← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

﴿وَإِنِّي﴾ الواو: عاطفة ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿لَغَفَّارٌ﴾ (اللام): حرف ابتداء ﴿غفار﴾ خبر إن ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿غفار﴾ وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الشرطية ﴿تَابَ﴾: فعل وفاعل مستتر، والجملة: صلة ﴿مَن﴾ الموصولة وجملة: ﴿وآمن عمل﴾ معطوفة على جملة ﴿تَابَ﴾. ﴿صَالِحًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: عملًا صالحًا، أو مفعول به ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿اهْتَدَى﴾: فعل ماض معطوف على ﴿وَعَمِلَ﴾ وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾. ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ الواو: عاطفة لقول محذوف معطوف على فعل محذوف، تقديره: فسار موسى إلى موعد الميقات مع قومه، فجاء وحده مستعجلاً، وقلنا له: ﴿ما أعجلك﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخي المضمّن للإنكار، في محل الرفع مبتدأ ﴿أَعْجَلَكَ﴾: فعل ماض ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿عَنْ قَوْمِك﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول قلنا، وجملة: قلنا: معطوفة على الجملة المحذوفة التي قدرناها آنفًا ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، في محل النصب على المفعولية، وجملة النداء: في محل النصب مقول لقلنا ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿يَا مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿أُولَاءِ﴾: خبره ﴿عَلَى أَثَرِي﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ثان للمبتدأ، أو حال من الخبر، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَعَجِلْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية، في محل النصب معطوفة على الجملة الاسمية، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لِتَرْضَى﴾ (اللام) حرف جر وتعليل، ﴿ترضى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل

стр. 7702

مصدر مجرور باللام، تقديره: لرضاك عني، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿عجلت﴾. ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿فَإِنَّا﴾ (الفاء): فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قلت لك، وأردت بيان حال قومك .. فأقول لك ﴿إنا﴾. ﴿إنا﴾: ناصب واسمه ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿فَتَنَّا قَوْمَك﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ بَعْدِكَ﴾: متعلق بـ ﴿فتنا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب. مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾. ﴿فَرَجَعَ﴾ (الفاء): عاطفة مجردة عن التعقيب ﴿رَجَعَ مُوسَى﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أضل﴾. ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾: متعلق بـ ﴿رجع﴾. ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾: حالان من ﴿مُوسَى﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿يَا قَوْم﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة، للاستفهام التقريري، وأخطأ من قال: إنها للاستفهام الإنكاري ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول أول وفاعل، مجزوم بـ ﴿لم﴾ والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إعطاء التوراة ﴿وَعْدًا﴾: مفعول مطلق ﴿حَسَنًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَفَطَالَ﴾ (الهمزة) للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف و (الفاء) عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أوعدكم ربكم وعدًا حسنًا، فطال عليكم العهد ﴿طال﴾: فعل ماض ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلق به ﴿الْعَهْدُ﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والجملة

стр. 7703

المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف معادل للهمزة ﴿أَرَدْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿طال﴾. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ﴿يَحِلَّ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به ﴿غَضَبٌ﴾: فاعل ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾: صفة لـ ﴿غَضَبٌ﴾ والجملة الفعلية، مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أم أردتم حلول غضب من ربكم عليكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿أخلفتم﴾: فعل وفاعل ﴿مَوْعِدِي﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَرَدْتُمْ﴾. ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿مَا﴾: نافية ﴿أَخْلَفْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿مَوْعِدَكَ﴾: مفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿بِمَلْكِنَا﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿أَخْلَفْنَا﴾؛ أي: ما أخلفنا موعدك حال كوننا مالكين أمرنا, ولكنا غلبنا على أمرنا، من جهة السامري وكيده، ﴿وَلَكِنَّا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لكنا﴾: ناصب واسمه ﴿حُمِّلْنَا﴾: فعل ونائب فاعل ﴿أَوْزَارًا﴾ مفعول ثان ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لـ ﴿أَوْزَارًا﴾ والجملة الاستدراكية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَخْلَفْنَا﴾. ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قذفناها﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿حُمِّلْنَا﴾. ﴿فَكَذَلِكَ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿كذلك﴾ جار ومجرور صفة لمصدر محذوف ﴿أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾: فعل وفاعل والجملة معطوفة على قذفنا والتقدير: فالقى السامري إلقاء مثل إلقائنا. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾. ﴿فَأَخْرَجَ﴾ الفاء: عاطفة ﴿أخرج﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿السَّامِرِيُّ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أخرج﴾. ﴿عِجْلًا﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ لئلا يتوهم أنه من كلامهم، وما

стр. 7704

بينهما اعتراض ﴿جَسَدًا﴾: بدل من ﴿عِجْلًا﴾. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ﴿خُوَارٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل النصب صفة لـ ﴿جَسَدًا﴾ ﴿فَقَالُوا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ ﴿إِلَهُكُمْ﴾: خبر ﴿وَإِلَهُ مُوسَى﴾: معطوف عليه، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿فَنَسِيَ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿نسي﴾ فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ﴾. ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ (الهمزة) فيه للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، معلوم من السياق (والفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا يتفكرون فلا يرون، والجملة المحذوفة: مستأنفة ﴿لا﴾ نافية ﴿يَرَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على تلك المحذوفة ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها: ضمير الشأن؛ أي: أنه لا يرجع: ﴿لا﴾ نافية ﴿يَرْجِعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على العجل ﴿إِلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَرْجِعُ﴾. ﴿قَوْلًا﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ المخففة، وجملة ﴿أن﴾ المخففة: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يَرَوْنَ﴾ إن كانت بصرية، أو ساد مسد مفعولي ﴿يَرَوْنَ﴾ إن كانت علمية، تقديره: أفلا يرون عدم رجوعه إليهم قولًا ﴿وَلَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَمْلِكُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على العجل ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَمْلِكُ﴾. ﴿ضَرًّا﴾: مفعول به ﴿وَلَا نَفْعًا﴾: معطوف على ﴿ضَرًّا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لا يرجع﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أصله (١): أأمن كأكرم، قلبت الهمزة الثانية ألفًا على القاعدة في اجتماع الهمزتين، ثم أُدخلت عليه همزة الاستفهام، فصار في الكلمة همزتان: غير المنقلبة ألفًا فإما أن يقرأ بتحقيقهما، وإما أن يُقرأ بحذف الأولى، التي هي همزة الاستفهام ﴿طَرِيقًا﴾ والمراد بالطريق: جنسه، فإن الطريق كانت

стр. 7705

ثنتى عشرة، بعدد أسباط بني إسرائيل ﴿يَبَسًا﴾ قيل: هو في الأصل: مصدر وصف به مبالغة، أو على حذف مضاف، أو جمع: يابس كخادم وخدم، وصف به الواحد مبالغة، قال في "القاموس": يبس الشيء ييبس: من بابي علم وحسب يبسًا ويبسًا، واتبس كان رطبًا، فجف فهو: يبس ويبس ويابس ويبوس ويبيس وأبيس ﴿دَرَكًا﴾ بفتحتين؛ أي: أن يدركك فرعون وجنوده، والدرك بفتح الدال، وسكون الراء، وبفتحتين: اللحاق، وإدراك الحاجة، وأقصى قعر الشيء يقال: بلغ الغواص درك البحر، ويقال: فرس درك الطريدة؛ أي: يدركها، ومنه قولهم: ما لحقك من درك فعلي خلاصه. ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ (١) يقرأ إلا بإثبات الألف، وكان من حق من قرأ لا تخف جزمًا أن يقرأ ﴿لا تخشى﴾ بحذفها، كذا قاله بعضهم، وليس بشيءٍ لأن القراءة سنة متبعة، وفيها أوجه: أحدها: أن يكون حالًا، وفيه إشكال وهو: أن المضارع المنفي بلا، كالمثبت في عدم مباشرة الواو له، وتأويله على حذف مبتدأ؛ أي: وأنت ﴿لا تخشى﴾. والثاني: أنه مستأنف، أخبره تعالى أنه لا يحصل له خوف. والثالث: أنه مجزوم بحذف الحركة تقديرًا، ومثله فلا تنسى في أحد القولين، إجراءً لحرف العلة مجرى الحرف الصحيح. والرابع: أنه مجزوم أيضًا بحذف حرف العلة، وهذه الألف ليست تلك, أعني: لام الكلمة، وإنما هي ألف إشباعٍ أتي بها موافقةً للفواصل ورؤوس الآي، فهي كالألف في قوله: ﴿الرسولا﴾ و ﴿السَّبِيلَا﴾ و ﴿الظُّنُونَا﴾ وهذه الأوجه إنما يحتاج إليها في قراءة جزم ﴿لا تخف﴾ وأما من قرأه مرفوعًا .. فهذا معطوف عليه اهـ "سمين".

стр. 7706

﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ وأتبع وتبع بمعنى واحد ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾؛ أي: فغمرهم وعلاهم من البحر ما علاهم من الأمر الهائل، الذي لا يعلم كنهه إلا الله ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾؛ أي: سلك بهم مسلكًا، أداهم إلى الخسران في دينهم ودنياهم، إذ أغرقوا فأدخلوا نارًا ﴿وَمَا هَدَى﴾؛ أي: وما أرشدهم إلى طريق يصل إليهم إلى طريق السعادة ﴿الْأَيْمَنَ﴾؛ أي: الجانب الذي عن يمين من ينطلق من مصر إلى الشام ﴿الْمَنَّ﴾: نوع من الحلوى، يسمى الترنجبين كما مر ﴿وَالسَّلْوَى﴾: طائر شبيه بالسماني ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾؛ أي: فلا تأخذوه من غير حاجة إليه ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾؛ أي: ينزل بكم سخطي ﴿هَوَى﴾ سقط وهلك ﴿غفار﴾؛ أي: كثير المغفرة والستر للذنوب ﴿اهْتَدَى﴾؛ أي: لزم الهداية واستقام ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ يقال: جاء على أثره بفتحتين، وبكسر فسكون: إذا جاء لاحقاً به بلا تأخر، والأثر: الخبر، وبقية الشيء، والجمع: آثار وأثور، وخرج في أثره وإثره؛ أي: بعده، وائتثره وتأثره تبع أثره ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾؛ أي: اختبرناهم ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾؛ أي: أوقعهم في الضلال والخسران، والسامري: من شعب بني إسرائيل، من بطن يقال له: السامرة، واسمه موسى بن ظفر، وقيل: إنه ابن زنا رمته أمه في الجبل بعد وضعه، وقد قيل فيه وفي موسى بن عمران وَمُوْسَى الَّذِيْ رَبَّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلٌ ... وَمُوْسَى الَّذِيْ رَبَّاهُ جِبْرِيْلُ كَافِرُ وفي "القاموس": السامري: هو الذي عبد العجل، وكان علجًا من كرمان، أو عظيمًا من بني إسرائيل، يُنسب إلى قبيلة من بني إسرائيل، يقال لها: السامرة، نسبة إلى مقاطعةٍ في فلسطين. اهـ. والأسف: الحزين، والوعد الحسن: إعطاء التوراة التي فيها هدى ونور، والعهد: زمان الإنجاز ﴿مَوْعِدِي﴾؛ أي: وعدكم إياي بالثبات على الإيمان, وقيامكم بأداء ما أمرتم به من التكاليف ﴿بِمَلْكِنَا﴾؛ أي: بقدرتنا مصدر ملك وهو مثلث الميم، وفي "القاموس" وشرحه "التاج": ملك يملك من باب تعب ملكًا وملكًا وملكًا، بفتح الميم وضمها وكسرها، وملكةً ومملكةً بفتح اللام، ومملكة وملكة بضمها: الشيء احتواه قادرًا على التصرف والاستبداد به، وملك على

