﴿مِنْهَا﴾ و ﴿فِيهَا﴾، وبين الخلق والإعادة، وهذا من المحسنات البديعية.
ومنها: رد العجز على الصدر في قوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ وسماه المتأخرون التصدير، وهو أخف على السمع، وأليق بالمقام، وهو توافق كلمة في الصدر، مع كلمة في الآخر، وله أقسام مذكور في محله.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾؛ أي: فالقوا فإذا حبالهم، حذف لدلالة المعنى عليه، ومثله ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ بعد قوله: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ حذف منه كلام طويل، وهو فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا من السحر ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ إنما حسن الحذف لدلالة المعنى عليه، ويسمى: ايجاز حذف.
ومنها: استدراج الخصم لموسى حيث قال: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ ثقةً منهم بأنهم فائزون عليه، حيث، فوَّضوا ضرب الموعد إليه، ولكن موسى استدرجهم بإلهام من الله ، أن يجعل موعدهم يوم زينتهم وعيدهم، ليكون الحق أبلج على رؤوس الأشهاد، فيكون أفضح بكيدهم، وأهتك لسترهم، ولما استدرجوه بالتخيير في الإلقاء، أيكون هو البادىء، أم يكونون هم البادئين .. أستدرجهم هو إلى أن يجعلهم مبتدئين، بما معهم، ليكون إلقاؤه العصا بعد قذفاً بالحق على الباطل، فيدمغه فإذا هو زاهق، فما أروع هذا الكلام.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ بالضميرين اللذين هما: ﴿نَكُونَ﴾ و ﴿نَحْنُ﴾ دل ذلك على أنهم يريدون التقدم عليه، والإلقاء قبله.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ فتوكيد الضميرين هاهنا في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت للغلبة والقهر، ولو قال لا تخف إنك الأعلى .. لم يكن فيه من التقرير والإثبات لنفي الخوف، ما لقوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾.
стр. 7667
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ لتفخيم شأنها، والإيذان بأنها ليست من جنس العصي المعهودة؛ لأنها مستتبعة لآثار غريبة.
ومنها: في قوله ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ست فوائد من البلاغة:
١ - ﴿إِنَّ﴾ المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها وتأكيده، وقد نص علماء المعاني، على أن الخبر يكون مع ﴿إِنَّ﴾ طلبيًا، أو إنكاريًا لا ابتدائيًا، كقولك: زيد قائم، ثم تقول: إن زيدًا قائم، ففي قولك: إن زيدًا قائم من الإثبات لقيام زيد، ما ليس في قولك: زيد قائم.
٢ - تكرير الضمير في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ ولو اقتصر على أحد الضميرين .. لما كان بهذه المثابة في التقرير، لغلبة موسى والإثبات.
٣ - لام التعريف في قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ولم يقل أعلى أو عال؛ لأنه لو قال ذلك .. لكان قد نكَّره، وكان صالحًا لكل واحد من جنس، كقولك: رجل فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال، وإذا قلت الرجل .. فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف، وجعلته علمًا فيهم، وكذلك جاء قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾؛ أي: دون غيرك.
٤ - لفظ أفعل الذي من شأنه التفضيل، ولم يقل: العالي فهو أعلى من كل عال.
٥ - لفظ العلو الدال على أن الغلبة ثابتة له من جهة العلو، ومعلوم أن الغرض من قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾: الغلبة، إلا أن في ﴿الْأَعْلَى﴾ زيادةً، وهي كونها صادرةً من مكان عال.
٦ - الاستئناف وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ولم يقل لأنك أنت الأعلى، فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى ﵇ بالغلبة والاستعلاء، وأثبت ذلك في قرارة نفسه، بما لا يدع أيّ: مجال للشك.
والله أعلم
* * *
للحق، وتمادى هو وقومه في العناد والإعراض عن سبيل الرشاد ... أردف ذلك بذكر ما آل إليه أمر فرعون وقومه، من الغرق في البحر، حين تبعوا موسى للحاق به، لما خرج من مصر ذاهباً إلى الطور، وطوى في البين ذكر ما جرى على فرعون وقومه بعد أن غُلبت السحرة من الآيات المفصلة، التي حدثت على يد موسى في مدة عشرين سنة، بحسب ما فصِّل في سورة الأعراف، وكان فرعون كلما جاءته آية عذاب .. وعد أن يُرسل بني إسرائيل حين ينكشف عنه العذاب، فإذا هو انكشف .. نكص على عقبيه، ونكث في عهده، حتى أمر الله موسى بالهجرة والخروج ليلًا من مصر، ثم عدد بعدئذٍ نعمه الدينية والدنيوية على بني إسرائيل، فذكر أنه أنجاهم من عدوهم، وقد كان ينزل بهم ضروبًا من الظلم، من قتل وإذلال، وتعبٍ في الأعمال، وأنه ذكر أنه أنزل عليهم كتابًا فيه بيان دينهم، وتفصيل شريعتهم، وأنه أنزل لهم المن والسلوى، وأنه أمرهم بأكل الطيبات من الرزق، وزجرهم عن العصيان، وأن من عصى ثم تاب .. كانت توبته مقبولةً عند ربه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر أنه أوحى (١) إلى موسى أن يخرج هو وقومه من مصر ليلًا، ويخترق بهم البحر، ولا يخشى غرقًا ولا دركًا من فرعون وجنده، وأن البحر أغرق فرعون وقومه جميعًا، حينما أرادوا اللحاق ببني إسرائيل، ثم عدد نعمه عليهم، من إنجائهم من عدوهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، ثم أمرهم بأكل الطيبات من الرزق، ونهاهم عن الطغيان، ثم ذكر أنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا .. أعقب هذا بما جرى بينه سبحانه وبين موسى من الكلام، حين موافاته الميقات بحسب المواعدة التي ذُكرت آنفًا، وبما حدث من فتنة السامري لبني إسرائيل، ورجوع موسى إليهم غضبانَ أسفًا، ثم معاقبته لهم على ما صنعوا، ثم ذكر الحيلة التي فعلها السامري حين أخرج لهم من حليّهم عجلًا جسدًا له خوار، فقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، فرد الله عليهم،
стр. 7670
ووبخهم بأن هذا العجل لا يجيبهم إذا سألوه، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا في دينهم ولا دنياهم.
التفسير وأوجه القراءة
٧١ - ولما خاف فرعون أن يكون إلقاء السحرة سجدًا سببًا لاقتداء الناس بهم في الإيمان بالله ورسوله .. ألقى شبهةً في النبي ونبوته فـ ﴿قال﴾؛ أي: فرعون للسحرة موبخاً لهم ﴿آمَنْتُمْ﴾؛ أي: هل آمنتم ﴿لَهُ﴾؛ أي: لموسى وصدقتموه فيما يدعيه، و (اللام): هنا لتضمين الفعل معنى الإتباع وفي "بحر العلوم": ﴿لَهُ﴾؛ أي: لربهما، على أن (اللام) بمعنى الباء، كما يدل عليه قوله في سورة الأعراف: ﴿قال آمنتم به قبل أن آذن لكم﴾ و ﴿آمَنْتُمْ﴾: بالمد على الإخبار، و (الهمزة) الأولى فيه: للاستفهام التوبيخي؛ أي: قال لهم توبيخًا: هل فعلتم هذا الفعل ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي (١): من غير أن آذن لكم في الإيمان له، وآمركم به كما في قوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ لا أن الإذن لهم في ذلك واقع بعده، أو متوقع، والإذن في الشيء الإعلام بإجازته، وأذنته بكذا وآذنته بمعنًى ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن موسى ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾؛ أي: أستاذكم ومعلمكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وإنكم تلامذته في السحر، فتوافقتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم، ترويحًا لشأنه، وتفخيمًا لأمره، فلا عبرة بما أظهرتموه، قال الكسائي (٢): الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه .. قال: جئت من عند كبيري، وقال محمد بن إسحاق: إنه لعظيم السحر، قال الواحدي: والكبير في اللغة: الرئيس، ولهذا يقال للمعلم: الكبير، أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس، حتى لا يؤمنوا، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى، ولا كان رئيسًا لهم، ولا بينه وبينهم مواصلة.
والخلاصة (٣): أنكم قد فعلتم جريمتين، وارتكبتم إساءتين:
стр. 7671
١ - أنكم آمنتم له قبل البحث والتفكير، فإيمانكم لم يكن عن بصيرة وأناة، فلا يُعتد به.
٢ - أنكم تلاميذه في السحر، فتواطأتم على أن تظهروا العجز من أنفسكم، ترويجاً لدعوته، وتفخيمًا لأمره. وبعد أن أورد هذه الشبهة، اشتغل بالتهديد، تنفيرًا لهم من الإيمان, وتحذيرًا لغيرهم عن الاقتداء بهما، فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ﴾؛ أي: فوالله لأقطعن ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ حالة كونها ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾؛ أي: مختلفات في الاسم والصفة؛ لأنها إذا خالف بعضها بعضًا، بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك يسار .. فقد اتصفت بالاختلاف، وتعيين القطع وكيفيته لكونه أفظع من غيره، والمعنى لأقطعن من كل شق طرفًا، وهو أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لا يدين ولا رجلين، ولا يمنين ولا يسارين، وصيغة (١) التفعيل في قطع: للتكثير، وكذا في الفعل الآتي، والقطع: فصل شيءٍ مدركًا بالبصر كالأجسام، أو مدركًا بالبصيرة كالأشياء المعقولة، و ﴿مِنْ﴾ فيه لابتداء الغاية, أي: ابتداء القطع من مخالفة العضو العضو، لا من وفاقه إياه، وإنما اختار ذلك دون القطع من وفاق لأن فيه إهلاكًا وتفويتًا للمنفعة ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾؛ أي: على جذوع النخل وأصولها، زيادةً في إيلامكم، وتشهيرًا بكم، والصلب: الذي هو تعليق الإنسان للقتل، قيل: هو شد صلبه على خشب؛ أي: على أصول النخل في شاطىء النيل.
