← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7946–7985 · переход к 7951.

стр. 7946

حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين، إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعًا في ليل أو نهار، أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخلوا فسادها في عموم قول النبي ﷺ : "جرح العجماء جبار" قياسًا لجميع أفعالها على جرحها. ويجاب عنه، بأن هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة النص، ومن أهل العلم، من ذهب إلى أنه، يضمن رب الماشية، ما أفسدته، من غير فرق بين الليل والنهار. ويجاب عنه بحديث البراء. ولما مدح داود وسليمان علي سبيل الاشتراك، ذكر ما يختص بكل واحد منهما، نبدأ بداود، فقال: ﴿وَسَخَّرْنَا﴾؛ أي: وذلّلنا ﴿دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ و ﴿مَعَ﴾ متعلقة بالتسخير، وهو تذليل الشيء وجعله طائعًا منقادًا، وقوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ حال من الجبال؛ أي (١): حالة كونهن يقدسن الله تعالى، بحيث يسمع الحاضرون تسبيحهن، فإنه هو الذي يليق بمقام الامتنان، لا انعكاس الصدى، فإنه عام. وكذا ما كان بلسان الحال فاعرف؛ أي: (٢) ينطق بالتسبيح، وكان داود يسبح وحده، فالله تعالى خلق فيها الكلام، كما سبّح الحصى في كف رسول الله ﷺ وسمع الناس ذلك. وقال أبو حيان (٣): قيل كان يمر بالجبال مسبّحًا وهي تجاوبه. وقيل: كانت تسير معه حيث سار. والظاهر وقوع التسبيح منها بالنطق، خلق الله فيها الكلام كما سبّح الحصى في كف رسول الله ﷺ ، وسمع الناس ذلك، وكان داود يسمعه، قاله يحيى بن سلام. وقيل: كل واحد. وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بالنصب عطفًا على الجبال؛ أي: وسخرنا الطير معه حالة كونها تسبّح معه. وقدمت الجبال على الطير (٤) لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز؛ لأنها جماد، والطير حيوان،

стр. 7947

يعني إذا ذكر داود ﵇ ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾؛ أي: قادرين على أن نفعل هذا، وإن كان عجبًا عندكم، أو فاعلين هذه الأعاجيب، من تسخير الجبال وتسبيحهن والطير لمن نخصه بكرامتنا. روي أن داود كان إذا مرّ يسمعه تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وقرىء (١) ﴿وَالطَّيْرَ﴾ مرفوعًا على الابتداء، والخبر محذوف؛ أي: مسخر، لدلالة "سخرنا" عليه، أو على الضمير المرفوع في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على مذهب الكوفيين، وهو توجيه قراءة شاذة. ومعنى الآية: أي (٢) وسخرنا الجبال والطير لداود، تقدس الله معه، بحيث تتمثل له مسبحة، فيكون ذلك أملك لوجدانه وجميع مشاعره، فيستغرق في التسبيح، وكنا فاعلين لأمثاله، فليس ذلك ببدع منا، وإن كنتم تعجبون منه، فإن المستغرقين في التسبيح والتقديس يحصل لهم من الأنس بالله ما يجعل العالم كله في نظرهم مسبحًا، وكأن العوالم كلها تنطق لهم به، بلسان أفصح من لسان المقال، ولا يدرك هذا أحد إلا بوجدانه. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. ٨٠ - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾؛ أي: وعلمنا داود ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾؛ أي: عمل الدروع وإصلاحها والصنع (٣) وهذا الصنعة إجادة الفعل، فكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعًا، والصناعة حرفة الصانع كالكتابة والحياكة، وعمل الصنعة. واللبوس في الأصل: اللباس درعًا كان أو غيرها، وكانت الدروع قبل داود صفائح؛ أي: قطع حديد عراضا، فحلقها وسردها ﴿لَكُمْ﴾ أي: لأجل نفعكم يا أهل مكة فإن الله تعالى ألان الحديد لداود، فكان يعمل منه بغير نار، كأنه طين، فهو متعلق بـ "علمنا"، أو بمحذوف هو صفة ﴿لبوس﴾. والمعجزة فيه أنه فعل ذلك من غير استعانة بأداة وآلةٍ، من نحو الكير والنار

стр. 7948

والسندان والمطرقة، وكان لقمان يجلس مع داود، ويرى ما يصنع ويهم أن يسأل عنها؛ لأنه لم يرها قبل ذلك، فيسكت، فلما فرغ داود من الدرع قام وأفرغه على نفسه، وقال: نعم الرداء هذا للحرب. فقال لقمان عندها: إن من الصمت لحكمة، قالت الحكماء: وإن كان الكلام فضة فالصمت من ذهب ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾؛ أي: لتحرزكم وتحفظكم تلك اللبوس والدروع، وهو بدل اشتمال من ﴿لَكُمْ﴾ بإعادة الجار؛ لأن ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ في تأويل لإحصانكم، وبين الإحصان وضمير لكم ملابسة الاشتمال، مبين لكيفية الاختصاص، والمنفعة المستفادة من لكم ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾؛ أي: من حرب عدوكم. والبأس هنا بمعنى الحرب، وإن وقع على السوء كله، وفي الآية دلالة على أن جميع الصنائع بخلق الله تعالى وتعليمه. وفي الحديث: "إن الله خلق كل صانع وصنعه". والمعنى: أي (١) وعلمناه صنعة الدروع، وقد كانت صفائح، فجعلها حلقا فتمنع عنكم إذا لبستموها ولقيتم أعداءكم أذى الحرب، من قتل وجرح ونحوهما ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم. والاستفهام هنا في معنى الأمر؛ أي: فاشكروا الله تعالى على ما يسره لكم من هذه الصنعة، التي تمنع عنكم غوائل الحروب، وتقيكم ضررها وعظيم أذاها. والخطاب (٢) فيه لهذه الأمة، من أهل مكة ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أخبر الله تعالى، أن أول من عمل الدروع داود، ثم تعلم الناس، فعمّت النعمة بها كل محارب، من الخلق، إلى آخر الدهر، فلزمهم شكر الله تعالى على هذه النعمة. وقال بعضهم: الخطاب لداود وأهل بيته، بتقدير القول؛ أي: فقلنا لهم بعدما أنعمنا عليهم بهذه النعم، فهل أنتم شاكرون، على ما أعطى لكم من النعم، التي ذكرت، من تسخير الجبال له، والطير، وإلانة الحديد، وعلم صنعة اللبوس. وقرىء (٣): ﴿لُبوس﴾ بضم اللام، والجمهور بفتحها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي (٤): ﴿ليحصنكم﴾ بالياء. وقرأ ابن عامر وحفص عن

стр. 7949

خفيفة. وقرأ أبو الدرداء وأبو عمران الجوني وأبو حيوة: ﴿لتحصّنكم﴾ بتاء مضمومة وفتح الحاء وتشديد الصاد. وقرأ ابن مسعود وأبو الجوزاء وحميد بن قيس: ﴿لتحصّنكم﴾ بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد مع ضمها. وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو المتوكل ومجاهد: ﴿لنحصّنكم﴾ بنون مضمومة وحاء مفتوحة وصاد مكسورة مع تشديدها. وقرأ معاذ القارىء وعكرمة وابن يعمر وعاصم الجحدري وابن السميقع: ﴿ليحصّنكم﴾ بياء مضمومة وحاء ساكنة وصاد مكسورة ونون مشددة. فمن قرأ بالياء ففيه أربعة أوجه: قال أبو علي الفارسي: أن يكون الفاعل اسم الله لتقدم معناه، ويجوز أن يكون اللباس؛ لأن اللبوس بمعنى اللباس، من حيث إنه كان ضربًا منه، ويجوز أن يكون داود، ويجوز أن يكون التعليم. وقد دل عليه ﴿علمناه﴾. ومن قرأ بالتاء حمله على المعنى؛ لأنه الدرع. ومن قرأ بالنون فلتقدم قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، ومعنى لتحصنكم: لتحرزكم وتمنعكم من بأسكم؛ أي: من حربكم كما مرّ. ٨١ - ﴿و﴾ سخّرنا ﴿لسليمان الريح﴾ عبّر هنا باللام الدالة على التمليك، وفي حق داود بـ ﴿مع﴾ الدالة على الاصطحاب؛ لأن الجبال والطير لما اشتركا معه في التسبيح، ناسب فيه ذكر (مع) الدالة على الاصطحاب، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان، أتى بلام الملك؛ لأنها في طاعته وتحت أمره، اهـ من "البحر". والريح (١) جسم لطيف متحرك، ممتنع بلطفه، من القبض عليه، يظهر للحس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿الريح﴾ مفردًا بالنصب. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر في رواية بالرفع مفردًا. وقرأ الحسن وأبو رجاء ﴿الرياح﴾ بالجمع والنصب. وقرأ بالجمع والرفع أبو حيوة. فالنصب على إضمار سخرنا، والرفع على الابتداء.

