﴿أَمْرَهُمْ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة علي تلك المحذوفة. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تقطعوا﴾. ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ. ﴿إِلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿رَاجِعُونَ﴾. و ﴿رَاجِعُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة.
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾.
﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله. ﴿يَعْمَلْ﴾: فعل مضارع مجزوم بلم على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿مِنَ﴾ زائدة. ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ مفعول به، أو من تبعيضية بمعنى بعض في محل النصب مفعول به، أو الجار والمجرور صفة لمفعول به محذوف تقديره: عملا كائنًا من الصالحات. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يَعْمَلْ﴾. ﴿فَلَا كُفْرَانَ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية. ﴿لا﴾ نافية تعمل عمل ﴿إن﴾. ﴿كُفْرَانَ﴾ في محل النصب اسمها. ﴿لِسَعْيِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كُفْرَانَ﴾، والخبر محذوف تقديره: فلا كفران لسعيه موجود، أو هو خبر لا، وجملة ﴿لا﴾ في محل الجزم بـ ﴿مِنَ﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة من الشرطية مستأنفة. ﴿وَإِنَّا﴾ الواو: استئنافية، أو حالية. ﴿إنا﴾ ناصب واسمها. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿كَاتِبُونَ﴾. و ﴿كَاتِبُونَ﴾ خبر ﴿إن﴾، والجملة مستأنفة، أو حال عامله محذوف دل عليه السياق، تقديره: فلا نكفر لسعيه حالة كوننا كاتبين له.
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾.
﴿وَحَرَامٌ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة. ﴿حرام﴾: خبر مقدم. ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق به. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا﴾ نافية، وجملة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أنّ﴾ المفتوحة في تأويل مصدر، مرفوع على كونه مبتدأ مؤخرًا، والتقدير: وعدم رجوع قرية أهلكناها إلينا
стр. 8017
للمجازاة حرام ممتنع في علمنا؛ لأنه لا بد من رجوعهم إلينا ومجازاتهم على أعمالهم السيئة.
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء وغاية لمحذوف تقديره: ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا فتحت. ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿وَمَأْجُوجُ﴾ معطوف على ﴿يَأْجُوجُ﴾، والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَنْسِلُونَ﴾، وجملة ﴿يَنْسِلُونَ﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ﴿يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾. ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فُتِحَتْ﴾. ﴿الْحَقُّ﴾ صفة لـ ﴿الْوَعْدُ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ الفاء: رابطة لجواب إذا وجوبًا. ﴿إذا﴾ فجائية مؤكدة للفاء الرابطة. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿شَاخِصَةٌ﴾ خبره، ﴿أَبْصَارُ﴾ فاعل ﴿شَاخِصَةٌ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿أَبْصَارُ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والجملة الاسمية جواب إذا، لا محل لا من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة، وقعت غاية لمحذوف، كما قدّرنا سابقًا. ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء مقول لقول محذوف، تقديره: قائلين: يا ويلنا. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كان﴾. ﴿مِنْ هَذَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿غَفْلَةٍ﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقول للقول المحذوف، على كونها جواب النداء. ﴿بَلْ﴾ حرف اضراب. ﴿كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة في محل النصب، مقول لذلك القول المحذوف.
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾.
стр. 8018
﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿وَمَا﴾ اسم موصول في محل النصب معطوف على الكاف. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: وما تعبدونه. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ما الموصولة، أو من العائد المحذوف. ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ خبر ﴿إنّ﴾ ومضاف إليه، مجرور بالفتحة للعلمية والتأنيث المعنوي، أو للعلمية والعجمة، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة ﴿أَنْتُمْ﴾ مبتدأ ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿وَارِدُونَ﴾. ﴿وَارِدُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو بدل من ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، أو حال من ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ لأن حصب جزء من جهنم.
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾.
﴿لَوْ﴾: حرف شرط. ﴿كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿وَرَدُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَكُلٌّ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. و ﴿خَالِدُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿وَرَدُوهَا﴾. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور حال من ضمير لهم. ﴿زَفِيرٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والتقدير: زفير كائن لهم، حالة كونهم مستقرين فيها، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَسْمَعُونَ﴾. ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ضمير لهم، أو معطوفة على جملة لهم فيها زفير.