وأراد بالتقطيع والتصليب في الجذوع (٢): التمثيل بهم، ولما كان الجذع مقرًا للمصلوب، واشتمل عليه اشتمال الظرف على المظروف .. عُدّي الفعل بفي التي للوعاء، وقيل: ﴿فِي﴾: بمعنى على، وقيل: نقر فرعون الخشب، وصلبهم في داخله، فصار ظرفًا لهم حقيقةً، حتى يموتوا فيه جوعًا وعطشًا، ومن تعدية صلب بفي قول الشاعر:
وَهُمْ صَلَبُوْا الْعَبْدِىَّ فِىْ جِذْعِ نَخْلَةٍ ... فَلاَ عَطَسَتْ شَيْبَانُ إِلَّا بِأَجْدَعَا
стр. 7672
وفرعون أول من صلب، وأقسم فرعون على ذلك، وهو فعل نفسه، وعلى فعل غيره، وهو قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا ...﴾ إلخ، فإن قيل (١): مع قرب عهده بانقلاب العصا حيةً، وقصدها ابتلاع قصره، واستغاثته بموسى من شرها، كيف يُعقل أن يهدد السحرة إلى هذا الحد، ويستهزىء بموسى؟
قلنا: يجوز أن يكون في أشد الخوف، ويُظهر الجلادة، تمشيةً لناموسه، وترويجًا لأمره، والاستقراء يوقفك على أمثاله. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾؛ أي: أييّ وأيّ موسى ﴿أَشَدُّ عَذَابًا﴾؛ أي: ولتعلمن جواب أينا أشد عذابًا؛ أي: هل أنا أشد عذابًا على إيمانكم به، أو موسى أشد عذابًا على ترك الإيمان به، ومراده بالأشد عذابًا نفسه ﴿وَأَبْقَى﴾؛ أي: أدوم عذابًا، وموسى لم يكن في شيء من التعذيب، إلا أن فرعون ظن السحرة خافوا من قبل موسى على أنفسهم، حين رأوا ابتلاع عصاه لحبالهم وعصيهم، فقال ما قال، وعلى ما سبق من "بحر العلوم" في ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ يكون المراد بـ ﴿أَيُّنَا﴾ نفسه ورب موسى؛ أي (٢): ولتعلمن أنا أو إله موسى أشد عذابًا وأبقى، وفي ذلك إيماء إلى اقتداره وقهره، وبيان ما ألفه وضري به من تعذيب الناس بأنواع العذاب، كما فيه تحقير لشأن موسى، واستضعاف له مع السخرية منه،
٧٢ - ثم لما صال عليهم بذلك، وتوعدهم .. هانت عليهم أنفسهم في الله فـ ﴿قالوا﴾؛ أي: السحرة، غير مكترثين بوعيده: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾؛ أي: لن نختارك بالإيمان والاتباع ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ من الله على يد موسى ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: من المعجزات الظاهرة، التي لا شبهة في حقيَّتها، كاليد والعصا، وكان من استدلالهم أنهم قالوا: لو كان هذا سحرًا .. فأين حبالنا وعصينا، وقيل (٣): إنهم أرادوا بالبينات ما رأوه من سجودهم من المنازل المعدة لهم في الجنة.
وفي هذا: إشارة إلى أن فرعون طلب منهم الرجوع عن الإيمان بموسى،
стр. 7673
وإلا فعل بهم ما أوعدهم به، وإلى أن (١) القوم شاهدوا في رؤية الآيات أنوار الذات والصفات، فهان عليهم عظائم البليات، ومن آثر الله على الأشياء .. هان عليه ما يلقى في ذات الله، وقد قال بعض الكبار: ليخفف عنك ألم البلاء علمُك بأن الله هو المبتَلي.
والمعنى: أي قالوا لن نختار اتباعك، وكوننا من حزبك، وسلامتنا من عذابك على ما جاءنا من البينات، وهي: المعجزة التي أتتنا، وعلمنا صحتها، وفي قولهم هذا توهين له، واستصغار لما هددهم به، وعدم اكتراثٍ بقوله، وفي نسبة المجيء إليهم، وإن كانت البينات جاءت لهم ولغيرهم؛ لأنهم كانوا أعرف بالسحر من غيرهم، وقد علموا أن ما جاء به ليس بسحر، فكانوا على جلية من العلم بالمعجز، وغيرهم يقلدهم في ذلك، وأيضًا فكانوا هم الذين حصل لهم النفع بها، وكانت بيناتٍ واضحةً في حقهم.
وقوله: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾؛ أي: خلقنا وسائر المخلوقات، معطوف على ما جاءنا؛ أي: لن نختارك على ما جاءنا به موسى من البينات، وعلى عبادة الذي فطرنا وتأخيره لأن ما في ضمنه آية عقلية نظرية، وما شاهدوه آية حسية ظاهرة.
والحاصل: أنه لما لاحت لهم حجة الله في المعجزة .. بدؤوا بها، ثم ترقوا إلى القادر على خرق العادة، وهو الله تعالى، وذكروا وصف الاختراع، وهو قولهم: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ تبييناً لعجز فرعون، وتكذيبه في ادعاء ربوبيته وإلاهيته، وهو عاجز عن صرف ذبابة، فضلًا عن اختراعها، وقيل: الواو للقسم، وجوابه: محذوف لدلالة المذكور عليه؛ أي: وحق الذي فطرنا لا نؤثرك، ولا يكون ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ جوابًا؛ لأنه لا يجاب في النفي بلن إلا في شاذ من الشعر، وقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ جواب عن تهديده بقوله: ﴿لأقطعن﴾ .. الخ؛ أي: فأصنع ما أنت صانعه، أو احكم فينا ما أنت فيه حاكم، من القطع والصلب، وفي "التأويلات النجمية"؛ أي: فاحكم وأجر علينا ما قضى الله لنا في الأزل من
стр. 7674
الشهادة ما أنت قادر على الحكم علينا.
﴿إِنَّمَا تَقْضِي﴾ وتحكم ﴿هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: إنما سلطانك علينا، ونفوذ أمرك فينا في هذه الحياة الدنيا, ولا سبيل لك علينا فيما بعدها، فاسم الإشارة في محل النصب على الظرفية، أو على المفعولية، و ﴿ما﴾ كافة.
والمعنى (١): أي لأنك إنما تحكم علينا في الدنيا فقط، وليس لك علينا سلطان في الآخرة، وأنت تجري على حكمك في الآخرة، وما لنا من رغبة في حلاوة الدنيا, ولا رهبة من عذابها، وقرأ (٢) الجمهور: ﴿تَقْضِي﴾ مبنيًا للفاعل، خطابًا لفرعون، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، ﴿تقضي﴾ مبنيًا للمفعول ﴿هذه الحياة﴾ بالرفع اتسع في الظرف، فأُجري مجرى المفعول به، ثم بني الفعل لذلك، ورُفع به، كما تقول: صيم يوم الجمعة.
ولم يصرح في القرآن بأنه أنفذ فيهم وعيده، ولا أنه قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم على الجذوع، بل الظاهر أنه تعالى سلمهم منه، ويدل على ذلك قوله: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ وقيل: أنفذ فيهم وعيده، وصلبهم على الجذوع، ذكره أبو حيان في "البحر" ولكن (٣) الراجح: أنه نفَّذ ذلك، كما يرشد إلى ذلك قول ابن عباس وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداءً بررةً
٧٣ - ﴿إِنَّا آمَنَّا﴾ وصدقنا ﴿بـ﴾ ربوبية ﴿رَبِّنَا﴾ وألوهية خالقنا ﴿لِيَغْفِرَ لَنَا﴾ ويستر عنا ﴿خَطَايَانَا﴾ وذنوبنا من الكفر والمعاصي، ولا يؤاخذنا بها في الدار الآخرة، لا ليمتعنا بتلك الحياة الفانية، حتى نتأثر بما وعدتنا به من القطع والصلب.
فائدة (٤): والمغفرة صيانة العبد عما استحقه من العقاب، للتجاوز عن ذنوبه، من الغفر، وهو إلباس الشيء ما يصونه عن الدنس، والخطايا: جمع الخطية، والفرق بينها وبين السيئة: أن السيئة قد تقال فيما يقصد بالذات، والخطية فيما يقصد بالعرض؛ لأنها من الخطأ، وقوله: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ
стр. 7675
السِّحْرِ﴾ عطف على خطايانا؛ أي: وليغفر لنا السحر الذي عملنا في معارضة موسى، رغبةً في خيرك، ورهبة من شرك، بإكراهك وحشرك إيانا من المدائن القاصية، خصوه بالذكر مع اندراجه في خطاياهم، إظهارًا لغاية نفرتهم منه، ورغبتهم في مغفرته ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿خَيْرٌ﴾ منك ثوابًا إن أطعناه ﴿وَأَبْقَى﴾؛ أي: أدوم منك عقابًا إن عصيناه؛ أي: خيره خير من خيرك، وعذابه أدوم من عذابك، قال الحسن: سبحان الله لقوم كفارهم أشد الكافرين كفرًا ثبتفى قلوبهم الإيمان طرفة عين، فلم يتعاظم عندهم أن قالوا: ﴿اقض ما أنت قاض﴾ في ذات الله تعالى، والله إن أحدهم اليوم ليصحب القرآن ستين عامًا، ثم إنه ليبيع دينه بثمن حقير.
٧٤ - ثم ختم السحرة كلامهم بشرح أحوال المجرمين، وأحوال المؤمنين يوم العرض والحساب، عظةً لفرعون، وتحذيرًا له من نقمة الله وعذابه السرمدي، وترغيباً لهفى ثوابه الأبدي فقالوا: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: الشأن والحال، وهو تعليل من جهتهم، لكونه تعالى خيرًا وأبقى؛ أي: لأنه ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ يوم القيامة حالة كونه ﴿مُجْرِمًا﴾؛ أي: متلبسًا بالكفر والمعاصي، متوغلاً في إجرامه، منهمكاً فيه، بأن يموت على الكفر والمعاصي، ولأنه مذكور في مقابلة المؤمن ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾؛ أي: في جهنم، فينتهي عذابه ويستريح، وهذا تحقيق لكون عذابه أبقى ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياةً ينتفع بها.