стр. 7950

وقوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ حال من الريح؛ أي: (١) حالة كونها شديدة الهبوب، من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان، وكانت ليِّنة في نفسها، طيبة كالنسيم، فكان جمعها بين الرخاوة في نفسها، وعصفها في عملها، مع طاعتها لسليمان، وهبوبها حسبما يريد، ويحتكم معجزة مع معجزة. وعبارة "الخازن" هنا: فإن قلت: قد وصف الله سبحانه، هنا الريح بالعصف، وفي آية أخرى بالرخاء، وهي الريح الليّنة، فبين الوصفين معارضة؟ قلتُ: لا منافاة بينهما؛ لأن الريح كانت تحت أمره، إن أراد أن تشتدّ، اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت، انتهت. وحالة كونها ﴿تَجْرِي﴾؛ أي: الريح ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بأمر سليمان وإذنه ومشيئته ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ الشامية ﴿الَّتِي بَارَكْنَا﴾؛ أي: أنزلنا البركة ﴿فِيهَا﴾ للعالمين بكثرة المياه والأنهار والأشجار، وكانت الريح تذهب به، غدوة من الشام إلى ناحية من نواحي الأرض، وبينها وبين الشام مسيرة شهر، إلى وقت الزوال، ثم ترجع به منها بعد الزوال إلى الشام عند الغروب، كما قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ والمعنى؛ أي (٢): وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، شديدة الهبوب تارةً، ورخاء لينة تارة أخرى، وفي كل حال منهما تجري بأمره إلى أي بقعة من الأرض المقدسة، فيخرج هو وأصحابه حين الغداة إلى حيث شاؤوا، ثم يرجعون في يومهم إلى منزله بالشام. قال مقاتل: عملت الشياطين لسليمان بساطًا فرسخًا في فرسخ من ذهب في إبريسم، وكان يوضع له منبر من ذهب في وسطه، فيقعد عليه، وحوله كراسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تطلع عليه الشمس، وترفع الريح الصبا، البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الغروب، وكان ﵇ امرأ، قلّما يقعد عن الغزو،

стр. 7951

ولا يسمع في ناحية من الأرض ملكًا إلّا أتاه ودعاه إلى الحق ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: بتدبير كل شيء من الكائنات ﴿عَالِمِينَ﴾ فنجريه على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا؛ فما آتيناه الملك والنبوة، وما سخرنا له الريح تجري بأمره إلَّا لعلمنا بما في ذلك من الحكمة والمصلحة، وأن قومه سيعرفون نعمتنا، فيشكروننا عليها ٨٢ - ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾؛ أي: وسخرنا له من الشياطين والجن، ﴿مَنْ يَغُوصُونَ﴾؛ أي: يدخلون تحت البحر، ويستخرجون ﴿لَهُ﴾؛ أي: لسليمان من نفائس البحر وجواهره ودرره، من اللؤلؤ والمرجان ونحو ذلك ﴿و﴾ من ﴿يَعْمَلُونَ﴾ له ﴿عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ المذكور؛ أي: عملًا آخر غير ذلك المذكور، من الغوص في البحر، كبناء المدن والمحاريب والتماثيل والقصور والجفان ونحو ذلك، واختراع الصنائع الغريبة، وهؤلاء (١) إما الفرقة الأولى أو غيرها لعموم كلمة ﴿مَنْ﴾، كأنه قيل: ومن يعملون. روي أن المسخر له كفارهم لا مؤمنوهم، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾. ﴿وَكُنَّا﴾ نحن ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء الشياطين المسخرين له ﴿حَافِظِينَ﴾ من أن يزيغوا عن أمره ويعصوا ويتمردوا عليه، أو يفسدوا ما عملوا على ما هو مقتضى جبلتهم، وكان دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار. والشياطين وإن كانوا أجسامًا لطيفة، لكنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، ويقدرون على الأعمال الشاقة. ألا ترى أن لطافة الريح لا تمنع عصوفها، لا سيما أنهم تكشفوا في زمن سليمان، فكانوا بحيث يراهم الناس ويستعملونهم في الأعمال. وقال في "الأسئلة المقحمة": فلماذا لم تخرج الشياطين عن طاعة سليمان مع استعمالهم في تلك الأمور الشديدة؟ فالجواب أن الله تعالى، أوقع لسليمان في قلوبهم من الخوف والهيبة، حتى خافوا أن يخرجوا عن طاعته، وهذا من معجزاته. والمعنى: أي (٢) وكنا حافظين لأعمالهم، فلا يناله أحد منهم بسوء، فكل في قبضته، وتحت قهره، لا يجسر على الدنو منه، وهو المتحكم فيهم، إن شاء حبس، وإن شاء أطلق، كما قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.

стр. 7952

الإعراب ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: مفعول أول. ﴿رُشْدَهُ﴾ مفعول ثان. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور، حال من إبراهيم؛ أي: حالة كونه من قبل موسى وهارون، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ﴾. ﴿وَكُنَّا﴾: الواو: عاطفة ﴿كنا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿عَالِمِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَا﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بـ ﴿آتَيْنَا﴾ أو متعلق بـ ﴿اذكر﴾ محذوفًا. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفعله ضمير يعود على إبراهيم. ﴿لِأَبِيهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَوْمِهِ﴾ معطوف على ﴿أبيه﴾، وجملة ﴿قَالَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام التوبيخي، في محل الرفع مبتدأ، ﴿هَذِهِ﴾ خبر. ﴿التَّمَاثِيلُ﴾ بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان منه، والجملة الاستفهامية في محل النصب مقول قال، ﴿الَّتِي﴾ صفة للتماثيل. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿لَهَا﴾ متعلق بـ ﴿عَاكِفُونَ﴾. ﴿عَاكِفُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿وَجَدْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿آبَاءَنَا﴾ مفعول أول ومضاف إليه. ﴿لَهَا﴾ متعلق بـ ﴿عَابِدِينَ﴾ ﴿عَابِدِينَ﴾ مفعول ثان، وجملة وجد في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة. ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ ...﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾. وإن شئت قلت: ﴿اللام﴾، موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿أَنْتُمْ﴾ تأكيد لتاء

стр. 7953

المخاطبين. ﴿وَآبَاؤُكُمْ﴾ معطوف على التاء. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾. ﴿مُبِينٍ﴾ صفة لـ ﴿ضَلَالٍ﴾، وجملة ﴿كان﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب، مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَجِئْتَنَا﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي. وإن شئت قلت: الهمزة للاستفهام التعجبي الاستبعادي. ﴿جئتنا﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿جئتنا﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَمْ﴾ حرف عطف متصل معادل للهمزة. ﴿أَنْتَ﴾. مبتدأ ﴿مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿جئتنا﴾. ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ مقول محكي. وإن شئت قلت: ﴿بَلْ﴾: حرف ابتداء وإضراب. ﴿رَبُّكُمْ﴾ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ خبر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السموات، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول، في محل الرفع. صفة لـ ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿وَأَنَا﴾ مبتدأ. ﴿عَلَى ذَلِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿الشَّاهِدِينَ﴾. ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَتَاللَّهِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة و ﴿التاء﴾ حرف جر وقسم. ﴿الله﴾ مقسم به مجرور بتاء القسم، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف وجوبًا تقديره: أقسم تالله، والجملة القسمية في محل النصب معطوفة على جملة بل ربكم على كونها مقول قال. ﴿لَأَكِيدَنَّ﴾ اللام موطئة للقسم. ﴿أكيدن﴾ فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم. ﴿أَصْنَامَكُمْ﴾ مفعول به، والجملة جواب

стр. 7954

القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿بَعْدَ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿أكيدن﴾. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿تُوَلُّوا﴾ فعل مضارع وفاعل منصوب بحذف النون. ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تُوَلُّوا﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: بعد توليتكم مدبرين. ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قال إبراهيم لهم، وأردت بيان ما فعله بالأصنام، فأقول لك: جعل إبراهيم الأصنام جذاذًا. ﴿جعل﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم. والهاء ضمير متصل في محل النصب مفعول أول. ﴿جُذَاذًا﴾ مفعول ثان. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿كَبِيرًا﴾ منصوب على الاستثناء من ضمير ﴿جعلهم﴾. ﴿لَهُمْ﴾ صفة لـ ﴿كَبِيرًا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة، مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْجِعُونَ﴾، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة لعل، في محل الجر بلام التعليل المقدرة، مسوقة لتعليل الاستثناء. ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام للاستفهام الإنكاري، في محل الرفع مبتدأ. ﴿فَعَلَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿هَذَا﴾ مفعول به. ﴿بِآلِهَتِنَا﴾ متعلق بـ ﴿فَعَلَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول قالوا. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَمِنَ﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿من الظالمين﴾ جار ومجرور خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول قالوا، مسوقة لتأكيد إنكار ما قبلها. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿سَمِعْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿فَتًى﴾: مفعول أول لـ ﴿سمع﴾، وجملة ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ في محل النصب مفعول ثان له؛ لأن سمع هنا دخل على ما لا يسمع، فيتعدى إلى مفعولين، بخلاف ما إذا دخل على ما يسمع، كسمعت كلام زيد، يقول كذا

стр. 7955

وكذا، فيتعدى إلى مفعول واحد. ﴿يُقَالُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿لَهُ﴾: متعلق به. ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿فَتًى﴾ ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿فَأْتُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر. تقديره: إذا كان الأمر كذلك، وأردتم إقامة البينة عليه فنقول لكم: ائتوا به. ﴿ائتوا﴾ فعل أمر وفاعل. ﴿بِهِ﴾ متعلق به. ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من الضمير في ﴿بِهِ﴾؛ أي: ائتوا به حال كونه معاينًا، مشاهدًا للناس، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول قالوا. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لعل حرف نصب وتعليل، والهاء اسمها، وجملة ﴿يَشْهَدُونَ﴾ خبرها ومفعول الشهادة محذوف تقديره: أنه الفاعل ذلك، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب مقول قالوا، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَأَنْتَ﴾ الهمزة للاستفهام التوبيخي. ﴿أنت﴾: مبتدأ، ﴿فَعَلْتَ هَذَا﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِآلِهَتِنَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول قالوا. ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول قالوا. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وابتداء. ﴿فَعَلَهُ﴾: فعل ومفعول. ﴿كَبِيرُهُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه. ﴿هَذَا﴾ نعت لـ ﴿كَبِيرُهُمْ﴾، أو بدل منه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ الفاء عاطفة. ﴿اسألوهم﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿يَنْطِقُونَ﴾ في محل النصب خبر

