١١٤ - وبعد أن عظم الله كتابه، أردفه بتعظيم نفسه فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ ؛ أي: ارتفع بذاته، وتنزه عن مماثلة المخلوقين، في ذاته وصفاته وأفعاله وأحواله ﴿الْمَلِكُ﴾؛ أي: السلطان النافذ أمره ونهيه، الحقيق بأن يرجى وعده، ويخشى وعيده ﴿الْحَقُّ﴾ في ملكوته وألوهيته، الحقيق بالملك لذاته.
الحاصل: أنه سبحانه، لما بيَّن (١) للعباد عظيم نعمته عليهم، بإنزال القرآن .. نزه نفسه عن مماثلة مخلوقاته في شيء من الأشياء؛ أي: جل الله عن إلحاد الملحدين، وعما يقول المشركون في صفاته، فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب، وإنه الحق؛ أي: ذو الحق، ولا يخفى (٢) ما في هذا من طلب الإقبال على دراسة القرآن، وبيان أن قواعده وزواجره سياسات إلهية، فيها صلاح الدارين، لا يحيد عنها إلا من خذله الله، وأن ما تضمنه من الوعد والوعيد حق كله، لا يحوم الباطل حول حماه، وأن المحق من أقبل عليه بشراشره، والمبطل من أعرض عن تدبر زواجره ﴿وَلَا تَعْجَلْ﴾ يا محمد ﴿بِالْقُرْآنِ﴾؛ أي: بقراءته في نفسك ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى﴾ ويؤدي ﴿إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾؛ أي: إلقاؤه وقراءته، ويفرغ منه ويتم جبريل تبليغه لك، وكان (٣) محمد ﷺ إذا ألقى إليه جبريل الوحي .. يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة، لكمال اعتنائه بالتلقي والحفظ، فنهي عن ذلك، إذ ربما يشغله التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها.
المعنى: لا تعجل بقراءة القرآن خوف النسيان والانفلات قبل أن يستتم جبريل قراءته، ويفرغ من الإبلاغ والتلقين، فإذا بلَّغ فاقرأه، وقال أبو مسلم: ولا تعجل بقراءته في نفسك، أو في تأديته إلى غيرك، أو في اعتقاد ظاهره، أو في تعريف غيرك ما يقتضيه ظاهره، وفي هذا أنزل قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾.
стр. 7737
وخلاصة ذلك: أنصت حين نزول الوحي بالقرآن عليك، حتى إذا فرغ الملك من قراءته .. فاقرأه من بعده.
وقرأ الجمهور (١): ﴿يُقْضَى إِلَيْكَ﴾ مبنيًا للمفعول ﴿وَحْيُهُ﴾: مرفوع به، وقرأ عبد الله، والجحدري والحسن، وأبو حيوة، ويعقوب، وسلام، والزعفراني، وابن مقسم: ﴿نقضي﴾ بنون العظمة، مفتوح الياء ﴿وحيه﴾: بالنصب، وقرأ الأعمش؛ كذلك إلا أنه سكن الياء من ﴿نقضي﴾ قال صاحب، اللوامح لا وذلك على لغة من لا يرى فتح الياء، بحال إذا انكسر ما قبلها وحلت طرفًا. انتهى.
وفي "التأويلات النجمية" وفي قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ إشارة إلى سكوته عند قراءة القرآن، واستماعه والتدبر في معانيه وأسراره، للتنور بأنواره، وكشف حقائقه، ولهذا قال: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد في نفسك ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾؛ أي: فهمًا (٢) لإدراك حقائقه، فإنها غير متناهية، وتنورًا بأنواره، وتخلقًا بخلقه، وقال بعضهم: ﴿عِلْمًا﴾ بالقرآن، فكان كل ما نزل عليه شيء من القرآن .. ازداد به علمًا.
والمعنى: أي سل الله زيادةً في العلم، دون استعجال بتلاوة الوحي، فإن ما أوحي إليك يبقى لا محالة، روى الترمذي، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار".
وكان ابن مسعود: إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني إيمانًا وفقهًا ويقينًا وعلمًا.
وفي الآية: بيان لشرف العلم، وقيل: ما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بطلب الزيادة في شيء إلا في طلب العلم، والمعتبر هو العلم النافع، ولذلك قال ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع" والعلم بالله لا يتيسر إلا بتصفية الباطن، فتصفية القلب عما سوى الله تعالى من أعظم القربات، وأفضل الطاعات، ولذلك
стр. 7738
كان مطمع نظر الأكابر في إصلاح القلوب والسرائر.
الإعراب
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية و ﴿اللام﴾:موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿قَالَ﴾: فعل ماض ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به ﴿هَارُونُ﴾: فاعل ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾ أيضًا، أو حال من ﴿هَارُونُ﴾ والجملة الفعلية: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة ﴿يَا قَوْمِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة ﴿فُتِنْتُمْ﴾: فعل مغير الصيغة ونائب فاعل ﴿به﴾ متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونه جواب النداء ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ﴾ (الواو): عاطفة ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿رَبَّكُمُ﴾ اسمها ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبرها، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على الجملة الفعلية قبلها، على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن ربكم الرحمن، وأردتم إظهار النصيحة لكم .. فأقول لكم ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ ﴿اتبعوني﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿لَنْ نَبْرَحَ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي لـ ﴿قَالُوا﴾ وإن شئت قلت. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي ونصب ﴿نَبْرَحَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿لَنْ﴾ واسمها: ضمير مستتر عائد على عابدي العجل ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿عَاكِفِينَ﴾ ﴿عَاكِفِينَ﴾: خبر ﴿نَبْرَحَ﴾ منصوب بالياء، وجملة ﴿نَبْرَحَ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية، بمعنى إلى ﴿يَرْجِعَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة
стр. 7739
وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق به ﴿مُوسَى﴾: فاعل والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره، إلى رجوع ﴿مُوسَى﴾. ﴿إِلَيْنَا﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَبْرَحَ﴾ أو بـ ﴿عَاكِفِينَ﴾.
﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: معطوفة بعاطف مقدر على جملة محذوفة، تقديرها: فرجع موسى إليهم و ﴿قَالَ يَا هَارُونُ ...﴾ إلخ. ﴿يَا هَارُونُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت .. قلت ﴿يَا هَارُونُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخ، في محل الرفع مبتدأ ﴿مَنَعَكَ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿مَا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿إِذْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿مَنَعَكَ﴾. ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، وجملة: ﴿ضَلُّوا﴾ في محل النصب مفول ثان لـ ﴿رأيت﴾ إن قلنا إنها قلبية، أو في محل النصب حال من ضمير المفعول إن قلنا إنها بصرية، وجملة ﴿رأيت﴾: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾ زائدة ﴿تتبع﴾: فعل مضارع منصوب بأن، وفاعله: ضمير يعود على ﴿هَارُونُ﴾ و ﴿النون﴾ نون الوقاية وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية: في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور بحرف محذوف، تقديره: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ من اتباعك إياي في الجبل، أو في الغضب لله الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَنَعَكَ﴾.
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾.
﴿أَفَعَصَيْتَ﴾ الهمزة: فيه للاستفهام التوبيخي، المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف تقديره: أأقمت بين هؤلاء الذين عبدوا العجل ﴿فَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾. ﴿عَصَيْتَ أَمْرِي﴾: فعل وفاعل ومفعول،
стр. 7740
والجملة، معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله: ضمير يعود على ﴿هَارُونُ﴾ والجملة: مستأنفة ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾ حرف نداء ﴿ابن﴾: منادى مضاف منصوب بفتحة ظاهرة ﴿ابن﴾: مضاف ﴿أمَّ﴾ بالفتح: مضاف إليه مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، المنقلبة ألفًا للتخفيف، بعد قلب الكسرة فتحة لمناسبة الألف المحذوفة اجتزاءً عنها بالفتحة ﴿أمَّ﴾ مضاف وياء المتكلم المنقلبة ألفًا محذوفةً: في محل الجر مضاف إليه، وبالكسر مضاف إليه مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة ﴿أم﴾: مضاف وياء المتكلم في محل الجر مضاف إليه، وقد بسطنا إعراب المنادى المضاف إلى ياء المتكلم في رسالتنا "هدية أولى العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف" فراجعها إن أردت بسط المقام، وجملة المنادى: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة ﴿تَأْخُذْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾: ناهية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿بِلِحْيَتِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَأْخُذْ﴾. ﴿وَلَا بِرَأْسِي﴾: معطوف على ﴿بِلِحْيَتِي﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿خَشِيتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿أَنّ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿تَقُولَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة الفعلية، مع أن المصدرية: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ قولك ﴿فَرَّقْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿تَقُولَ﴾. ﴿بَيْنَ﴾: ظرف مكان متعلق بـ ﴿فَرَّقْتَ﴾ ﴿بَيْنَ﴾ مضاف ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مضاف إليه ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ (الواو): عاطفة ﴿لم ترقب﴾: جازم ومجزوم، وفاعله: ضمير يعود على ﴿هارون﴾. ﴿قَوْلِي﴾: مفعول به ومضاف إليه وياء المتكلم: واقعة على ﴿مُوسَى﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَرَّقْتَ﴾: على كونها مقولًا لتقول؛ أي: ﴿و﴾
стр. 7741
خشيت أن تقول ﴿لم ترقب قولي﴾: أي: ﴿قَوْلِي﴾ لك ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ وعلى هذا الاحتمال جمهور المفسرين، ويجوز عطف قوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ﴾ على ﴿أَنْ تَقُولَ﴾: فيكون الضمير في ﴿قَوْلِي﴾ واقعًا على ﴿هَارُونُ﴾؛ أي: وخشيت عدم ترقبك لـ ﴿قَوْلِي﴾؛ أي: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ﴾ وخشيت عدم تأملك في ﴿قَوْلِي﴾ حتى تفهم عذري.
