← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7631–7670 · переход к 7636.

стр. 7631

وتعالى - فعلمه ليس كعلم المخلوقين، الذي يعتريه النقص من وجهين: عدم الإحاطة بالأشياء، ونسيانها بعد علمها. وقرأ الحسن (١)، وقتادة، والجحدري، وحماد بن سلمة، وابن محيصن، وعيسى الثقفي: ﴿لا يضل﴾ بضم الياء؛ أي: لا يضل الله ذلك الكتاب، فيضيع، ولا ينسى ما أثبته فيه، وقرأ السلمي: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ مبنيتين للمفعول، والظاهر: أن الجملتين استئناف وإخبار عنه تعالى، بانتفاء هاتين الصفتين عنه، وإجمال سؤاله، أنه إذا كان الأمر كما ذكرت .. ففصل لنا حال الماضين من سعادةٍ وشقاءٍ, فرد ﵇ عليه: بأن علم ذلك إلى الله تعالى، ٥٣ - ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول، بإبراز الدلائل على الوحدانية فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾؛ أي: ربي الذي لا يضل ولا ينسى هو الذي جعل لكم الأرض كالمهاد والفراش، تتمهدونها وتستقرون عليها، فتقومون، وتنامون، وتسافرون على ظهرها، وقرأ (٢) الأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿مَهْدًا﴾ بفتح الميم وإسكان الهاء، وباقي السبعة: ﴿مهادًا﴾ وكذا في الزخرف، وقال المفضل: هما مصدران، يقال: مهد مهدًا ومهادًا، وقال أبو عبيد: مهادًا: اسم، ومهدًا: مصدر، ومعنى ذلك: أنه تعالى جعلها لهم، يتصرفون عليها في جميع أحوالهم ومنافعهم؛ أي: جعل كل موضع منها مهدًا وفراشًا لكل واحد منكم. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾؛ أي: وهو الذي جعل لأجلكم لا لغيركم في الأرض سبلًا وطرقًا كثيرةً، بين الجبال والأودية والبراري، تمشون في مناكبها، وتسلكونها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يقال: سلكت الشيء في الشيء: أدخلته، والسبل (٣): جمع سبيل، وهو من الطرق ما هو معتاد السلوك.

стр. 7632

﴿وَأَنْزَلَ﴾ النزول: هو الانحطاط من علو، يقال: نزل عن دابته، ونزل في مكان كذا: حط رحله فيه، وأنزل غيره ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من الفلك أو من السحاب، فإن كل ما علا سماء ﴿مَاءً﴾ وهو: جسم سيال، قد أحاط حول الأرض، والمراد، هنا: المطر، وهو الأجزاء المائية إذا التأم بعضها مع بعض، ونكره قصدًا إلى معنى البعضية؛ أي: أنزل من السماء بعض الماء. وهذا (١) تمام كلام موسى ﵇ ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه، تتميمًا لكلام موسى، لخطاب أهل مكة فقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: أصنافاً ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾؛ أي: مختلفةٍ في الطعم والرائحة والشكل والنفع، بعضها صالح للناس، وبعضها للبهائم، على اختلاف وجوه الصلاح، والأظهر: أن ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ صفتان لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾ وأخر شتى رعايةً للفواصل، وقيل: هذا من تمام كلام موسى ﵇ وكأنه يقول: ربي الذي جعل لكم كذا وكذا، فأخرجنا نحن معشر عباده بذلك الماء بالحراثة ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ وقال صاحب "الكشاف": إن كلام موسى ﵇ تم عند قوله: ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ثم ابتدأ كلام الله من قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ فهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ ويكون الانتقال من الغيبة إلى التكلم التفاتًا، للدلالة على كمال القدرة، والحكمة، وللإعلام بأن ذلك لا يتأتى إلا من قادر مطاع، عظيم الشأن. وجملة قوله: ﴿كُلُوا﴾: حال من ضمير ﴿فأخرجنا﴾، على إرادة القول, أي: فأخرجنا به أصناف النباتات، قائلين لكم ﴿كُلُوا﴾ منها؛ أي: من الثمار والحبوب ونحوهما ﴿وَارْعَوْا﴾؛ أي: أسيموا واسرحوا فيها ﴿أَنْعَامَكُمْ﴾؛ أي: مواشيكم، الإبل، والبقر، والضأن، والمعز؛ أي (٢): اقصدوا الانتفاع بها بالذات وبالواسطة، آذنين في الانتفاع بها، مبيحين بأن تأكلوا بعضها، وتعلفوا بعضها. قال في "التأويلات النجمية" يشير إلى أن السماء، والماء، والنبات،

стр. 7633

والأنعام، كلها مخلوقة لكم، ولولا احتياجكم للتعيش بهذه الأشياء، بل بجميع المخلوقات، ما خلقتها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من الشؤون والأفعال الإلهية، من جعل الأرض مهدًا، وسلك السبل فيها، وإنزال الماء، وإخراج أصناف النبات ﴿لَآيَاتٍ﴾ كثيرةً جليلةً واضحة الدلالة على الصانع ووحدته، وعظيم قدرته، وباهر حكمته ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾؛ أي: لأصحاب العقول الكاملة، الناهية عن الأباطيل التي من جملتها ما تدعيه الطاغية، وتقبله من الفئة الباغية، وتخصيص أولي النهى مع أنها آيات للعالميق باعتبار أنهم المنتفعون بها. وحاصل معنى الآية: أي (١) وأنزل من السماء مطرًا، فأخرج به مختلف أنواع النبات، من زروع، وثمار حامضة وحلوة، وهي أيضًا مختلفة النفع، واللون، والرائحة، والشكلى، بعضها يصلح للإنسان، وبعضها يصلح للحيوان، وفي هذا بيان لنعمه على خلقه، بما يحدث لهم من الغيث، الذي يولد تلك المنافع ٥٤ - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾؛ أي: فأخرجنا أصناف النبات، قائلين لكم: كلوا وارعوا أنعامكم .. الخ، فشيء منها أعد لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم قوتاً لها، أخضر ويابساً ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما وصفت لكم من قدرة ربكم، وعظيم سلطانه، لأدلة على وحدانيته، وأنه لا إله غيره، إذا كنتم من ذوى العقول الراجحة، والأفكار الثاقبة. ٥٥ - ولما ذكر سبحانه منافع الأرض والسماء .. بيَّن أنها غير مقصودة لذاتها، بل هي وسائل إلى منافع الآخرة، فقال: ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ بوساطة خلق أبيكم آدم منها، وإلا فمَن عدا آدم وحواء مخلوق من النطفة، وأصل الخلق: التقدير المستقيم، ويُستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاءٍ، قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ويُستعمل في إيجاد الشيء من الشيء، كما في هذا المقام، وقيل في سبب خلقهم من الأرض: أنه إذا وقعت النطفة في الرحم .. انطلق الملك الموكل بالرحم، فيأخذ من تراب المكان الذي يُدفن فيه فيذره على النطفة، فيخلق الله الولد من النطفة، ومن ذلك التراب، وأيضًا إن تولد الإنسان، إنما هو من النطفة ودم الطمث، وهما يتولدان من

стр. 7634

الأغذية، وهي تنتهي إلى النبات، وهي إنما تحدث من امتزاج الماء والتراب. والمعنى: أي ومن الأرض خلقنا النطفة المتولدة من الأغذية، التي تكونت منها بوسائط، إذ الغذاء إما حيواني، وإما نباتي، والحيواني: ينتهي إلى نباتي، والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء التراب ﴿وَفِيهَا﴾؛ أي: وفي الأرض ﴿نُعِيدُكُمْ﴾ بعد مماتكم، فتصيرون ترابًا كما كنتم قبل نشأتكم، أو بالدفن (١) في الموضع الذي أُخذ ترابكم منه، وإيثار كلمة (في) دون (إلى): للدلالة على الاستقرار، والعود: الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، إما انصراف بالذات، أو بالقول والعزيمة، وإعادة الشيء كالحديث وغيره تكريره. ﴿وَمِنْهَا﴾؛ أي: ومن الأرض ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ بعد مماتكم بالبعث والنشور، وتاليف أجزائكم المتفِّتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة قبل الموت، ورد أرواحكم إليها ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾؛ أي: مرةً أخرى، وكون (٢) هذا الإخراج ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ باعتبار أن خلقهم من الأرض: إخراج لهم منها، وإن لم يكن على نهج التارة الثانية، والتارة في الأصل: اسم للتور الواحد، وهو: الجريان، ثم أُطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتجددة، كما مر في المَرَّة. ٥٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ أي: وعزتي وجلالي، لقد بصَّرنا فرعون وعرفناه ﴿آيَاتِنَا﴾ ودلائل قدرتنا، الدالة على وحدانيتنا، وعلى صدق موسى، على يدي موسى من العصا، واليد، وغيرهما، والمراد بالآيات: هي الآيات التسع المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ على أن الإضافة فيه عهدية، وقيل (٣): المراد جميع الآيات التي جاء بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وأن موسى قد كان عرَّفه جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء، والأوَّل أولى ﴿كُلَّهَا﴾؛ أي: كل الآيات تأكيد لشمول الأنواع ﴿فَكَذَّبَ﴾ بالآيات كلها من فرط عناده، من غير تردد وتأخير، وزعم أنها سحر ﴿وَأَبَى﴾ عن قبولها لعتوه، والإباء: شدة الامتناع، فكل إباء امتناع، وليس كل امتناع إباء، وهذا يدل على أن كفر فرعون كفر عناد؛ لأنه رأى

стр. 7635

الآيات وكذب بها، كما في قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. ٥٧ - وجملة قوله: ﴿قَالَ﴾ فرعون لموسى خوفاً من أن يتبعه الناس: مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال فرعون بعد هذا؟ والهمزة في قوله: ﴿أَجِئْتَنَا﴾ للإنكار لما جاء به موسى من الآيات، والمجيء (١) إما على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر، والتصدي له؛ أي: أجئتنا يا موسى من مكانك الذي كنت فيه بعدما غبت عنا، أو أقبلت علينا ﴿لِتُخْرِجَنَا﴾ معشر القبطيين ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾؛ أي: من أرض مصر بالغلبة والاستيلاء، ﴿بـ﴾ ما أظهرته من ﴿سِحْرِكَ يَامُوسَى﴾ من العصا واليد، فإن ذلك مما لا يصدر عن العاقل، لكونه من باب محاولة المحال، والسحر: خداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذون، من صرف الأبصار عما تفعله بخفة، وما يفعله النمام بقول حرف عائق للأسماع. وإنما ذكر (٢) الملعونُ الإخراجَ من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى، فإنه إذا وقع في أذهانهم، وتقرر في أفهامهم، أن عاقبة إجابتهم لموسى الخروج من ديارهم وأوطانهم .. كانوا غير قابلين لكلامه، ولا ناظرين في معجزاته، ولا ملتفتين إلى ما يدعو إليه من الخير ٥٨ - و (الفاء) في قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ وفاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كذلك .. فأقول لك، والله ﴿لنأتينك﴾ ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أي: بسحر مثل سحرك، فلا تغلب علينا, أي: والله لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر، حتى يتبين للناس أن الذي جئت به سحر يقدر على مثله الساحر ﴿فَاجْعَلْ﴾؛ أي: صيِّر ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ﴾ لإظهار السحر ﴿مَوْعِدًا﴾ هو مصدر؛ أي: وعدًا لقوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾؛ أي: لا نخلف ذلك الوعد ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ يا موسى، وقيل: المراد بالموعد (٣): اسم زمان، وقيل: اسم مكان؛ أي: اجعل لنا يومًا معلومًا، أو مكانًا معلومًا، لا نخلفه، قال القشيري: والأظهر أنه مصدر، ولهذا قال: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ والإخلاف: أن تعد شيئًا