стр. 7956

﴿كان﴾، جواب ﴿إِن﴾ الشرطية محذوف دل عليه ما قبلها تقديره: إن كانوا ينطقون فاسألوهم، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَرَجَعُوا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿رجعوا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾. ﴿إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رجعوا﴾. ﴿فَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿رجعوا﴾. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿أَنْتُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، ويجوز يجعل ﴿أَنْتُمُ﴾ مبتدأ، ﴿الظَّالِمُونَ﴾ خبره، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿نُكِسُوا﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿قالوا﴾. ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ جار ومجرور حال من الواو؛ أي: حال كونهم كائنين على رؤوسهم، أو متعلق بـ ﴿نُكِسُوا﴾. ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿عَلِمْتَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم في محل النصب، مقول لقول محذوف، حال من الواو في نكسوا، تقديره: ثم نكسوا على رؤوسهم، حالة كونهم قائلين: والله لقد علمت. ﴿مَا﴾ حجازية. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ في محل الرفع اسمها، وجملة ﴿يَنْطِقُونَ﴾ في محل النصب خبرها، وجملة ما الحجازية في محل النصب، سادّة مسد مفعولي علم، إن كانت يقينية، أو مسدّ مفعوله إن كانت عرفانية. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿أَفَتَعْبُدُونَ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿تعبدون﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: أتعلمون عدم نطقها فتعبدون. والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من واو تعبدون؛ أي: حالة كونهم متجاوزين الله. ﴿مَا﴾ موصولة في محل النصب مفعول

стр. 7957

﴿تعبدون﴾. ﴿لَا يَنْفَعُكُمْ﴾ فعل ومفعول به أول، وفاعله مستتر يعود على ما. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول مطلق أو ثان. ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ معطوف على ﴿يَنْفَعُكُمْ﴾، وجملة ﴿ينفع﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿أُفٍّ﴾ اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وفاعله ضمير يعود على إبراهيم تقديره: أنا. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أُفٍّ﴾. واللام فيه للبيان، وجملة اسم الفعل مع فاعله في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلِمَا﴾: جار ومجرور معطوف على لكم. ﴿تَعْبُدُونَ﴾ فعل وفاعل صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ولما تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور حال من واو الفاعل في تعبدون. ﴿أَفَلَا﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف. (لا) نافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: أجننتم فلا تعقلون سوء صنيعكم، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿حَرِّقُوهُ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿حَرِّقُوهُ﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَاعِلِينَ﴾ خبره، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية محذوف دل عليه ما قبلها، تقديره: إن كنتم فاعلين فحرقوه وانصروا آلهتكم، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿يَا نَارُ﴾ منادى نكرة مقصودة، وجملة النداء في محل النصب مقول قلنا. ﴿كُونِي﴾: فعل أمر ناقص واسمه. ﴿بَرْدًا﴾، خبر كوني. ﴿وَسَلَامًا﴾: معطوف عليه، وجملة كوني في محل النصب، مقول ﴿قُلْنَا﴾ على كونه جواب النداء. ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ جار ومجرور صفة ﴿سَلَامًا﴾. ﴿وَأَرَادُوا﴾ فعل وفاعل، ﴿بِهِ﴾ متعلق به. ﴿كَيْدًا﴾ مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ﴾ الفاء عاطفة. ﴿جعلناهم﴾ فعل وفاعل ومفعول

стр. 7958

أول. ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿أرادوا﴾. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿نجيناه﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَلُوطًا﴾ معطوف على ضمير المفعول، أو مفعول معه، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ﴾ ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿نجينا﴾، أو متعلق بمحذوف حال، من ضمير المفعول والمعطوف عليه؛ أي: حال كونهما مهاجرين إلى الأرض. ﴿الَّتِي﴾ صفة للأرض. ﴿بَارَكْنَا﴾ فعل وفاعل، ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿بَارَكْنَا﴾. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد ضمير فيها. ﴿وَوَهَبْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿نجينا﴾. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿وهبنا﴾. ﴿إِسْحَاقَ﴾ مفعول به. ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ معطوف على ﴿إِسْحَاقَ﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿نجيناه﴾. ﴿نَافِلَةً﴾ حال من ﴿يعقوب﴾؛ أي: ووهبنا له يعقوب، حالة كونه زيادة من غير سؤال؛ لأن المعنى ووهبنا له إسحاق إجابة لسؤاله، ويعقوب زيادة على مسؤوله، ويصح أن يكون مفعولًا مطلقًا، معنويًا لـ ﴿وهبنا﴾؛ لأن الهبة والعطية متقاربتان. ﴿وَكُلًّا﴾ مفعول أول لـ ﴿جَعَلْنَا﴾ مقدم عليه. ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿صَالِحِينَ﴾: مفعول ثان له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿وهبنا﴾. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿جعلنا﴾. ﴿يَهْدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صفة لـ ﴿أَئِمَّةً﴾. ﴿بِأَمْرِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من واو ﴿يَهْدُونَ﴾، تقديره: يهدون إلى ديننا ملتبسين بأمرنا. ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْهِمْ﴾ متعلق به. ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾. مفعول به. ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾: معطوفان على ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾. ﴿وَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه.

стр. 7959

﴿لَنَا﴾ متعلق بـ ﴿عَابِدِينَ﴾. ﴿عَابِدِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾. ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾. ﴿وَلُوطًا﴾: منصوب بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وآتينا لوطًا، فهو مفعول أول له، فهو من باب الاشتغال، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾، ﴿آتَيْنَاهُ﴾ مفسرة، لا محل لها من الإعراب. ﴿حُكْمًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿آتيناه﴾ المحذوف. ﴿وَعِلْمًا﴾: معطوف على ﴿حُكْمًا﴾. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آتَيْنَاهُ﴾. ﴿مِنَ الْقَرْيَةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نجيناه﴾. ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿الْقَرْيَةِ﴾. ﴿كَانَتْ﴾ فعل ناقص واسمها ضمير مستتر، يعود على الموصول. ﴿تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على القرية وجملة ﴿تَعْمَلُ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ خبره. ﴿فَاسِقِينَ﴾: صفة ﴿قَوْمَ﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿نجيناه﴾. ﴿فِي رَحْمَتِنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أدخلنا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾. ﴿وَنُوحًا﴾: معطوف على ﴿لوطا﴾، فيكون مشتركًا معه في عامله، الذي هو ﴿آتينا﴾ المفسربـ ﴿آتَيْنَاهُ﴾ الظاهر، وكذلك داود وسليمان، والتقدير: ونوحًا آتيناه حكمًا، وداود وسلميان آتيناهما حكما. و ﴿إِذْ﴾ بدل اشتمال من نوحًا، وداود وسليمان، ولك أن تعرب نوحًا وداود وسليمان مفعولًا به لفعل محذوف،

стр. 7960

تقديره: واذكر نوحًا وداود وسليمان؛ أي اذكر خبرهم وقصتهم، فتكون ﴿إِذْ﴾ منصوبة بنفس المقدر؛ في: خبرهم الواقع في وقت كذا. ﴿نَادَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿نوح﴾. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه. ﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿استجبنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿نَادَى﴾. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿استجبنا﴾. ﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿نجينا﴾. ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة لـ ﴿الكرب﴾. ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿نجينا﴾. ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾. متعلق بـ ﴿نصرناه﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ خبر ﴿كان﴾. ﴿سَوْءٍ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿أَجْمَعِينَ﴾. تأكيد لهاء الغائبين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿كَانُوا﴾. ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾. ﴿وَدَاوُودَ﴾: مفعول لفعل محذوف تقديره: واذكر داود. ﴿وَسُلَيْمَانَ﴾ معطوف عليه كما مر. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بالمضاف المقدر، كما مر، تقديره: واذكر خبر داود وسليمان الواقع في وقت كذا وكذا. ﴿يَحْكُمَانِ﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الْحَرْثِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ إذ ظرف لما مضى. بدل من إذا الأولى، على كونه متعلقًا بالمضاف المحذوف. ﴿نَفَشَتْ﴾ فعل ماض. ﴿فِيهِ﴾ متعلق به. ﴿غَنَمُ الْقَوْمِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَكُنَّا﴾ الواو: اعتراضية. ﴿كنا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿شَاهِدِينَ﴾.

