← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

عادى الله؛ لأنَّ الله تعالى جعله واسطة بينه وبين رسله ﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإنَّ جبريل الأمين ﴿نَزَّلَهُ﴾؛ أي: نزل هذا القرآن ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يا محمد! وإنَّما خصَّ القلب بالذكر؛ لأنّه محلُّ الحفظ ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله تعالى، وإذا كان نزوله بإذن الله تعالى، فلا وجه للعداوة، وإنّما كان لها وجهٌ لو كان النزول برأيه، فالضمير (١) في قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ الأول لجبريل، والثاني للقرآن، وإضماره في الثاني مع عدم سبق المرجع يدلُّ على فخامة شأن القرآن؛ كأنَّه لتعينه؛ وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره؛ ولدلالة (٢) المعنى عليه، ألا ترى إلى قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه كُلُّها من صفات القرآن، ولقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: فإنَّ جبريل نزَّل القرآن على قلبك. وقيل: الضمير في ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائدٌ على الله، وفي ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائدٌ على جبريل، والتقدير: فإن الله نزَّل جبريل بالقرآن على قلبك، وفي كل من هذين التقديرين إضمارٌ يعود على ما عليه سياق المعنى، لكن التقدير الأوَّل أولى لما ذكرناه آنفًا؛ وليكون موافقًا لقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ ويُنْظَر للتقدير الثاني قراءةُ مَنْ قرأ ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد و ﴿الرُّوحَ﴾ بالنصب. وأتى بلفظ على في قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾؛ لأنَّ القرآن مستعلٍ على القلب، إذ القلب سامع له، ومُطيعٌ يمتثل ما أمر به، ويجتنب ما نهى عنه، وكانت أبلغ من إلى؛ لأنَّ إلى تدلُّ على الانتهاء فقط، و (على) تدلُّ على الاستعلاء، وما استعلى على الشيء يُضمَّنُ الانتهاء إليه. وخصَّ القلب ولم يقل عليك؛ لأن القلب هو محلُّ العقل، والعلم، وتلقِّي الواردات؛ أو لأنَّه صحيفته التي يرقم فيها، وخزانته التي يحفظ فيها؛ أو لأنَّه سلطان الجسد. وفي الحديث: "إنَّ في الجسد مضغةً، ثُمَّ قال أخيرًا: ألا وهي القلب"؛ أو لأنَّ القلب خيار الشيء وأشرفه، أو لأنّه بيت الله؛ أو لأنّه كنى به عن العقل إطلاقًا للمحلِّ على الحالِّ؛ أو عن الجملة الإنسانية، إذ قد ذكر الإنزال عليه في أماكن ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

стр. 807

أو يكون إطلاقًا لبعض الشيء على كلّه أقوالٌ سبعة. وأضاف القلب إلى الكاف التي للخطاب، ولم يُضفه إلى ياء المتكلم، وإن كان نظم الكلم يقتضيه ظاهرًا؛ لأنَّ قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ هو معمولٌ لقول مضمر، التقدير: قل يا محمد! قال الله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأمر الله (١) اختاره في المنتخب، ومنه: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقد صرَّح ذلك في قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾، أو بعلمه وتمكينه إيّاه من هذه المنزلة، قاله ابن عطيّة، أو باختياره، قاله الماوردي، أو بتيسيره وتسهيله، قاله الزمخشري. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾ حالٌ من الضمير المنصوب في ﴿نَزَّلَهُ﴾ إن كان يعود على القرآن، والمعنى: أي: حالة كون القرآن مصدِّقًا وموافقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما قبله من الكتب الإلهية في التوحيد وبعض الشرائع، وإن قلنا: إنّ ضمير ﴿نَزَّلَهُ﴾ عائد على جبريل، فيحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حالًا من المجرور المحذوف لفهم المعنى، والمعنى: فإنّ الله نزّل جبريل بالقرآن حال كون القرآن مصدِّقًا لما بين يديه. والثاني: أن يكون حالًا من جبريل، وما في قوله: ﴿لِمَا﴾ موصولةٌ، وعنى بها الكتب التي أنزل الله على الأمم قبل إنزاله، أو التوراة والإنجيل. والهاء في ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يحتمل أن تكون عائدةً على القرآن، ويحتمل أن تعود على جبريل، فالمعنى: مصدّقًا لما بين يديه من الرسل والكتب ﴿و﴾ حالة كون القرآن ﴿هُدًى﴾؛ أي: هاديًا للناس من الضلالة إلى دين الحق ﴿و﴾ حالة كونه ﴿بُشْرَى﴾؛ أي: مبشِّرًا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: للموحِّدين بالجنة، فلا وجه لمعاداته، فلو أنصفوا لأحبُّوه، وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم، ويَنْصَحُ المُنزَّل عليهم.

стр. 808

وهذا (١) ردٌّ على اليهود حين قالوا: إنَّ جبريل ينزل بالحرب والشدّة، فقيل لهم: إنْ كان ينزل بالحرب والشدة على الكافرين، فإنّه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين، وقوله: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى﴾ (٢) معطوفان على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهما حالان، فيكون من وضع المصدر موضع اسم الفاعل، كأنَّه قال: وهاديًا ومبشِّرًا أو من باب المبالغة، كأنّه لمَّا حصل به الهدى والبشرى، جُعِل نفس الهدى والبشرى، والألف في بشرى للتأنيث، كهي في رجعى وهو مصدر. والخلاصة: أنَّه وصف القرآن بتصديقه لِمَا تقَّدمه من الكتب الإلهية، وأنّه هدى، إذ فيه بيان ما وقع التَّكْليف به من أعمال القلوب والجوارح، وأنّه بشرى لمن حصل له الهدى، فصار هذا الترتيب اللفظيُّ في هذه الأحوال؛ لكون مدلولاتها ترتبت ترتيبًا وجوديًّا: فالأوّل: كونه مصدِّقًا للكتب، وذلك؛ لأنَّ الكتب كلَّها من ينبوع واحد. والثاني: أنَّ الهداية حصلت به بعد نزوله على هذه الحال من التصديق. والثالث: أنَّه بشرى لمن حصلت له به الهداية، وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خصَّ الهدى والبشرى بالمؤمنين؛ لأنَّ غير المؤمنين لا يكون لهم هُدًى به ولا بشرى، كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾؛ ولأنَّ المؤمنين هم المبشَّرون، كما قال: ﴿فبشِّر عبادي﴾ ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾. ودلَّت هذه الآية على تعظيم جبريل، والتنويه بقدره، حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزَّل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة الرفيعة عند الله تعالى. وهذه الآية (٣) تعلَّقت بها الباطنية حيث قالوا: إنّ القرآن إلهامٌ، والحروف

стр. 809

عبارة الرسول. ورُدَّ عليهم: بأنَّه معجزةٌ ظاهرةٌ بنظمه، وأنَّ الله سمَّاه وحيًا، وكتابًا عربيًّا، وأنَّ جبريل نزل به، والملهم لا يحتاج إلى جبريل، ثُمَّ عمَّم الشرط والجزاء ردًّا عليهم بقوله: ٩٨ - ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ بمخالفته أمر الله عنادًا، وخروجه عن طاعته مكابرةً، أو بمعاداة المقرَّبين من عباده، وصدَّر (١) الكلم بذكر الله؛ تفخيمًا لشأنهم ﴿و﴾ لـ ﴿ملائكته﴾ ﴿و﴾ لـ ﴿رسله﴾ ﴿و﴾ لـ ﴿جبريل و﴾ لـ ﴿ميكال﴾ أفردهما بالذكر مع كونهما داخلين في جملة الملائكة؛ لبيان شرفهما؛ وإظهار فضلهما؛ وعلوِّ منزلتهما، فكأنَّهما جنسٌ آخر أشرف ممَّا ذكر تنزيلًا؛ للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الجنس، وللردّ على اليهود حيث قالوا: جبريل عدوُّنا، وميكال ولِيُّنا. قال عكرمة: جبرَ، وميك، وإسراف، معناها: العبد بالسُّريانية، وإيل، وآيْل، معناهما: الله، ومعنى هذه الأسماء: عبد الله، أو عبد الرحمن، وحكى الماوردي عن ابن عباس: أن جبر بمعنى: عبد بالتكبير، وميكا بمعنى: عبيدٍ بالتصغير، فمعنى جبريل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله، قال: ولا نعلم لابن عباس في هذا مخالفًا. اهـ. "سمين". أي: من عادى هؤلاء المذكورين، فقد كفر، والكافر عدوٌّ لله ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ جواب الشرط (٢)، ولم يقل: فإنَّه؛ لاحتمال أن يعود إلى جبريل، أو ميكال ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: عدوٌّ لهؤلاء اليهود، وغيرهم من الكفرة، وأظهر في موضع الإضمار؛ لأنَّ مقتضى السياق، فإنَّ الله عدوٌّ لهم؛ ليدلَّ على أنَّ الله إنّما عاداهم لكفرهم، والمعنى: من عاداهم عاداه الله، وعاقبه أشدَّ العقاب، أي: فإنّ الله سبحانه تولَّى بنفسه عداوة ذلك الكافر بالانتقام منه، وكفى رسله، وملائكته عن أمر من عاداهم. قال الواحديُّ: والمعنى: أنَّ من كان عدوًّا لأحد من هؤلاء، فإنَّ الله عدوٌّ له؛ لأنَّ عَدُوَّ الواحد منهم عدوٌّ للجمع، وعدوُّ محمدٍ ﷺ عدوُّ الله، وليس

стр. 810

المراد: مَنْ جَمَعَ عداوة الجميع فالله عدوُّهُ، والواو هنا بمعنى أوْ، وليست للجمع، وقال بعضهم: الواو للتفصيل. وليس المراد (١): من كان عدوًّا لجميع الملائكة، وجميع الرسل، بل هذا من باب التعليق على الجنس بصورة الجمع، كقوله: (إنْ كلَّمْتِ الرجال فأنتِ طالق) لا يريد بذلك إن كلمت كُلَّ الرجال، ولا أقلَّ ما ينطلق عليه الجمع، وإنّما علَّق بالجنس، وإن كان بصورة الجمع، فلو كلَّمَتْ رجلًا واحدًا طلقتْ، فكذلك هذا الجمع في الملائكة والرسل. فالمعنى: أن من عادى الله، أو ملكًا من ملائكته، أو رسولًا من رسله، فالله عدوٌّ له، والعداوة بين الله والعبد لا تكون حقيقةً، وعداوة العبد لله تعالى مجازٌ. ومعناها: مخالفة أمره، وعداوة الله للعبد مجازاته على مخالفته. وقرأ حمزة (٢)، والكسائي: جبرائيل بفتح الجيم والراء وهمزةٍ مكسورةٍ بعد الراء. وقرأ شعبة كذلك، إلّا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء، والباقون بكسر الجيم والراء من غير همزٍ بعد الراء، إلّا أنَّ ابن كثير: فتح الجيم. وقرأ أبو عمرو، وحفصٌ: ﴿ميكال﴾ بغير همزة، ولا ياءٍ بين الألف واللام. وقرأ نافع بهمزةٍ بعد الألف، ولا ياء بعد الهمزة، والباقون بهمزةٍ بعد الألف وياءٍ. والخلاصة: أي إنَّ (٣) من عادى الله وعادى هؤلاء المقرَّبين عنده، فالله عدوٌّ له؛ لأنَّه كافرٌ به ومعادٍ له، وهو الظالم لنفسه حين دعاه فلم يجب، وفي هذا من شديد الوعيد ما لا يخفى، إذ فيه تصريحٌ بأنّهم أعداء الحق، وأعداء كلِّ من يدعو إليه، ومعاداة القرآن، كمعاداة سائر الكتب السماويّة؛ لأنَّ المقصد من الجميع واحدٌ، وهو هداية الناس، وإرشادهم إلى سبيل الخير، ومعاداة محمد ﷺ ، كمعاداة سائر الأنبياء؛ لأنَّ رسالتهم واحدة، والمقصد واحدٌ. والواو في قوله:

стр. 811

٩٩ - ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ استئنافية، واللام فيه للقسم؛ أي: وعزّتي وجلالي، لقد أنزلنا ﴿إِلَيْكَ﴾ يا محمد! ﴿آيَاتٍ﴾ من القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى، مفصَّلاتٍ بالحلال والحرام، والحدود، والأحكام ﴿وَمَا يَكْفُرُ﴾ ويجحد، وينكر، ويكذّب ﴿بِهَا﴾؛ أي: بالآيات التي توضِّح الحلال والحرام، وتفصِّل الحدود، والأحكام ﴿إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن طاعتنا، وما أمروا به، المتمرِّدون في الكفر من سائر الكفرة، فإنّ من ليس على تلك الصفة لا يجترىءُ على الكفر بمثل هاتيك الآيات البينات، فاللام فيه للجنس، والأحسن جعلها للعهد إشارةً إلى أهل الكتاب؛ لأنَّ الكلام فيهم، والمعنى حينئذٍ، إلّا الخارجون عن دينهم المحرِّفون لكتابهم؛ لأن اليهود خرجت بالكفر بمحمد ﷺ عن شريعة موسى ﵇. واعلم: أنَّ القرآن هو النور الإلهيُّ الذي كشف الله به الظُّلمات، واليهود أرادوا أن يُطفِئُوا نور الله، والله متم نوره، وليس لهم في ذلك إلا الفضاحة والخزي، كما إذا دخل الحمام ناسٌ في ليلٍ مظلم، وفيهم الأصحاء وأهل العيوب، فجاء واحدٌ بسراج مضيءٍ لا يسارع إلى إطفائه إلّا أهل العيوب، مخافة أن يُظهر عيوبهم للأصحَّاء، ويلحق بهم مذمَّةً (أو) الهمزة (١) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلةٌ على محذوف معلوم من السياق، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، كما هو مذهب الزمخشري، والتقدير: أكفروا بهذه الآيات البيِّنات مع كونها في غاية الوضوح؟ ١٠٠ - ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾؛ أي: أعطوا ﴿عَهْدًا﴾ لله سبحانه في حقِّ محمد ﷺ وهو مصدرٌ مؤكِّد لعاهدوا من غير لفظه بمعنى: معاهدةً. وقرأ أبو السمال العدويُّ (٢)، وغيره ﴿أوْكُلَّما﴾ بسكون الواو، وخرَّج ذلك الزمخشري على أن يكون للعطف على الفاسقين وقدَّره: وما يكفر بها إلّا الذين فسقوا، أو

стр. 812

نقضوا عهد الله مرارًا كثيرةً، وخرَّجه المهدوي، وغيره على أنَّ (أو) للخروج من كلام إلى غيره بمنزلة أمْ المنقطعة، فكأنَّه قال: بل كُلَّما عاهدوا عهدًا. الخ. وهذا التخريج على مذهب الكوفيين، إذْ تكون ﴿أو﴾ عندهم بمعنى بل، ويحتمل أن تكون ﴿أو﴾ على هذه القراءة الشاذة بمعنى: الواو، كأنَّه قيل: وكلَّما عاهدوا عهدًا. وقرأ الحسن، وأبو رجاء ﴿أو كلّما عوهدوا﴾ على البناء للمفعول، وهي قراءةٌ شاذة تخالف رسم المصحف. وقرىء ﴿أو كلما عهدوا عهدًا﴾ ويكون ﴿عهدًا﴾ مصدرًا لفظيًّا؛ أي: نبذ ذلك العهد، وطرحه، أو نقضه، أو ترك العمل به، أو اعتزله، أو رماه، أقوالٌ خمسةٌ، هي متقاربة المعنى، ونسبة النبذ إلى العهد مجازٌ؛ لأنَّ العهد معنى من المعاني، والنَّبْذُ إنّما هو حقيقةٌ في المتجسدات، كقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ وقوله: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: من اليهود، والفريق: الطائفة، وهم اسم جنس يصدق على القليل والكثير، ولا واحد له من لفظه، وإسناد النبذ إلى فريق منهم؛ لأنَّ منهم من لم ينبذه. وقرأ عبد الله (نقضه فريقٌ منهم) وهي قراءة تخالف سواد المصحف، فالأولى حملها على التفسير. أي: أكفروا (١) بتلك الآيات البينات؟ وكلَّما عاهدوا وأعطوا عهد الله في حق محمد ﷺ نقضه، ورماه جماعةٌ منهم، وقوله: ﴿نَبَذَهُ﴾ جواب ﴿كلما﴾ وهو محلُّ الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أنقضوا العهد كُلَّما عاهدوا عهدًا، ولا ينبغي ولا يليق بهم ذلك النقض، وذلك (٢) العهد، كقولهم قبل مبعث محمد ﷺ : لئن خرج نبيُّ آخر الزمان لنؤمننَّ به، ولنخرجنَّ المشركين من ديارهم، وككونهم عاهدوا الله على أن لا يعينوا عليه ﷺ أحدًا من المشركين، ثم أعانوا عليه قريشًا يوم الخندق. وفي "المراغي": والمراد بالعهود هنا: هي عهودهم للنبي ﷺ ، ولمَّا كان لفظ الفريق يُوهم قلّةَ العدد، مع أن الناقِضينَ للعهد هم أكثر، أَضْرَبَ عنه،

стр. 813

وقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأنّهم لا عهود لهم؛ أي: بل أكثر اليهود لا يصدِّقون ربَّك أبدًا؛ لحَسَدِهم. وقيل المعنى: بل أكثر اليهود لا يؤمنون بالتوراة، وليسوا من الدين في شيء، فلا يعتدُّون - نقض العهد والمواثيق ذنبًا، ولا يبالون، وهذا ردٌّ لما يتوهَّم من أنَّ الفريق النابذين هم الأقلُّون، أو أنّ من لم ينبذ جهارًا فهم مؤمنون به خفاءً. وهذا من (١) إخبار الغيب، إذ أنَّ أكثر اليهود ما آمنوا بالنبي ﷺ ولن يؤمنوا به، فمثل هذا الحكم لا يصدر إلّا ممَّن يعلم خفيَّات الأمور. والخلاصة: أنَّ الله ، بيَّن في هذه الآية حالين لأهل الكتاب. أولاهما: أنّه لا يوثق بهم في شيء؛ لما عرف عن كثير منهم من نقض العهود في كل زمان. ثانيتهما: أنّه لا يرجى إيمان أكثرهم؛ لأنّ الضلال قد استحوذ عليهم، وجعلهم في طغيانهم يعمهون. ١٠١ - ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولمَّا أتى اليهود ﴿رَسُولٌ﴾ هو محمد ﷺ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ متعلِّق بجاء ﴿مُصَدِّقٌ﴾؛ أي: مُقرِّرٌ ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾؛ أي: لما مع اليهود من التوراة من (٢) حيث إنّه ﷺ قرَّر صحتها، أو حقَّق حقيقة نبوّة موسى ﵇ بما أنزل الله تعالى عليه، أو من حيث إنه ﷺ جاء على وفق ما نعت له فيها ﴿نَبَذَ﴾؛ أي: طرح ورمى جواب ﴿لَمَّا﴾ ﴿فَرِيقٌ﴾؛ أي: طائفةٌ ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ وأعطوا ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة، وتمسَّكوا به أوَّلًا، يعني: علماء اليهود وأحبارهم ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ الذي أوتوه وهو مفعول نبذ؛ أي: التوراة؛ أي، طرح

стр. 814

أحبارهم، ورمى علماؤهم التوراة ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ وأعرضوا عنها بالكلِّية، وتركوا العمل بما فيها من الإيمان بمحمد ﷺ ، وجحدوا به، وأصرُّوا على إنكار نبوّته؛ لأنّهم لمَّا كفروا بالرسول المصدِّق لما معهم، فقد نبذوا التوراة التي فيها أنَّ محمدًا رسول الله، وقد علموا أنها من الله تعالى، مثل تركهم وإعراضهم عنه بالكلية بما يرمى به وراء الظهر استغناءً، وقلَّة التفاتٍ إليه، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: كأنَّ هؤلاء الفريق لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد ﷺ ، وتصديقه، أو مما بينته من نعوته ﷺ ، جملةٌ حاليةٌ من فريقٌ؛ لتخصيصه بالوصف؛ أي: نبذوه وراء ظهورهم حال كونهم متشبِّهين بمن لا يعلمه أنّه كتاب الله. والنبذُ (١): كناية عن عدم الالتفات إليها، وعدم الاعتناء بما فيها؛ لأنّ النبذ الحقيقيَّ لم يحصل منهم؛ لأنّها بين أيديهم يقرؤونها. وقال سفيان بن عيينة: أدرجوها في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلُّوا حلالها، ولم يحرّموا حرامها، فذلك النَّبذ، وهذه الآية تنطبق على كُلِّ من يقرأ القرآن، ولم يعمل بما فيه، وفَّقنا الله تعالى بالعمل بما فيه، وإنَّما عبر عنها بكتاب الله، تشريفًا لها، وتعظيمًا لحقّها عليهم، وتهويلًا لما اجْتَرؤُوا عليه من الكفر بها. قيل (٢): أصل اليهود: أربع فرقٍ: فرقةٌ آمنوا بالتوراة، وقاموا بحقوقها، كمؤمن أهل الكتاب، وهم الأقلُّون المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وفرقةٌ جاهروا بنبذ العهود تمردًا وفسوقًا، وهم المعنيُّون بقوله ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ﴾ وفرقةٌ لم يجاهروا بنبذها، ولكن نبذوها لجهلهم، وهم الأكثرون، وفرقةٌ تمسَّكوا بها ظاهرًا، ونبذوها خفيةً وهم المتجاهلون. وفيه إشارةٌ إلى أن مَنْ فَعَل فِعْل الجاهل، وتعمَّدَ الخلافَ مع علمه، يلتحقُ بالجُهَّال، وهو والجاهل سواءٌ، فكما أنَّ الجاهلَ لا يجَيِءُ منه خيرٌ، فكذا العالم لا يعمل بِعلْمِه، ولذا قال النبي ﷺ : "واعظُ اللِّسان ضائعٌ كلامه، وواعظ القلب نافذٌ

стр. 815

سهامه" فالأوّل: هو العالم غير العامل، والثاني: هو العالم العامل الذي يُؤثِّر كلامه في القلوِب، وتُنْتِج كلمته ثمراتِ الحكمَة، والعبرةَ، والفكرةَ. ومعنى الآية (١): أيْ: إنّه حين جاء النبيُّ ﷺ بكتابٍ مصدِّقٍ للتوراة التي بين أيديهم بما فيه من أصول التوحيد، وقواعد التشريع، وروائع الحكم والمواعظ، وأخبار الأمم الغابرة، نبذ فريقٌ من اليهود كتابهم وهو التوراة؛ لأنّهم حين كفروا بالرسول المصدِّق لما معهم، فقد نبذوا التوراة التي فيها أنَّ محمد رسول الله، وأهملوها إهمالًا تامًّا كأنَّهم لا يعلمون أنها من عند الله تعالى، وقد جعل تركهم إيَّاها، وإنكارهم لها إلقاءً لها وراء الظهر؛ لأنَّ من يلقي الشيء وراء ظهره لا يراه فلا يتذكَّره. فعلى العاقل (٢): أن يسارع إلى الامتثال خوفًا مِنْ بطشِ يدِ ذي الجلال، ويقال: الندامةُ أربعٌ: ندامةُ يومٍ: وهي أنْ يَخْرُج الرجلُ من منزله قبل أن يتغدَّى، وندامةُ سنة: وهي تَرْكُ الزراعة في وقتها، وندامةُ عُمْر: وهو أن يتزوَّج امرأة غير موافقة، وندامةُ الأبَدِ: وهي أن يترك أَمْرَ الله، ومجرَّدُ قراءة الكتاب بِترْياقِ الظاهر لا يدفع سُمَّ الباطن، فلا بدّ من العمل بما علم، كما أنَّ من كان ينظر إلى كُتُب الطبّ، وكان مريضًا، فما دام لم يباشر العلاج لا يفيد نظره بالأدوية، وكان خُلقه ﷺ : القرآن؛ يعني: يعملُ بأوامره، وينتهي عن نواهيه. وقال السدي (٣) لمَّا جاءهم محمدٌ ﷺ خاصموه بالتوراة، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها، وأخذوا بكتابِ آصفِ بن بَرْخِيَا، وسِحْر هاروت وماروت، فلم يوافق ذلك القرآن، كما قال تعالى: ١٠٢ - ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ معطوف على نَبَذ؛ أي: ولمَّا جاءهم كتاب مِنْ عند الله، نبذ فريق من أهل الكتاب كتاب الله وراءَ ظهورهم واتَّبعوا؛ أي: واتبع أولئك الفريق؛ يعني: علماءَهم وأحبارَهم ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾؛ أي: تَلَتْهُ الشياطين وقرأَتْهُ، والإتيان (٤) بصيغة المضارع في تَتْلُوا؛

