بغيره؛ أي: فإنه ظن أنه مخير، إن شاء أقام، وإن شاء خرج، وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، فأتى بحر الروم، فوجد قومًا هيؤوا سفينة، فركب معهم، فلما توسطت السفينة البحر وقفت، ولم تجر بحال، فقال الملاحون: هاهنا رجل عاص، أو عبد آبق؛ لأن السفينة لا تكون هكذا إلّا، وفيها رجل عاص، أو آبق، ومن عادتنا إذا ابتلينا بهذا البلاء أن نقترع، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، فاقترعوا ثلاث مرات، فوقعت القرعة فيها كلها على يونس، فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى بنفسه في البحر، فجاء حوت فابتلعه، فأوحى الله تعالى إلى ذلك الحوت: لا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا، فإنه ليس رزقًا لك، وما جعلتك له إلا سجنًا، لا طعامًا.
وقرأ الجمهور: ﴿نَقْدِرَ﴾ بنون العظمة مخففًا. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو شرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب: بضم الياء وفتح الدال مخففًا. وعيسى والحسن: بالياء مفتوحة وكسر الدال. وعلي بن أبي طالب واليماني: بضم الياء وفتح القاف والدال مشددة. والزهري: بالنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال مشددة.
وبناء المفاعلة في قوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ ليس على بابه (١)، فلا مشاركة كعاقبت اللص، وسافرت، بل للدلالة على كمال غضبه والمبالغة فيه، ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة؛ أي: غاضب قومه، وغاضبوه، حين لم يؤمنوا في أول الأمر، اهـ كرخي.
والفاء في قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فاقترعوا فخرجت عليه القرعة، فرموه في البحر، فالتقمه الحوت، فنادى في الظلمات؛ أي: في ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. وقيل: ابتلع حوته حوت آخر فحصل في ظلمتي بطن الحوتين وظلمة البحر والليل. وقال الشيخ السمرقندي في تفسيره "بحر العلوم": وعندي - والله أعلم - أن تلك الظلمات
стр. 7982
كانت من الجهات الست، كما قال ﵇: "ورأيت رجلًا من أمتي، من بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن يساره ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، فهو متحير في الظلمات".
﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ﴾؛ أي (١): بأنه، فأن مخففة من أنّ المشددة، أو مفسرة بمعنى أي ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: أنزهك تنزيهًا لائقا بك، من أن يعجزك شيء ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم بفراري من قومي بغير إذنك، فكان ذلك ظلمًا، فعوقب (٢) على ترك الأفضل، الذي هو المكث فيهم صابراً على أذاهم، فإنه خرج لا على تعمّد المعصية، بل لظنه أن خروجه موسّع، يجوز أن يقدّم ويؤخّر، فقد وصف يونس ﵇ ربه، بكمال الربوبية، وهذا القدر يكفي في السؤال،
٨٨ - ولذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه الذي دعا به، وأظهر به التوبة على ألطف وجه وأحسنه، وأول هذا الدعاء تهليل، وأوسطه تسبيح، وآخره إقرار بالذنب، اهـ شيخنا.
وعن رسول الله ﷺ : "ما من مكروب يدعو بدعوة ذي النون في بطن الحوت إلا استجيب له". وروى ابن جرير والبيهقي في جماعة عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي ﷺ قال: "دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلّا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط، إلّا استجاب له".
وروي عن أنس مرفوعًا "أنه ﵇ حين دعا بذلك، أقبلت دعوته تحف بالعرش، فقالت الملائكة: هذا صوت ضعيف، معروف من بلاد غريبة - وفي رواية: صوتًا معروفًا من مكان مجهول - فقال الله تعالى: أما تعرفون ذلك؟ قالوا: يا رب من هو؟ قال: ذاك عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل مقبول، ودعوة مستجابة، يا رب أفلا ترحم من كان يصنع في الرخاء: فتنجيه من البلاء، قال: بلى، فأمر الحوت، فطرحه"، فذلك قوله:
стр. 7983
﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾؛ أي: نجينا ذا النون ﴿مِنَ الْغَمِّ﴾ والهم، الذي ناله حين التقمه الحوت؛ أي: نجيناه من غم الالتقام والبحر، بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات - قال الشعبي (١): التقمه ضحى، ولفظه عشيةً، أو (٢) بعد ثلاثة أيام، أو سبعة أيام، أو أربعين يومًا - وذهب به إلى البحار القاصية، وتخوم الأرض السابعة، وقال بعضهم: كان رأس الحوت فوق الماء، وفمه مفتوحًا ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: وكما أنجينا يونس من كرب الحبس إذ دعانا ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من كربهم إذا استغاثوا بنا، داعين وطالبين رحمتنا. قال الرازي: شرط كل من يلتجيء إلى الله أن يبدأ بالتوحيد، ثم بعده بالتسبيح والثناء، ثم بالاستغفار والاعتراف بالذنب.
وعن جعفر بن محمد قال: عجبت ممن يبتلى بأربع، كيف يغفل عن أربع: عجبت لمن يبتلى بالهم كيف لا يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾، وعجبت لمن يخاف شيئًا من السوء كيف لا يقول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. وعجبت لمن يخاف مكر الناس كيف لا يقول: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾، وعجبت لمن يرغب في الجنة كيف لا يقول: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾.
وعن خالد بن الوليد ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إني أروع في منامي، قال: قل: "أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون".
وقرأ الجمهور (٣): ﴿نُنْجِي﴾ مضارع أنجى. والجحدري مشددًا مضارع نجّى. وقرأ ابن عامر وأبو بكر (نجّي) بنون مضمومة وجيم مشددة وياء ساكنة،
стр. 7984
وكذلك هي في مصحف الإمام، ومصاحف الأمصار بنون واحدة، واختارها أبو عبيدة، لموافقة المصاحف، وقال الزجاج (١): هذا لحن لا وجه له. وقال أبو علي الفارسي: غلط الراوي عن عاصم، ويدل على هذا، إسكانه الياء من نجّي، ونصب المؤمنين، ولو كان على ما لم يسم فاعله .. ما سكن الياء، ولرفع المؤمنين.
٨٩ - ﴿و﴾ اذكر يا محمد لقومك ﴿زكريا﴾؛ أي: خبر زكريا بن آذن بن ماتان، من أنبياء بني إسرائيل، والظرف في قوله: ﴿إِذْ نَادَى﴾ ودعا ﴿رَبَّهُ﴾ وخالقه، متعلق بالمضاف المقدر، وقال في دعائه: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ ولا تتركني وحيدًا، بلا ولد يرثني إرث نبوة، وعلم وحكمة. ومثل (٢) هذه العبارة من العبد للسيد، تضرع ودعاء، لا نهي؛ أي: هب لي ولدًا، ولا تدعني وحيدًا، بلا ولد يرثني، لما بلغ عمر زكريا، ﵇ مئة سنة، وبلغ عمر زوجته تسعًا وتسعين سنة، ولم يرزق لهما ولد، أحب أن يرزقه الله من يؤنسه، ويقويه على أمر دينه ودنياه، ويكون قائمًا مقامه بعد موته، فدعا، ثم رد الأمر إلى مولاه مستسلمًا ومنقادًا لمشيئته فقال ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾؛ أي: خير من يبقى بعد من يموت، فحسبي أنت إن لم ترزقني وارثًا، فهو ثناء على الله تعالى، بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وله ميراث السموات والأرض
٩٠ - ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾؛ أي: أجبنا لزكريا دعاءه في حق الولد كما قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ نبيًا حكيماً عظيمًا، لا في حق الوراثة، إذ المشهور أن يحيى قتل، قبل موت أبيه، وهذا لا يقدح في شأن زكريا، كما لا يقدح عدم استجابة دعاء إبراهيم في حق أبيه في شأنه، فإن الأنبياء ﵈، وإن كانوا مجابي الدعوة، لكن أثر بعض الدعوات، لا يظهر في هذا الموطن للحكمة الإلهية ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ إيشاع بنت عمران، أو بنت فاقود للولادة، بعد انتهائها إلى سن اليأس منها، بحكم العادة؛ أي: جعلناها ولودًا. بعد أن كانت عقيمًا، فإنها لم تلد قط بعد أن بلغت تسعًا وتسعين سنة.
стр. 7985
وجملة قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ لتعليل ما قبلها من إحسانه سبحانه، إلى زكريا وأهله، وإلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فالضمير (١) إما عائد إلى زكريا وزوجه ويحيى، أو إلى الأنبياء المذكورين، فيكون تعليلًا لما فصّل من فنون إحسانه تعالى، المتعلقة بهم مثل إيتاء موسى وهارون الفرقان، وتبريد النار وإطفائها لإبراهيم، وإنجاء لوط مما نزل بقومه، وإنجاء نوح، ومن كان معه في السفينة، من أذى القوم، وكرب الطوفان، وغير ذلك، مما تفضّل به على الأنبياء السابقين، أي: أنهم كانوا ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخيرات، وهو السر في إيثار كلمة "في" على كلمة "إلى" المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات، متوجهين إليها كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ الآية. قال الراغب: "الخير ما يرغب فيه الكل بكل حال، وهو الخير المطلق، والشر ضده".
والمسارعة في الخيرات من أكبر ما يمدح به المرء (٢)؛ لأنها تدل على حرص عظيم في طاعة الله تعالى. ﴿و﴾ كانوا ﴿يَدْعُونَنَا﴾ أي يفزعون إلينا ﴿رَغَبًا﴾ أي رغبة في ثوابنا ﴿وَرَهَبًا﴾ أي: رهبة من عقابنا. وقيل؛ الرغبة رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهبة رفع ظهورها إليها. أو حال كونهم راغبين في اللطف والجمال، وخائفين من القهر والجلال، أو راغبين فينا، وراهبين مما سوانا ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ أي خائفين متواضعين في عبادتهم، حذرين عن الانبساط في الأمور، أي (٣) كانوا لنا عابدين في تواضع وضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، ولكن شأن الأنبياء أعلى من أن يكون حالهم منحصرًا في الظاهر، فلهم خشوع كامل في القلب والقالب جميعًا، وأكل العبد خشنا، واللبس خشنا، وطأطأة الرأس ونحوها من غير أن يكون في قلبه الإخلاص، والخوف من الله تعالى صفة المرائي والمتصنع.