стр. 7961

﴿شَاهِدِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ معترضة لا محل لها من الإعراب، ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول ثان. ﴿سُلَيْمَانَ﴾: مفعول أول، قدم عليه الثاني، لكونه ضميرًا متصلًا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿يَحْكُمَانِ﴾؛ لأنه بمعنى الماضي. ﴿وَكُلًّا﴾، مفعول أول مقدم لـ ﴿آتَيْنَا﴾. ﴿آتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿حُكْمًا﴾ مفعول ثان. ﴿وَعِلْمًا﴾: معطوف عليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿ففهمنا﴾. ﴿وَسَخَّرْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾. ﴿مَعَ دَاوُودَ﴾ متعلق بـ ﴿سخرنا﴾. ﴿الْجِبَالَ﴾ مفعول به. ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب، حال من الجبال؛ أي: حالة كونها مسبحة. ﴿وَالطَّيْرَ﴾ معطوف على الجبال، أو مفعول معه. ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على ﴿آتَيْنَا﴾، أو على ﴿سخرنا﴾. ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾. ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ مفعول ثان. و ﴿لَبُوسٍ﴾ مضاف إليه. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿علمناه﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿سَخَّرْنَا﴾. ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ اللام حرف جر وتعليل. ﴿تحصنكم﴾ فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة، وفاعله ضمير يعود على ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾. ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿تحصنكم﴾ والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور باللام، تقديره: لإحصانها إياكم، الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله، على كونه متعلقًا بعلّمناه. ﴿فَهَلْ﴾ الفاء: استئنافية. ﴿هل﴾ حرف استفهام للاستفهام التوبيخي، ﴿أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لسليمان﴾: متعلق بمحذوف تقديره: وسخرنا لسليمان، والجملة المحذونة، معطوفة على جملة ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ﴾.

стр. 7962

﴿الرِّيحَ﴾ مفعول به لـ ﴿سخرنا﴾ المحذوف المفهوم من قوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ﴾. ﴿عَاصِفَةً﴾ حال من ﴿الرِّيحَ﴾ ﴿تَجْرِي﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الرِّيحَ﴾. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾، وكذا يتعلق به قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾، وجملة تجري في محل النصب حال ثانية من ﴿الرِّيحَ﴾. ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿الأرض﴾. ﴿بَارَكْنَا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿بَارَكْنَا﴾. ﴿وَكُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عَالِمِينَ﴾ و ﴿عَالِمِينَ﴾ خبره وجملة ﴿كان﴾ جملة اعتراضية، أو استئنافية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾: خبر مقدم. ﴿مَن﴾ اسم الموصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ عطف اسمية على فعلية، ولك أن تعطف ﴿من﴾ الموصولة على ﴿الرِّيحَ﴾، ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾ حال ﴿مَنْ﴾ من الموصولة. ﴿يَغُوصُونَ﴾ فعل وفاعل صلة ﴿من﴾ الموصولة، وجمع الضمير حملاً على معنى من، وحسّن ذلك تقدّم جمع قبله. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿يَغُوصُونَ﴾. ﴿وَيَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَغُوصُونَ﴾. ﴿عَمَلًا﴾ مفعول به، أو مفعول مطلق. ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿عَمَلًا﴾. ﴿وَكُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿حَافِظِينَ﴾. ﴿حَافِظِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، والجملة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿رُشْدَهُ﴾ الرشد: الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، والاسترشاد الإلهي. كما في "أبي السعود". ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ واحدها تمثال، وهو الصورة المصنوعة على شبه مخلوق من صنع الله كطير، أو شجر، أو إنسان، والمراد بها هنا الأصنام، سمّاها بذلك تحقيرًا لشأنها، وهذا الوزن فيه زائدان: أحدهما قبل الفاء. والآخر قبل اللام، وقد جاء اسما وصفة، فالاسم تمثال للصورة، ويجمع على تماثيل. وقالوا: تجفاف وتبيان، فالتجفاف واحد تجافيف الفرس، وهو ما يلبس عند الحرب

стр. 7963

والزينة. وتبيان، بمعنى البيان، فمنهم من يجعله مصدرًا من قبيل الشاذ؛ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال - بالفتح - نحو التلعاب والتهدار، ولم يجيء بالكسر إلّا تبيان وتلقاء. وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت موضع المصادر، كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام، أو نحاس، أو خشب، شبيهة بخلق الآدمي. ﴿والعكوف﴾ على الشيء: ملازمته والإقبال عليه ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالشيء الثابت في الواقع ﴿اللَّاعِبِينَ﴾؛ أي: الهازلين ﴿فَطَرَهُنَّ﴾؛ أي: أنشأهن ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: المتحققين صحته المثبتة بالبرهان ﴿لَأَكِيدَنَّ﴾ الكيد: الاحتيال في إيجاد ما يضر مع إظهار خلافه، والمراد المبالغة في إلحاق الأذى بها. ﴿جُذَاذًا﴾؛ أي: قطاعًا فعال بمعنى المفعول، من الجد الذي هو القطع، كالحطام من الحطم، الذي هو الكسر. وفي "القاموس": الجذ القطع المستأصل والكسر، والاسم الجذاذ. والجذاذ بتثليث الجيم ما تكسر من الشيء، وفعله جد يجد من باب نصر ﴿فَتًى﴾ هو الطري من الشبان. ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ من قولهم: نكس المريض؛ إذا عاد إلى مرضه الأول بعد العافية. والنكس قلب الشيء، ورد آخره على أوله. والتنكيس القلب أيضًا، يقال: نكس رأسه ونكسه مخففًا ومشددًا؛ أي طاطأه حتى صار أعلاه أسفله ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ البرد خلاف الحر، والسلام التعري من الآفات. ﴿نَافِلَةً﴾ قال في "القاموس": النافلة: الغنيمة والعطية، وما تفعله، مما لم يجب كالنفل، وولد الولد. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ قال بعضهم: جعلوا المصدر من المبني للمفعول بمعنى، أن يفعل الخيرات بناء على أن التكاليف يشترك فيها الأنبياء والأمم، ولكن قوله في أواخر هذه السورة: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، وقوله تعالى في سورة مريم حكاية عن عيسى ﵇: ﴿وَأَوْصَانِي

стр. 7964

بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ينادي على أنه من المبني للفاعل، ولا يضر ذلك في الاشتراك إذ الأنبياء أصل في الذي أوحي إليهم من الأوامر. ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ القاعدة في مصدر الفعل، الرباعي على وزن أفعل، أن يأتي على إفعال، إن كان صحيح العين، نحو أكرم إكرامًا، وأوجد إيجادًا، فإن اعتلت عينه، نحو أقام وأعان وأبان، جاء مصدره على إفالة كإقامة وإعانة وإبانة، حذف عين المصدر، وعوّض منها تاء التأنيث، والأصل: إقوام وأءعوان وإبيان، فنقلت حركة الواو والياء، وهي الفتحة إلى الحرف الساكن قبلهما، ثم حذفتا، فرارًا من اجتماع الساكنين، وعوض منهما التاء، وقد تحذف هذه التاء من المصدر إذا أضيف، كقوله تعالى: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾، وما كان منه معتلّ اللام، مثل: أعطى وأهدى وأولى، قلبت لامه في المصدر همزة، مثل: إعطاء وإهداء وإيلاء، والأصل إعطاو وإهداي وإيلاي. قال في "شرح القاموس": العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف؛ لأن الهمزة أحمد للحركة منهما؛ ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو، وكذلك الياء مثل الرداء أصله رداي، هذا ويرجع في هذا إلى بحث الإبدال، في كتب الصرف المطولة. ﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ والخبائث جمع خبيثة، والخبيثة: ما يكره رداءةً وخساسةً، يتناول الباطل في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح في الفعال ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ قال الراغب: السوء: كل ما يغمّ الإنسان، من الأمور الدنيوية والأخروية، ويعبر به عن كل ما يقبح، وهو مقابل الحسن. ﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾ قال في "بحر العلوم": الاستجابة الإجابة، لكن الاستجابة تتعدى إلى الدعاء بنفسها، وإلى الداعي باللام، ويحذف الدعاء إذا عدّي إلى الداعي في الغالب، فيقال: استجاب الله دعاءه، أو استجاب له، ولا يكاد يقال: استجاب دعاءه، وهو الدليل على أن النداء المذكور بمعنى الدعاء؛ لأن الاستجابة تقتضي دعاءه. ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال الراغب: الكرب: الغم الشديد، من كرب

стр. 7965

الأرض قلبها بالحفر، فالغم يثير النفس إثارة ذلك. ﴿فِي الْحَرْثِ﴾ الحرث: الزرع، وبابه نصر، أو كتب كما في "المختار". وفي "القاموس": الحرث مصدر، والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: أن الحرث كان كرمًا، قد تدلت عناقيده. وقيل: كان زرعًا. ﴿نَفَشَتْ﴾ تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته. وفي "المختار": نفشت الغنم والإبل؛ أي: رعت ليلًا بلا راع، من باب جلس. والنفش - بفتحتين - اسم منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، ولا يكون النفش إلّا بالليل، ونفش الصوف والقطن، من باب نصر، والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر، والنفش أيضًا أن ينتشر الغنم ليلًا بلا راع. ﴿الغنم﴾ محركة، الشاة، لا واحد لها من لفظها، الواحدة شاة، وهو اسم مؤنث للجنس، يقع على الذكور والإناث، وعليهما جميعًا، كما في "القاموس". ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ قال في "المختار": التسخير: التكليف للعمل بلا أجرة، وسخرة تسخيراً، إذا كلفه عملًا بلا أجرة، اهـ ﴿والطير﴾ جمع طائر، مثل صحب وصاحب وركب وراكب، وجمع الطير طيور وأطيار، ويقع الطير على الواحد والجمع. وقال ابن الأنباري: الطير جماعة، وتأنيثها أكثر من التذكير. ولا يقال للواحد طير، بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة، اهـ. ﴿لبوس﴾ اللبوس اللباس، قالوا: إلبس، لكل حال لبوسها. والمراد: الدرع قال قتادة: كانت صفائح، فأول من سردها وخلقها، داود، فجمعت الخفة والتحصين، وهي المسماة، بالدرع، والدرع - كما في "المختار" - مؤنثة، وقال أبو عبيدة: تؤنث وتذكر. البلاغة وقد تضمنت هذه الآية ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

