ أي: صار الشيب كالنار، والشعر كأنه الحطب، ولقوتها وشدتها أحرقت الرأس نفسه. ﴿شَقِيًّا﴾؛ أي: خائبًا يقال: شقي بكذا؛ أي: تعب فيه ولم يحصل مقصوده منه، والمراد: أنه خائب غير مستجاب الدعوة. ﴿الْمَوَالِيَ﴾ والموالى هنا: هم الأقارب الذين يرثون الرجل وسائر العصبات من بني العم ونحوهم، والعرب تسمى هؤلاء موالى قال الشاعر: مَهْلاً بَنِيْ عَمِّنَا مَهْلاً مَوَالِيْنَا ... لاَ تَنْشُرُوْا بَيْنَنَا مَا كَانَ مَدْفُوْنَاً فالموالي: جمع مولى وهو العاصب، قال في "القاموس": المولى، المالك والعبد والمعتق، والمعتق والصاحب والقريب، كابن العم ونحوه، والجار والحليف والابن، والعم والنزيل والشريك، وابن الأخت والولي والرب والناصر، والمنعم والمنعم عليه، والمحب والتابع والصهر انتهى. ﴿مِنْ وَرَائِي﴾؛ أي: من بعدي. ﴿عَاقِرًا﴾؛ أي: لا تلد يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، إذا كانا عقيمين، وقال في "القاموس": عقرت المرأة تعقر عقرًا: من باب ضرب وعقرًا وعقارًا، وعقرت تعقر: من باب نصر عقرًا وعقارةً، وعقرت المرأة أو الناقة، صارت عاقرًا؛ أي: حبس رحمها فلم تلد، وعقر الأمر عقرًا لم ينتج عاقبةً، وعقر عقرًا: من باب فرح الرجل دهش اهـ. ﴿وَلِيًّا﴾؛ أي: ابنا، وهو أحد معانيه السابقة عن "القاموس". ﴿يَحْيَى﴾: ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وتقول في تثنية: يحييان رفعًا، ويحيين نصبًا وجرًا، على حد قوله:

стр. 7440

وَاحْذِفْ مِنَ الْمَقْصُوْرِ فِي جَمْعٍ عَلَى ... حَدِّ الْمُثَنَّى مَا بِهِ تَكَمَّلاَ ﴿سَمِيًّا﴾: السمي المسمى؛ أي: شريكًا له في الاسم، فلم يسم أحدٌ بهذا الاسم قبله، وهو فعيل بمعنى مفعول، أصله. سميو، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياءً وأدغمت فيها الياء. ﴿عِتِيًّا﴾: من عتا يعتو عتوًا، والعتو اليبس في العظم والعصب والجلد، وفي "المختار": عتا من باب سما يعتو عتوًا وعتيًا بضم العين وكسرها، وهو عات فالعاتي: المجاوز للحد في الاستكبار وعتا الشيخ يعتو عتوًا بضم العين وكسرها، كبر وولى عتيًا أصله: عتوو، كقعودِ فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين، فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياءً لمناسبة الكسرة، ثم قلبت الثانية ياءً لتدغم فيها الياء، وكسرت الفاء تخفيفًا. ﴿مِنَ الْمِحْرَابِ﴾: قال في "القاموس": المحراب الغرفة وصدر البيت، وأكرم مواضعه، ومقام الإِمام من المسجد، والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني إسرائيل: مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها اهـ. وفي "الشهاب" وأما المحراب المعروف الآن وهو طاقٌ مجوفٌ في حائط المسجد، يصلي فيه الإِمام .. فهو محدث لا تعرفه العرب، فتسميته محراب اصطلاح للفقهاء اهـ. وقوله: اصطلاح للفقهاء، ممنوع بل هو معنى لغوي إذ هو من أفراد المعنى اللغوي الذي ذكره في "القاموس" بقوله: ومقام الإِمام من المسجد اهـ. ذكره في "الفتوحات". ﴿عَصِيًّا﴾: صيغة مبالغة، وأصل عصيًا: عصييٌ بوزن فعيل، أدغمت الياء فيه وأتي بصيغة المبالغة لمراعاة الفواصل؛ لأن المنفي أصل العصيان، لا المبالغة فيه. ﴿انْتَبَذَتْ﴾ الانتباذ: الاعتزال والانفراد، فقد تخلت مريم للعبادة في مكانٍ مما يلي شرقي بيت المقدس، أو من دارها معتزلةً عن الناس، وقيل: غير ذلك

стр. 7441

وفي "المصباح": وانتبذت مكانًا اتخذته بمعزل يكون بعيدًا عن القوم. ﴿بَغِيًّا﴾ البغي: الفاجرة التي تبغي الرجال، وأصله: بغوي بزنة فعول، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما - وهي الواو - بالسكون، فقلبت ياءً على القاعدة، وأدغمت في الياء وكسرت الغين لتصح الياء، فلما كان بزنة فعول .. لم تلحقه التاء، كما قال في الخلاصة: وَلاَ تَلِيْ فَارِقَةً فَعُوْلاَ ... أصْلاً وَلاَ الْمِفْعَالَ وَالْمِفْعِيْلاَ اهـ شيخنا وفي "القاموس" و"شرحه": بغي يبغي من باب ضرب الشيء بغاءً بضم الفاء، وبغيًا بفتحها وبغيٌ وبغيةً: طلبه، وبغى الرجل: عدل عن الحق، وعصى وبغى عليه: استطال عليه، وظلمه، فهو باغ فلعل إطلاقهم كلمة البغاء على العهر والزنا، مأخوذٌ من هذا المعنى؛ لأنه من دواعي ما يطلبه أهل الخنا والفجور. ﴿قَصِيًّا﴾؛ أي: بعيدًا من أهلها. ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ يقال: جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد، والأصل في جاء: أن يتعدى لواحد بنفسه، فإذا دخلت عليه الهمزة .. كان القياس يقتضي تعديته، لاثنين، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل، فصار بمعنى ألجا إلى كذا، ألا تراك لا تقول جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول بلغته وأبلغنيه، ونظيره أتى حيث لم يُستعمل إلا في الإعطاء، ولم تقل أتيت المكان وآتانيه فلان. ﴿الْمَخَاضُ﴾: المخاض وجع الولادة، وفي "القاموس" مخض يمخض بتثليث الخاء في المضارع مخضاً اللبن استخرج زبده، فهو لبن مخيض وممخوض، ومخض الشيء حركه شديدًا، ومخض الرأي قلبه وتدبر عواقبه حتى ظهر له الصواب، ومخضت بكسر الخاء تمخض بفتحها الحامل مخاضاً بكسر الميم، ومخاضاً بفتحها، ومخضت بالبناء للمجهول، ومخضت بتشديد الخاء، وتمخضت الحامل: دنا ولادها وأخذها الطلق، فهي ماخض، والجمع مخض بضم الميم، وتشديد الخاء ومواخض.