стр. 816

لحكاية الحال الماضية، والمراد بالاتِّباع: التوغُّل والتمحُّض فيه، والإقبالُ عليه بالكلّية. وقرأ الحسن (١)، والضحَّاك: ﴿الشياطون﴾ بالرفع بالواو وهو شاذٌّ، قاسه على قول - العرب: بستان فلانٍ حوله بساتون، رواه الأصمعي، قالوا: والصحيح: أنَّ هذا لحنٌ فاحشٌ، وقال أبو البقاء: شبَّه فيه الياء قبل النون بياء جمع الصحيح، وهو قريبٌ من الغلط، وقال السَّجَاوَنْدِيُّ: خَطَّأَهُ الخَازَرَبَجِيُّ. أي: واتَّبعوا ما كانت الشياطين تتلوه وتقرؤه ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ بن داود ﵉؛ أي: في عهده وزمان ملكه من السحر، وتكذيبه على سليمان، والكلام على حذف مضاف، وعَلَى بمعنى: في، وكانت الشياطين دفنتهُ تحت كرسيه لمَّا نُزِع ملكه، فلم يشعر بذلك سليمان، فلمَّا مات استخرجوه، وقالوا للناس: إنّما مَلككم سليمان بهذا، فتعلَّموه، وأقبلوا على تعلُّمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشَتْ الملامةُ على سليمان، فلم تزل هذه حالَهم حتى بعث الله تعالى محمدًا ﷺ وأنزل الله عليه براءةَ سليمان، فقال: وما كفر سليمان الخ. قال السديُّ (٢): كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت، وغيره، ويأتون الكهنة ويُخلِّطون بما سمعوا في كُلِّ كلمة سبعين كذبةً، ويخبرونهم بها، فاكتتبت الناس ذلك، وفشا في بني إسرائيل: أنَّ الجنّ تعلم الغيب، وبعث سليمان في الناس، وجمع تلك الكتب، وجعلها في صندوق، ودفنه تحت كرسيه، وقال: لا أسمع أحدًا يقول: إنّ الشيطان يعلم الغيب إلّا ضرَبْتُ عنقهَ، فلما مات سليمان، وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أَمْرَ سليمان، ودَفْنَه الكُتبَ، وخَلفَ من بعدهم خلفٌ تمثَّل الشيطان على صورة إنسان، فأتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلُّكم على كنزٍ تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم، قال: تحت الكرسي، وذهب معهم، فأراهم المكان، وقام ناحيةً، فقالوا: ادْنُ، قال: لا ولكني ها هنا، فإِنْ لم تجدوه، فاقتلوني، وذلك أنَّه

стр. 817

لم يكن أحدٌ من الشياطين يَدْنُو من الكرسي إلّا احترق، فحفروا، وأخرجوا تلك الكتب، قال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنَّ، والإنس، والشياطين، والطير بهذه، ثمّ - طار الشيطان، وفشا في الناس أنَّ سليمان كان ساحرًا، وأخذ بنو إسرائيل تلك الكُتب، فلذا أكثر ما يُوجَدُ السحرُ في اليهود، فلمَّا جاء محمد ﷺ بَرَّأَ الله سليمان ﵇ من ذلك، وأنزل عُذْر سليمان، بقوله واتبعوا ما تتلوا الشياطين في زمن ملك سليمان ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ بالسحر وعمله؛ يعني: لم يكن ساحرًا؛ لأنَّ الساحر كافرٌ، والتعرُّض لكونه كفرًا؛ للمبالغة في إظهار نزاهته ﵇، وكذب باهتيه بذلك. أي: ما كتب سليمان السحر، وما عمل به؛ لأنّ عمل السحر كفر في شريعته، وأمّا في شريعتنا (١)، فإن اعتقد فاعله حِل استعماله كَفَر، وإلّا فلا، وأمّا تعلّمه، فإن كان ليعمل به فحرام، أو ليتوقّاه فمباح أولًا، ولا، فمكروه، والسحرُ (٢): كُلُّ ما دَقَّ ولَطُفَ، يقال: سحره إذا أبدى له أمرًا يَدِقُّ عليه، ويَخْفَى. وعرَّفه ابنُ العربي (٣): بأنّه كلام مؤلَّف يُعظَّم به غير الله، وتُنْسَب له المقادير، فعليه فهو كفر، حتى في شَرْعِنا ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ باستعمال السحر، وتعليمِه، وتدوينِه، وِإمّا بتكفيرهم سليمانَ به، ويحتمل كفرهم بغير ذلك، واستعمالُ لكن هنا حَسَنٌ؛ لأنّها بين نفي وإثبات. وقرىء ﴿وَلَكِنَّ﴾ بالتشديد، فيجب إعمالها، وهي قراءة نافع، وعاصم، وابن كثير، وأبي عمرو. وقرىء بتخفيفِ النون، ورفعِ ما بعدها بالابتداء والخبر، وهي قراءة ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وإذا خُففت، فهل يجوز إعمالُها؟ مسألةُ خلافٍ: الجمهورُ على المنع، وقال الكسائي، والفراء: الاختيارُ التشديد إذا كان قبلها واو، والتخفيف إذا لم يكن معها واو؛ ذلك لأنّها مخفّفة تكون عاطفة، ولا تحتاجُ إلى واو كبَلْ، وإذا كانت قبلها واوٌ لم تشبه بل؛ لأنَّ بل لا تدخل عليها الواو،

стр. 818

فإذا كانت لكن مشدَّدةً عملت عمل إن، ولم تكن عاطفة. انتهى الكلام. أي: ولكنَّ الشياطين من الإنس والجنِ الذين نسَبَوُا إلى سليمان ﵇، ما انتحلوه من السحر، وكتبوه، ودوَّنوه، وعلَّموه الناس، هم الذين كفروا حالة كون الشياطين ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ إِغواءً لهم، وإِضلالًا؛ أي: يقصدون بتحليمهم إياه إضلالهم عن طريق الحق، فعلَّموهم حتى فشا أمر السحر بين الناس وكَثُر. واعلم: أَنَّهُ (١) قد جاء ذِكْرُ السحر في القرآن في مواضع كثيرة، ولا سيما في قصَص موسى وفرعون، ووصفه بأنه خداعٌ، وتخييلٌ للأعين، حتى ترى ما ليس بكائنٍ كائنًا، كما قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وقال في آية أخرى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ والآية نصٌّ صريح على أنَّ السحر يُعلَّم، ويُلقَّن، والتاريخ يؤيِّد هذا. والسحر (٢): إمَّا حيلةٌ وشعوذةٌ، وإما صناعةٌ، وعلمٌ خفيٌّ يعرفه بعض الناس، ويجهله الكثير منهم، ومن ثَمَّ يسمُّون العمل به سحرًا؛ لخفاء سببه عليهم، وقد روى المؤرِّخون: أن سحرة فرعون استعانوا بالزئبق على إظهار الحِبَال والعِصي بصُوَر الحيَّاتِ والثَّعابِين، حتى خُيِّل إلى الناس أنَّها تَسْعى. وقد اعتاد الذين اتخذوه صناعةً للمعاش، أن يتكلَّموا بأسماءٍ غريبةٍ، وألفاظ مبهمةٍ اشتهر بين الناس أنها من أسماءِ الشياطين، وملوكِ الجن، لِيوهموُهم أنَّ الجنَّ يَسْتَجِيبون دُعاءهم، ويُسخرِّون لهم، وهذا هو منشأ اعتقاد العامَّة أنَّ السحر عملٌ يستعان عليه بالشياطينِ، وأرواحِ الكواكب، ولمثل هذا تأثيرٌ في إثارة الوهم دلَّت التجربة على وجوده، وهو يُغْنِي مُنتحِلَ السحر عن توجيهِ هِمتِه، وتأثير إرادته فيمن يُعملُ له السحرُ، وسيأتي بَسْطهُ أواخرَ هذه الآيات ﴿و﴾ حالة كونهم يعلِّمونهم أيضًا ﴿ما أنزل على الملكين﴾ فهو معطوف على السحر؛ أي: (٣) ويُعلِّمُون الناسَ

стр. 819

الأمر الذي أنزل على الملكين؛ أي: ما أُلْهِمَ الملكان، وقُذِفَ في قلوبهما من علم التفرقة، وهو رُقيْةٌ وليس بسحر، قال "المراغي": وظاهر الآية يدلُّ - على أنَّ ما أنزل على الملكين غَيْرُ السحر، لكنه من جنسه، وقد أُلهماه، واهتديا إليه بلا أستاذٍ، ولا معلِّمٍ، وقد يُسمَّى مثل هذا وحيًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾. وقيل: معطوفٌ على تتلو الشياطين، والمعنى عليه، وكما اتَّبع رؤساء اليهود السحر، كذلك اتَّبعوا ما أنزل على الملكين، وقرىء في الشواذ المَلِكينِ بكسر اللام، قيل: هما رجلان ساحران كانا ببابل، وقيل: عِلْجَان، والقراءة (١) المشهورة بفتح اللام، وهما ملكان من الملائكة، وقرأ ابن عباس، والحسن، وأبو الأسود الدؤلي، والضحَّاك، وابن أبزي المَلِكين بكسر اللام، فقال ابن عباس: هما رجلان ساحران ببابل، واعلم أنَّ الملكيَنِ أنزلا لتعليم السحر امتحانًا من الله تعالى للناس، هل يتعلَّمونه أم لا؟ كما امتحن قوم طالوت بالشرب من النهر، فمَنْ تعلَّمه منهم وعَمِلَ به كان كافرًا، ومن تَجنَّبه أو تعلَّمه لا يعمل به، ولكن ليتوقَّاه كان مؤمنًا، كما قيل: عَرَفْتُ الشَرَّ لا للشَّرِّ ولكن لِتوَقِّيه وهذا كما إذا أتى عرَّافًا فسأله عن شيء؛ لِيَمْتَحِن حالَه؛ ويختبر باطنَ ما عنده، وعنده ما يَميِّزُ بهِ صدقُه من كذبه، فهذا جائزٌ. قال الإِمام فخر الدين الرازيُّ: كانت الحكمة في إنزالهما: أنَّ السَّحرة كانوا يسترقُون السمعَ من الشياطين، ويُلقون ما سمعوا بين الخلق، وكانوا بسببِ ذلك يُثْبِتُون لأنفسهم الوَحْي النازلَ، على الأنبياء، فأَنْزلَهما إلى الأرضِ ليعلِّما الناسَ كيفيةَ السحر، ليظهر بذلك الفَرْقُ بين لام الله، وكلام السحرة؛ لئلا يغترَّ الناس بالسحر؛ لأنَّ السحرةَ كثرُوا في ذلك الزمن، واستنبطوا أبوابًا - غريبةً من السحر، وكانوا يدَّعون النبوة، فبعث الله تعالى هذين الملكين ليعلِّما الناس أبواب السحر، حتّى يتمكنوا

стр. 820

من معارضة أولئك الكذَّابين، وإظهار أمرهم على الناس. ﴿بِبَابِلَ﴾ الباء (١) بمعنى في، وهي متعلقةٌ بأنزل، أو بمحذوف وقع حالًا من الملكين، وهي: بابل العراق، أو بابل أرض الكوفة، ومنع الصرف للعجمة والعلمية، وأحسن ما قيل في تسميتها ببابل: أنَّ نوحًا ﵇، لمَّا هبط إلى أسفل الجوديِّ، بَنَى قريةً وسمَّاها ثمانين، فأصبح ذات يوم، وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربيُّ، وكان لا يفهم بعضهم من بعض. كذا في "تفسير القرطبي"، واختصت بابل بالإنزال؛ لأنّها كانت أكثر البلاد سحرًا ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ عطف بيان للملكين؛ لأنَّهما علمان لملكين نَزَلا من السماء، كما أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس، ومُنع صرفهما للعلمية والعجمية، وما روي في قصتهما من أنَّها شربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا نفسًا، وسجدا للصنم، فَمِمَّا لا تعويل عليه؛ لأنَّ مداره رِوايةُ اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلَّة النقل والعقل. يقول الفقير: قد تصَفَّحْتُ كتبَ أرباب الخبر والبيان، وأصحاب الشهود والعيان، فوُجدتُ عامَّتَها مشحونةً بذكر ما جرى من قصتهما، وكيف يجوز الاتِّفاق من الجمِّ الغفير على ما مداره - روايةُ اليهود، خُصوصًا في مثل هذا الأمر الهائل، فأقول: وَصْفُ الملائكِةِ بأنَّهم لا يعصون، ولا يستكبرون، يسبِّحون الليل والنهار، لا يفتُرون، ويفعلون ما يؤمرون، دليلُ تصوُّرِ العصيان منهم، ولولا ذلك لما مدحوا به، إذ لا يُمْدَح أحدٌ على الممتنع، لكن طاعتهم طبعٌ، وعصيانهم تكلُّفٌ، على عكس حال البشر، كما في "التيسير"، فهذا يقتضي جوازُ الوقوع مع أنَّ فيما روي في سبب نزولهما ما يزيل الإشكال قطعًا، وهو أنَّهم لمَّا عيَّروا بني آدم بقلّة الأعمال، وكثرة الذنوب في زمن إدريس ﵇، قال الله تعالى: (لو أنزلتكم إلى الأرض وركَّبت فيكم ما ركَّبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا)، فقالوا: سبحانك ربَّنا، ما كان ينبغي لنا أن نعصيك، قال الله تعالى:

стр. 821

فاختاروا ملكين من خياركم أَهْبِطْهمُا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة، وأعبدهم، فأُهِبْطا بالتركيب البشريِّ، فحكما بين الناس، وافتتنا بامرأةٍ تسمَّى بالعربية الزهرة، وبالفارسية: مِيْذَخْتَ، فطَلَباها وامتنعت إلّا أن يعبدا صنمًا، ويَشْرَبا خمرًا، ويقتلا نفسًا، ففعلا ما فعلا، فخافا على أمرهما، فعلَّماها ما تَصْعَدُ به إلى السماء، وما تنزلُ به، فصعدت ونَسِيَتْ ما تنزلُ به، فمُسخت بالكوكب المضيء في السماء الثانية، وأنَّهما تشفعا بإدريس ﵇ إلى الله تعالى، فخيَّرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ لأنَّه مؤقَّتٌ وعذاب الآخرة مؤبَّدٌ، فهما في بئر بابل مُعلَّقان فيه بشُعورهما إلى يوم القيامة، قال مجاهد: مُلىءَ الجُبُّ نارًا فجُعلا فيه، وقيل: معلَّقان بأرجلهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلّا أربع أصابع، فهما يعذَّبان بالعطش، وهذا الذي رُوي فيهما ليس ببعيدٍ، إذْ ليس مجرَّدُ هُبوط الملك ممَّا يقتضي العِصْيانَ، وذلك ظاهرٌ، وإلَّا لظهر من جبريل، وغيره، ألا ترى أنَّ إبليس له الشهوة والذريَّة مع أنّه كان من الملائكة على أحدِ القولين؛ لأنّها ممَّا حدثَتْ بعد أن مُحي من ديوانهم، فيجوز أن تَحْدُث الشهوة في هاروت وماروت، بعد أن أهبطا إلى الأرضِ؛ لاستلزام التركيب البشريِّ ذلك، وقد قال في "آكام المرجان": إنّ الله تعالى باين بَيْنَ الملائكة، والجنِّ، والإنس في الصورة، والأشكال، فإنْ قلَبَ الله الملك إلى صورة الإنسان ظاهرًا وباطنًا، خرج عن كونه ملكًا، وكذلك لو قلب الشيطان إلى بِنْيةِ الإنسان، خرج بذلك عن كونه شيطانًا. وفي الحديث: إنَّ رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الدُّنيا، فوالذي نفسي بيده، إنَّها لأَسْحَرُ من هاروت وماروت" قال العلماء: إنّما كانت الدنيا أسحر منهما؛ لأنّها تدعوك إلى التَّحارص عليها، والتَّنافس فيها، والجمع لها، والمنع حتى تُفرِّق بينك وبين طاعة الله تعالى، وتُفرِّق بينك وبين رؤية الحق ورعايته، وسحر الدنيا محبتها، وتلذُّذك بشهواتها، وتمنِّيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "حُبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ" أَرَادَ النبيُّ ﷺ : أنَّ من الحُبِّ ما يعمي عن طريق الحقّ والرَّشدِ، ويُصِمُّكَ عن استماع الحق، وإنَّ الرجل إذا غلب الحُبُّ على قلبه، ولم يكن له رادعٌ من عقلٍ، أو ديْنٍ أصمَّهُ حُبُّه عن

стр. 822

العدل، وأعماه عن الرشد، أو يعمي العين عن النظر إلى مساويه، ويُصِمُّ الأذن عن استماع العذل فيه، أو يعمي، ويُصِمُّ عن الآخرة، وفائدته: النَّهي عن حُبِّ ما لا ينبغي الإغراق في حُبِّه، ثُمَّ في هذه (١) القصة إشارةٌ إلى أنّه لا يجوز الاعتماد إلّا على فضل الله ورحمته، فإنَّ العصمة من آثار حفظ الله تعالى. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ قرأ الجمهور بالتشديد من علَّم المُضعَّف، وقرأ طلحة بن مصرِّف: ﴿وما يُعْلِمَان﴾ من أعلم، وقالت طائفةٌ: بالتضعيف وبالهمزة بمعنًى واحدٍ ذكره في "البحر"؛ أي: وما يُعلِّم الملَكان أحدًا من الناس السحر، فمن (٢) مزيدةٌ في المفعول به؛ لإفادة تَأْكيد الاستغراقِ الذي يفيده أحدٌ، والمعنى: ولكن الشياطين كفروا يعلِّمون الناس ما أنزل على الملكين، ويحملونهم على العمل به؛ إغواءً وإضلالًا، والحال أنَّ الملكين ما يُعلِّمان ما أنزل عليهما من السحر أحدًا من طالبيه ﴿حَتَّى﴾ يَنْصَحاه أوَّلًا، ويَنْهَيَاه عن العمل به، والكفر بسببه، و ﴿يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ وابتلاءٌ من الله تعالى، فمن عمل بما تعلَّم مِنَّا، واعتقد حقيته كفر، ومن توقَّي عن العمل به، أو اتخذه ذريعةً للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان، والفتنةُ: الاختبارُ والامتحانُ، يقال: فتنت الذهب، كالبَليَّةِ، والمعصيةِ، والقتل، والعذاب، وغير ذلك من الأفعال الكريهة، وقد تكون الفتنة في الدين مثل الارتداد والمعاصي، وإكراه الغير على المعاصي، وأُفردت الفتنةُ مع تعدُّد الملكين؛ لكونها مصدرًا، وحَمْلُها عليهما؛ مُوَاطأةٌ للمبالغةِ، كأنَّهما نفس الفتنة، والقَصْرُ؛ لبيان أنّه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأنٌ سِواهُ؛ لينصرف الناس عن تعلُّمه ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾ بتعلُّمِه، واعتقادِ حقيته مع أنّه ليس بباطلٍ شرعًا، وجوازِ العمل به، ويقولان ذلك سَبْع مراتٍ، فإن أبى إلّا التعلُّم علَّماه. أي: فلا تتعلَّم السحر (٣)، ولا تعمل به؛ لأنَّ عمله كفرٌ باللهِ؛ أي: لا يصفان السحر لأحدٍ حتى يبذلا - النصيحةَ له أوَّلًا، فيقولا لَهُ: هذا الذي نَصِفُه

стр. 823

لك، وإن كان الغرض منه أن يتميَّز به الفرقُ بين السحر والمعجزة، ولكنَّه يمكنك أن تتوصَّل به إلى المفاسد والمعاصي. فإيَّاك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نُهِيت عنه، أو تتوصَّل به إلى شيء من الأغراض العاجلة. وفي هذا (١) إيماءٌ إلى أنَّ تعلُّم السحر، وكُلِّ ما لا يجوز اتباعه، والعمل به ليس محظورًا، وإنّما الذي يحظر ويمنع هو العمل به فحَسْبُ. وإنما كانا يقولان ذلك إِبْقاءً على حسن اعتقاد الناس فيهما، إذ كانا يقولان: إنّهما ملكان، كما نسمع الآن من الدجالين يحترفون مثل ذلك، لمن يعلِّمونهم الكتابة للحبِّ، والبغض، نوصيك بأن لا تكتب هذا لجلب امرأةٍ إلى حبِّ غير زوجها، ولا تكتب لأحد زوجين أن يبغض الآخر، بل تجعل ذلك للمصلحة العامَّة، كالحُبِّ بين الزوجين، والتفريق بين عاشقين فاسقين، وهذا منهم إيهامٌ بأنَّ علومهم إلهِيَّةٌ، وقرأ الجمهور ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بفتح التاء، وهما بدلٌ من الملكين، وتكون الفتحة علامةً للجر؛ لأنّهما ممنوعان من الصرف لما مرَّ. وقرأ الحسن، والزهريُّ: ﴿هاروتُ وماروتُ﴾ بالرفع، فيجوز أن يكونا خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هما هاروت وماروت ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ عطف (٢) على الجملة المنفيَّة، فإنّها في قوَّة المثبتة، كأنّه قيل: يعلِّمانهم بعد قولهما، إنما نحن فتنة ... الخ، والضمير لأحد حملًا على المعنى، والمراد به: السحرة؛ أي: فالنَّاس يتعلَّمون ﴿مِنْهُمَا﴾؛ أي: من الملكين، أو من السحرِ، والمنزَّلِ على الملكين، أو من الفتنة والكفر؛ أي: فيأتي السحرة من الناس الملكين، فيتعلَّمون من الملكين ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾، أي: بسببهِ واستعمالهِ ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ أي: يتعلَّمون منهما من علم السحر ما يكون سببًا في التفريق بين الزوجين ببغض كل واحدٍ منهما إلى الآخر، فبعد أن كانت المودَّة، والمحبة بينهما، يُصبح الشقاق، والفراق، والخِلاف بينهما، عند ما فعلوا من السحر، كالتَّمويه، والتَّخييل، والنَّفث في العقد، ونحو ذلك ممَّا يُحدث الله عنده البغضاء، والنشوز، والخلافَ بين الزوجين، ابتلاءً من الله تعالى؛ لأنَّ

стр. 824

السحر هو المؤثِّر في ذلك، بل بحَسَب جري العادة الإلهية، من خلق المسببَّات عقيب حصول الأسباب العاديَّة ابتلاءً منه تعالى، كما يدل عليه قوله سبحانه الآتي: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تعالى، قوله: ﴿وَزَوْجِهِ﴾ ظاهره أنه يريد امرأة الرجل، وقيل: الزوج هنا: الأقارب والإخوان، وهم الصنف الملائم للإنسان، ومنه: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ ذكره في "البحر". قال السدي (١): كانا يقولان لمن جاءهما: إنّما نحن فتنة فلا تكفر، فإن أبى أن يرجع قالا له: ائت الرَّماد فَبُلْ فيه، فإذا بال فيه خرج نورٌ يَسْطَعُ إلى السماء، وهو الإيمان، والمعرفةُ، وينزل شيءٌ أسود شِبهُ الدُّخان، فيدخل في أذنيه، ومسامعه، وهو الكفر، وغضبُ الله، فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك، علَّماه ما يفرِّق به بين المرء وزوجه، ويقدر الساحر على أكثر ممَّا أخبر الله عنه من التفريق؛ لأنَّ ذلك خُرِّج على الأغلب. قيل: يُؤخذ الرجلُ عن المرأة بالسحر لا يقدر على الجماع. قال في نصابِ الاحتساب: إنَّ الرجل إذا لم يَقْدِر على مجامعة أهله، وأطاق ما سواها، فإنّ - المُبْتلى بذلك يأخذ حُزْمَة قصبات، ويطلب فأسًا ذا فقارين، ويضعه في وسط تلك الحزمة، ثم يؤجِّجُ نارًا في تلك الحزمة، حتى إذا أُحمي الفأس استخرجه من النار، وبال على حدّه، يبرأ بإذن الله تعالى. انتهى. والآية (٢) لا ترشد إلى حقيقة ما يتعلَّمُونه من السحر أمؤثرٌ بطبعه، أو بسببٍ خفيٍّ، أو بخارقٍ من خوارق العادات، أم غير مؤثّر؟ كما أنَّها لم تُبيِّن نوعَ ما يتعلَّمونه، أتمائمٌ وكتابةٌ هو، أم تلاوةُ رُقًى وعزائمَ، أم أسَالِيب سِعَايةٍ، أم دسَائسُ تنفيرٍ ونكايةٍ، أم تأثيرٌ نفسانيٌّ أم وسواسٌ شيطانيٌّ؟ فأيُّ ذلك أثبته العِلْمُ، كان تفِصيلًا لما أَجْملَه القرآن، ولا نتَحكَّم في حَمْله على نوعٍ منها، ولو علم الله الخَيْر في بيَانهِ لبينه، ولكنَّه وَكَل ذلك إلى بُحُوث الناس، وارتقائهم في العلم، فهو الذي يُجلِّي الغوامضَ، ويكشف الحقائق ﴿وَمَا هُمْ﴾؛ أي: ليس السَّاحرون

стр. 825

﴿بِضَارِّينَ بِهِ﴾؛ أي: بما تعلَّموه من السحر ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾؛ أي: أحدًا ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي: إنَّ هؤلاء لم يُعْطَوا شيئًا من القوى الغيبيَّة فوق ما أعطي سائر الناس، بل هي أسبابٌ ربط بها مسبَّباتها، فإذا أُصيب أحدٌ بضررٍ بعمل من أعمالهم، فإنَّما ذلك بإذنه تعالى، فهو الذي يوجد المسبَّبات عند حصول الأسباب، والاستثناء (١) في قوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ مفرَّغٌ، والباء متعلِّقةٌ بمحذوف وقع حالًا من ضمير ﴿ضَارِّينَ﴾ أو من مفعوله، وإنْ كان نكرةً؛ لاعتمادها على النَّفي، أو الضمير المجرور في ﴿بِهِ﴾؛ أي: ما يضرُّون به أحدًا إلّا مقرونًا بعلم الله تعالى، وإرادته، وقضائه لا بأمره؛ لأنّه لا يأمر بالكفر، والإضرار، والفحشاء، ويقضي على الخلق بها، فالسَّاحر يسحر، والله يكوِّن، فقد يُحدث عِنْد استعمالِهم السحر فعلًا من أفعاله ابتلاءً، وقد لا يحدثه، وكُلُّ ذلك بإرادته، ولا يُنْكَر أنَّ السحر له تأثيرٌ في القلوب، بالحُبِّ والبغض، وبإلقاءِ الشرور، حتى يَحُولَ بين المرء وقلبه، وذلك بإدخال الآلام، وعظيم الأسقام، وكُلُّ ذلك مُدْرَكٌ بالحس والمشاهدة، وإنكاره معاندةٌ. وإن أردت التفصيلَ وحقيقةَ الحال (٢)، فاستمع لما نَتْلُو عليك من المقال، وهو أن السحر: إظهار أمرٍ خارقٍ للعادة، من نفسٍ شِرِّيرةٍ خِبَيثةٍ، بمباشرة أعمال مخصوصةٍ، يَجْرِي فيه التعلُّم والتعليم، وبهذين الاعتبارين يُفارق المعجزة، والكرامة؛ وذلك لأنَّ المعجزة: أمرٌ خارق للعادة، يظهر على يد من يدَّعي النبوة والرسالة عند ردِّ الملحدة، والكرامة: أمرٌ خارق للعادة، يظهر على يد عبدٍ من عباد الله الصالحين، والسِّحر: أمرٌ خارقٌ للعادة، يظهر على يد نفسٍ شريرةٍ خبيثةٍ، بمباشرة أعمالٍ مخصوصة. فَصْل في بيان حقيقة السحر واختلف العلماء في حقيقة السحر بمعنى ثبوته في الخارج:

стр. 826

فذهب الجمهور: إلى ثبوته في الخارج، وقالت المعتزلة: لا ثبوت له، ولا وجود له في الخارج، بل هو تمويهٌ وتخييلٌ، ومجرَّد إراءة ما لا حقيقة له، يرى الحبال حيَّاتٍ بمنزلة الشعوذة التي سببها: خِفَّة حركات اليد، أو إخفاء وجه الحيلة، وتمسّكوا بقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ ولنا وجهان: الأوّل: يدل على الجواز، والثاني يدلّ على الوقوع، أمّا الأول: فهو إمكان الأمر في نفسه، وشمول قدرة الله له، فإنّه الخالق، وإنما الساحر فاعلٌ وكاسبٌ، وأمّا الثاني: فهو قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وفيه إشعارٌ بأنّه ثابتٌ حقيقة ليس مجرد إراءةٍ وتمويهٍ، وبأنَّ المؤثّر والخالق هو الله تعالى وحده، وأمّا الشَّعوذة، وما يجري مجراها من إظهار الأمور العجيبة بواسطة ترتيب الأدلَّة الهندسية، وخفّة اليد، والاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، فإطلاق السحر عليها مجازٌ، أو لما فيها من الدِقَّة؛ لأنّه في الأصل عبارةٌ عن كل ما لطف مأخذه، وخفي سببه، ولذا يقال: سحرٌ حلالٌ، وأكثرُ من يتعاطى السحر النساء، وخاصةً حالَ حيضهنّ، والأرواحُ الخبيثةُ ترى غالبًا للطبائعِ المغلوبةِ، والنفوسِ الرذيلة، وإن لم يكن لهم رياضةٌ، كالنساء، والصبيان، والمُخنثين، والإنسان إذا فَسَد نفسه، أو مزاجه يشتهي ما يضرُّه، ويتلذَّذ به، بل يعشق ذلك عشقًا يفسد عقلَه، ودينَه، وخلقه، وبدنه، وماله، والشياطين خبيثةٌ، فإذا تقرَّب صاحبُ العزائم، والإِقسام، وكَتْبِ الرُّوحانيات السحرية، وأمثال ذلك إليهم، بما يحبُّونه من الكفر، والشرك صار ذلك كالرَّشوة والبَرْطِيْلِ لهم، فيقضون بعض أغراضهم، كمن يعطي رجلًا مالًا - ليقتل من يريد قتله، أو يعينه على فاحشةٍ، أو ينال منه فاحشةً، ولذلك يكتب السحرة، والمُعْزِمُون في كثيرٍ من الأمور، كلامَ الله تعالى بالنَّجاسة، والدماء، ويتقرَّبون بالقرابين، ومن حيوانٍ ناطقٍ، وغير ناطق، والبُخور، وتَركِ الصلاة، والصومِ، وإباحات الدماء، ونكاح ذوات المحارم، وإلقاء المصحف في القاذورات، وغيرِ ذلك مما ليس فيه رضا الله تعالى، فإذا قالوا كفرًا، أو كتبوه، أو فعلوه أعانتهم الشياطين؛ لأغراضهم، أو بعضها، إمَّا بتَغْوِيرِ مَاءٍ، وإمّا بِأَنْ يُحْمَلَ في الهواء إلى بعض الأمكنة، وإمّا بأنْ يأتيه بمالٍ من أموال الناس، كما

стр. 827

يسرقه الشياطينُ من أموالِ الخائِنين، وأموال من لم يذكر اسم الله عليه، ويأتي به، وإمّا بغير ذلك، من قتل أعدائهم، أو إمراضهم، أو جَلْبِ من يهوونه وكثيرًا ما يتصوَّر الشيطان بصورة الساحر، ويقف بعرفاتٍ ليظنَّ مَنْ يُحسِن الظنَّ به أنّه وقف بعرفات، وقد زيَّن لهم الشيطان أنَّ هذا كرامات الصالحين، وهو من تلبيس الشيطان، فإنَّ الله تعالى لا يُعبد إلّا بما هو واجبٌ، أو مستحبٌّ، وما فعلوه ليس بواجبٍ، ولا مستحبٍ شرعًا، بل هو منهيٌّ عنه حرامٌ، ونعوذ بالله من اعتقاد ما هو حرامٌ عبادةً، ولأهل الضلال الذين لهم عبادةٌ على غير الوجه الشرعيّ، مكاشفاتٌ أحيانًا، وتأثيراتٌ يأوون كثيرًا إلى مواضع الشياطين التي نهي عن الصلاة فيها، كالحمَّام، والمزبلة، والمقبرة، وأعطان الإبل، وغير ذلك مما هو من مواضع النجاسات؛ لأنَّ الشياطين تنزل عليهم فيها، ويخاطبهم ببعض الأمور، كما يخاطبون الكفار، وكما كانت تدخل في الأصنام وتكلّم عُبَّاد الأصنام. قال العلماء: إن كان في السحر ما يخل شرطًا من شرائط الإيمان، من قول، وفعل، كان كفرًا، وإلا لم يكن كفرًا، وعامَّة ما بأيدي الناس من العزائم، والطَّلاسم، والرُّقي التي لا تفهم بالعربية، فيها ما هو شِرْكٌ وتعظيمٌ للجن، ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرُّقي التي لا يفهم معناها بالعربية؛ لأنَّها مظنَّة الشرك، وإن لم يعرف الرَّاقي أنّها شركٌ، وفي الصحيح عن النبي ﷺ : أنَّه رخّص في الرُّقي ما لم تكن شركًا، وقال "مَن استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" ولذا نقول: إنه يجوز أن يكتب للمصاب، وغيره من المرضى شيءٌ من كتاب الله تعالى، وذكره. بالمداد المباح، ويُسقى، أو يعلَّق عليه، وفي أسماء الله تعالى، وذكره خاصَّةً قمع الشياطين، وإذلالهم، ولأنفاس أهل الحق تأثيراتٌ عجيبةٌ؛ لأنّهم تركوا الشهوات، ولزموا العبادات على الوجه الشرعيِّ، وظهر لهم حكم قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولذا يطيعهم الجنُّ والشياطين، ويستعبدونهم، كما استعبدها سليمان ﵇، بتسخير من الله تعالى، وإقداره. واعلم: أنَّ حكم الساحر القتل ذكرًا كان أو أنثى، إذا كان سعيه بالإفساد، والإهلاك في الأرض، وإذا كان سعيه بالكفر، فيقتل الذكر دون الأنثى، فتضرب، وتحبس؛ لأنَّ الساحرة كافرةٌ، والكافرةُ ليست من أهل الحرب، فإذا كان الكفر

стр. 828

الأصليُّ يدفع عنها القتل، فكيف الكفر العارض؟ والساحر إن تاب قبل أن يؤخذ تقبل توبته، وإن أُخِذ ثم تاب لا تقبل، كما قال في "الأشباه": كُلُّ كافر تاب فتوبته مقبولةٌ في الدنيا والآخرة، إلّا الكافر بسبِّ نبيٍّ، أو بسبِّ الشيخين، أو أحدهما، وبالسحر ولو امرأةً، وبالزندقة إذا أُخِذَ قبل توبتهِ، والزنديق: هو الذي يقولُ بقدمِ الدهر، وإسنادِ الحوادث إليه مع اعتراف النبوَّةِ، وإظهارِ الشرع. هذا، وأكثر المنقول إلى هنا من كتاب آكام المرجان، وهو الذي ينبغي أن يكتب على الأحداق لا على القراطيس والأوراق. قوله ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ قرأ الجمهور (١) بفتح الميم وسكون الراء والهمزة. وقرأ الحسن، والزهري، وقتادة ﴿المَرِ﴾ بغير همز مخففًا. وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿المُرءُ﴾ بضمّ الميم والهمزة. وقرأ الأشهب العقيلي ﴿المِرْءِ﴾ بكسر الميم والهمزة، ورُويت عن الحسين. وقرأ الزهري أيضًا ﴿المَرِّ﴾ بفتح الميم وإسقاط الهمزة وتشديد الراء، فأمَّا فتح الميم وكسرها وضمُّها، فلغاتٌ، وأمَّا المرِ بكسر الراء، فوجهه أنّه نقل حركة الهمزة إلى الراء، وخفَّف الهمزة، وأمّا تشديدها بعد الحذف، فوجهه أنّه نوى الوقف فشدَّد، كما روي عن عاصم مستطرّ بتشديد الراء في الوقف، ثُمَّ أُجري الوصل مجرى الوقف، فأقرَّها على تشديدٍ فيه، قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾ قرأ الجمهور بإثبات النون في ﴿بِضَارِّينَ﴾ وقرأ الأعمش بحذفها، وخرج ذلك على وجهين: أحدهما: أنّها حذفت تخفيفًا، والثاني: أنَّ حذفها لأجل الإضافة إلى أحد، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور الذي هو ﴿بِهِ﴾ كما قال: هما أخوا في الحرب من لا أخا لَهُ وكما قال: كما خُطَّ الكتابُ بِكَفِّ يَوْمًا يَهُودِيٍّ وهذا التخريج ليس بجيد؛ لأنَّ الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف

стр. 829

والجار والمجرور من ضرائر الشعر، وأقبح من ذلك أن لا يكون ثمَّ مضافٌ إليه؛ لأنّه مشغولٌ بعاملٍ جارٍ، فهو المؤثِّر فيه لا الإضافة، وأمَّا جعل حرف الجر جُزْءًا من المجرور، فهذا ليس بشيءٍ؛ لأنّه مؤثّر فيه، وجزء الشيء لا يؤثر في الشيء، والأجود التخريج الأوّل؛ لأنَّ له نظيرًا في نظم العرب ونثرها، فمن النثر قول العرب: قَطَاقطَا بَيْضُكِ ثِنْتَا وَبَيْضِي مائتا يُريدُون ثِنْتَان ومِائتَانِ ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ منهما ﴿مَا يَضُرُّهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، ولا ينفعهم، صرَّح (١) بذلك؛ إيذانًا بأنّه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضَّرر، بل هو شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ، لأنّهم لا يقصدون به التخلُّصَ عن الاغترار بأكاذيب من يدَّعي النبوَّة مثلًا من السحرة، أو تخليصَ النَّاس منه حتى يكون فيه نفعٌ في الجملة. وعبارة أبي حيان: لمَّا ذكر أنّه يحصل به الضرر لمن يفرَّق بينهما، ذكر أيضًا أنَّ الضرر لا يقتصر على من يُفعل به ذلك، بل هو أيضًا يضرُّ مَن تعلَّمه، ولمَّا كان إثبات الضرر بشيء لا ينفي النَّفع؛ لأنّه قد يوجد الشيء فيحصل به الضرر، ويحصل به النفع، نَفَى النفع عنه بالكليَّة وأتى بلفظ لا؛ لأنّها يُنفى بها الحال والمستقبل، والظاهر أنَّ ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ معطوفٌ على ﴿يَضُرُّهُمْ﴾ وكلا الفعلين صلةٌ لما، فلا يكون لها موضعٌ من الإعراب، وجوَّز بعضهم أن يكون ﴿لا ينفعهم﴾ على إضمار هو؛ أي: وهو لا ينفعهم فيكون في موضع رفعٍ، وتكون الواو للحال، وتكون جملةً حاليَّةً، وهذا الوجه ضعيفٌ، وقد قيل: الضرر وعدم النفع مختصٌّ بالآخرة. وقيل: هو في الدنيا والآخرة، فإنَّ تعلُّمه إن كان غير مباح، فهو يجرُّ إلى العمل به، وإلى التنكيل به إذا عُثِر عليه، وإلى أنَّ ما يأخذه عليه حرامٌ، هذا في الدنيا، وأمَّا في الآخرة فلِمَا يترتَّب عليه من العقاب. انتهى. قال المراغي: وهذا مِما يعاقبُ الله عليه، ومَنْ عُرِف بإيذاء الناس أبغضوه، واجتنبوه، ولا نفع لهم فيه، فإنَّا نرى منتحلي هذه المِهَنِ مِنْ أفقر الناس وأَحْقِرهم، وذلك حالُهم في