стр. 7636

ولا تنجزه، وفوَّض تعيين الموعد إلى موسى، إظهارًا لكمال اقتداره على الإتيان بمثل ما أتى به موسى، طال الأمد أم قصر. وانتصاب ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ بفعل مقدر، يدل عليه المصدر لا به، فإنه موصوف، أو على أنه بدل من ﴿مَوْعِدًا﴾ و ﴿سُوًى﴾ بضم السين وكسرها بمعنى: العدل والمساواة؛ أي: عدلنا مكانًا عدلًا بيننا وبينك، وسطًا يستوي طرفاه، من حيث المسافة علينا وعليكم، لا يكون فيه أحد الطرفين أرجح من الآخر، أو مكانًا مستويًا لا يحجب العين ارتفاعه ولا انخفاضه. وقرأ أبو جعفر وشيبة (١): ﴿لا تخلفه﴾ بجزم الفاء، على أنه جواب الأمر، وقرأ الجمهور: برفعها صفةً لـ ﴿مَوْعِدًا﴾ وقرأ ابن عامر، وحمزة، ويعقوب، والحسن، وقتادة، وطلحة، والأعمش، وابن أبي ليلى، وأبو حاتم، وابن جرير ﴿سُوًى﴾ بضم السين منونًا في الوصل، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: بكسر السين منونًا في الوصل، وقرأ الحسن أيضًا ﴿سوى﴾ بضم السين من غير تنوين في الحالين، أجرى الوصل مجرى الوقف، لا أنه منعه الصرف؛ لأن: فُعَلًا من الصفات، منصرف كحطم ولبدٍ، وقرأ عيسى: ﴿سوى﴾ بكسر السين من غير تنوين في الحالين، أجرى الوصل أيضًا مجرى الوقف، وقرأ أبي (٢) بن كعب، وأبو المتوكل، وابن أبي عبلة: ﴿مكانًا سواءً﴾ بالمد والهمزة والنصب والتنوين وفتح السين، وقرأ ابن مسعود: مثله إلا أنه كسر السين، قال أبو عبيدة: هو اسم للمكان النصف فيما بين الفريقين، والمعنى: مكانًا تستوي مسافته على الفريقين، فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، قال (٣) أبو علي: كأنه قال: قربه منكم، قربه منا، وقال الأخفش (٤): ﴿سوى﴾ مقصورة إن كسرت سينها، أو ضممت، وممدودة إن فتحتها، ثلاث لغات، ويكون فيها جميعًا بمعنى غير، وبمعنى: عدل ووسط بين الفريقين، وقال الشاعر:

стр. 7637

وَإِنَّ أَبَانَا كَانَ حَلَّ بِأَهْلِهِ سِوَىً ... بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسٍ غَيْلاَنَ وَالْفَزَرْ والفزر: سعد بن زيد مناة، قال: وتقول: مررت برجل سِواك وسَواك وسُواك؛ أي: غيرك، ويكون للجميع، وأعلى هذه اللغات الكسر، قاله النحاس. ٥٩ - ثم واعده موسى بوقت معلوم فـ ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ﴾؛ أي: زمان وعدكم للاجتماع ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾؛ أي: يوم يتزين فيه الناس، وهو يوم عيد النيروز، وكان (١) على رأس سنتهم حين يفرغ الناس من أعمالهم، ويجتمعون لعيدهم، ليكون الحفل عامًا, ويتحدث الناس بذلك الأمر العجيب في القرى والأمصار، فتعلو كلمة الله، ويظهر دينه، ويزهق الباطل، وينتصر الحق على رؤوس الأشهاد، أما رفع اليوم: فقال البصريون: التقدير: وقت موعدكم ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ فناب الموعد عن الوقت، وارتفع به ما كان يرتفع بالوقت إذا ظهر، وأما نصبه: فقال الزجاج: المعني: موعدكم يقع ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ اهـ "زاد المسير". وفي "أبي المسعود" وكان يوم عاشوراء، وأتفق أنه في هذه الواقعة يوم سبت، وإنما خصه ﵇ بالتعيين لإظهار كمال قوته، وكونه على ثقةٍ من أمره، وعدم مبالاته بهم، لما أن ذلك اليوم وقت ظهور شوكتهم، وليكون ظهور الحق وزهوق الباطل في يوم مشهور على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك فيما بين كل باد وحاضر. اهـ. سألوا عن مكان الاجتماع (٢)، فأجابهم بالزمان، فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم. واعلم: أن الأعياد خمسة: أحدها: عيد قوم إبراهيم ﵇ وفيه جعل إبراهيم الأصنام جذاذًا. والثاني: عيد قوم فرعون، وهو يوم الزينة. والثالث: عيد قوم عيسى، كما مر في أواخر المائدة.

стр. 7638

والرابع والخامس: عيد أهل المدينة في الجاهلية، وذلك يومان في السنة، فأبدلها الله تعالى في الإِسلام يومي: الفطر والأضحى، وقوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ في محله وجهان (١): أحدهما: الجر عطفًا على ﴿الزِّينَةِ﴾؛ أي: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ﴿و﴾ يوم ﴿أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾؛ أي: ويوم حشر الناس واجتماعهم. الثاني: الرفع عطفًا على ﴿يَوْمُ﴾ والتقدير: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ﴿و﴾ موعدكم ﴿أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾؛ أي: حشرهم. اهـ "سمين" والحشر: إخراج الجماعة عن مقارهم، وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها, ولا يقال إلا في الجماعة، وقوله: ﴿ضُحًى﴾؛ أي: ضُحى ذلك اليوم، فصب على الظرف؛ أي: وأن يُجمع الناس في وقت الضحى من ذلك اليوم، ليكون أبعد من الريبة، والضحى: عبارة عن ارتفاع الشمس، وفي "بحر العلوم": الضحى: صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي شعاعها، وقال الإِمام الراغب: الضحى: انبساط النهار وامتداده، سمي الوقت به، وقال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى، وهو: حين تشرق الشمس. اهـ. وخص (٢) الضحى لأنه أول النهار، فإذا امتد الأمر بينهما كان في النهار متسع. والمراد بالناس: أهل مصر، والمعني: يحشرون إلى العيد وقت الضحى، وينظرون أمر موسى وفرعون، قال الفراء: المعنى: إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى .. فذلك الموعد، قال: وجرى عادتهم بحشر الناس في ذلك اليوم. قال في "هزام السقط" (٣): أول اليوم الفجر، ثم الصباح، ثم الغداة، ثم البكرة، ثم الضحى، ثم الضحوة، ثم الهجيرة، ثم الظهيرة، ثم الرواح، ثم المساء، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم العشاء الأولى، ثم العشاء الأخيرة عن

стр. 7639

مغيب الشفق. اهـ. وقرأ ابن مسعود (١)، والجحدري، وأبو عمران الجوني، وأبو نهيك، وعمرو بن فايد ﴿وأن تحشر الناس﴾ بتاء الخطاب؛ أي: وأن تحشر أنت يا فرعون، وروي عنهم: ﴿وأن يحشر الناس﴾ بالبناء للفاعل، والناس نصب في كلتا القراءتين، قال صاحب "اللوامح" وأن يحشر الحاشر الناس ضحًى، فحذف الفاعل للعلم به. انتهى. وحذف الفاعل في مثل هذا لا يجوز عند البصريين، وقال غيره: ويجوز أن يكون فيه ضمير فرعون، ذكره بلفظ الغيبة، وروي عن الجحدري أنه قرأ: ﴿وأن نحشر﴾ بالنون وقرأ الباقون بالتحتية، على البناء للمفعول. ٦٠ - ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾؛ أي: انصرف عن المجلس، وفارق موسى، فرجع إلى أهله ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾؛ أي: مكره وسحره وحيله؛ أي: جمع ما يكاد به من السحرة وأدواتهم ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ بهم الموعد، وأتى موسى أيضًا، والمراد (٢): أنه جمع السحرة، قيل: كانوا اثنين وسبعين، وقيل: أربع مئة، وقيل: اثنا عشر ألفًا، وقيل: أربعة عشر ألفًا، وقال ابن المنذر: كانوا ثمانين ألفًا، ثم أتى الموعد الذي تواعدا إليه مع جمعه الذي جمعه، وفي الإتيان بكلمة ﴿ثُمَّ﴾ المفيدة للتراخي إيماء إلى أنه لم يسارع إليه، بل أتاه بعد تأخير، ٦١ - وجملة قوله: ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾: مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا صنع موسى عند إتيان فرعون مع السحرة؟ فقيل: قال لهم: بطريق النصيحة؛ أي: قال موسى للسحرة الذين جاؤوا مع فرعون، على طريق النصيحة لهم: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أصله (٣): الدعاء بالهلاك، بمعنى: ألزمكم الله ويلًا؛ أي: هلاكًا وعذابًا، والمراد هنا: الزجر، والردع، والحث، والتحريض على ترك الافتراء. والمعنى: أي فانصرف (٤) فرعون عن مجلس اللجاج والمناظرة، وشرع