стр. 7986
والمعنى: أنهم نالوا من الله ما نالوا بسبب اتصافهم بهذه الخصال الحميدة، فليفعل من أراد الإجابة إلى مطلوبه مثل ما فعلوا، وليتخلق بتلك الأخلاق.
وخلاصة معنى الآيات: أي واذكر خبر زكريا حين طلب أن يهبه الله ولدا يكون من بعده نبيًا، فقال خفية عن قومه: "رب لا تدعني وحيدًا، لا ولد لي، ولا وارث يقوم بعدي في النادي، فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث" فأجبنا سؤله، ووهبنا له يحيى، وأصلحنا له زوجة بأن أزلنا عنها الموانع التي كانت تمنعها من الولادة، فولدت له بعد أن كانت عقيمًا، ثم ذكر السبب في إجابة مطلبهم، فقال: إنهم كانوا أي لأن زكريا وزوجه ويحيى كانوا يسارعون في طاعتنا، والعمل بما يقربهم إلينا حال كونهم يدعوننا، ويعبدوننا رغبة منهم فيما يرجون من رحمتنا وفضلنا، وخوفاً من عذابنا وعقابنا، وكانوا لنا متواضعين متذللين، لا يستكبرون عن عبادتنا ودعائنا.
وقرأ ابن مسعود وابن محيصن (١): ﴿يدعونا﴾ بحذف نون الرفع. وطلحة بنون مشددة، أدغم نون الرفع في "نا" ضمير النصب. وقرأ ابن وثاب والأعمش ووهيب بن عمرو النحوي وهارون وأبو معمر الأصمعي واللؤلؤي ويونس وأبو زيد سبعتهم عن أبي عمرو ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ بالفتح وإسكان الهاء، والأشهر عن الأعمش بضمتين فيهما. وقرأت فرقة بضم الراءين وسكون الغين والهاء.
٩١ - ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾؛ أي: قصة مريم بنت عمران، التي أحصنت فرجها إحصاناً كليًا، وحفظته حفظًا تامًا من أن يصل إليه أحد من الرجال بحلال أو حرام جميعًا كما قالت: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾، وجاء في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.
﴿فَنَفَخْنَا﴾ الروح في عيسى، وأحييناه حالة كونه كائنًا ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في جوفها وبطنها، فهو (٢) حال من المفعول المحذوف ﴿مِنْ﴾ جهة ﴿رُوحِنَا﴾ جبريل الأمين وبواسطته؛ أي؛ أمرنا جبريل حتى نفخ في جيب درعها، فخلقنا
стр. 7987
بذلك النفخ المسيح في بطنها. وقال السهيلي: "النفخ في روح القدس بأمر القدوس، فأضاف القدس إلى القدوس، ونزه المقدسة عن الظن الكاذب والحدس. وقيل: المعنى فنفخنا فيها بعض روحنا؛ أي: بعض الأرواح المخلوقة لنا، وذلك البعض هو روح عيسى؛ لأنها وصلت في الهواء، الذي نفخه إلى درعها. وقد سبقت قصة النفخ في سورة مريم. ومعنى "أحصنت" عفت، فامتنعت من الفاحشة وغيرها. وقيل: المراد بالفرج حبيب القميص؛ أي: أنها طاهرة الأثواب.
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا﴾ أي: جعلنا حالهما وشأنهما ﴿آيَةً﴾ عظيمة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ وعلامة دالة على القدرة الكاملة، لأهل زمانهما، ولمن بعدهما، فإن من تأمل في ظهور ولد، من بتول عذراء، من غير فحل، تحقق كمال قدرته تعالى. ولم يقل: "آيتَيْ"؛ لأنها قصة واحدة، وهي ولادتها له من غير ذكر، ولكل واحد منهما آيات مستقلة متكاثرة، كما أشير إلى بعض منها في القرآن، وإلى بعض آخر في التفاسير وكتب القصص، أما آيات مريم فمنها: ظهور الحمل من غير ذكر. ومنها: أن الملائكة كانت تأتيها برزقها، كما حكى القرآن قول زكريا لها وردها عليه: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وأما آيات عيسى فقد سبق تفصيلها في سورتي آل عمران ومريم.
٩٢ - ثم لمَّا ذكر سبحانه الأنبياء، بيَّن أنهم كلَّهم مجتمعون على التوحيد فقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ الملة التي هي ملة الإسلام والتوحيد المذكورة في كتابكم ﴿أُمَّتُكُمْ﴾؛ أي: ملتكم وطريقتكم التي يجب أن تكونوا عليها، لا تنحرفون عنها. والظاهر أن قوله: ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ خطاب لمعاصري الرسول ﷺ ، حالة كونها ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: ملة واحدة متفقة، لا يخرج عنها إلّا المشركون بالله؛ أي: إن هذه الشريعة المنزلة على محمد ﷺ ، شريعتكم، أيها الناس، التي يجب أن تحافظوا على حدودها، وتراعوا حقوقها، ولا تخلوا بشيء منها، حالة كونها شريعة واحدة، غير مختلفة فيما بين الأنبياء، فإنهم متفقون في الأصول، وإن كانوا مختلفين في الفروع، بحسب اختلاف الأمم والأزمنة والأمكنة.
стр. 7988
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ ومالككم، لا إله لكم غيري ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ خاصة، لا غيري كائنًا ما كان؛ أي: لا دين سوى ديني، ولا رب لكم غيري، فوحّدوني بالعبادة، ولا تشركوا بي شيئًا من صنم، أو وثن شجر، أو حجر، أو بشر، أو ملك.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ بالرفع خبر ﴿إن﴾. ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ بالنصب على الحال. وقيل: بدل من ﴿هَذِهِ﴾. وقرأ الحسن ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ بالنصب بدل من ﴿هَذِهِ﴾. وقرأ أيضًا هو وابن إسحاق والأشهب العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة والجعفي وهارون عن أبي عمرو والزعفراني ﴿أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ برفع الثلاثة على أن ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ و ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ خبر ﴿إن﴾، أو ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ بدل من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ بدل نكرة من معرفة، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هي أمة واحدة.
٩٣ - ثم نعى على المسلمين ما فعلوا من تفريق شأنهم فرقًا وشيعاً فقال: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: تفرقوا في أمرهم، وجعلوا دينهم قطعًا، ومذاهب مختلفة بينهم، بأن آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض. والضمير (٢) في ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾ عائد على ضمير الخطاب على سبيل الالتفات؛ أي: وتقطعتم. ولما كان هذا الفعل من أقبح المرتكبات، عدل عن الخطاب إلى لفظ الغيبة، كأن هذا الفعل ما صدر من المخاطبين؛ لأن في الإخبار عنهم بذلك نعياً عليهم ما أفسدوه، وكأنه يخبر غيرهم ما صدر من قبيح فعلهم، ويقول: ألا ترى إلى ما ارتكب هؤلاء في دين الله، جعلوا أمر دينهم قطعًا، كما يتوزع الجماعة الشيء، لهذا نصيب، ولهذا نصيب، تمثيلًا لاختلافهم. وقرأ الأعمش ﴿زبرا﴾ بفتح الباء، جمع زبرة ذكره أبو حيان في "البحر".
والمعنى (٣): جعل الناس أمر الدين قطعًا، واختلفوا فيه، فصاروا فرقًا، كأنه قيل: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، الذي أجمعت عليه كافة الأنبياء، حيث جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا، فأصاب كل جماعة قطعة من
стр. 7989
الدين، فصاروا بتقطيع دينهم كأنهم قطع شتى، يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرّأ بعضهم من بعض. وإنما قال هنا: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾، وفي المؤمنون: ﴿فَاتَّقُونِ﴾؛ لأن الخطاب في هذه الآية للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد. وفي سورة المؤمنين الخطاب للمؤمنين والرسل فأمرهم بالتقوى، اهـ كرخي.
قال الحسن البصري (١): في هذه الآية يبيّن لهم ما يتقون، وما يأتون، يريد أن هذا إخبار بالغيب بما سيكون منهم.
والخلاصة: أنهم قد غفلوا عما أمر به دينهم، من وجوب الاعتصام بوحدة الأمة ونبذ الفرقة، ففعلوا ضد هذا، وذاق بعضهم بأس بعض، وكان في هذا وبال للجميع، وتمكن عدوهم من أن يهيض جناحهم، ويبطش بهم، ويستعبدهم في عقر دارهم، ويسميهم الخسف والصَّغار، بعد أن كانوا سادة أحراراً، ولله الأمر من قبل، ومن بعد.
ثم توعدهم على ما فعلوا، فقال: ﴿كُلٌّ﴾ أي: كل واحدة من الفرق المتقطعة ﴿إِلَيْنَا﴾ لا إلى غيرنا ﴿رَاجِعُونَ﴾ بالبعث فنجازيهم حينئذٍ بحسب أعمالهم؛ أي: أنهم سيرجعون إلينا، ونجازيهم على تفرقهم واختلافهم شيعاً. وفي هذا إخبار بالغيب، بما سيحدث في هذه الأمة، التي ذاقت وبال أمرها، وعاقبة اختلافها، وكانت لقمة سائغة للآكلين، ونهبا مقسمًا بين الطامعين جزاء ما اجترحت من التفرق.
٩٤ - وبعد أن أبان أن افتراق الأمة واقع لا محالة، أردفه فتح باب الرجاء في لم شعثها واتفاقها بعد تفرقها، عسى أن تقوم من كبوتها، وترجع إلى وحدتها، وتصير لها الدولة والصولة، كما كانت في سالف عهدها، فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: من بعض الأعمال الصالحة، لا كلها إذ لا يطيق ذلك أحد. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ بالله ورسله واليوم الآخر ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾؛ أي: لا جحود لعمله، ولا تضييع لجزائه، ولا حرمان لثواب عمله. وفي قراءة (٢) ابن
стр. 7990
مسعود ﴿فلا كفر لسعيه﴾.
﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ أي: لسعيه ﴿كَاتِبُونَ﴾؛ أي: مثبتون في صحائف أعمالهم، حافظون له، لا نغادر منه شيئًا.