стр. 830

الدنيا، فما بالك بهم في الآخرة يوم يُجزى كلُّ عامل بما عمل. انتهى. وفي الآية: إيماءٌ إلى أنَّ الاجتناب عما لا يؤمن غوَائلِهُ واجب، كتعلُّم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجرَّ إلى الغَواية، وإن قال مَنْ قال: عرفت الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لِتَوَقِّيهِ ... ومَنْ لا يعرف الشرَّ مِنَ الناسِ يَقَعْ فيهِ وذكَر في "التَّجْنيس": أنَّ تعلُّم النجوم حرام إلّا ما يُحتاج إليه للقبلة، ولمعرفة فصول السنة وحسابها، ومعرفة فيء الزوال من المنازل الثمانية والعشرين، ومِنْ أحاديث "المصابيح": (مَنِ اقتبس - علمًا من النجوم، اقتبس شعبةً من السحر) وإذا لم يكن في تعلُّم مثل هذه العلوم خيرٌ، فكذا إمساكُ الكتب التي اشتملت عليها من كتب الفلاسفة وغيرها، بل لا يجوز النظر إليها، كما في "نصابِ الاحتساب" ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ أي: لقد علم هؤلاء اليهود في التوراة، واللام فيه للقسم؛ أي: وعزّتي وجلالي، لقد علم اليهود الذين أخذوا السحر، واتَّبعوا الشياطين بدل متابعة رسول الله ﷺ ، والإيمان به. وقال أبو حيان (١): الضمير في علموا قيل: عائدٌ على اليهود الذين كانوا في عهد سليمان بن داود ﵇، وكانوا حاضرين استخراجَ الشياطين السحرَ ودفنه، أو أَخْذَ سليمان السحر ودفنه تحت كرسيّه، ولمَّا أخرجوه بعد موته، قالوا: والله ما هذا مِن عمل سليمان، ولا من ذخائره، وقيل: عائدٌ على من بحضرة رسول الله ﷺ من اليهود، وقيل: يعود على اليهود قاطبةً؛ أي: علموا ذلك في التوراة، وقيل: عائدٌ على علماء اليهود، وقيل: عائدٌ على الشياطين، وقيل: على الملكين؛ لأنَّهما كانا يقولان لمن يتعلَّم السحر فلا تكفر، فقد علموا أنَّه لا خَلاق له في الآخرة وأتى بضمير الجمع على قول: مَنْ يرى ذلك وعَلِم هنا يحتمل أن تكون المتعدية لمفعولين وعُلِّقت عن الجملة، ويحتمل أن تكون المتعدية لمفعول واحد، وعلقت أيضًا كما علقت عرفتُ، والفرق بين هذين التقديرين يظهر في العطف على موضعها. انتهى.

стр. 831

واللام في قوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ هي لام الابتداء، وهي المانعة من عمل علم وأخواتها، وهي أحد الأسباب المُوِجبة للتعليق، وأجازوا حَذْفَها، وهي باقيةٌ على منع العمل، وخرَّجُوا على ذلك قوله: كَذاكَ أُدِّبْتُ حتَّى صَارَ مِنْ خُلُقِي ... إنّي وجدتُ مِلاكُ الشِيمةِ الأَدبُ يريد لَمُلاكُ الشيمة، و ﴿مِنْ﴾ هنا موصولة، وهي مرفوعة بالابتداء، والجملة من قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ في موضع خبرها؛ أي: لقد (١) علموا أنَّ من اشترى السحر، واختاره، واستبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله تعالى، ما له في الآخرة من خلاق ونصيبٍ من دار الكرَامة؛ لأنّه من أهل النار؛ أي: ليس لذلك المشتري، والآخذ بالسحر في الآخرة خلاقٌ، وحظٌّ، ونصيبٌ من الجنة، بل هو من أهل النار. والمعنى (٢): أي إنَّهم عالمون بأنَّ من اختار هذا، وقدَّمه على العلم بأصول الدين وأحكام الشريعة التي توصل إلى السعادة في الدارين، فليس له حظٌّ في الآخرة؛ لأنّه خالف حكم التوراة التي حظَرت تعلُّم السحر، وجعلت عقوبة من اتبع الجنَّ، والشياطين، والكهان، كعقوبة عابدي الأصنام والأوثان، واللام في قوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ موطئةٌ (٣) لقسم محذوف، والشراء هنا بِمَعْنَى: البيعِ؛ لأنَّ الشراء من الأضداد، والمخصوص بالذمّ محذوف. والمعنى (٤): وعزّتي وجلالي: لبئس وقَبُح الشيء شيئًا باعوا به حظوظ أنفسهم في الآخرة، والمخصوص بالذمّ تعلُّم السحر، أو الكفر حيث اختاروا السحر ونبذوا كتاب الله تعالى؛ يعني: أنَّ اليهود لمَّا نبذوا كتاب الله تعالى وراء ظهورهم، وأقبلوا على التَّمسُّكِ بما تتلو الشياطين، فكأنَّهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله تعالى.

стр. 832

وعبَّر عن إيمانهم بأنفسهم (١)؛ لأنّ النَّفس خلقت للعلم والإيمان، وجواب لو في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ محذوف، تقديره: لو كانوا يعلمون عاقبة أمرهم، وما يصيرون إليه من العذاب، لَما فعلوا ما فعلوا من تعلُّم السحر، والعمل به، أثبت لهم العلم أوَّلًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾، ثُمَّ نفى عنهم بقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأنَّهم لمَّا لم يعملوا بعلمهم، فكأنَّهم لم يعلموا، فهذا في الحقيقة نفي الانتفاع بالعلم لا نفي العلم. وعبارة "الخازن" هنا: فإن قلت (٢): كيف أثبت الله لهم العلم أوَّلًا في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ على - التوكيد القسميّ، ثُمَّ نفاه آخرًا في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ففيه تناقضٌ؟ قلت: إنّهم قد علموا أنَّ من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق، ثُمَّ مع هذا العلم خالفوا واشتغلوا بالسحر، وتركوا العمل بكتاب الله تعالى، وما جاءت به الرسل؛ عنادًا منهم وبغيًا، وذلك على معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فعَلَ ذلك منهم من العقاب، فكأنَّهم حين لم يعملوا بعلمهم كانوا منسلخين منه، والمعنى هنا: لو كانوا يَعْمَلُون بعلمهم ذلك ما تعلَّموه؛ فالمثبت أوّلًا العلم، والمنفيُّ هنا العمل به. انتهى. وهذا هو ما يفعلُ مِثْلهَ بعضُ المسلمين اليوم، إِذْ يَنْتَهِكون بعض حرماتِ الدين بمثل تلك التأويلات، فيمنعون الزكاة بحيلةٍ، ويأكلون أموال الناس بحيلةٍ أخرى ويشهدون الزور بحيلةٍ ثالثة، وهكذا. ١٠٣ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ أي ولو أنَّ اليهود الذين اتَّبعوا ما تتلوا الشياطين، وتعلَّموا السحر ﴿آمَنُوا﴾ بمحمدٍ ﷺ وبالقرآن ﴿وَاتَّقَوْا﴾؛ أي: واجتنبوا اليهوديَّة، والسحر، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف دَلَّ عليه قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، تقديره: لأُثيبوا ما هو خيرٌ لهم من الكسب بالسحر، والمثوبةُ مَفْعُلةٌ (٣) من الثواب، مِنْ ثاب يثوب إذا رجع، وسُمِّي الجزاء

стр. 833

ثوابًا؛ لأنّه عوضُ عمَلِ المحسن يرجع إليه، والتنكير فيه للتقليل؛ أي: شيءٌ قليلٌ من الثواب كائنٌ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ، وقوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ﴾ لهم من السحر وما اكتسبوا به، واسم التفضيل ليس على بابه، بل المراد بيان أنَّ المثوبة فاضلة على السحر، كقوله تعالى: ﴿أصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقرأ الجمهور (١): ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ بضم الثاء، كالمَشُورة. وقرأ قتادة، وأبو السمال، وعبد الله بن بريدة بسكون الثاء، كمَشْوُرةٍ، ومعنى قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾؛ أي: لثَوابٌ وهو الجزاء، والأَجر على الإيمان، والتقوى بأنواع الإحسان. وقيل: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ لرجعةٌ إلى الله خيرٌ، والجارُّ والمجرور في قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ في موضع الصفة؛ أي: كائنةٌ من عند الله تعالى، وهذا الوصف هو المسوِّغ لجواز الابتداء بالنكرة، وفي وصف المثوبة بكونها من عند الله تفخيمٌ وتعظيمٌ لها، ولمناسبة الإيمان والتقوى لذلك كان المعنى: إنّ الذي آمنتم به، واتقيتم محارمه هو الذي ثوابكم منه على ذلك، فهو المُتكفِّل بذلك لكم، وحذف المفضَّل عليه؛ إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ خيريةَ ثوابِ الله وجزاءه، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: ما اختاروا السحر على الإيمان بمحمد ﷺ . فإن قلت (٢): قد علموا ذلك من كتابهم، فكيف جهَّلهم؟. قلت: جهَّلهم لعدم عملهم بعلمهم، فإنَّ من لم يعمل بما علم، فهو كمن لم يعلم، ومجرد العلم باللسان لا ينفع بدون أن يصل التأثير إلى القلب، ويظهر ذلك التأثير بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة، والاتباع للكتاب والسنة، فمن أمَّر السُّنَّة على نفسه أخذًا وتركًا، حُبًّا وبغضًا، نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال بعض (٣) العلماء: زيادة العلم في الرجل السوء، كزيادة الماء في أصول الحنظل، كلما ازداد، ريًّا ازداد مرارةً ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا، وتحصيل الرفعة فيها، كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت،

стр. 834

فما أشرف الوسيلة، وما أخسَّ المتوسَّل إليه، والذي يَحْملُ على تعلُّم ما لا يليق، وذِكْر ما يجبُ صَوْنُه عنه، إنما هو إيثار الدنيا على الآخرة، والله يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وإن أردت معرفة قدرك عند الله تعالى، فانظر إلى أعمالك؛ لأنّ الأعمال علاماتٌ على ذلك، وقد جاء في الخبر: "من سرَّه أن يعرف منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله في قلبه، فإن الله يُنزل العبد عنده حيث أنزله العبد من نفسه". ومعنى الآية: أي ولو أنَّهم آمنوا الإيمان الحق بكتابهم، وفيه البشارة بمحمد ﷺ ، والأمر باتّباعه، واتقوا الله بالمحافظة على أوامره واجتناب نواهيه، لكان هذا الثواب العظيم الذي ينتظرونه من الله جزاءً على أعمالهم الصالحة، خيرًا لهم من كلِّ ما يتوقَّعُون من المنافع، والمصالح الدنيوية. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إنّهم (١) ليسوا على شيء من العلم الصحيح، إذْ لو كان كذلك لظهرت نتائجه في أعمالهم، ولآمنوا بالنبي ﷺ واتبعوه، وصاروا من المفلحين، لكنهم يتَّبعون الظنَّ، ويعتمدون على التقليد، ومن جرّاء هذا خالفوا الكتاب، وساروا وراء أهوائهم وشهواتهم، فوقعوا في الضلال البعيد. ١٠٤ - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد ﷺ ، وبما جاء به (٢)، وهذا النداء وقع في القرآن في ثمانية وثمانين موضعًا، وهذا أوَّل خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإقبال عليه، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين، يذكرهم بأنَّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقَّى أوامر الله تعالى ونواهيه، ويحسن الطاعة والامتثال. قال أبو حيان (٣): إنَّ أوّل نداءٍ أتى عامًّا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وثاني: نداء أتى خاصًّا ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا﴾ وهي الطائفة العظيمة، اشتملت على الملّتين اليهودية والنصرانية، وثالث نداءٍ لأمّة محمد ﷺ المؤمنين، فكان أوّل نداء عامًّا أمروا فيه بأصل الإِسلام، وهو عبادة الله، وثاني نداء ذُكّرُوا فيه بالنعم الجزيلة، وتُعِبِّدُوا بالتكاليف الجليلة، وخُوّفوا من حلول النقم الوبيلة،