стр. 7707

القوم: استولى عليهم، وملك على فلان أمره: استولى عليه، وملك على نفسه: قدر على حبسها، وملك المرأة تزوجها. انتهى. ﴿أَوْزَارًا﴾؛ أي: أثقالاً، وأرادوا بها حلي القبط التي استعاروها منهم، وأرادوا بالأوزار، أنها آثام وتبعات؛ لأنهم استعاروها منهم، وليس لهم فيها حق ﴿خُوَارٌ﴾ بضم الخاء: صوت البقر والعجاجيل ﴿جَسَدًا﴾ وفي "المصباح": الجسد جمع أجساد، وهو الجثة، وعبَّر عنه بالجسد مع أنه لا يقال الجسد إلا للحيوان العاقل، وهو الإنس والجن والملائكة، تشبيهًا له بالعاقل، كأنه غاير البقر، ولا يقال الغير الحيوان العاقل: جسد إلا للزعفران، فيقال له: جساد بفتح الجيم، وإلا للدم إذا يبس فيقال له جاسد أيضًا. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستعارة المكنية التبعية في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ وتقريرها: أنه شبه استعلاء المصلوب على الجذوع، بظرفية المقبور في قبره، ثم استُعمل في المشبه ﴿فِي﴾ الموضوعة للمشبه به, أعني: الظرفية، فجرت الاستعارة في الاستعلاءِ, والظرفية، وبتبعيتها في لفظ على وفي وإذن، ففي على بابها من الظرفية، وهذا أصح الأقوال فيها، وقيل: إن ﴿فِي﴾ بمعنى على، فلا يكون في الكلام استعارة، وعبارة الدرديري في "شرحه" على "تحفة الأخواد": مثال الاستعارة في الحرف، استعارة لفظ ﴿فِي﴾ لمعنى على في قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾؛ أي: عليها، شبَّه الاستعلاء الكلي بالظرفية الكلية، بجامع التمكن في كل، واستُعير لفظ الظرفية للاستعلاء؛ أي: بقدر ذلك فسرى التشبيه من الكليات إلى الجزئيات، التي هي معاني الحروف، فاستُعير لفظ ﴿فِي﴾ الموضوعة لكل جزئي من الجزئيات الظرفية، لمعنى على وهو الاستعلاء الخاص؛ أي: المتعلق بالتصليب، والجذوع في هذا المثال.

стр. 7708

ومنها: الطباق بين ﴿يَمُوتُ﴾ و ﴿يَحْيَى﴾. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ وبين قوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَات ...﴾ إلخ. والمقابلة: هي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابل ذلك. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿يَبَسًا﴾ لأنه لم يكن حين خاطبه الله تعالى يبسًا، ولكن باعتبار ما يؤول إليه، كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وقد تقدم القول فيه مفصلاً. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ للتهويل؛ أي: علاهم وغمرهم من الأمر الهائل، الذي ليس في طوقهم احتماله، مما لا يمكن إدراك كنهه، ولا سبر غوره، وهو من جوامع الكلم التي يقل لفظها، ويتشعب القول في معناها. ومنها: الطباق بين ﴿وَأَضَلَّ﴾ و ﴿هَدَى﴾. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ لأن المواعدة كانت لموسى ﵇ لا لهم، فأضيفت إليهم لأدنى ملابسة؛ لأنه لما كانت المواعدة لإنزال كتاب بسببهم، إذ فيه صلاح دينهم ودنياهم وأخراهم .. أضيفت إليهم بهذه الملابسة، فهو من المجاز العقلي. اهـ "كرخي". ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ استعار لفظ الهوى، وهو: السقوط من علو إلى سفل، للهلاك والدمار. ومنها: صيغة المبالغة في قوله ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ﴾ أي كثير المغفرة للذنوب. ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (٨٣)﴾. فائدة: والاستفهام من الله تعالى لا يقع لاستدعاء المعرفة، ولكنه يخرج عن معناه الأصلي لأغراض أخر، تدرك من سياق الكلام، وقد أفاد السؤال هنا أغراضًا نوجزها فيما يلي:

стр. 7709

١ - تعريف المسؤول بما يجهله من أمور، وقد أراد سبحانه تعريفه بفتنة قومه، فقد قيل: إنهم كانوا نحو ست مئة ألف نفس، ما نجا منهم من عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفًا. ٢ - تبكيت المسؤول وتفهيمه، وتنبيهه إلى خطإ ما جاء به من ترك القوم، وإفساح المجال للسامري كي يضلهم؛ لأنه مغرق في الضلالة، وما هو في الإضلال. ٣ - تعليم المسول آداب السفر، وهي: أنه ينبغي لرئيس القوم أن يتأخر عنهم في المسير، ليكون نظره محيطًا بهم، ونافذاً فيهم، ومهيمنًا عليهم، وقاطعًا الطريق على كل فتنة قد تتسرب إلى صفوفهم. ومنها: إطلاق الماضي على المستقبل في قوله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ على حد قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7710

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْل ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بيَّن أن عبادتهم للعجل مخالفة لقضية العقل؛ لأنه لا يستجيب لهم دعاة، ولا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا .. أكد هذا وزاد عليهم في التشنيع ببيان أنهم قد عصوا الرسول الذي نبههم إلى خطإ ما

стр. 7711

فعلوا، ثم حكى معاتبة موسى لهارون على سكوته على بني إسرائيل، وهو يراهم يعبدون العجل، ثم ذكر أنه اعتذر له، ولكنه لم يقبل معذرته، ثم قص علينا ما قاله السامري، وما أنَّبه به موسى، وما عاقبه الله به في الدنيا والآخرة، وما صنعه موسى بالعجل من نسفه وإلقائه في البحر، ثم بيَّن لهم أن الإله الحق هو الذي يحيط علمه بما في السموات والأرض، لا ذاك الجماد الذي لا يضر ولا ينفع، ولا يرد جوابًا، ولا يسمع خطابًا. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) لما شرح قصص موسى ﵇ مع فرعون أولًا، ثم مع السامري ثانيا، على نمط بديع، وأسلوب قديم .. بين لنبيه محمد ﷺ أن مثل هذا القصص عن الأمم الماضية، والقرون الغابرة، كعاد وثمود وأصحاب الأيكة، نلقيه إليك تسليةً لقلبك، وإذهابًا لحزنك، إذ به تعرف ما حدث للرسل من قبلك، من شدائد الأهوال، وتذكيرًا للمستبصرين في دينهم، وتأكيدًا للحجة على من عاند وكابر من غيرهم. قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما حكى (٢) حال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأهوال، التي تجعل المجرمين يتخافتون في حديثهم، وينسون مقدار لبثهم في الدنيا، ويحشرون زرق الوجوه والأبدان، إلى نحو أولئك مما سلف .. قفَّى على ذلك بذكر سؤال من لم يؤمن بالحشر عن الجبال وأحوالها في ذلك اليوم، ثم الإجابة عنه، وضم إلى الجواب أمورًا أخر، تشرح شؤون هذا اليوم وأهواله، فبيَّن أن الأرض في ذلك اليوم تكون مستوية، ولا ارتفاع فيها ولا انخفاض، وأن الناس يسرعون إلى إجابة الداعي، ولا يُسمع لهم كلام إلا همس، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، إلا إذا أذن لهم الرحمن، ورضي للمشفوع له قولًا، ثم ذكر أن الله هو العلم بما أصابوا من خير أو شر، وهم لا يحيطون به علمًا، وفي ذلك

стр. 7712

اليوم تذل الوجوه، وتخضع للواحد الديان، وقد خسر هنالك من ظلم نفسه، فأشرك مع الله غيره، وعبد معه سواه، وعصى أوامره ونواهيه، وأما المتقون فهم لا يُظلمون، فلا يُزداد في سيئاتهم، ولا يُنقص من حسناتهم. قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: لما ذكر سبحانه أنه أنزل الآيات المشتملة على الوعيد، المنبئة بما سيحدث من أحوال القيامة وأهوالها .. ذكر هنا أنه أنزل القرآن كله كذلك على نمط واحد، قرآنًا عربيًا، يفهمه العرب، ويقفون على ما فيه من النظم البديع، والأسلوب العجيب، الخارج عن طوق البشر، ثم بيَّن سبحانه نفع هذا القرآن لعباده، وأنه سبحانه موصوف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقص، وأنه يصون رسوله عن السهو والنسيان في أمر الوحي. أسباب النزول (١) قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن المنذر، عن ابن جريج قال: قالت قريش: يا محمد، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن السدي، قال: (كان النبي ﷺ إذا نزل إليه جبريل بالقرآن .. أتعب نفسه في حفظه، حتى يشق على نفسه، فيخاف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فأنزل الله سبحانه ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾) وتقدم له سبب آخر، وهذا أصح. التفسير وأوجه القراءة ٩٠ - واللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾: موطئة للقسم، والجملة (٢) مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم، والتوبيخ لهم؛ أي: والله