والمعنى: أي (١) ومن يعمل صالح الأعمال، وقلبه مليء بالإيمان بربه، والتصدق لأنبيائه ورسله، واليقين باليوم الآخر، يوم تجزي كل نفس بما عملت، من خير أو شر، فإنا لا نضيع سعيه، ولا نبخسه حقه، بل نوفيه على عمله الجزاء الأوفى، وإنا مثبتون له ذلك في صحيفة أعماله، لا نترك منه شيئًا جلَّ أو قلَّ، عظم أو حقر، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
٩٥ - وقوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾؛ أي: ممتنع، خبر مقدم ﴿عَلَى﴾ أهل ﴿قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾؛ أي: استأصلناها بالعذاب في الدنيا، لكفرهم، متعلق بـ "حرام"، وجملة قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلينا في الآخرة، للمجازاة في تأويل مصدر مرفوع، على كونه مبتدأ مؤخرًا، أو فاعلًا سدّ مسدّ الخبر. والمعنى (٢): وممتنع ألبتة على أهل القرية المهلكة عدم رجوعهم إلينا للجزاء بأن يذهبوا تحت التراب، من غير إحساس بالنعمة، أو بالعذاب، بل لا بد من جزائهم في الآخرة على أعمالهم السيئة.
وقيل المعنى (٣): واجب على أهل قرية أهلكناها بالموت عدم رجوعهم عن الشرك والمعاصي، فإن الحرام قد يأتي بمعنى الواجب، ومنه قول الخنساء:
وَإِنَّ حَرَامَاً لاَ أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيَاً ... عَلَى شَجْوِهِ إِلاَّ بَكَيْتُ عَلَى صَخْرِ
وقيل (٤): إن ﴿لَا﴾ في ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ زائدة؛ أي: حرام على أهل قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا. واختار هذا أبو عبيدة. قال النحاس:
стр. 7991
والآية مشكلة، ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما رواه ابن عيينة وابن علية وهشيم وابن إدريس وغيرهم، عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية قال: واجب أنهم لا يرجعون؛ أي: لا يتوبون. قال الزجاج وأبو علي الفارسي: إن في الكلام إضماراً؛ أي: وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوب أهلها أن يتقبل منهم عمل؛ لأنهم لا يرجعون؛ أي: لا يتوبون.
وتخصيص (١) امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع لعدم رجوع الكل حسبما نطق به قوله: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾؛ لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم.
وفي "التأويلات النجمية" (٢): يشير إلى قلوب أهل الأهواء والبدع المهلكة باعتقاد السوء، ومخالفات الشرع، أنهم لا يتوبون إلى الله، ولا يرجعون إلى الحق، يدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَحَرَامٌ﴾. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وطلحة والأعمش وأبو حنيفة وأبو عمرو في رواية ﴿وحِرْمُ﴾ بكسر الحاء وسكون الراء. وقرأ قتادة ومطر الورّاق ومحبوب عن أبي عمرو بفتح الحاء وسكون الراء. وقرأ عكرمة ﴿وحَرِمٌ﴾ بكسر الراء والتنوين. وقرأ ابن عباس وعكرمة أيضًا وابن المسيب وقتادة أيضًا بكسر الراء وفتح الحاء والميم على المضي، بخلاف عنهما. وأبو العالية وزيد بن علي بضم الراء وفتح الحاء والميم على المضي. وقرأ ابن عباس أيضًا: بفتح الحاء والراء والميم على المضي. وقرأ اليمان ﴿وَحُرِّمَ﴾ بضم الحاء وكسر الراء مشدّدة وفتح الميم. وقرأ الجمهور ﴿أهلكناها﴾ بنون العظمة. وقرأ السلمي وقتادة بتاء المتكلم.
стр. 7992
وقرىء ﴿إِنَّهُمْ﴾ بكسر الهمزة، فيكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ ويقدر حينئذٍ مبتدأ مؤخر، ويكون ﴿حرام﴾ خبرًا مقدمًا له، والمعنى: وحرام على أهل قرية قدّرنا إهلاكهم لكفرهم عمل صالح، ينجون به من الإهلاك، ثم أكد ذلك وعلّله بقوله: إنهم لا يرجعون عن الكفر، فكيف لا يمتنع ذلك. وقراءة الجمهور بالفتح تصح على هذا المعنى، وتكون ﴿لا﴾ نافية على بابها، والتقدير لأنهم لا يرجعون.
٩٦ - و ﴿حَتَّى﴾ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ليست بحرف جر، ولا حرف عطف، بل هي حرف يبتدأ بعدها الكلام، غاية لما يدل عليه ما قبلها، كأنه قيل: يستمرون على ما هم عليه من الهلاك، حتى إذا قامت القيامة يرجعون إلينا، ويقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ إلخ، أو لا يرجعون عن الكفر، حتى إذا قامت القيامة، يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع. و ﴿إِذَا﴾ شرطية جوابها قوله الآتي. ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾. وقيل: جوابها محذوف تقديره: يرجعون إلينا ويقولون: يا ويلنا كما قدّرناه آنفًا. وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ معطوف على الجواب المحذوف. ويأجوج ومأجوج قبيلتان من الإنس، يقال: الناس عشرة أجزاء، تسعة منها يأجوج ومأجوج. والمراد بفتحهما فتح سدهما، فهو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وقد سبقت قصة يأجوج ومأجوج وبناء السد عليهم وفتحه في آخر الزمان في سورة الكهف. والتقدير: حتى إذا فتح سدّ يأجوج ومأجوج ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: والحال أن يأجوج ومأجوج ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ أي إلى كل مكان مرتفع من الأرض ﴿يَنْسِلُونَ﴾؛ أي: يسرعون المشي إليه لينزلوا فيه، ويظهروا فيه، ويتفرقون في الأرض، وينتشرون فيها. قال ابن عباس: من كل شرف يقبلون، أي: لكثرتهم ينسلون من كل ناحية. روى أنهم يسيرون في الأرض، ويقبلون على الناس من كل موضع مرتفع والحدب المكان المرتفع، والنسلان مقاربة الخطو من الإسراع. وقرأ ابن مسعود (١)، وابن عباس: ﴿من كل جدث﴾ بالجيم والثاء المثلثة، وهو القبر. وقرأ الجمهور: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ بكسر السين. وابن
стр. 7993
إسحاق وأبو اليمان بضمها.
وذلك (١) بعد نزول عيسى ﵇ إلى الأرض، ثم يهلكون بدعائه عليهم، فتملأ رممهم وجيفهم الأرض، فيرسل الله عليهم طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا، فيغسل الأرض من آثارهم، ثم يقول الله للأرض: أنبتي ثمرك، فيكثر الرزق جدًّا، ويستقيم الحال لعيسى والمؤمنين، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم ريحًا طيبة، تقبض روح كل مؤمن ومسلم، وتبقي شرار الناس يتهارجون كتهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة اهـ "خازن". وبين موت عيسى والنفخة الأولى مئة وعشرون سنة، لكن السنة بقدر شهر، كما أن الشهر بقدر جمعة، والجمعة بقدر يوم، واليوم بقدر ساعة، فيكون بين عيسى والنفخة الأولى قدر ثنتي عشرة سنة من السنين المعتادة، اهـ.
وقيل: الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ يعود على العالم بأسره، ولكن الأول أظهر. والمعنى على هذا؛ أي (٢): ويستمر هذا الإمتناع إلى قيام الساعة، ومن أماراتها فتح سد يأجوج ومأجوج، وإتيان الناس سراعًا من كل مرتفع من الأرض، والمقصود الرد على المشركين في إنكارهم البعث والجزاء.
والخلاصة: أنه لا تزال حياة من مات وهلك ممتنعةً، ولا يمكن رجوعهم إليها حتى تقوم الساعة، ويسرع الناس من كل حدب من الأرض. قال أبو حيان: والظاهر أن ضمير ﴿وهم﴾ عائد على يأجوج ومأجوج. وقيل: الضمير للعالم، ويدل عليه قراءة عبد الله وابن عباس ﴿من كل جدث﴾ بالجيم والثاء المثلثة، وهو القبر. وقرىء بالفاء. والثاء للحجاز، والفاء لتميم، وهي بدل من الثاء كما أبدلوا الثاء منها قالوا: المغثور، وأصله مغفور. ذكره في "البحر" كما مر بعضه.
٩٧ - وقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾؛ أي: القيامة - عطف على ﴿فتحت﴾، والمراد: ما بعد النفخة الثانية، من البعث والحساب والجزاء ﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: القصة ﴿شَاخِصَةٌ﴾؛ أي: مرتفعة ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من الدهشة والحيرة، حالة
стр. 7994
كونهم قائلين تحسرًا وندامة ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ ويا هلاكنا، تعال إلينا، فهذا أوان حضورك. وجملة قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ جواب الشرط في قولهه: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. وإذا (١) للمفاجأة سدّ مسدّ الفاء الجزائية كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والضمير للقصة. و ﴿شَاخِصَةٌ﴾ خبر مقدم لـ ﴿أَبْصَارُ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر، خبر ضمير القصة مفسرة له.
وقال الفراء والكسائي (٢): الواو في قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ﴾ زائدة مقحمة في جواب الشرط، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق نظير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤)﴾؛ أي: ناديناه. وعلى هذا القول، فالفاء في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ تكون عاطفة على هذا الجواب. فإن قيل (٣): فتح السد واقتراب الوعد الحق يحصل في آخر أيام الدنيا، والجزاء وشخوص الأبصار إنما يحصل يوم القيامة، والشرط والجزاء لا بد وأن يكونا متقاربين؟
فالجواب: أن التفاوت القليل يجري مجرى العدم، وفي الآية دلالة على أن قيام الساعة. لا يتأخر عن خروج يأجوج ومأجوج، كما روي عن حذيفة ﵁ أنه قال: لو أن رجلًا اقتنى، فلوّا بعد خروج يأجوج ومأجوج، لم يركبه حتى تقوم الساعة. والفلوّ المهر؛ أي: ولد الفرس.
والمعنى (٤): أن القيامة إذا قامت ارتفعت أبصار هؤلاء، من شدة الأهوال، فلا تكاد تطرف من شدة ما يخافونه قائلين: يا ويلنا؛ أي: هلاكنا تعال فهذا أوان حضورك ﴿قَدْ كُنَّا﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ تامة ﴿مِنْ هَذَا﴾ الذي أصابنا ودهمنا من البعث والرجوع إليه للجزاء، ولم نعلم أنه حق، وقوله: ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ إضراب (٥) عما قبله، من وصف أنفسهم بالغفلة؛ أي: لم نكن غافلين
стр. 7995
عنه، حيث نبّهنا عليه بالآيات والنذر، بل كنا ظالمين بتلك الآيات والنذر، مكذبين بها، أو ظالمين لأنفسنا، بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب، فليتفكر العاقل من هذا البيان والتذكار، فقد نبّه الله، وقطع الأعذار. وفي الحديث: "يقول الله عن وجل: يا معشر الجن الإنس، إني قد نصحت لكم، فإنما هي أعمالكم في صحفكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلّا نفسه".