стр. 7442

﴿مِتُّ﴾: بكسر الميم وضمها، يقال: مات مات كخاف يخاف، ومات لموت كقال يقول. ﴿نَسْيًا﴾: النسي: بفتح النون وكسرها بمعنى المنسي: الذبح بمعنى المذبوح، وكل ما من حقه أن يطرح ويرمى ويُنسى ﴿مَنْسِيًّا﴾؛ أي: شيئًا متروكًا حقيرًا كالوتد وقطع الحبل وخرق الحيض، من كل شيءٍ حقيرٍ، فهو تأكيد لـ ﴿نَسْيًا﴾. ﴿سَرِيًّا﴾: وفي "المصباح": والسري، الجدول، وهو النهر الصغير, والجمع: سريان، مثل: رغيف ورغفان، والسريّ: الرئيس والجمع سراة، وهو عزيز لا يكاد يوجد له نظير؛ لأنه لا يُجمع فعيل على فعلة، وجمع السراة سروات، والسري فيه قولان: أحدهما: أنه الرجل المرتفع القدر، من سرو يسرو كشرف يشرف، فهو سري، وأصله: سريو، فاعل إعلال سيد، فلامه واو، والمراد به في الآية: عيسى ﵇ وقيل: السري، من سريت الثوب؛ أي: نزعته وسررت الحبل عن الفرس؛ أي: نزعته، كأن السري سرى ثوبه، بخلاف المد ثرو المزمل، قاله الراغب. والثاني: أنه النهر الصغير, ويناسبه ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ واشتقاقه من سرى يسري؛ لأن الماء يسري فيه، فلامه على هذا ياء انتهى "سمين". ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾: الرطب بضم ففتح: ما نضج من البسر قبل أن يصير ثمرًا، والجنيّ: فعيل بمعنى فاعل؛ أي: صار طريًا صالحًا للاجتناء، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾؛ أي: طيبي نفسًا ولا تغتمي، وارفضي ما أحزنك، وفي "المصباح": وقرّت العين: من باب ضرب قرة بالضم وقرورا بردت سرورًا، وفي لغةٍ أخرى من باب تعب: وأقر الله العين بالولد وغيره إقرارًا في التعدية اهـ. والمعنى: أعطاه الله ما يسكن عينه، فلا تطمح؛ أي: لا تلتفت إلى غيره. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾: أصله: ترأيينن بهمزة هي عين الفعل، وياء مكسورة هي لامه، وأخرى ساكنة هي ياء الضمير، والنون الأولى: علامة الرفع، والثانية: نون

стр. 7443

التوكيد الثقيلة، وطريق حذل اللام أنها تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، فالتقت ساكنة مع ياء الضمير، فحذفت لالتقاء الساكنين، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وهو الراء، ثم حذفت الهمزة ثم حذفت نون الرفع للجازم وهو إن الشرطية، ثم حركت ياء الضمير لالتقاءِ الساكنين، هما ياء الضمير والنون الأولى من نوني التوكيد فإنها بنونين، فصار ترين بوزن تفين. والحاصل: أن الأعمال ستة أو سبعة: قلب الياء ألفًا، ثم حذفها، ثم نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحذفها، ثم حذف نون الرفع، ثم إدخال نون التوكيد، ثم تحريك ياء الضمير اهـ. شيخنا. ﴿فَقُولِي﴾؛ أي: أشيري إليهم، قال الفراء: العرب تسمي كل ما أفهم الإنسان شيئًا كلامًا بأيّ طريق كان، إلا إذا أكد بالمصدر، فيكون حقيقة في الكلام، كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاحتراس في قوله: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ وهو أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل أو لبس أو إيهام، فيفطن لذلك حال العمل، فيأتى في صلب الكلام بما يخلصه من ذلك كله، فاحترس هنا بقوله: ﴿خَفِيًّا﴾ مما يوهم الرياء أمام الناس الذين يحكمون على الظاهر، أو اللوم على طلب الولد في إبّانِ الكبر والشيخوخة، وقيل: احتراس من مواليه الذين خافهم. ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ فإنه كناية عن ذهاب القوة وضعف الجسم. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ شبه انتشار الثيب وكثرته في الرأس باشتعال النار في الحطب، واستُعير الاشتعال للانتشار، واشتق منه اشتعل بمعنى انتشر على طريق الاستعارة التبعية.