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿سَبَقَتْ﴾ فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾ متعلق به. ﴿مِنَّا﴾ جار ومجرور حال من الحسنى. ﴿الْحُسْنَى﴾. فاعل، والجملة صلة
стр. 8019
الموصول. ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. ﴿عَنْهَا﴾ متعلق بـ ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿مُبْعَدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿حَسِيسَهَا﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل الرفع، خبر ثان ﴿أُولَئِكَ﴾، أو بدل من ﴿مُبْعَدُونَ﴾، أو في محل النصب، حال من ضمير ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: حالية، أو استئنافية. ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿فِي مَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾. فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: فيما اشتهته أنفسهم. ﴿خَالِدُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو في محل النصب حال، من الضمير المستكن في ﴿مُبْعَدُونَ﴾، أو من فاعل ﴿يَسْمَعُونَ﴾.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾: فعل ومفعول وفاعل ﴿الْأَكْبَرُ﴾: صفة لـ ﴿فزع﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿أن﴾، أو في محل النصب حال من الضمير المستكن في ﴿مُبْعَدُونَ﴾. ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾. ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لقول محذوف. وقع حالًا من الملائكة، والتقدير؛ وتتلقاهم الملائكة حالة كون الملائكة قائلين: هذا يومكم ﴿الَّذِي﴾: صفة ليومكم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تُوعَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: توعدونه.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يوم نطوي السماء، أو متعلق بقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾، أو بقوله: ﴿تتلقاهم﴾. ﴿نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل الجر
стр. 8020
مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿كَطَيِّ﴾ جار ومجرور صفة، لمصدر محذوف تقديره: طيا كائنًا كطي السجل. ﴿طي﴾ مضاف. ﴿السِّجِلِّ﴾ مضاف إليه، وهو مصدر مضاف للمفعول؛ أي: كما يطوي الرجل صحيفته ليكتب فيها. ﴿لِلْكُتُبِ﴾ جار ومجرور متعلق بطي، فهي لتقوية التعدية. ﴿كَمَا بَدَأْنَا﴾ الكاف حرف جر وتشبيه ﴿ما﴾ مصدرية. ﴿بَدَأْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾: مفعول ﴿بَدَأْنَا﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، مجرور بالكاف، والجار والمجرور نعت لمصدر محذوف، تقديره: نعيد أول خلق إعادة، مثل بدئنا إياه. ﴿نُعِيدُهُ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿وَعْدًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف تقديره: وعدنا تلك الإعادة وعدًا حقًّا. ﴿عَلَيْنَا﴾. صفة لـ ﴿وعد﴾، أو متعلق به، والجملة المحذوفة مؤكدة لمضمون ما قبلها. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. واختار العمادي، كون جملة ﴿إنّ﴾ حالًا من فاعل ﴿وعدنا﴾ المقدر، تقديره: ﴿وعدنا﴾ ذلك، حالة كوننا، محققين ذلك الوعد.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كَتَبْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي الزَّبُورِ﴾ متعلق به. ﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، حال من ﴿الزَّبُورِ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ ناصب واسمه. ﴿يَرِثُهَا﴾ فعل ومفعول. ﴿عِبَادِيَ﴾ فاعل ومضاف إليه. ﴿الصَّالِحُونَ﴾ صفة لـ ﴿عِبَادِيَ﴾، وجملة ﴿يَرِثُهَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر، منصوب على المفعولية لـ ﴿كَتَبْنَا﴾، والتقدير: ولقد كتبنا في الزبور وراثة الصالحين الأرض.
стр. 8021
﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي هَذَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿لَبَلَاغًا﴾ اللام: حرف ابتداء. ﴿بلاغا﴾ اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر. ﴿لِقَوْمٍ﴾ جار ومجرور صفة ﴿لَبَلَاغًا﴾. ﴿عَابِدِينَ﴾ صفة ﴿قوم﴾، والتقدير: إن بلاغًا لقوم عابدين، لكائن في هذا، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿ما﴾ نافية ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿رَحْمَةً﴾ مفعول لأجله، أو حال مبالغةً في أن جعله نفس الرحمة، أو على حذف مضاف؛ أي: ذا رحمة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ صفة لـ ﴿رَحْمَةً﴾، أو يتعلق بنفس الرحمة.
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿إِلَيَّ﴾ متعلقان به ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب وتوكيد ومصدر، ولكن بطل عملها، لدخول ما الكافة عليها. ﴿ما﴾: كافة لكفها ما قبلها عن العمل فيما بعدها. ﴿إِلَهُكُمْ﴾ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَهٌ﴾: خبر. ﴿وَاحِدٌ﴾ صفة لـ ﴿إِلَهٌ﴾. وجملة ﴿أن﴾ وما في حيّزها. من المبتدأ والخبر، في تأويل مصدر مرفوع، على كونه نائب فاعل لـ ﴿يُوحَى﴾، والتقدير: قل لهم يا محمد، ما يوحى إليّ إلّا كون إلهكم إلهًا واحدًا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول قل. ﴿فَهَلْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم من التوحيد، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم، فأقول لكم هل أنتم مسلمون؛ أي: أسلموا. ﴿هل﴾: حرف استفهام بمعنى الأمر. ﴿أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾.