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (٩٥) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿فَمَا خَطْبُكَ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿فَمَا﴾ الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: اتخذت العجل إلهًا ﴿فَمَا خَطْبُكَ﴾ والجملة المحذوفة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿ما﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخي في محل الرفع مبتدأ ﴿خَطْبُكَ﴾: خبر المبتدأ، ومضاف إليه، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة المحذوفة ﴿يَا سَامِرِيُّ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿السَامِرِيُّ﴾ والجملة: مستأنفة ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾ وإن شئت قلت: ﴿بَصُرْتُ﴾: فعل وفاعل ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿لَمْ يَبْصُرُوا﴾: جازم وفعل وفاعل ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها، والعائد: ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿فَقَبَضْتُ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قبضت﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿بَصُرْتُ﴾. ﴿قَبْضَةً﴾: مفعول به وهو مصدر مرة من قبض، وإطلاقها على المقبوض من تسمية المفعول بالمصدر ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿قَبْضَةً﴾ وهو على تقدير مضافين؛ أي: ﴿مِنْ أَثَرِ﴾ حافر فرس ﴿الرَّسُولِ﴾ والمعنى: من تربة موطئه ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ (الفاء) عاطفة ﴿نبذتها﴾ فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿قبضت﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (الواو): عاطفة ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صف لمصدر محذوف ﴿سَوَّلَتْ﴾. ﴿نَفْسِي﴾ فعل
стр. 7742
وفاعل ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ والتقدير وسولت لي نفسي عبادة العجل تسويلًا كائنًا كتسويل الذي فعلته من القبض والنبذ، ويصح كون (الكاف) زائدة واسم الإشارة مفعولًا مقدمًا لـ ﴿سَوَّلَتْ﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على الجمل التي قبلها، على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾.
﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿فَاذْهَبْ﴾ (الفاء): فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلت: إن فعلك هذا من تسويل النفس، وأردت بيان جزائك .. فأقول لك ﴿اذهب﴾ ﴿اذهب﴾: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على ﴿السَّامِرِيُّ﴾ والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَإِنَّ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿إِنّ﴾ حرف نصب ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لأن ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾: متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿أن﴾ ﴿أَنْ تَقُولَ﴾: ناصب وفعل منصوب، وفاعله: ضمير يعود على ﴿السَّامِرِيُّ﴾ والجملة الفعلية: في تأويل مصدر منصوب على كونه اسم ﴿أَنّ﴾ تقديره: فإن قولك ﴿لَا مِسَاسَ﴾ كائن لك ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾ وجملة ﴿إنّ﴾: معطوفة على جملة ﴿اذهب﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿لَا﴾ نافية تعمل عمل إن ﴿مِسَاسَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾: محذوف تقديره: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ كائن لي، وجملة ﴿لَا﴾: في محل النصب مقول ﴿تَقُولَ﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ الواو: عاطفة ﴿إنّ﴾: حرف نصب ﴿لَكَ﴾ خبرها مقدم ﴿مَوْعِدًا﴾: اسمها مؤخر ﴿لَنْ﴾ حرف نصب ﴿تُخْلَفَهُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، منصوب بـ ﴿لَن﴾ ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿السَّامِرِيُّ﴾ وهو المفعول الأول، و (الهاء): ضمير متصل في محل النصب مفعول ثان له، والجملة الفعلية: في محل النصب صفة لـ ﴿مَوْعِدًا﴾ ولكنها سببية، والتقدير: وإن موعدا لن تخلفه كائن لك، وجملة ﴿إِنَّ﴾: معطوفة على جملة ﴿إن﴾ المذكورة قبلها.
стр. 7743
﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.
﴿وَانْظُرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على ﴿السَّامِرِيُّ﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاذْهَبْ﴾. ﴿إِلَى إِلَهِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿انظر﴾ ﴿الَّذِي﴾: في محل جر صفة لـ ﴿إِلَهِكَ﴾. ﴿ظَلْتَ﴾: فعل ناقص واسمه وأصله: ظللت بلامين أولاهما مكسورة حذفت تخفيفًا كما سيأتي في مبحث التصريف ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿عَاكِفًا﴾. ﴿عَاكِفًا﴾ خبر ﴿ظَلْتَ﴾ والجملة: صلة الموصول، والعائد: ضمير عليه ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ (اللام): موطئة للقسم ﴿نحرقن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ ومن معه و (الهاء): ضمير متصل في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: جواب القسم، وجملة القسم: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وترتيب ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ (اللام): موطئة للقسم ﴿ننسفن﴾ فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ ومن معه و (الهاء): ضمير متصل في محل النصب مفعول به، وجملة القسم: معطوفة على جملة القسم المذكورة قبلها ﴿فِي الْيَمِّ﴾: متعلق بـ ﴿ننسفن﴾. ﴿نَسْفًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة.
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة ﴿إِلَهُكُمُ﴾: مبتدأ ﴿اللَّهُ﴾ خبره والجملة: مستأنفة أو في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة للجلالة ﴿لَا﴾: نافية ﴿إِلَهَ﴾ في محل النصب اسم ﴿لَا﴾ وخبر ﴿لَا﴾: محذوف تقديره: موجود ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ هُو ضمير للمفرد المنزه في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾ وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها صلة الموصول ﴿وَسِعَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الموصول ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿عِلْمًا﴾: تمييز محول عن الفاعل، والجملة
стр. 7744
الفعلية: بدل من جملة ﴿لَا﴾ على كونها صلة الموصول.
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾.
﴿كَذَلِكَ﴾ جار ومجرور صفة لمصدر محذوف ﴿نَقُصُّ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿اللَّهُ﴾. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به، والتقدير: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ قصًا كائنًا كقص قصة موسى ﵇ والجملة: مستأنفة ﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾: جار ومجرور صفة لموصوف محذوف هو مفعول به ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ نبأً كائنًا ﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ ﴿مَا قَدْ سَبَقَ﴾ ﴿أَنْبَاءِ﴾ مضاف ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿سَبَقَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَا﴾ والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ (الواو): عاطفة ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿آتَيْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه حال من ﴿ذِكْرًا﴾. ﴿ذِكْرًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿أتيناك﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال من فاعل ﴿نَقُصُّ﴾ أو مستأنفة.
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾.
﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿أَعْرَضَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿فَإِنَّهُ﴾ (الفاء): رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾: الشرطية لكون الجواب جملة اسمية ﴿إن﴾: حرف نصب و (الهاء): اسمها ﴿يَحْمِلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق به ﴿وِزْرًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿يَحْمِلُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية: في محل النصب صفة لـ ﴿ذِكْرًا﴾؛ أي: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ منطوياً مشتملاً على هذه القصص ﴿يَحْمِلُ﴾ المعرض عنه ﴿وِزْرًا﴾ كاملًا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من فاعل ﴿يَحْمِلُ﴾ العائد على ﴿مَنْ﴾ الشرطية مراعاة لمعناها بعد مراعاة لفظها ﴿فِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾
стр. 7745
والضمير: يعود للوزر ﴿وَسَاءَ﴾ (الواو): استئنافية ﴿ساء﴾ فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: هو يعود على المبهم الذي يفسره التمييز المتأخر عنه لفظًا ورتبة ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بالقول المقدر؛ أي: يقال: هذا الكلام لهم في حقهم لا متعلقة بـ ﴿ساء﴾ وقيل: هي كاللام في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾؛ أي: لمجرد البيان، فراجع سورة يوسف ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿ساء﴾. ﴿حِمْلًا﴾ تمييز لفاعل ﴿ساء﴾ وجملة ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ جملة إنشائية مستأنفة، والمخصوص بالذم، محذوف تقديره: وزرهم، والمعنى: بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرًا بالقرآن. اهـ "كرخي".
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: بدل من ﴿يَوْمَ الْقِيَامَة﴾. ﴿يُنْفَخُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ﴿فِي الصُّورِ﴾: جار ومجرور نائب فاعل، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿وَنَحْشُرُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُنْفَخُ﴾ وفاعله: ضمير يعود على الله ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾: مفعول به ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف أضيف إلى ظرف متعلق بـ ﴿نحشر﴾ والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة ﴿زُرْقًا﴾: حال من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ وجملة.
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾.