стр. 7444

ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً﴾ والجناس المماثل بين ﴿الْمَوَالِيَ﴾ و ﴿وَلِيًّا﴾. ومنها: المبالغة في التضرع والدعاء، بتوسيط النداء بين جعل ومفعوله الثاني في قوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ كتوسيطه بين كان وخبرها في قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ كما في "روح البيان". ومنها: التجريد في قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ والتجريد معناه أن ينتزع المتكلم من أمرِ ذي صفة أمرًا آخر يماثله في تلك الصفة مبالغةً لكمالها، فكأنه بلغ من الاتصاف بتلك الصفة إلى حيث يصح أن يُنتزع منه موصوف آخر بتلك الصفة، وهو أقسام، منها: ما يكون بمن التجريدية كقولهم: لي من فلان صديق حميم. ومنها: الآية الكريمة كما ذكر في "إعراب القرآن". ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾. ومنها: الكناية اللَّطيفة في قوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ فإن المسّ كناية عن الوطْءِ الحلال، أما الزنا فإنما يقال فيه، خبث بها، أو فجر أو زنى. ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾. ومنها: الزيادةُ والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7445

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر قصة مريم، واختلاف النصارى في شأن عيسى حتى عبدوه من دون الله تعالى .. أعقبها بذكر قصة إبراهيم ﵇ وتحطيمه الأصنام لتذكير الناس بما كان عليه خليل الرحمن، من توحيد الرب الديان، وسواء في الضلال من عبد بشرًا أو عبد حجرًا، والنصارى عبدوا

стр. 7446

المسيح، ومشركو العرب عبدوا الأوثان، وعبارة أبي حيان هنا: مناسبة (١) هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر قصة مريم وابنها عيسى، واختلاف الأحزاب فيهما وعبادتهما من دون الله، وكانا من قبيل من قامت بهما الحياة .. ذكر الفريق الضال الذي عبد جمادًا، والفريقان وإن اشتركا في الضلال، فالفريق العابد الجماد منهما أضل، ثم ذكر قصة إبراهيم ﵇ مع أبيه، تذكيرًا للعرب بما كان إبراهيم عليه من توحيد الله تعالى، وتبيين أنهم سالكوا غير طريقه، وفيه صدق رسول الله ﷺ فيما أخبر به، وأن ذلك متلقى بالوحي. التفسير وأوجه القراءة ٢٧ - ولما اطمأنت مريم بما رأت من الآيات، وفرغت من نفاسها .. جاءت قومها مع ولدها، راجعة إليهم عندما طهرت من نفاسها، ومضى لها أربعون يومًا، كما قال سبحانه ﴿فَأَتَتْ﴾؛ أي: جاءت مريم ﴿بِهِ﴾؛ أي: مع ولدها عيسى، فالباء بمعنى مع، وجعلها الكاشفي للتعدية ﴿قَوْمَهَا﴾؛ أي: أهلها من المكان القصي الذي اعتزلت فيه للوضع، قيس: في يوم الوضع، وقيل: بعد أربعين يومًا كما سيأتي، وجملة قوله: ﴿تَحْمِلُهُ﴾: في محل النصب حال من فاعل ﴿أتت﴾؛ أي: حالة كونها حاملةً له؛ أي: فجاءتهم مع ولدها عيسى حاملةً له، وهو ابن أربعين يومًا، روي (٢) عن ابن عباس أن يوسف انتهى بمريم إلى غار، فأدخلها فيه أربعين يومًا، حتى طهرت من النفاس، ثم حملته إلى قومها فكلمها عيسى في الطريق، فقال: يا أمّاه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي .. بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيتٍ صالحين. وروي عن ابن عباس أيضًا (٣): أنها خرجت من عندهم حين شرقت الشمس، وجاءتهم عند الظهر ومعها الولد، والله أعلم. وروي: أنّ زكريا افتقد مريم فلم يجدها في محرابها، فاغتم غمًا شديدًا

стр. 7447

وقال لابن خالها يوسف: اخرج في طلبها، فخرج يقص أثرها حتى لقيها تحت النخلة، فلما رجعت إلى قومها - وهم أهل بيت صالحون - وزكريا جالس معهم .. بكوا وحزنوا ثم ﴿قَالُوا﴾ موبخين لها ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ والله ﴿لَقَدْ جِئْتِ﴾ وفعلت ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾؛ أي: منكرًا عظيمًا حين ولدت ولدًا بغير أب؛ أي: إن مريم حين أمرت أن تصوم يومها, ولا تكلم أحدًا من البشر، وأنها ستكفى أمرها، ويقام بحجّتها، سلمت أمرها إلى الله تعالى، واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها وأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك .. أعظموا ما رأوا واستنكروا، وقالوا: يا مريم، لقد جئت أمرًا عظيمًا منكرًا، ٢٨ - ثم زادوا تأكيدًا في توبيخها وتعييرها فقالوا: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾؛ أي: يا شبيهة هارون في العبادة، وكان هارون هذا رجلًا صالحًا من أفضل الناس من بني إسرائيل، ينسب إليه كل من عرف بالصلاح، وهارون هذا لما مات تبع جنازته أربعون ألفًا كلهم يسمون هارون، تبركًا به وباسمه، والمراد: إنك يا مريم كنت في الزهد كهارون، فكيف صرت هكذا؟ وأخرج أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وغيرهم، عن المغيرة بن شعبة قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا بكذا، فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم". وهذا التفسير النبوي، يغني عن سائر ما روي عن السلف في ذلك، أو المعنى: يا من أنت نسل هارون أخي موسى، كما يقال للتميمي يا أخا تميم، وللمصري يا أخا مصر. ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾؛ أي: ما كان أبوك عمران رجلًا زانيًا، والمرء (١) مع ألف الوصل الإنسان أو الرجل، ولا يُجمع من لفظه كما في "القاموس" وسوء بفتح السين، وبإضافة ﴿امْرَأَ﴾ إليه وهي أكثر استعمالًا من الصفة. ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ﴾ حنة بنت فاقوذ ﴿بَغِيًّا﴾؛ أي: امرأةً زانيةً، فمن أين لك