وعن بعض الحكماء، أنه نظر إلى أناس يترحمون على ميت، خلف جنازته، فقال: لو تترحمون على أنفسكم لكان خيرًا لكم، أما إنه قد مات ونجا من ثلاثة أهوال: أولها رؤية ملك الموت، والثاني مرارة الموت، والثالث خوف الخاتمة.
وصفوة القول (١): إن الناس لا يرجعون إلى الحياة، حتى تزلزل الأرض زلزالها، ويختل نظام هذا العالم، فتموج الأمم في بعض، بتفريق أجزائها، لا فرق بين يأجوج ومأجوج وغيرهما، فذكرهما رمز لاختلال الأرض وخرابها، فكأنه قيل: إنهم لا يرجعون إلى الحياة إلَّا إذا اختل نظام العالم، ورجّت الأرض رجًّا، وماجت الأمم بعضها في بعض، وخرج الكفار من قبورهم شاخصة أبصارهم، من الهول الذي هم فيه.
٩٨ - ثم بيّن سبحانه حال معبوداتهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: والأصنام التي تعبدونها، متجاوزين عبادة الله، وذلك (٢) بدلالة ما، فإنها لما لا يعقل، فخرج عزير وعيسى والملائكة ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: وقود جهنم، تحصبون فيها، وترمون فتكونون وقودها. وهو بفتح المهملتين، اسم لما يحصب؛ أي: يرمى في النار، فتهيج به، من حصبه إذا رماه بالحصباء، ولا يقال له: حصب إلّا وهو في النار، وأما قبل ذلك، فيقال له: حطب وشجر وخشب ونحو ذلك ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: واردون عليها، وداخلون فيها
стр. 7996
على طريق الخلود. والخطاب لهم، ولما يعبدون، تغليبا لهم. واللام في قوله: ﴿لَهَا﴾ للتقوية، لضعف عمل اسم الفاعل. وقيل: هي بمعنى ﴿عَلَى﴾، والمراد بالورود هنا الدخول.
والمعنى (١): إنكم أيها المشركون بالله، العابدون من دونه الأوثان والأصنام، وما تعبدون من دونه، من الآلهة وقود جهنم، وإنكم واردوها وداخلون فيها، ونحو الآية قوله: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
والحكمة في أن الآلهة تقرب بهم، وتدخل معهم في النار:
١ - أنهم كلما رأوهم، ازدادوا غمَّا وحسرةً؛ لأنهم ما وقعوا في العذاب إلّا بسببهم، وقد قالوا: "النظر إلى وجه العدو باب من أبواب العذاب".
٢ - أنهم قد كانوا في الدنيا، يظنون أنهم يشفعون لهم في الآخرة، ويدفعون عنهم العذاب، فإذا استبان لهم أن الأمر على عكس ما كانوا يظنون، لم يكن شيء أبغض إليهم منهم.
٣ - أن إلقاءهم في النار استهزاء بهم وبعبادتهم.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿حَصَبُ﴾ بالحاء والصاد المهملتين، وهو ما يحصب به؛ أي: يرمى به في نار جهنم. وقرأ ابن السميقع وابن أبي عبلة ومحبوب وأبو حاتم عن ابن كثير: بإسكان الصاد، ورويت عن ابن عباس، وهو مصدر، يراد به المفعول؛ أي: المحصوب. وقرأ ابن عباس: بالضاد المعجمة المفتوحة. وعنه إسكانها. وبذلك قرأ كثير عزة. والحصب ما يرمى به في النار. وقرأ أبيّ وعليّ وعائشة وابن الزبير وزيد بن علي ﴿حطب﴾ بالطاء.
٩٩ - ثم بيّن لهم بالدليل خطأ ما يعتقدون فقال: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: لو كانت هذه الأصنام ﴿آلِهَةً﴾ على الحقيقة، كما تزعمون أيها العابدون ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾؛ أي: ما وردت تلك الآلهة النار، ولا دخلوها، لكنه قد اتضح لكم
стр. 7997
على أتم وجهٍ أنهم وردوها إذ صاروا حطبها، فامتنع كونهم آلهة، أو: ما ورد العابدون والمعبودون النار. وقيل: ما ورد العابدون فقط. وفي هذا تبكيت لعباد الأصنام، وتوبيخ شديد لهم. وقرأ الجمهور: ﴿آلِهَةً﴾ بالنصب على أنه خبر ﴿كان﴾ وقرأ طلحة: بالرفع على أن في ﴿كَانَ﴾ ضمير الشأن. وقصارى ذلك أن الأصنام، إذا كانت لا تنفع نفسها، ولا تدفع الضر عنها، فهي أبعد من أن تدفع الضر عن غيرها، ومن جرّاء ذلك، فهي جديرة بالتحقير والإهانة، لا بالتعظيم والعبادة ﴿وَكُلٌّ﴾ من العابدين والمعبودين ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في النار ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون فيها أبدا، لا خلاص لهم منها.
١٠٠ - ثم بيّن أحوالهم فيها، فقال: ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء الذين وردوا النار ﴿فِيهَا﴾ أي: في النار ﴿زَفِيرٌ﴾ أي: أنين وتنفس شديد، متقطع، من شدة ما ينالهم من العذاب. والزفير: ترديد النفس حتى تنفخ الضلوع منه، وهو مع كونه، من أفعال العبدة، أضيف إلى الكل للتغليب ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: الذين دخلوا النار ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في النار ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: لا يسمع بعضهم، زفير بعض لعظم الهول، وفظاعة العذاب. وقيل (١): لا يسمعون شيئًا؛ لأنهم يحشرون صمَّا كما قال سبحانه، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، وإنما سلبوا السماع؛ لأن فيه بعض تروّح وتأنّس. وقيل: لا يسمعون ما يسرّهم، بل يسمعون ما يسوؤهم.
١٠١ - ثم لمّا بيّن سبحانه هؤلاء الأشقياء، شرع في بيان حال السعداء، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا﴾؛ أي: من جهتنا، وفي علمنا الخصلة ﴿الْحُسْنَى﴾ التي هي أحسن الخصال، وهي السعادة. وقيل: التوفيق، أو التبشير بالجنة، أو نفس الجنة. وهم كافة المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحة، أو سبقت لهم كلمتنا بالبشرى بالثواب على الطاعة ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالصفة المذكورة ﴿عَنْهَا﴾؛ أي: عن نار جهنم ﴿مُبْعَدُونَ﴾؛ لأنهم قد صاروا في الجنة،
стр. 7998
وشتّان بينها وبين النار؛ لأن الجنة في أعلى عليين، والنار في أسفل السافلين.
وقال بعضهم (١): ﴿أن﴾ هنا بمعنى إلّا؛ أي: إلّا الذين سبقت لهم منا الحسنى، يعني: السعادة والعدة الجميلة بالجنة. والمعنى: إن الذين سبق لهم التوفيق للطاعة، وأخبتوا لله، وأخلصوا له العمل لا يدخلون النار، ولا يقربونها ألبتة.
١٠٢ - ثم ذكر أوصافهم حينئذٍ فقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾؛ أي: لا يسمعون صوت حركة النار، الذي يسمع من شدة تحركها واضطرابها وتوهّجها. والحسيس (٢) صوت يحس به؛ أي: لا يسمعون صوتها سمعًا ضعيفًا، كما هو المعهود، عند كون المصوت بعيدًا وإن كان صوته في غاية الشدة، لا أنهم لا يسمعون صوتها الخفي في نفسه فقط، قال جعفر الصادق: كيف يسمعون حسيسها والنار تخمد لمطالعتهم، وتتلاشى برؤيتهم. وهذه الجملة (٣) بدل من ﴿مُبْعَدُونَ﴾، أو حال من ضميره، أو خبر ثان، وهي مذكورة للمبالغة في انقاذهم منها.
﴿وَهُمْ﴾؛ أي: هؤلاء الموصفون بالصفات المذكورة ﴿فِي مَا اشْتَهَتْ﴾ وتمنّت والتذّت ﴿أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾؛ أي: دائمون في غاية التنعم والاشتهاء، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس، وتلذ به الأعين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، والشهوة (٤): طلب النفس اللذة. وتقديم الظرف للقصر والاهتمام، وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك. والمعنى: أنهم في حبور دائم، ونعيم لا ينقطع
١٠٣ - ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾؛ أي: لا يخيفهم ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾؛ أي: هول النفخة الأخيرة في الصور، حين قيامهم من قبورهم للحساب، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، أو (٥) حين تغلق النار على أهلها، وييأسون من
стр. 7999
الخروج منها، أو حين يذبح الموت في صورة كبش أملح بين الجنة والنار، وينادي يا أهل النار، خلود بلا موت، فييأس أهل النار من الخروج منها، أو حين يؤمر بالكافر، بالذهاب إلى النار.
وهذا (١): بيان لنجاتهم من الأفزاع بالكلية، بعد بيان نجاتهم من النار، لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر الأفزاع، لا يحزنهم ما عداه بالضرورة. والفزع: انقباض ونفور، يعترى الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الفزع. ولا يقال: فزعت من الله، كما يقال: خفت منه. وقال بعضهم: الفزع الأكبر ذبح الموت بمرأى من الفريقين، وإطباق جهنم على أهلها؛ أي: وضع الطبق عليها بعدما أخرج منها من أخرج، فيفزع أهلها حينئذٍ فزعًا شديدًا، لم يفزعوا فزعًا أشد منه. وقال الراغب: الفزع الأكبر هو الفزع من دخول النار، اهـ.
وقرأ أبو جعفر وابن محيصن (٢): ﴿لا يُحزنهم﴾ بضم الياء وكسر الزاي من أحزن الرباعي لغة تميم. وقرأ الباقون ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾ بفتح الياء وضم الزاي؛ قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: وتستقبلهم الملائكة الحفظة، الذين كتبوا أعمالهم وأقوالهم على أبواب الجنة، بالبشرى، بالنجاة من العذاب، أو ملائكة الرحمة مهنّئين لهم، قائلين: ﴿هَذَا﴾ اليوم، وهذا الوقت هو ﴿يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا بمجيئه، وتبشرون بما لكم فيه من الثواب، كفاء إيمانكم بالله وطاعتكم له، وتزكية أنفسكم بصالح الأعمال باتباعكم أوامر ربكم، واجتنابكم نواهيه. وقصارى ذلك أنهم خلصوا من كل ما يكرهون، وفازوا بكل ما يحبون.