والمعنى (١): أي إن من يلق الله تعالى وهو مجرم بكفره ومعاصيه .. فإن له جهنم لا يموت فيها فينتهي عذابه، ولا يحيا حياة طيبة ينتفع فيها بالنعيم المقيم، قال المبرد: لا يموت ميتةً مريحةً، ولا يحيى حياةً ممتعة، فهو يألم كما يألم الحي، ويبلغ به حالة الموت في المكروه، إلا أنه لا يعطل فيها عن إحساس الألم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، كما قالت زوج صخر حين سئلت عنه وهو مريض: لا هو حي فيرجى، ولا ميت فينعى
٧٥ - ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ﴾ يوم القيامة حالة كونه ﴿مُؤْمِنًا﴾ به تعالى وبما
стр. 7676
جاء من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما شاهدناه، وحالة كونه ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ التي جاءت به رسله، والصالحة كالحسنة، صفة جارية مجرى الاسم، ولذلك لا تذكر غالبًا مع الموصوف، وهي ككل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والنقل ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى ﴿مَنْ﴾ والجمع باعتبار معناها؛ أي: فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات ﴿لَهُمُ﴾ بسبب إيمانهم وأعمالهم الصالحة ﴿الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ جمع العليا، تأنيث الأعلى؛ أي: المنازل الرفيعة في الجنة، وفيه (١) إشارة إلى الفرق بين أهل الإيمان المجرد، وبين الجامع بين الإيمان والعمل، حيث إن الدرجات العالية للثاني وغيرها لغيره.
والمعنى (٢): أي ومن لقي ربه مؤمنًا به وبما جاء به رسوله من عنده من المعجزات، التي من جملتها ما رأيناه وشاهدناه، ثم عمل صالح الأعمال .. فهؤلاء لهم بسبب إيمانهم، وجليل أعمالهم، المنازل الرفيعة، والدرجات العالية.
وفي "الصحيحين": "أن أهل عليين ليرون من فوقهم، كما ترون الكوكب العابر في أفق السماء، لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء قال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وفي "السنن" "أن أبا بكر وعمر لمنهم ونعما"
٧٦ - ثم فسر تلك الدرجات العلى بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من الدرجات العلى ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة: الماء، واللبن، والخمر، والعسل، حاله كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾؛ أي: مقدرين الخلود ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات، فهو حال من الضمير في لهم، والعامل: معنى الاستقرار، أو الإشارة ﴿وَذَلِكَ﴾؛ أي: المذكور من الثواب ﴿جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ وتطهر من دنس الكفر والمعاصي، بما ذكر من الإيمان والأعمال الصالحة، وهذا لكون ثواب الله تعالى أبقى.
والجزاء (٣): ما فيه الكفاية من المقابلة، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر،
стр. 7677
يقال: جزيته كذا بكذا، والفرق بين الأجر والجزاء: أن الأجر يقال فيما كان من عقد، وما يجري مجرى العقد، ولا يقال إلا في النفع دون الضر، والجزاء يقال فيما كان من عقد ومن غير عقد، ويقال في النافع والضار.
والمعنى (١): أي تلك الدرجات العلى، هي جنات إقامة، تجري من تحت غرفها الأنهار، ماكثين فيها أبدًا، وذلك الفوز الذي أوتوه، جزاء لهم على طهارة أنفسهم من دنس الكفر، ومن تدسية أنفسهم بأوضار الذنوب والآثام، وعلى عبادتهم لله وحده، لا شريك له، واتباعهم للنبيين والمرسلين فيما جاؤوا به من عند ربهم.
٧٧ - وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ شروع في بيان إنجاء بني إسرائيل، وإهلاك عدوهم، وقد تقدم في البقرة، وفي الأعراف، وفي يونس، و (اللام) في ﴿لقد﴾: موطئة للقسم وفي ذلك من التأكيد ما لا يخفى؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أوحينا إلى موسى، بعد إجراء الآيات التسع في نحو عشرين سنة، كما في "الإرشاد" لكن يخالفه ما في بعض الروايات المشهورة، من أن موسى ﵇ دعا ربه في حق فرعون وقومه، فأستجيب له، ولكن أثره بعد أربعين سنة، على ما قالوا عند قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾.
﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾؛ أي: سر بعبادي بني إسرائيل ليلًا، من أرض مصر إلى ساحل البحر، لئلا يعوقهم أعوان فرعون، فـ ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى أي، أو مصدرية؛ أي: بـ ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ والسري، والإسراء: سير الليل، وقرأ (٢) نافع، وابن كثير: بكسر نون ﴿أَنْ﴾ وهمزة وصل.
وفي التعبير (٣) عن بني إسرائيل ﴿بِعِبَادِي﴾ إظهار للعناية بأمرهم والرحمة، وتنبيه إلى قبح صنيع فرعون بهم، إذ هو قد استعبدهم، وفعل بهم من ضروب الظلم ما فعل، ولم يراقب فيهم مولاهم الحق.
стр. 7678
﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾؛ أي: فأجعل لهم بالضرب بعصاك طريقًا في البحر يابسًا، ليس فيه وحل ولا نداوة، من قولهم: ضرب له في ماله سهمًا, أي: جعل له نصيبًا، أو فاتخذ واعمل لهم في البحر طريقًا يابسًا، من قولهم: ضرب اللبن: إذا عمله.
والطريق (١): كل ما يطرقه طارق، معتادًا كان أو غير معتاد، قال الراغب: الطريق: السبيل الذي يطرق بالأرجل ويضرب، والبحر: كل مكان واسع جامع للماء الكثير، والمراد هنا: بحر القلزم، قال في "القاموس": القلزم: هو بلد بين مصر ومكة، قرب جبل الطور، وإليه يضاف بحر القلزم؛ لأنه على طرفه، أو لأنه يبتلع من ركبه؛ لأن القلزمة: الابتلاع، ومعنى ﴿يبسًا﴾: يابسًا، وصف به الفاعل للمبالغة، وذلك أن الله تعالى، أيبس لهم تلك الطريق، حتى لم يكن فيها ماء ولا طين، واليبس: المكان الذي كان فيه ماء فذهب.
وقرأ الحسن وأبو المتوكل والنخعي (٢): ﴿يَبَسًا﴾ بسكون الباء، على أنه مخفف من يبسًا المحرك، أو جمع يابس كصاحب وصحب، وصف به الواحد تأكيدًا، وقرأ أبو حيوة، والشعبي، وأبو رجاء، وابن السميقع ﴿يابسًا﴾ بألف اسم فاعل، قال أبو عبيدة: اليبس محرك الحروف، بمعنى اليابس، يقال: شاة يبس, أي: يابسة ليس لهم لبن، وقال ابن قتيبة: يقال لليابس: يَبَسٌ ويَبْسٌ.
وقوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ حال مقدرة من المأمور؛ أي: من موسى، والدرك: محركةً اسم من الإدراك، كالدرك بالسكون، والدرك: اللحاق بهم من فرعون وجنوده, والمعنى: فاجعل لهم طريقًا في البحر يبسًا، حالة كونك آمنًا لا تخاف من أن يدرككم العدو ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ الغرق.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿لَا تَخَافُ﴾ بالألف والرفع، وهي أرجح، لعدم الجزم في ﴿تخشى﴾، ويجوز أن تكون هذه الجملة على قراءة الجمهور صفةً أخرى
стр. 7679
لـ ﴿طَرِيقًا﴾ مع حذف العائد؛ أي: ﴿لَا تَخَافُ﴾ فيه ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ فيه، وقرأ الأعمش، وحمزة، وابن أبي ليلى: ﴿لا تخف﴾ بالجزم على جواب الأمر، أو على نهيٍ مستأنفٍ، قاله الزجاج، وقرأ أبو حيوة، وطلحة، والأعمش: ﴿دركاً﴾ بسكون الراء، والجمهور: بفتحها، والدرك والدرك: اسمان من الإدراك؛ أي: لا يدركك فرعون وجنوده، ولا يلحقونك ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ أنت ولا قومك غرقاً، وعطفه على قراءة الجمهور على ﴿لَا تَخَافُ﴾ ظاهر، وأما على قراءة الجزم، فخرج على أن الألف جيء بها لأجل أواخر الآي فاصلةً، نحو قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أو على أنه إخبار مستأنف؛ أي: وأنت ﴿لا تخشى﴾ أو على أنه مجزوم بحذف الحركة المقدرة على لغة من قال: ألم يأتيك، وهي لغة قليلة، وقال الشاعر:
إِذَا الْعَجُوْزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ... وَلاَ تَرَضَّاهَا وَلاَ تُمَلِّقِ
وحاصل معنى الآية: أي (١) ولقد أوحينا إلى رسولنا موسى، حين تابعنا له الحجج على فرعون، فأبى أن يستجيب لأمر ربه، وتمادى في طغيانه، بـ ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ الذين أرسلتك لإنقاذهم من هذا الطاغية، واخرج بهم من مصر، فاتخذ لهم طريقًا يابسًا في البحر، ولا تخف من فرعون وقومه أن يدركوك، ولا تخشى أن يغرقك البحر.
٧٨ - و ﴿الفاء﴾ في قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾: عاطفة على محذوف تقديره: ففعل موسى ما أمر به من الإسراء بهم، وضرب الطريق وسلوكه، فتبعهم فرعون حالة كونه مصاحبًا بجنوده وأعوانه، حتى لحقوهم وقت إشراق الشمس، وهو إضاءتها، يقال: أتبعهم؛ أي: تبعهم، وذلك إذا كانوا سبقوك فلحقتهم، فالفرق بين تبعه وأتبعه، أن يقال: أتبعه إتباعًا، إذا طلب الثاني اللحوق بالأول، وتبعه تبعًا، إذا مر به، ومضى معه.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ بسكون التاء، وأتبع: قد يكون بمعنى تبع فيتعدى إلى واحد، وقال الزجاج: تبع الرجل الشيء وأتبعه، بمعنى واحد. اهـ
стр. 7680
وقرأ أبو عمرو في رواية, والحسن: ﴿فأتبعهم﴾، بتشديد التاء، وكذا عن الحسن في جميع ما في القرآن إلا ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وفي (١) قراءة من قرأ بالتشديد، دليل على أنه اتبعهم ومعه الجنود، ومن قرأ: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ فمعناه: ألحق جنوده بهم، وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ، وجائز أن لا يكون، إلا أنه قد كان معهم، وقال الزجاج: وقرىء: ﴿وجنوده﴾ عطفًا على فرعون، روي أن موسى خرج بهم أول الليل، وكانوا ستمائة وسبعين ألفًا، فأخبر فرعون بذلك فأتبعهم بعساكره، وكانت مقدمته سبع مئة ألف، فقص أثرهم فلحقهم، بحيث تراءى الجمعان، فعند ذلك ضرب موسى ﵇ بعصاه البحر، فانفلق على اثني عشر فرقًا، كل فرق كالطود العظيم، وبقي الماء قائمًا بين الطرق، وعبر موسى بمن معه من الأسباط سالمين، وتبعهم فرعون بجنوده ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾؛ أي: سترهم وعلاهم ﴿مِنَ الْيَمِّ﴾؛ أي: من بحر القلزم ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ وسترهم؛ أي: الموج الهائل، الذي لا يعلم كنهه إلا الله، والتكرير للتعظيم والتهويل، كما في قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾.