стр. 7640

يُعد ما يكيد به من السحرة، وآلاتهم، وأنصاره، وأعوانه كثير ما هم، ثم أتى وأقبل إلى الموعد الذي عُيِّن، ومعه جمعه، وجلس على سرير ملكه، وحوله أكابر دولته، واصطفت الرعية يمنةً ويسرةً، وأقبل موسى يتوكأ على عصاه، ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة صفوفًا بين يدي فرعون، يحرضهم، ويستحثهم، ويرغبهم في جودة العمل، ويتمنون عليه وهو يعدهم ويمنيهم، وقد جاء في سورة الشعراء ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾. قال موسى للسحرة: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾؛ أي (١): لا تختلقوا على الله الكذب، ولا تتقوَّلوه عليه، بأن تدَّعوا أن الآيات التى ستظهر على يدي سحر، كما فعل فرعون، أولا تشركوا مع الله أحدًا، والافتراء: التقول والكذب عن عمد. وفي "التأويل": قال موسى للسحرة ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بإتيان السحر في معرض المعجزة، ادعاءً بأن الله قد أعطانا مثل ما أعطى الأنبياء من المعجزة ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾؛ أي: فيهلككم ويستأصلكم، يقال: أسحت الشيء، إذا أعدمه واستأصله ﴿بِعَذَابٍ﴾ هائل لا يقادر قدره؛ أي: بعذاب من عنده، لا يُبقي أحدًا منكم ولا يذر. وقرأ حمزة (٢)، والكسائي، وحفص، والأعمش، وطلحة، وابن جرير: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ بضم الياء وكسر الحاء، ومن أسحت رباعيًا، وهي لغة بني تميم، وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم، ورويس، وابن عباعي: ﴿فيسحتكم﴾ بفتح الياء والحاء، من سحت ثلاثيًا، وهي لغة أهل الحجاز، يقال: سحت وأسحت، بمعنى، والسحت: الاستئصال. ﴿وَقَدْ خَابَ﴾؛ أي: خسر وهلك ﴿مَنِ افْتَرَى﴾ واختلق على الله الكذب، كائنًا من كان، بأي وجه كان، ولم يُفلح في سعيه، ولم يصل إلى غرضه، فابتعدوا من اختلاق الأكاذيب، ولا تضلوا سواء السبيل، حتى لا يصيبكم ما

стр. 7641

أصاب المفترين ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾. ٦٢ - ولما سمع السحرة كلام موسى .. هاجهم وغاظهم كلامه: ﴿فَتَنَازَعُوا﴾؛ أي: تناظروا وتشاوروا ﴿أَمْرَهُمْ﴾ وعملهم الذى أريد منهم، من مغالبة موسى ﵇ وتجاذبوا أطراف الكلام في كيفية المعارضة ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وتفاوضوا ماذا يفعلون ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾؛ أي: أخفوا المحادثة والمشاورة في ذلك عن موسى وأخيه هارون ﵉ لئلا يقفا عليه فيدافعاه؛ أي: وبالغوا (١) في كتمان ما يقولون عن موسى وأخيه، حتى لا يسمعا ما يدور بينهم من القول والمشاورة، فيعدا للأمر عدته، ويهيئا وسائل الدفاع، ومن الطبيعي في مثل هذه الأحوال أن يُخفى أحد المتخاصمين كل ما يدبره من وسائل الفوز والفلج عن خصمه الآخر، والنجوى: المناجاة، يكون اسمًا ومصدرًا، ٦٣ - ثم بيَّن سبحانه خلاصة ما استقرت عليه آراؤهم بعد التناظر والتشاور بقوله: ﴿قَالُوا ...﴾ إلخ وكانت (٢) نجواهم هي قولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وقيل: إنهم تناجوا فيما بينهم، فقالوا: إن كان ما جاء به موسى سحرًا .. فسنغلبه، وإن كان من عند الله .. فسيكون له أمر، وقيل: الذي أسروه أنه: إذا غلبهم .. اتبعوه، قاله الفراء والزجاج. وقيل: الذي أسروه أنهم لما سمعوا قول موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: قالوا ما هذا بقول ساحر، وإن مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية، والمشار إليه موسى وهارون؛ أي: قالت السحرة بطريق التناجي والإسرار فيما بينهم: إن هذان لساحران؛ أي: إن هذا الرجل وأخاه ساحران خبيران بصناعة السحر، وهما ﴿يُرِيدَانِ أَنْ﴾ يغلباكم وقومكم و ﴿يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ ودياركم؛ أي: من أرض مصر بالغلبة والاستيلاء عليها ﴿بِسِحْرِهِمَا﴾ الذي أظهراه من قبل ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ (٣) المثلى: تأنيث الأمثل، وهو الأشرف, أي: ويذهبا بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب وأحسنها، بإظهار مذهبما، وإعلاء دينهما، يريدون مما كان عليه قوم فرعون، لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ

стр. 7642

يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ لا طريقة السحر؛ لأنهم ما يعتقدونها ديناً، قال في "بحر العلوم": سموا مذهبهم بها لزيادة سرورهم، وكمال فرحهم بذلك، وأنه الذي تطمئن به نفوسهم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ قال الإِمام الراغب: الطريق: السبيل الذي يطرق بالأرجل ويضرب. اهـ. وقيل المعنى: ويذهبا بأشراف قومكم بميلهم إليهما لغلبتهما، وهم بنو إسرائيل، فإنهم ذوو مال وعلم، ذكره في "المراح". وخلاصة ما قالوه (١): التنفير بهما لوجوه ثلاثة: ١ - الطعن في نبوتهما، ونسبتهما إلى السحر، وكل ذي طبع سليم ينفر من السحر، وليبغض السحرة، ويعلم أن السحر لا بقاء له، ولا ينبغى اتباع من جاء به، ولا اعتناق مذهبه وطريقته. ٢ - إن بغيتهما إخراجكم من أرضكم، ومفارقة الوطن شديدة الوطأة علي النفوس، ومن ثم قال فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾. ٣ - إنهما يريدان أن يستوليا على جميع المناصب والرياسات، ولا يبقيا شيئًا من شؤون الدولة، ويريدان التصرف في أمورها العامة. وإجمال هذا: أنهما إذا تم لهما الأمر أخرجاكم من دياركم، وتمحضت لهما الرياسة دونكم. وقرأ أبو جعفر (٢)، والحسن، وشيبة، والأعمش، وطلحة، وحميد، وأيوب، وخلف في اختياره، وأبو عبيد، وأبو حاتم، وابن عيسى الأصبهاني، وابن جرير، وابن جبير الأنطاكي، والأخوان: حمزة، والكسائي والصاحبان: نافع، وابن عامر من السبعة: ﴿إن﴾ بتشديد النون ﴿هَذَانِ﴾ بألف ونون خفيفةٍ ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ واختُلف في تخريج هذه القراءة، فقال القدماء من النحاة: إنه على حذف ضمير الشأن، والتقدير: إنه هذان لساحران، وخبر ﴿إن﴾ الجملة من قوله:

стр. 7643

﴿هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ و (اللام) في ﴿لَسَاحِرَانِ﴾: داخلة على خبر المبتدأ، وضعف هذا القول: بأن حذف هذا الضمير لا يجيء إلا في الشعر، وبأن دخول اللام في الخبر شاذ، وقيل: إن ﴿إن﴾ بمعنى نعم. وقرأ أبو بحرية (١)، وأبو حيوة، والزهري، وابن محيصن، وحميد، وابن سعدان، وحفص، وابن كثير: ﴿إن﴾ بتخفيف النون ﴿هَذَانِ﴾ بالألف، وشدد ابن كثير نون ﴿هذان﴾ وتخريج هذه القراءة واضح، وهو: على أن ﴿إِنْ﴾ هي المخففة من الثقيلة، و ﴿هَذَانِ﴾: مبتدأ و ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ الخبر و (اللام) للفرق بين إن النافية، وإن المخففة من الثقيلة، على رأي البصريين، والكوفيون يزعمون: أن إن نافية، واللام بمعنى إلا، وقرأت فرقة: ﴿إن ذان لساحران﴾ وتخريجها كتخريج القراءة التي قبلها، وقرأت عائشة، والحسن، والنخعي، والجحدري، والأعمش، وابن جبير، وابن عبيد، وأبو عمرو: ﴿إن هذين﴾ بتشديد نون ﴿إن﴾ وبالياء في ﴿هذين﴾ بدل الألف رفعًا، والياء نصبًا وجرا، وقال الزجاج: لا أجيز قراءة أبي عمرو؛ لأنها خلاف المصحف، وقرأ عبد الله ﴿إن ذان إلا ساحران﴾ قاله ابن خالويه، وعزاها الزمخشري لأبيّ، وقال ابن مسعود: ﴿أنَّ هذان ساحران﴾ بفتح أن وبغير لام بدل من النجوى. انتهى وقرأت فرقة ﴿ما هذان إلّا ساحران﴾. ٦٤ - ثم بيَّن السحرة ما يجب لمقابلة هذا الخطر الداهم، والبلاء المقبل، فقالوا: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ و (الفاء) فيه فاء (٢) الفصيحة، وأجمعوا من الإجماع، يقال: أجمع الأمر إذا أحكمه وعزم عليه، وحقيقته: جمع رأيه عليه، وأجمع المسلمون كذا: اجتمعت آراؤهم عليه، وأكثر ما يقال فيما يكون جمعًا يتوصل إليه بالتدبير والفكرة. والمعنى: إذا كان الأمر كما ذكر، من كونهما ساحرين، يريدان بكم ما ذُكر من الإخراج والإذهاب، فأزمعوا مكركم وحيلكم في رفع هذا المزاحم، واجعلوه

стр. 7644

مجمعًا عليه، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم، وأرموا عن قوس واحدة، ولا تدعوا شيئًا من كيدكم إلا جئتم به ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾؛ أي: مصطفين في الموعد ومجتمعين، ليكون أشد لهيبتكم، وأنظم لأمركم، فجاؤوا في سبعين صفًا، كل صف ألف، وألقوا ما في أيديهم دفعةً واحدةً، ليبهروا الأبصار، وتعظم هيبتهم في هذا المشهد الحافل، والصف: أن يجعل الشيء على خط مستوٍ، كالناس والأشجار ونحو ذلك، وقد يجعل بمعنى الصاف. وقرأ الجمهور (١): ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بقطع الهمزة وكسر الميم، من أجمع رباعيًا, أي: اعزموا واجعلوه مجمعًا عليه، حتى لا تختلفوا, ولا يتخلف واحد منكم عن المسألة المجمع عليها، وقرأ الزهري، وابن محيصن، وأبو عمرو، ويعقوب في روايةٍ، وأبو حاتم: بوصل الألف وفتح الميم موافقاً لقوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ وتقدم الكلام في جمع وأجمع في سورة يونس، في قصة نوح ﵇. وقرأ شبل بن عباد (٢)، وابن كثير في رواية شبل عنه: ﴿ثم ايتوا﴾ بكسر الميم وإبدال الهمزة ياءً تخفيفًا، قال أبو علي: وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من ﴿ثُمَّ﴾ وقال صاحب "اللوامح" وذلك لالتقاء الساكنين، كما كانت الفتحة في العامة كذلك. ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ﴾ وفاز وظفر ﴿الْيَوْمَ﴾ بالمطلوب ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾؛ أي: من غلب منا ونال علو المرتبة بين الناس، أما نحن فقد وُعدنا بالعطاء الجزيل، والقرب من الملك ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾ وأما هو فسينال الرياسة، وما مقصدهم من ذلك إلا تشديد العزائم، وحفز الهمم، ليبذلوا أقصى الجهد للفوز، والفلج بالمطلوب. والفلاح (٣): الظفر وإدراك البغية، والاستعلاء: قد يكون طلب العلو