стр. 7966

فمنها: تجاهل العارف في قوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾؛ لأن هذا السؤال تجاهل من إبراهيم، وإلّا فهو يعرف أن حقيقتها حجر، أو شجرٌ اتخذوها معبوداً. ومنها: العدول عن علي، التي يتعدى بها فعل العكوف، إلى اللام في قوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ لقصد معنى العبادة، من العكوف ليجيبوه بقوله: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ تسجيلًا عليهم بالتقليد، والقول بغير برهان، والانجرار إلى ما عليه آباؤهم. ومنها: المخالفة بين الجملتين في قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾ لملاحظة التجدد في إحداهما، حيث أبرزها في صورة الفعلية بقوله: ﴿أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ﴾، ولملاحظة الثبات والدوام في الأخرى، حيث أبرزها في صورة الاسمية بقوله: ﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق، وهو التوحيد فيما نسمعه منك، أم أنت على ما كنت عليه من اللعب، منذ أيام الصبا، وأرادوا بالتجدد في الجملة، أن التوحيد أمر مستحدث مخترع، وبالثبات في الثانية، أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرًا له. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾؛ لأن الكيد حقيقة في الاحتيال. في إيصال الضرر إلى الغير، بطريق خفي، وهو هنا كناية عن الاجتهاد في إزالتها، فتجوّز به عنه إما استعارة، أو استعمالًا له في لازمه؛ لأن الكيد يستلزم الاجتهاد "الجمل" بتصرف. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ لأنه ليس المراد هنا حقيقة الشهادة؛ لأنه لا شهادة من المدعي، بل استعيرت الشهادة لتحقيق الدعوى بالحجة والبرهان؛ أي: لست من اللاعبين في الدعاوى، بل من المحتجين عليها بالبراهين القاطعة، التي بمنزلة الشاهد الذي تقطع به الدعاوى، اهـ "روح البيان". ومنها: تقديم الظرف في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ للاختصاص أو لمجرد الاهتمام.

стр. 7967

ومنها: تجاهل العارف في قوله: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة. تجاهلًا منه، ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم، أو ليدل على شدة الوله في الحب، أو لقصد التعجب، أو التوبيخ، أو التقرير كما هنا، وهو على قسمين: موجب ومنفي، والآية التي نحن بصددها، من التجاهل الموجب، الجاري مجرى التقرير. ومنها: التعريض في قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أراد إبراهيم ﵇، أن يبيّن لهم، أن من لا يتكلم، ولا يعلم، ليس بمستحق للعبادة، ولا يصح في العقل، أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم، بما يوقعهم في الاعتراف، بأن الجمادات التي عبدوها، ليست بآلهة؛ لأنهم إذا قالوا: لا ينطقون، قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق، ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان، الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم، حتى تلزمه الحجة، ويعترف بالحق، فإن ذلك أقطع لشبهته، وأدفع لمكابرته. ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ شبّه رجوعهم عن الحق إلى الباطل، بانقلاب الشخص، جتى يصبح أسفله أعلاه، بطريق الاستعارة التصريحية. ومنها: الطباق بين ﴿يَنْفَعُكُمْ﴾ و ﴿يَضُرُّكُمْ﴾. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ حيث أطلق المصدر، وأراد اسم الفاعل مبالغة؛ أي: باردة، أو ذات برد. ومنها: عطف الخاص على العام اهتماماً بشأنه في قوله: ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾؛ لأن الصلاة والزكاة من الخيرات، وإنما خصهما بالذكر تنبيهًا على علو شأنهما وفضلهما. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ والمراد أهلها، من إطلاق المحل وإرادة الحال، والعلاقة الحالية.

стр. 7968

ومنها: المجاز والمرسل أيضًا في قوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: في جنتنا؛ لأنها مكان الرحمة، فهو مجاز مرسل، علاقته المحلية. ومنها: الاحتراس في قوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ دفعاً لتوهم انتقاص مقام داود ﵇. ومنها: حكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها في قوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾، وفي قوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾. ومنها: جمع المختلف والمؤتلف في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الخ وهو عبارة، عن أن يريد المتكلم التسوية، بين ممدوحين، فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما، ثم يروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر، بزيادة فضل لا ينقص مدح الآخر، فيأتي لأجل ذلك الترجيح بمعان تخالف معاني التسوية. والآية الكريمة ساوت بين داود وسليمان، في التأهل للحكم، وشرّكت بينهما فيه حيث قالت: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ وأخبرت أن الله سبحانه، فهم سليمان إصابة الحكم، ففضل أباه بذلك بعد المساواة، ثم التفت سبحانه، إلى مراعاة حق الوالد فقال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فرجعا بذلك إلى المساواة بعد ترجيح سليمان، ليعلم الولد بذلك برّ الوالد، ويعرف ما له عليه من الحق، حتى إذا فكر الناظر في هذا الكلام، وقال: من أين جاءت المساواة في الحكم، والعلم بعد الإخبار، بأن سليمان فهم من الحكم، ما لم يفهمه أبوه، علم أن حق الأبوة قام مقام تلك الفضيلة، فحصلت المساواة. ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي التشنيعي في قوله: ﴿فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾. ومنها: جمع المؤكدات في قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حيث أكّد بإن، وباللام، وبإسمية الجملة.

стр. 7969

ومنها: التهكم في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. ومنها: تبكيتهم وتعجيزهم في قوله: ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾؛ لأنه على إرادة القول؛ أي: قائلين: لقد علمت يا إبراهيم. ومنها: الإطلاق في قوله: ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ لدلالة الحال عليه، فإن ذكر من يكره إبراهيم ويبغضه، إنما يكون بذم وسوء، ونظيره قولك: "سمعت فلانًا يذكرك" فإن كان الذاكر صديقًا فهو ثناء، وإن كان عدوًا فذم. ومنها: نداء غير العاقل في قوله: ﴿يَا نَارُ كُونِي﴾ تنزيلًا له منزلة العاقل. ومنها: التمثيل في قوله: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ حيث جعل الله النار باردة، من غير أن يكون هناك قول، ولا خطاب لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. ومنها: تقديم الجار والمجرور في قوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ لغرض الحصر. ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾. ومنها: إيراد الاستفهام مرادًا به الأمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾؛ أي: فاشكروا نعمتي. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7970

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى

стр. 7971

حِينٍ (١١١) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) قصص داود وسليمان، وما كان منهما، من شكر على النعماء .. أردف ذلك قصص أيوب، لما فيه من صبر على البلاء، فداود وسليمان شكرا على النعم المترادفة، وأيوب صبر على النقم النازلة فأزيلت عنه، وإن في قصصه الذي ذكر هنا، وفي مواضع من الكتاب الكريم، لعبرًا له ولغيره، ممن سمع به، ولفتا لأنظارهم، إلى أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الواجب على المرء، أن يصبر على ما يناله من البلاء فيها، ويجتهد في القيام بحق الله، ويصبر في حالي السرّاء والضرّاء. قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما ذكر صبر أيوب ﵇، ودعاءه ربه وانقطاعه إليه، حتى كشف عنه الضرّ .. قفى على ذلك بذكر هؤلاء الأنبياء، الذين صبروا على ما أصابهم من المحن والشدائد. قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لمّا ذكر (٢) صبر أولئك، الذين صبروا على المحن والشدائد .. بيّن هنا انقطاع زكريا إلى ربه، لمّا مسّه الضرّ بتفرده، وأحبَّ أن يكون معه من يؤنسه، ويقوّيه على أمر دينه ودنياه، ويقوم مقامه بعد موته، فدعا ربه دعاء مخلص عارف، بأنه قادر على ذلك، وأنه قد انتهت الحال به، وبزوجه من كبر، وغيره إلى اليأس من الولد على مجرى العادة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ...﴾ الآيات: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لمَّا ذكر قصص

стр. 7972

جمع من الأنبياء، كنوح وإبراهيم وإدريس وموسى وعيسى، وبيّن ما أوتوا من الشرائع والأحكام، على وجه الإجمال .. قفى على ذلك، ببيان أن لبّ الدين عند الله واحد، وأن جميع الأنبياء قد اتفقوا عليه، ولم يختلفوا فيه في عمر من العصور، وهو عبادة الله وحده، لا شريك له، وأنه هو القاهر فوق عباده، المالك لجميع السموات والأرض، لا يؤده حفظهما، وهو العلي العظيم، وإن اختلفوا في الرسوم والأشكال، بحسب اختلاف الأزمان والأمكنة، فعليكم أيها المسلمون، أن تحافظوا على وحدة دينكم، وأن لا تجعلوه عضين، وكأنه يقول لهم: عليكم أن لا تركنوا إلى خوارق العادات، كما رأيتم في قصص موسى، ولا تدعوا نظم الدولة، بل سوسوها كما كان يفعل داود وسليمان، ولا تذروا الصبر في جميع الأعمال، كما رأيتم في قصص أيوب ومن بعده. قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر هول الموقف ودعاء المشركين على أنفسهم بالهلاك في هذا الحين، وشخوص أبصارهم من الحيرة والدهش، مما يشاهدون ويرون .. أردف هذا ذكر ما يؤول إليه أمرهم بعد الحساب، وأنهم يكونون هم ومعبوداتهم، من الأصنام والأوثان حطبًا للنار حين يردونها، وأنهم من شدة العذاب فيها يكون لهم أنين وزفير، حتى لا يسمع بعضهم أصوات بعض، لفظاعة ما هم فيه من العذاب، ثم أعقب ذلك بذكر حال السماء حينئذٍ، وأنها تطوى طيا، وكأنها لم تكن كما يطوي الكاتب الطومار الذي يكتب فيه، ويحوّل ذلك العالم المشاهد إلى عالم آخر، فيخلق الله أرضًا جديدة وكواكب جديدة، ويعيد الناس للحساب، وهو القادر على ذلك، فكما قدر على خلقه أول مرة، يعيده في حال أخرى، كما قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أحوال كل من الكافرين والمؤمنين .. ذكر أن الدنيا ليست كالآخرة، فلا يرثها إلّا من كان قادرًا