والظاهر (٢): أن الضمير في ﴿غَشِيَهُمْ﴾ في الموضعين: عائد على فرعون وجنوده، وقيل: الأول على فرعون وقومه، والثاني على موسى وقومه، وفي الكلام حذف على هذا القول، تقديره: فنجا موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، وقرأ الجمهور (٣) ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ على وزن فعل مجرد من الزيادة، وقرأت فرقة، منهم الأعمش ﴿فغشاهم من اليم ما غشيهم﴾ بتضعيف العين، فالفاعل في القراءة الأولى: ﴿مَا﴾ وفي الثانية الفاعل الله؛ أي: فغشاهم الله، قال الزمخشري: أو فرعون؛ لأنه الذي ورط جنوده، وتسبب لهلاكهم، وقال: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ من باب الاختصار، ومن جوامع الكلم التي تستقل مع قلتها بالمعاني الكثيرة؛ أي: غشيهم ما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى
٧٩ - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أي: سلك بهم مسلكًا أداهم إلى الخيبة والخسران، في الدين والدنيا معًا، حيث ماتوا
стр. 7681
على الكفر بالعذاب الهائل الدنيوي المتصل بالعذاب الخالد الأخروي ﴿وَمَا هَدَى﴾؛ أي: وما أرشدهم قط إلى طريق موصل إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية، وهو (١) تقرير لإضلاله، وتأكيد له، إذ: رب مضل قد يرشد من يضله إلى بعض مطالبه، وفيه نوع تهكم، فإن نفي الهداية من شخصٍ مشعر بكونه ممن تتصور منه الهداية في الجملة، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم. أو المعنى؛ أي: أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى طريق النجاة؛ لأنه قدر أن موسى ومن معه لا يفوتونه، لكونهم بين يديه، يمشون في طريق يابسة، وبين أيديهم البحر.
٨٠ - ثم شرع سبحانه يعدد نعمه على بني إسرائيل، فقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيل﴾؛ أي: وقلنا لهم بعد إغراق فرعون وقومه، وإنجائهم منهم: يا أولاد يعقوب ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون وقومه، حيث كانوا يذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم، ويستخدمونكم في الأعمال الشاقة، وذلك بإغراقه وإغراق قومه في البحر، بمرأى من بني إسرائيل، كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ والعدو: يجيء بمعنى الوحدة، وبمعنى الجماعة ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ بوساطة نبيكم موسى ﵇ ﴿جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾؛ أي: إتيان جانبه الأيمن، نظرًا إلى السالك من مصر إلى الشام، وإلا فليس للجبل يمين ولا يسار، والمراد: يمين الشخص، فإذا قيل: خذ عن يمين الجبل، معناه: عن يمينك من الجبل؛ أي: واعدناكم إتيان موسى للمناجاة، وإنزال التوراة عليه، ونسبة المواعدة إليهم مع كونها لموسى نظرًا إلى ملابستها إياهم، وسراية منفعتها إليهم، قال النحاس: والمعنى أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه، لنكلمه بحضرتكم، فتسمعوا الكلام، وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور، فالوعد كان لموسى، وإنما خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم، وانتصاب (٢) ﴿جَانِبَ﴾ على أنه مفعول به، لا على الظرفية؛ لأنه مكان معين غير مبهم، وإما تنتصب الأمكنة على الظرفية إذا كانت مبهمة، قال مكي: وهذا أصل لا خلاف فيه، وقرأ أبو عمرو، وأبو جعفر،
стр. 7682
ويعقوب: ﴿ووعدناكم﴾ بغير ألف واختاره أبو عبيدة؛ لأن الوعد، إنما هو من الله لموسى خاصةً، والمواعدة: لا تكون إلا من اثنين، وقرأ (١) حمزة، والكسائي، وطلحة: ﴿قد أنجيتكم﴾ ﴿وواعدتكم﴾ ﴿ما رزقتكم﴾ بتاء الضمير، وباقي السبعة: بنون العظمة، وقرأ حميد ﴿نجيناكم﴾ بتشديد الجيم من غير ألف قبلها، وبنون العظمة و ﴿الْأَيْمَنِ﴾: منصوب على أنه صفة للجانب وقرىء بجر ﴿الأيمن﴾ على أنه صفة للمضاف إليه.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ﴾ في التيه ﴿الْمَنَّ﴾ وهو: شيء حلو أبيض مثل الثلج، كان ينزل على الشجر كالطل، من الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، يقال له: الترنجبين، معرب كرنكبين ﴿وَالسَّلْوَى﴾ وهو: طائر يقال له: السماني، يبعثه عليهم ريح الجنوب، فيذبح الرجل منهم ما يكفيه، والتيه. المذكور آنفًا: المفازة التي يُتَاه فيها، وذلك حين أمروا بأن يدخلوا مدينة الجبارين فأبوا ذلك، فعاقبهم الله بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة، كما مر في سورة المائدة، ومثل (٢) ذلك كمثل الوالد المشفق، يضرب ولده العاصي ليتأدب، وهو لا يقطع عنه إحسانه، فقد ابتلوا بالتيه، ورزقوا بما لا تعب فيه.
٨١ - وقلنا لكم: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: من لذائذ ما رزقناكم أو حلالاته، قال الراغب: أصل الطيِّب ما تستلذه الحواس والنفس، والطعام الطيب في الشرع: ما كان متناولًا من حيث ما يجوز، وبقدر ما يجوز، ومن المكان الذي يجوز، فإنه متى كان كذلك كان طيبًا عاجلًا وآجلاً لا يستوخم، وإلا فإنه وإن كان طيبًا عاجلًا لم يطلب آجلًا. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾؛ أي: ولا تتجاوزوا الحد ﴿فِيهِ﴾؛ أي: فيما رزقناكم بالإخلال بشكره، وبالسرف والبطر، والمنع من المستحق، والادخار منه لأكثر من يوم وليلة، قال ابن عباس: لا يظلم بعضكم بعضًا فيأخذه من صاحبه، يعني: بغير حق ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ جواب للنهي، أي: فيلزمكم عقوبتي، وتجب
стр. 7683
لكم، من حَل الدَّين يحل بالكسر: إذا وجب أداؤه، وأما يحُل بالضم: فهو بمعنى الحلول؛ أي: النزول، والغضب ثوران دم القلب عند إرادة الانتقام، وإذا وصف الله تعالى به، فالمراد: الانتقام دون غيره، والقول الأسلم الذي عليه السلف أن يقال: إن غضب الله سبحانه صفة ثابتة له، نعتقدها ولا نعطلها، أثرها الانتقام ممن استحقه؛ أي: ولا تطغوا في رزقي بالإخلال بشكره، وتعدي حدودي فيه، بالسرف والبطر، والاستعانة به على المعاصي، ومنع الحقوق الواجبة فيه، فينزل عليكم غضبي، وتجب عليكم عقوبتي.
والظاهر (١): أن الخطاب لمن نجا مع موسى بعد إغراق فرعون، وقيل: لمعاصري الرسول ﷺ اعتراضًا في أثناء قصة موسى، توبيخًا لهم، إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله، فهو على حذف مضاف؛ أي: أنجينا آباءكم من تعذيب آل فرعون، وخاطب الجميع بـ ﴿واعدناكم﴾ وإن كان الموعودون هم السبعين الذين اختارهم موسى ﵇ لسماع كلام الله؛ لأن سماع أولئك السبعين تعود منفعته على جميعهم، إذ به تطمئن قلوبهم وتسكن. وقرأ زيد بن علي ﴿ولا تطغوا﴾ بضم الغين ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾؛ أي: ومن ينزل عليه غضبي .. ﴿فَقَدْ هَوَى﴾؛ أي: شقي وهلك، وتردى وسقط في الهلاك الأبدي، وأصله: أن يسقط من جبل فيهلك؛ أي: صار إلى الهاوية، وسقط فيها، ومن بلاغات الزمخشري: من أرسل نفسه مع الهوى فقد هوى في أبعد الهوى.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَيَحِلَّ﴾ بكسر الحاء ﴿وَمَنْ يَحْلِل﴾ بكسر اللام؛ أي: فيجب ويلحق، وقرأ الكسائي: بضم الحاء في ﴿يحل﴾ وضم اللام في ﴿يحلل﴾؛ أي: ينزل، وهي قراءة قتادة، وأبي حيوة، والأعمش، وطلحة، ووافق ابن عيينة في ﴿يحلل﴾ فضم اللام، قال (٣) الفراء: والكسر أحب إلي، لأن الضم من الحلول، ومعناه: الوقوع، ويحل بالكسر: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا
стр. 7684
بالوقوع، وفي "الإقناع" لأبي علي الأهوازي: ما نصه: قرأ ابن غزوان عن طلحة: ﴿لا يحلن عليكم غضبي﴾ بلام ونون مشددة، وفتح اللام وكسر الحاء، وفي "كتاب اللوامح" قرأ قتادة، وعبد الله بن مسلم بن يسار، وابن وثاب، والأعمش: ﴿فيحل﴾ بضم الياء وكسر الحاء من الإحلال، فهو متعد من حل بنفسه، والفاعل فيه: مقدر ترك لشهرته، تقديره: فيحل طغيانكم فيه غضبي عليكم
٨٢ - ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾؛ أي: لستار الذنوب ﴿لِمَنْ تَابَ﴾؛ أي: من الشرك والمعاصي، التي من جملتها الطغيان فيما ذكر.
فائدة: قال في "المفاتيح شرح المصابيح" (١): الفرق بين الغفور والغفار، أن الغفور: كثير المغفرة، وهي: صيانة العبد عما استحقه من العقاب، للتجاوز عن ذنوبه، من الغفر وهو: إلباس الشيء ما يصونه عن الدنس، ولعل الغفار أبلغ منه، لزيادة بنائه، وقيل: الفرق بينه وبين الغفار، أن المبالغة فيه من جهة الكيفية، وفي الغفار: باعتبار الكمية. انتهى.