стр. 8022
﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿تَوَلَّوْا﴾ فعل ماض وفاعل في محل الجزم بأن الشرطية، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَقُلْ﴾ الفاء، رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جواب شرط لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ﴾ مقول محكي. وإن شئت قلت: ﴿آذَنْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول، والثانى: محذوف تقديره: بالعذاب، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾. ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ جار ومجرور حال من مفعول ﴿آذَنْتُكُمْ﴾؛ أي: حالة كونكم على سواء في الإعلام به، لم أطوه عن أحد منكم، وما فرّقت بينكم في النصح وتبليغ الرسالة؛ أي: مستوين في علمه. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: حالية. ﴿إن﴾: نافية. ﴿أَدْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿أَقَرِيبٌ﴾: الهمزة للاستفهام، الذي هو لطلب التعيين. ﴿قريب﴾ خبر مقدم. ﴿أَمْ﴾ حرف عطف. ﴿بَعِيدٌ﴾ معطوف على قريب. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر. ﴿تُوعَدُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما توعدونه، والجملة الاسمية في محل النصب، سادّة مسدّ مفعولي أدري؛ لأنها معلقة عنها بهمزة الاستفهام، وجملة ﴿أَدْرِي﴾ في محل النصب، حال من فاعل ﴿آذَنْتُكُمْ﴾.
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾.
﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾: جار ومجرور. حال من الجهر، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قل﴾. ﴿وَيَعْلَمُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يعلم﴾ في محل الرفع معطوفة على ﴿يعلم﴾ الأولى، وجملة ﴿تَكْتُمُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: تكتمونه.
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾.
стр. 8023
﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾ نافية ﴿أَدْرِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، وجملة ﴿أَدْرِي﴾ في محل النصب معطوفة على ﴿أَدْرِي﴾ الأولى. ﴿لَعَلَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿فِتْنَةٌ﴾ خبره. ﴿لَكُمْ﴾ صفة لفتنة. ﴿وَمَتَاعٌ﴾ معطوف على فتنة. ﴿إِلَى حِينٍ﴾ صفة لـ ﴿متاع﴾، أو متعلق به؛ لأنه بمعنى تمتيع، وجملة ﴿لعل﴾ في محل نصب بـ ﴿أَدْرِي﴾. والكوفيون يجرون الترجي، مجرى الاستفهام، في التعليق عن العمل، ولكن النحاة، لم يذكروا ﴿لعل﴾ من المعلقات، ولكنها وردت كثيرًا في القرآن، كقوله في هذه الآية، وكقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾. وقيل: إن قوله ﴿وَمَتَاعٌ﴾ ليس داخلاً في حيز الترجي؛ لأنه محقق، فلا يصح عطفه على فتنة؛ لأنه حيث كان معطوفًا على خبرها، كان معمولًا لها، وداخلًا في حيّزها، وفي نطاق الترجي الذي تدل عليه، فالأولى إذن أن يقال: إن قوله: ﴿وَمَتَاعٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: وهذا متاع إلى حين؛ أي؛ وتأخير عذابكم متاع لكم، وتكون الجملة مستأنفة، وليس هذا ببعيد، فليتأمل.
﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، أو ﴿قل﴾ فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بالكسرة، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿احْكُمْ﴾ فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَرَبُّنَا﴾ الواو استئنافية. ﴿ربنا﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبر أول. ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾ خبر ثان، ويجوز أن يكون الرحمن صفة لـ ﴿ربنا﴾، والمستعان خبر المبتدأ؛ لأنه المحدّث به، والجملة الاسمية مستأنفة على كونها مقول القول. ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿الْمُسْتَعَانُ﴾، وجملة ﴿تَصِفُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: تصفونه مما هو مخالف للواقع.
стр. 8024
التصريف ومفردات اللغة
﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ والفرق بين الضر، بفتح الضاد، والضر بضمها، أن الضر بالفتح هو: الضرر بكل شيء، والضر بالضم: هو الضرر في النفس من هزال ومرض، وفرّق بين البناءين لافتراق المعنيين، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما، كما أورد معاني أخرى لهما، حيث قال:
وَضِدُّ نَفْعٍ قِيْلَ فِيْهِ ضَرُّ ... وُجُوْدُ ضَرَّةِ لِعُرْسٍ ضَرُّ
وَسُوْءُ حَالِ الْمَرْءِ ذَاكَ ضُرُّ ... كَذَا هُزَالُ مَرَضٍ أَوْ كِبَرُ
﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ هذا لقبه، والكفل: هو النصيب، واسمه بشير. وقيل: الياس. وقيل: زكريا، كأنه سمي بذلك لأنه المجدور وذو النصيب الأوفى من الحظ. وقيل: ذو الكفل اسمه، وقد كان له اسمان، ولم يكن لقبًا.