﴿يَتَخَافَتُونَ﴾: حال من المجرمين أو مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في ذلك اليوم ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾. ﴿إِن﴾: نافية ﴿لَبِثْتُمْ﴾: فعل وفاعل إلا أداة حصر استثناء مفرغ ﴿عَشْرًا﴾ منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لقول محذوف، واقع حالًا من فاعل ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾؛ أي: يتسارون بينهم، حال كونهم قائلين: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: مستأنفة ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ ﴿إِذْ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾ ﴿يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿طَرِيقَةً﴾ تمييز ذات، والجملة: مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿إِنْ﴾ نافية ﴿لَبِثْتُمْ﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر ﴿يَوْمًا﴾ ظرف متعلق بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾ والجملة الفعلية: في
стр. 7746
محل النصب مقول ﴿يقول﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ الواو: استئنافية ﴿يسألونك﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿عَنِ الْجِبَالِ﴾ في محل المفعول الثاني، والجملة: مستأنفة مسوقة لتقرير تعنتهم وإصرارهم على الجدل والمكابرة والاستهزاء ﴿فَقُلْ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على محمد، والجملة: معطوفة على جملة ﴿يسألونك﴾. ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي﴾: فعل ومفعول به وفاعل ﴿نَسْفًا﴾: مفعول مطلق، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قل﴾. ﴿فَيَذَرُهَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿يذرها﴾ فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَنْسِفُهَا﴾. ﴿قَاعًا﴾: حال من الضمير المنصوب، أو مفعول ثان لتضمين ﴿يذر﴾ معنى التصيير ﴿صَفْصَفًا﴾: حال ثانية، أو بدل من المفعول الثاني، وأعربه بعضهم صفةً له ﴿لَا﴾: نافية ﴿تَرَى﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب ﴿فِيهَا﴾، متعلق بـ ﴿تَرَى﴾. ﴿عِوَجًا﴾: مفعول به لأن ﴿تَرَى﴾: بصرية ﴿وَلَا أَمْتًا﴾: معطوف على ﴿عِوَجًا﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب حال ثالثة أو حال أولى.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يومَ﴾: منصوب على الظرفية وهو مضاف ﴿إذٍ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، في محل الجر مضاف إليه، مبني بسكون مقدر، والتنوين: عوض عن الجملة المحذوف، والظرف: متعلق بـ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ أو بدل من ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ المتقدم ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: مستأنفة ﴿لا﴾ نافية ﴿عِوَجَ﴾ في محل النصب اسم ﴿لا﴾. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾ وجملة ﴿لا﴾: في محل النصب حال من ﴿الدَّاعِيَ﴾ أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: يتبعونه اتباعًا ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ ويجوز أن تكون مستأنفة، والأول: أظهر؛ لأن
стр. 7747
الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود عليه؛ أي: ﴿لَا عِوَجَ﴾ لدعائه بل يسمع جميعهم، فلا يميل إلى أناس دون أناس ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَتَّبِعُونَ﴾. ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿خشعت﴾. ﴿فَلَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿لا﴾ نافية ﴿تَسْمَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير مستتر فيه يعود على أي مخاطب، أو على محمد ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿هَمْسًا﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿خشعت﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى ظرف متعلق بـ ﴿لَا تَنْفَعُ﴾. ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ ﴿مَن﴾ اسم موصول واقع على المشفوع، في محل النصب مفعول به لـ ﴿تَنْفَعُ﴾ ويجوز أن تكون بدلًا من ﴿الشَّفَاعَةُ﴾ على قاعدة المستثنى المنفي، أو النصب على الاستثناء المتصل من ﴿الشَّفَاعَةُ﴾ ولا بد في هذين الوجهين من تقدير مضاف، تقديره: إلا شفاعة من أذن له، وإذا اعتبر المستثنى منقطعًا .. وجب نصبه، فتلخص فيه أربعة أوجه متقاربة الرجحان، ورجح الزمخشري الرفع على البدلية، وتبعه القاضي البيضاوي ﴿أَذِنَ﴾ فعل ماض ﴿لَهُ﴾ متعلق به ﴿الرَّحْمَنُ﴾ فاعل والجملة: صلة الموصول ﴿ورضي﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿رضي﴾ ﴿قَوْلًا﴾ مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿أَذِنَ﴾.
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾.
﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿الرَّحْمَنُ﴾ والجملة: مستأنفة مسوقة لتقرير علمه تعالى ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة الموصول ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾: معطوف على ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾. ﴿وَلَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾: نافية ﴿يُحِيطُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿عِلْمًا﴾ تمييز محول عن الفاعل منصوب بـ ﴿يُحِيطُونَ﴾. ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿لِلْحَيِّ﴾:
стр. 7748
جار ومجرور متعلق بـ ﴿عنت﴾. ﴿الْقَيُّومِ﴾: صفة ﴿لِلْحَيِّ﴾. ﴿وَقَدْ﴾ (الواو): حالية ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿خَابَ﴾: فعل ماض ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة: في محل النصب حال من ﴿الْوُجُوهُ﴾ والرابط محذوف، تقديره: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ والحال أنه قد خاب من حمل ظلما من أصحابها ﴿حَمَلَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿ظُلْمًا﴾ مفعول به والجملة: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿يَعْمَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿من﴾ وفاعله: ضمير يعود على محمد ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: جار ومجرور صفة لمفعول محذوف تقديره: أعمالًا ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾ ﴿فَلَا﴾ (الفاء): رابطة لجواب ﴿مِنَ﴾ الشرطية ﴿لا﴾ نافية ﴿يَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مِنَ﴾. ﴿ظُلْمًا﴾: مفعول به ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ معطوف عليه، وجملة ﴿يَخَافُ﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية: في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ﴾.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الواو: عاطفة ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والتقدير: وأنزلنا القرآن كله إنزالًا مثل إنزال هذه الآيات، المتضمنة لأحوال يوم القيامة، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أو مستأنفة ﴿قُرْآنًا﴾ حال من ضمير المفعول في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. ﴿عَرَبِيًّا﴾: صفة له ﴿وَصَرَّفْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾. ﴿فِيهِ﴾: متعلقة بـ ﴿صرفنا﴾. ﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾: صفة لمفعول محذوف؛ أي: صرفنا فيه وعيدًا من الوعيد أو ﴿مِنَ﴾ زائدة ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ناصب واسمه،
стр. 7749
وجملة ﴿يَتَّقُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾ وجملة ﴿لعل﴾: في محل الجر بلام التعليل المقدرة؛ لأن ﴿لعل﴾ هنا للتعليل؛ أي: لكي ﴿يَتَّقُونَ﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف ﴿يُحْدِثُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على القرآن ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُحْدِثُ﴾. ﴿ذِكْرًا﴾: مفعول به، والجيملة الفعلية: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَتَّقُونَ﴾.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.
﴿فَتَعَالَى﴾ الفاء: استئنافية ﴿تَعَالَى اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿الْمَلِكُ﴾: صفة أولى للجلالة ﴿الْحَقُّ﴾: صفة ثانية له ﴿وَلَا تَعْجَلْ﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾ ناهية ﴿تَعْجَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ ناهية، وفاعله: ضمير يعود على محمد ﴿بِالْقُرْآنِ﴾: متعلق به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿تعالى﴾ ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَعْجَلْ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿يُقْضَى﴾: فعل مضارع مغير الصغة منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به ﴿وَحْيُهُ﴾: نائب فاعل، والجملة الفعلية مع ﴿أن﴾ المصدرية: في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ قضاء وحيه إليك وقيل: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على محمد، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿زِدْنِي عِلْمًا﴾: فعل وفاعل مسشتر، ومفعولان ونون وقاية، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء.
التصريف ومفردات اللغة
﴿عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾؛ أي: مقيمين على عبادته، قال الراغب: العكوف: الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم ﴿فَمَا خَطْبُكَ﴾؛ أي: شأنك، وما الأمر العظيم الذي صدر منك، والخطب لغةً: الأمر العظيم الذي يكثر فيه التخاطب، وهو من تقاليب الخبط، ففيه إشارة إلى عظيم خبطه كما مر ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ بضم الصاد فيهما؛ أي: علمت بما لم يعلمه القوم، وفطنت لما لم يفطنوا
стр. 7750
له، يقال: بصر بالشيء بضم الصاد: إذا علمه وأبصره إذا نظر إليه، وهو من باب ظرف، ويقال: بصر بالكسر من باب علم، قال في "القاموس": بصر به ككرم وفرح بصرًا وبصارةً، ويكسر صار مبصراً، وفي "المفردات": قلما يقال: بصرت في الحاسة إذا لم تضامه رؤية القلب ﴿فَقَبَضْتُ﴾ يقال: قبض الشيء بيده يقبض: من باب جلس، وعلى الشيء: إذا أمسكه بيده، وضم إليه أصابعه، وقبض يده عن الشيء: امتنع عن إمساكه، وقبضه عن الأمر: أنحاه وقبضه الله أمانته، وقبض الشيء خلاف بسطه ووسعه، وقبض الطائر جناحه جمعه وقبض الدار ونحوها تسلمها، وقبض منه المال: أخذه لنفسه، وقبض قبضة: أخذها.
والقبضة: المرة من القبض، وهو الأخذ بجميع الكف، أطلقت على المقبوض مرةً، ويقال: قبص بالصاد المهملة؛ لأنهما تتعاقبان في كثير من الكلمات، قال يعقوب بن السكيت: وقبضت قبضة وقبصت قبصة، ويقال: إن القبضة أقل من القبصة، وقال غيره: القبص: بأطراف الأصابع، والقبض: بالكف كلها ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ النبذ: إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به؛ أي: طرحتها في الحلي المذابة، أو في فم العجل، فكان ما كان كما مر.
﴿لَا مِسَاسَ﴾ بكسر الميم مصدر قياس من باب فاعل، قال في "المفردات" المس: كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء، وإن لم يوجد، والمس يقال: فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس، وفي "القاموس": قوله تعالى: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ بالكسر، أي: لا أَمُسُّ ولا أُمَسُّ، وكذلك التماس ومنه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. انتهى؛ أي: لا مسني أحد، ولا أمس أحدًا خوفًا من أن تأخذ كما الحمى؛ أي: لا مخالطة فلا يخالطه أحد، ولا يخالط أحدًا، فعاش وحيدًا طريدًا ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ والخلف والإخلاف: المخالفة في الوعد، يقال: وعدني فأخلفني؛ أي: خالف في الميعاد ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أصله: ظللت بلامين، أولاهما مكسورة، فحذفت الأولى تخفيفًا قال في "المفردات": ظلت بحذف إحدى اللامين يعبر به عما يُفعل بالنهار، ويجري مجرى صوت، والمعنى: صوت مقيمًا على عبادته ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ من نسفت الريح التراب: إذا أقلعته وأزالته وذرته،
стр. 7751
والنسف: التفرقة والتذرية، وقيل: قلع الشيء من أصله، يقال: نسفه ينسفه بكسر السين وضمها في المضارع ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ والقص: تتبع الأثر، والقصص: الأخبار المتتبعة ﴿مِنْ أَنْبَاءِ﴾ جمع نبأ، والنبأ: خبر ذو فائدة عظيمة، يحصل به علم أو غلبة ظن ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ والصور: قرن ونحوه، ينفخ فيه حين يدعى الناس إلى المحشر، كما ينفخ فيه في الدنيا حين الأسفار، وفي المعسكرات ﴿زُرْقًا﴾؛ أي: زرق الأبدان، سود الوجوه، لما هم فيه من الشدائد والأهوال، جمع أزرق، وهو: صفة مشبهة فيها ضمير مستتر هو فاعلها ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾؛ أي: يخفضون أصواتهم ويخفونها لما لحقهم من الرعب والهول. اهـ "أبو السعود" وفي، "المختار": خفت الصوت: سكن وبابه جلس، والمخافتة والتخافت والخفت، بوزن السبت: إسرار المنطق. اهـ.