﴿وَآمَنَ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴿وَعَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ مما ندب إليه الشرع وحسنه، وفيه (٢): ترغيب لمن وقع منه الطغيان فيما ذكر، وحث على التوبة والإيمان ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾؛ أي: استقام على الهدى، ولزمه حتى مات، وهو إشارة إلى أن من لم يستمر عليه بمعزل من الغفران، وقيل (٣): لم يشك في إيمانه، وقيل: أقام على السنة والجماعة، وقيل: تعلم العلم ليهتدى به، وقيل: علم أن لذلك ثوابًا وعلى تركه عقابًا، والأول أرجح مما بعدهُ ﴿ثُمَّ﴾ (٤) للتراخي الرتبي، قال في "بحر العلوم": ثم: لتراخي الاستقامة على الخير، عن الخير نفسه، وفضلها عليه؛ لأنها أعلى منه وأجلُّ، لأن الشأن كله فيها، وهي مزلة أقدام الرجال، قال ابن عطاء ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾؛ أي: رجع من طريق
стр. 7685
المخالفة إلى طريق الموافقة، وصدق موعود الله فيه، واتبع السنة ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾؛ أي: أقام على ذلك لا يطلب سواه مسلكًا وطريقًا.
٨٣ - ولما نهض (١) موسى ﵇ ببني إسرائيل، إلى جانب الطور الأيمن، حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل والآجل .. رأى على وجه الاجتهاد أن يقدم وحده، مبادرًا إلى أمر الله، وحرصًا على القرب منه، وشوقًا إلى مناجاته، واستخلف هارون على بني إسرائيل، وقال لهم موسى: تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى ﵇ وناجى ربه .. زاده في الأجل عشرًا، وحينئذ وقفه على استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر، فيقع الإعلام له بما صنعوا، فقال: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣)﴾؛ أي (٢): وقلنا له: أي شيء حملك على العجلة، وأوجب سبقك منفردًا عن قومك؟ وهم النقباء السبعون المختارون للخروج معه إلى الطور، وذلك أنه سبقهم شوقًا إلى ميعاد الله، وأمرهم أن يتبعوه، قال في "العرائس": ضاق صدر موسى من معاشرة الخلق، وتذكر أيام وقال الحق، فعلَّة العجلة: الشوق إلى لقاء الله تعالى، و ﴿مَا﴾ للاستفهام الإنكاري مبتدأ، وجملة ﴿أَعْجَلَكَ﴾ خبره.
وهو (٣) سؤال عن سبب العجلة، يتضمن إنكارها، من حيث إنها نقيصة في نفسها، انضم إليها إغفال القوم، وإيهام التعظيم عليهم، فلذلك أجاب موسى عن الأمرين، وقدم جواب الإنكار لأنه أهم؛ أي: وما حملك على العجلة عن قومك
٨٤ - ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿هُمْ﴾؛ أي: قومي ﴿أُولَاءِ﴾؛ أي: قريبون منى يأتون ﴿عَلَى أَثَرِي﴾؛ أي: من بعدي يلحقون بي، وليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة، لا يعتد بها، يتقدم بها بعض الرفقة على بعض، ثم أعقبه بجواب السؤال فقال: ﴿وَعَجِلْتُ﴾؛ أي: وسارعت ﴿إِلَيْكَ﴾؛ أي: إلى الموعد الذي واعدت بسبقي إياهم ﴿رَبِّ لِتَرْضَى﴾ عني؛ أي: لتزداد رضًا عني، فإن المسارعة إلى امتثال أمرك، والوفاء
стр. 7686
بعهدك، توجب مرضاتك، وهذا (١) دليل على جواز الاجتهاد. ومعنى ﴿عجلت إليك﴾: عجلت إلى الموضع الذي أمرتني بالمصير إليه، لترضى عني، يقال: رجل عجل وعجول وعجلان: بَيِّنُ العجلة، والعجلة: خلاف البطء.
قال أبو حاتم (٢): قال عيسى بن عمر: بنو تميم يقولون ﴿أولا﴾ مقصورةً وأهل الحجاز يقولون ﴿أولاء﴾ ممدودةً.
وقرأ الحسن وابن معاذ عن أبيه (٣): ﴿أولائي﴾ بياءٍ مكسورةٍ، وابن وثاب، وعيسى في رواية: ﴿أولا﴾ بالقصر وقرأت فرقة: ﴿أولاي﴾ بياء مفتوحة، وقرأ عيسى، ويعقوب، وعبد الوارث عن أبي عمرو، وزيد بن علي ﴿على إثري﴾ بكسر الهمزة وسكون الثاء، وحكى الكسائي ﴿أثري﴾ بضم الهمزة وسكون الثاء، وتروى عن عيسى، وقرأ الجمهور ﴿أُولَاءِ﴾ بالمد والهمز ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ بفتح الهمز والثاء.
والمعنى: أي (٤) قال موسى مجيبًا ربه: هم أولاء بالقرب منى آتون على أثري، وما تقدمتهم إلا بخطًا يسيرةٍ لا يعتد بها, وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة، يتقدم بها بعض الرفقة على بعض، وعجلت إلى موعدك رب لتزداد عني رضًا بالمسارعة إلى امتثال أمرك، والوفاء بعهدك.
وخلاصة معذرته (٥): إني اجتهدت أن أتقدم قومي بخطا يسيرة، ظنًا منى أن مثل ذلك لا ينكر، فأخطات في اجتهادي، وقد حملني على ذلك طلب الزيادة في مرضاتك، وكأنه ﵇ يقول: إنما أغفلت هذا الأمر مبادرةً إلى رضاك، ومسارعةً إلى الميعاد، والموعود بما يسر يود لو ركب أجنحة الطير، ليحظى بما يبتغي ويريد.
стр. 7687
٨٥ - وجملة قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾: مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله له؟ فقيل: قال الله سبحانه له: فإنا قد فتنا وابتلينا واختبرنا قومك بعبادة العجل، وأوقعناهم في فتنة عبادته من بعد ذهابك من بينهم، وانطلاقك من عندهم، وهم الذين خلفهم موسى مع هارون على ساحل البحر، وكانوا ست مئة ألف، ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفًا، قال ابن الأنباري: صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل، من بعد إنطلاقك من بينهم، وهم الذين خلفهم مع هارون. اهـ وهذه الفتنة، وقعت لهم بعد خروج موسى بعشرين يومًا ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ حيث كان هو المدبر في الفتنة والداعي إلى عبادة العجل؛ أي: دعاهم إلى الضلالة باتخاذ العجل، وكان (١) من قوم يعبدون البقر، فدخل في دين بني إسرائيل في الظاهر، وفي قلبه ما فيه من عبادة العجل، وكان من قبيلة تسمى بالسامرة، وقال لمن معه من بني إسرائيل: إنما تخلى موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه، لما صار معكم من الحلي، وهي حرام عليكم، وأمرهم بإلقائها في النار، فكان من أمر العجل ما كان.
قال في "الأسئلة المحقمة": أضاف الإضلال إلى السامري؛ لأنه كان حصل بتقريره ودعوته، وأضاف الفتنة إلى نفسه، لحصولها بفعله وقدرته وإرادته وخلقه، وعلى هذا أبدًا إضافة الأشياء إلى أسبابها ومسبباتها. انتهى. وإخباره (٢) تعالى بوقوع هذه الفتنة، عند قدومه ﵇ إما باعتبار تحققها في علمه ومشيئته تعالى، وإما بطريق التعبير عن المتوقع بالواقع، أو لأن السامري قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى، وتصدى لترتيب مباديها، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار.
والسامري: رجل من عظماء بني إسرائيل، منسوب إلى قبيلة السامرة منهم، أو علجٌ من أهل كرمان، من قوم يعبدون البقر، وحين دخل ديار بني إسرائيل أسلم معهم وفي قلبه حب عبادة البقر، فابتلى الله بني إسرائيل، فكشف له عن
стр. 7688
بصره، فرأى أثر فرس الحياة لجبريل، ويقال له: حيزوم، وأخذ من ترابه وألقاه - بوحي الشيطان - في الحلي المذابة، كما سيأتي.
وكان (١) السامري قد رباه جبريل، فكان يغذيه من أصابعه الثلاثة، فيخرج له من أحدها لبن، ومن الأخرى سمن، ومن الأخرى عسل، قيل اسمه موسى بن ظفر، وقيل: منجا، وهو ابن خالة موسى، أو ابن عمه، وذلك لأن فرعون لما شرع في ذبح الولدان، كانت المرأة من بني إسرائيل تأخذ ولدها وتلقيه في حفيرة، أو كهف من جبل، أو غير ذلك، وكانت الملائكة تتعهد هذه الأطفال بالتربية، حتى يكبروا فيدخلوا بين الناس.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَأَضَلَّهُمُ﴾ فعلًا ماضيًا، وقرأ أبو معاذ، وفرقة ﴿وأضلهم﴾ برفع اللام مبتدأ و ﴿السَّامِرِيُّ﴾ خبره وكان أشدهم ضلالًا؛ لأنه ضال في نفسه، مضل غيره.
٨٦ - ﴿فَرَجَعَ مُوسَى﴾ من الميعاد ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ بعدما استوفى الأربعين، ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وأخذ الألواح المكتوب فيها التوراة، وكانت ألف سورة، كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملًا، حالة كونه ﴿غَضْبَانَ﴾؛ أي: شديد الغضب على قومه، وحالة كونه ﴿أَسِفًا﴾؛ أي: حزينًا بما فعلوا، روي أنه لما رجع موسى .. سمع الصياح، وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة.
والمعنى: فانصرف موسى إلى قومه بني إسرائيل، بعد انقضاء الليالي الأربعين، مغتاظًا من قومه، حزينًا لما أحدثوا من بعده من الكفر بالله.
﴿قَالَ﴾ لهم موسى ﴿يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ بأن يعطيكم التوراة فيها ما فيها من النور والهدى، والاستفهام هنا تقريري خلافًا لما قاله بعضهم من أنه إنكاري، فإنه غير صواب؛ أي: وعدكم وعدًا صادقًا، بحيث لا سبيل لكم إلى إنكاره، فقد وعدكم بإنزال الكتاب الهادي إلى الشرائع والأحكام، ووعدكم
стр. 7689
الثواب العظيم في الآخرة بقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ ووعدكم أنكم ستملكون أرض الجبارين ودياهم.