стр. 7713

لقد نصح وقال لهم هارون من قبل أن يأتي موسى، ويرجع إليهم ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾؛ أي: وقعتم في الفتنة بسبب العجل، وابتليتم به، وضللتم عن طريق الحق لأجله، قيل: ومعنى القصر المستفاد من ﴿إِنَّمَا﴾: هو أن العجل صار سببًا لفتنتهم، لا لرشادهم، وليس معناه: أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره، والمعنى (١): أي: ولقد قال هارون لعبدة العجل من بني إسرائيل، من قبل رجوع موسى إليهم: يا قوم إنما اختبر الله إيمانكم، ومحافظتكم على دينكم بهذا العجل، الذي أحدث فيه الخوار، ليعلم به الصحيح الإيمان منكم، من المريض الشاك. ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ﴾ وخالقكم وخالق كل شيء هو ﴿الرَّحْمَنُ﴾ الذي عدة رحمته جميع مخلوقاته، فآتاهم ما فيه كما لهم الجسمي والروحي، وما به سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وفي ذكر الربوبية والرحمة استمالة لهم إلى الحق، إثر زجرهم عن الباطل، وتذكير لهم بإنجائهم من فرعون وعذابه، وتنبيه لهم إلى أنهم متى تابوا .. قُبلت توبتهم. ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ديني في عبادة الله ، ولا تتبعوا السامري في عبادة العجل ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ في ترك عبادة العجل. اعلم (٢): أن هارون ﵇ سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه، لأنه زجرهم أولًا عن الباطل بقوله: ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ ثم دعاهم إلى معرفة الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ثم دعاهم إلى شرائع بقوله: ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فهذا هو الترتيب الجيد؛ لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق، وهي إزالة الشبهات، ثم معرفة الله، فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة، وإنما قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ فخص هذا الموضع بهذا الاسم لأنه ينبههم على أنهم متى تابوا .. قبل الله توبتهم؛ لأنه هو التواب الرحيم، فقابلوا هذا القول بالإصرار والجحود، وفي هذا الوعظ (٣) شفقة على نفسه وعلى الخلق، أما على نفسه: فإنه كان مأمورًا من عند الله بالأمر

стр. 7714

بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومن عند أخيه بقوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلو لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر .. لخالف أمر الله وأمر موسى، وإنه لا يجوز. وقرأ الحسن وعيسى وأبو عمرو في رواية (١): ﴿وأن ربكم﴾ بفتح الهمزة، والجمهور: بكسرها المصدر المنسبك منها: في موضع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: والأمر كون الرحمن ربكم، فهو من عطف جملة على جملة، وقدره أبو حاتم: ولأن ربكم الرحمن، وقرأت فرقة: ﴿أنما﴾ و ﴿أن﴾ بفتح الهمزتين، وتخريج هذه القراءة على لغة سُليم، حيث يفتحون أن بعد القول مطلقًا، ٩١ - ثم بيَّن أنهم لم يسمعوا نصحه، ولم يُطيعوا أمره بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال عبدة العجل من قوم موسى في جواب هارون: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: لن نزال على العجل وعبادته ﴿عَاكِفِينَ﴾؛ أي: مقيمين، قال الراغب: العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم، قال في "الكبير": رحمته تعالى خلَّصتهم من آفات فرعون، ثم إنهم لجهلهم قابلوه بالتقليد فقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِين﴾؛ أي: لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فننظر هل يقرنا على عبادته، أو ينهانا عنها، جعلوا رجوعه غايةً لعكوفه، لكن لا على طريق الوعد بترك عبادته عند رجوعه، بل بطريق التعليل والتسويف. اهـ "أبو السعود". فعند ذلك اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفًا من المنكرين لما فعله السامري، كأنهم قالوا: لن نقبل حجتك، ولا نقبل إلا قول موسى، وما مقصدهم من ذلك إلا التعلل والتسويف، وعدم إجابة طلب هارون، ٩٢ - فلما رجع موسى .. سمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون .. أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله، وكان طويل الشعر و ﴿قَالَ﴾ له: ﴿يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ﴾ والاستفهام فيه: توبيخي، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا واقعًا في جواب سؤال مقدر، كأنه

стр. 7715

قيل: فما قال لهارون حين رجع إليهم؟ فقيل: قال له وهو مغتاظ: يا هارون ما منعك؛ أي (١): أيُّ شيء منعك ﴿إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾؛ أي: أخطؤوا طريق عبودية الله بعبادة العجل، وبلغوا من المكابرة إلى أن شافهوك بالمقالة الشنعاء ٩٣ - ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (لا) مزيدة، وهو مفعول ثان لمنع، وهو عامل في (إذ)؛ أي: أي شيء منعك حين رؤيتك لضلالهم من أن تتبعني في الغضب لله، والمقاتلة مع من كفر به، وأن تأتي عقبي، وتلحقني وتخبرني لأرجع إليهم، لئلا يقعوا في هلاك هذه الفتنة؟ أو غير مزيدة على أن ﴿مَنَعَكَ﴾ مجاز عن دعاك، والمعنى ما دعاك إلى ترك اتباعي، وعدمه في شدة الغضب لله ولدينه؟ ونظير ﴿لَّا﴾ هذه قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ في الوجهين. والمعنى (٢): أي قال موسى لهارون: أي شيء منعك حين رأيت ضلالهم أن تلحقني إلى جبل الطور بمن آمن معك؟ وقد كان موسى يرى أن مفارقة هارون لهم، وخروجه من بينهم، بعد تلك النصائح القولية، يكون أزجر لهم من الاقتصار على النصائح وحدها, لما في ذلك من الدلالة على شديد الغضب والإنكار، فإن مفارقة الرئيس المحبوب لديهم من أجل أمرٍ مبغوضٍ عليهم مما تشق على النفوس، وتقتضي ترك ذلك الأمر الذي يكرهه ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فيما قدمت إليك من قولي. ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وكان (٣) ظهور العجل في السادس والثلاثين يومًا من خروج موسى، وعبدوه، وجاءهم موسى بعد استكمال الأربعين، فعاتبهُ موسى على عدم اتباعه، لما رآهم قد ضلوا. قرأ (٤) ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿أن لا تتبعني﴾ بياء ساكنة في الوصل، ويقف ابن كثير بالياء، وأبو عمرو بغير ياء، وروى إسماعيل بن جعفر عن نافع: ﴿أن تتبعني أفعصيت﴾ بياء مفتوحة، وروى قالون عن نافع مثل أبي عمرو، سواءً وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي بغير ياء في الوصل والوقف، وفي "الجمل" وهذه الياء من ياءات الزوائد، فحقها أن تحذف في الرسم، كما هي

стр. 7716

كذلك في مصحف الإِمام، و (الهمزة) في قوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ للاستفهام التوبيخي، المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف كما مر نظائره مراراً، والتقدير: أأقمت بين هؤلاء الذين عبدوا العجل، فعصيت وخالفت أمري لك بالقيام لله، ومنابذة من خالف دينه، وعبارة "روح البيان" هنا: و (الهمزة) للإنكار التوبيخي و (الفاء): عطف على مقدر، يقتضيه المقام؛ أي: أخالفتني فعصيت أمري بالصلابة في الدين، والمحاماة عليه، كما عصى هؤلاء القوم أمري، فإن قوله ﵇: ﴿اخْلُفْنِي﴾ متضمن للأمر بهما حتمًا، فإن الخلافة لا تتحقق إلا بمباشرة الخليفة ما كان يباشره. المستخلف لو كان حاضرًا. اهـ. ٩٤ - فلما أقام بينهم (١)، ولم يبالغ في الإنكار عليهم .. نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره، فترفق هارون في خطاب موسى استعطافاً له، وترقيقًا لقلبه، إذ أضافه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه، حيث امتلأ موسى غضبًا مما رأى، وألقى ما في يده من الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، فـ ﴿قَالَ﴾ هارون ﴿يا ابن أم لا تأخذ بـ﴾ شعر ﴿لحيتي ولا بـ﴾ شعر ﴿رأسي﴾، وقد روي: أن موسى أخذ شعر رأسه بيمينه، ولحيته بشماله، وكان ﵇ شديدًا غضوبًا لله تعالى، وقد شاهد مشاهد، وغلب على ظنه تقصير هارون ﵇ ففعل ما فعل، والأم (٢) بإزاء الأب، وهي الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته، ويقال لكل ما كان أصلًا لوجود شيء أو تربيته أو إصلاحه أو مبدئه ﴿أمَّ﴾ وأصله: يا ابن أمي: أبدلت الياء ألفًا فقيل: يا ابن أما، ثم حذف الألف واكتفي بالفتحة لكثرة الاستعمال، وطول اللفظ، وثقل التضعيف. وقرىء: ﴿يا ابن أم﴾ بالكسر بحذف الياء، والاكتفاء بالكسرة، وقد مر اختلاف القراء فيه في سورة الأعراف، وخص الأم بالإضافة استعظاماً لحقها، وترقيقًا لقلبه، واعتدادًا لنسبها، وإشارةً إلى أنهما من بطن واحد، وإلا فالجمهور على أنهما لأب وأم، قال بعض الكبار: كانت نبوة هارون من حضرة الرحمة، كما قال

стр. 7717

تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ ولذا ناداه بأمه، إذ كانت الرحمة للأم أوفر، ولذا صبرت على مباشرة التربية، وقرأ (١) عيسى بن سليمان الحجازي ﴿بلحيتي﴾ بفتح اللام، وهي لغة أهل الحجاز، قال صاحب "الكشاف": كان موسى (٢) ﵇ رجلًا شديدًا، مجبولًا على الحدة والخشونة والتصلب في كل شيء، شديد الغضب لله ولدينه، فلم يتمالك حين رأى قومه يعبدون عجلًا من دون الله، بعدما رأوا من الآيات العظام، أن ألقى ألواح التوراة، لما غلب ذهنه من الدهشة العظيمة، غضبًا لله، واستنكافًا وحميةً، وعنف بأخيه وخليفته على قومه، فأقبل عليه إقبال العدو المكاشف، قابضًا على شعر رأسه - وكان أفرع - وعلى شعر وجهه يجره إليه. اهـ. ثم بيَّن علة هذا النهي بأني لست عاصيًا أمرك، ولا مقصرًا في المصلحة، بل ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ وخفت لو قاتلت بعضهم ببعض، وتفرقوا ﴿أَنْ تَقُول﴾ لي ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ برأيك، وأراد بالتفريق: ما يستتبعه القتال من تفريق لا يُرجى بعده الاجتماع؛ أي: خشيت إن فارقتهم واتبعتك، أن يصيروا حزبين يقتل بعضهم بعضًا، فتقول أوقعت الفرق فيما بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾؛ أي: لم تحفظ وصيتي لك في حسن الخلافة عليهم، ويريد به قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ فإن الإصلاح: ضم النشر وحفظ جماعات الناس، والمداراة بهم إلى أن ترجع إليهم، وترى فيهم ما ترى، فتكون أنت المتدارك للأمر بنفسك، المتلاقي برأيك، لا سيما وقد كانوا في غاية القوة، ونحن على القلة والضعف، كما يُعرف من قوله: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ وعلى هذا التفسير يكون قوله ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ معطوفًا على ﴿فَرَّقْتَ﴾ والياء في ﴿قَوْلِي﴾ واقعة على موسى؛ أي: وخشيت أن تقول لي إنك: لم ترقب قولي لك: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ وعلى هذا التفسير أكثر المفسرين، كالسمين، والبيضاوي، والخازن، والخطيب، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ معطوفًا على ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ فتكون الياء في ﴿قَوْلِي﴾ واقعةً على هارون؛ أي: وخشيت عدم ترقبك وانتظارك لقولي، حتى تتأمل فيه، وتفهم منه عذري اهـ