١٠٤ - والظرف في قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ منصوب بـ ﴿اذْكُرْ﴾ محذوفًا، وهو أولى وأوضح. والطي ضد النشر، وهو الجمع والدرج. والمراد، بالسماء: الجنس. والكاف في قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ صفة لمصدر محذوف. والسجل: القرطاس والصحيفة، فالطي حينئذٍ، مصدر مضاد لمفعوله، والفاعل
стр. 8000
محذوف. والكتاب إما مصدر بمعنى الكتابة، أو بمعنى المكتوب. واللام على معناها؛ أي: للتعليل. والمعنى: واذكر يا محمد، لأمتك هول يوم نطوي السماء، ونلقها طيًّا ولفًّا، كما يطوي الرجل السجل والقرطاس، ويلفه لأجل الكتابة فيه، في مبدأ شغل الكتابة، أو يلفه لحفظ ما كتب فيه من المعاني الكثيرة والأعمال المنتشرة، في نهاية شغل الكتابة. وقيل: السجل اسم ملك في السماء الثالثة، فإن هذا الملك يطوي كتب الأعمال، إذا رفعت إليه، وعلى هذا المعنى، فالطي: مصدر مضاف إلى فاعله، والكتاب، بمعنى: المكتوب، والمعنى على هذا، طيًّا كطي الملك، المسمى بالسجل، وجمعه صحائف الأعمال، إذا رفعت الحفظة أعمال العباد إليه، فاللام على هذا زائدة.
وقيل: الظرف متعلق بقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ والمعنى عليه: لا يحزنهم (١) الفزع الأكبر حين تطوي السماء وتزال، وتأتي سماء أخرى جديدة، وكواكب أخرى، كما يطوي الطومار والقرطاس على ما يكتب فيه لحفظه من الضياع والمحو. واللام على هذا بمعنى على.
والخلاصة: أنه لا يلحقهم الفزع حين تمحى رسوم السماء، وتذهب آثارها، وتخلق أرض جديدة وكواكب جديدة.
وقيل: الظرف متعلق بـ"نعيده" الآتي؛ أي: نعيده يوم نطوي السماء. وقيل: متعلق بقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿نَطْوِي﴾ بنون العظمة. وقرأ أبو جعفر وأبو العالية وابن أبي عبلة وفرقة ﴿تُطَوى﴾ بتاء مضمومة وواو مفتوحة ﴿السَّمَاءَ﴾ رفعًا وذلك بمحو رسومها، وتكدير نجومها، وتكوير شمسها. وقرأت (٣) فرقة: منهم مجاهد وشيبة بن نصّاح ﴿يَطوي﴾ بياء الغيبة، مبنيًا للفاعل على معنى: يطوي الله السماء.
стр. 8001
وقرأ الجمهور: ﴿السِّجِلِّ﴾ بكسر السين والجيم وتشديد اللام. وقرأ الحسن وأبو المتوكل وأبو الجوزاء ومحبوب عن أبي عمبرو ﴿السِّجْل﴾ بكسر السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام. وقال أبو عمرو: وقراءة أهل مكة مثل قراءة الحسن. وقرأ الأعمش وطلحة وأبو السماك ﴿السَّجْل﴾ بفتح السين وسكون الجيم وتخفيف اللام. وقرأ أبو هريرة وصاحبه وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ﴿السُّجُلّ﴾ بضمتين وتشديد اللام.
وقرأ الجمهور ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ﴿للكتاب﴾ بالإفراد. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿لِلْكُتُبِ﴾ بالجمع. وسكّن التاء الأعمش.
والكاف في قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ جارّة، وما مصدرية، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف. والمعنى: نعيد أول خلق إعادة مثل بدئنا له؛ أي: كما أبرزناه من العدم إلى الوجود نعيده من العدم إلى الوجود، وهذا لا ينافي الإعادة من عجيب الذنب. وخلق مصدر بمعنى الخلائق. فلذلك أفرده اهـ "سمين". ففي الآية تشبيه الإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء. قال الزمخشري: فإن قلت: ما أول الخلق حتى يعيده كما بدأه؟
قلت: أوله إيجاده من العدم. فكما أوجده أولًا من عدم، يعيده ثانيًا من عدم.
تنبيه (١): اختلفوا في كيفية الإعادة، فقيل: إن الله تعالى يفرّق أجزاء الأجسام، ولا يعدمها، ثم إنه يعيد تأليفها، فذلك هو الإعادة. وقيل: إنه تعالى يعدمها بالكلية، ثم إنه يوجدها بعينها مرة أخرى، وهذه الآية دالة على هذا الوجه؛ لأنه تعالى شبّه الإعادة بالابتداء، والابتداء، ليس عبارة عن تركيب الأجزاء المتفرقة، بل عن الوجود بعد العدم. فوجب أن تكون الإعادة كذلك.
واحتج الأولون بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، فدل هذا على أن السموات، حال كونها مطوية تكون موجودة، وبقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ
стр. 8002
الْأَرْضِ﴾، وهذا يدل على أن الأرض باقية، لكنها جعلت غير الأرض، اهـ كرخي.
والمعنى على الوجهين: أي (١) نعيد ما خلقناه أولًا إعادة مثل بدئنا إياه، في كونه إيجادًا بعد عدم، أو جمعًا للأجزاء المتبدّدة، فهو تشبيه للإعادة بالابتداء في تناول قدرة الله تعالى لهما، على السواء. وقيل (٢): معناه: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم. حفاة عراة غرلًا، كذلك نعيدهم يوم القيامة. روي عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "يحشر الناس يوم القيامة عراة. حفاة، غرلًا كما خلقوا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ متفق عليه. وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد.
وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ منصوب بـ ﴿وعدنا﴾ مقدرًا، وهو مؤكد لمضمون ما قبله؛ أي: وعدنا بالإعادة وعدًا حقًا علينا إنجازه، والوفاء به بسبب الإخبار عن ذلك، وتعلق العلم بوقوعه، وأن وقوع ما علم الله وقوعه واجب ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ما وعدنا لا محالة. قال العمادي: أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له. وقال الزجاج: معنى ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾: إنا كنا قادرين على ما نشاء، وهو البعث والإعادة، وهذه الجملة، ذكرت تأكيدًا لتحتم الخبر.
١٠٥ - ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾، أي: وعزتي وجلالي لقد كتبنا وأثبتنا في الكتب المنزلة من السماء، التوراة، والإنجيل والزبور والفرقان ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ما كتبناه في ﴿الذِّكْرِ﴾ وأثبتناه في اللوح المحفوظ ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾؛ أي: أن أرض الجنة ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات في الدنيا، من بعد بعثهم وإعادتهم في الآخرة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ وعلى هذا المعنى: فالمراد بالزبور جميع الكتب المنزلة من السماء التوراة والإنجيل والزبور والقرآن؛ لأن الزبور والكتاب بمعنى واحد، يقال: زبرت وكتبت، قاله
стр. 8003
الزجاج، ويؤيده ما قاله حمزة في الزبور بضم الزاي فإنه جمع زبر. وبالذكر اللوح المحفوظ. وبالأرض أرض الجنة. وبالصالحين عامة المؤمنين.
وقيل: المراد بالزبور كتاب داود، وبالذكر توراة موسى. وقيل: المراد بالزبور القرآن، وبالذكر التوراة والإنجيل. وقيل: المراد بالأرض: أرض الأمم الكافرة يرثها نبينا محمد ﷺ وأمته بفتحها. وقيل: المراد بها الأرض المقدسة. يرثها بنو إسرائيل بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾. والظاهر (١): أن هذا تبشير لأمة محمد ﷺ ، بوراثة أرض الكافرين، وإعزاز المسلمين، وإظهار الدين. وعليه أكثر المفسرين. وقرأ حمزة ﴿عبادي﴾ بتسكين الياء، وقرأ الباقون: بتحريكها.
وقيل معنى الآية: أي (٢) ولقد كتب الله عنده، وأثبت في قديم علمه الأزلي، الذي لا ينسى، ثم أثبت في الكتب السماوية من بعد ذلك، أن الأرض لا يعمرها من عباده إلّا من يصلح لعمارتها، من أي دين كان، وأي مذهب انتحل.
وصلاح الأمة، يقوم على أربعة أركان:
١ - أن يكون قادتها علماء مفكرين، وساستها حكماء عادلين، بعيدين عن الجور والظلم والمحاباة، يأخذون بيد المظلوم، وينصفونه من الظالم، ويعملون لخير الأمة وسعادتها، ويواصلون ليلهم بنهارهم في كل ما يرفع من شأنها، ويسمو بها على الأمم.
٢ - أن يكون لها جيش منظم، يحمي حريمها، ويدافع عنها، إذا جدّ الجدّ، وأدلهم الخطب، ولن يكون كذلك، إلّا إذا كان فيه المهندسون والمخترعون والقادة البارعون، ولديه من السلاح، وعداد الحرب، ما يكشف عنه العلم، من وسائل الدفاع من طائرات، وغوّاصات وسفن حربية، وآلات للهدم والتدمير، وجند حذقوا فنون الحرب، وبلوا أساليبها المختلفة.
стр. 8004
٣ - أن يقوم أبناء الحرف المختلفة، من تجّار وصنّاع وزرّاع، بأداء أعمالهم على الوجه المرضي، وكل طائفة منها تظاهر الطوائف الأخرى، وتعاونها لخير الجميع، وتقوم بما يجب نحوها، من المساعدة فيما يكفل نجاح الجميع.
٤ - أن تنظم هذه الطوائف أعمالها، بحيث تتوزع هذه المهن بين الأفراد، بحسب حاجة الأمة إليها، حتى لا تمد يدها إلى غيرها لمعونتا، ويكون في كل طائفة جماعة، مبرزون يفكرون فيما يرقى بشؤون الطائفة، بحيث تنافس أمثالها في الأمم الأخرى، أو تفوقها بما أوتيت، من حسن التدبير والتصرف.