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ يقال: لبث بالمكان: أقام به ملازمًا له ﴿أَمْثَلُهُمْ﴾؛ أي: أفضلهم وأعدلهم رأيًا أو عملًا في الحياة الدنيا، وجمعه: أماثل ومثل، ومؤنثه: مثلى قال في "المفردات": الأمثل يعبر به عن الأشبه بالأفاضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم: كناية عن خيارهم وعلى هذا قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ انتهى والطريقة المثلى: الشبهى بالحق، ويقال: المريض اليوم أمثل؛ أي: أحسن حالة ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ في "المصباح": نسفت الريح التراب نسفًا، من باب ضرب: اقتلعته وفرقته، ونسفت البناء نسفًا: قلعته من أصله، ونسفت الحبَّ نسفًا، واسم الآلة منسف بكسر الميم. انتهى ﴿قَاعًا﴾ القاع: أرض سهلة مطمئنة، انفرجت عنها الجبال والآكام، والجمع: أقواع وأقوع وقيع وقيعان وقيعه، وقيل: هو المنكشف من الأرض، وقيل: المستوي الصلب منها، وقيل: ما لا نبات فيه ولا بناء.
﴿صَفْصَفًا﴾ والصفصف: الأرض المستوية الملساء، كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة، وفي "القاموس": الصفصف: المستوى من الأرض، وقاع صفصف: مستو مطمئن، فهو بمثابة التأكيد للقاع لأنه بمعناه ﴿عِوَجًا﴾ العوج بفتح العين في المحسوسات، وبكسرها في المعاني، وما هنا من قبيل الأول، لكنه عبر
стр. 7752
فيه بمكسور العين لكونه لشدة خفائه، كأنه صار من قبيل المعاني؛ أي: لا تدركه فيها لو تأملته بالمقاييس الهندسية اهـ "أبو السعود". ﴿أَمْتًا﴾ الأمت: هو النتو اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت، وقيل: الأمت: هو التل، وهو قريب من الأول، وقيل: هو الشقوق في الأرض، وقيل: الآكام. اهـ "سمين" وفي "القاموس": أَمَتْهُ يَأْمَتُهُ، قدره وحزره، كأَمَّتَهُ وقَصَدَهُ، وأجل مأموت مؤقت، والأمت: المكان المرتفع، والتلال الصغار، والانخفاض، والارتفاع، والاختلاف في الشيء، والجمع: آمات وأموت، والضعف والوهن، والطريقة والعوج والعيب في الفم، وفي الثوب والحجر، وأن يغلظ مكان ويرق مكان، والمؤمَّت: المملوء والمتهم بالشر ونحوه، والخمر حرمت لا أمت فيها، أي: لا شك في حرمتها. اهـ ﴿إِلَّا هَمْسًا﴾ الهمس: الصوت الخفي، وهو مصدر همست الكلام من باب ضرب، إذا أخفيته، ومنه الحروف المهموسة، وقيل: ما يسمع من وقع الأقدام على الأرض، ومنه همست الإبل: إذا سمع ذلك من وقع أخفافها على الأرض. اهـ "سمين".
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ في "المختار": عنا يعنو من باب سما يسموا، فالألف محذوفة قبل تاء التأنيث لالتقاء الساكنين: إذا ذل وخضع، ومنه العناة: جمع عان وهو الأسير، فأصله الأول: عنوت الوجوه، تحركت الواو وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فصار عنات ثم حذفت لالتقائها ساكنة مع تاء التأنيث، وكأن هذا ليس بلازم، بل يصح أن يقال حذفت الواو ابتداءً وفي "السمين" يقال: عنا يعنو عناءً: إذا ذل وخضع، وأعناه غيره؛ أي: أذله، ومنه العناة جمع عان وهو الأسير. اهـ. وأما عني كرضي، يعني عناءً: فهو بمعنى تعب. اهـ شيخنا.
﴿الْقَيُّومِ﴾ القائم بتدبير أمور عباده، ومجازات كل نفس بما كسبت ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ والضم: النقص، تقول العرب: هضمت لزيد من حقه؛ أي: نقصت منه، ومنه: هضم الكشحين؛ أي: ضامرهما، ورجل هضيم ومهتضم؛ أي: مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ تعالى تفعل من العلو، وليست مرتبة شريفة إلا والحق تعالى في أعلى درجاتٍ منها وأرفعها، وذلك لأنه
стр. 7753
مؤثر وواجب لذاته، وكل ما سواه أثر وممكن، ولا مناسبة بين الواجب والممكن، قال في "الإرشاد" وهو استعظام له تعالى ولشؤونه، التي يُصَرِّف عليها عباده، من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، وغير ذلك.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التأكيد بزيادة حرف في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ لأن لا حرف زائد للتأكيد.
ومنها: إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول في قوله: ﴿قَبْضَةً﴾ لأن القبضة المرة من القبض، فأطلق على المقبوض، كضرب الأمير.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ لأن الأصل من أثر حافر فرس الرسول.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وهو: تشبيه مرسل مجمل.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ شبه الوزر بالحمل الثقيل، بطريق الاستعارة التصريحية الأصلية.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾؛ أي: في الوزر، والوزر: لا يقام فيه، ولكن أراد العقاب المتسبب عن الوزر، فالعلاقة فيه السببية.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ لأنه كناية عن أمر الدنيا وأمر الآخرة.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ وجناس الاشتقاق في قوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾ وفي قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ وفي قوله: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾.
стр. 7754
ومنها: الكناية في قوله: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ لأن الإعراض حقيقة في المحسوس، وهذا كناية عن عدم اتباعه، وترك العمل به، وفي قوله: ﴿يحمل ... وزرا﴾ فإنه كناية عن مباشرة العقوبة.
ومنها: إنشاء الذم في قوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾.
ومنها: إبهام الفاعل في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ إفادةً للتهويل.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ لما فيه من إطلاق العام وإرادة الخاص؛ لأن المراد به كلمة لا إله إلا الله، وفي قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ لما فيه من إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ لأن المراد: أصحابها، وخُصت بالذكر؛ لأن الذل أول ما يظهر فيها.
منها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
كان من ذلك ذكر قصة آدم، وذكر شيء من أحواله فيها لم يتقدم ذكرها، فكان في ذلك مزيد علم له ﵊.
وعبارة المراغي هنا: أن الله لما ذكر أنه صرَّف الوعيد في القرآن، وكرره لعلهم يتقون، أو يحدث لهم ذكرًا .. أردف (١) ذلك ببيان أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك، ونسوه كما لم يلتفت أبوهم آدم إلى الوعيد، ونسي العهد، فمخالفتهم قديمة، وعرقهم فيها راسخ، ثم فصَّل عهده لآدم، وبيَّن كيف نسيه، وفقد العزم، ثم ذكر عصيان إبليس للسجود لآدم، وتحذيره من الخروج من الجنة إذا اتبع نصائحه، وهو بعد كل هذا قد أطاع وساوسه، وقبل إرشاده، فأكل من الشجرة التي نهي عن الأكل منها، فأخرج من الجنة مع إعلامه بأن الشيطان عدو له ولذريته.
ثم بيَّن أن من جاءه الهدى من ربه، واتبعه .. عاش في الدنيا قرير العين، هادىء البال، ويؤتى في الآخرة ما شاء الله أن يؤتى، من ألوان النعيم والسعادة، ومن أعرض عن ذلك .. عاش في الدنيا عيشةً ضنكًا، إذ هو لشدة حرصه عليها يخاف انتقاصها، ومن ثم يغلب عليه الشح والبخل، ويفعل كل منكر في سبيل جمع المال من أي وجه كان، ولا يبالي أمن حلال كان أم من حرام، أما المؤمن الذي لا يعنيه جمع حطام الدنيا، فإنه في سرور وراحةٍ، قل ماله أو كثر، ثم أردف هذا ببيان سبب ذلك، وهو إعراضه في الدنيا عن الآيات البينات التي تهديه إلى سبيل الرشاد، ومن ثم يسير في جهالته إلى يوم القيامة، وهذا مما يوجب له أشد الآلام الروحية، من حين مماته إلى حين الحشر، وهكذا يجازي الله المسرفين المكذبين بآياته في الدنيا والآخرة، جزاءً وفاقًا لما اجترحوا من السيئات، وارتكبوا من الذنوب والآثام، كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ...﴾ الآيات، مناسبة
стр. 7757
هذه الآيات لما قبلها، أن الله لما ذكر حال من أعرض عن ذكر الله في الآخرة بقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ...﴾ أتبعه بما يكون عبرةً للمشركين لو تفكروا فيه، وهو ما نزل بالمكذبين للرسل ممن قبلهم من الأمم، الذين يمرون بديارهم بكرةً وعشيًا، كقوم عاد وثمود، وكيف أصبحت ديارهم خرابًا بلقعًا، ليس فيها ديَّار ولا نافخ نار، ثم بيَّن أنه لولا سبق الكلمة بتأخير عذابهم إلى أجل مسمى .. لحاق بهم مثل ما حاق ممن قبلهم، ثم أمر رسوله بالصبر على ما يسمونه به، من نحو قولهم: إنه ساحر، وإنه مجنون، وعدم المبالاة بمقالتهم، وعليه أن يكثر من التسبيح، وعبادة ربه آناء الليل وأطراف النهار، ولا يلتفت إلى شيء مما متع به الكفار من زهرة الدنيا، التي أوتيت لهم لتكون ابتلاءً واختبارًا، وما عند الله خير منها وأبقى، ثم طلب إليه أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليها، وهو لا يكلفه رزقًا لنفسه ولا لغيره، فالله يرزقه من واسح فضله، وعظيبم عطائه، والعاقبة لمن اتقى ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (١)، لما أمر رسوله ﷺ بالصبر على أقاويلهم، التي أرادوا بها تكذيبه والكيد له، وشديد أذاه .. حكى بعض تلك الأقاويل الباطلة، ومنها ادعاؤهم أن القرآن ليس بحجة ولا معجزة تدل على نبوة محمد ﷺ ثم أبان لهم أنهم يوم القيامة سيعترفون بأنه آية بينة ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ ومن ثم لم نهلكهم قبله حتى تنقطِع معذرتهم، كما حكى الله عنهم من قوله: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ ثم ختم السورة بضرب من الوعيد، وكأنه قال: قل لهم: كل منا ومنكم منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم، وحينئذٍ يتميز المحق من المبطل بما يظهر على الأول من أنواع الكرامة والتعظيم، وعلى الثاني من ضروب الخزي والإهانة، ويظهر مَنْ منا صار على الطريق السوي ومن المهتدي.