стр. 7645

المذموم، وقد يكون طلب العلاء؛ أي: الرفعة، والآية تحتمل الأمرين. ٦٥ - وجملة قوله: ﴿قَالُوا﴾، أي: السحرة بعد إجماعهم وإتيانهم الموعد، واصطفافهم فيه: ﴿يَا مُوسَى﴾ اختر: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ما تلقيه من العصا أولًا، ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُون﴾ نحن ﴿أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ ما يلقيه من العصي والحبال، مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا فعلوا بعدما قالوا فيما بينهم ما قالوا؟ فقيل: قالوا: يا موسى ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ...﴾ إلخ وكانت السحرة معهم عصي، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، فلما أراد السحرة معارضته .. قالوا له هذا القول. و ﴿أَنْ﴾ مع ما في حيزها: في محل نصب بفعل مضمر، تقديره: اختر إلقاءك أولًا، أو إلقاءنا، أو في محل رفع على أنها وما بعدها خبر مبتدإٍ محذوف، تقديره: الأمر إما إلقاؤك أو إلقاؤُنا. وهذا التخيير منهم حسن أدب معه (١)، وتواضع منهم، وتنبيه إلى إعطائه النصفة من أنفسهم، وكأن الله ألهمهم ذلك، وعلَّم موسى أن من الخير له اختيار إلقائهم أولًا؛ لأنهم إذا أبرزوا ما معهم من مكايد السحر، واستنفذوا أقصى مجهودهم .. أظهر الله سلطانه، وقذف بالحق على الباطل فدمغه، وسلَّط المعجزة على السحر فمحقته، وكانت آيةً نيرةً للناظرين، وعبرةً بينةً للمعتبرين، ومن ثم حكى عنه ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ وفي هذا التخيير إشارة إلى أن السحرة لما أعزوا موسى ﵇ بالتقديم والتخيير في الإلقاء .. أعزهم الله بالإيمان الحقيقي، حتى رأوا بنور الإيمان معجزة موسى، فآمنوا به تحقيقًا لا تقليدًا. ٦٦ - ثم إن موسى (٢) ﵇ قابل أدبهم بأدبٍ أحسن من أدبهم، حيث بت القول بإلقائهم أولًا؛ لأنه فهم أنَّ مرادهم الابتداء فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى لا ألقي أنا أولًا ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ أنتم أولًا إن كنتم محقيق، لنرى ما تصنعون من السحر، ويظهر للناس حقيقة أمركم، وحين ألقوا ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ وإنما أمرهم بالإلقاء أولًا لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم ما معهم، ثم يلقي هو

стр. 7646

عصاه فتبتلع ذلك، وإظهارًا لعدم المبالاة بسحرهم، وجملة قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى موسى ﴿مِنْ﴾ أجل ﴿سِحْرِهِمْ أَنَّهَا﴾ حيات ﴿تَسْعَى﴾؛ أي: تمشي قبلها، محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿إذا﴾ هذه للمفاجاة، وهي حرف أو ظرف، ثم اختلف أهو ظرف مكان أو زمان، وهي تطلب متعلقًا ينصبها من فعل المفاجأة، وجملةً ابتدائيةً تضاف إليها، والتقدير: فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، ميلًا من هذا الجانب، وميلًا من هذا الجانب. ففاجأ موسى وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وهذا تمثيل، والمعنى على مفاجأته حبالهم وعصيهم، مخيلةً إليه السعي، كسعي ما يكون حيًا من الحيات من أجل سحرهم، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس .. اضطربت واهتزت، فخيل إليه أنها تتحرك. وقرأ الحسن (١)، وأبو رجاء العطاردي، وأبو عمران الجوني، وأبو الجوزاء: ﴿وعصيهم﴾ بضم العين حيث كان، وهو الأصل؛ لأن الكسر إتباع لحركة الصاد، وحركة الصاد لأجل الياء، وفي كتاب "اللوامح": قرأ الحسن: ﴿وعصيهم﴾ بضم العين، وإسكان الصاد، وتخفيف الياء، مع الرفع، فهو أيضًا جمع كالعامة، لكنه على فعل، وقرأ الزهري، والحسن، وعيسى، وأبو حيوة، وقتادة، والجحدري، وأبو رزين العقيلي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وابن أبي عبلة، وروح، والوليدان، وابن ذكران: ﴿تخيل﴾ بالتاء مبنيًا للمفعول، وفيه ضمير الحبال والعصي، و ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾: بدل اشتمال من ذلك الضمير، وقرأ أبو السماك: ﴿تخيل﴾ بفتح التاء, أي: تتخيل، وفيها أيضًا ضمير ما ذكر، و ﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ بدل اشتمال أيضًا من ذلك الضمير، لكنه فاعل من جهة المعنى، وقرىء (٢): ﴿نخيل﴾ بالنون على أن الله سبحانه هو المخيل لذلك، وقرىء ﴿يخيل﴾ بالياء التحتية، مبنيًا لفاعل على أن المخيل هو الكيد. ٦٧ - ﴿فَأَوْجَسَ﴾؛ أي: أحس وأضمر ﴿فِي نَفْسِهِ﴾؛ أي: في قلبه ﴿خِيفَةً﴾؛ أي:

стр. 7647

خوفاً، مفعول به ﴿مُوسَى﴾ فاعل أوجس؛ أي: أضمر موسى في قلبه بعض خوف من أن لا يظفر بهم، فيقتلون من آمن به ﵇. والمعنى (١): أضمر موسى في نفسه بعض خوف من مفاجأته، بمقتضى البشرية المجبولة على النفرة من الحيات، والاحتراز عن ضررها المعتاد من اللسع ونحوه، كما دل عليه قوله: ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ لأنه من خطرات النفس، لا من القلب، وفي الحقيقة: أن الله تعالى ألبس السحر لباس القهر، فخاف موسى من قهر الله، لا من غيره؛ لأنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الفاسقون. وقيل (٢): خاف أن يُفتن الناس قبل أن يُلقي عصاه، وقيل: إن سبب خوفه هو أن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا، ٦٨ - فأذهب الله سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله: ﴿قُلْنَا﴾ لموسى ﴿لَا تَخَفْ﴾ ما توهمت ﴿إِنَّكَ﴾؛ أي: لأنك ﴿أَنْتَ الْأَعْلَى﴾؛ أي (٣): الغالب القاهر لهم، ونحن معك في جميع أحوالك، فإنك القائم بالمسبب، وهم القائمون المعتمدون على الأسباب، وأيضًا معك آياتنا الكبرى وهو لباس حفظنا، وجملة ﴿إن﴾ تعليل للنهي عن الخوف، وفي "التأويلات النجمية" يشير إلى أن خوف البشرية مركوز في جبلة الإنسان ولو كان نبيًا إلى أن ينزع الله الخوف منه انتزاعًا ربانيًا، بقولٍ صمداني كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾؛ أي: أعلى درجةً من أن تخاف من المخلوقات دون الخالق. ٦٩ - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾؛ أي: عصاك على الأرض، والإبهام، لتفخيم شأنها، والإيذان بأنها ليست من جنس العصي المعهودة؛ لأنها مستتبعة لآثار غريبةٍ. والمعنى (٤): لا يخيفنك كثرة حبالهم وعصيهم، فإن في يمينك شيئًا أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عندها, ولم يأت التركيب: وألق عصاك بما في لفظ اليمين من البركة ﴿تَلْقَفْ﴾؛ أي: تلتقم وتبتلع ﴿مَا صَنَعُوا﴾؛

стр. 7648

أي: ما طرحوا من الحبال والعصي الذي خيل إليك سعيها وخفتها، وهو مجزوم بالطلب السابق، قال الزجاج: القراءة بالجزم: جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال ألقها متلقفة، وجملة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾: تعليل لقوله: ﴿تَلْقَفْ﴾؛ أي: لأن الذي صنعوه عمل ساحر، و ﴿ما﴾ (١): موصولة؛ أي: إن الذي صنعوه، فحقها أن تفصل من نون إنّ. اهـ. شيخنا. لكنها ثبتت في خط المصحف الإِمام موصولةً، كما ذكره شيخ الإِسلام في "شرح الجزرية"؛ أي: إن الذي فعلوه بعد تدرب كثير، وممارسة طويلة، كيد سحري، لا حقيقة له ولا بقاء. وخلاصة ذلك: أن الذي معك يا موسى معجزة إلهية، والذي معهم تمويه وتلفيق، ظاهر عليه الزور والبهتان، فكيف يتعارضان ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾؛ أي: ولا ينال الساحر مقصوده بالسحر، خيرًا كان أو شرًا، حيثما كان، وأين أقبل من الأرض وعمل السحر فيها، وهو من تمام التعليل، ومعناه: لا يسعد الساحر حيث كان ولا يفوز، وليس معنى ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ لا يستطيع السحر، بل إذا سحر فلا يفلح، ولا يأمن حيث وُجد، فذلك عدم فلاحه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تلقف﴾ بفتح اللام وتشديد القاف، مجزومًا على جواب الأمر، والأصل: تتلقف فحذف إحدى التائين، وقرأ ابن عامر كذلك، ويرفع الفاء على الاستئناف، أو على الحال من الملقى، كما مر، وقرأ أبو جعفر، وحفص، وعصمة عن عاصم ﴿تَلْقَفْ﴾ بإسكان اللام والفاء، وتخفيف القاف، وكان ابن كثير يشدد التاء، من ﴿تلقف﴾ يريد تتلقف، وقرأ ابن مسعود (٣)، وأبيُّ بن كعب، وسعيد بن جبير، وأبو رجاء: ﴿تلقم﴾ بالميم وقرأ الجمهور (٤): ﴿كَيْدُ﴾ بالرفع على أن ﴿مَا﴾ موصولة بمعنى الذي، والعائد: محذوف، وقرأ مجاهد، وحميد، وزيد بن علي: ﴿كيد سحر﴾ بالنصب مفعولًا لـ ﴿صنعوا﴾ و ﴿ما﴾ مهيئة، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بحرية،