﴿وَذَا النُّونِ﴾ وفي "المختار": النون الحوت، وجمعه أنوان ونينان، وذو النون: لقب يونس بن متّى - على وزن شتّى - اسم والده على ما ذكر في "القاموس"، أو اسم لأمه، على ما قاله ابن الأثير في "النهاية" وغيره، اهـ كرخي. وكان متّى رجلًا صالحًا، وتوفي متى ويونس في بطن أمه، وله أربعة أشهر، اهـ زكريا. وعبارة "الشهاب" ومتى اسم أبيه على الصحيح، وقال ابن الأثير وغيره: أنه اسم أمه، ولم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه، غير يونس وعيسى، ﵉، اهـ.
﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ أي: غضبان، فالمفاعلة ليست على بابها، فلا مشاركة، كعاقبت اللص، وسافرت. ويحتمل أن تكون على بابها من المشاركة؛ أي؛ غاضب قومه وغاضبوه، حيث لم يؤمنوا في أول الأمر، اهـ كرخي.
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: أي: لن نقضي عليه بما قضينا من حبسه في بطن الحوت، أو نضيق عليه بذلك، فهي من القدر، لا من القدرة، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. وفي "المصباح": أن قدر بكل من المعنيين المذكورين، يأتي من بابي ضرب ونصر، اهـ. وذهب جمهور من
стр. 8025
العلماء، أن معناها: فظن أن لن نضيّق عليه، من ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾؛ أي: ضيّق وقتّر.
﴿وَزَكَرِيَّا﴾ بالمد، علم نبي، وألفه للتأنيث، فلذلك منع من الصرف، وهو أيضًا، غير مصروف للعجمة والتعريف. وقيل: هو عربي مشتق من زكر؛ أي: امتلأ، أو تزكر.
﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ يقال: رغب الشيء اتسع، فإذا قيل: رغب فيه وإليه يقتضي الحرص عليه، فإذا قيل: رغب عنه اقتضى صرف الرغبة عنه والزهد فيه. والرغبة العطاء الكثير لكونه مرغوباً فيه، فيكون مشتقًا من الأصل، فإن أصل الرغبة السعة في الشيء، ومنه ليلة الرغائب؛ أي: العطايا الجزيلة. يقال: يعطي الرغائب من يشاء ويمنع. والرهبة مخافة مع تحرك واضطراب، اهـ "روح البيان" وفي "المختار": رغب ورهب كل منهما من باب طرب، اهـ.
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ﴾ والحصن في الأصل: كل موضع حصين؛ أي: محكم لا يوصل إلى جوفه. وأحصنه، جعله في حصن وحرز، ثم تجوّز في كل تحرز، وامرأة حصان - كسحاب - عفيفة أو متزوجة؛ أي: ومريم التي منعت نفسها من قربان الرجال.
﴿فَرْجَهَا﴾ والفرج والفرجة: الشق بين الشيئين كفرجة الحائط. والفرج ما بين الرجلين. وكنى به عن السوءة، وكثر حتى صار كالصريح فيه. والفرج انكشاف الغم. وقال السهيلي ﵀: يريد فرج القميص؛ أي: لم يعلق بثوبها ريبة؛ أي: أنها طاهرة الأثواب. وفروج القميص أربعة: الكمّان، والأعلى، والأسفل، فلا يذهب وهمك إلى غير هذا، فإنه من لطيف الكناية، انتهى.
﴿رُوحِنَا﴾ والروح هو المعنى المعروف، ونفخ الروح هو الإحياء.
﴿آيَةً﴾؛ أي: برهانًا ودليلًا على قدرة الله تعالى.
стр. 8026
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾؛ أي: ملتكم ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: غير مختلفة. قال في "القاموس": الأمة جماعة أرسل إليهم رسول، انتهى. فأصلها القوم الذين يجتمعون على دين واحد، ثم اتّسع فيها، فأطلقت على ما اجتمعوا عليه من الدين والملة. واشتقاقها من أم بمعنى: قصد. فالقوم: هم الجماعة القاصدة، وما اجتمعوا عليه هو الملة المقصودة.
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا. والقطع فصل الشيء مدركًا بالبصر كالأجسام، أو بالبصيرة كالأشياء المعقولة والتفعّل هنا للتعدية، نحو: علمته الفقه فتعلم الفقه اهـ من "الروح".
﴿فَلَا كُفْرَانَ﴾ الكفران: مصدر بمعنى الكفر، كالشكران بمعنى الشكر، فهو كناية عن حرمان ثواب عمله.
﴿لِسَعْيِهِ﴾ والسعي، في الأصل: المشي السريع، وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الأمر، خيرًا كان أو شرًا، وأكثر ما يستعمل في الأفعال المحمودة.
﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ والقرية: اسم للمصر الجامع كما في "القاموس"، واسم للموضع، الذي يجتمع فيه الناس، كما في "المفردات".
﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ والحدب: النشز من الأرض؛ أي: المرتفع، وكل كدية أو أكمةٍ فهي حدبة، وبها سمي القبر، لظهوره على وجه الأرض. قال الراغب: يجوز أن يكون الأصل في الحدب حدث الظهر، وهو خروجه، ودخول الصدر والبطن، ثم شبه به ما ارتفع من الأرض، فسمي حدبًا، ومنه محدب الفلك.
﴿يَنْسِلُونَ﴾؛ أي: يسرعون، والنسلان: مقاربة الخطا مع الإسراع، يقال: نسل ينسل - بالفتح في الماضي، والكسر والضم في المضارع، اهـ "سمين". وفي "المصباح": نسل في مشيه نسلانًا أسرع، وهو من باب ضرب، اهـ. وفي "بحر العلوم": من نسل الذئب إذا أسرع في مشيه.
стр. 8027
﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ يقال: شخص بصره، فهو شاخص، إذا فتح عينيه، وجعل لا يطرف، وبصره رفعه، وشخص شخوصًا ارتفع.
﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ﴾ والغفلة: سهو يعترى من قلة التحفظ والتيقظ.
﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الحصب المحصوب به؛ أي: يحصب بهم في النار. والحصب الرمي. وفي "المختار": والحصب - بفتحتين - ما تحصب به النار؛ أي: ترمى، وكل ما ألقيته في النار لاشتعالها فقد حصبتها به. من حصبه يحصبه من باب ضرب إذا رماه بالحصباء.
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ والزفير: صوت نفس المغموم، يخرج من أقصى الجوف.
﴿الْحُسْنَى﴾؛ أي: الكلمة الحسنى التي تتضمن البشارة بثوابهم حين الجزاء على أعمالهم.
﴿حَسِيسَهَا﴾ والحسيس: الصوت الذي يحيى من حركتها.
﴿فِي مَا اشْتَهَتْ﴾ والشهوة: طلب النفس اللذة.
﴿الْفَزَعُ﴾ انقباض ونفار يعترى الإنسان من الشيء المخيف، وهو من جنس الجزع كما مر.
وفي "المصباح": حزن من باب قتل.
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ والطي: ضد النشر. وقال ابن عباس: السجل الصحيفة، والمعنى: كطي الصحيفة على مكتوبها.
﴿الزَّبُورِ﴾: الكتب التي أنزلت على الأنبياء. قال الراغب: زبرت الكتاب، كتبته كتابة غليظة، وكل كتابٍ غليظ الكتابة يقال له الزبور. قال في "القاموس": الزبور الكتاب بمعنى المزبور، والجمع زبر، وكتاب داود، ﵇، انتهى.
و ﴿الذِّكْرِ﴾: اللوح المحفوظ. ﴿والبلاغ﴾: الكفاية.
﴿والعابد﴾ من عمل بما يعلم، من أحكام الشريعة وآدابها.
стр. 8028
﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾؛ أي: أعلمتكم، فالهمزة فيه للنقل. قال الزمخشري: آذن منقول من أذن إذا علم، ولكنه كثر استعماله في إجرائه مجرى الإنذار، اهـ "سمين" كما قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
﴿مَا تُوعَدُونَ﴾: من غلبة المسلمين عليكم.
﴿فِتْنَةٌ﴾: أي: اختبار.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التلطف في طلب الرحمة في قوله: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ولم يقل: ارحمني، لطفاً في السؤال، وحفظًا للأدب في الخطاب، فإن أكثر أسئلة الأنبياء في كشف البلاء، إنما هي على سبيل التعريض.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
ومنها: إدخال أل الجنسية على الضر، لتشمل أنواعه المتقدمة.
ومنها: الجناس الناقص بين ﴿الصابرين﴾ و ﴿الصالحين﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿رَغَبًا وَرَهَبًا﴾، وبين ﴿قريب﴾ أم ﴿بعيد﴾.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أضاف الروح إليه تعالى، على جهة التشريف كقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ مثل اختلافهم في الدين وتفرقهم فيه إلى شيع وأحزاب بالجماعة، تتوزَّع الشيء، لهذا نصيب ولهذا نصيب، وهذا من لطيف الاستعارة.
ومنها: الالتفات من الخطاب في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ إلى الغيبة في قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ تشنيعًا
стр. 8029
عليهم بسوء صنيعهم، اهـ "سمين". وكان حق التركيب: وتقطعتم على الأول، إلّا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات.