قال في "بحر العلوم" ﴿وَعْدًا حَسَنًا﴾؛ أي: متناهياً في الحسن، فإنه تعالى وعدهم أن يعطيهم التوراة، التي فيها هدًى ونور، ولا وعد أحسن من ذلك وأجمل.
وفيه إشارة (١) إلى أن الله تعالى إذا وعد قومًا .. لا بد له من الوفاء بالوعد، فيحتمل أن يكون ذلك الوفاء فتنة للقوم، وبلاءً لهم، كما كان لقوم موسى، إذ وعدهم الله بإيتاء التوراة، ومكالمته موسى وقومه السعبين المختارين، فلما وفي به .. تولدت لهم الفتنة والبلاء من وفائه، وهي الضلال وعبادة العجل، ولكن الوعد لما كان موصوفًا بالحسن .. كان البلاء الحاصل من الوعد الحسن بلاءً حسنًا، وكان عاقبة أمرهم التوبة والنجاة، ورفعة الدرجات.
و (الهمزة) في قوله: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ للاستفهام الإنكاري: داخلة على محذوف و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أوعدكم وعدًا حسنًا، فطال عليكم زمان إنجاز العهد، فأخطأتم بسببه ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ﴾ وقصدتم ﴿أَنْ يَحِلّ﴾ وينزل ﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ﴾؛ أي: عذاب عظيم، وانتقام شديد، كائن ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: من مالك أمركم على الإطلاق، بسبب عبادة ما هو مثل في الغباوة والبلادة؛ أي: أم أردتم أن تفعلوا فعلًا يكون سبب حلول غضب الله عليكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾؛ أي: وعدكم إياي بالثبات على ما أمرتكم به إلى أن أرجع من الميقات، على إضافة المصدر إلى مفعوله، و (الفاء) لترتيب ما بعدها على كل واحد، من شقي الترديد على سبيل البدل، كأنه قيل: أنسيتم الوعد بطول العهد، فاخلفتموه خطأ، أم أردتم حلول الغضب عليكم، فأخلفتموه عمدًا.
لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله إلى أن يرجع إليهم من الطور،
٨٧ - وقيل: وعدوه أن يأتوا على أثره إلى الميقات، فتوقفوا، فأجابوه و ﴿قَالُوا
стр. 7690
مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾؛ أي: وعدنا إياك الثبات على ما أمرتنا به ﴿بِمَلْكِنَا﴾؛ أي: بقدرتنا واختيارنا.
لكن غلبنا من كيد السامري وتسويله، وذلك أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة .. لم يملك نفسه، ويكون مغلوبًا، والملك: القدرة.
والمعنى (١): أي قالوا: ما أخلفنا عهدك بالثبات على دينك، إلا لأنا لم نملك أمرنا، فلو خلينا وأنفسنا, ولم يسول لنا السامري ما سوله .. لما أخلفنا، وفي هذا إيماء إلى أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وأنهم لم يطيقوا حمل أنفسهم على الصواب، ومن ثم وقعوا فيما وقعوا فيه من الفتنة.
وقصارى كلامهم: أن السامري سول لنا ما سول، وغلب على عقولنا فخالفنا عهدك، وقرأ الأخوان (٢): الكسائي وحمزة، والحسن، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وقعنب: ﴿بِمَلْكِنَا﴾ بضم الميم، وقرأ زيد بن علي، ونافع، وعاصم، وأبو جعفر، وشيبة، وابن سعدان: بفتحها وباقي السبعة: بكسرها، وقرأ عمر ﵁: ﴿بِمَلَكِنَا﴾ بفتح الميم واللام، وحقيقته: بسلطاننا، فالملك والملك، بمنزلة النَّقَض والنَّقْض، والظاهر: أنها لغات، والمعنى واحد.
وفرق أبو علي، وغيره بين معانيها، فمعنى الملك بالضم: السلطان والقدرة؛ أي: إنه لم يكن لنا ملك فتخلف موعدك بسلطانه، وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري، والملك بالفتح: المصدر، يقال: ملكت الشيء أملكه ملكًا، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وقفنا له، بل غلبتنا أنفسنا، والملك بالكسر: ما حوته اليد، وكثر استعماله فيما تحوزه اليد، ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان، ومعناها: كمعنى التي قبلها، والمصدر: في هذين الوجهين: مضاف إلى الفاعل، والمفعول: مقدر؛ أي: بملكنا الصواب
стр. 7691
وقال الزمخشري؛ أي: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا؛ أي: لو ملكنا أمرنا، وخلينا ورأينا .. ما أخلفناه، ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده.
واختلف فيمن قال هذا لموسى على قولين (١):
أحدهما: أنهم الذين لم يعبدوا العجل.
والثانى: عابدوه. ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾؛ أي: ولكنا أمرنا أن نحمل ﴿أَوْزَارًا﴾ وأحمالاً ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: من حلي القوم القبطيين، التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس، وفي الواقع: ليس للعرس؛ أي أمرنا موسى باستعارتها من آل فرعون، والخروج بها، وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم، أو وليمة، والأوزار: الأثقال أو الآثام، سمي به ما استعاروه من القبط لثقله، أو لسبب أنهم أثموا في ذلك باتخاذها عجلًا، أو بعدم ردهم العارية إلى أصحابها، وقيل: الأوزار: هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل، وسميت أوزارًا؛ أي: آثامًا؛ لأنه لا يحل لهم أخذها، ولا تحل لهم الغنائم في شريعتهم وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحفص، وأبو جعفر، ورويس، وشيبة، وحميد، ويعقوب: ﴿حُمِّلْنَا﴾ بضم الحاء وكسر الميم المشددة، وقرأ أبو رجاء: ﴿حملنا﴾ بضم الحاء وكسر الميم المخففة، وقرأ الأخوان: الكسائي، وحمزة، وأبو عمرو، وابن محيصن ﴿حملنا﴾ بفتح الحاء والميم مخففة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم؛ لأنهم حملوا حلية القوم معهم باختيارهم، وما حملوها كرهًا ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾؛ أي: فطرحنا تلك الزينة والحلي في النار، أو في (٢) الحفيرة، أوقدت فيها النار طلبًا للخلاص من إثمها، وكان أشار عليهم بذلك السامري، فحفرت حفرة وسجرت فيها النار، وقذف كل من معه شيء ما عنده من ذلك في النار، وقذت السامري ما معه فيها، وقيل: المعنى طرحناها إلى السامري لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى في رأيه.
стр. 7692
﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ما عنده من الحلي في النار، ومعنى ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل (١) قذفنا إياها ألقى السامري ما كان معه في النار، أراهم أنه يُلقي حليًا في يده مثل ما ألقوا، وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطىء حيزوم - فرس جبريل ﵇ أوحى إليه وليه الشيطان أنها إذا خالطت مواتًا صار حيوانًا
٨٨ - ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾؛ أي: للقائلين، السامريُّ من الحفيرة ﴿عِجْلًا﴾ أي: تبيعًا خلقه الله تعالى من الحلي، التى سبكتها النار، والعجل: ولد البقرة ﴿جَسَدًا﴾ بدل من عجلًا؛ أي: جثةً ذا دم ولحم وعظم، أو جسدًا من ذهب لا روح له، ولا امتناع في ظهور الخارق على يد الضال ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك العجهل ﴿خُوَارٌ﴾؛ أي: صياح نعت ﴿عِجْلًا﴾ يقال: خار العجل يخور خوارًا: إذا صاح؛ أي: له صوت العجاجيل، فسجدوا له، وقيل: خواره كان بالريح؛ لأنه كان عمل فيه خروقاً، فإذا دخلت الريح في جوفه .. خار، ولم يكن فيه حياة ﴿فَقَالُوا﴾؛ أي: قال السامري ومن وافقه أول ما رأوا لمن توقف من بني إسرائيل ﴿هَذَا﴾ العجل ﴿إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾؛ أي: فضَّل (٢) موسى وأخطأ، ولم يعلم مكان إلهه هذا، وذهب يطلبه في الطور، وقيل: المعنى: فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم، وقيل: الناسى السامري؛ أي: ترك السامري ما أمر به موسى من الإيمان وضل، كذا قال ابن الأعرابي، وقيل: فنسي السامري أن العجل لا يرجع إليهم قولًا، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا.
٨٩ - (الهمزة) في قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ للاستفهام التوبيخي: داخلة على محذوف معلوم من السياق (الفاء) عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا يتفكرون فلا يرون ﴿أَنْ﴾ مخففة من الثقيلة؛ أي: أنه ﴿لا يرجع﴾ العجل ﴿إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ ولا كلامًا ولا جوابًا؛ أي: ألا يتفكر السامري وأصحابه، فلا يعلمون أن العجل لا يرجع إليهم قولًا من الأقوال، وقرأ الجمهور: برفع ﴿يَرْجِعُ﴾ وقرأ أبو حيوة ﴿أن لا يرجع﴾ بنصب العين، ووافقه على ذلك الزعفراني، وابن صبيح، وأبان،
стр. 7693
والشافعي محمد بن إدريس الإِمام المطلبي، جعلوها ﴿أَنْ﴾ الناصبة للمضارع، وتكون الرؤية من الإبصار؛ أي: ألا ينظرون فلا يبصرون عدم رجعه إليهم قولًا من الأقوال، فقوله (١) ﴿يَرْجِعُ﴾: من المرجع المتعدي بمعنى الإعادة، لا من الرجوع اللازم بمعنى العود، والمعنى؛ أي: أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجلى لا يرجع إليهم قولًا؛ أي: لا يرد عليهم جوابًا، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتوهمون أنه إله، وهو عاجز عن المكالمة.
وجملة قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ﴾ العجل ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لعابديه ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ معطوفة (٢) على جملة: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾؛ أي: أفلا يرون أنه لا يقدر على أن يدفع عنهم ضرًا، ولا يجلب لهم نفعًا، فيخافوه كما يخافون فرعون، ويرجون منه كما يرجون من فرعون، فكيف يقولون ذلك، وفي الكلام (٣) توبيخ لهم، إذ عبدوا ما لا يملك ضرًا من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وكان العجل فتنةً من الله تعالى ابتلى به بني إسرائيل.