стр. 7718

"جمل" بتصرف وقرأ أبو جعفر: ﴿ولم ترقب﴾ بضم التاء وكسر القاف. مضارع أَرْقَب الرباعي، وهذا الكلام من هارون اعتذار، والعذر (١): ضابطه: هو تحري الإنسان ما يمحو به ذنوبه وإساءته، وذلك ثلاثة أضرب: أن يقول لم أفعل، أو يقول فعلت لأجل كذا، فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبًا، أو يقول فعلت ولا أعود، ونحو ذلك، وهذا الثالث هو التوبة، فكل توبة عذر دون العكس، وكان هارون حليمًا رفيقًا، ولذا كان بنو إسرائيل أشد حبًا له، وقوله: ﴿قَالَ﴾ موسى للسامري: استئناف بياني، واقع في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا صنع موسى بعد اعتذار القوم، واعتذار هارون، واستقرار أصل الفتنة على السامري؟ ٩٥ - فقيل: قال موسى موبخًا له: هذا شأنهم ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾؛ أي: ما شأنك وما مطلوبك فيما فعلت، وما الذي حملك عليه، والخطب لغةً: الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب، وهو من تقاليب الخبط، خاطبه بذلك ليظهر للناس بطلان كيده باعترافه، ويفعل به وبما صنعه من العقاب ما يكون نكالًا للمفتونين به، ولمن خلفهم من الأمم ٩٦ - ﴿قَالَ﴾ السامري مجيبًا لموسى ﵇ ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾؛ أي: رأيت ما لم يره القوم، أو علمت بما لم يعلموا، وفطنت لما لم يفطنوا له، وأراد بذلك أنه رأى جبريل على فرس الحياة، وكان كلما وضع الفرس يديه أو رجليه على الطريق اليبس .. يخرج من تحته النبات في الحال، فعرف أن له شأنًا، فأخذ من موطئه حفنة من تراب. وقرأ الأعمش وأبو السماك (٢): ﴿بصرت﴾ بكسر الصاد ﴿بما لم تبصروا﴾ بفتح الصاد، وقرأ عمرو بن عبيد ﴿بصرت﴾ بضم الباء وكسر الصاد ﴿بما لم تبصروا﴾ بضم التاء وفتح الصاد، مبنيًا للمفعول فيهما، وقرأ الجمهور ﴿بصرت﴾ بضم الصاد، وحمزة، والكسائي، وأبو بحرية، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وابن مناذرٍ، وابن سعدان، وقعنب ﴿تبصروا﴾ بتاء الخطاب لموسى وبني إسرائيل، وباقي السبعة ﴿يَبْصُرُوا﴾ بياء الغيبة. وروي: أن السامري لما قال:

стр. 7719

﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ .. قال (١) له موسى ﵇: وما ذلك؟ قال: رأيت جبريل على فرس الحياة، فألقى في نفسي أن أقبض من أثرها، فما ألقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهًا .. زينت لى نفسي ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾؛ أي: أخذت حفنةً ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾؛ أي: من تربة موطىء فرس الملك الذي أرسل إليك؛ أي: من تراب حافر فرس جبريل، والمراد: فرس الحياة لجبريل، ولم يقل: جبريل أو روح القدس؛ لأنه لم يعرف أنه جبريل، وأراد بذلك: أنه رأى جبريل على فرس الحياة، فألقى في ذهنه أن يقبض قبضة من أثر الرسول، وأن ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حيًا، والقبضة: المرة من القبض، وهو الأخذ بجميع الكف، أُطلقت على المقبوض مرةً كما سيأتي، والأثر: التراب الذي تحت حافره. وقرأ الجمهور (٢): ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ بالضاد المعجمة فيهما؛ أي: أخذت بكفي على الأصابع، وقرأ عبد الله، وأبيّ، وابن الزبير، وحميد، والحسن: ﴿فقبضت قبضة﴾ بالصاد فيهما، وهو الأخذ: بأطراف الأصابع، وقرأ الحسن - بخلاف عنه - وقتادة، ونصر بن عاصم: بضم القاف والصاد المهملة، وأدغم ابن محيصن الضاد المنقوطة في تاء المتكلم، وأبقى الإطباق مع تشديد التاء. ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾؛ أي: نبذت تلك القبضة، وطرحتها في الحلي المذابة، المسبوكة، على صورة العجل، أو في فم العجل، فكان ما كان. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (٣): ﴿فنبذتها﴾ بالإدغام ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾؛ أي: وزينت (٤) لى نفسي بشقاوتي ومحنتي، تزيينًا كائنًا مثل ذلك التزيين الذي فعلته، من القبض والنبذ, فالمعنى: لم يدعني إلى ما فعلته أحد غيري، بل اتبعت هواي فيه، والتسويل (٥): تزيين النفس لما تحرص عليه،

стр. 7720

وتصوير القبيح منها بصورته الحسن، وأصل التركيب: سولت لى نفسي تسويلًا كائنًا مثل ذلك التسويل، على أن يكون مثل صفةً لمصدرٍ محذوفٍ، وذلك إشارة إلى مصدر الفعل المذكور بعد، فقدم على الفعل لإفادة القصر، واعتبرت الكاف مقحمةً لإفادة تأكيد ما أفاده اسم الإشارة، من الفخامة، فصار مصدرًا مؤكدًا، لا صفةً؛ أي: ذلك التزيين البديع، زينت لي نفسي ما فعلته من القرض والنبذ، لا تزيينًا أدنى، ولذلك فعلته. وحاصل جوابه: أن ما فعله إنما صدر عنه بمحض اتباع هوى النفس الأمارة بالسوء وغوائها ,لا بشيءٍ آخر من البرهان العقلي، والإلهام الإلهي، أو المعنى؛ أي: كما زينت لى نفسي أولًا اتباع سنتك، واقتفاء أثرك، زينت لي أيضًا ترك ذلك بمحض الهوى، لا لشيء آخر من برهان عقلي، أو إلهام إلهي، ولما سمع موسى من السامري ما سمع .. بيَّن له ما سينزل به من الجزاء في الدنيا والآخرة، وذكر له حال إلهه، أما جزاؤه هو في الدنيا .. ٩٧ - فما حكاه سبحانه عنه ﴿قَالَ﴾ له موسى ﵇ مكافئًا له ﴿فَاذْهَبْ﴾ يا سامري طريدًا بين الناس ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾؛ أي: ثابت لك مدة حياتك عقوبة ما فعلت ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾؛ أي: قولك: لا مساس؛ أي: لا يمسني أحد، ولا أمس أحدًا خوفًا من أن تمسكما الحمى؛ أي: فإن قولك: لا مساس ثابت لك في مدة حياتك، لا ينفك عنك، فكان يصيح بأعلى صوته لا مساس؛ أي (١): لا أَمَس ولا أُمَس، إذا مسه أحدهم .. أخذت الحمى الماس والممسوس، فكان إذا أراد أحد أن يمسه .. صاح خوفًا من الحمى وقال: لا مساس، وحرم موسى عليهم ملاقاته، ومواجته، ومكالمته، ومبايعته، وغيرها مما يعتاد جريانه بين الناس من المعاملات، فكان يهيم في البرية وحيدًا طريدًا مع السباع، والوحوش. وفي "التأويلات النجمية" (٢): يشير إلى أن قصدك ونيتك فيما سولت نفسك أن تكون مطاعًا متبوعًا، آلفًا مألوفًا، فجزاؤك في الدنيا أن تكون طريدًا وحيدًا، ممقتًا ممقوتًا متشردًا متنفرًا، تقول لمن رآك: لا تمسني ولا أمسك فنهلك. اهـ. وذلك

стр. 7721

لأن في الانقطاع بعد الاتصال ألمًا شديدًا، بخلاف الانقطاع الأصلي. والمعنى (١): أي قال له موسى: اذهب فأنت طريد من بين الناس، فلا يخالطك أحد ولا تخالط أحدًا، حتى لو سئلت عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس؛ أي: لا يماسني أحد ولا أماس أحدًا، قال مقاتل: إن موسى ﵇ أمره هو وأهله بالخروج من محلة بني إسرائيل، فخرج طريدًا في البراري. وقصارى ذلك: أنه خاف وهرب، وجعل يهيم في الصحارى والقفار، حتى صار لبعده عن الناس كأنه قائل ذلك، وقيل (٢): أراد موسى قتله، فمنعه الله من قتله؛ لأنه كان شيخًا، قال بعض مشايخنا: وقد وقع مثل هذا في شرعنا في قصة الثلاثة الذين خالفوا أمر الرسول ﵇ أن لا يكلموا ولا يخالطوا، وأن يعتزلوا نساءهم، حتى تاب الله عليهم. وقرأ الجمهور: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ بفتح السين والميم المكسورة، ومساس: مصدر ماس كقتال من قاتل، وهو منفي بـ ﴿لا﴾ التي لنفي الجنس، وهو نفي يريد به النهي، أي: لا تمسني ولا أمسك، وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، وقعنب: بفتح الميم وكسر السين، فقال صاحب "اللوامح": هو على صورة نزال ونظار، من أسماء الأفعال، بمعنى أنزل وانظر، فهذه الأسماء التي بهذه الصيغة معارف، ولا تدخل عليها لا النافية، التي تنصب النكرات، نحو لا مال لك، لكنه فيه نفي الفعل، فتقديره: لا يكون منك مساس، ولا أقول مساس، ومعناه: النهي؛ أي: لا تمسني. انتهى. وظاهر هذا: أن مساس: اسم فعل، وقال الزمخشري: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ بوزن فجار، معدول عن المصدر الذي هو المسة، كفجار معدولًا عن الفجرة. وأما جزاؤه في الآخرة: فقد ذكره بقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾؛ أي: وعدًا في