ومنها: المجاز في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾؛ لأن الأمة حقيقة في الأمة المجتعة، ثم تجوّز فيها، فأطلقت على ما اجتمعوا عليه من الدين، قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: دين وملة، اهـ زاده. قال الشهاب: وظاهر كلام الراغب، أنه حقيقة في هذا المعنى.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ شبه ردّ العمل، ومنع الثواب بالكفران، الذي هو ستر النعمة وإنكارها بجامع المنع في كل، فاستعار له لفظ الكفران.
ومنها: نفي الجنس في قوله: ﴿فَلَا كُفْرَانَ﴾ قصدا للمبالغة؛ لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿لِسَعْيِهِ﴾؛ لأن السعي في الأصل المشي السريع، وهو دون العدو، فاستعاره للعمل المحمود، بجامع الجدّ في كل.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾ حيث استعار الحرام للممتنع الوجود، بجامع أن كلا منهما غير مرجو الحصول، اهـ "شهاب".
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾؛ أي: على أهلها، حيث أطلق المحل، وأراد الحال.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾؛ لأنَّ الحديث حقيقة في حدب الظهر، وهو خروجه ودخول الصدر والبطن، ثم استعاره لما ارتفع من الأرض، بجامع مع الظهور في كل.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾؛ أي: ويقولون: يا ويلنا، ومثله قوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، أي: تقول لهم الملائكة: هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
стр. 8030
ومنها: المذهب الكلامي في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ وقد تقرَّر أن المذهب الكلامي، هو احتجاج المتكلم، على ما يريد إثباته بحجة، تقطع المعاند له؛ لأن المعنى؛ أن هؤلاء الأصنام والأوثان ليسوا بآلهة، فلو كانوا آلهة فهم حصب جهنم.
ومنها: المبالغة في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ وذلك لأن، لقائل أن يقول: إذا نزل أهل الجنة منازلهم فيها، فأي بشارة لهم. في أنهم لا يسمعون حسيسها؟ فالجواب: أنه تأكيد للمبالغة في البعد عنها، وأنها لن تقرب منهم أبدًا.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾؛ لأنه كناية عن نجاتهم من جميع الأفزاع بالكلية؛ لأنهم إذا لم يحزنهم أكبر الأفزاع، لا يحزنهم ما عداه بالضرورة.
ومنها: تقديم الظرف على عامله في قوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ لغرض القصر والاهتمام بهم، وهو بيان لفوزهم بالمطالب، إثر بيان خلاصهم من المهالك كما مر.
ومنها: التشبيه المرسل المفصل في قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾؛ أي: طيًّا مثل طي الصحيفة، على ما كتب فيها.
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾؛ لأن فيه تشبيهًا للإعادة بالابتداء، في تناول القدرة لهما على السواء.
ومنها: القصر في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ لأن في هذه الآية قصرين:
الأول: قصر الصفة على الموصوف، وذلك في قصر الوحي على الوحدانية، والمعنى: لا يوحى إليّ إلّا اختصاص الإله بالوحدانية، لا أنه، لم يودع إليه بشيء غيرها، ولكنها الأصل الرئيسي في كل عبادة وعمل، وهي المطلوبة أولًا وقبل كل شيء، حتى كان ما عداها غير منظور إليه، أو غير جدير
стр. 8031
بالذكر، وهو قصر إدعائي.
والثاني: قصر الموصوف على الصفة، وذلك في قصر الله على الوحدانية، وهو ظاهر.
ومنها: الإيجاز في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ لأن في هذه الآية إيجاز قصر؛ لأنه تحدث بثلاث كلمات، وهي: ﴿آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ عن كلام طويل؛ أي: إن تولوا بعد هذه الآيات والشواهد، وأعرضوا وطووا كشحاً فقل لهم: لقد أعلمناكم علي بيان أنّا وإياكم في حرب لا مهادنة فيها، ولا صلح بيننا، ولكنني لا أدري متى يأذن الله لي في محاربتكم.
ومنها: الاستفهام الذي يراد به الأمر في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: أسلموا.
ومنها: تكرير العلم في قوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ لتكرير الوعيد وتوكيده.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾؛ أي: استدراج من إطلاق المسبب وإرادة السبب؛ لأنه لما كان الاستدراج سببًا للفتنة والعذاب، أطلق عليه لفظ الفتنة مجازًا مرسلًا، أو امتحان لكم؛ كيف تعملون؛ أي: معاملة تشبيهية بالامتحان على طريق الاستعارة التمثيلية، ذكره في "روح البيان".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 8032
خلاصة ما تضمنته هذه السورة
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - الإنذار بقرب الساعة مع غفلتهم.
٢ - إنكار المشركين بنبوة محمد ﷺ ؛ لأنه بشر مثلهم، وأما جاء به أضغاث أحلام، وأنه قد افتراه، ولو كان نبيًا حقًا، لأتى بآية، كآيات موسى وعيسى، ﵉.