стр. 835

من النقم والاتعاظ بمن سبق من الأمم، فلم يبق إلّا ما أمروا به على سبيل التكميل، من تعظيم من كانت هدايتهم على يديه، والتبجيل، والخطاب بيا أيها الذين آمنوا، متوجِّهٌ إلى من في المدينة من المؤمنين. قيل: ويحتمل أن يكون إلى كل مؤمن في عصره، وروي عن ابن عباس: أنّه حيث جاء هذا الخطاب، فالمراد به أهل المدينة، وحيث ورد يا أيها الناس، فالمراد أهل مكة. انتهى. ﴿لَا تَقُولُوا﴾ (١) لنبيّكم محمد ﷺ ، إذا ألقى عليكم شيئًا من العلم، وأكثر عليكم في الإلقاء وتابع فيه، وصَعُب عليكم الأَخْذُ منه مع الموالاة، وطلبتم منه الإمهال والتأنّي في الإلقاء؛ لِيُحفَظَ لكم ما سمعتم منه أوَّلًا، قبل الإلقاء الثاني ﴿رَاعِنَا﴾ يا رسول الله!؛ أي: أمهلنا وانظرنا في الإلقاء، وتأنَّ، ولا تتابعه علينا؛ لنحفظ ما سمعنا منك أوَّلًا قبل أن تُلْقي علينا ثانيًا؛ لأنَّ هذه الكلمة وإن كان معناها في لغة العرب هكذا، فإنَّها توَافق في اللفظ كلمةً عبرانيةً، أو سريانيَّةً، وضعت للمَسبَّة كانت اليهود يتسابُّون بها فيما بينهم؛ لأنَّ معنى ﴿رَاعِنَا﴾ عندهم: اشملَنْا بحُمْقِك، وأَفِدْنا ولَهَك، وخاطِبْنَا بكلامك الخسيس، فإنَّ اليهود إذا سمعت مخاطبتكم للنبي ﷺ بهذه الكلمة، وأنتم تريدون معناها العربيَّ، فإنَّهم يخاطبون النبيَّ بهذه. روي: أنَّ (٢) المسلمين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : إذا تلا عليهم شيئًا من العلم: راعنا يا رسول الله! أي: تأنَّ بنا، وأمهل في الإلقاء حتى نفهم كلامك، واليهود كانت لهم كلمةٌ عبرانيةٌ يتسابُّون بها فيما بينهم، فلمَّا سمعوا المؤمنين يقولون: ﴿رَاعِنَا﴾ خاطبوا به النبيَّ ﷺ ، وهم يريدون بها تلك المسبَّة، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ منهم، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده: لئن سمعتها من أحد منكم يقولها: لرسول الله ﷺ ، لأضربنَّ عنقه، قالوا: أو لستم تقولون بها؟ فنهي المؤمنون عنها، فأُمِروا بلفظةٍ أخرى؛ لئلا يجد اليهود بذلك سبيلًا إلى شتم

стр. 836

النبيِّ ﷺ ، وذلك قوله الآتي: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ وهو إمَّا مأخوذٌ من الرعاية، والمراعاة: المبالغة في الرعي، وهو النظر في مصالح الإنسان، وتدبير أموره، وتدارك مصالحه، أو من الرُّعونة، والرَعْنُ: الجَهْلُ، والهَوَجُ، والحُمْقُ، والخِسَّة. وبُدِءَ بالنهي؛ لأنّه من باب التُّروك فهو أسهل، ثُمَّ أتى بالأمر بعده الذي هو أشقُّ؛ لحصول الاستئناس قَبْلَ النهي، ثُمَّ لم يكن نهيًا عن شيء سبق تحريمه، ولكن لمّا كانت لفظةُ المُفاعلة تقتضي الاشتراكَ غالبًا صار المعنى: لِيقع منك رَعْيٌ لنا، ومِنّا رَعْيٌ لك، وهذا فيه ما لا يخفى مع مَنْ يُعظَّم؛ نُهوا عن هذه اللفظة لهذه العلةِ، وأُمروا بأن يقولوا: ﴿انْظُرْنَا﴾ إذ هو فعلٌ من النبي ﷺ لا مشاركة لهم فيه معه. وقرأ الجمهور (١): ﴿رَاعِنَا﴾ وفي مصحف عبد الله وقراءته، وقراءة أبيّ ﴿راعونا﴾ خاطبوه بذلك؛ إكبارًا؛ وتعظيمًا إذْ أقاموه مُقامَ الجمع، وتضمَّن هذا النهيُ النَّهْيَ عن كُلِّ ما يكون فيه استواءٌ مع النبي ﷺ . وقرأ الحسن، وابن أبي ليلى، وأبو حيوة، وابن مُحيصن: ﴿رَاعِنًا﴾ بالتنوين جعله صفةً لمصدر محذوف؛ أي: لا تقولوا قولًا راعنًا، وهو على طريق النسب، كلابن، وتامر، وقال الحسنُ: الراعن من القول، السُّخريُّ منه. اهـ. ولمّا كان القول سببًا في السَّبِّ اتَّصف بالرعْنِ، فنُهوا في هذه القراءة أن يخاطبوا الرسولَ بلفظٍ يكون، أو يوهم شيئًا من الغَضِّ والنَّقص، ممَّا يستحقُّه ﷺ من التعظيم، وتلطيفِ القول وأدَبِهِ، مأخوذٌ من الرُّعونة وهو الحُمْقُ، وكذا قيل: في ﴿راعونا﴾ إنّه فاعولا من الرعونة، كعاشورا. وقيل: إنّ اليهود تقول: راعنا؛ أي: رَاعِي غنمنا ﴿وَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون عند طلب الإمهال منه، والتأني في الإلقاء ﴿انْظُرْنَا﴾؛ أي: انتظرنا وأَمْهِل لنا، ولا تُوال في الإلقاء من نظره إذا انتظره. وقرأ الجمهور (٢): ﴿انْظُرْنَا﴾ موصولَ الهمزة مضمومَ الظاء من النظرة وهي التأخير؛ أي: انتظرنا وتأنَّ علينا، نحو قوله: فإِنَّكُمَا إنْ تَنْظُرَانِي سَاعَةً ... مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْنِي لَدَى أُمِّ جُنْدُبِ

стр. 837

أو من النَّظَرِ واتُّسِعَ في الفِعْلِ، فعدِّي بنفسه، وأصله: أن يتعدَّى بإلَى، كما قال الشاعر: ظَاهِراتُ الجَمَالِ والحُسْن يَنْظُرْ ... نَ كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّبَاءُ يريد إلى الأراك، ومعناه: تَفَقَّدْنا بنظرك، وقال مجاهد معناه: فَهِّمْنَا وبيِّنْ لنا، فسَّر باللازم في الأصل وهو أَنظِرَ؛ لأنّه يلزمُ من الرفقِ والإمهالِ على السائل، والتأنِّي أن يَفْهَم بذلك. وقيل: هو من نَظَرِ البصيرة بالتَّفكُّرِ والتدبُّرِ فيما يَصْلُح للمنظور فيه، فاتُّسِعَ في الفعل أيضًا، إذ أصله: أن يتعدَّى بفي، ويكون أيضًا على حذف مضاف؛ أي: انظر في أمرنا. قال ابن عطيّة: وهذه لفظةٌ مُخلصةٌ لتعظيم النبيِّ ﷺ ، وقرأ أبي (١)، والأعمش: ﴿أنْظِرْنَا﴾ بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار، ومعناه: أخِّرنا وأمهلنا حتى نتلقَّى عنك، وهذه القراءة تشهد للقول الأوّل في قراءة الجمهور، ومنه قول الشاعر: أبا هند فلا تَعْجَلْ علينا ... وأَنظِرنا نُخَبِّرْك اليقينا ثُمَّ أمرهم بعد هذا النَّهي والأمر الأول، بأمرٍ آخر بقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أيُّها المؤمنون ما يقوله النبيُّ ﷺ ؛ أي أحسنوا (٢) سماعه بآذان واعيةٍ، وأذهانٍ حاضرةٍ، حتى لا تحتاجوا إلى الاسْتعادة، وطلب المراعاة، أو المعنى: واسمعوا ما تؤمرون به في مخاطبته ﷺ وأطيعُوا. نَهَى الله ، عباده المؤمنين أن يقولوا للنبيِّ ﷺ راعنا؛ لئلا يتطرَّق أحدٌ إلى شَتْمِه، وأمرهم بتوقيره وتعظيمه، وأن يتخيَّروا لخطابه ﷺ من الألفاظ أحسنهَا، ومن المعاني أدقَّها، وإن سألوه يسألوه بتبجيلٍ، وتعظيمٍ، ولينٍ، ولا يخاطبوه بما يَسُرُ اليهود. ولمَّا نهى أوّلًا، وأمر ثانيًا، وأمر بالسمع وحضَّ عليه إذ في ضِمْنهِ الطاعةُ، أخَذَ يُذَكِّرُ لِمَنْ خالَف أَمْرَه بقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: ولليهود الذين سبُّوا رسول الله ﷺ ، وتهاونوا بأمر الرسول، وظاهره العموم، فيدخل فيه اليهود دخولًا أوَّليًّا

стр. 838

﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: مؤلم موجعٌ يخلص وجعه إلى قلوبهم، ونحو الآية قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وفي التعبير بالكافرين الذين هم اليهود هنا: (١) إيماءٌ إلى أنَّ ما صدر منهم من سوء الأدب في خطابه ﷺ ، كُفْرٌ لا شكَّ فيه؛ لأنَّ من يصف النبيَّ ﷺ ، بأنّه شريرٌ، فقد أنكر نبوّته، وأنه مُوحًى إليه من قبل ربّه، ومتى فعل ذلك فقد كفر واستحقَّ العذاب الأليم. قال الأستاذ الإمام (٢): إنَّ هذا التأديب ليس خاصًّا بمن كان في عصره ﷺ من المؤمنين، بل يعم من جاء بعدهم أيضًا، فهذا كتاب الله الذي كان يتلوه عليهم، وكان يجب عليهم الاستماع له، والإنصات لتدبره، هو الذي يتلى علينا بعينه لم يذهب منه شيءٌ، وهو كلام الله الذي به كان الرسول رسولًا تجب طاعته، والاهتداء بهديه، فما هذا الأدب الذي يقابله به الأكثرون، إنهم يلغطون في مجلس القرآن، فلا يستمعون، ولا ينصتون، ومن أنصت، واستمع؛ فإنَّما ينصت طربًا بالصوت، واستلذاذًا بتوقيع نغمات القارئ، وإنّهم ليقولون في استحسان ذلك، واستجادته ما يقولون في مجلس الغناء، ويهتزُّون للتلاوة، ويصوِّتون بأصواتٍ مخصوصة، كما يفعلون عند سماع الغناء بلا فرق، ولا يلتفتون إلى شيءٍ من معانيه إلّا ما يرونه مدعاةً لسرورهم في مثل قصة يوسف ﵇، مع الغفلة عمَّا فيها من العبرة، وإعلاء شأن الفضيلة، ولا سيما العِفَّةُ والأمانة، أليس هذا أقربَ إلى الاستهانة بالقرآن، منه بالأدب اللائق الذي ترشد إليه هذه الآية الكريمة، وأمثالها؟ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. ١٠٥ - ﴿مَا يَوَدُّ﴾ ويحبُّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأنكروا بما جاء به محمدٌ ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من اليهود والنصارى، ككعب بن الأشرف ﴿وَلَا﴾ من

стр. 839

﴿الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: مشركي العرب عبدة الأوثان، كأبي جهل وأصحابه، وكان فريقٌ من اليهود يُظهرون للمؤمنين محبَّةً، ويزعمون أنَّهم يودُّون لهم الخير، فنزل تكذيبًا لهم. والودُّ (١): حُبُّ الشيء مع تمنيه، ونفي الودِّ كنايةٌ عن الكراهة؛ أي: ما يحبُّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، ومِن للتبيين؛ لأنَّ الذين كفروا جنسٌ تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، فكأنَّه قيل: ما يودُّ الذين كفروا وهم أهل الكتاب والمشركون، فبيَّن أنَّ الذين كفروا باقٍ على عمومه، وأنَّ المراد كلا نوعيه جميعًا، والمعنى: أنَّ الكفار جميعًا لم يُحِبُّوا ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: على نبيكم؛ لأنّ المُنزَّل عليه منزَّلٌ على أُمَّته، وهو في موضع المفعول بيودُّ، وبناؤه للمفعول؛ وحذف للعلم به؛ وللتصريح به في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ولو بني للفاعل لم يظهر في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾. فائدةٌ: وقرأ أبو عمرو بالتخفيف. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ هو قائم مقام فاعله، و ﴿مِنْ﴾ مزيدةٌ لاستغراق الخير، والخير الوحي، والقرآن، والنصرة كائنٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أن ينزَّل عليكم وحيٌ من ربّكم؛ لأنّهم يحسدونكم فيه، و ﴿مِنْ﴾ هنا لابتداء الغاية، كما تقول: هذا الخير من زيد، ويجوز (٢) أن تكون، للتبعيض، والمعنى: من خير كائن من خيوركم، فإذا كانت لابتداء الغاية تعلَّقت بقوله: ﴿يُنَزَّلَ﴾، وإذا كانت للتبعيض تعلَّقت بمحذوف، وكان ذلك على حذف مضافٍ، كما قدَّرناه آنفًا. ذكره في "البحر". والمعنى (٣): إنّهم يرون أنفسهم أحقَّ بأن يوحى إليهم، فيحسدونكم، ويكرهون أن يُنزَّل عليكم شيءٌ من الوحي، أمَّا اليهود فَبِناءً على أنّهم أهلُ الكتاب وأبناءُ الأنبياء النَّاشِئُون في مَهابِطِ الوحي، وأنتم أميُّون، وأمَّا المشركون فإدْلاَلًا بما كان لهم من الجاه والمال، زعمًا منهم أنَّ رياسة الرسالة كسائر الرياسات