وهذا (١): حكم أيّدته التجارب في سائر العصور، لدى جميع الدول، فما من أمة تهاونت في هذه الأمور، أو في شيء منها إلّا حكم عليها بالفناء والزوال، وتواريخ الفرس والروم والأمم الإسلامية والدولة التركية تدل على صدق ما نقول.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾.
١٠٦ - ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ المذكور في هذه السورة (٢)، من البراهين الدالة على التوحيد، وصحة النبوة والوعد والوعيد والمواعظ البالغة ﴿لَبَلَاغًا﴾ أي: لكفاية ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾؛ أي عاملين بعلومهم، مشغولين بعبادة الله، مهتمّين بها، لا يعبدون أحدًا من دون الله تعالى. وقيل: المعنى إن في هذا المقرآن المنزل عليك لبلاغًا؛ أي: لوصولا إلى البغية، يعني من اتبع القرآن، وعمل بما فيه وصل إلى ما يرجو من الثواب، وهم أمة محمد ﷺ ، أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان والحج. والمعنى: أن من اتبع القرآن، وعمل به كان القرآن بلاغه إلى الجنة. وقيل: المعنى ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾؛ أي (٣): إن فيما ذكر في هذه السورة، من أنظمة
стр. 8005
الدول، والتسلط على ألطف الأشياء كالهواء، وعلى أصلبها كالحديد، ومن الجمع بين حرب الأعداء والاستغراق في ذكر الله، وتسخير العمّال في المباني العظيمة، واستخراج ما في البحار، من أصناف اللآلي، وما في باطن الأرض، من مختلف المعادن، لكفاية لقوم يجمعون بين العلم والعمل، إذ يعلمون أن العلم شجرة ثمرتها العمل، فعلى المسلمين قاطبةً، أن يصدعوا بما أمروا به في هذا الكتاب، وأن يعرضوا عن الجاهلين بأمور دينهم، فالله محاسبهم على أعمالهم، كما يحاسبهم على قُدَرِهم الجسمية، وليعلموا أنه متى ذاعت هذه الآراء في الأمة، قامت كلها قومة رجل واحد، في تنظيم شؤونها، وتربية أبنائها، تربية تؤهلهم أن يكونوا قادة العالم الإنساني.
١٠٧ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد (١) بهذا القرآن وأمثاله من الشرائع والأحكام وغير ذلك، من الأمور التي هي مناط السعادة في الدارين، في حال من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ حال كونك ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قاطبةً في الدين والدنيا، فإن ما بعث به سبب لسعادة الدارين، ومنشأ لانتظام مصالحهم في النشأتين، ومن أعرض عنه واستكبر، فإنما وقع في المحنة من قبل نفسه فلا يُرحَم. فإن (٢) الناس كانوا في ضلالة وحيرة، فبعث الله تعالى سيدنا محمدًا ﷺ ، فبيَّن لهم سبيل الثواب، وأظهر الأحكام، وميَّز الحلال من الحرام، وإن كل نبي قبل نبينا، إذا كذَّبه قومه أهلكهم الله تعالى بالخسف والمسخ والغرق فالله تعالى أخّر عذاب من كذّبه إلى الموت، ورفع عذاب الاستئصال عنهم به ﷺ فجاء رحمةً في حق الكفار بسبب تأخير عقوبتهم. وقيل: المراد بالعالمين المؤمنون خاصة، والأول أولى بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾.
وفي "التأويلات النجمية": في سورة مريم بين قوله في حق عيسى ﵇: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ وبين قوله، في حق نبينا ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ فرق عظيم، وهو أنه في حق عيسى ذكر الرحمة مقيدة بحرف ﴿مِن﴾، و ﴿مِن﴾ للتبعض، فلهذا كان عيسى رحمة لمن آمن به، واتبع ما جاء به،
стр. 8006
إلى أن بعث نبينا محمد ﷺ ، ثم انقطعت الرحمة من أمته بنسخ دينه، وفي حق نبينا ﷺ ذكر الرحمة للعالمين مطلقًا، فلهذا لا ترفع الرحمة عن العالمين أبدًا، أما في الدنيا، فبأن لا ينسخ دينه، وأما في الآخرة، فبأن يكون الخلق محتاجين إلى شفاعته، حتى إبراهيم ﵇ فافهم جدًّا، انتهى.
١٠٨ - ثم بين سبحانه، أن أصل تلك الرحمة، هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي قومك ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ أي: ما يوحى إليّ في هذا القرآن شيء إلّا ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: إلّا كون إلهكم إلهًا منفردًا، لا شريك له في ذاته وصفاته وأفعاله.
وقال الشهاب: في هذه الآية قصران:
الأول: قصر الصفة على الموصوف.
والثاني: بالعكس، فالثاني قصر فيه الله على الوحدانية، والأول قصر فيه الوحي على الوحدانية، والمعنى: لا يوحي إليّ إلّا اختصاص الإله بالوحدانية. وأورد عليه أنه كيف يقصر الوحي على الوحدانية، وقد أوحي إليه أمور كثيرة غيرها؟
وأجيب: بأنه معنى قصره عليها، أنها الأصل الأصيل، والأساس المقصود من البعثة، فإن ما عداها متفرع عليها، غير منظور إليه في جنبها، فهو قصر ادعائي، ليس حقيقياً، إذا المقصود نفي ما يصفه المشركون ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يا أهل مكة؛ أي: منقادون لما يوحى إليّ من إخلاص الإلهية والتوحيد لله. والمراد بهذا الاستفهام الأمر، أي: أسلموا وأخلصوا عبادتكم لله تعالى.
والمعنى: أي قل يا محمد لمشركي قومك، ولمن بلغته الدعوة من غيرهم ما أوحى إليّ ربي، إلّا أنه لا إله إلّا هو، فلا تصلح العبادة لسواه، فانقادوا لأمره، وأذعنوا لطاعته، وابتعدوا عن عبادة الأوثان والأصنام، وتبرَّؤوا منها حتى تسلكوا سبيل النجاة، وتفوزوا بالسعادة
١٠٩ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: فإن أعرضوا عن اتباع ما أوحي إليك، ولم يسلموا ﴿فَقُلْ﴾ لهم ها أنا إذًا ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ وأعلمتكم، بأني حرب لكم، كما أنكم حرب لى، فأنا بريءٌ منكم، كما أنكم برآء منى، وأنتم كائنون ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ في هذا الإعلام، لا أخص أحدًا منكم دون أحد، وما
стр. 8007
فرقت بينكم في هذا النصح وتبليغ الرسالة. فالجار والمجرور حال من مفعول ﴿آذَنْتُكُمْ﴾؛ أي: كائنين على سواء في الإعلام به، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
وعبارة "البيضاوي" هنا (١): فقل: آذنتكم وأعلمتكم ما أمرت به، أو حربي لكم على سواءٍ؛ أي: مستوين في الإعلام به، أو مستوين أنا وأنتم في العلم، بما أعلمتكم به، أو في المعاداة، أو إيذانًا على سواء، وقيل: أعلمتم أني على سواء؛ أي: عدل واستقامة رأي بالبرهان النير انتهت.
﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ أي: ما أدري، وما أعلم ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾؛ أي: ما أعلم جواب أقريب ما توعدون به، من غلبة المسلمين وظهور الدين، أو الحشر مع كونه آتيًا لا محالة، أم بعيد هو، ولا جرم أن العذاب والذلة يلحقكم لا محالة، ولكن لا علم لى بقربه، ولا بعده؛ لأن الله لم يطلعني على ذلك.
و ﴿إِنْ﴾: نافية. و ﴿أَدْرِي﴾ معلّقة، والجمة الاستفهامية في موضع نصب بـ ﴿أَدْرِي﴾، وتأخر المستفهم عنه، لكونه فاصلة، إذ لو كان التركيب: أقريب ما توعدون أم بعيد، لم تكن فاصلة، وكثيرًا ما يرجح الحكم في الشيء، لكونه فاصلة آخر آية ذكره في "البحر".
ومعنى الآية: أي (٢) فإن أعرضوا عن توحيد المعبود، فقل لهم، يا محمد: إني أعلمتكم بأني محارب لكم، على إعلان، ولكن لا أدري متى يأذن لي ربي في محاربتكم، فتبين بهذا، أن السورة مكية، فإن الأمر بالجهاد كان بعد الهجرة.
وعن ابن عامر في رواية (٣) ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ بفتح الياء في الآيتين تشبيهًا بياء الإضافة لفظًا، وإن كانت لام الفعل لا تفتح إلّا بعامل. وأنكر ابن مجاهد هذه الياء، والمعنى: أنه تعالى لم يُعْلِمْني علمه، ولم يطلعني عليه، والله هو العالم، الذي لا يخفى عليه شيء.
стр. 8008
١١٠ - ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي (١): يعلم ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام، وتكذيب الآيات ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ وتخفونه من الحسد والعداوة للرسول ﷺ ، وللمسلمين، فيجازيكم عليه نقيرًا وقطميرًا. وتكرير العلم في معنى تكرير الوعد؛ أي: لا يغيب عن علمه شيء منكم، في علانيتكم وسركم. قال بعض الكبار: كيف يخفى على الحق من الخلق خافية، وهو الذي أودع الهياكل أوصافها، من الخير والشر، والنفع والضر، فما يكتمونه أظهر مما يبدونه، وما يبدونه مثل ما يكتمونه، جل الحق أن يخفى عليه خافية.
قال في "التأويلات النجمية": ﴿يعلم ما تجهرون﴾ من دعاوي الإسلام والإيمان والزهد والصلاح والمعارف ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ من الصدق والإخلاص والرياء والسمعة والنفاق
١١١ - ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾؛ أي: وما أدري ﴿لَعَلَّهُ﴾؛ أي: لعل تأخير العذاب الموعود عنكم ﴿فِتْنَةٌ﴾؛ أي: اختبار ﴿لَكُمْ﴾ ليرى كيف صنيعكم، وهو أعلم بكلم ﴿وَمَتَاعٌ﴾ أي: تمتيع لكم ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى حين انقضاء آجالكم تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة، ليكون ذلك حجة عليكم، وليقع الجزاء في وقت هو فيه حكمة.