٣ - الرد على هذه الشبهة بأن الأنبياء جميعًا كانوا بشرًا، وأهل العلم من اليهود والنصارى، يعلمون ذلك حق العلم.
٤ - الإخبار بأن الله، أهلك كثيرًا من الأمم، المكذبة لرسلها، وأنشأ بعدهم أقواماً آخرين.
٥ - بيان أن السموات والأرض لم تخلقا عبثًا، وأن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، ولا يملون.
٦ - إقامة الدليل على وحدانية الله تعالى، والنعي على من يتخذ آلهة من دونه، بلا دليل على صدق ما يقولون، مع أن الأنبياء جميعًا أوحي إليهم أنه لا إله إلّا هو.
٧ - النعي على من ادعى أن الملائكة بنات الله.
٨ - وصف النشأة الأولى ببيان أن السموات والأرض كانتا رتقًا فانفصلتا، وأن الجبال جعلت على الأرض أوتادًا حتى لا تميد بأهلها، وأن كلا من الشمس والقمر يسبح في فلكه.
٩ - استعجال الكافرين للعذاب، مع أنهم لو علموا كنهه ما طلبوه.
١٠ - بيان أن الساعة تأتيهم بغتة، وهم لا يشعرون.
١١ - قصص بعض الأنبياء، موسى وهارون وإبراهيم ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذي الكفل ويونس وزكريا وقصص مريم.
стр. 8033
١٢ - بيان أن الدين الحق عند الله، هو الإسلام، وبه جاءت جميع الشرائع، والاختلاف بينها، إنما هو في الرسوم، بحسب اختلاف الأزمنة والأمكنة.
١٣ - حادث يأجوج ومأجوج، من أشراط الساعة، واقتراب يوم القيامة.
١٤ - بيان أن الأصنام وعابديها، يكونون يوم القيامة حطب جهنم، وأنهم لو كانوا آلهة حقًّا، ما دخلوها.
١٥ - وصف ما يلاقيه الكفار، من الأهوال في النار، يوم القيامة.
١٦ - وصف النعيم الذي يستمتع به أهل الجنة إذ ذاك.
١٧ - بيان أن الأرض ستبدل غير الأرض، وأن السماء تطوي طي السجل للكتاب.
١٨ - إن سنة الله في الكون، أن يرث الأرض من يصلح لعمارتها، من أي دين كان، وأي مذهب اعتنق.
١٩ - الوحي إنما جاء بالتوحيد، وأن لا إله إلا واحد، وأن الواجب الاستسلام له، والانقياد لأمره.
٢٠ - ما ختمت به السورة من طلب الرسول ﷺ ، أن يحكم الله بينه وبين أعدائه المشركين، وأن الله هو المستعان على ما يصفونه به، من أنه مفترٍ، وأنه مجنون، وأنه شاعر، يتربصون به ريب المنون.
والله أعلم
* * *
стр. 8034
سورة الحج
اختلف أهل العلم، هل هي مكية أو مدنية؟ وقال البيضاوي والخازن: سورة الحج مكية (١) كلها، إلّا ست آيات، من قوله : ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾. وفي "تنوير المقياس": "سورة الحج كلها مكية (٢) إلّا خمس آيات ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ إلى آخر الآيتين، وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ إلى آخر الآيتين، والسجدة الأخيرة، فهؤلاء الآيات مدنيات، وكل شيء في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ﴾ فهو مدني، وكل شيء في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو مكي أو مدني، ولا نجد ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مكية" انتهى. وحكى القرطبي عن ابن عباس: أنها مكية سوى ثلاث آيات، وقيل أربع آيات إلى قوله: ﴿عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وحكي عن النقّاش: أنه نزل بالمدينة منها عشر آيات، وفي "المراغي": هي مدنية كلها، إلّا أربع آيات، (٥٢، ٥٣، ٥٤، ٥٥)، فبين مكة والمدينة. قال القرطبي: وقال الجمهور: إن السورة مختلطة، منها مكي، ومنها مدني، قال وهذا هو الصحيح. قال العزيزي: هي من أعاجيب السور، نزلت ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، مكيًّا ومدنيًا، سلميًا وحربيًا، ناسخًا ومنسوخًا، محكمًا ومتشابهًا.
وآياتها ثمان وسبعون آية، وكلماتها ألف ومئتان وإحدى وتسعون كلمة، وحروفها خمسة آلاف وخمسة وسبعون حرفًا.
فضلها: وقد ورد في فضلها (٣):
ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وابن مردويه والبيهقي في
стр. 8035
"سننه" عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: "نعم، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما" قال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بالقويّ.
وأخرج أبو داود في المراسيل والبيهقي عن خالد بن معدان: أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين".