стр. 7649

والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وابن عيسى، وابن جبير، وابن جريز: ﴿كيد سحر﴾ بكسر السين وسكون الحاء، وإضافة الكيد إلى السحر على الاتساع، من غير تقدير، أو بتقدير: ذي سحر، أو ذوي سحر أو هم لمشغولهم في سحرهم، كأنهم السحر بعينه وبذاته، أو بيِّن الكيد؛ لأنه يكون سحرًا وغير سحر، نظير علم فقه، وعلم نحو. وقرأ الباقون: ﴿كيد ساحر﴾ بألف اسم فاعل من سحر، وأفرد ﴿ساحر﴾ من حيث إن فعل الجميع نوع واحد من السحر تلك الحبال والعصي، فكأنه صدر من ساحر واحد، لعدم اختلاف أنواعه، وقرأت فرقة: ﴿أين أتى﴾؛ أي: لا يظفر ببغيته حيث توجه وسلك. ٧٠ - قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ معطوف على جمل محذوفة، والتقدير: فزال إيجاس الخليفة، وألقى ما في يمينه، وتلقفت حبالهم وعصيهم، ثم انقلبت عصا، وفقدوا الحبال والعصي، وعلموا أن ذلك معجز ليس في طوق البشر ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾؛ أي (١): فألقى ذلك الأمر الذي شاهدوه من موسى، من اليد والعصا، السحرةَ على الأرض، حالة كونهم ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: ساجدين لله تعالى، وجاء التركيب ﴿فألقى السحرة﴾ ولم يأت فسجدوا، كأنه جاءهم أمر وأزعجهم وأخذهم، فصنع بهم ذلك، وهو عبارة عن سرعة ما تأثروا لذلك الخارق العظيم، فلم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين لله. وقوله: ﴿قَالُوا﴾ مستأنف استئنافًا بيانيًا، كانه قيل: ماذا قالوا في سجودهم، فقيل: قالوا أي: قالت السحرة في سجودهم: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ هو وقال رئيسهم: كنا نغالب الناس بالسحر، وكانت الآلات تبقى علينا لو غُلبنا، فلو كان هذا سحرًا، فأين ما ألقيناه!؟ وإنما (٢) قدم هارون على موسى هنا في حكاية كلامهم، رعاية لفواصل الآي وعنايةً بتوافق رؤوسها، أو لأن فرعون ربَّى موسى من صغره، فلو اقتصر على موسى أو قدم ذكره، فربما توهم أن المراد بالرب فرعون، وذكر هارون على الاستتباع، أو قدم هارون لأنه كان أكبر

стр. 7650

من موسى سنًا، وقدم موسى على سقط من الطب فألحقه هارون في الأعراف، لأجل الفواصل أيضًا، ولكون موسى هو المنسوب إليه العصا التي ظهر فيها ما ظهر من الإعجاز. ومعنى إضافة الرب إليهما، أنه هو الذي يدعوان إليه، وأجرى ما أجرى على يديهما، وقالوا (١) رب هارون وموسى، ولم يكتفوا بقولهم: رب العالمين، للنص على أنهم آمنوا برب هذين، وكان فيما قيل: يزعم أنه رب العالمين، كما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ روي أن رئيسهم قال: كنا نغلب الناس، وكانت الآلات تبقى علينا، فلو كان هذا سحرًا، فأين ما ألقيناه من الآلات، فاستدل بتغير أحوال الأجسام على الصانع العالم القادر، وبظهور ذلك على يد موسى على صحة رسالته، فتابوا وأتوا بنهاية الخضوع، وهو السجود، قال (٢) جار الله: ما أعجب أمرهم: ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين. اهـ روي عن ابن عباس أنه قال: كانوا أول النهار سحرةً، وفي آخره شهداء بررةً، وروى عنه عكرمة: أنه قال: كان السحرة سبعين رجلًا، أصبحوا سحرةً، وأمسوا شهداء. الإعراب ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾. ﴿اذْهَبْ﴾: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل مؤكد لضمير الفاعل المستتر ﴿وَأَخُوكَ﴾: معطوف على ضمير الفاعل المستتر في الفعل، وعلامة رفعه (الواو) والجملة: مستأنفة، مسوقة لتقرير المراد بالاصطناع ﴿بِآيَاتِي﴾: جار ومجرور، حال من ضمير الفاعل وما عطف عليه و (الباء): للمصاحبة؛ أي: حالة كونكما مصحوبين ﴿بِآيَاتِي﴾: ومعتصمين بها، وليست الباء للتعدية؛ لأن المراد إظهار الآيات للناس، لا مجرد الذهاب إلى

стр. 7651

فرعون ﴿وَلَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾ ناهية ﴿تَنِيَا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة: معطوفة على جملة ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿فِي ذِكْرِي﴾: متعلق به ﴿اذْهَبَا﴾: فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة: مستأنفة ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿اذْهَبَا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿طَغَى﴾ خبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿فَقُولَا﴾ (الفاء) عاطفة ﴿قَوْلًا﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿اذْهَبَا﴾. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿قَوْلًا﴾. ﴿قَوْلًا﴾: مفعول مطلق ﴿لَيِّنًا﴾: صفة له ﴿لَعَلَّهُ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَتَذَكَّرُ﴾: خبره ﴿أَوْ يَخْشَى﴾: معطوفة على ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، و ﴿لعل﴾ هنا للتعليل كما قاله الفراء، فهي بمثابة كي التعليلية، نظير قولك: اعمل لعلك تأخذ أجرك؛ أي: كي تأخذ أجرك. ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾. ﴿قَالَا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿رَبَّنَا ...﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَا﴾. ﴿إِنَّنَا﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿نَخَافُ﴾: خبره، وجملة ﴿أَنْ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يَفْرُطَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به و ﴿أَن﴾ وما في حيّزها: مفعول ﴿نَخَافُ﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يَطْغَى﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية و ﴿أَنْ﴾ وما في حيزها: معطوف على ﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾ والتقدير: إننا نخاف فرطه علينا أو طغيانه. ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة: مستأنفة ﴿لَا﴾: ناهية ﴿تَخَافَا﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية والألف فاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّنِي﴾: ناصب ونون وقاية، واسمه ﴿مَعَكُمَا﴾:

стр. 7652

ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿إن﴾. ﴿أَسْمَعُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله وجملة ﴿أَسْمَعُ﴾ في محل الرفع خبر ثان، لـ ﴿إن﴾ أو في محل النصب حال من الضمير المستكن في خبر ﴿إن﴾. ﴿وَأَرَى﴾: معطوف على ﴿أَسْمَعُ﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: مسوقة لتعليل ما قبلها: ﴿فَأْتِيَاهُ﴾ (الفاء): عاطفة كما في "الجمل" ﴿أتياه﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، مبني على حذف النون، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَخَافَا﴾ ﴿فَقُولَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قَوْلًا﴾: فعل وفاعل مبني على حذف النون، والجملة: معطوفة على جملة ﴿اتياه﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناسب واسمه ﴿رَسُولَا رَبِّكَ﴾: خبره ومضاف إليه، وجملة: ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قولًا﴾. ﴿فَأَرْسِلْ﴾ (الفاء): حرف عطف وتفريع ﴿أرسل﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿مَعَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أرسل﴾ وجملة: ﴿أرسل﴾: معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾. ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ ﴿لَا﴾: ناهية جازمة ﴿تُعَذِّبْهُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿أرسل﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿جِئْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿بِآيَةٍ﴾ متعلق بـ ﴿جِئْنَاكَ﴾. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ صفة لـ ﴿آيَةٍ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من اسم ﴿إن﴾ في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾، جرت مجرى التفسير والبيان والجملة ﴿إن﴾ لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا مدعومةً بالآيات والدلائل الظاهرة الدالة عليها ﴿وَالسَّلَامُ﴾ (الواو) استئنافية ﴿السلام﴾: مبتدأ ﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾: جار ومجرور خبره، والجملة: مستأنفة على كونها مقول ﴿قَوْلًا﴾. ﴿اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ فعل وفاعل مستتر، ومفعول به صلة الموصول. ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿أُوحِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿إِلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق به ﴿أَنَّ الْعَذَابَ﴾: ناصب واسمه ﴿عَلَى مَن﴾: جار ومجرور خبره ﴿كَذَّبَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة: صلة

стр. 7653

﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿وَتَوَلَّى﴾: معطوف على ﴿كَذَّبَ﴾ وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع، على كونه نائب فاعل لـ ﴿أُوحِيَ﴾؛ أي: ﴿أُوحِيَ إِلَيْنَا﴾ كون العذاب على من كذب وتولى. وجملة ﴿أُوحِيَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ الأولى وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قولًا﴾. ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿فرعون﴾ والجملة: مستأنفة. ﴿فَمَنْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلتما إنا رسولاً ربكما .. ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي، في محل الرفع مبتدأ ﴿رَبُّكُمَا﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة: في محل النصب مقول، لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿يَا مُوسَى﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿رَبُّنَا الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله: ضمير يعود على الموصول، والجملة: صلة الموصول ﴿خَلْقَهُ﴾: مفعول ثان، وقيل: ﴿خَلْقَهُ﴾ أول مفعولي ﴿أَعْطَى﴾ و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ ثانيهما وقدم للاهتمام؛ أي: أعطى خليقته وهو: جميع الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، وقرىء ﴿خلقه﴾: على أنه فعل ماض، والمفعول الثاني محذوف للعلم به ﴿ثُمَّ هَدَى﴾: معطوف على ﴿أَعْطَى﴾ وفاعله: ضمير يعود على الله، والمفعول: محذوف تقديره: ثم هدى كل شيء ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿قَالَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلتما إنا رسولاً ربكما .. فأقول لكما: ﴿مَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجيزي في محل الرفع مبتدأ ﴿بَالُ الْقُرُونِ﴾: خبر ومضاف إليه ﴿الْأُولَى﴾ صفة لـ ﴿الْقُرُونِ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة،

стр. 7654

وجملة: إذا المقدرة، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿عِلْمُهَا﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فِي كِتَابٍ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير ﴿عِلْمُهَا﴾؛ أي: حالة كونها مكتوبةً ﴿فِي كِتَابٍ﴾ أو ﴿فِي كِتَابٍ﴾: هو الخبر و ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾: حال أو هما خبر ﴿إن﴾ أو هما خبر واحد على حد قولك الرمان حلو حامض؛ أي: مز ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ معطوف على ﴿يَضِلُّ﴾. ﴿الَّذِي﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو ﴿الَّذِي﴾ والجملة: مستأنفة ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الموصول، والجملة: صلة الموصول ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَهْدًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿مَهْدًا﴾ مفعول ثان له ﴿وَسَلَكَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الموصول، والجملة: معطوفة على جملة ﴿جَعَلَ﴾. ﴿لَكُمُ﴾ حال من ﴿سُبُلًا﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿سلك﴾. ﴿سُبُلًا﴾: مفعول به. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾. ﴿وَأَنْزَلَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر، معطوف على ﴿جَعَلَ﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أنزل﴾. ﴿مَاءً﴾: مفعول به ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿أخرجنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَأَنْزَلَ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أخرجنا﴾. ﴿أَزْوَاجًا﴾: مفعول به ﴿مِنْ نَبَاتٍ﴾: صفة أولى لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾، ﴿شَتَّى﴾: صفة ثانية له، أو حال منه؛ لأنه وصف، وأجاز الزمخشري: أن يكون صفة للنبات ﴿كُلُوا﴾: فعل أمر وفاعل،