стр. 7448

هذا الولد من غير زوج؟ وهو تقرير لكون ما جاءت به فريًا منكرًا، وتنبيهٌ على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش ٢٩ - ﴿فَأَشَارَتْ﴾ مريم ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى عيسى، أن كلموه ليجيبكم، ويكون كلامه حجةً لي، والظاهر أنها حينئذ بينت نذرها، وأنها بمعزل عن محاورة الإنس، قال ابن مسعود: لما لم يكن لها حجة .. أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها، وقيل: لما أشارت إليه .. غضب القوم وقالوا: فعلت ما فعلت وتسخرين بنا، ثم ﴿قَالُوا﴾ منكرين لجوابها موبخين لها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾ ونحدث ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ﴾؛ أي: في الحجر أو السرير حالة كونه ﴿صَبِيًّا﴾؛ أي: صغيرًا ابن أربعين يومًا، والاستفهام (١) هنا للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم، قيل: أراد بالمهد حجرها، وقيل المهد بعينه وهو شيء معروف يتخذ لتنويم الصبي، أو سرير له، ولم نعهد فيما سلف صبيًا رضيعًا في الحجر يكلمه عاقل؛ لأنه لا قدرة له على فهم الخطاب، ورد الجواب، روي أن عيسى كان يرضع، فلما سمع ذلك .. ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابة يمينه، فتكلم ووصف نفسه بصفاتٍ ثمانيةٍ، أولها عبودية الله وآخرها تأمين الله له في أخوف المقامات: ١ - ٣٠ ﴿قَالَ﴾ هو عيسى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الذي له صفات الكمال، لا أعبد غيره، فاعترف له بالعبودية، لئلا يتخذوه إلهًا، وإنما (٢) نص عيسى على إثبات عبودية نفسه؛ لأن إزالة التهمة عن الله تعالى تفيد إزالة التهمة عن الأم؛ لأن الله تعالى لا يخص الفاجرة بولدٍ في هذه الدرجة العالية، أما التكلم بإزالة التهمة عن الأم لا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى، فكان الاشتغال بذلك أولى، قال الجنيد (٣): المعنى: إني عبد الله ولست بعبد سوء، ولا عبد طمع، ولا عبد شهوة، وفيه

стр. 7449

إشارة إلى أن أفضل أسماء البشرية العبودية، وقال بعضهم: إن عبد الله فوق عبد الرحمن، وهو فوق عبد الرحيم، وهو فوق عبد الكريم، ولذا جعل رسول الله ﷺ عبد الله، وكذا عبد الحي وعبد الحق أعلى الأسماء وأمثلها؛ لأن بعض الأسماء الإلهية يدل على الذات، وبعضها على الصفات، وبعضها على الأفعال، والأولى أرفع من الثانية، وهي أرفع من الثالثة. ٢ - ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: الإنجيل؛ أي: حكم لي بإيتائي الكتاب في الأزل، وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال، وقيل: إنه آتاه الكتاب في تلك الحال وهو بعيد، والمعنهى: سيؤتيني الكتاب، وسكن ياء ﴿أتَانِيَ﴾ حمزة. ٣ - ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾؛ أي: وسيجعلني نبيًا، وفي هذا براءة لأمه؛ لأن الله سبحانه لا يصطفي لنبوته أولاد سفاح. ٤ - ٣١ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾؛ أي: نفاعًا للناس، معلمًا للخير آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾؛ أي: في أي مكان كنت فيه؛ أي: سيجعلني نفاعًا للعباد، هاديًا لهم إلى طريق الرشاد في أي مكان كنت فيه، وهذه (١) الأفعال الماضية هي من باب تنزيل ما لم يقع منزلة الواقع، تنبيهًا على تحقق وقوعه، لكونه قد سبق في القضاء المبرم. ٥ - ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ﴾؛ أي: أمرني بأدائها في وقتها المحدد، أمرًا مؤكداً ما دمت حيًا، إذ في إقامتها وإدامتها على الوجه الذي سنه الدين تطهر النفوس من الأرجاس، ومنع لها من ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ﴿وَ﴾ أمرني بـ ﴿الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ في الدنيا؛ أي: وأمرني بإعطاء جزء من المال للبائس والمحتاج ما دمت حيًا في الدنيا، لما في ذلك من تطهر المال، وقال بعضهم: والظاهر (٢) أن إيصاءه بها لا يستلزم غناه، بل هي بالنسبة إلى أغنياء أمته، وعموم الخطابات الإلهية منسوب إلى الأنبياء، تهييجًا للأمة على الائتمار والانتهاء، قيل: المعنى أمرني بأداء الصلاة والزكاة إذا بلغت، وقيل أن أفعلهما

стр. 7450

من الآن، قولان للمفسرين اهـ. شيخنا. وقيل: المراد أن الله تعالى صيَّره حين انفصل من أمه بالغًا عاقلًا، وهذا القول أظهر اهـ. "خازن". قال في "بحر العلوم" وفي قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ دلالة بينة على أن العبد ما دام حيًا لا يسقط عنه التكاليف والعبادات الظاهرة، فالقول بسقوطها كما نقل عن بعض الإباحيين كفر وضلال، انتهى. وقال (١) ابن عطية، وقرأ: ﴿دِمت﴾ بضم الدال عاصم وجماعة، وقرأ: ﴿دِمْتُ﴾ بكسر الدال أهل المدينة، وابن كثير، وأبو عمرو، انتهى. والذي في كتب القراءات أن القراء السبعة قرؤوا ﴿دُمْتُ حَيًّا﴾ بضم الدال، وقد طالعنا جملةً من الشواذ، فلم نجدها لا في شواذ السبعة، ولا في شواذ غيرهم، على أنها لغة. ٦ - ٣٢ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾؛ أي: وجعلني بارًا بوالدتي، محسنًا إليها، مطيعًا لها، وفي هذا إشارة إلى أنه بلا فحل، وفيه أيضًا إيماء إلى نفي الريبة عنها، إذ لو لم تكن كذلك .. لما أمر الرسول المعصوم بتعظيمها، وقد سبق (٢) لك أنه قرىء ﴿وبرًا﴾ بكسر الباء فإما على حذف مضاف؛ أي: وذا برّ، وإما على المبالغة، جعل ذاته من فرط برّه، ويجوز أن يضمر فعل في معنى أوصاني، وهو كلفني، لأن أوصاني بالصلاة وكلفنيها واحد، ومن قرأ ﴿برًا﴾ بفتح الباء، فقال الحوفي وأبو البقاء: إنه معطوف على ﴿مُبَارَكًا﴾؛ وفيه بعد الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي ﴿أَوْصَانِي﴾ ومتعلقها، والأولى إضمار فعل؛ أي: جعلني ﴿بَرًّا﴾ وحكى الزهراوي، وأبو البقاء، أنه قرىء ﴿وبر﴾ بكسر الباء والراء عطفًا على ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾. ٧ - ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾؛ أي: متكبرًا مترفعًا متعاظمًا على الناس ﴿شَقِيًّا﴾؛ أي: عاصيًا لربه، والجبار المتعظم: الذي لا يرى لأحد عليه حقًا، والشقي: العاصي لربه، وقيل: الخائب، وقيل: العاق. ٨ - ٣٣ ﴿وَالسَّلَامُ﴾ أي: الأمان من الله ﴿عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾؛ أي: حين ولدت