стр. 7722

الآخرة بالعقاب على الشرك والإفساد ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾؛ أي (١): لن يخلفه الله ذلك الوعد، بل ينجزه البتة، بعدما عاقبك في الدنيا، والخلف والإخلاف: المخالفة في الوعد، يقال: وعدني فأخلفني؛ أي: خالف في الميعاد، وقرأ الجمهور (٢): ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ بالتاء المضمومة وفتح اللام، على معنى لن يقع فيه خلف، بل ينجزه لك الله في الآخرة، على الشرك والإفساد بعدما عاقبك في الدنيا، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، والأعمش، وابن محيص، واليزيدي، والحسن: ﴿لن تخلِفه﴾؛ أي: لن تستطيع الروغان والاختفاء والحيدة عنه، فتغيب عن موعد العذاب، وقرأ ابن مسعود، والحسن - بخلاف عنه -: ﴿لن نخلفه﴾ بالنون وكسر اللام؛ أي: لا ننقص مما وعدنا لك من الزمان شيئًا. وأما حال إلهه: فقد بيَّنه بقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾؛ أي: إلى هذا المعبود بزعمك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾؛ أي: صوت مقيمًا على عبادته، والله ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بالنار (٣)، ويؤيده قراءة: ﴿لنحرقنه﴾ من الإحراق، وهو إيقاع نارٍ ذات لهب في الشيء، بخلاف الحرق فإنه إيقاع حرارة في الشيء من غير لهب، كحرق الثوب بالدق أو لنحرقنه بالمبرد، على أنه مبالغة في حرق إذا برد بالمبرد، ويعضده قراءة، ﴿لنحرقنه﴾ بفتح النون وضم الراء؛ أي: لنبردنه، يقال: بردت الحديد بالمبرد، والبرادة: ما سقط منه، وقرأ (٤) الجمهور: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بضم النون وتشديد الراء، من حرقه يحرقه. وقرأ الحسن، وقتادة، وأبو جعفر، وأبو رجاء، والكلبي: ﴿لنحرقنه﴾ بضم النون وسكون الحاء وتخفيف الراء، من أحرقه يحرقه رباعيًا، وقرأ علي، وابن عباس، وحميد، وأبو جعفر - في رواية - وعمرو بن فائد، وابن محيصن، وأشهب والعقيلي: ﴿لنحرقنه﴾ بفتح النون وضم الراء مخففةً، من حرقت الشيء: أحرقه وأحرقه بضم راء المضارع وكسرها، إذا بردته، وحككت بعضه ببعض, أي: لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد: المحرق، والقراءة الأولى أولى، ومعناها

стр. 7723

الإحراق بالنار، وكذلك معنى القراءة الثانية؛ لأن الظاهر أن حرق وأحرق إنما يكون بالنار، وقد جُمع (١) بين هذه القراءات الثلاث بأنه أحرق بالنار أولًا، ثم برد بالمبرد، وفي مصحف أُبي، وابن مسعود (٢) ﴿لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه﴾ وتوافق هذه القراءة من روى أنه صار لحمًا ودمًا ذا روح، ويترتب الإحراق بالنار على هذا، وأما إذا كان جمادًا مصوغًا من العلي فيترتب برده لا إحراقه، إلا إن عني به إذابته، وقال السدي: أمر موسى بذبح العجل، فذُبح وسال منه الدم، ثم أُحرق ونُسف رماده، وقيل: بردت عظامه بالمبرد، حتى صارت بحيث يمكن نسفها. ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: لنذرينه في هواء البحر، ونرمينه ﴿نَسْفًا﴾؛ أي: ذروا ورميًا إذا كان رمادًا أو مبرودًا، بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، حتى صار سحالةً كذرات الهباء، يقال: نسفت الريح التراب إذا أقلعته وأزالته، وذرته، والنسف (٣): نقض الشيء ليذهب به الريح، والمنسف: ما يُنسف به الطعام، وهو شيء منصوب الصدر، أعلاه مرتفع، والنَّسَافة: ما يسقط منه. وقرأ الجمهور (٤): ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ بكسر السين، وقرأت فرقة - منهم عيسى -: بضم السين، وقرأ ابن مقسم: ﴿لننسفنه﴾ بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، ولقد بر موسى (٥) في قسمه، وفعل ما أوعده به، كما يدل على ذلك قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِك﴾ ولم يصرح بهذا تنبيهًا إلى وضوحه واستحالة خلفه في وعيده المؤكد باليمين، وفي فعله ذلك به عقوبة للسامري، وإظهار لغباوة المفتونين به، لمن له أدنى نظر، ٩٨ - وبعد أن فرغ من إبطال الباطل، شرع في تحقيق الدين الحق فقال: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ﴾؛ أي: معبودكم المستحق منكم العبادة؛ أي: لا معبود لشيء من الأشياء موجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾ وحده من غير أن يشاركه شيء من الأشياء، بوجه من الوجوه التي من جملتها أحكام الألوهية، لا هذا العجل الذي فتنتم به؛ أي: ليس هذا بإلهكم، وإنما المستحق للعبادة والتعظيم: الله الذي لا

стр. 7724

إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فكل شيء فقير إليه، وهو الخالق لكل شيء، قال في "بحر العلوم": قوله: ﴿الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تقرير لاختصاص الإلهية، ونحوه قولك: القبلة الكعبة التي لا قبلة إلا هي، وقرىء (١) ﴿الله لا إله إلا هو الرحمن رب العرش﴾ ﴿وَسِعَ﴾ سبحانه ﴿كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وانتصاب ﴿عِلْمًا﴾ على التمييز عن الفاعل؛ أي: وسع علمه كل شيء، فيعلم من يعبده ومن لا يعبده؛ أي: وسع علمه بكل ما كان وما يكون؛ أي: علم كل شيء وأحاط به عداً، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها, ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والجملة الفعلية: بدل من الصلة كأنه قيل: إنما إلهكم الله الذي وسع كل شيء علمًا لا غيره، كائنًا من كان، فدخل فيه العجل دخولًا أوليًا، وقرأ (٢) الجمهور: ﴿وَسِعَ﴾ السين مخففة وهو متعد إلى مفعول واحد، وهو ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ و ﴿عِلْمًا﴾ تمييز كما مر آنفًا، وقرأ مجاهد وقتادة ﴿وسع﴾ بتشديد السين وفتحها، فيتعدى إلى مفعولين، ويكون انتصاب ﴿عِلْمًا﴾ على أنه المفعول الأول، وإن كان متأخرًا، لأنه في الأصل: فاعل، والتقدير: وسع علمه كل شيء. ٩٩ - و ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ الكاف: صفة لمصدر محذوف تقديره؛ أي: نقص عليك يا محمد ونخبر لك ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾؛ أي (٣): من أخبار الأمور الماضية، والأمم الدارجة، قصصًا مثل قص قصة موسى عليك فيما مر، تسليةً لك وزيادةً في علمك، ودلالةً على صدقك، وتذكيرًا للمستبصرين من أمتك، والقص (٤): تتبع الأثر، والقصص: الأخبار المتتبَّعة، و ﴿مِنْ﴾ مفعول ﴿نَقُصُّ﴾ بالاعتبار مضمونه، والنبأ: خبر ذو فائدةٍ عظيمةِ، يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل: نبأ، حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي فيه نبأ: أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر وخبر الله تعالى وخبر النبي ﵇.

стр. 7725

والمعنى: نقص عليك يا محمد بعض الحوادث الماضية الجارية على الأمم السالفة، مثل ذلك القص البديع الذي سمعت، لا قصًا ناقصًا عنه، تبصرةً لك، وتوفيرًا لعلمك، وتكثيرًا لمعجزاتك، وتنبيهًا للمعتبرين من أمتك. والحاصل: أن الله يخاطب نبيه (١) ﷺ ويبين له أنه كما قص عليه خبر موسى، وما جرى له مع فرعون وجهوده، على هذا الأسلوب الرائع، والمسلك البديع، يقص عليه أخبار الحوادث التي جرت عليه الأمم الخالية، ليكون له ذلك سلوةً، ليتأسى بالأنبياء السالفين وما لاقوه من أممهم من شديد العناد، والجحود والتكذيب، ومكابدة الشدائد والأهوال ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ يا محمد؛ أي: ولقد أعطيناك ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: من عندنا ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: كتابًا شريفًا (٢) مطويًا على هذه الأقاصيص والأخبار، حقيقًا بالتذكر به، جديرًا بالتفكر فيه، والاعتبار به لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولم يعط نبي قبلك مثله، فهو جامع للأخبار، حاوٍ للأحكام التي فيها صلاح حال البشر في دينهم ودنياهم، مشتمل على مكارم الأخلاق وسامي الآداب التي بها يرتفع قدر الأمم، وينبه ذكرها، وفي "الكبير" في تسميته به وجوه: الأول: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه في أمر دينهم ودنياهم. والثاني: أن يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه، وفيه التذكير والموعظة. والثالث: فيه الذكر والشرف لك ولقومك، وسمى الله سبحانه كل كتبه ذكرًا فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ ١٠٠ - ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾؛ أي: عن ذلك الذكر العظيم الشأن، الجامع لوجوه السعادة والنجاة، فلم يعتبر، ولم يعمل به لإنكاره إياه، وتكذيبه به، وابتغى الهدى من غيره. و ﴿مَنْ﴾ إما شرطية أو موصولة، وأيًا ما كانت، فالجملة صفة لـ ﴿ذِكْرًا﴾ ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن ذلك المعرض عنه ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾؛ أي: عقوبةً ثقيلةً على كفره، وسائر ذنوبه، وتسميتها وزرًا: تشبيهًا في ثقلها على المعاقب، وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يقدح الحامل، وينقض