و ﴿لعل﴾ (٢) معلّقة هنا أيضًا، ولكن لا أعلم أحدًا ذهب إلى أن ﴿لعل﴾ من أدوات التعليق، وإن كان ظاهرًا فيها كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ والمعنى: أي (٣): وما أدري سبب تأخير جزائكم، ولعل ذلك زيادة في افتتانكم وامتحانكم لينظر كيف تعملون، وإنه ليؤخركم إلى حين كي تتمتعوا بلذات الدنيا، مع إعراضكم عن الإيمان، فيكون في ذلك زيادة عذابكم؛ لأن المعرض عن الإيمان مع توالي الآيات، وتتابع البينات والنذر يكون عقابه
стр. 8009
أشد. وقيل: المعنى: وما أدري (١) لعل تأخير الجهاد استدراج وضرر لكم، وتمتيع لكم إلى انقضاء آجالكم.
١١٢ - ﴿قَالَ﴾ الرسول الكريم، ﷺ ، فهو حكاية لدعائه، ﷺ ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ بيني وبين هؤلاء المكذبين ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بما هو الحق عندك، ففوض الأمر إليه سبحانه؛ أي: احكم بيننا وبين أهل مكة بالعدل المستلزم لتعجيل العذاب، وقد استجيب دعاؤه ﷺ ، حيث عذبوا في بدر وأُحد والخندق وحنين ﴿وَرَبُّنَا﴾ مبتدأ، خبره قوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: كثير الرحمة لعباده، وهي وإن كانت بمعنى الأنعام فمن صفات الفعل، وإن أريد بها إرادة إيصال الخير، فمن صفات الذات ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ خبر آخر؛ أي: المطلوب منه المعونة ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾؛ أي: على ما تقولون من أن الشوكة، تكون لهم، وإن راية الإسلام تخفق أياماً، ثم تركد وتسكن، فكذّب الله ظنونهم، وخذلهم ونصر رسوله ﷺ ، والمؤمنين. ومعنى الآية؛ أي (٢): قال الرسول ﷺ : رب افصل بيني وبين من كذبني من مشركي قومي، وكفر بك وعبد غيرك بإحلال عذابك، ونقمتك به بالعدل، الذي يقتضي تعجيل العذاب به وتشديده عليه.
وخلاصة ذلك: رب عجّل بعذابهم، وقد أجاب الله دعاءه، وأنزل بهم العذاب الأليم يوم بدر. قال قتادة: كان الأنبياء يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ فأمر رسوله أن يقول ذلك، ﴿وربنا المستعان على ما تصفون﴾، من الشرك والكفر والكذب والأباطيل من قولكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، وقولكم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. ومن قولكم: ﴿إن الشوكة تكون لكم﴾ وقولكم: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾.
وخلاصة ذلك: أنه طلب من ربه، أن يحكم بما يظهر الحق للجميع، وأمره ربه أن يتوعد الكفار بقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. وقد كثر استعمال "الوصف" في الكتاب الكريم بمعنى الكذب كقوله: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا
стр. 8010
تَصِفُونَ﴾، وقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿قُل رَّبِّ﴾ بصيغة الأمر، وبكسر الباء. وقرأ حفص ﴿قَالَ﴾ بصيغة الماضي. وقرأ أبو جعفر ﴿رَبِّ﴾ بضم الباء، وهو من اللغات الجائزة في "يا غلامي"، وهي أن تبنيه على الضم، وأنت تنوي الإضافة، لما قطعته عن الإضافة، وأنت تريدها بنيته، فمعنى ﴿رَبِّ﴾ يا ربي. وقرأ الجمهور: ﴿احْكُمْ﴾ على الأمر من حكم. وقرأ ابن عباس وعكرمة والجحدري وابن محيصن: ﴿ربي﴾ بإسكان الياء ﴿احكم﴾ جعله أفعل التفضيل، ﴿فربي احكم﴾ مبتدأ وخبر. وروي زيد عن يعقوب ﴿ربي﴾ بفتح الياء. وقرأت فرقة: ﴿أحكم﴾ فعلًا ماضيًا. وقرأ الجمهور: ﴿تَصِفُونَ﴾ بتاء الخطاب. وروي أن النبي ﷺ قرأ على أبيّ ﴿على ما يصفون﴾ بياء الغيبة، ورويت عن ابن عامر وعاصم.
وفي الآية: إشارة إلى أنه، لا يطلب من الله تعالى، ولا يطمع في حق المطيع والعاصي، إلّا ما هو مستحقه، وقد جرى حكم الله فيهما في الأزل، وإن رحمته غير متناهية، وإن كانت أنواعها مئة، على ما قال النبي ﷺ : "إن لله مئة رحمة"، فعلى العاقل أن لا يغتر بطول العمر وكثرة الأموال والأولاد، فإن الاغترار بذلك من صفات الكفرة، ومن كلمات أمير المؤمنين علي ﵁ قال: "مَنْ وسَّع الله عليه دنياه، فلم يعلم أنه قد يمكر به فهو مخدوع عن عقله".
الإعراب
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾.
﴿وَأَيُّوبَ﴾: الواو: عاطفة. ﴿أيوب﴾: مفعول به لفعل محذوف تقديره: واذكر أيوب، ولكنه على حذف مضاف تقديره: واذكر خبر أيوب، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وإبراهيم﴾. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من
стр. 8011
الزمان. ﴿نَادَى﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على أيوب. ﴿رَبَّهُ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، والظرف بدل من المضاف المقدر في أيوب على كونه معمولًا لمحذوف تقديره: واذكر خبر أيوب حين نادى ربه. ﴿أَنِّي﴾ ناصب واسمه. ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن، وجملة أن ومعموليها في محل الجر بحرف جر محذوف تقديره: بأني مسني الضر. ﴿وَأَنْتَ﴾ الواو حالية. ﴿أنت أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل فعل محذوف، تقديره: فارحمني وأنت أرحم الراحمين. أو حال من ﴿رَبَّهُ﴾ على طريق الالتفات.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿استجبنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَادَى﴾. ﴿لَهُ﴾ متعلق به. ﴿فَكَشَفْنَا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿كشفنا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿استجبنا﴾. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿كشفنا﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿مِنْ ضُرٍّ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على ﴿كشفنا﴾. ﴿أَهْلَهُ﴾ مفعول ثان لـ ﴿آتينا﴾؛ لأنه بمعنى أعطينا. ﴿وَمِثْلَهُمْ﴾ معطوف على ﴿أَهْلَهُ﴾، أو مفعول معه. ﴿مَعَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من ﴿مثلهم﴾؛ لأنه تخصص بالإضافة وإن لم يعرف؛ أي: كائنين معهم. ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول من أجله، منصوب بـ ﴿آتينا﴾. ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ جار ومجرور مضاف إليه، صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، ويجوز أن يكون مصدرًا لفعل محذوف تقديره: رحمناه رحمة. ﴿وَذِكْرَى﴾ معطوف على ﴿رَحْمَةً﴾. ﴿لِلْعَابِدِينَ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿ذكرى﴾؛ أي: تذكرة لهم. فيصبروا ويثابوا كما صبر أيوب وأثيب.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا
стр. 8012
إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾.
﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾: منصوب بـ ﴿اذكر﴾ محذوفًا، والجملة معطوفة على جملة واذكر إبراهيم، ويجوز أن يعطف نسقًا على من تقدم من الأنبياء. ﴿وَإِدْرِيسَ﴾ معطوف على ﴿إسماعيل﴾. ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ معطوف عليه أيضًا، منصوب بالألف ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾: مبتدأ وخبر، وسوّغ الابتداء بالنكرة الإضافة المقدّرة، أو العموم، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول. ﴿فِي رَحْمَتِنَا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أدخلنا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة تقديرها: فأعطيناهم ثواب الصابرين وأدخلناهم. ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ جار ومجرور خبره، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾.
﴿وَذَا النُّونِ﴾: منصوب بـ ﴿اذكر﴾: محذوفًا، ولكنه على تقدير مضاف، أي: واذكر خبر ذي النون، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة: واذكر إبراهيم. ﴿إِذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان. ﴿ذَّهَبَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ذي النون. ﴿مُغَاضِبًا﴾ حال من فاعل ذهب، والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذ﴾، والظرف بدل من المضاف المقدر؛ أي: واذكر خبر ذي النون حين ذهب مغاضباً. ﴿فَظَنَّ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿ظن﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ذي النون، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ذهب. ﴿أَنْ﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن. ﴿لَنْ﴾ حرف نفي ونصب. ﴿نَقْدِرَ﴾ منصوب بـ ﴿لَنْ﴾، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿نَقْدِرَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في تأويل مصدر، سادّ مسدّ مفعولي ﴿ظن﴾، تقديره: فظن عدم قدرتنا عليه. ﴿فَنَادَى﴾ الفاء: عاطفة ﴿نادى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ذي النون. ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾: جار ومجرور حال من فاعل نادى، والجملة الفعلية
стр. 8013
معطوفة على محذوف، تقديره: فهرب من قومه، فركب السفينة، فوقفت، فاقترعوا، فرموه، فالتقمه الحوت، فنادى في الظلمات، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة فظن. ﴿أَن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: أنه. ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل ان. ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر لا محذوف جوازًا تقديره: موجود. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير رفع منفصل، في محل الرفع بدل من الضمير المستكن، في خبر ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع، خبر ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿أَن﴾ المخففة في محل الجر بحرف جر محذوف: تقديره: بأنه لا إله إلا أنت، ويجوز أن تكون ﴿أَن﴾ مفسرة؛ لأن النداء فيه، معنى القول دون حروفه، ﴿سُبْحَانَكَ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: أسبحك سبحاناً، والجملة المحذوفة حال من ضمير أنت؛ أي: حالة كونك منزهًا، عن كل ما لا يليق بك. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنْتُ﴾. فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: خبره، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾، وجملة ﴿أَن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل فعل محذوف، تقديره: فارحمني؛ لأني كنت من الظالمين.
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿استجبنا﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿نادى﴾. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنَ الْغَمِّ﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿استجبنا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ الواو استئنافية. ﴿كذلك﴾ جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير مستتر، يعود على الله والتقدير: وننجي المؤمنين قاطبة من كربهم، إنجاء مثل إنجائنا يونس من غمه، والجملة الفعلية مستأنفة.