стр. 7451

بلا والدٍ طبيعي، من طعن الشيطان ﴿وَ﴾ السلام علي ﴿يَوْمَ أَمُوتُ﴾ من شدائد الموت وضغطة القبر ﴿وَ﴾ السلام علي ﴿يَوْمَ أُبْعَثُ﴾ من القبر حالة كوني ﴿حَيًّا﴾ من هول القيامة وعذاب النار، وإنما خص هذه المواضع الثلاثة لكونها أخوف من غيرها، وإنما عرَّف السلام هنا بإدخال الألف واللام عليه، بخلافه في يحيى، لأنه (١) قد تقدم لفظه في قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ فهو نظير قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾؛ أي: ذلك السلام الموجه إلى يحيى، موجه ﴿إلى﴾ وهذا على أن التعريف للعهد، والأظهر (٢) على أنه للجنس والتعريف باللعن علي أعدائه، فإن إثبات جنس السلام لنفسه، تعريض لإثبات ضده لأضداده، كما قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى، فلما كلمهم عيسى بهذا الكلام .. أيقنوا ببراءة أمه، وأنها من أهل العصمة والبعد من الريبة، ولم يتكلم بعد حتى بلغ سن الكلام. والمعنى: أي والأمنة من الله عليّ فلا يقدر أحد على ضري في هذه المواطن الثلاثة، التي هي أشق ما تهون على العباد، وقرأ (٣) زيد بن علي: ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾؛ أي: يوم ولدتني، جعله ماضيًا لحقته تاء التأنيث، ورجح ﴿وَسَلَامٌ﴾ على ﴿وَالسَّلَامُ﴾ لكونه من الله تعالى، وهذا من قول عيسى ﵇، وقيل: سلام عيسى أرجح؛ لأنه تعالى أقامه في ذلك مقام نفسه، فسلم نائباً عن الله. ٣٤ - ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور الذي فصلنا خصاله الحميدة هو ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فكذلك (٤) اعتقدوه، لا كما تقول اليهود إنه لغير رشيدة، وإنه ابن يوسف النجَّار، ولا كما قالت النصارى، إنه الإله أو ابن الإله ﴿قَوْلُ الْحَقِّ﴾ بالرفع، قال الكسائي: نعت لعيسى؛ أي: ذلك المذكور هو عيسى ابن مريم قول الله الحق؛ أي: الثابت الوجود، وكلمته، وسمي قول الحق، كما سمي كلمة الله، لوقوعه بكلمة كن بلا وساطة أبٍ، والقول والقيل والمقال والقال والقول: بمعنى واحد،

стр. 7452

وقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صفة لعيسى أيضًا؛ أي: ذلك عيسى ابن مريم ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قول الحق وكلمته، ومعنى ﴿يَمْتَرُونَ﴾: يختلفون، على أنه من المماراة، أو يشكون، على أنه من المرية، وقد وقع الاختلاف في عيسى، فقالت اليهود: هو ساحر، وقالت النصارى: هو ابن الله، وكذا وقع الشك فيه من النصارى، هل هو ابن الله، أو كلمته ألقاها إلى مريم؟. وقيل: يحتمل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: قوله السابق من الصفات الثمانية القول الحق؛ أي: الصدق الذي فيه يمترون، والحق بمعنى الصدق، وإضافة القول إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، مثل حقّ اليقين، والموصول على هذا صفة للقول. وعلى قراءة نصب القول يكون القول مفعولًا مطلقًا، لقوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ اعتراض؛ أي: قال: إني عبد الله قول الحق؛ أي: القول الصدق الذي فيه يمترون. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: ﴿قول الحق﴾ برفع اللام، وقرأ زيد بن علي، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، وابن أبي إسحاق، والحسن، ويعقوب ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ بنصب اللام، وانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة، وقرأ (١) ابن مسعود والأعمش: ﴿قال﴾ بألف ورفع اللام وقرأ الحسن: ﴿قول﴾ بضم القاف ورفع اللام، وهي مصادر كالرهب والرهب والرهب، وقرأ طلبة، والأعمش في رواية زائدة: ﴿قال﴾ بألف جعله فعلًا ماضيًا ﴿الحق﴾ برفع القاف على الفاعلية، والمعنى: قال الحق وهو الله ذلك الناطق الموصوف بتلك الأوصاف هو عيسى ابن مريم، و ﴿الَّذِي﴾: على هذا خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾، وقرأ علي - كرم الله وجهه - وأبو مجلز، ومعاذ القارىء، وابن يعمر، وأبو رجاء، والسلمي، وداود بن أبي هند، ونافع في روايةٍ، والكسائي وفي رواية: ﴿تمترون﴾ بتاء الخطاب، والجمهور:

стр. 7453

بياء الغيبة. والمعنى: أي (١) ذلك الذي فصلت نبوته، وذكرت مناقبه وأوصافه، هو عيسى ابن مريم، نقول ذلك قول الصدق الذي لا ريب فيه، لا كما يقول اليهود من أنه ساحر وحاشاه، ولا كما تقول طائفة من النصارى إنه ابن الله، ولا كما تزعم طائفة أخرى أنه هو الله، ويخلعون عليه من صفات الألوهية ما هو منه براء، ٣٥ - ثم أكد ما دل عليه سياق الكلام، من كونه ابنًا لمريم لا لغيرها، بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾؛ أي: ما صح ولا استقام لله ﴿أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾؛ أي: أن يتخذ ولدًا؛ لأنه يلزم من اتخاذه ولدًا الحاجة، وهو نقص، فـ ﴿من﴾ (٢) صلة للكلام، و (أن) في موضع رفع اسم ﴿كَانَ﴾؛ أي: ما كان اتخاذ ولد من صفته، وقال الزجاج ﴿مِنْ﴾ في ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ مؤكدةٌ تدل على نفي الواحد والجماعة. ثم نزه نفسه سبحانه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزه الله سبحانه وتقدس عن مقالتهم هذه، ثم صرح سبحانه بما هو شأنه تعالى سلطانه، فقال: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ من الأمور؛ أي: إذا أراد أن يحدث أمرًا من الأمور، وأن يوجد شيئًا من الكائنات ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾؛ أي: أحدث ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: فيوجد ذلك الأمر كما قال لعيسى كن فكان من غير أب، والقول (٣) هنا مجاز عن سرعة الإيجاد، والمعنى: أنه تعالى إذا أراد تكوين الأشياء لم تمتنع عليه، ووجدت كما أرادها على الفور من غير تأخير في ذلك، كالمأمور المطيع الذي إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع .. كان المأمور به مفعولًا، لا حبس ولا إبطاء، وهو المجاز الذي يسمى التمثيل، وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة ﴿فَيَكُونُ﴾ بالنصب. والخلاصة (٤): لا يليق بحكمة الله وكمال ألوهيته، أن يتخذ الولد؛ لأنه لو أراده .. لخلقه بقوله: ﴿كُنْ﴾ فلا حمل ولا ولادة، ولأن الولد إنما يُرغب فيه

стр. 7454

ليكون حافظًا لأبيه، يعوله وهو حي، وذكرًا له بعد الموت، والله تعالى لا يحتاج إلى شيء من ذلك، فالعالم كله خاضع له لا حاجة له إلى ولد ينفعه، وهو حيٌّ أبدًا، ومن كان هذا شأنه، فكيف يتوهم أن يكون له ولد؟ لأن ذلك من أمارات النقص والاحتياج ٣٦ - ﴿وَ﴾ قال عيسى أيضًا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ هو ﴿رَبِّي﴾ أي مالكي وخالقي ومعبودي ﴿وَرَبُّكُمْ﴾؛ أي: مالككم وخالقكم ومعبودكم، ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ والخطاب فيه لمعاصري رسول الله ﷺ من اليهود والنصارى، أمر الله تعالى أن يقول لهم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ أي: قل لهم يا محمد هذا الكلام، وقيل: الخطاب للذين خاطبهم عيسى بقوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الآية. ذكره في "البحر" وقرأ الجمهور (١)؛ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ بكسر همزة ﴿إِنَّ﴾ عطفًا على قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أو على الاستئناف، ويؤيده قراءة أبيّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ بالكسر بغير واو، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، ﴿وأن الله﴾ بالواو وفتح الهمزة، وخرج على حذف حرف الجر متعلقًا بما بعده؛ أي: ولأن الله، أو بسبب أنه تعالى ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ على ما قاله الخليل، وسيبويه، وأجاز الفراء أن يكون في موضع خفض، عطفًا على الصلاة في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ وبـ ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾. ﴿هَذَا﴾ الذي (٢) ذكرته من التوحيد ونفي الولد والزوجة ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ إلى الجنة وإلى رضا الله لا يضل سالكه، وسمي هذا القول صراطًا مستقيمًا تشبيهًا له بالطريق؛ لأنه المؤدي إلى الجنة. والمعنى: أي (٣) هذا الذي أوصيتكم أن الله أمرني به، هو الطريق المستقيم، فمن سلكه .. نجا، ومن اتبعه .. اهتدى؛ لأنه هو الدين الذي أمر به أنبياءه، من خالفه .. ضل وغوى وسلك سبيل الردى، ٣٧ - ثم أشار إلى أنه مع وضوح الأمر في شأن عيسى، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، اختلفوا فيه كما قال: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ والجماعة ﴿مِنْ﴾ اليهود

стр. 7455

والنصارى في شأن عيسى فيما ﴿بَيْنِهِمْ﴾ فاليهود قالوا: إنه ساحر، وقالوا: إنه ابن يوسف النجار، والنصارى اختلفت فرقهم فيه، فقالت النسطورية منهم - نسبة إلى عالم يسمى نسطور -: هو ابن الله، أظهره ما شاء، ثم رفعه إليه، وقالت الملكانية - نسبة إلى الملك قسطنطين وكان فيلسوفًا عالمًا -: إنه عبد الله كسائر خلقه، وهذا الرأي هو الذي نصره الملك، ونصره غيره من شيعته، وقالت اليعقوبية - نسبة إلى عالم منهم يسمى يعقوب -: هو الله هبط إلى الأرض، ثم صعد إلى السماء، فأفرطت النصارى وغلت، وفرّطت اليهود وقصّرت. ومن في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ (١): زائدة؛ أي: فاختلف الأحزاب بينهم أو حال (٢) من الأحزاب، والمعنى: حال كون الأحزاب بعضهم؛ أي: بعض النصارى، إذ بقيت منهم فرقة مؤمنةٌ يقولون: إنه عبد الله ورسوله، وقيل: البين هنا بمعنى البعد، ومن بمعنى اللام؛ أي: اختلفوا فيه لبعدهم عن الحق، ذكره في "البحر"، ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أي: فشدة عذاب ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ واختلفوا في شأن عيسى ﵇ من اليهود والنصارى، والويل: الهلاك وهو نكرة وقعت مبتدأً وخبره ما بعده، وسوّغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء، ونظيره سلام عليك، فإن أصله: منصوب نائب مناب فعله لكنه عدل به إلى الرفع على الابتداء للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: من شهود وحضور يوم عظيم، هو له، وما يجري فيه من الحساب والجزاء، وهو يوم القيامة، أو من مكان الشهود فيه للحساب، وهول الموقف أو من وقت حضوره، أو من (٣) شهادة ذلك اليوم عليهم، وهو شهادة الملائكة والأنبياء، وشهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بالكفر، وسوء الأعمال، وقيل: فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور.