стр. 7758
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ...﴾ الآية، سبب نزوله (١): ما أخرجه ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبزار، وأبو يعلى عن أبي رافع قال: أضاف النبي ﷺ ضيفاً، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن أسلفني دقيقاً إلى هلال رجب، فقال: لا، إلا برهن، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" فلم أخرج من عنده حتى نزل هذه الآية ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١١٥ - ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد عهدنا إلى آدم أبي البشر، ووصيناه، وأمرناه أن لا يأكل من الشجرة ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل أكله منها، أو من قبل (٢) هؤلاء الذين تركوا أمري، ونقضوا عهدي بتكذيبك ﴿فَنَسِيَ﴾ عهدنا، وأكل منها ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾؛ أي: تصميمًا على الاحتياط، وحفظًا لما أمر به، وثباتًا عليه، أو صبرًا عن أكل الشجرة، يقال: عهد فلان إلى فلان بعهد؛ أي: ألقى العهد إليه، وأوصاه بحفظه، والعهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، وسمي: الموثق الذي يلزم مراعاته عهدًا، وعهد الله تارةً يكون بما ركزه في عقولنا، وتارةً يكون بما أمرنا به بكتابه وبألسنة رسله، وتارةً بما نلتزمه، وليس بلازم في أصل الشرع، كالنذور وما يجري مجراها.
وآدم أبو البشر ﵇ قيل: سمي بذلك لكون جسده من أديم الأرض، وقيل: لسمرة لونه، يقال: رجل آدم؛ أي: أسمر، وقيل: سمي بذلك لكونه من عناصر مختلفة، وقوىً مفترقة، يقال: جعلت فلانًا أدْمَة أهلي؛ أي: خلطته بهم، وقيل: سمي بذلك لما طيب به من الروح المنفوخ فيه، وجعل له من العقل والفهم، والرؤية التي فُضل بها على غيره، وذلك من قولهم: الإدام؛ وهو: ما يطيب به الطعام، وقيل: أعجمي وهو الأظهر.
стр. 7759
والمعنى: وعزتي وجلالي، لقد أمرنا آدم ووصيناه بأن لا يأكل من الشجرة، وهي المعهودة، وسيأتي بيانها بعد هذه الآية ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الزمان ﴿فَنَسِيَ﴾ العهد ولم يهتم به حتى غفل عنه، والنسيان بمعنى: عدم الذكر، أو تركه ترك المنسي عنه، قال الراغب: النسيان: ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو عن قصد، حتى ينحذف عن القلب ذكره، وكل نسيان من الإنسان ذمه الله تعالى به فهو ما كان أصله عن تعمد، وما عذر فيه. وأما ما روي من قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" فهو ما لم يكن سببه منه، والوجود في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ يجوز (١) أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه حينئذٍ ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ وقدم الثاني على الأول لكونه ظرفًا، وأن يكون نقيض العدم، كأنه قال: وعدمنا ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ وهذا هو الأنسب بالمقام.
والمعنى (٢)؛ لم نعلم له، أو لم نصادق له تصميم رأي، وثبات قدم في الأمور، ومحافظةً على ما أمر به، وعزيمةً على القيام به، إذ لو كان كذلك لما أزله الشيطان، ولما استطاع تغريره، وكان ذلك منه في بدء أمره من قبل أن يجرب الأمور، ويتولى قارّها وحارّها، ويذوق شريّها وأريّها, لا من نقصان عقله، فإنه أرجح الناس عقلًا، كما قال ﵇: "لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه" وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ومعنى هذا: أن آدم مع ذلك أثر فيه وسوسته، فكيف في غيره، قيل: لم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعًا عن الإنسان، فكان مؤاخذًا به، وإنما رفع عنا معشر الأمة المحمدية.
قال أبو الفتح البستي في الإعتذار من النسيان إلى بعض الرؤساء:
يَا أَكْثَرَ النَّاسِ إِحْسَانَاً إِلَى النَّاسِ ... يَا أَحْسَنَ الْخَلْقِ إِعْرَاضَاً عَنْ الْبَاسِ
стр. 7760
نَسِيْتُ وَعْدَكَ وَالنِّسْيَانُ مُغْتَفَرٌ ... فَاغْفِرْ فَأَوَّلُ النَّاسِ أَؤَّلُ النَّاسِيْ
وقرأ (١) معاذ القارىء، وعاصم الجحدري، وابن السميقع، واليماني، والأعمش: ﴿نسي﴾ بضم النون وتشديد السين؛ أي: نساه الشيطان.
فائدة: قال علي (٢) ﵁: عشرة أمور يورثن النسيان: كثرة الهم، والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل التفاح الحامض، وأكل الكزبرة، وأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح القبور، والنظرة إلى المصلوب، والمشي بين الجملين المقطورين، وإلقاء القملة حية.
وزاد في "المقاصد الحسنة" مضغ العلك؛ أي: للرجال إذا لم يكن من علة كالبخر، ولا يكره للمرأة إن لم تكن صائمة، لقيامه مقام السواك في حقهن؛ لأن سنها أضعف من سن الرجال، كسائر أعضائها، فيخاف من السواك سقوط سنها، وهو ينقي الأسنان، وتشد اللثة كالسواك.
اعلم: أن من أشد أسباب النسيان: العصيان، فنسأل الله العصمة والحفظ.
١١٦ - ثم شرع سبحانه في بيان كيفية ظهور نسيانه، وفقدان عزمه، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ والعامل في إذ مقدر، تقديره: اذكر، وتعليق (٣) الذكر بالوقت، مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث للمبالغة؛ لأنه إذا وقع الأمر بذكر الوقت، كان ذكر ما فيه من الحوادث لازماً بطريق الأولى، وقد تقدم تفسير هذه القصة في البقرة مستوفى؛ أي: واذكر يا محمد قصة وقت قولنا: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾؛ لمن في الأرض والسماء منهم عموماً كما سبق تحقيقه ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ سجود تحيةٍ وتكريمٍ.
قال البيضاوي (٤): اذكر حاله في ذلك الوقت، ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات، وفيه (٥) إشارة إلى استحقاقه لسجودهم لمعان جمة:
стр. 7761
منها: أنه خلق لأمر عظيم هو الخلافة.
ومنها؛ أنه خلقه على صورة الرحمن، كما ورد في الحديث.
ومنها: أنه سبحانه قال في شأنه: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾.
ومنها: أنه اختص بعلم الأسماء كلها، وأنهم احتاجوا إليه في إنباء الأسماء، كما قال تعالى: ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ فوجب عليهم أداء حقوقه بالسجود له.
﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أي: فسجد الملائكة كلهم أجمعون تعظيمًا لأمر ربهم، وامتثالًا له ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فإنه لم يسجد، ولم يطرح أردية الكبر، ولم يخفض جناحه، يقال: أبلس إذا تحير، ومنه إبليس، أو هو أعجمي كما في "القاموس" وقوله: ﴿أَبَى﴾ استئناف بياني، كأنه قيل: ما باله لم يسجد فقيل: أبى السجود وامتنع منه، قال في "المفردات" الإباء شدة الامتناع، فكل إباءٍ امتناع، وليس كل امتناع إباء.
المعنى (١): أي اذكر أيها الرسول الكريم: ما وقع في ذلك منا ومن آدم، حتى يستبين لك نسيانه وفقدان عزمه، إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم فلبوا الأمر، إلا إبليس فإنه امتنع وأبى أن يكون مع الساجدين، وقد تقدم ذكر هذا القصص في سورة البقرة، والأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، وسيأتي ذكره في سورة ص، وفيه إشارة إلى تكريم آدم وتفضيله على كثير ممن خلق.
١١٧ - ﴿فَقُلْنَا﴾ له عقيب ذلك، اعتناءً بنصحه وإرشاده ﴿يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا﴾ الحقير الذي رأيت منه ما رأيت من التكبر ﴿عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ حواء، ومن ثم لم يسجد لك، وخالف أمري وعصاني، فلا تطيعاه فيما يأمركما به، والزوج: اسم للمفرد، بشرط أن يكون معه آخر من جنسه، ذكرًا كان أو أنثى، ولعداوته وجوه (٢):
الأول: أنه كان حسودًا له، فلما رأى نعم الله على آدم .. حسده فصار
стр. 7762
عدوًا له، وفيه إشارة إلى أن كل من حسد أحدًا يكون عدوًا، ويريد هلاكه ويسعى في إفساد حاله.
والثاني: أنه كان شابًا عالمًا، وإبليس شيخاً جاهلًا؛ لأنه أثبت فضيلته بفضيلة أصله، وأنه جاهل، والشيخ الجاهل يكون أبدًا عدو الشاب العالم.