стр. 7726

ظهره؛ أي: فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم، ويحمل يوم القيامة من الأوزار والآثام ما لا يقدر على حمله، بل ينقض ظهره، وبمعنى الآية قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وكل من بلغه القرآن من العرب والعجم، من أهل الكتاب وغيرهم، فهو نذير له، فمن اتبعه .. اهتدى، ومن أعرض عنه .. ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة، كما قال ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١٠١ - حالة كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾؛ أي: ماكثين ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في ذلك الوزر, أي: في عقوبته مكثًا مؤبدًا، لا يجدون عنها محيصًا، ولا انفكاكًا، فهو حال من الضمير المستتر في يحمل، والجمع: بالنظر إلى معنى ﴿من﴾ لما أن الخلود في النار مما يتحقق حال اجتماع أهلها فيها. وقرأ الجمهور (١): ﴿يَحْمِلُ﴾، مضارع حمل الثلاثي، مخففًا مبنيًا للفاعل، وقرأت فرقة - منهم داود بن رفيع -: ﴿يحمل﴾ مشدد الميم من حُمّل المضعف، مبنيًا للمفعول؛ لأنه يكلف ذلك، لا أنه يحمله طوعًا ووزرًا، مفعول ثان ﴿وَسَاءَ﴾؛ أي: وبئس الوزر ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للمعرضين ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ من جهة كونه ﴿حِمْلًا﴾ ثقيلًا ﴿لَهُمْ﴾، والمخصوص بالذم: محذوف تقديره: وزرهم ﴿وَسَاءَ﴾ (٢) هنا هي التي جرت مجرى يئس، لا ساء التي بمعنى أحزن وأهم، لفساد المعنى، و (اللام) في ﴿لَهُمْ﴾: للبيان كهي في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ لا متعلقة بـ ﴿ساء﴾ كأنه لما قيل: ﴿ساء﴾ قيل: لمن يقال هذا؟ فأجيب بـ ﴿لَهُمْ﴾ وجمع الضمير في ﴿لَهُمْ﴾ حملاً على معنى ﴿مَنْ﴾ بعد الحمل على لفظها في ﴿أَعْرَضَ﴾ وفي ﴿فَإِنَّهُ﴾ يحمل، وإعادة يوم القيامة لزيادة التقرير والتهويل؛ أي: وبئس عقاب وزرهم الذي حملوه يوم القيامة، جزاءً إعراضهم وكفرهم، وسائر ذنوبهم، ١٠٢ - وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ بدل من يوم القيامة، أو منصوب بإضمارك اذكر؛ أي: اذكر يا محمد لقومك، ولسائر الناس قصة يوم ينفخ إسرافيل في القرن، الذي التقمه للنفخ ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: ونخرج المتوغلين في الإجرام والآثام،

стр. 7727

المنهمكين فيها، وهم الكفرة والمشركون، من مقابرهم، ونجمعهم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يُنفخ في الصور، وذكره صريحًا مع تعين أن الحشر لا يكون إلا يومئذ للتهويل حالة كونهم ﴿زُرْقًا﴾؛ أي: زرق العيون، جمع أزرق، والزرقة: الخضرة في العين كعين الهرة، والعرب تتشاءم بزرقة العين، وهي أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، فإن الروم الذين كانوا أعدى عدوهم زرق، وقال الإِمام في "المفردات" قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾؛ أي: عميًا عيونهم، لا نور لها؛ لأن حدقة الأعمى تزرق، يعني أن العين إذا زال نورها أزرقت. والمعنى (١): هذا اليوم؛ أي: يوم القيامة هو يوم ينفخ في الصور النفخة الثانية، إيذانًا بالقيام للحشر والحساب، ويوم يساق فيه المجرمون إلى المحشر شاحبي الألوان، زرق الوجوه، لما هم فيه من مكابدة الأهوال، ومقاساة الشدائد، التي تحل بهم، والجمع (٢) بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ما قيل: من أن ليوم القيامة حالاتٍ ومواطن، تختلف فيها صفاتهم، ويتنوع عندها عذابهم، وقرأ الجمهور (٣): ﴿يُنْفَخُ﴾ مبنيًا للمفعول ﴿وَنَحْشُرُ﴾ بالنون مبنيًا للفاعل بنون العظمة، وقرأ أبو عمرو، وابن محيصن، وحميد ﴿ننفخ﴾ بنون العظمة لـ ﴿نحشر﴾ أسند النفخ إلى الآمر به، والنافخ: هو إسرافيل، ولكرامته أسند ما يتولاه إلى ذاته المقدسة، وقرىء ﴿ينفخ﴾ و ﴿يحشر﴾ بالياء مبنيًا للفاعل، وقرأ الحسن، وابن عياض في جماعة ﴿في الصور﴾ على وزن درر، والحسن ﴿ينفخ﴾ بالياء مبنيًا للمفعول و ﴿يحشر﴾ مبنيًا للفاعل وبالياء؛ أي: ويحشر الله تعالى، ١٠٣ - وقوله: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾ استئناف (٤) لبيان ما يأتون وما يذرون حينئذ، ويصح أن يكون حالًا من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ والتخافت: إسرار المنطق وإخفاؤه؛ أي: يقول بعضهم لبعض خفيةً، من غير رفع صوت، بسبب امتلاء صدورهم من الخوف والهوان، أو استيلاء الضعف عليهم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أي: ما أقمتم وما مكثتم في الدنيا، أو في القبر

стр. 7728

﴿إِلَّا عَشْرًا﴾؛ أي: إلا عشر ليال، أو عشر ساعات استقصارًا لمدة لبثهم فيها، لزوالها؛ لأن أيام الراحة قليلة، والساعات تمر مر السحاب؛ أي: يساررون فيما بينهم، حال كونهم قائلين في السر: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿إِلَّا﴾ عشر ليال، لأنهم يرون من شدة (١) أهوال ذلك اليوم ما يقلل ذلك في أعينهم، فهم يحسبون أنهم ما لبثوا في الدنيا، أو في القبور إلا عشرة أيام مع لياليها، وهم حين يشاهدون البعث الذي كانوا ينكرونه في الدنيا، لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك، اعترافًا به، وتحقيقًا لسرعة وقوعه، كأنهم قالوا: قد بعثتم وما لبثتم في القبور إلا مدةً يسيرة، وقوله (٢): ﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ يحتمل عشر ليال، أو عشرة أيام؛ لأن المذكر إذا حذف وأبقى عدده، قد لا يؤتى بالتاء، حكى الكسائي عن أبي الجراح: صمنا من الشهر خمسًا، ومنه ما جاء في الحديث: "ثم أتبعه بست من شوال" يريد ستة أيام، وحسَّن الحذف هنا كون ذلك فاصلةً رأس آية، ودل قوله الآتي ﴿إِلَّا يَوْمًا﴾ على أن المراد بقولهم عشرًا: عشرة أيام، ثم لما قالوا هذا القول .. ١٠٤ - قال الله - سبحانه -: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ وهو مدة لبثهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ﴾ وأوفرهم وأوفاهم ﴿طَرِيقَةً﴾؛ أي: رأيًا وعقلًا، وأعلمهم عند نفسه: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ أي: ما لبثتم إلا يومًا واحدًا، ونسبة هذا القول إلى أمثلهم، لكونه أدل على شدة الهول، لا لكونه أقرب إلى الصدق. ١٠٥ - ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾؛ أي: ويسألك يا محمد مشركو مكة على سبيل الاستهزاء ﴿عَنِ﴾ حال ﴿الْجِبَالِ﴾ يوم القيامة، وقد كانوا سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأمره الله - سبحانه - أن يجيب عنهم، فقال: ﴿فَقُلْ﴾ و (الفاء) (٣) في قوله ﴿فَقُلْ﴾ يا محمد: واقعة في جواب شرط مقدر تقديره: إن سألوك فقل جوابًا لهم ﴿يَنْسِفُهَا﴾؛ أي: يقلعها ﴿رَبِّي﴾ من أصولها ﴿نَسْفًا﴾؛ أي: قلعًا ثم يصيرها رملًا يسيل سيلًا، ثم يصيرها كالصوف المنفوش، تطيرها الرياح هكذا وهكذا، ثم كالهباء المنثور ١٠٦ - والضمير في ﴿فَيَذَرُهَا﴾ عائد إلى ﴿الْجِبَالِ﴾ باعتبار مواضعها؛ أي: فيذر

стр. 7729

مواضعها، ويتركها بعد نسف ما كان عليها من الجبال، وعبارة "أبي السعود" هنا: أي يتركها، والضمير إما للجبال باعتبار أجزائها السالفة الباقية بعد النسف، وهي مقارها ومراكزها؛ أي: فيذر ما انبسط منها وساوى مسطح أجزاء الأرض بعد نسف الشاهق منها، وإما الأرض المدلول عليها بقرينة الحال؛ لأنها الباقية بعد نسف الجبال، انتهت. ﴿قَاعًا﴾؛ أي: مكانًا فارغًا سهلًا مطمئنًا ﴿صَفْصَفًا﴾؛ أي: مستويًا، كأن أجزاءها على صف واحد من كل جهة، والظاهر من لغة العرب أن القاع: الموضع المنكشف البارز، والصفصف: المستوي الأملس، ١٠٧ - والخطاب (١) في قوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا﴾ لكل من يتأتى منه الرؤية، وهو استئناف مبين لكيفية القاع الصفصف؛ أي: لا ترى أيها المخاطب لا بالبصر ولا بالبصيرة فيها؛ أي: في مقار الجبال ومواضعها بعد نسفها ﴿عِوَجًا﴾؛ أي: انخفاضًا ﴿وَلَا أَمْتًا﴾؛ أي: ارتفاعاً يسيرًا، قال الزمخشري: الأمْتُ: النتوء اليسير. والمعنى: أي (٢) ويسألك المشركون أيها الرسول، عن الجبال كيف تكون يوم القيامة، فقل مجيبًا لهم: يدكها ربي دكًا، ويصيِّرها هباءً تذروه الرياح، فيدع أماكنها من الأرض بعد نسفها ملساءً مستويةً، لا نبات فيها ولا بناء, ولا ارتفاع ولا انخفاض. وخلاصة هذا: لا ترى في الأرض يومئذ واديًا ولا رابيةً، ولا مكانًا مرتفعًا ولا منخفضًا ١٠٨ - ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ نسفت الجبال، على إضافة اليوم إلى وقت النسف، وهو ظرف لقوله: ﴿يَتَّبِعُونَ﴾؛ أي: الناس ﴿الدَّاعِيَ﴾ الذي يدعوهم إلى الموقف والمحشر، وهو إسرافيل ﵇ يدعو الناس عند النفخة الثانية قائمًا على صخرة بيت المقدس، كما قيل، ويقول: أيتها العظام البالية، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قوموا إلى عرض الرحمن، فيقبلون من كل أوب صوبه؛ أي: من كل جانبٍ إلى جهته ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾؛ أي: لا ميل ولا انحراف لهم عن دعائه؛ أي: لا يزيغون (٣) عنه يمينًا ولا شمالًا، بل يأتونه