стр. 7456

٣٨ - وقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ صيغة تعجبٍ لفظه لفظ الأمر، ومعناه الماضي، فعجب الله نبيه ﷺ منهم؛ أي (١): ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم السمع والبصر، أخبر - سبحانه - أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا أو يبصروا في الدنيا، وقيل: معناه التهديد بما يسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدّع قلوبهم. وعبارة النسفي هنا: الجمهور على أن لفظه أمر ومعناه التعجب، والله تعالى لا يوصف بالتعجب، ولكن المراد أن أسماعهم وأبصارهم جدير بأن يُتعجب منهما بعدما كانوا صمًّا وعميًّا في الدنيا، قال قتادة: إن عموا وصموا عن الحق في الدنيا .. فما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم و ﴿بِهِمْ﴾ مرفوع المحل على الفاعلية كأكرم يزيد، فمعناه كرم زيد جدًّا ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أقيم الظاهر مقام المضمر؛ أي: لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا الاستماع والنظر حين يُجدي عليهم، ووضعوا العبادة في غير موضعها ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ وخطأٍ عن الحق ﴿مُبِينٍ﴾؛ أي: ظاهر وهو اعتقادهم عيسى إلهًا معبوداً مع ظهور آثار الحدوث فيه، إشعارًا بأن لا ظلم أشدّ من ظلمهم. والمعنى: أي (٢) لئن كان هؤلاء الكفار الذين جعلوا لله أندادًا، وزعموا أن له ولدًا عميًا في الدنيا عن إبصار الحق، والنظر إلى حجج الله التي أودعها في الكون دالةً على وحدانيته، وعظيم قدرته، وبديع حكمته، صماً عن سماع آي كتبه، وما دعتهم إليه الرسل مما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم .. فما أسمعهم يوم قدومهم على ربهم في الآخرة، وما أبصرهم حينئذ حيث لا يُجدي السماع والإبصار شيئًا، ويعضون على أناملهم حسرةً وأسفًا ويتمنون على الله الأمانيّ، فيودّون الرجوعَ إلى الدنيا، ليتداركوا ما فاتهم من صالح العمل، ولكن هيهات هيهات، فقد فات الأوان. صَاحِ هَلْ رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ ... رَدَّ في الضَّرْعِ مَا قَرَى فِيْ الْحِلاَبِ

стр. 7457

ومن ثم لا يجاب لهم طلب، بل يقال لكل أفاك أثيم ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾. ٣٩ - ثم أمر - سبحانه - نبيه ﷺ أن ينذر قومه المشركين جميعًا، فقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: وخوّف يا محمد كفار مكة والناس جميعًا ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾؛ أي: أهوال يوم السيرة والندامة، ليتوبوا عما هم عليه من الكفر والعصيان، وهو يوم القيامة سمي بذلك؛ لأن المسيء يتحسر هلا أحسن العمل والمحسن هلا زاد في الإحسان, وقوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: بدل من لوم الحسرة، أي: إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها, ولأهل الجنة بالخلود فيها، بذبح الموت، وذبحه تصوير لأن كلاً من الفريقين يفهم فهماً لا لبس فيه، أنه لا موت بعد ذلك، وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عن ذلك اليوم وأهواله في الدنيا وكذا قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يصدقون بالقيامة والبعث والمجازاة: جملتان (١) حاليتان من مفعول أنذرهم؛ أي: وأنذرهم وهم على هاتين الحالتين، أو حالان من الضمير المستتر في قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: استقروا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهم على هاتين الحالتين السيئتين، وعلى هذا يكون قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ اعتراضًا. والمعنى: أي (٢) وأنذر يا محمد الناس جميعًا، يوم يتحسر الظالمون على ما فرّطوا في جنب الله، حين فرغ من الحساب، وذهب أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ونودي كلٌّ من الفريقين: لا خروج من هذا بعد اليوم، ولا موت بعد اليوم، وهم في الدنيا غافلون عن ذلك اليوم غير مصدقين به. روى الشيخيان، والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح يخالط بياضه سواد، فينادِي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون فيشرفون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي منادٍ: يا أهل النار