стр. 840

الدنيويّة، منوطةٌ بالأسباب الظاهرة، ولذا قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ وهم كانوا يتمنَّون أن تكون النُبوَّة في أحد الرجلين: نعيم بن مسعودٍ الثقفيِّ بالطَّائف، والوليد بن المغيرة بمكّة، ثُمَّ أجاب عن قول من يقول: لِمَ لَمْ يُنزَّل عليهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَخْتَصُّ﴾؛ أي: يخصُّ ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾؛ أي: بوحيه، ونبوّته، وبالهداية ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ويختار من عباده؛ أي: من كان أهلًا لذلك وهو محمدٌ ﷺ والمؤمنون. يقال: خصَّه بالشيء. واختصه، إذا أفرده به دون غيره، ومفعول المشيئة محذوفٌ، تقديره: من يشاء تخصيصه بفضله، والرحمة (١) هنا عامَّةٌ بجميع أنواعها، أو النبوة، والوحي، والحكمة، والنصرة، اختصَّ بها محمدٌ ﷺ قاله عليٌّ، والباقر، ومجاهدٌ، والزجَّاجُ، أو الإِسلام، قاله ابن عباس، أو القرآن، أو النبيُّ ﷺ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وهو نبيُّ الرحمة أقوالٌ خمسةٌ أظهرها الأول. والمعنى: يفرد (٢) سبحانه برحمته من يشاء إفراده بها، ويجعَلها مقصورة عليه؛ لاستحقاقه الذاتيِّ الفائض عليهِ بحُبِّ إرادته ، لا تتعدَّاه إلى غيره، لا يجب علِيه شيءٌ، وليس لأحدٍ عليه حقٌّ، وسبب (٣) عدم ودهم ذلك، أمَّا في اليهود، فلِكون النبوة كانت في بني إسماعيل؛ ولخوفهم على رئاستهم، وأمَّا النصارى؛ فلتكذيبهم في ادعائهم ألوهيَّة عيسى، وأنّه ابنُ الله؛ ولخوفهم على رئاستهم، وأمَّا المشركون؛ فلسبِّ آلهتهم، وتسفيه أحلامهم، ولحسدهم أن يكون رجلٌ منهم يختصُّ بالرسالة، واتباع الناس له. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: صاحب المَنِّ الكبير، والعطاء الكثير بالوحي على محمد ﷺ ، وبالإِسلام بلا غرض، ولا علَّةٍ؛ يعني (٤): أنَّ الله تعالى يخصُّ بنبوّته ورسالته من يشاء من عباده، ويتفضَّل بالإيمان والهداية على من أحبَّ من خلقه

стр. 841

رحمةً منه لهم، فكُلُّ خيرٍ ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنَّه منه ابتداءً، وتفضّلًا عليهم من غير استحقاق أحدٍ منهم لذلك، بل له الفضل والمنَّة على خلقه، وفي الآية تعريضٌ بأهل الكتاب في حسدهم للنبيِّ ﷺ ، والمؤمنين. فائدةٌ: قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربَّه من خمسة أوجهٍ: أولها: أنّه أبغض كُلَّ نعمةٍ ظهرت على غيره. والثاني: أنّه يتسخَّطُ قسمته تعالى، ويقول لربّه: لِمَ قسمت هكذا. والثالث: أنَّ فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضله. والرابع: أنّه خذل وليَّ الله تعالى؛ لأنّه يريد خذلانه، وزوال النعمة عنه. والخامس: أنّه أعان عدوَّه؛ يعني: إبليس اللعين. واعلم: أنَّ حسدك لا ينفذ على عدوِّك، بل على نفسك، بل لو كوشفت بحالك في يقظةٍ، أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمي حجرًا إلى عدوّه ليصيب به مقلته، فلا يصيبه، بل يرجع إلى حدقته اليُمْنى فيقلعها، فيزيد غضبه ثانيًا، فيعود ويرمي أشدَّ من الأولى، فيرجع على عينه اليسرى فيعميها، فيزداد - غضبه ثالثًا، فيعود ويرميه، فيرجع الحجر على رأسه فيشُجُّه، وعدوُّه سالمٌ في كُل حال، وهو إليه راجعٌ كرَّةً بعد أُخرى، وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون، وهذا حال الحسود، وسخرية الشياطين. وقال بكر بن عبد الله: كان رجل يأتي بعض الملوك، فيقوم بحذائه ويقول: أَحْسِنْ إلى المحسنِ بإحسانه، فإنَّ المسيء يكفيه إساءته، فحسده رجلٌ على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك، وقال: إنّ هذا الرجل يَزْعُم أنَّ الملك أبْخَرُ، فقال الملك: وكيف يصحُّ ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك فانظر، فإنّه إذا دنا منك وضع يده على أنفه أن لا يشمّ ريح البخر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله، فأطعمه طعامًا فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، فقام بحذاء الملك، فقال على عادته مثل ما قال، فقال له الملك: ادن منّي، فدنا منه واضعًا يده على فيه مخافة أن يشمَّ الملك منه ريح الثوم، فصدَّق الملك في نفسه قول

стр. 842

الساعي، قال: وكان الملك لا يكتب بخطّه إلّا لجائزة، فكتب له كتابًا بخّطه إلى عامل له، إذا أتاك الرجل فاذبحه واسلخه، واحش جلده تبنًا، وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به، فاستوهب منه ذلك الكتاب، فأخذه منه بأنواع التضرّع والامتنان، ومضى إلى العامل، فقال له العامل: إنَّ في كتابك أن أذبحك، وأسلخك، قال: إنَّ الكتاب ليس هو لي، الله الله في أمري حتى أراجع الملك، قال: ليس لكتاب الملك مراجعةٌ، فذبحه، وسلخه، وحشا جلده تبنًا، وبعث به، ثمَّ عاد الرجل كعادته، فتعجب منه الملك، فقال: ما فعلت بالكتاب؟ قال لقيني فلانٌ فاستوهبه منّي، فوهبته، قال الملك: إنّه ذكر لي أنَّك تزعم أنِّي أبخر، فقال كلَّا، قال: فلم وضعت يدك على أنفك؟ قال: كان أطعمني طعامًا فيه ثومٌ، فكرهت أن تشمَّه منّي، قال: ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيءَ إساءتُه، اللهمّ! احفظنا من مساويء الأخلاق، فإنَّها بئس الوثاق، وأكرمنا بمكارم الأخلاق، فإنّها نعم الرفاق. ذكره في "روح البيان". وخلاصة معنى الآية (١): أي إنَّ الذين عرفتم شأنهم مع أنبيائهم من أهل الكتاب حسدةٌ لكم، لا يودُّون أن ينزل عليكم خيرٌ من ربّكم، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، به جمع الله شملكم، ووحَّد شعوبكم، وقبائلكم، وطهَّر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وكذلك المشركون، إذ يرون في نزول القرآن على طريق التتابع الوقت بعد الوقت قوَّةً للإسلام، ورسوخًا لقواعده، وتثبيتًا لأركانه، وانتشارًا لهديه، وهم يودُّون أن تدور عليكم الدَّوائر، وينتهي أمركم، ويزول دينكم من صفحة الوجود. وحسد الحاسد يدلُّ على أنَّه ساخطٌ على ربّه معترضٌ عليه؛ لأنَّه أنعم على المحسود بما أنعم، والله لا يضيره سخط الساخطين ولا يحول مجاري نعمته حسد الحاسدين، فهو يختص من يشاء برحمته متى شاء، وهو ذو الفضل العظيم على من اختاره للنبوة، وهو صاحب الإحسان والمنَّة، وكُلُّ عباده غارقٌ في بحار نعمته، فلا ينبغي لأحدٍ أن يحسد أحدًا على خيرٍ أصابه، وفضلٍ أوتيه من عند ربه.

стр. 843

الإعراب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ كما مرّ مرارًا ﴿أَخَذْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ، والتقدير: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي عليكم، وحين أخذنا ميثاقكم ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿وَرَفَعْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنَا﴾. ﴿فَوْقَكُمُ﴾ ظرف مكان ومضاف إليه، والظرف متعلق برفعنا ﴿الطُّورَ﴾ مفعول به ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ مقول محكي لقول محذوف معطوف على ﴿رفعنا﴾، تقديره: ورفعنا فوقكم الطور فقلنا خذوا ما آتيناكم، وإن شئت قلت: ﴿خُذُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقلنا المحذوف ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به لخذوا ﴿آتَيْنَاكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ما آتيناكموه؛ لأنّ آتى بمعنى: أعطى يتعدى إلى مفعولين، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد المفعول الثاني المحذوف ﴿بِقُوَّةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير المخاطبين، تقديره: حال كونكم ملتبسين بقوّة وعزيمة ﴿وَاسْمَعُوا﴾ الواو عاطفة ﴿اسمعوا﴾ فعل أمر وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿خُذُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ مقول محكي لقالوا منصوب بفتحة مقدّرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، وإن شئت قلت: ﴿سَمِعْنَا﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: سمعنا قولك، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَعَصَيْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿سَمِعْنَا﴾، ومفعوله محذوف، تقديره: وعصينا أمرك ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ الواو حالية ﴿أشربوا﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل ﴿في قُلُوبِهِمُ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأُشربوا ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول به ثان لأُشربوا؛ لأن الأول كان نائب فاعل، والجملة

стр. 844

من الفعل المغيّر، ونائب فاعله في محل النصب حال من الواو في ﴿قَالُوا﴾، ولكن بتقدير قد لتقرب الماضي إلى الحال، والتقدير: قالوا سمعنا وعصينا حاله كونهم مشْرَبين في قلوبهم حُبَّ عبادة العجل، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على ﴿قَالُوا﴾ على كونها مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأُشربوا، والباء فيه سببية، ويجوز أن يكون حالًا من الحبّ المحذوف؛ أي: حال كون ذلك الحبّ مختلطًا بكفرهم، كما ذكَره العكبري ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لقل منصوب بفتحة مقدّرة، وإن شئت قلت: ﴿بئس﴾ فعل ماض جامد من أفعال الذمّ مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: هو يعود على الشيء المبهم ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة بمعنى شيء في محل النصب تمييز لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فعل ومفعول به ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بيأمركم ﴿إِيمَانُكُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب صفة لما، ولكنها صفة سببية، والرابط ضمير ﴿بِهِ﴾ وجملة ﴿بئس﴾ في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف يسمى المخصوص بالذمّ، تقديره: عبادة العجل، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإنْ على كونه فعل شرط لها ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبر كان منصوب بالياء، وجواب الشرط معلوم مما قبله، تقديره: إن كنتم مؤمنين بالتوراة، فلم عبدتم العجل، والمعنى: لو كنتم مؤمنين ما عبدتموه. ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كَانَتْ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بإن الشرطية، والتاء علامة تأنيث اسمها ﴿لَكُمُ﴾ جار ومجرور خبر لكان، مقدّم على اسمها ﴿الدَّارُ﴾ اسمها مؤخّر، ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة للدار ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف مكان ومضاف إليه، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، والتقدير: إن كانت الدار الآخرة كائنة

стр. 845

لكم عند الله تعالى، ﴿خَالِصَةً﴾ حال من الدار تقديره حالة كونها خاصة بكم ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال مؤكّدة للحال المذكور قبلها؛ لأنّ دون تستعمل للاختصاص، يُقال هذا لي دونك؛ أي: من دونك؛ أي: لا حقَّ لك فيه، كما في "الشهاب"، وفي "السمين" في خبر كان هنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه ﴿خَالِصَةً﴾ فيكون ﴿عِنْدَ﴾ ظرفًا لخالصةً، وللاستقرار الذي في ﴿لَكُمُ﴾. والثاني: أنَّ الخبر ﴿لَكُمُ﴾ فيتعلَّق بمحذوف، ونصب ﴿خَالِصَةً﴾ حينئذٍ على الحال. والثالث: أنَّ الخبر هو الظرف و ﴿خَالِصَةً﴾ حال أيضًا. انتهى. وفي "الكرخي": ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرٌ جاء على وزن فاعلة، كالعافية، والعاقبة، وهو بمعنى الخلوص. اهـ. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ الفاء رابطةٌ لجواب ﴿إِن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية ﴿تمنّوا﴾ فعل أمر في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونها جوابًا لها مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿الْمَوْتَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مع جوابها في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿كنتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿صَادِقِينَ﴾ خبر كان منصوب بالياء، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلومٌ مما قبلها، تقديره: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محلِّ النصب مقول ﴿قُل﴾ أيضًا. فائدة: ولا تدخل ﴿إِن﴾ الشرطية على فعل ماض في المعنى إلّا على كان؛ لكثرة استعمالها، وأنها لا تدلّ على حدث. ذكره العكبريُّ. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾. ﴿وَلَنْ﴾ الواو استئنافية ﴿لن﴾ حرف نفي ونصب واستقبال ﴿يَتَمَنَّوْهُ﴾ فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان متعلق بيتمنوه ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بيتمنوه أيضًا، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فعل وفاعل صلة لما الموصولة، والعائد
следующие страницы →