стр. 7730

سرا عاً. اهـ "خازن". وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن تكون حالًا من ﴿الدَّاعِيَ﴾ ويجوز أن تكون نعتاً لمصدر محذوف، تقديره: يتبعونه اتباعًا لا عوج له، والضمير: في ﴿لَهُ﴾ فيه أوجه: أظهرها: أنه يعود على ﴿الدَّاعِيَ﴾؛ أي: لا عوج لدعائه، بل يُسمع جميعهم، فلا يميل إلى ناس دون ناس. والثاني: قيل هو عائد على ذلك المصدر المحذوف؛ أي: لا عوج لذلك الاتباع. والثالث: أن في الكلام قلبًا، تقديره: لا عوج لهم عنه اهـ "سمين". ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾؛ أي: سكنت وخفتت وخفضت ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾؛ أي: لهيبته، وذلت أصحابها، وخضعت لجلاله سبحانه، والخشوع: الخضوع، وهو: التواضع والسكون، أو هو في الصوت والبصر، والخضوع في البدن، وفي "المفردات" (١) الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد على الجوارح، والضراعة: أكثر ما يستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: إذا ضرع القلب .. خشعت الجوارح، والصوت: هواء متموج بتصادم جسمين، وهو عام، والحرف: مخصوص بالإنسان ﴿فَلَا تَسْمَعُ﴾ أيها المخاطب ويا محمد حينئذ ﴿إِلَّا هَمْسًا﴾؛ أي: إلا صوتًا خفيًا، وهو صوت وطء الأقدام في مشيها إلى المحشر، كصوت أخفاف الإبل في مشيها، يقال: همست الإبل: إذا سمع ذلك من وقع أخفافها على الأرض اهـ "سمين"، ومعنى ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾؛ أي: يوم (٢) يرى الناس هذه الأهوال .. يتبعون صوت داعي الله الذي يجمعهم إلى موقف الحساب والجزاء، ولا يكون لهم ميل عنه ولا انحراف، ولكنهم سراعًا إليه يقبلون، إذا أمروا بشيء قالوا: لبيك ونحن بين يديك والأمر منك وإليك، كما قال ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ وقال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ ومعنى: ﴿وَخَشَعَتِ

стр. 7731

الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾؛ أي: وعلمت الخلائق أن لا مالك لهم سواه، ولا يسمع لهم صوت يزيد على الهمس الذي لا يكاد يفهم إلا بتحريك الشفتين لضعفه، وحق لمن كان الله سبحانه محاسبه أن يخشع طرفه، ويضعف صوته، ويخلص قوله، ويطول غمه، ١٠٩ - قال أبو مسلم: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يقع ما ذكر من الأمور الهائلة ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؛ أي: لا تنفع شفاعة الشافعين أحدًا من المشفوعين ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: إلا مشفوعًا أذن الرحمن في أن يشفع له؛ أي: في شفاعة الشافعين له ﴿وَرَضِيَ﴾ الرحمن ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك المشفوع ﴿قَوْلًا﴾ من أقواله الحاصلة له في الدنيا، وهو قول: شهادة أن لا إله إلا الله، بأن مات على الإِسلام وإن عمل السيئات، وأما من عداه فلا تكاد تنفعه، وإن فرض صدورها من الشفعاء المتصدين للشفاعة للناس كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق، وهي نافعة لهم، والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ من أعم المفاعيل كما قدرنا آنفًا، أو المعنى: يومئذ لا تنفع شفاعة الشافعين، ولا تُقبل منهم، إلا من أذن له الرحمن, أي: إلا شفاعة شافعٍ أذن له الرحمن في شفاعته للغير، ورضى له قولًا في طلب شفاعته للغير، وعلى هذا المعنى فـ ﴿مَنْ﴾ الموصولة في محل الرفع على البدلية من الشفاعة، ولكنه على حذف مضاف، تقديره؛ أي: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن، ورضي له قولًا، قال الإِمام الراغب: الشفاعة (١): الانضمام إلى آخر ناصرًا له، وسائلًا عنه، وأكثر ما يُستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبةً إلى من هو أدنى منه، ومنه الشفاعة في القيامة، والإذن في الشيء: الإعلام بإجازته والرخصة فيه، كما سيأتي. المعنى: أي يومئذ (٢) لا تنفع الشفاعة أحدًا، إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع، ورضى له قولًا صدر منه، والفاسق قد قال قولًا يرضاه الرحمن، فقد قال: لا إله إلا الله، كما روي عن ابن عباس.

стр. 7732

والخلاصة: أن الشفاعة لا تكون نافعة للمشفوع له إلا بشرطين: ١ - إذن الله للشافع بالشفاعة فيه. ٢ - رضا الله عن قول صدر من المشفوع له، ليأذن بشفاعة الشافع له. وقصارى ذلك: أنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، وكان له قول يرضي الله سبحانه، وبمعنى الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ ١١٠ - ولما نفى أن تنفع شفاعة بغير إذنه .. علل ذلك بقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ الله ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من (١) أمور الآخرة؛ أي: يعلم سبحانه ما بين أيدي المتبعين الداعي، وهم الخلق جميعًا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمور الدنيا ﴿و﴾ هم ﴿لا يحيطون به﴾؛ أي: بما بين أيديهم وما خلفهم ﴿عِلْمًا﴾؛ أي: لا يعلمون ذلك. وقيل: المعنى: يعلم الله سبحانه ما بين أيديهم، أي (٢): ما تقدمهم من الأحوال وما خلفهم؛ أي: وما بعدهم مما يستقبلون. والمعنى (٣): أي يعلم ما بين أيدي عباده من شؤون الدنيا، وما خلفهم من أمور الآخرة، وهم لا يعلمون جملة ذلك ولا تفصيله، وقيل: المعنى: ولا يحيطون به (٤) تعالى علمًا؛ أي: لا تحيط علومهم بذاته ولا بصفاته ولا بمعلوماته؛ لأنه تعالى قديم، وعلم المخلوقين لا يحيط بالقديم، قال الراغب: والإحاطة بالشيء: هي أن تعلم وجوده، وجنسه، وكيفيته، وغرضه المقصود به إيجاده، وما يكون به ومنه، وذلك ليس إلا لله ١١١ - ولما ذكر خشوع الأصوات .. أتبعه خضوع ذويها فقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾؛ أي: ذلت وجوه الخلائق وذواتهم كلها، صالحةً وعاصيةً، إن قلنا: إن ﴿أل﴾ فيه للجنس، أو

стр. 7733

وجوه العصاة، إن قلنا: إنها للعهد كقوله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وعبر عن المكلفين بالوجوه لأن الخضوع فيها يتبين، كما في "الكبير"؛ أي (١): ذلت الوجوه يوم الحشر وخضعت ﴿لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ خضوع العناة؛ أي: الأسارى في يد ملك قهار، وفي "التأويلات النجمية" خضعت وتذللت وجوه المكونات لمكونها الحي الذي به حياة كل حي، القيوم الذي به قيام كل شيء، احتياجًا واضطرارًا واستسلامًا، يقال: عني يعنو عنوًا: إذا خضع، ومنه قيل للأسير: عانٍ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت. مَلِيْكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّتِهِ تَعْنُوْ الْوُجُوهُ وَتَسْجُدُ ثم قسم الوجوه إلى قسمين بقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ ...﴾ إلخ. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ ...﴾ إلخ، أي: وقد خاب وخسر وهلك هلاكًا أبديًا يوم الحشر ﴿من حمل﴾ وارتكب في الدنيا ﴿ظُلْمًا﴾؛ أي: شركًا وكفرًا بالله وبرسوله، ومات على ذلك ولم يتب منه، قال الراغب: الخيبة: فوت المطلب. والمعنى؛ أي (٢) وقد حرم الثواب من وافى الموقف وهو مشرك بالله، كافر بأنبيائه، أو تارك لأوامره، منغمس في معاصيه. ١١٢ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي (٣): بعض الصالحات لـ ﴿من﴾ مفعول ﴿يَعْمَلْ﴾ باعتبار مضمونه ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: والحال أنه مؤمن بالله ورسوله، وبجميع ما جاء به؛ لأن الإيمان شرط في صحة الطاعات، وقبول الحسنات ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ من الله ﴿ظُلْمًا﴾ بزيادةٍ في سيئاته، أو بمنع ثواب مستحق بموجب الوعد ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ بنقص من حسناته، أو ولا كسرًا منه بنقص، قيل: الظلم (٤) والهضم متقاربان، وفرق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم: منع جميع الحق، والهضم: منع بعضه. والمعنى: أي (٥) ومن يعمل صالح العمل على قدر طاقته، وهو مؤمن بربه

стр. 7734

ورسله، وما أنزله عليهم من كتبه، فلا يخاف من الله ظلمًا، بأن يحمل عليه سيئات غيره وأوزاره، ولا يخاف أن يهضمه حسناته فينقصه ثوابها، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وخلاصة ذلك: أنه لا يؤاخذ العبد بذنب لم يعمله، ولا تبطل له حسنة قد عملها. وقرأ الجمهور: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ على الخبر؛ أي: فهو لا يخاف، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد: ﴿فلا يخف﴾ على النهي ١١٣ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: وكما أنزلنا عليك ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبئة عما سيقع من أحوال القيامة وأهوالها ﴿وأنزلناه﴾؛ أي؛ أنزلنا القرآن كله، وإضماره من غير سبق ذكر للإيذان بنباهة شأنه، وكونه مركوزًا في العقول، حاضرًا في الأذهان، قال الزمخشري: وكما أنزلنا عليك هؤلاء الآيات، أنزلنا القرآن كله على هذه الوتيرة. اهـ وعبارة "السمين". ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾: معطوف على قوله: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ اهـ قال في "بحر العلوم": ويجوز أن يكون ذلك إشارةً إلى مصدر ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: مثل ذلك الإنزال البين ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ حال كونه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾؛ أي (١): بلغة العرب ليفهموه، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجًا عن طوق البشر، نازلًا من عند خلاق القوى والقدر. والمعنى: وكما أنزلنا (٢) ما ذكر من الوعد وأحوال يوم القيامة وأهوالها، أنزلنا القرآن كله بأسلوب عربي مبين، ليتفهمه العرب الذين نزل عليهم، ويتفقهوا بدراسته، ويسعدوا بالعمل بما حواه، مما فيه سعادة البشر في دنياهم وآخرتهم، وفي "التأويلات النجمية"؛ أي: كما أنزلنا الصحائف والكتب إلى آدم وغيره من الأنبياء بألسنتهم ولغاتهم المختلفة، كذلك أنزلنا إليك قرآنًا عربيًا بلغة العرب، وحقيقة كلامه التي هي الصفة القائمة بذاته، منزهة عن الحروف والأصوات المختلفة المخلوقة، وإنما الأصوات والحروف تتعلق باللغات والألسنة