الثالث: أنه مخلوق من النار، وآدم من الماء والتراب، وبين أصليهما عداوة فبقيت العداوة بينهما ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: فلا يكونن إبليس سببًا لإخراجكما من الجنة، فهو من قبيل إسناد الفعل إلى سببه، وإلا فالمخرج حقيقةً هو الله ، وظاهره: وإن كان نهى إبليس عن الإخراج، إلا أن المراد نهيهما عن أن يكونا بحيث يتسبب الشيطان في إخراجهما منها بالطريق البرهاني ﴿فَتَشْقَى﴾؛ أي: فتتعبا بمتاعب الدنيا، التي لا تكاد تحصى، فهو جواب النهي.
وخلاصة ذلك (١): إياك أن تسعى في إخراجك منها، فتتعب وتشقى في طلب رزقك، وأنت هاهنا في عيش رغدٍ هنيء، بلا كلفةٍ ولا مشقةٍ، ولم يقل: فتشقيا؛ لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده، فهو المخاطب فاكتفى به، أو لأنه الكاسب، فكان التعب في حقه أكثر، ذكره الماوردي، أو لأن إسناد الشقاء إليه لرعاية الفواصل، ولأصالته فيه، وفي "القاموس" الشقاء: الشدة والعسر، ويمد. انتهى.
فالمعنى (٢): لا تباشر أسباب الخروج، فيحصل الشقاء، وهو: الكد والتعب الدنيوي، مثل الحرث والزرع والحصد والطحن والعجن والخبر ونحو ذلك، مما لا يخلو الناس في أمر تعيشهم، ويؤيده ما بعد الآية، وعن ابن جبير: أهبط له ثور أحمر، يحرث عليه فيأكل بكد يمينه، وعرق جبينه.
١١٨ - ثم علل ما يوجبه ذلك النهي بما فيه الراحة الكاملة عن التعب والاهتمام فقال: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾ ﴿لَكَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ و ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ في محل النصب
стр. 7763
على الاسمية؛ أي: قلنا له: إن حالك يا آدم، ما دمت في الجنة عدم الجوع، إذ النعم كلها حاضرةً فيها ﴿وَلَا تَعْرَى﴾؛ أي: وإن لك فيها أن لا تعرى من الثياب، لأن الملبوسات كلها موجودة في الجنة، والعري: تجرد الجلد عما يستره، وقرأ (١) أبيّ بن كعب ﴿لا تُجوع﴾ ﴿ولا تُعرى﴾ بالتاء المضمومة والألف
١١٩ - ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ﴾ ولا تعطش ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة؛ لأن العيون والأنهار جارية على الدوام ﴿وَلَا تَضْحَى﴾؛ أي: لا يصيبك حر الشمس في الجنة، إذ لا شمس فيها، وأهلها في ظلٍ ممدودٍ، يقال: ضحيَ الرجل للشمس بكسر الحاء: إذا برز وتعرّض لها، و ﴿أن﴾ بالفتح مع ما في حيزها: عطف على ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ وفصل (٢) الظمأ عن الجوع، دفعاً لتوهم أن نفيهما نعمة واحدة، وكذا الحال في الجمع بين العري والضحو.
والمعنى (٣): أي لا يكون لك في الجنة جوع ولا عري، ولا ظمأ ولا إصابة بحر الشمس، وقرن بين الجوع والعري أولًا؛ لأن في الجوع ذل الباطن، وفي العري ذل الظاهر، وبين حر الباطن وهو العطش، وحر الظاهر وهو الضحى ثانيًا، فنفى الله عن ساكن الجنة ذل الظاهر والباطن، وحر الظاهر والباطن، وقد ذكر الله (٤) سبحانه هاهنا أنه قد كفاه الاشتغال بأمر المعاش، وتعب الكد في تحصيله، ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي تحصيل الشبع، والري، والكسوة، والسكن، وما عدا هذه ففضلات يمكن البقاء بدونها، وهو إعلام من الله سبحانه لآدم أنه إن أطاعه .. فله في الجنة هذا كله، وإن ضيَّع وصيته، ولم يحفظ عهده .. أخرجه من الجنة إلى الدنيا، فيحل به التعب والنصب، بما يدفع الجوع والعري، والظمأ والضحو، فالمراد بالشقاء: شقاء الدنيا، كما قاله كثير من المفسرين، لا شقاء الأخرى، قال الفراء: هو أن يأكل من كد يديه، وقرأ شيبة، ونافع، وحفص، وابن سعدان: ﴿وإنك لا تظمأ﴾ بكسر همزة ﴿وإنك﴾ وقرأ الجمهور: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص
стр. 7764
عن عاصم؛ ﴿وَأَنَّكَ﴾ بفتحها، قال أبو علي: من فتح .. حمله على ﴿أن لك أن لا تجوع﴾ ﴿وأن لك أن لا تظما﴾ ومن كسر استأنف.
١٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: أنهى إلى آدم وسوسته وأبلغ، فتعديته بإلى باعتبار تضمينه معنى الإنهاء والإبلاغ، والوسوسة: الصوت الخفي، ومنها وسواس الحلي لأصواتها، وهو فعل لازم، وجملة قوله: ﴿قَالَ﴾ إما بدل من ﴿وسوس﴾ أو مستأنفة بتقدير سؤال، كأنه قيل: فماذا قال في وسوسته، فقيل: ﴿قَالَ﴾ الشيطان ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾؛ أي (١): على شجرة من أكل منها .. خلد، ولم يمت أصلًا، سواء كان على حاله أو بأن يكون ملكًا، فأضافها إلى ﴿الْخُلْدِ﴾ وهو الخلود لأنها سببه بزعمه، كما قيل لحيزوم فرس الحياة لأنها سببها؛ أي فألقى النصيحة إلى آدم، وقال له: هل أدلك على شجرة إن أكلت منها .. خلدت ولم تمت، وملكت ملكًا لا ينقضي ولا يفنى.
قال الراغب: الخلود تبرِّي الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، والخلود في الجنة: بقاء الأشياء على الحالة التي هي عليها، من غير اعتراض الفساد عليها ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾؛ أي: لا يزول ولا ينقضي، ولا يختل بوجه من الوجوه؛ أي: تصرف يدوم ولا ينقطع (٢)؛ أي: هل أدلك على الشجرة التي من أكل منها خلف، ولا يموت أصلًا، ودام ملكه، إما على حاله أو على أن يصير ملكًا
١٢١ - ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾؛ أي: أكل آدم وحواء من الشجرة ﴿فـ﴾ عريا من الثياب التي كانت عليهما حتى ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾؛ أي: عوراتهما، وظهرت فروجهما، يقال: بدا الشيء بَدْوًا وبُدُوًا: ظهر ظهورًا بينًا، وكنى عن الفرج: بالسوءة؛ لأنه يسوء الإنسان انكشافه؛ أي: يغمه ويحزنه؛ أي: ظهر لكل منهما قُبله وقُبل الآخر ودُبره.
قال الحصيري: بدت لهما ولم تبد لغيرهما، لئلا يعلم الأغيار من مكافأة الجناية ما علما، ولو بدت للأغيار .. لقال بدت منهما؛ أي: ظهرت فروجهما
стр. 7765
لكل منهما بسبب تساقط حلل الجنة عنهما لما أكلا من الشجرة، قال ابن عباس: إنهما عريا عن النور الذي كان الله ألبسهما إياه، حتى بدت فروجهما، وقيل (١): وكان لباسهما الظفر، فلما أصاب الخطيئة .. نزع عنهما، وتركت هذه البقايا في أطراف الأصابع، وعن أبي بن كعب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن أباكم آدم كان رجلًا طويلًا كالنخلة السحوق، كثير الشعر مواري العورة، فلما واقع الخطيئة .. بدت سوءته، فانطلق في الجنة هاربًا، فمر بشجرة فأخذت بناصيته فأجلسته، فناداه ربه: أفرارًا منى يا آدم؟ قال: لا يا رب، ولكن حياءً منك" ﴿وَطَفِقَا﴾؛ أي: شرع آدم وحواء ﴿يَخْصِفَانِ﴾؛ أي: يلزقان ويطبقان ﴿عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: لأجل ستر سوآتهما، فـ ﴿على﴾ تعليلية ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾؛ أي: من ورق أشجار الجنة، وهو ورق التين على ما قيل؛ أي: يلزقان ويضمان ورق التين بعضه ببعض، ورقةً ورقةً حتى يصير طويلًا عريضًا يصلح للاستتار به، كلما ألزقا بعضه ببعض تساقط، قيل: كان مدورًا فصار على هذا الشكل من تحت أصابعهما.
المعنى: أي (٢) فأكل آدم وحواء من الشجرة التي نهيا عن الأكل منها، وأطاعا أمر إبليس، وخالفا أمر ربهما، فانكشفت عورتهما وكانت مستورةً عن أعينهما، فشرعا يلزقان ورق التين عليهما، ليغطيا جسمهما ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾؛ أي: خالف نهي ربه باكله من الشجرة؛ لأنه اعتقد أن النهي عن شجرة معينة، وأن غيرها ليس منهيًا عنه ﴿فَغَوَى﴾؛ أي: ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود في الجنة، وخاب من نعيم الجنة، فلم يصب بأكله من الشجرة ما أراده؛ لأنه إنما أكل منها ليصير ملكه دائمًا، فلما أكل .. زال ملكه وخاب سعيه، أو ضل عن المأمور به، وهو التباعد عن الشجرة في ضمن ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أو عن الرشد، حيث اغتر بقول العدو؛ لأن الغي خلاف الرشد، وقيل: فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا، ومعنى ﴿عصى آدم ربه﴾؛ أي (٣): خالف نهيه، فالعصيان: هو
стр. 7766
المخالفة، لكنه خالف بتأويل؛ لأنه اعتقد أن أحدًا لا يحلف بالله كاذبًا، أو لأنه اعتقد أن النهي قد نسخ لما حلف له إبليس، أو لأنه اعتقد أن النهي عن شجرة معينة، وأن غيرها من بقية أفراد الجنس ليس منهيًا عنه.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "احتج آدم وموسى، فقال موسى: يا آدم أنت أبونا أخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده، أتلومني على أمر قدَّره الله تعالى عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عامًا، فحج آدم موسى" متفق عليه.