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾
﴿وَزَكَرِيَّا﴾: منصوب بفعل محذوف تقديره: واذكر زكريا، ولكنه على
стр. 8014
تقدير مضاف تقديره: واذكر خبر زكريا، كما مرّ مرارًا، والجملة معطوفة على الجمل التي قبلها. ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، بدل من المضاف المقدر؛ أي: واذكر خبر زكريا حين نادى ربه. ﴿نَادَى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿زكريا﴾. ﴿رَبَّهُ﴾ مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء للتخفيف، وجملة النداء في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من فاعل نادى؛ أي: حالة كونه قائلًا: رب لا تذرني فردًا، ﴿لا﴾ دعائية. ﴿تَذَرْنِي﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الدعائية، وعلامة جزمه سكون آخره، وفاعله ضمير يعود على الرب. والنون للوقاية، والياء مفعول به. ﴿فَرْدًا﴾ حال من ياء المتكلم؛ أي: حالة كونه منفردًا عن وارث، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لذلك القول المحذوف، على كونها جواب النداء. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فارزقني وارثًا وأنت خير الوارثين. ﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿استجبنا﴾ فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة نادى. ﴿وَوَهَبْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿استجبنا﴾. ﴿لَهُ﴾ متعلق به. ﴿يَحْيَى﴾ مفعول به. ﴿وَأَصْلَحْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على استجبنا. ﴿لَهُ﴾ متعلق به. ﴿زَوْجَهُ﴾ مفعول به، والمراد بإصلاحها جعلها صالحة للولادة بعد عقرها وعقمها، والعُقْمُ انسداد الرحم عن الولادة كما في "المختار". ﴿إِنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يُسَارِعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾: متعلق به، وجملة ﴿يُسَارِعُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الإصلاح. ﴿وَيَدْعُونَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يُسَارِعُونَ﴾. ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾: مصدران منصوبان على الحالية، من فاعل يدعون، ولكن بعد تأويله بمشتق تقديره: حالة كونهم راغبين في الثواب، وراهبين من العقاب، أو منصوبان على المفعول من أجله، أو على المصدرية لفعل محذوف تقديره: يرغبون رغبًا في الثواب، ويرهبون رهبًا من العقاب. ﴿وَكَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿لَنَا﴾ متعلق بـ ﴿خَاشِعِينَ﴾. و ﴿خَاشِعِينَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كانوا﴾ معطوفة على
стр. 8015
جملة كانوا الأولى.
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾.
﴿وَالَّتِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿التي﴾ اسم موصول في محل النصب. بفعل محذوف تقديره: واذكر قصة مريم التي أحصنت، والجملة المحذوفة معطوفة على الجمل المذكورة قبلها. ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿فَنَفَخْنَا﴾ الفاء: عاطفة. ﴿نفخنا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهَا﴾ متعلق به، والجملة معطوفة على جملة أحصنت. ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: متعلق بـ ﴿نفخنا﴾: أيضًا، ولك أن تعرب التي مبتدأ، والخبر محذوف؛ أي: فيما يتلى عليهم. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿وَابْنَهَا﴾ معطوف على الهاء، أو مفعول معه. ﴿آيَةً﴾ مفعول ثان، وإنما لم يطابق المفعول الأول فَيُثَنّى؛ لأن كلًّا من مريم وابنها آية بانضمامه للآخر، فصارا آية واحدة، أو يقال: إنه حذف من أحدهما لدلالة الثاني عليه؛ أي: وجعلنا مريم آية، وابنها آية، أو بالعكس. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ جار ومجرور صفة لآية. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ ناصب واسمه وخبره. ﴿أُمَّةً﴾ حال لازمة من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾: وقيل: بدل من ﴿هَذِهِ﴾، وقد فصل بين البدل والمبدل منه بالخبر، نحو: إن زيدًا قائم أخاك. و ﴿وَاحِدَةً﴾ صفة لازمة ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم أنا ربكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول: ﴿اعبدون﴾ ﴿اعبدوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها، بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَتَقَطَّعُوا﴾ الواو: عاطفة على محذوف تقديره: فأعرضوا عن العبادة، وتقطعوا أمرهم. ﴿تقطعوا﴾: فعل ماض وفاعل.
стр. 8016
﴿أَمْرَهُمْ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة علي تلك المحذوفة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تقطعوا﴾. ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ. ﴿إِلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿رَاجِعُونَ﴾. و ﴿رَاجِعُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾.
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿يَعْمَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بلم على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿مِنَ﴾ زائدة. ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ مفعول به، أو من تبعيضية بمعنى بعض في محل النصب مفعول به، أو الجار والمجرور صفة لمفعول به محذوف تقديره: عملا كائنًا من الصالحات. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾. ﴿فَلَا كُفْرَانَ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية. ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل ﴿إن﴾. ﴿كُفْرَانَ﴾ في محل النصب اسمها. ﴿لِسَعْيِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُفْرَانَ﴾، والخبر محذوف تقديره: فلا كفران لسعيه موجود، أو هو خبر لا، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿مِنَ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة من الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنَّا﴾ الواو: استئنافية، أو حالية. ﴿إنا﴾ ناصب واسمها. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿كَاتِبُونَ﴾. و ﴿كَاتِبُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، والجملة مستأنفة، أو حال عامله محذوف دل عليه السياق، تقديره: فلا نكفر لسعيه حالة كوننا كاتبين له.
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾.
﴿وَحَرَامٌ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة. ﴿حرام﴾: خبر مقدم. ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا﴾ نافية، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ المفتوحة في تأويل مصدر، مرفوع على كونه مبتدأ مؤخرًا، والتقدير: وعدم رجوع قرية أهلكناها إلينا
стр. 8017
للمجازاة حرام ممتنع في علمنا؛ لأنه لا بد من رجوعهم إلينا ومجازاتهم على أعمالهم السيئة.
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء وغاية لمحذوف تقديره: ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا فتحت. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿وَمَأْجُوجُ﴾ معطوف على ﴿يَأْجُوجُ﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَنْسِلُونَ﴾، وجملة ﴿يَنْسِلُونَ﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فُتِحَتْ﴾. ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ ﴿الْوَعْدُ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ الفاء: رابطة لجواب إذا وجوبًا. ﴿إذا﴾ فجائية مؤكدة للفاء الرابطة. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿شَاخِصَةٌ﴾ خبره، ﴿أَبْصَارُ﴾ فاعل ﴿شَاخِصَةٌ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿أَبْصَارُ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والجملة الاسمية جواب إذا، لا محل لا من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة، وقعت غاية لمحذوف، كما قدّرنا سابقًا. ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء مقول لقول محذوف، تقديره: قائلين: يا ويلنا. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾. ﴿مِنْ هَذَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿غَفْلَةٍ﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقول للقول المحذوف، على كونها جواب النداء. ﴿بَلْ﴾ حرف اضراب. ﴿كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل النصب، مقول لذلك القول المحذوف.
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾.
стр. 8018
﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿وَمَا﴾ اسم موصول في محل النصب معطوف على الكاف. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ما الموصولة، أو من العائد المحذوف. ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ خبر ﴿إنّ﴾ ومضاف إليه، مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث المعنوي، أو للعلمية والعجمة، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿وَارِدُونَ﴾. ﴿وَارِدُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو بدل من ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، أو حال من ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ لأن حصب جزء من جهنم.
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾.
﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿وَرَدُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَكُلٌّ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. و ﴿خَالِدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿وَرَدُوهَا﴾. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور حال من ضمير لهم. ﴿زَفِيرٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والتقدير: زفير كائن لهم، حالة كونهم مستقرين فيها، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَسْمَعُونَ﴾. ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ضمير لهم، أو معطوفة على جملة لهم فيها زفير.
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿سَبَقَتْ﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به. ﴿مِنَّا﴾ جار ومجرور حال من الحسنى. ﴿الْحُسْنَى﴾. فاعل، والجملة صلة
стр. 8019
الموصول. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿عَنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿مُبْعَدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿حَسِيسَهَا﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر ثان ﴿أُولَئِكَ﴾، أو بدل من ﴿مُبْعَدُونَ﴾، أو في محل النصب، حال من ضمير ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: حالية، أو استئنافية. ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿فِي مَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾. فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: فيما اشتهته أنفسهم. ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب حال، من الضمير المستكن في ﴿مُبْعَدُونَ﴾، أو من فاعل ﴿يَسْمَعُونَ﴾.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿الْأَكْبَرُ﴾: صفة لـ ﴿فزع﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿أن﴾، أو في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾. ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لقول محذوف. وقع حالًا من الملائكة، والتقدير؛ وتتلقاهم الملائكة حالة كون الملائكة قائلين: هذا يومكم ﴿الَّذِي﴾: صفة ليومكم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تُوعَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: توعدونه.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يوم نطوي السماء، أو متعلق بقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾، أو بقوله: ﴿تتلقاهم﴾. ﴿نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر
стр. 8020
مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿كَطَيِّ﴾ جار ومجرور صفة، لمصدر محذوف تقديره: طيا كائنًا كطي السجل. ﴿طي﴾ مضاف. ﴿السِّجِلِّ﴾ مضاف إليه، وهو مصدر مضاف للمفعول؛ أي: كما يطوي الرجل صحيفته ليكتب فيها. ﴿لِلْكُتُبِ﴾ جار ومجرور متعلق بطي، فهي لتقوية التعدية. ﴿كَمَا بَدَأْنَا﴾ الكاف حرف جر وتشبيه ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿بَدَأْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾: مفعول ﴿بَدَأْنَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، مجرور بالكاف، والجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، تقديره: نعيد أول خلق إعادة، مثل بدئنا إياه. ﴿نُعِيدُهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿وَعْدًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف تقديره: وعدنا تلك الإعادة وعدًا حقًّا. ﴿عَلَيْنَا﴾. صفة لـ ﴿وعد﴾، أو متعلق به، والجملة المحذوفة مؤكدة لمضمون ما قبلها. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. واختار العمادي، كون جملة ﴿إنّ﴾ حالًا من فاعل ﴿وعدنا﴾ المقدر، تقديره: ﴿وعدنا﴾ ذلك، حالة كوننا، محققين ذلك الوعد.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كَتَبْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الزَّبُورِ﴾ متعلق به. ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ﴿الزَّبُورِ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ ناصب واسمه. ﴿يَرِثُهَا﴾ فعل ومفعول. ﴿عِبَادِيَ﴾ فاعل ومضاف إليه. ﴿الصَّالِحُونَ﴾ صفة لـ ﴿عِبَادِيَ﴾، وجملة ﴿يَرِثُهَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر، منصوب على المفعولية لـ ﴿كَتَبْنَا﴾، والتقدير: ولقد كتبنا في الزبور وراثة الصالحين الأرض.