стр. 7735

المختلفة. اهـ. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ﴾؛ أي: وبينا في القرآن، وكررنا فيه بعض الوعيد والتهديد، وفي "التأويلات النجمية"؛ أي: أوعدنا فيه قومك بأصناف العقوبات التي عاقبنا بها الأمم الماضية، وكررنا ذلك عليهم، قال في الكبير: يدخل تحته بيان الفرائض والمحارم؛ لأن الوعيد بهما يتعلق. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: لكي يخافوا عقاب الله، فيجتنبوا الشرك والمعاصي، بالفعل ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾ القرآن ويجدد لهم ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: إيقاظًا واتعاظًا واعتبارًا بهلاك من قبلهم من الأمم، حين يسمعونهم فيثبطوا عنها, ولهذه (١) النكتة أسند التقوى إليهم والإحداث إلى القرآن، وإحداث (٢) الشيء إيجاده بعد أن لم يكن، والحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن عرضًا كان أو جوهرًا. وفي "الكرخي": أضيف الذكر إلى القرآن ولم تضف التقوى إليه؛ لأن التقوى: عبارة عن أن لا يفعل القبيح، وذلك استمرار على العدم الأصلي، فلم يحسن إسناده إلى القرآن، وأما حدوث الذكر .. فأمر يحدث بعد أن لم يكن، فجازت إضافته إلى القرآن. اهـ. وقرأ (٣) الحسن: ﴿أو يحدث﴾ ساكنة الثاء، وقرأ عبد الله، ومجاهد، وأبو حيوة، والحسن - في رواية - والجحدري، وسلام: ﴿أو نحدث﴾ بالنون وجزم الثاء، وذلك حمل وصل على وقف، أو تسكين حرف الإعراب استثقالًا لحركته، وفي "زاد المسير": وقرأ ابن مسعود، وعاصم الجحدري: ﴿أو نحدث﴾ بنون مرفوعة. انتهى. ومعنى الآية: أي وخوفناهم بضروب من الوعيد، كي يجتنبوا الشرك، والوقوع في المعاصي والآثام، أو يحدث لهم عظةً تدعوهم إلى فعل الطاعات. وخلاصة ذلك: أنهم بدراستهم: إما أن يصلوا إلى مرتبة هي ترك المعاصي والوقوع في الآثام، وإما أن يرتقوا إلى مرتبة هي فوق ذلك، وهي: أن يفعلوا الطاعات، ويؤدوا الفرائض والواجبات.

стр. 7736

١١٤ - وبعد أن عظم الله كتابه، أردفه بتعظيم نفسه فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ ؛ أي: ارتفع بذاته، وتنزه عن مماثلة المخلوقين، في ذاته وصفاته وأفعاله وأحواله ﴿الْمَلِكُ﴾؛ أي: السلطان النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن يرجى وعده، ويخشى وعيده ﴿الْحَقُّ﴾ في ملكوته وألوهيته، الحقيق بالملك لذاته. الحاصل: أنه سبحانه، لما بيَّن (١) للعباد عظيم نعمته عليهم، بإنزال القرآن .. نزه نفسه عن مماثلة مخلوقاته في شيء من الأشياء؛ أي: جل الله عن إلحاد الملحدين، وعما يقول المشركون في صفاته، فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب، وإنه الحق؛ أي: ذو الحق، ولا يخفى (٢) ما في هذا من طلب الإقبال على دراسة القرآن، وبيان أن قواعده وزواجره سياسات إلهية، فيها صلاح الدارين، لا يحيد عنها إلا من خذله الله، وأن ما تضمنه من الوعد والوعيد حق كله، لا يحوم الباطل حول حماه، وأن المحق من أقبل عليه بشراشره، والمبطل من أعرض عن تدبر زواجره ﴿وَلَا تَعْجَلْ﴾ يا محمد ﴿بِالْقُرْآنِ﴾؛ أي: بقراءته في نفسك ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى﴾ ويؤدي ﴿إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾؛ أي: إلقاؤه وقراءته، ويفرغ منه ويتم جبريل تبليغه لك، وكان (٣) محمد ﷺ إذا ألقى إليه جبريل الوحي .. يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ، فنهي عن ذلك، إذ ربما يشغله التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها. المعنى: لا تعجل بقراءة القرآن خوف النسيان والانفلات قبل أن يستتم جبريل قراءته، ويفرغ من الإبلاغ والتلقين، فإذا بلَّغ فاقرأه، وقال أبو مسلم: ولا تعجل بقراءته في نفسك، أو في تأديته إلى غيرك، أو في اعتقاد ظاهره، أو في تعريف غيرك ما يقتضيه ظاهره، وفي هذا أنزل قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾.

стр. 7737

وخلاصة ذلك: أنصت حين نزول الوحي بالقرآن عليك، حتى إذا فرغ الملك من قراءته .. فاقرأه من بعده. وقرأ الجمهور (١): ﴿يُقْضَى إِلَيْكَ﴾ مبنيًا للمفعول ﴿وَحْيُهُ﴾: مرفوع به، وقرأ عبد الله، والجحدري والحسن، وأبو حيوة، ويعقوب، وسلام، والزعفراني، وابن مقسم: ﴿نقضي﴾ بنون العظمة، مفتوح الياء ﴿وحيه﴾: بالنصب، وقرأ الأعمش؛ كذلك إلا أنه سكن الياء من ﴿نقضي﴾ قال صاحب، اللوامح لا وذلك على لغة من لا يرى فتح الياء، بحال إذا انكسر ما قبلها وحلت طرفًا. انتهى. وفي "التأويلات النجمية" وفي قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ إشارة إلى سكوته عند قراءة القرآن، واستماعه والتدبر في معانيه وأسراره، للتنور بأنواره، وكشف حقائقه، ولهذا قال: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد في نفسك ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾؛ أي: فهمًا (٢) لإدراك حقائقه، فإنها غير متناهية، وتنورًا بأنواره، وتخلقًا بخلقه، وقال بعضهم: ﴿عِلْمًا﴾ بالقرآن، فكان كل ما نزل عليه شيء من القرآن .. ازداد به علمًا. والمعنى: أي سل الله زيادةً في العلم، دون استعجال بتلاوة الوحي، فإن ما أوحي إليك يبقى لا محالة، روى الترمذي، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار". وكان ابن مسعود: إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني إيمانًا وفقهًا ويقينًا وعلمًا. وفي الآية: بيان لشرف العلم، وقيل: ما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بطلب الزيادة في شيء إلا في طلب العلم، والمعتبر هو العلم النافع، ولذلك قال ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" والعلم بالله لا يتيسر إلا بتصفية الباطن، فتصفية القلب عما سوى الله تعالى من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ولذلك

стр. 7738

كان مطمع نظر الأكابر في إصلاح القلوب والسرائر. الإعراب ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية و ﴿اللام﴾:موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿قَالَ﴾: فعل ماض ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به ﴿هَارُونُ﴾: فاعل ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾ أيضًا، أو حال من ﴿هَارُونُ﴾ والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة ﴿فُتِنْتُمْ﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل ﴿به﴾ متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونه جواب النداء ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ﴾ (الواو): عاطفة ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿رَبَّكُمُ﴾ اسمها ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبرها، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن ربكم الرحمن، وأردتم إظهار النصيحة لكم .. فأقول لكم ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ﴿اتبعوني﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وإن شئت قلت. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب ﴿نَبْرَحَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ واسمها: ضمير مستتر عائد على عابدي العجل ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَاكِفِينَ﴾ ﴿عَاكِفِينَ﴾: خبر ﴿نَبْرَحَ﴾ منصوب بالياء، وجملة ﴿نَبْرَحَ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، بمعنى إلى ﴿يَرْجِعَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة

стр. 7739

وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق به ﴿مُوسَى﴾: فاعل والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره، إلى رجوع ﴿مُوسَى﴾. ﴿إِلَيْنَا﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَبْرَحَ﴾ أو بـ ﴿عَاكِفِينَ﴾. ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: معطوفة بعاطف مقدر على جملة محذوفة، تقديرها: فرجع موسى إليهم و ﴿قَالَ يَا هَارُونُ ...﴾ إلخ. ﴿يَا هَارُونُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت .. قلت ﴿يَا هَارُونُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخ، في محل الرفع مبتدأ ﴿مَنَعَكَ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿مَا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿إِذْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿مَنَعَكَ﴾. ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، وجملة: ﴿ضَلُّوا﴾ في محل النصب مفول ثان لـ ﴿رأيت﴾ إن قلنا إنها قلبية، أو في محل النصب حال من ضمير المفعول إن قلنا إنها بصرية، وجملة ﴿رأيت﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾ زائدة ﴿تتبع﴾: فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله: ضمير يعود على ﴿هَارُونُ﴾ و ﴿النون﴾ نون الوقاية وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية: في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بحرف محذوف، تقديره: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ من اتباعك إياي في الجبل، أو في الغضب لله الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَنَعَكَ﴾. ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾. ﴿أَفَعَصَيْتَ﴾ الهمزة: فيه للاستفهام التوبيخي، المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أأقمت بين هؤلاء الذين عبدوا العجل ﴿فَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. ﴿عَصَيْتَ أَمْرِي﴾: فعل وفاعل ومفعول،

стр. 7740

والجملة، معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على ﴿هَارُونُ﴾ والجملة: مستأنفة ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿ابن﴾: منادى مضاف منصوب بفتحة ظاهرة ﴿ابن﴾: مضاف ﴿أمَّ﴾ بالفتح: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المنقلبة ألفًا للتخفيف، بعد قلب الكسرة فتحة لمناسبة الألف المحذوفة اجتزاءً عنها بالفتحة ﴿أمَّ﴾ مضاف وياء المتكلم المنقلبة ألفًا محذوفةً: في محل الجر مضاف إليه، وبالكسر مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة ﴿أم﴾: مضاف وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، وقد بسطنا إعراب المنادى المضاف إلى ياء المتكلم في رسالتنا "هدية أولى العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف" فراجعها إن أردت بسط المقام، وجملة المنادى: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة ﴿تَأْخُذْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾: ناهية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿بِلِحْيَتِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَأْخُذْ﴾. ﴿وَلَا بِرَأْسِي﴾: معطوف على ﴿بِلِحْيَتِي﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿خَشِيتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَقُولَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة الفعلية، مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ قولك ﴿فَرَّقْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿تَقُولَ﴾. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بـ ﴿فَرَّقْتَ﴾ ﴿بَيْنَ﴾ مضاف ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مضاف إليه ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ (الواو): عاطفة ﴿لم ترقب﴾: جازم ومجزوم، وفاعله: ضمير يعود على ﴿هارون﴾. ﴿قَوْلِي﴾: مفعول به ومضاف إليه وياء المتكلم: واقعة على ﴿مُوسَى﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَرَّقْتَ﴾: على كونها مقولًا لتقول؛ أي: ﴿و﴾
следующие страницы →