стр. 7655

والجملة، في محل النصب مقول لقول محذوف: حال من فاعل ﴿أخرجنا﴾؛ أي: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ حالة كوننا قائلين لكم ﴿كُلُوا﴾ منها. ﴿وَارْعَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كُلُوا﴾. ﴿أَنْعَامَكُمْ﴾: مفعول به ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَآيَاتٍ﴾ (اللام): حرف ابتداء ﴿آيات﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾: مؤخر ﴿لِأُولِي﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿آيات﴾. ﴿النُّهَى﴾ مضاف إليه، وهي جمع نهية، وقيل: اسم مفرد، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿خلقنا﴾. ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: مستأنفة ﴿وَفِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿نعيد﴾. ﴿نُعِيدُكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾. ﴿وَمِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾. ﴿تَارَةً﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ ﴿أُخْرَى﴾: صفة لـ ﴿تَارَةً﴾. ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية (واللام): موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾: فعل وفاعل، ومفعولان من رأى البصرية، ولكنها تعدت إلى اثنين لدخول همزة النقل عليها ﴿كُلَّهَا﴾: تأكيد لـ ﴿آيَاتِنَا﴾ والجملة الفعلية: جواب القسم، وجملة القسم: مستأنفة ﴿فَكَذَّبَ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿كذب﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على فرعون، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَرَيْنَاهُ﴾. ﴿وَأَبَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿كذب﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على فرعون، والجملة: مستأنفة ﴿أَجِئْتَنَا﴾ (الهمزة): للاستفهام الإنكاري ﴿جئتنا﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لِتُخْرِجَنَا﴾ (اللام): حرف جر وتعليل ﴿تخرجنا﴾: فعل ومفعول وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾: متعلق بـ ﴿تخرجنا﴾. ﴿بِسِحْرِكَ﴾: متعلق به أيضًا ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، والجملة الفعلية مع أن

стр. 7656

المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإخراجك إيانا ﴿مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جئتنا﴾. ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ (الفاء): فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا كان الأمر كذلك .. فأقول لك: ﴿لنأتينك﴾ و (اللام): موطئة للقسم ﴿نأتينك﴾: فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة و (الكاف): مفعول به، وفاعله: ضمير يعود على فرعون وقومه ﴿بِسِحْرٍ﴾: متعلق بـ ﴿نأتين﴾. ﴿مِثْلِهِ﴾: صفة لـ ﴿سحر﴾ ويجوز أن يتعلق ﴿بِسِحْرٍ﴾ بمحذوف حال, أي: متلبسين ﴿بِسِحْرٍ﴾ والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة ﴿فَاجْعَلْ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿اجعل﴾: أمر وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿نأتينك﴾ ﴿بَيْنَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف مفعول ثان لجعل ﴿وَبَيْنَكَ﴾: معطوف على ﴿بَيْنَنَا﴾ ﴿مَوْعِدًا﴾: مصدر ميمي مفعول أول لجعل، وجملة ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾: صفة لـ ﴿مَوْعِدًا﴾ ﴿نَحْنُ﴾: تأكيد للضمير في نخلفه ﴿وَلَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿أَنْتَ﴾ معطوف على الضمير المستتر في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ ﴿مَكَانًا﴾ بدل من ﴿مَوْعِدًا﴾ بتقدير مضاف؛ أي: مكان موعد، أو منصوب بفعل دل عليه المصدر، تقديره: عدلنا مكانًا ﴿سُوًى﴾. ﴿سُوًى﴾: صفة لـ ﴿مَكَانًا﴾؛ أي: ﴿مَكَانًا﴾ وسطًا. ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿مَوْعِدُكُمْ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾: خبر له والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ (الواو): عاطفة ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يُحْشَرَ النَّاسُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية ﴿ضُحًى﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿يُحْشَرَ﴾ والجملة الفعلية مع أن

стр. 7657

المصدرية: في تأويل مصدر مرفوع، معطوف على ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ تقديره: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وحشر ﴿النَّاسُ ضُحًى﴾ أو مجرور معطوف على ﴿الزِّينَةِ﴾ تقديره ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ويوم حشر ﴿النَّاسُ ضُحًى﴾. ﴿فَتَوَلَّى﴾ (الفاء): عاطفة ﴿تولى فرعون﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ﴾. ﴿فَجَمَعَ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿جمع كيده﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿تولى﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿أَتَى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على فرعون، والجملة: معطوفة على ﴿جمع﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به ﴿مُوسَى﴾ فاعل، والجملة: مستأنفة ﴿وَيْلَكُمْ﴾: مصدر للدعاء، أمات العرب فعله، منصوب بفعل محذوف وجوبًا، لجريانه مجرى المثل، تقديره: ألزمكم الله ﴿وَيْلَكُمْ﴾ وهو مضاف، و (الكاف): مضاف إليه، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿لَا﴾ ناهية جازمة ﴿تَفْتَرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ (الفاء): عاطفة سببية ﴿يسحتكم﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الله، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد (الفاء) السببية الواقعة في جواب النهي ﴿بِعَذَابٍ﴾: متعلق بـ ﴿يسحتكم﴾ والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك، لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن افتراؤكم على الله كذبًا فإسحاته إياكم ﴿بِعَذَابٍ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ (الواو): حالية ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿خَابَ مَنِ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب حال من الجلالة، والرابط محذوف، والتقدير: لا تفتروا على الله كذبًا، والحال أنه قد خاب وخسر من افترى عليه كذبًا ﴿افْتَرَى﴾: فعل وفاعل مستتر صلة من الموصولة. ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾. ﴿فَتَنَازَعُوا﴾ الفاء: عاطفة ﴿تنازعوا﴾:فعل وفاعل معطوف على ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾. ﴿أَمْرَهُمْ﴾: مفعول به، أو منصوب ينزع الخافض ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف

стр. 7658

متعلق بمحذوف حال من ﴿أَمْرَهُمْ﴾. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تنازعوا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان ما أسروا ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أو مهملة ﴿هَذَانِ﴾: مبتدأ في محل الرفع، مبني على الألف ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ (اللام): حرف ابتداء ﴿ساحران﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إنَّ﴾ المخففة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿يُرِيدَانِ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية: في محل الرفع صفة ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ﴿يُخْرِجَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾: متعلق به ﴿بِسِحْرِهِمَا﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يُخْرِجَاكُمْ﴾؛ أي: حالة كونهما متلبسين ﴿بِسِحْرِهِمَا﴾ والجملة الفعلية، مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يُرِيدَانِ﴾ تقديره: يريدان إخراجهما إياكم من أرضكم بسحرهما ﴿وَيَذْهَبَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُخْرِجَاكُمْ﴾. ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿يذهبا﴾. ﴿الْمُثْلَى﴾ صفة لـ ﴿طريقتكم﴾. ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾. ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين ... الخ وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: ﴿أجمعوا كيدكم﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أجمعوا﴾. ﴿صَفًّا﴾: حال من فاعل ﴿ائْتُوا﴾؛ أي: حالة كونكم مصطفين. ﴿وَقَدْ﴾ (الواو): حالية ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿أَفْلَحَ﴾: فعل ماض ﴿الْيَوْمَ﴾ ظرف متعلق به ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿أَفْلَحَ﴾ والجملة: في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿ائْتُوا﴾ والرابط: محذوف تقديره: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ والحال أنه ﴿قد أفلح اليوم من استعلى﴾ منكم وجملة ﴿اسْتَعْلَى﴾ صلة الموصول. ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ

стр. 7659

وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل والجملة: مستأنفة ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِمَّا﴾: حرف تفصيل وتخيير ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ﴿تُلْقِيَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة الفعلية، مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لفعل محذوف، تقديره: اختر إما إلقاءك أولًا، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَإِمَّا﴾ (الواو): عاطفة ﴿إِمَّا﴾ على ﴿إِمَّا﴾ الأولى. ﴿إِمَّا﴾ الثانية: عاطفة ما بعدها على قبلها ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿نَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أن﴾ واسمها ضمير يعود على السحرة ﴿أَوَّلَ﴾: خبر ﴿نَكُونَ﴾ وهو مضاف ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿أَلْقَى﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وجملة ﴿نَكُونَ﴾ مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية: في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من الجملة التي قبلها، على كونه مفعولًا لفعل محذوف، والتقدير: يا موسى اختر إما إلقاءك أولًا، وإما كوننا أول من ألقى ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على موسى، والجملة: مستأنفة ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب إضراباً إبطالياً وابتداء ﴿أَلْقُوا﴾: فعل وفاعل والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ (الفاء): عاطفة على محذوف تقديره فألقوا ﴿إذا﴾: فجائية في محل النصب على الظرفية الزمانية، أو حرف لا محل لها من الإعراب ﴿حِبَالُهُمْ﴾: مبتدأ ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾: معطوف عليه ﴿يُخَيَّلُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به ﴿مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يُخَيَّلُ﴾ أيضًا ﴿أَنَّهَا﴾: ناصب واسمه وجملة ﴿تَسْعَى﴾: خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها، في تأويل مصدر مرفوع، على كونه نائب فاعل لـ ﴿يُخَيَّلُ﴾ والتقدير: يخيل إليه سعيها من أجل سحرهم، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، تقديره: فإذا حبالهم وعصيهم مخيل إليه سعيها من سحرهم، ولكنه خبر سببي، والجملة الاسمية: في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إذا﴾ الفجائية، والظرف متعلق بفعل محذوف معطوف على محذوف، والتقدير: فألقوا ففاجأ موسى وقت تخييل سعى حبالهم وعصيهم، والمعنى: على مفاجأته حبالهم وعصيهم مخيلةً إليه السعي، أو فاجأ موسى تخييل

стр. 7660

سعي حبالهم وعصيهم. ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾. ﴿فَأَوْجَسَ﴾ الفاء: عاطفة ﴿أوجس﴾: فعل ماض ﴿فِي نَفْسِهِ﴾: متعلق به ﴿خِيفَةً﴾ مفعول به ﴿مُوسَى﴾: فاعل والجملة: معطوف على جملة المفاجاة المقدرة ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿لَا تَخَفْ﴾: جازم وفعل مجزوم، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾. ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل أو تأكيد ﴿الْأَعْلَى﴾: خبر ﴿إن﴾ وجملة: ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾ مسوقة لتعليل النهي المذكور قبله. ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾. ﴿وَأَلْقِ﴾ الواو: عاطفة ﴿ألق﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿لَا تَخَفْ﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿ألق﴾. ﴿فِي يَمِينِكَ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها ﴿تَلْقَفْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله: ضمير يعود على عصاه ﴿مَا﴾: مفعول به لـ ﴿تَلْقَفْ﴾. ﴿صَنَعُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد: محذوف تقديره: ما صنعوه ﴿إِنَّمَا﴾ ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿ما﴾ اسم موصول في محل النصب اسمها ﴿صَنَعُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد: محذوف تقديره: إن الذي صنعوه ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾: مسوقة لتعليل قوله: ﴿تَلْقَفْ﴾. ﴿وَلَا﴾ (الواو): حالية أو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب حال من ﴿سَاحِرٍ﴾ لأن المقصود منه الجنس، والتقدير: حالة كون جنس الساحر غير مفلح، أو معطوفة على جملة ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا﴾. ﴿حَيْثُ﴾: في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الضم متعلق