стр. 7458

فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؛ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلّهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾، زاد الترمذي: "ولو أنّ أحدًا مات فرحًا .. لمات أهل النار". ولو أن أحدًا مات حزنًا .. لمات أهل النار". ٤٠ - ثم سلَّى رسوله وتوعد المشركين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾. تأكيد للضمير في ﴿إِنَّا﴾ لأنه بمعناه، فإن قيل: ما الفائدة في ﴿نَحْنُ﴾ وقد كفت عنها ﴿إِنَّا﴾ .. فالجواب: أنه لما جاز في قول المعظم ﴿إِنَّا﴾ نفعل أن يوهم أن أتباعه فعلوا .. أبانت (نحن) بأنّ الفعل مضاف إليه حقيقةً، ذكر الجواب عنه ابن الأنباري، ذكره ابن الجوزي ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾؛ أي: نميت سكان الأرض جميعًا، فلا يبقى بها أحد يرث الأموات، فكأنه سبحانه ورث الأرض ومن عليها حيث أماتهم جميعًا، فإن قيل: فلم قال ﴿وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ وهو يرث الآدميين وغيرهم .. فالجواب أن ﴿مَنْ﴾ تختص أهل التمييز، وغير المميزين يدخلون في معنى الأرض، ويجرون مجراها، ذكر الجواب عن هذا السؤال لابن الأنباري أيضًا. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: يردون إلينا يوم القيامة، لا إلى غيرنا، فنجازي كلاً بعمله. والمعنى: أي لا يحزنك أيها الرسول تكذيب المشركين لك فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير الخلق أجمعين، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس بعد فنائهم، ثم نجازي كلّ نفسٍ بما عملت حينئذٍ، فنجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وقرأ الجمهور (١): ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء من تحت مبنيًا للمفعول، والأعرج: بالتاء من فوق، وقرأ السلميّ، وابن أبي إسحاق، وعيسى: بالياء من تحت مبنيًا للفاعل، وحكى الدانيّ عنهم بالتاء.

стр. 7459

٤١ - قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: واتل يا محمد على قومك في القرآن، أو في هذه السورة ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: قصة إبراهيم الخليل ﵇ ونبأه وبلغها إياهم، كقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ وذلك (١) أن أهل الملل كانوا يعترفون بفضله، ومشركو العرب يفتخرون بكونهم من أبنائه، فأمر الله تعالى حبيبه ﵇ أن يخبرهم بتوحيده الذي هو ملة إبراهيم، ليقلعوا عن الشرك، فعساهم باستماع قصته يتركون ما هم فيه من القبائح، وجملة قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾؛ أي: إن إبراهيم كان ﴿صِدِّيقًا﴾؛ أي: ملازمًا للصدق في كل ما يأتي وما يذر، مبالغًا فيه قائمًا به في جميع الأوقات ﴿نَبِيًّا﴾؛ أي: رفيع القدر عند الله، وعند الناس، فلا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطةً بينه وبين عباده، تعليل (٢) لما تقدم من الأمر لرسول الله ﷺ بأن يذكره، وهي معترضة بين البدل الآتي والمبدل منه، وقرأ أبو البرهشيم ﴿إنه كان صادقًا﴾ وقوله: ﴿نَبِيًّا﴾ خبر آخر لكان مقيد (٣) للأول، مخصص له أي: كان جامعًا بين الصديقية والنبوة، وذلك أن الصديقية تلو النبوة، ومن شرطها أن لا يكون نبيًا إلا وهو صديق، وليس من شرط الصديق أن يكون نبيًا، ولأرباب الصدق مراتب: صادق، وصدوق، وصديق، فالصادق من صدق في قيامه مع الله بالله وفي الله، وهو الفاني عن نفسه، والباقي بربه، والفرق بين الرسول والنبي: أن الرسول من بعث لتبليغ الأحكام ملكًا كان أو إنسانًا، بخلاف النبي فإنه مختص بالإنسان. فائدة (٤): عاش إبراهيم ﵇ من العمر مئةً وخمسًا وسبعين سنةً، وبينه وبين آدم ألفا سنةٍ، وبينه وبين نوح ألف سنة، كما ذكره السيوطي في "التحبير". ٤٢ - وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ بدل اشتمالِ من إبراهيم؛ أي: من خبره المقدر، والمبدل منه محذوف، والبدل باعتبار ما أضيف إليه الظرف، وهو قوله: ﴿قَالَ﴾

стр. 7460

لِأَبِيهِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال إبراهيم ﵇ لأبيه آزر متلطفاً في الدعوة، مسهلًا له ﴿يَا أَبَتِ﴾؛ أي: يا أبي فإن التاء عوض عن ياء الإضافة، ولذلك لا يجتمعان في أفصح اللغات، فلا يقال: يا أبتي لامتناع الجمع بين العوض والمعوض عنه، ولا يقال أيضًا: يا أبتا في أفصح اللغات، لكون الألف بدلًا من الياء، كما بسطنا البحث عن ذلك في رسالتنا "هدية أولي العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف" وقرأ ابن عامر، والأعرج، وأبو جعفر. ﴿يا أبت﴾ بفتح التاء، وقد لحن هارون هذه القراءة، وفي مصحف عبد الله ﴿واأبت﴾ بواوٍ بدل ياءٍ، ذكره في "البحر". والاستفهام في قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ للإنكار والتوبيخ، واللام فيه حرف جر دخلت على ما الاستفهامية، كما يدخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وعلام، وفيم، وإلام، ومم، وعم، وحذفت ألفها فرقًا بينها وبين ما الموصولة، إذا دخل عليها حرف الجر وقيل استعمال الأصل فيها، و (ما) في قوله: ﴿مَا لَا يَسْمَعُ﴾ عبارةُ (١) عن الصور والتماثيل؛ أي: يا أبي لم تعبد الأصنام والتماثيل التي لا تسمع ثناءَك وتضرعك لها عند عبادتك لها، مريدًا بها الثواب ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ خضوعك وخشوعك بين يديه، وما تفعله من عبادته مريدًا بها الثواب، ويجوز (٢) أن يُحمل نفي السمع والإبصار على ما هو أعم من ذلك؛ أي: لا يسمع شيئًا من المسموعات، ولا يُبصر شيئًا من المبصرات ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾؛ أي: ولا ينفعك شيئًا من الأشياء، فلا يجلب لك نفعًا، ولا يدفع عنك ضررًا، أو ولا يدفع عنك شيئًا من عذاب الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فـ ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، أو ولا يغنيك شيئًا من الإغناء، وهو القليل منه، فـ ﴿شَيْئًا﴾ مصدر؛ أي: ولأي شيء، ولأي سببٍ تعبدها، مع أن فيها ما يقتضي عدم عبادتها، وهو عدم سمعها وبصرها اهـ. شيخنا.
следующие страницы →