قال في "التأويلات النجمية" (٤) فيه: إشارة إلى أن الله تعالى: إذا أراد أن يقضي قضاءً .. سلب ذوي العقول عقولهم، وأعمى أبصارهم بعد أن رأوا الآيات، وشاهدوا المعجزات، كأنهم لم يروا شيئًا فيها، فلهذا قال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ يعني: العجل وعجزه ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾؛ أي: شيئًا من القول ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ انتهى.
قال بعضهم:
أيَا سَامِعَاً لَيْسَ السَّمَاعُ بِنَافِعٍ ... إِذَا أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا أَنْتَ سَامِعُ
إِذَا كُنْتَ في الدُّنْيَا مِنَ الْخَيْرِ عَاجِزَاً ... فَمَا أَنْتَ فِيْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ صَانِعُ
стр. 7694
الإعراب
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على فرعون، والجملة: مستأنفة ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿آمَنْتُمْ﴾ (الهمزة): فيه للاستفهام التوبيخي، حذفت الهمزة الأولى، وسهلت الثانية، وهو فعل وفاعل ﴿لَهُ﴾ متعلق به ﴿قَبْلَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿آذَنَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ وفاعله ضمير يعود على فرعون ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به والمصدر المؤول من ﴿أَنْ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿قَبْلَ﴾ تقديره: قبل إذني ﴿لَكُمْ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ (اللام): حرف ابتداء ﴿كبير﴾ خبر ﴿إن﴾ مرفوع و (الكاف): مضاف إليه، وجملة: ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾ ﴿عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾: فعل ومفعولان، وفاعله: ضمير يعود على الموصول، والجمله: صلة الموصول ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ﴾ ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيان شأني فيكم .. فأقول لكم و (اللام): موطئة للقسم ﴿أقطعنّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير يعود على فرعون ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾: مفعول به ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: معطوف عليه ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾ جار ومجرور حال من الأيدي والأرجل، أي: حالة كونها مختلفات في الاسم والصفة، والجملة الفعلية: جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ (الواو): عاطفة و (اللام): موطئة للقسم ﴿أصلبن﴾ فعل مضارع مبني على الفتح، و (الكاف): مفعول به، وفاعله: ضمير يعود على فرعون، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿لأقطعن﴾ علي كونها جواب القسم ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أصلبن﴾.
стр. 7695
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ (الواو): عاطفة و (اللام) موطئة للقسم ﴿تعلمن﴾: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة، لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكين, في محل الرفع فاعل، أصله: لتعلمونن، حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، والواو لالتقاء الساكنين، فصار ﴿تعلمُن﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿لأقطعن﴾. ﴿أَيُّنَا﴾ ﴿أي﴾: اسم استفهام مبتدأ مرفوع، و (نا) مضاف إليه ﴿أَشَدُّ﴾ خبره ﴿عَذَابًا﴾ تمييز محول عن المبتدأ، منصوب باسم التفضيل ﴿وَأَبْقَى﴾: معطوف على ﴿أَشَدُّ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب، سادة مسد المفعولين لعلم إن كانت على بابها، أو مسد المفعول الواحد، إن كانت عرفانية؛ لأن الفعل علق بـ ﴿أي﴾ الاستفهامية، ويجوز (١) على جعلها عرفانية، أن تكون ﴿أي﴾ موصولةً بمعنى الذي، وبنيت لأنها قد أضيفت، وحذف صدر صلتها و ﴿أَشَدُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة الاسمية، صلة: ﴿أي﴾ الموصولة و ﴿أي﴾: الموصولة في محل النصب مفعول به لعلم العرفانية، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ في أحد أوجهه، كما تقدم.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا﴾ إلى موسى مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وان شئت قلت: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾: ناصب وفعل ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على السحرة، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾: ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُؤْثِرَكَ﴾. ﴿جَاءَنَا﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾ والجملة: صلة الموصول ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿جَاءَنَا﴾. ﴿وَالَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿مَا﴾ وأخروا ذكر الباري من باب تقديم الأدنى على الأعلى
стр. 7696
﴿فَطَرَنَا﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر، والجملة: صلة الموصول، ويحتمل أن تكون (الواو) في ﴿وَالَّذِي﴾ للقسم، ﴿الَّذِي﴾ مجرور بواو القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره نقسم ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ وجواب القسم: محذوف، تقديره: لن نؤثرك، وجملة القسم: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَاقْضِ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره. إذا عرفت ما قلنا لك، وأردت بيان غاية ما نقول لك .. فنقول لك ﴿اقض ما أنت قاض﴾ ﴿اقض﴾: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على فرعون و ﴿مَا﴾: مفعول به ﴿أَنْتَ قَاضٍ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما أنت قاضيه، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿تَقْضِي﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على فرعون، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿هَذِهِ﴾ ظرف زمان في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بـ ﴿تَقْضِي﴾. ﴿الْحَيَاةَ﴾: بدل من اسم الإشارة ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةَ﴾، ومفعول ﴿تَقْضِي﴾ هو محذوف تقديره، إنما تقضي غرضك في هذه الحياة الدنيا، ويجوز (١): أن تكون ﴿الْحَيَاةَ﴾ مفعول به على الاتساع، ويجوز أن تكون ما في ﴿إِنَّمَا﴾: مصدرية، وجملة ﴿تَقْضِي﴾ مع ﴿مَا﴾ في تأويل مصدر منصوب على كونه اسم ﴿إن﴾ والخبر الظرف، والتقدير: إن قضاءك كائن في هذه الحياة الدنيا فقط، بمعنى إن لك الدنيا فقط، ولنا الآخرة اهـ "سمين" ويجوز كونها موصولة اسم ﴿إن﴾ وعائدها: محذوف؛ أي: إن الذي تقضيه كائن في الحياة الدنيا.
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾.
﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل ﴿بِرَبِّنَا﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾
стр. 7697
والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لِيَغْفِرَ﴾ (اللام) حرف جر وتعليل ﴿يغفر﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله: ضمير يعود على الله ﴿لَنَا﴾: متعلق بـ ﴿يغفر﴾ ﴿خَطَايَانَا﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لغفرانه لنا خطايانا، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾. ﴿وَمَا﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿خَطَايَانَا﴾. ﴿أَكْرَهْتَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة: صلة الموصول ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَكْرَهْتَنَا﴾ وهو العائد على ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿مِنَ السِّحْرِ﴾: جار ومجرور حال من الضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ أو من ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿وَأَبْقَى﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾.
﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الجواب، أو الشرط، أو هما ﴿يَأْتِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿رَبَّهُ﴾: مفعول به ﴿مُجْرِمًا﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتِ﴾. ﴿فَإِنَّ﴾ (الفاء) رابطة لجواب من الشرطية ﴿إن﴾: حرف نصب وتوكيد ﴿لَهُ﴾ خبر ﴿إن﴾ مقدم على اسمها ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمها مؤخر، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة: ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لَا يَمُوت﴾: ناف وفعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَمُوتُ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من ضمير ﴿لَهُ﴾: أو من ﴿جَهَنَّمَ﴾ وجملة ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا يَمُوتُ﴾.
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الجواب، أو الشرط، أو هما ﴿يَأْتِهِ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على
стр. 7698
كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿مُؤْمِنًا﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتِ﴾ ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾: فعل ومفعول، وفاعل: مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة: في محل النصب صفة لـ ﴿مُؤْمِنًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ (الفاء) رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية ﴿أولئك﴾: مبتدأ أول ﴿لَهُمُ﴾: خبر مقدم ﴿الدَّرَجَاتُ﴾: مبتدأ ثان مؤخر ﴿الْعُلَى﴾ صفة ﴿الدَّرَجَاتُ﴾ والجملة: من المبتدأ الثاني، وخبره: في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول وخبره: في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الأولى.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾.
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾: بدل من ﴿الدَّرَجَاتُ﴾ أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هي ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ متعلق به ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل والجملة الفعلية: في محل الرفع صفة لـ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من ﴿أولئك﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية: مستأنفة، في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول في محل الجر مضاف إليه، وجملة ﴿تَزَكَّى﴾: صلته.
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية و (اللام) موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية: جواب القسم، وجملة القسم: مستأنفة ﴿إِلَى مُوسَى﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَوْحَيْنَا﴾ ﴿أَنْ﴾: مفسرة بمعنى، أي: ﴿أَسْرِ﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مفسرة لجملة ﴿أَوْحَيْنَا﴾. ﴿بِعِبَادِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَسْرِ﴾ ﴿فَاضْرِبْ﴾ (الفاء) عاطفة ﴿اضرب﴾: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَسْرِ﴾. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿اضرب﴾: قائم مقام المفعول الثاني؛ لأن ضرب هنا بمعنى جعل ﴿طَرِيقًا﴾
стр. 7699
مفعول به أول ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ صفة أولى لـ ﴿طَرِيقًا﴾. ﴿يَبَسًا﴾: صفة ثانية له وهو وصف له بما يؤول إليه ﴿لَا﴾: نافية ﴿تَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿دَرَكًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب حال من فاعل ﴿اضرب﴾؛ أي: اضرب لهم طريقًا حالة كونك غير خائف، أو صفة لـ ﴿طَرِيقًا﴾ والعائد: محذوف؛ أي: ﴿لَا تَخَافُ﴾ فيه أو هي: جملة مستأنفة، وجملة: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ معطوفة على جملة ﴿لَا تَخَافُ﴾.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿أتبعهم﴾: فعل ومفعول ﴿فِرْعَوْنُ﴾ فاعل ﴿بِجُنُودِهِ﴾: جار ومجرور حال من فرعون؛ أي: حالة كونه متلبسًا بجنوده والجملة الفعلية: معطوفة على محذوف تقديره، ففعل موسى ما أمر به من الإسراء بهم، وضرب البحر، وسلوكه فتبعهم فرعون حالة كونه مصاحبًا بجنوده وأعوانه، حتى لحقوهم.
﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾.
﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿غَشِيَهُمْ﴾: فعل ومفعول ﴿مِنَ الْيَمِّ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَا﴾ الموصولة المذكورة بعده ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿غَشِيَهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾ والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، وجملة ﴿غشي﴾ الأولى: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾. ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ﴾ فعل وفاعل ﴿قَوْمَهُ﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ ولكن في الكلام تقديم وتأخير؛ لأن إضلاله قومه كان قبل الغرق طبعًا ﴿وَمَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿مَا﴾ نافية ﴿هَدَى﴾: فعل ماض، وفاعله، ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿أضل﴾. ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيل﴾: منادى مضاف، وجملة: النداء مقول لقول محذوف، تقديره: وقلنا لهم بعد إغراق فرعون: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيل﴾. ﴿قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: في محل النصب مقول للقول المحذوف، على كونها
стр. 7700
جواب النداء ﴿مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْجَيْنَاكُمْ﴾. ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول معطوف على ﴿أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ ﴿جَانِبَ الطُّورِ﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: إتيان جانب الطور، ولا يكون ظرفًا لأنه محدود ﴿الْأَيْمَنَ﴾: صفة لـ ﴿جَانِبَ﴾. ﴿وَنَزَّلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿واعدنا﴾ ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿نزلنا﴾. ﴿الْمَنَّ﴾: مفعول به ﴿وَالسَّلْوَى﴾: معطوف على ﴿الْمَنَّ﴾.
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾.
﴿كُلُوا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: وقلنا لهم: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ﴿طَيِّبَاتِ﴾: مضاف ﴿مَا﴾: مضاف إليه ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد: محذوف تقديره، ما رزقناكموه ﴿وَلَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾ ناهية جازمة ﴿تَطْغَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿كُلُوا﴾ ﴿فَيَحِلَّ﴾ (الفاء): عاطفة سببية ﴿يَحِلَّ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية، الواقعة في جواب النهي ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به ﴿غَضَبِي﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها، من غير سابك، لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن طغيانكم فيه فحلول غضبي عليكم ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ (الواو): استئنافية ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الجواب، أو الشرط، أو هما ﴿يَحْلِلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به ﴿غَضَبِي﴾: فاعل ومضاف إليه ﴿فَقَدْ﴾ (الفاء): رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، لاقترانه بـ ﴿قد﴾. ﴿قد﴾ حرف تحقيق ﴿هَوَى﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه جواب شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَن﴾ وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾.
стр. 7701
﴿وَإِنِّي﴾ الواو: عاطفة ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿لَغَفَّارٌ﴾ (اللام): حرف ابتداء ﴿غفار﴾ خبر إن ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿غفار﴾ وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الشرطية ﴿تَابَ﴾: فعل وفاعل مستتر، والجملة: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة وجملة: ﴿وآمن عمل﴾ معطوفة على جملة ﴿تَابَ﴾. ﴿صَالِحًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: عملًا صالحًا، أو مفعول به ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿اهْتَدَى﴾: فعل ماض معطوف على ﴿وَعَمِلَ﴾ وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾.
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ الواو: عاطفة لقول محذوف معطوف على فعل محذوف، تقديره: فسار موسى إلى موعد الميقات مع قومه، فجاء وحده مستعجلاً، وقلنا له: ﴿ما أعجلك﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخي المضمّن للإنكار، في محل الرفع مبتدأ ﴿أَعْجَلَكَ﴾: فعل ماض ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿عَنْ قَوْمِك﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول قلنا، وجملة: قلنا: معطوفة على الجملة المحذوفة التي قدرناها آنفًا ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، في محل النصب على المفعولية، وجملة النداء: في محل النصب مقول لقلنا ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿يَا مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿أُولَاءِ﴾: خبره ﴿عَلَى أَثَرِي﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثان للمبتدأ، أو حال من الخبر، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَعَجِلْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية، في محل النصب معطوفة على الجملة الاسمية، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لِتَرْضَى﴾ (اللام) حرف جر وتعليل، ﴿ترضى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل
стр. 7702
مصدر مجرور باللام، تقديره: لرضاك عني، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿عجلت﴾.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿فَإِنَّا﴾ (الفاء): فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قلت لك، وأردت بيان حال قومك .. فأقول لك ﴿إنا﴾. ﴿إنا﴾: ناصب واسمه ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿فَتَنَّا قَوْمَك﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: متعلق بـ ﴿فتنا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب. مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾.
﴿فَرَجَعَ﴾ (الفاء): عاطفة مجردة عن التعقيب ﴿رَجَعَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أضل﴾. ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾: متعلق بـ ﴿رجع﴾. ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾: حالان من ﴿مُوسَى﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿يَا قَوْم﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة، للاستفهام التقريري، وأخطأ من قال: إنها للاستفهام الإنكاري ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول أول وفاعل، مجزوم بـ ﴿لم﴾ والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إعطاء التوراة ﴿وَعْدًا﴾: مفعول مطلق ﴿حَسَنًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَفَطَالَ﴾ (الهمزة) للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف و (الفاء) عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أوعدكم ربكم وعدًا حسنًا، فطال عليكم العهد ﴿طال﴾: فعل ماض ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلق به ﴿الْعَهْدُ﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والجملة
стр. 7703
المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف معادل للهمزة ﴿أَرَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿طال﴾. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ﴿يَحِلَّ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به ﴿غَضَبٌ﴾: فاعل ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة لـ ﴿غَضَبٌ﴾ والجملة الفعلية، مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أم أردتم حلول غضب من ربكم عليكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿أخلفتم﴾: فعل وفاعل ﴿مَوْعِدِي﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَرَدْتُمْ﴾.
﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿مَا﴾: نافية ﴿أَخْلَفْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿مَوْعِدَكَ﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بِمَلْكِنَا﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿أَخْلَفْنَا﴾؛ أي: ما أخلفنا موعدك حال كوننا مالكين أمرنا, ولكنا غلبنا على أمرنا، من جهة السامري وكيده، ﴿وَلَكِنَّا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لكنا﴾: ناصب واسمه ﴿حُمِّلْنَا﴾: فعل ونائب فاعل ﴿أَوْزَارًا﴾ مفعول ثان ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لـ ﴿أَوْزَارًا﴾ والجملة الاستدراكية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَخْلَفْنَا﴾. ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قذفناها﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿حُمِّلْنَا﴾. ﴿فَكَذَلِكَ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿كذلك﴾ جار ومجرور صفة لمصدر محذوف ﴿أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على قذفنا والتقدير: فالقى السامري إلقاء مثل إلقائنا.
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾.
﴿فَأَخْرَجَ﴾ الفاء: عاطفة ﴿أخرج﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿السَّامِرِيُّ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أخرج﴾. ﴿عِجْلًا﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ لئلا يتوهم أنه من كلامهم، وما
стр. 7704
بينهما اعتراض ﴿جَسَدًا﴾: بدل من ﴿عِجْلًا﴾. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ﴿خُوَارٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل النصب صفة لـ ﴿جَسَدًا﴾ ﴿فَقَالُوا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ ﴿إِلَهُكُمْ﴾: خبر ﴿وَإِلَهُ مُوسَى﴾: معطوف عليه، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿فَنَسِيَ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿نسي﴾ فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ﴾. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ (الهمزة) فيه للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، معلوم من السياق (والفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا يتفكرون فلا يرون، والجملة المحذوفة: مستأنفة ﴿لا﴾ نافية ﴿يَرَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن؛ أي: أنه لا يرجع: ﴿لا﴾ نافية ﴿يَرْجِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على العجل ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿قَوْلًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يَرَوْنَ﴾ إن كانت بصرية، أو ساد مسد مفعولي ﴿يَرَوْنَ﴾ إن كانت علمية، تقديره: أفلا يرون عدم رجوعه إليهم قولًا ﴿وَلَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على العجل ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمْلِكُ﴾. ﴿ضَرًّا﴾: مفعول به ﴿وَلَا نَفْعًا﴾: معطوف على ﴿ضَرًّا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لا يرجع﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أصله (١): أأمن كأكرم، قلبت الهمزة الثانية ألفًا على القاعدة في اجتماع الهمزتين، ثم أُدخلت عليه همزة الاستفهام، فصار في الكلمة همزتان: غير المنقلبة ألفًا فإما أن يقرأ بتحقيقهما، وإما أن يُقرأ بحذف الأولى، التي هي همزة الاستفهام ﴿طَرِيقًا﴾ والمراد بالطريق: جنسه، فإن الطريق كانت
стр. 7705
ثنتى عشرة، بعدد أسباط بني إسرائيل ﴿يَبَسًا﴾ قيل: هو في الأصل: مصدر وصف به مبالغة، أو على حذف مضاف، أو جمع: يابس كخادم وخدم، وصف به الواحد مبالغة، قال في "القاموس": يبس الشيء ييبس: من بابي علم وحسب يبسًا ويبسًا، واتبس كان رطبًا، فجف فهو: يبس ويبس ويابس ويبوس ويبيس وأبيس ﴿دَرَكًا﴾ بفتحتين؛ أي: أن يدركك فرعون وجنوده، والدرك بفتح الدال، وسكون الراء، وبفتحتين: اللحاق، وإدراك الحاجة، وأقصى قعر الشيء يقال: بلغ الغواص درك البحر، ويقال: فرس درك الطريدة؛ أي: يدركها، ومنه قولهم: ما لحقك من درك فعلي خلاصه.
﴿وَلَا تَخْشَى﴾ (١) يقرأ إلا بإثبات الألف، وكان من حق من قرأ لا تخف جزمًا أن يقرأ ﴿لا تخشى﴾ بحذفها، كذا قاله بعضهم، وليس بشيءٍ لأن القراءة سنة متبعة، وفيها أوجه:
أحدها: أن يكون حالًا، وفيه إشكال وهو: أن المضارع المنفي بلا، كالمثبت في عدم مباشرة الواو له، وتأويله على حذف مبتدأ؛ أي: وأنت ﴿لا تخشى﴾.
والثاني: أنه مستأنف، أخبره تعالى أنه لا يحصل له خوف.
والثالث: أنه مجزوم بحذف الحركة تقديرًا، ومثله فلا تنسى في أحد القولين، إجراءً لحرف العلة مجرى الحرف الصحيح.
والرابع: أنه مجزوم أيضًا بحذف حرف العلة، وهذه الألف ليست تلك, أعني: لام الكلمة، وإنما هي ألف إشباعٍ أتي بها موافقةً للفواصل ورؤوس الآي، فهي كالألف في قوله: ﴿الرسولا﴾ و ﴿السَّبِيلَا﴾ و ﴿الظُّنُونَا﴾ وهذه الأوجه إنما يحتاج إليها في قراءة جزم ﴿لا تخف﴾ وأما من قرأه مرفوعًا .. فهذا معطوف عليه اهـ "سمين".