стр. 7661

بـ ﴿يُفْلِحُ﴾ وجملة ﴿أَتَى﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حَيْثُ﴾. ﴿فَأُلْقِيَ﴾ (الفاء) عاطفة على محذوف، تقديره: فألقى موسى عصاه فتلقفت كل ما صنعوه ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ﴿ألقي السحرة﴾: فعل ونائب فاعل معطوف علي ذلك المحذوف ﴿سُجَّدًا﴾: حال من ﴿السَّحَرَةُ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب حال ثانية من ﴿السَّحَرَةُ﴾؛ أي: حالة كونكم ساجدين قائلين ﴿آمَنَّا﴾ فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بِرَبِّ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾ ﴿هَارُونَ﴾: مضاف إليه ﴿وَمُوسَى﴾: معطوف على ﴿هَارُونَ﴾ والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿اذْهَبْ﴾ أنت يا موسى، والذهاب: المضي، يقال: ذهب بالشيء وأذهبه، ويسشعمل ذلك في الأعيان والمعاني ﴿وَأَخُوكَ﴾ والأخوة: المشاركة في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما، أو من الرضاع، ويستعار الأخ لكل مشارك لغيره، في القبلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودة، أو في غير ذلك من المناسبات كما مر ﴿بِآيَاتِي﴾ هي المعجزات، والمراد بها: العصا، واليد البيضاء، والمراد بالجمع: ما فوق الواحد ﴿وَلَا تَنِيَا﴾؛ أي: ولا تفترا ولا تقصرا في ذكري, أي: في تبليغ رسالتي، فالذكر: يطلق على كل العبادات، وتبليغ الرسالة من أعظمها، من الونى: وهي الفتور والتقصير، يقال: وني يني ونيًا، كوعد يعد وعدًا: إذا فتر، والاسم الوني وهو: الفتور: وونى فعل لازم لا يتعدى، وزعم بعض النحاة أنه يكون من أخوات زال وانفك، فيعمل عملهما بشرط النفي، يقال ما وفي زيد قائمًا؛ أي: ما زال زيدٌ قائمًا، وفي "المصباح": وني في الأمر ونيًا: من باب تعب ووعد: ضعف وفتر، فهو وانٍ وفي التنزيل ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ وتوانى في الأمر توانيًا: لم يبادر إلى ضبطه، ولم يهتم به، فهو متوان؛ أي: غير مهتمٍ ولا محتفل، وهو في الآية من باب وعد، لأجل كسر النون، إذ لو كان من باب تعب لكان بفتحها ﴿طَغَى﴾ أي تجاوز الحد ﴿يَفْرُطَ﴾ يقال: فرط يفرط: من باب قعد علينا فلان: إذا عجل بمكروه ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾؛ أي: لا عنف فيه ولا غلظة ﴿يَتَذَكَّرُ﴾؛ في: يتأمل فيذعن للحق ويؤمن

стр. 7662

﴿أَوْ يَخْشَى﴾؛ أي: يخاف من بطش الله وعذابه ﴿أَنَّ الْعَذَابَ﴾ والعذاب (١): هو الإيحاء الشديد، وقد عذبه تعذيبًا؛ أي: أكثر حبسه في العذاب، وأصله: من قولهم عذب الرجل: إذا ترك الماكل والنوم، فهو عاذب وعذوب، فالتعذيب في الأصل: هو حمل الإنسان على أن يعذب؛ أي: يجوع ويسهر، وقيل: أصله: من العذب، فعذبته: أزلت عذب حياته، على بناء مرضته وقويته، وقيل: أصل التعذيب: إكثار الضرب بعذبة السوط؛ أي: طرفه ﴿وَالسَّلَامُ﴾ (اللام) لتعريف الماهية، والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة، والمراد هنا: إما التحية، فالمعنى: والتحية المستتبعة بسلامة الدارين من الله والملائكة؛ أي: خزنة الجنة وغيرهم من المسلمين ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾؛ أي: أعطى كل نوع صورته وشكله، الذي يشاكل ما نيط به من الخواص والمنافع ﴿ثُمَّ هَدَى﴾؛ أي: ثم عرّفه كيف يرتفق بما أُعطي له. ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ والبال: الحال التي يكترث ويعتنى بها ﴿مَهْدًا﴾ قال الإِمام الراغب: المهد: ما يهيأ للصبي، والمهد والمهاد: المكان الممهد الموطأ ﴿وَسَلَكَ﴾ السلوك: النفاذ في الطريق، وصلك لازم ومتعد، يقال: سلكت الشيء في الشيء: أدخلته، والسبل: جمع سبيل، وهو من الطرق ما هو معتاد السلوك ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والماء: هو جسم سيّال قد أحاط حول الأرض والمراد هنا: المطر ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: أصنافًا ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ جمع شتيت كمريض ومرضى؛ أي: مختلفة النفع والطعم واللون والشكل، والأزواج: جمع زوج، سميت الأصناف بذلك لازدواجها، واقتران بعضها ببعض؛ لأنه يقال: لكل ما يقترن بآخر مماثلًا له، أو مضادًا: زوج، ولكل قرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة زوج، ولكل قرينين فيها وفي غيرها زوج، كالخف والنعل، قال الراغب: النبت والنبات: ما يخرج من الأرض من الناميات، سواء كان له ساق كالشجر، أو لم يكن له ساق كالنجم، لكن اختص في التعارف بما لا ساق له، بل قد اختص عند العامة بما تأكله الحيوانات، ومتى اعتبرت الحقائق .. فإنه

стр. 7663

يُستعمل في كل نام، نباتاً كان، أو حيوانًا، أو إنسانًا. انتهى. ﴿شَتَّى﴾ بوزن فعلى وألفه للتأنيث، وهو جمع شتيت نحو مريض ومرضى، وجريح وجرحى، وقتيل وقتلى، يقال: ست الأمر يشت شاتًا، فهو شت؛ أي: تفرق وشتان: اسم فعل ماض، بمعنى: افترق، ولذلك لا يكتفي بواحد ﴿وَارْعَوْا﴾ الرعي: في الأصل: حفظ الحيوان، إما بغذائه الحافظ لحياته، أو بذب العدو عنه ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾: جمع نهية بالضم، وهي: العقل، سمي بها العقل لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح، وقيل: إنه اسم مفرد، وهو مصدر كالهدى والسرعة، قاله أبو علي اهـ "سمين" ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ يقال: أخلف وعده: إذا خالف في الميعاد. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾؛ أي: يهلككم من أسحت الرباعي، وهي لغة نجد وتميم, أي: أهلك، ويقال: سحت وهي لغة الحجاز، وأصل هذه المادة تدل على الاستقصاء والنفاد، ومنه سحت الحالق الشعر؛ أي: استقصاه فلم يترك منه شيئًا، ويُستعمل في الإهلاك والإذهاب، وفي "القاموس": سحت يسحت من باب فتح، وسحت بالتشديد: اكتسب السحت؛ أي: المال الحرام، وسحته أهلكه واستأصله وذبحه، وسحت الشحم عن اللحم: قشره، ويسحت وجه الأرض: محاه، وأسحت: أفسده وأهلكه واستأصله ﴿الْمُثْلَى﴾: مؤنث أمثل، بمعنى أشرف، وإنما أُنِّث باعتبار التعبير بالطريقة، وإلا فباعتبار المعنى كأن يقال: أماثل. اهـ. شيخنا. ﴿فَأَجْمِعُوا﴾؛ أي: أزمعوا كيدكم واجعلوه مجمعًا عليه، حتى لا تختلفوا، كالمسألة المجمع عليها، ويقال: أجمعوا الأمر وأجمعوا عليه، وفلانة بجمع, أي: عذراء، وضربه بجمع كفه ﴿فَأَوْجَسَ﴾ الإيجاس: الإضمار، وإيجاس الخوف: إضمار شيء منه ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾، والحبال: جمع حبل، وهو: الرسن، والعصي: جمع عصا، أصله: عصوو، بوزن: فلوس، قلبت الواو الثانية ياءً، ثم الأولى لاجتماعها ساكنة مع الياء، وكسرت الصاد لتصح الياء، وكسرت العين اتباعًا للصاد ﴿خِيفَةً﴾ أصله: خوفاً، قلبت الواو ياء لكسر ما قبلها ﴿تَلْقَفْ﴾: تبتلع، وأصله: التناول بسرعة، قال في "القاموس": لقف يلقف، من

стр. 7664

باب تعب لقفًا، والتقف الشيء: تناوله بسرعة ﴿صَنَعُوا﴾؛ أي: زوّروا وافتعلوا ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾؛ أي: كيد سحري لا حقيقة له ولا ثبات. فصل في بيان السحر ﴿السِّحْرَ﴾ في اللغة: كل ما لطف ودق، ومنه السحر للصبح الكاذب، وقوله ﵇: "إن من البيان لسحرا" وبابه: منع وفي العرف: إراءة الباطل في صورة الحق، وهو عندنا أمر ثابت، لقوله ﷺ : "السحر حق، والعين حق" وفي "شرح الأمالي" السحر من سحر يسحر سحرًا: إذا خدع أحدًا، وجعله مدهوشًا متحيرًا، وهذا إنما يكون بأن يفعل الساحر شيئًا يعجز عن فعله، وإدراكه المسحور عليه، وفي كتاب "أختلاف الأئمة" السحر: رقىً وعزائم وعقد، تؤثر في الأبدان والقلوب، فيمرض ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، وله حقيقة عند الأئمة الثلاثة، وقال الإِمام أبو حنيفة ﵀: لا حقيقة له، ولا تأثير له في الجسم، وبه قال أبو جعفر الإسترابادي من الشافعية، وفي "شرح المقاصد": السحر إظهار أمرٍ خارقٍ للعادة، من نفس شريرة خبيثة، بمباشرة أعمال مخصوصة، يجري فيها التعلم والتعليم، وبهذين الاعتبارين، يفارق المعجزة والكرامة، وبأنه لا يكون بحسب اقتراح المقترحين، وبأنه يخص الأزمنة أو الأمكنة أو الشرائط، وبأنه قد يتصدى لمعارضته، ويبذل الجهد في الإتيان بمثله، وبأن صاحبه ربما يعلن بالفسق، ويتصف بالرجس في الظاهر والباطن، والخزي في الدنيا والآخرة، وهو؛ أي: السحر عند أهل الحق: جائز عقلًا، ثابت سمعًا، وكذا الإصابة بالعين، وقال المعتزلة: بل هو مجرد إراءة ما لا حقيقة له، بمنزلة الشعوذة التى سببها خفة حركات اليد، أو إخفاء وجه الحيلة، ويقال لها: الشعبذة، معرب شعباذة، اسم رجل ينسب إليه هذا العلم، وهي خيالات مبنية على خفة اليد، وأخذ البصر في تقليب الأشياء، كالمشي على الأرسال، واللعب بالمهارق والحقات وغير ذلك، وللسحر: خمسة أنواع على المشهور: منها: الطلسم، قيل: هو مقلوب المسلط، وهو جمع الآثار السماوية، مع عقاقير الأرض ليظهر منها أمر عجيب.