стр. 7973

على إصلاحها، والانتفاع بخيراتها، والاستفادة مما على ظاهرها وباطنها، فمن كان أحصف رأيًا، وأحكم فكرًا، ملكها وتسلط عليها، وجنى ثمارها، واهتدى إلى ما أودع فيها من الخير. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أورد الحجج والبراهين، لإقناع الكافرين بأن رسالة الرسول حق، حتى لم يبق في القوس منزع، وبلغ الغاية التي ليس بعدها غاية، وبيّن أن هذا الرسول رحمة للعالمين وهداية للناس أجمعين، وأن من اتبعه سلك سبيل الرشاد، ومن نأى عنه ضل وسار في طريق الغواية والعناد .. أردف ذلك ما يكون إعذارًا وإنذارًا في مجاهدتهم، والإقدام على مناوأتهم، بعد أن أعيته الحيل، وضاقت به السبل، ولم تغنهم الآيات والنذر، فتمادوا في غوايتهم، ولجّوا في عنادهم، وأصبح من العسير إقناعهم وهدايتهم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ...﴾ الآيتين، سبب نزولهما: ما رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ قال عبد الله بن الزبعري: أنا أخصم لكم محمدًا فقال: يا محمد، أليس فيما أنزل عليك ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾؟ قال: "نعم، فهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيرًا، وهذه بنو تميم تعبد الملائكة، فهؤلاء في النار" فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾. وفيه عاصم بن بهدلة، وقد وثق، وضعّفه جماعة. وذكره الخطيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية، قال المشركون: فإن عيسى يُعبد، وعزير والشمس والقمر؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 7974

﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾، ولا منافاة للرواية الأولى في قوله: (فقال المشركون) لأن عبد الله بن الزبعري منهم. التفسير وأوجه القراءة ٨٣ - ﴿وَأَيُّوبَ﴾؛ أي: واذكر يا محمد قصة أيوب لأمتك ﴿إِذْ نَادَى﴾ ودعا ﴿رَبَّهُ﴾ وخالقه بـ ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾؛ أي: أصابتني الشدة في جسدي، والضرّ بأنواعه، فأل للجنس، فارحمني ونجني منها ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وألطفهم لعباده. وقرأ الجمهور (١): ﴿أَنِّي﴾ بفتح الهمزة، وعيسى بن عمر بكسرها إما على إضمار القول: أي: قائلاً: إني، وإما على إجراء نادى مجرى قال، وكسر إني بعدها، وهذا الثاني مذهب الكوفيين، والأول مذهب البصريين، والضرّ بالفتح الضرر في كل شيء نفسًا، أو مالًا، أو أهلًا، وبالضم خاص بالضرر في النفس، كمرض وهزال، فرّق بين البنائين لاختلاف المعنيين، وقد ألطف أيوب في السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة، ولم يصرح بالمطلوب، ولم يعين الضر الذي مسّه، فإن (٢) أكثر أسئلة الأنبياء في كشف البلاء عنهم، إنما هي على سبيل التعريض. وَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ وَفِيْكَ فَطَانَةٌ ... سُكُوْتِىْ بَيَانٌ عِنْدَهَا وَخِطَابُ فإن قيل: أليس زكريا صرّح في الدعاء، حيث قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾؟ قلنا: هذا سؤال العطاء، لا يجمل فيه التعريض، وذلك كشف البلاء، فيجمل فيه التعريض، لئلا يشبه بالشكاية. قال وهب بن منبه: كان أيوب رجلًا من الروم، وهو أيوب بن أموص بن تارخ بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، ﵉، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران، وكان الله ، اصطفاه وجعله نبيًّا، وقد أعطاه من الدنيا حظًا وافرًا من النعم والدواب

стр. 7975

والبساتين، وأعطاه أولادًا كثيرًا من رجال ونساء، وكان له سبعة بنين وسبع بنات، وكان رحيمًا بالمساكين، وكان يكفل الأيتام والأرامل، ويكرم الضيف، أرسله الله سبحانه، إلى أهل حرّان، وهي قرية بغوطة دمشق، فابتلاه الله تعالى بهلاك أولاده بسقوط البيت عليهم، وبذهاب أمواله، وبالمرض في بدنه ثماني عشرة سنة، وسنّه إذ ذاك سبعون سنة، فإنه خرج من فرقه إلى قدمه ثآليل، وقد وقعت في جسده حكة لا يملكها، وكان يحك بأظفاره حتى سقطت أظفاره، ثم حكها بالمسوح الخشنة، ثم حكها بالفخار والحجارة، ولم يزل يحكها حتى تقطّع لحمه وأنتن، فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشاً. روي: أن امرأته ماخير بنت ميشا بن يوسف ﵇، أو رحمة بنت أفرايم بن يوسف قالت له يومًا: لو دعوت الله تعالى؟ فقال: كم كانت مدة الرخاء فقالت: ثمانين سنة، فقال: أستحي من الله تعالى أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي. وروي أن إبليس أتاها على هيئة عظيمة. فقال: أنا إله الأرض، فعلت بزوجك ما فعلت لأنه تركني، وعبد إله السماء، لو سجدت لي سجدة، لرجعت المال والولد، وعافيت زوجك، فرجعت إلى أيوب، وكان ملقى في الكناسة، لا يقرب منه أحد، فأخبرته بالقصة، فقال ﵇: كأنك افتتنت بقول اللعين، لئن عافاني الله تعالى، لأضربنك مئة سوط، وحرام عليّ أن أذوق بعد هذا شيئًا من طعامك وشرابك، فطردها، فذهبت فبقي طريحًا في الكناسة، لا يحوم حوله أحد من الناس، فلما نظر أيوب في شأنه، وليس عنده طعام ولا شراب، ولا صديق، وقد ذهبت امرأته خرّ ساجدًا، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فقال تعالى ارفع رأسك فقد استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت من تحته عين ماء، فاغتسل منها، فلم يبق في ظاهر بدنه دابّة، إلَّا سقطت منه، ولا جراحة إلَّا برئت، ثم ركض برجله مرة أخرى، بعد أن مشى أربعين خطوة، فنبعت عين أخرى، فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلَّا خرج، وعاد صحيحًا، ورجع إليه شبابه وجماله، حتى صار أحسن، ثم كسي

стр. 7976

حلةً، فلما قام، جعل يلتفت، فلا يرى شيئًا مما كان له من الأهل والولد والمال إلّا وقد ضاعفه الله تعالى، حتى روي أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جراداً من ذهب، فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت في نفسها: هب أنه طردني أفأتركه حتى يموت جوعًا، وتأكله السباع. لأرجعنّ إليه، فلما رجعت ما رأت تلك الكناسة، ولا تلك الحال، وقد تغيرت الأمور، فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وهابت صاحب الحلة، أن تأتيه وتسأله عنه، فأرسل إليها أيوب ودعاها فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان ملقى على الكناسة، فقال لها أيوب ﵇: ما كان منك؟ فبكت وقالت: بعلي، فقال: أفتعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت: وهل يخفى، فتبسم وقال: أنا هو، فعرفته بضحكه، فاعتنقته، ثم قال: إنك أمرتني أن أذبح سخلة لإبليس، وإني أطعت الله، وعصيت الشيطان، ودعوت الله تعالى، فردني على ما ترين، ٨٤ - وذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ أي: أجبنا له دعاءه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾؛ أي: أزلنا منه ما به من الضرر، من مرض وهزال، وقد كان الذي نزل به امتحانًا من الله، واختبارًا له؛ أي: شفاه الله مما كان به. وأعاضه بما ذهب عليه، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: وأعطينا أيوب في الدنيا ﴿أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ أي (١): مثل أهله عددًا مع زيادة مثل آخر، فولد له من الأولاد ضعف ما كان. قيل (٢): تركهم الله، له، وأعطاه مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والإسناد بذلك صحيح، وقد كان مات أهله جميعًا إلَّا امرأته، فأحياهم الله في أقل من طرف البصر، وآتاه مثلهم معهم، وانتصاب ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ على العلة؛ أي: آتيناه ذلك لرحمتنا له ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾؛ أي: وتذكرة لغيره من العابدين، ليصبروا كما صبر، فيثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة؛ أي: آتيناه ما ذكر لرحمتنا إياه بالرحمة الخاصة، وتذكرة، وعبرة لغيره، من العابدين، ليعلموا بذلك كمال قدرتنا، ويصبروا كما صبر أيوب، فيثابوا كما أثيب.