قال القاضي أبو بكر ابن عربي (١): لا يجوز لأحد أن يخبر اليوم بذلك عن آدم.
قلت: لا مانع من هذا بعد أن أخبرنا الله في كتابه بأنه عصاه، وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومما قلته في هذا المعنى:
عَصَى أَبُوْ الْعَالَم وَهْوَ الَّذِيْ ... مِنَ طِيْنَةٍ صَوَّرَهُ اللهُ
وَأَسْجَدَ الأَمْلاَكَ مِنْ أَجْلِهِ ... وَصَيَّرَ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ
أغْوَاهُ إِبْلِيْسُ فَمَنْ ذا أنا الْمِسْـ ... ـكِيْنُ إِنْ إِبْلِيْسُ أَغْوَاهُ
١٢٢ - ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾؛ أي: اصطفاه واختاره وقربه إليه، بالحمل على التوبة والتوفيق لها، قال ابن فورك: كانت المعصية من آدم قبل النبوة، فجائز عليهم الذنوب وجهًا واحدًا ﴿فَتَابَ﴾ ربه ﴿عَلَيْهِ﴾ وعلى زوجته؛ أي: قبل توبته حين تاب هو وزوجته قائلين: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ووجه تخصيص آدم بالذكر: لأن الكلام من أول القصة كان مع آدم وحده، كما مر هناك ﴿وَهَدَى﴾؛ أي: هداه إلى الثبات على التوبة، والتمسك بأسباب العصمة، وفيه (٢) إشارة إلى أنه لو وُكل إلى نفسه وغريزته التي جبل عليها .. ما كانت التوبة من شأنه، ولا الرجوع إلى الله من برهانه، ولكن الله بفضله وكرمه اجتباه، وبجذبة العناية رقاه، وإلى حضرة الربوبية هداه، وفي الحديث "لو جُمع
стр. 7767
بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود - لكان بكاؤه أكثر، ولو جُمع ذلك إلى بكاء نوح - لكان بكاؤه أكثر، ولو جُمع ذلك كله إلى بكاء آدم على خطيئته .. لكان أكثر".
ومعنى الآية (١): أي ثم اصطفاه ربه من بعد معصيته، ورزقه التوبة والعمل بما يرضيه حين قال هو وزوجته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فصل في بيان عصمة الأنبياء وما قيل في ذلك
قال الإِمام فخر الدين الرازي: اختلف (٢) الناس في عصمة الأنبياء، وضبط القول فيها يرجع إلى أقسام أربعة:
أحدهما: ما يقع في باب الاعتقاد، وهو اعتقاد الكفر والضلال، فإن ذلك غير جائز عليهم.
الثاني: ما يتعلق بالتبليغ فقط: اجتمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب، مواظبين على التبليغ والتحريض، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمدًا ولا سهوًا، ومن الناس من جوَّز ذلك سهوًا، قالوا: لأن الاحتراز عنه غير ممكن.
الثالث: ما يتعلق بالفتيا، فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيها على سبيل العمد، وأجازه بعضهم على سبيل السهو.
الرابع: ما يقع في أفعالهم:
فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال:
أحدها: قول من جوّز عليهم الكبائر.
الثاني: قول من منع من الكبائر، وجوّز الصغائر على جهة العمد، وهو قول أكثر المعتزلة.
стр. 7768
الثالث: لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة البتة، بل على وجه التأويل، وهو قول الجبائي.
الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ.
الخامس: أنه لا يقع منهم لا كبيرة ولا صغيرة، لا على سبيل العمد، ولا على سبيل السهو، ولا على سبيل التأويل، وهو قول الشيعة.
واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من حين وقت الولادة، وهو قول الشيعة.
الثاني: قول من ذهب إلى عصمتهم من وقت بلوغهم، وهو قول أكثر المعتزلة.
الثالث: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز منهم بعد النبوة، وهو قول أكثر أصحابنا، وأبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة.
قال الإِمام: والمختار عندنا: أنه لم يصدر عنهم ذنب لا صغيرة ولا كبيرة، من حين جاءتهم النبوة، ويدل عليه وجوه:
أحدها: أنه لو صدر الذنب عنهم .. لكان أقل درجة من أحد الأمة، وذلك غير جائز أيضًا؛ لأن درجة الأنبياء غاية في الرفعة والشرف.
والثاني: أنه لو صدر منه .. وجب أن يكون مقبول الشهادة، فكان أقل حالًا من عدول الأمة، وذلك غير جائز أيضًا؛ لأن معنى النبوة والرسالة: هو أن يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وأيضًا فإنه يوم القيامة شاهد على الكل.
الثالث: لو صدر من النبي ذنب .. وجب الاقتداء به فيه، وذلك محال.
الرابع: ثبت ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح ممن رفع الله درجته، وائتمنه على وحيه، وجعله خليفته في عباده وبلاده، يسمع ربه يناديه: لا تفعل كذا، فيقدم عليه ويفعله ترجيحًا لغرضه، واجتمعت الأمة على أن الأنبياء كانوا يأمرون
стр. 7769
الناس بطاعة الله، فلو لم يطيعوه لدخل تحت قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ وقال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
الخامس: قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ ولفظه للعموم، فيتناول الكل، ويدل على فعل ما ينبغي فعله، وترك ما ينبغي تركه، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل خير، وتاركين لكل منهي، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم.
السادس: قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقال تعالى في حق موسى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾ وغير ذلك من الآيات التي تدل على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيرة، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم، وذكر غير ذلك من الوجوه.
قال: وأما المخالف فقد تمسك بآيات:
منها: قصة آدم هذه، والجواب عنها: أن تقول: إن كلامهم إنما يتم لو بيَّنوا بالدلالة أن ذلك كان حال النبوة، وذلك ممنوع، ولم لا يجوز أن يقال: إن آدم حال ما صدرت عنه هذه الأشياء ما كان نبيًا، وإن هذه الواقعة كانت قبل النبوة، وإن الله تعالى قبل توبته، وشرفَّه بالنبوة والرسالة.
وقال القاضي عياض: وأما قصة آدم، وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؛ أي: جهل، وقيل: أخطأ، فقد أخبر الله تعالى بعذره في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾؛ أي: نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه، وقيل: لم يقصد المخالفة استحلالًا لها, ولكنه اغتر بحلف إبليس له ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ وتوهم أن أحدًا لا يحلف بالله كاذبًا، وقيل: نسي ولم ينو المخالفة، فلذلك قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾؛ أي: قصدًا للمخالفة، وقيل:
стр. 7770
بل أكل من الشجرة متأولًا، وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نُهي عنها؛ لأنه تأوَّل نهي الله عن شجرة مخصوصة، لا على الجنس، ولهذا قيل: إنما كانت التوبة من ترك التحفظ، لا من المخالفة، وقيل: تأول أن الله تعالى لم ينهه عنها نهي تحريم.
فإن قلت: إذا نُفيت عنهم الذنوب والمعاصي .. فما معنى قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وما تكرر في القرآن والحديث من اعتراف الأنبياء بذنوبهم، وتوبتهم واستغفارهم، وإشفاقهم وبكائهم على ما سلف منهم، وهل يتوب ويستغفر من لا شيء عليه؟
قلت: إن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عباده، وعظيم سلطانه، وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه ﷻ ، والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤخذ به غيرهم، وأنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها، ولم يؤمروا بها، وأتوها على وجه التأويل أو السهو، خائفون وجلون، وهي الذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم، ومعاصٍ بالنسبة إلى كمال طاعتهم، لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وكان هذا أدنى أفعالهم، وأسوأ ما يجري من أحوالهم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين؛ أي: يرونها بالإضافة إلى علو أحوالهم كالسيئات، وسنذكر في كل موضع ما يليق به وما قيل فيه، إن شاء الله تعالى.
١٢٣ - ﴿قَالَ﴾؛ أي: قال الرب الذي انتهكت حرمة داره، وخولف أمره لآدم وحواء، بعد صدور الزلة منهما: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا﴾؛ أي: انزلا من الجنة إلى الأرض، حالة كونكما ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين في الهبوط، وهذا خطاب العتاب واللوم في الصورة، وخطاب التكميل والتشريف في المعنى، يقال: هبط هبوطًا: إذا نزل من علو إلى سفل، وخصهما بالهبوط لأنهما أصل البشر، ثم عمم الخطاب لهما ولذريتهما فقال: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾؛ أي: حالة كونه بعض ذريتكما متعادين لبعض في أمر المعاش، كما عليه الناس من التجاذب والتحارب، والتحاسد والتباغض، وجمع الخطاب باعتبار أنهما أصل الذرية،
стр. 7771
ومآله بعضكم يا ذرية آدم عدو لبعض، أو المعنى (١): انزلا من الجنة إلى الأرض، أنتما عدو لإبليس وذريته، وإبليس عدوكما وعدو ذريتكما.
وفي "التأويلات النجمية": يشير (٢) إلى أنه جعل فيما بينهم العداوة، لئلا يكون لهم حبيب إلا هو، كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ ولما اختص آدم منهم بالاجتباء والاصطفاء، وأهبطه إلى الأرض معهم للابتلاء .. وعده بالاهتداء فقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾؛ أي: فإن يأتكم يا ذرية آدم وحواء ﴿مِنِّي هُدًى﴾؛ أي: هادٍ من كتاب ورسول، والأصل: فإن يأتكم و ﴿ما﴾: مزيدة لتأكيد معنى الشرط و ﴿ما﴾ هذه مثل لام القسم في دخول النون المؤكدة معها، وإنما جيء بكلمة الشك، وهي ﴿إن﴾ الشرطية إيذانًا بأن إتيان الهدى بطريق الكتاب والرسول، ليس بقطعي الوقوع، وأنه تعالى إن شاء .. هدى وإن شاء .. ترك، لا يجب عليه شيء، ولك أن تقول: إتيان الكتاب والرسول لما لم يكن لازم التحقق والوقوع أبرز في معرض الشك، وأكد حرف الشرط والفعل بالنون، دلالةً على رجحان جهة الوقوع والتحقق.