стр. 7665

ومنها: النيرنج: وهو التمويه والتخييل، قالوا: ذلك تمزيج قوى جواهر الأرض، ليحدُثَ منها أمر عجيب. منها: الرقية: وهو النفث في الماء، وسمي به لأنهم ينفثون في الماء، ثم يشربونه، أو يصبون عليه، وإنما سميت رقية؛ لأنها كلمات رقيت من صدر الراقي، فبعضها فهوية، وبعضها قبطية، وبعضها بلا معنى، يزعمون أنها مسموعة من الجن، أو في المنام. ومنها: الخلفطيرات، وهي: خطوط عقدت عليها حروف وأشكال؛ أي: خلق ودوائر، يزعمون أن لها تاثيرات بالخاصية. ومنها: الشعبذة المارة، والمذهب: أن التأثير الحاصل عقيب الكل، هو فعل الله تعالى، على وفق إجراء عادته، ووجه الحكمة فيه، لا يعلمه إلا هو سبحانه. انتهى من "روح البيان". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا﴾. ومنها: الإيجاز في قوله: ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ ففيه إيجاز بليغ؛ لأنه حذف جملًا لا يقع عليها الحصر؛ لأنه ليس بالمتاح إحصاء المخلوقات الحية وغير الحية، العاقلة وغير العاقلة، التي خلقها الله تعالى، ولكل منها عمله الميسر له، على حد قوله ﷺ : "كل ميسر لما خلق له". ومنها: الالتفات من الغيبة إلى لفظ التكلم في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا ...﴾ الخ. وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا ...﴾ إلخ. ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ حيث قابل بين

стр. 7666

﴿مِنْهَا﴾ و ﴿فِيهَا﴾، وبين الخلق والإعادة، وهذا من المحسنات البديعية. ومنها: رد العجز على الصدر في قوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ وسماه المتأخرون التصدير، وهو أخف على السمع، وأليق بالمقام، وهو توافق كلمة في الصدر، مع كلمة في الآخر، وله أقسام مذكور في محله. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾؛ أي: فالقوا فإذا حبالهم، حذف لدلالة المعنى عليه، ومثله ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ بعد قوله: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ حذف منه كلام طويل، وهو فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا من السحر ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ إنما حسن الحذف لدلالة المعنى عليه، ويسمى: ايجاز حذف. ومنها: استدراج الخصم لموسى حيث قال: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ ثقةً منهم بأنهم فائزون عليه، حيث، فوَّضوا ضرب الموعد إليه، ولكن موسى استدرجهم بإلهام من الله ، أن يجعل موعدهم يوم زينتهم وعيدهم، ليكون الحق أبلج على رؤوس الأشهاد، فيكون أفضح بكيدهم، وأهتك لسترهم، ولما استدرجوه بالتخيير في الإلقاء، أيكون هو البادىء، أم يكونون هم البادئين .. أستدرجهم هو إلى أن يجعلهم مبتدئين، بما معهم، ليكون إلقاؤه العصا بعد قذفاً بالحق على الباطل، فيدمغه فإذا هو زاهق، فما أروع هذا الكلام. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ بالضميرين اللذين هما: ﴿نَكُونَ﴾ و ﴿نَحْنُ﴾ دل ذلك على أنهم يريدون التقدم عليه، والإلقاء قبله. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ فتوكيد الضميرين هاهنا في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت للغلبة والقهر، ولو قال لا تخف إنك الأعلى .. لم يكن فيه من التقرير والإثبات لنفي الخوف، ما لقوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.

стр. 7667

ومنها: الإبهام في قوله: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ لتفخيم شأنها، والإيذان بأنها ليست من جنس العصي المعهودة؛ لأنها مستتبعة لآثار غريبة. ومنها: في قوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ست فوائد من البلاغة: ١ - ﴿إِنَّ﴾ المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها وتأكيده، وقد نص علماء المعاني، على أن الخبر يكون مع ﴿إِنَّ﴾ طلبيًا، أو إنكاريًا لا ابتدائيًا، كقولك: زيد قائم، ثم تقول: إن زيدًا قائم، ففي قولك: إن زيدًا قائم من الإثبات لقيام زيد، ما ليس في قولك: زيد قائم. ٢ - تكرير الضمير في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ ولو اقتصر على أحد الضميرين .. لما كان بهذه المثابة في التقرير، لغلبة موسى والإثبات. ٣ - لام التعريف في قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ولم يقل أعلى أو عال؛ لأنه لو قال ذلك .. لكان قد نكَّره، وكان صالحًا لكل واحد من جنس، كقولك: رجل فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال، وإذا قلت الرجل .. فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف، وجعلته علمًا فيهم، وكذلك جاء قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾؛ أي: دون غيرك. ٤ - لفظ أفعل الذي من شأنه التفضيل، ولم يقل: العالي فهو أعلى من كل عال. ٥ - لفظ العلو الدال على أن الغلبة ثابتة له من جهة العلو، ومعلوم أن الغرض من قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾: الغلبة، إلا أن في ﴿الْأَعْلَى﴾ زيادةً، وهي كونها صادرةً من مكان عال. ٦ - الاستئناف وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ولم يقل لأنك أنت الأعلى، فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى ﵇ بالغلبة والاستعلاء، وأثبت ذلك في قرارة نفسه، بما لا يدع أيّ: مجال للشك. والله أعلم * * *

стр. 7668

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦) وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢) وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها أن الله لما ذكر (١) قصص موسى مع سحرة فرعون، وأنه تم له الغلب عليهم، وأن السحرة آمنوا، وأن فرعون أبى أن يذعن

стр. 7669

للحق، وتمادى هو وقومه في العناد والإعراض عن سبيل الرشاد ... أردف ذلك بذكر ما آل إليه أمر فرعون وقومه، من الغرق في البحر، حين تبعوا موسى للحاق به، لما خرج من مصر ذاهباً إلى الطور، وطوى في البين ذكر ما جرى على فرعون وقومه بعد أن غُلبت السحرة من الآيات المفصلة، التي حدثت على يد موسى في مدة عشرين سنة، بحسب ما فصِّل في سورة الأعراف، وكان فرعون كلما جاءته آية عذاب .. وعد أن يُرسل بني إسرائيل حين ينكشف عنه العذاب، فإذا هو انكشف .. نكص على عقبيه، ونكث في عهده، حتى أمر الله موسى بالهجرة والخروج ليلًا من مصر، ثم عدد بعدئذٍ نعمه الدينية والدنيوية على بني إسرائيل، فذكر أنه أنجاهم من عدوهم، وقد كان ينزل بهم ضروبًا من الظلم، من قتل وإذلال، وتعبٍ في الأعمال، وأنه ذكر أنه أنزل عليهم كتابًا فيه بيان دينهم، وتفصيل شريعتهم، وأنه أنزل لهم المن والسلوى، وأنه أمرهم بأكل الطيبات من الرزق، وزجرهم عن العصيان، وأن من عصى ثم تاب .. كانت توبته مقبولةً عند ربه. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر أنه أوحى (١) إلى موسى أن يخرج هو وقومه من مصر ليلًا، ويخترق بهم البحر، ولا يخشى غرقًا ولا دركًا من فرعون وجنده، وأن البحر أغرق فرعون وقومه جميعًا، حينما أرادوا اللحاق ببني إسرائيل، ثم عدد نعمه عليهم، من إنجائهم من عدوهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، ثم أمرهم بأكل الطيبات من الرزق، ونهاهم عن الطغيان، ثم ذكر أنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا .. أعقب هذا بما جرى بينه سبحانه وبين موسى من الكلام، حين موافاته الميقات بحسب المواعدة التي ذُكرت آنفًا، وبما حدث من فتنة السامري لبني إسرائيل، ورجوع موسى إليهم غضبانَ أسفًا، ثم معاقبته لهم على ما صنعوا، ثم ذكر الحيلة التي فعلها السامري حين أخرج لهم من حليّهم عجلًا جسدًا له خوار، فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، فرد الله عليهم،

стр. 7670

ووبخهم بأن هذا العجل لا يجيبهم إذا سألوه، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا في دينهم ولا دنياهم. التفسير وأوجه القراءة ٧١ - ولما خاف فرعون أن يكون إلقاء السحرة سجدًا سببًا لاقتداء الناس بهم في الإيمان بالله ورسوله .. ألقى شبهةً في النبي ونبوته فـ ﴿قال﴾؛ أي: فرعون للسحرة موبخاً لهم ﴿آمَنْتُمْ﴾؛ أي: هل آمنتم ﴿لَهُ﴾؛ أي: لموسى وصدقتموه فيما يدعيه، و (اللام): هنا لتضمين الفعل معنى الإتباع وفي "بحر العلوم": ﴿لَهُ﴾؛ أي: لربهما، على أن (اللام) بمعنى الباء، كما يدل عليه قوله في سورة الأعراف: ﴿قال آمنتم به قبل أن آذن لكم﴾ و ﴿آمَنْتُمْ﴾: بالمد على الإخبار، و (الهمزة) الأولى فيه: للاستفهام التوبيخي؛ أي: قال لهم توبيخًا: هل فعلتم هذا الفعل ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي (١): من غير أن آذن لكم في الإيمان له، وآمركم به كما في قوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ لا أن الإذن لهم في ذلك واقع بعده، أو متوقع، والإذن في الشيء الإعلام بإجازته، وأذنته بكذا وآذنته بمعنًى ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن موسى ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾؛ أي: أستاذكم ومعلمكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وإنكم تلامذته في السحر، فتوافقتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم، ترويحًا لشأنه، وتفخيمًا لأمره، فلا عبرة بما أظهرتموه، قال الكسائي (٢): الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه .. قال: جئت من عند كبيري، وقال محمد بن إسحاق: إنه لعظيم السحر، قال الواحدي: والكبير في اللغة: الرئيس، ولهذا يقال للمعلم: الكبير، أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس، حتى لا يؤمنوا، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيسًا لهم، ولا بينه وبينهم مواصلة. والخلاصة (٣): أنكم قد فعلتم جريمتين، وارتكبتم إساءتين:
следующие страницы →