стр. 7977

واعلم (١): أن بلاء أيوب من قبيل الامتحان، ليبرز ما في ضميره، فيظهر درجته لخلقه، أين هو من ربه، وبلاء يوسف من قبيل تعجيل العقوبة؛ أي: على قوله: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، وبلاء يحيى، حيث ذبح، من قبيل الكرامة إذ لم يهمّ بخطيئة قط. إنما ختم القصة هنا، بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾، وختمها في سورة ص بقوله: ﴿مِنَّا﴾؛ لأن أيوب بالغ هنا في التضرع بقوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فبالغ تعالى في الإجابة، فناسب ذكر ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾؛ لأن ﴿عِنْدِنَا﴾ يدل على أنه تعالى. تولى ذلك بنفسه، ولا مبالغة في ص، فناسب فيها ذكر ﴿مِنَّا﴾ لعدم دلالته على ما دل عليه ﴿عِنْدِنَا﴾. قاله شيخ الإسلام زكريا" اهـ كرخي. قال ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين (٢): رد الله إليه أهله، وأولاده بأعيانهم، أحياهم الله، وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن. وعن ابن عباس رواية أخرى أن الله رد إلى المرأة شبابها، فولدت له ستة وعشرين ذكرًا. وقيل: سبعة بنين وسبع بنات. وعن أنس يرفعه أنه كان له إندران، أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق، حتى فاضا. وروي أن الله بعث إليه ملكًا، وقال له: إن ربك يقرئك السلام بصبرك، فاخرج إلى أندرك، فخرج إليه، فأرسل الله عليه جرادًا من ذهب، فذهبت واحدة، فأتبعها وردها إلى أندره، فقال له الملك: ما يكفيك ما في أندرك، فقال: هذه بركة من بركات ربي، ولا أشبع من بركاته. روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "بينما أيوب يغتسل عريانًا، خرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكني لا غنى لي عن بركاتك".

стр. 7978

وخلاصة ما سلف (١): أن أيوب ابتلي في نفسه وولده وماله، فابتلي بالمرض وهلاك الأولاد وضياع الأموال امتحانا منه تعالى، واختبارًا له، ثم كشف عنه ما به من ضر، فشفي من أمراضه التي أصيب بها، وأنجب من الأولاد ضعف ما كان، وحسن حاله في ماله، فزال ما به من عدم وإقتار، ولم يصرح القرآن الكريم بما صار إليه من سعة في المال كما صرح بما صار إليه أمره من كثرة الولد. وما روى من مقدار ما لحقه من الضر في نفسه، حتى وصل إلى حد النفرة منه، وأن الناس جميعًا تحاشوه، وطردوه من مقامه إلى ظاهر المدينة في موضع الكناسة، ولم يكن يتصل به إلَّا امرأته التي تذهب إليه بالزاد والقوت .. فكل ذلك من الإسرائيليات التي يجب الاعتقاد بكذبها (٢)؛ لأنه ليس لها من سند صحيح يؤيدها، ولأن من شروط النبوة أن لا يكون في النبي من الأمراض والأسقام ما ينفر الناس منه، ولأنه متى كان كذلك، لا يستطيع الاتصال بهم وتبليغ الشرائع والأحكام إليهم، وسيأتي لهذا مزيد إيضاح في سورة ص. ٨٥ - ولما ذكر الله سبحانه، أمر أيوب وصبره على البلاء، أتبعه بذكر هؤلاء الأنبياء، الذين سيذكرهم؛ لأنهم صبروا على المحن والشدائد والعبادة أيضًا فقال: (و) اذكر ﴿إِسْمَاعِيلَ﴾ بن إبراهيم ﵉، ومعناه: مطيع الله؛ أي: اذكر قصته لقومك، وعاش إسماعيل مئة وثلاثين سنة، وكان له، حين مات أبوه تسع وثمانون سنة، وأخوه إسحاق ولد بعده بأربع عشرة سنة، وعاش مئة وثمانين سنة، اهـ من "التحبير". ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ بن شيث بن آدم، واسمه أخنوخ، قال بعضهم: سمّي به لكثرة دراسته، هو جد نوح، ولد في حياة آدم قبل موته بمئة سنة، وبعث بعد موته بمئتي سنة، وعاش بعد نبوته مئة وخمسين سنة، فتكون

стр. 7979

جملة عمره أربع مئة وخمسين سنة، وكان بينه وبين نوح. ألف سنة، اهـ من "التحبير". ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ بمعنى (١) الكفالة والضمان؛ لأن نبيًا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه، أني أريد قبض روحك، فأعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم بالنهار لا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فسلم ملكك إليه، ففعل ذلك، فقال شاب: أنا أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكره الله، ونبّأه، فسمي ذا الكفل. ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل واحد من هؤلاء ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾؛ أي: الكاملين في الصبر على مشاق الطاعات واحتمال البليات. والمعنى: واذكر يا محمد نبأ هؤلاء الرسل الكرام، الذين صبروا على ما ابتلاهم الله به، وأخبتوا له، فنالوا رضاه، وأدخلهم جنته: ١ - أما إسماعيل: فإنه صبر على الانقياد للذبح، وصبر على المقام ببلد لا زرع فيه، ولا ضرع، ولا بناء، وصبر على بناء البيت، وتكلف المشاق في ذلك، وقد أكرمه الله سبحانه، فأخرج من صلبه خاتم النبيين محمدًا، ﷺ . ٢ - وأما إدريس - أخنوخ - فقد صبر على دراسة الكتب، وبعث إلى قومه داعيًا لهم إلى الله تعالى، فأبوا (٢)، فأهلكهم الله، ورفعه إلى السماء الرابعة. ويزعم كثير من الناس، أنه أول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح عدّة. ٣ - وأما ذو الكفل: فقد اختلف العلماء في شأنه: فمن قائل: إنه نبي، وهم الأكثرون، وقالوا: إنه ابن أيوب ﵇، بعثه الله نبيًا بعد أبيه، وسمّاه ذا الكفل، وأمره بالدعاء إلى توحيد الله، وأقام عمره بالشام. وقال أبو موسى الأشعري ومجاهد: لم يكن نبيًا، بل كان عبدًا صالحًا، استخلفه اليسع عنه، على أن يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب ففعل. ٨٦ - ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: وأدخلنا كل هؤلاء ﴿فِي﴾ محل ﴿رَحْمَتِنَا﴾ جنات

стр. 7980

النعيم، جزاء لهم على ما فعلوا من صالح الأعمال، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: من الكاملين في الصلاح، وهم الأنبياء، فصلاحهم معصوم من كدر الفساد. ٨٧ - ﴿وَذَا النُّونِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة ذي النون؛ أي: قصة صاحب الحوت، والمراد به يونس بن متّى - بفتح الميم وتشديد التاء المثناة فوق مفتوحة - قيل (١): هو اسم أم يونس، كذا في جامع الأصول. وقال عطاء: سألت كعبًا عن متّى أهو اسم أبيه أم أمه؟ فقال: اسم أبيه، وأمه بدورة، وهي من ولد هارون، وسمّي يونس بذي النون؛ لأنه ابتلعه الحوت. قال الإمام السهيلي: أضافه هنا إلى النون، وقد قال في سورة القلم: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وذلك أنه حين ذكره في موضع الثناء عليه قال: ذو النون، فإن الإضافة بذو أشرف من الإضافة بصاحب؛ لأن قولك: ذو يضاف إلى التابع، وصاحب إلى المتبوع، تقول: أبو هريرة ﵁ صاحب النبي ﵇، ولا تقول: النبي صاحب أبي هريرة، إلَّا على جهة. وأما (ذو) فإنك تقول: ذو مال، وذو العرش، فتجد الاسم للاسم متبوعًا غير تابع، ولفظ النون أشرف من الحوت لوجوده في حروف التهجي، وفي أوائل بعض السور نحو ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ﴾ ظرف لما مضى، متعلق بالمضاف المقدر؛ أي: اذكر خبره وقت ذهابه حال كونه ﴿مُغَاضِبًا﴾؛ أي: مغضباً ومراغماً لقومه أهل نينوى، وهي قرية بالموصل، أو غضبان على قومه، لما مر من طول دعوته إياهم، وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم، مهاجرًا عنهم قبل أن يؤمر؛ لأنهم لما لم يؤمنوا، وعدهم بنزول العذاب بهم لأجل معلوم، وفارقهم، ثم بلغه بعد مضي الأجل، أنه تعالى لم يعذبهم، ولم يعلم سببه، وهو أنهم حين رأوا أمارات العذاب، تابوا وأخلصوا في الدعاء والتضرع إلى الله، فاندفع العذاب عنهم، فظن أنه كذبهم، وغضب من اندفاع العذاب عنهم، وذهب غضبان. وقرأ أبو شرف ﴿مُغَاضِبًا﴾ اسم مفعول ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: أنه لن نضيق عليه الأمر بالحبس أو