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾؛ أي: فمن آمن بالكتاب، وصدق بالرسول ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ في الدنيا عن طريق الدين القويم ما دام حيًا ﴿وَلَا يَشْقَى﴾؛ أي: لا يذل في الآخرة بالعذاب الدائم
١٢٤ - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: عن الكتاب الذاكر لي، والرسول الداعي إلى، والذكر يقع على القرآن وغيره من كتب الله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ في هذه الدنيا ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؛ أي: معيشةً ضيقةً، لما يكون فيه من القلق والحرص على الدنيا، والتهالك على ازديادها، والخوف من انتقاصها، فترى الشح غالبًا عليه، والبخل راسخاً في أعراقه، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، مع أنه قد يضيِّق الله عليه بشؤم الكفر، ويوسع بركة الإيمان, وقرىء ﴿ضنكى﴾ بضم الضاد على وزن فعلى، وقرأ الحسن ﴿ضنكى﴾ بألف التأنيث بلا تنوين، وبالإمالة على وزن فعلى كسكرى، وقرأ الجمهور ﴿ضَنْكًا﴾ بالتنوين وفتح الكاف فتحة إعراب.
стр. 7772
ومعنى الآية (١): أن الله ، جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه، أن يعيش في الدنيا عيشًا هنيئًا، غير مهموم ولا مغموم، ولا متعبٍ نفسه، كما قال سبحانه ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وجعل لمن أَتبع هواه وأعرض عن دينه، أن يعيش عيشًا ضيقًا في تعب ونصب، مع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب، فهو في الآخرة أشد تعبًا، وأعظم ضيقًا، وأكثر نصبًا، وذلك معنى قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾؛ أي: المُعْرِض؛ أي: نبعثه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾؛ أي: فاقد البصر، وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدى إلى شيء منها، أو جاهلًا بوجود الحق، كما كان جاهلًا في الدنيا؛ أي (٢): فإذا خرج هو من القبر .. خرج بصيرًا. فإذا سيق إلى المحشر .. عَمَى، فإذا دخل النار .. زال عماه، ليرى محله وحاله.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ بالنون، وفرقة منهم أبان بن تغلب: بسكون الراء، فيجوز أن يكون تخفيفًا، ويجوز أن يكون جزمًا بالعطف على موضع ﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ لأنه جواب الشرط، وقرأت فرقة ﴿ويحشره﴾ بالياء، وقرى ﴿ويحشره﴾ بسكون الهاء على لفظ الوقف.
وقصارى ذلك (٤): أن الله سبحانه، جعل لمن اتبع هداه، وتمسك بدينه العيش الهنيء، الذي لا هم فيه ولا غم، وجعل لمن أعرض عن دينه التعب والنصب، وهو في الآخرة أشد تعبًا، وأعظم ضيقًا، وأكثر ألمًا
١٢٥ - ﴿قَالَ﴾ المعرض الذي حُشر أعمى، استئناف بياني ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي﴾ وبعثتني - استفهام استخباري - حالة كوني ﴿أَعْمَى﴾؛ أي: فاقد البصر ﴿و﴾ الحال أني ﴿قد كنت بصيرًا﴾، أي: ذا بصر في الدنيا؛ أي: ﴿قَالَ﴾ المعرض ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ عن حجتي وعن رؤية الأشياء على حقيقتها، ﴿وَقَدْ كُنْتُ﴾ في الدنيا ذا بصر بذلك كله، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾.
стр. 7773
١٢٦ - ﴿قَالَ﴾ ربه مجيبًا هذا السائل: ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: أمرنا ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ما فعلنا بك من حشرك أعمى، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي حشرناك أعمى حشراً مثل الذي فعلت في الدنيا، من إعراضك عن الحق، ثم فسره بقوله: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾؛ أي: آيات الكتاب، أو دلائل القدرة، وعلامات الوحدة، واضحةً نيرةً، بحيث لا تخفى على أحد ﴿فَنَسِيتَهَا﴾؛ أي: أعرضت عنها وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر أصلًا، ولم تنظر فيها ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾؛ أي: تترك في العمى والعذاب، جزاءً وفاقًا، لكن لا أبدًا كما قيل: بل إلى ما شاء الله، ثم يزيله عنه، ليرى أهوال القيامة، ويشاهد مقعده من النار، ويكون ذلك له عذابًا فوق العذاب، وكذلك البكم والصم، يزيلهما الله عنهم ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾.
والمعنى: أي فكما تركت آياتنا ترك المنسي الذي لا يذكر أصلًا، وأعرضت عنها اليوم ننساك فنتركك في النار.
١٢٧ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجناية ﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَف﴾ وجاوز الحد في عصيانه، بالانهماك في الشهوات، والإسراف: مجاوزة الإنسان الحد في كل فعل يفعله، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾؛ أي: بالقرآن وسائر المعجزات، بل كذبها وأعرض عنها.
والمعنى: أي وهكذا نعاقب من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنجعل له معيشة ضنكًا، أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه قال: في الآية يقول: كل مال أعطيته عبدًا من عبادي، قل أو كثر، لا يتقيني فيه .. فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة.
ولما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين (١): المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في العقبى .. ختم آيات الوعيد بقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ على الإطلاق، أو عذاب النار ﴿أَشَدُّ﴾ وأوجع مما نعذبهم به في الدنيا، من ضنك
стр. 7774
العيش ونحوه ﴿وَأَبْقَى﴾ وأدوم وأكثر بقاءً؛ لأنه لا أمد له ولا نهاية ولا انقطاع، فمن أراد أن ينجو من عذاب الله، وينال ثوابه .. فعليه أن يصبر على الشدائد في الدنيا في طاعة الله، ويجتنب المعاصي وشهوات الدنيا، فإن الجنة قد حُفّت بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات، كما ورد في الحديث.
١٢٨ - وجملة قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ مستأنفة لتقرير ما قبلها، و (الهمزة) (١) فيها للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والهداية هنا: بمعنى التبين، من هدى بمعنى: اهتدى، فهو لازم، والفاعل: المصدر المأخوذ من ﴿أَهْلَكْنَا﴾ من غير سابك لإصلاح المعنى؛ لأن ذلك جائز كثير في كلامهم، وضمير ﴿لَهُمْ﴾ للمشركين المعاصرين لرسول الله ﷺ ، والقرون: جمع قرن وهم القوم المقترنون في زمن واحد، والتقدير: أغفل هؤلاء المشركون فلم يتبين لهم إهلاكنا كثيرًا من القرون قبلهم، حين كذبوا رسلهم، كعاد، وثمود، وقوم لوط، فيعتبروا بهذا الإهلاك، فيرجعوا عن تكذيب الرسول محمد ﷺ .
ويحتمل أن يكون الفاعل ضميرًا يعود على الله، ويؤيده القراءة بالنون، والهداية: من هدى المتعدي، فمفعوله محذوف، والتقدير: أجهل هؤلاء المشركون مآل أمرهم، فلم يبين الله سبحانه لهم خبر من ﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ حال كون القرون ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ويتقلبون في ديارهم في أمن وراحة، أو حالة كون هؤلاء المشركين يمشون في مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة، وطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية، خاويةً خاربةً، من أصحاب الحجر، وثمود، وقرى قوم لوط، فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك، وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَهْدِ﴾ بالياء، وقرأت فرقة - منهم ابن عباس والسلمي -: ﴿أفلم نهد﴾ بالنون، والمعنى على هذه القراءة: واضح والتقدير: أفلم نبين لأهل مكة بيانًا يهتدون به، كثرة من
стр. 7775
أهلكنا من القرون الماضية، من أصحاب الحجر، وثمود، وقرى قوم لوط، وجملة (١) قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ تعليل للإنكار، وتقرير للهداية، والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى مضمون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ إلى آخره.
والنُّهى: جمع نهيةٍ، وهي العقل، والمعنى: إن في ذلك الإهلاك بالعذاب، لعبرًا كثيرةً، ودلالاتٍ واضحةً على الحق، لأصحاب العقول الكاملة الناهية عن القبائح.
١٢٩ - ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ولولا الكلمة السابقة من ربك، والحكم الأزلي منه، بتأخير العذاب عن هذه الأمة؛ أي: أمة الدعوة، إلى الدار الآخرة، والمراد بتلك الكلمة (٢): العِدَةُ من الله بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، لحكمة تقتضيه، يعني: أن الكلمة إخبار الله ملائكته، وكتبه في اللوح المحفوظ: أن أمة محمد ﷺ إن كذبوا فسيؤخرون، ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال، لعلمه أن فيهم من يؤمن، ولو نزل بهم العذاب .. لعمهم الهلاك ﴿لَكَانَ﴾ عذاب ذنوبهم ﴿لِزَامًا﴾؛ أي: لازماً لهم، لا ينفك عنهم بحال، ولا يتأخر عنهم ساعةً، لزوم ما نزل بأولئك الغابرين عند تكذيبهم رسلهم، واللِّزَام: مصدر لازم الرباعي، من باب فاعل كقاتل، وُصف به للمبالغة، وقوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾ قاله الزجاج وغيره، والفصل (٣) للإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب، ولمراعاة فواصل الآي؛ أي: ولولا أجل مسمى لأعمارهم أو لعذابهم، وهو يوم القيامة، أو يوم بدر .. لكان عذاب جناياتهم لازماً لهم، ولما تأخر عنهم ساعةً.
قيل (٤): ويجوز عطف ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ على الضمير المستتر في ﴿كان﴾ العائد إلى الأخذ العاجل المفهوم من السياق، تنزيلًا للفصل بالخبر منزلة التأكيد، والتقدير ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ﴾ الأخذ العاجل ﴿لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