стр. 7981

بغيره؛ أي: فإنه ظن أنه مخير، إن شاء أقام، وإن شاء خرج، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، فأتى بحر الروم، فوجد قومًا هيؤوا سفينة، فركب معهم، فلما توسطت السفينة البحر وقفت، ولم تجر بحال، فقال الملاحون: هاهنا رجل عاص، أو عبد آبق؛ لأن السفينة لا تكون هكذا إلّا، وفيها رجل عاص، أو آبق، ومن عادتنا إذا ابتلينا بهذا البلاء أن نقترع، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، فاقترعوا ثلاث مرات، فوقعت القرعة فيها كلها على يونس، فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى بنفسه في البحر، فجاء حوت فابتلعه، فأوحى الله تعالى إلى ذلك الحوت: لا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا، فإنه ليس رزقًا لك، وما جعلتك له إلا سجنًا، لا طعامًا. وقرأ الجمهور: ﴿نَقْدِرَ﴾ بنون العظمة مخففًا. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو شرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب: بضم الياء وفتح الدال مخففًا. وعيسى والحسن: بالياء مفتوحة وكسر الدال. وعلي بن أبي طالب واليماني: بضم الياء وفتح القاف والدال مشددة. والزهري: بالنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال مشددة. وبناء المفاعلة في قوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ ليس على بابه (١)، فلا مشاركة كعاقبت اللص، وسافرت، بل للدلالة على كمال غضبه والمبالغة فيه، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة؛ أي: غاضب قومه، وغاضبوه، حين لم يؤمنوا في أول الأمر، اهـ كرخي. والفاء في قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فاقترعوا فخرجت عليه القرعة، فرموه في البحر، فالتقمه الحوت، فنادى في الظلمات؛ أي: في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل: ابتلع حوته حوت آخر فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر والليل. وقال الشيخ السمرقندي في تفسيره "بحر العلوم": وعندي - والله أعلم - أن تلك الظلمات

стр. 7982

كانت من الجهات الست، كما قال ﵇: "ورأيت رجلًا من أمتي، من بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن يساره ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحير في الظلمات". ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾؛ أي (١): بأنه، فأن مخففة من أنّ المشددة، أو مفسرة بمعنى أي ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: أنزهك تنزيهًا لائقا بك، من أن يعجزك شيء ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بفراري من قومي بغير إذنك، فكان ذلك ظلمًا، فعوقب (٢) على ترك الأفضل، الذي هو المكث فيهم صابراً على أذاهم، فإنه خرج لا على تعمّد المعصية، بل لظنه أن خروجه موسّع، يجوز أن يقدّم ويؤخّر، فقد وصف يونس ﵇ ربه، بكمال الربوبية، وهذا القدر يكفي في السؤال، ٨٨ - ولذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه الذي دعا به، وأظهر به التوبة على ألطف وجه وأحسنه، وأول هذا الدعاء تهليل، وأوسطه تسبيح، وآخره إقرار بالذنب، اهـ شيخنا. وعن رسول الله ﷺ : "ما من مكروب يدعو بدعوة ذي النون في بطن الحوت إلا استجيب له". وروى ابن جرير والبيهقي في جماعة عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي ﷺ قال: "دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلّا استجاب له". وروي عن أنس مرفوعًا "أنه ﵇ حين دعا بذلك، أقبلت دعوته تحف بالعرش، فقالت الملائكة: هذا صوت ضعيف، معروف من بلاد غريبة - وفي رواية: صوتًا معروفًا من مكان مجهول - فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب من هو؟ قال: ذاك عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل مقبول، ودعوة مستجابة، يا رب أفلا ترحم من كان يصنع في الرخاء: فتنجيه من البلاء، قال: بلى، فأمر الحوت، فطرحه"، فذلك قوله:

стр. 7983

﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾؛ أي: نجينا ذا النون ﴿مِنَ الْغَمِّ﴾ والهم، الذي ناله حين التقمه الحوت؛ أي: نجيناه من غم الالتقام والبحر، بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات - قال الشعبي (١): التقمه ضحى، ولفظه عشيةً، أو (٢) بعد ثلاثة أيام، أو سبعة أيام، أو أربعين يومًا - وذهب به إلى البحار القاصية، وتخوم الأرض السابعة، وقال بعضهم: كان رأس الحوت فوق الماء، وفمه مفتوحًا ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: وكما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من كربهم إذا استغاثوا بنا، داعين وطالبين رحمتنا. قال الرازي: شرط كل من يلتجيء إلى الله أن يبدأ بالتوحيد، ثم بعده بالتسبيح والثناء، ثم بالاستغفار والاعتراف بالذنب. وعن جعفر بن محمد قال: عجبت ممن يبتلى بأربع، كيف يغفل عن أربع: عجبت لمن يبتلى بالهم كيف لا يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾، وعجبت لمن يخاف شيئًا من السوء كيف لا يقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. وعجبت لمن يخاف مكر الناس كيف لا يقول: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾، وعجبت لمن يرغب في الجنة كيف لا يقول: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾. وعن خالد بن الوليد ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إني أروع في منامي، قال: قل: "أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون". وقرأ الجمهور (٣): ﴿نُنْجِي﴾ مضارع أنجى. والجحدري مشددًا مضارع نجّى. وقرأ ابن عامر وأبو بكر (نجّي) بنون مضمومة وجيم مشددة وياء ساكنة،

стр. 7984

وكذلك هي في مصحف الإمام، ومصاحف الأمصار بنون واحدة، واختارها أبو عبيدة، لموافقة المصاحف، وقال الزجاج (١): هذا لحن لا وجه له. وقال أبو علي الفارسي: غلط الراوي عن عاصم، ويدل على هذا، إسكانه الياء من نجّي، ونصب المؤمنين، ولو كان على ما لم يسم فاعله .. ما سكن الياء، ولرفع المؤمنين. ٨٩ - ﴿و﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿زكريا﴾؛ أي: خبر زكريا بن آذن بن ماتان، من أنبياء بني إسرائيل، والظرف في قوله: ﴿إِذْ نَادَى﴾ ودعا ﴿رَبَّهُ﴾ وخالقه، متعلق بالمضاف المقدر، وقال في دعائه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ ولا تتركني وحيدًا، بلا ولد يرثني إرث نبوة، وعلم وحكمة. ومثل (٢) هذه العبارة من العبد للسيد، تضرع ودعاء، لا نهي؛ أي: هب لي ولدًا، ولا تدعني وحيدًا، بلا ولد يرثني، لما بلغ عمر زكريا، ﵇ مئة سنة، وبلغ عمر زوجته تسعًا وتسعين سنة، ولم يرزق لهما ولد، أحب أن يرزقه الله من يؤنسه، ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويكون قائمًا مقامه بعد موته، فدعا، ثم رد الأمر إلى مولاه مستسلمًا ومنقادًا لمشيئته فقال ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾؛ أي: خير من يبقى بعد من يموت، فحسبي أنت إن لم ترزقني وارثًا، فهو ثناء على الله تعالى، بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وله ميراث السموات والأرض ٩٠ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ أي: أجبنا لزكريا دعاءه في حق الولد كما قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ نبيًا حكيماً عظيمًا، لا في حق الوراثة، إذ المشهور أن يحيى قتل، قبل موت أبيه، وهذا لا يقدح في شأن زكريا، كما لا يقدح عدم استجابة دعاء إبراهيم في حق أبيه في شأنه، فإن الأنبياء ﵈، وإن كانوا مجابي الدعوة، لكن أثر بعض الدعوات، لا يظهر في هذا الموطن للحكمة الإلهية ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ إيشاع بنت عمران، أو بنت فاقود للولادة، بعد انتهائها إلى سن اليأس منها، بحكم العادة؛ أي: جعلناها ولودًا. بعد أن كانت عقيمًا، فإنها لم تلد قط بعد أن بلغت تسعًا وتسعين سنة.

стр. 7985

وجملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ لتعليل ما قبلها من إحسانه سبحانه، إلى زكريا وأهله، وإلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فالضمير (١) إما عائد إلى زكريا وزوجه ويحيى، أو إلى الأنبياء المذكورين، فيكون تعليلًا لما فصّل من فنون إحسانه تعالى، المتعلقة بهم مثل إيتاء موسى وهارون الفرقان، وتبريد النار وإطفائها لإبراهيم، وإنجاء لوط مما نزل بقومه، وإنجاء نوح، ومن كان معه في السفينة، من أذى القوم، وكرب الطوفان، وغير ذلك، مما تفضّل به على الأنبياء السابقين، أي: أنهم كانوا ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخيرات، وهو السر في إيثار كلمة "في" على كلمة "إلى" المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات، متوجهين إليها كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ الآية. قال الراغب: "الخير ما يرغب فيه الكل بكل حال، وهو الخير المطلق، والشر ضده". والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء (٢)؛ لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله تعالى. ﴿و﴾ كانوا ﴿يَدْعُونَنَا﴾ أي يفزعون إلينا ﴿رَغَبًا﴾ أي رغبة في ثوابنا ﴿وَرَهَبًا﴾ أي: رهبة من عقابنا. وقيل؛ الرغبة رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهبة رفع ظهورها إليها. أو حال كونهم راغبين في اللطف والجمال، وخائفين من القهر والجلال، أو راغبين فينا، وراهبين مما سوانا ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ أي خائفين متواضعين في عبادتهم، حذرين عن الانبساط في الأمور، أي (٣) كانوا لنا عابدين في تواضع وضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، ولكن شأن الأنبياء أعلى من أن يكون حالهم منحصرًا في الظاهر، فلهم خشوع كامل في القلب والقالب جميعًا، وأكل العبد خشنا، واللبس خشنا، وطأطأة الرأس ونحوها من غير أن يكون في قلبه الإخلاص، والخوف من الله تعالى صفة المرائي والمتصنع.
следующие страницы →