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والإسماعيلي وابن مردويه والبيقهي، عن عمر، أنه كان يسجد سجدتين في الحج، وقال: إن هذه السورة فضلت على سائر القرآن بسجدتين. وقد روي عن كثير من الصحابة أنَّ فيها سجدتين، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: إن فيها سجدة واحدة، وهو قول سفيان الثوري. وأخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس وإبراهيم النخعي.
التسمية: سمّيت سورة الحج، تخليدًا لدعوى الخليل إبراهيم، ﵇، حين انتهى من بناء البيت العتيق، ونادى الناس لحج البيت الحرام، فتواضعت الجبال، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع نداؤه من في الأصلاب والأرحام، وأجابوا النداء بقولهم: "لبيك اللهم لبيك".
وهي بحسب موضوعاتها أقسام ثلاثة (١):
١ - البعث، والدليل عليه وما يتبع ذلك.
٢ - الحج والمسجد الحرام.
٣ - أمور عامة، كالقتال وهلاك الظالمين، والاستدلال بنظام الدنيا على وجود الخالق، وضرب المثل بعجز الأصنام، وعدم استطاعتها خلق الذباب.
المناسبة: ومناسبتها للسورة التي قبلها من وجوه:
١ - أن آخر السورة قبلها كان في أمر القيامة كقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ
стр. 8036
كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، وقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ وأول هذه السورة الاستدلال على البعث بالبراهين العقلية.
٢ - أنه قد أقيمت في السورة السالفة الحجج الطبيعية على الوحدانية، وفي هذه جعل العلم الطبيعي من براهين البعث.
٣ - في السورة السالفة وما قبلها قصص الأنبياء وبراهينهم لقومهم، وفي هذه السورة خطاب من الله للأمم الحاضرة، وهو خطاب يسترعى السمع، ويوجب علينا ولو إجمالًا أن نعرف صنع الله في أرضه وسمائه، وتدبيره خلق الأجنة والنبات والحيوان.
قال أبو حيان (١): ومناسبة أول هذه السورة لما قبلها: أنه ذكر فيما قبلها حال الأشقياء والسعداء، وذكر الفزع الأكبر، وهو ما يكون يوم القيامة، وكان مشركو مكة قد أنكروا المعاد، وكذبوه بسبب تأخر العذاب عنهم، فنزلت هذه السورة تحذيرًا لهم، وتخويفاً لما انطوت عليه من ذكر زلزلة الساعة، وشدة هولها، وذكر ما أعد لمنكريها، وتنبيههم على البعث بتطويرهم في خلقهم، وبهمود الأرض واهتزازها بعد بالنبات.
الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله (٢) محمد بن حزم - رحمه الله تعالى -: سورة الحج مكية وهي من أعاجيب القرآن؛ لأن فيها مكيًّا ومدنيًّا، حضريًا وسفريًا، وفيها حربيًا وفيها سلميًا، وفيها ليليًا، وفيها نهاريًا. فأما المكي. فمن رأس الثلاثين آية إلى آخرها. وأما المدني منها فمن رأس خمس عشرة إلى رأس الثلاثين. وأما الليلي منها فمن أولها إلى رأس خمس آيات. وأما النهاري منها فمن رأس الخمس إلى رأس اثنتيّ عشرة. وأما الحضريّ فإلى رأس العشرين. ونسب إلى المدينة لقربه منها. وفيها ناسخ ومنسوخ، فمن ذلك المنسوخ آيتان:
المناسبة
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه (١) لما أنجز الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها .. بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها، حثًا على التقوى، التي هي أنفع زاد، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لمّا أخبر (٢) فيما سلف بأهوال يوم القيامة وشدتها، ودعا الناس إلى تقوى الله تعالى .. بيّن مع هذا التحذير الشديد أن كثيرًا من الناس ينكرون هذا البعث، ويجادلون في أمور الغيب بغير علم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما حكى عن المشركين الجدال بغير علم في البعث والحشر، وذمهم على ذلك .. قفّى على هذا بإثباته من وجهين:
١ - الاستدلال بخلق الحيوان، وهو ما أشار إليه في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
٢ - الاستدلال بحال خلق النبات في قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً ...﴾ إلخ.
وعبارة أبي حيان هنا (٣): ولما ذكر تعالى من يجادل في قدرة الله بغير علم. وكان جدالهم في الحشر والمعاد، ذكر دليلين واضحين على ذلك:
أحدهما: في نفس الإنسان وابتداء خلقه وتطوره في مراتب سبع، وهي التراب والنطفة والعلقة والمضغة والإخراج طفلًا وبلوغ الأشد والتوفي أو الرد إلى الهرم.
стр. 8040
والثاني: في الأرض التي تشاهدون تنقلها من حال إلى حال، فإذا اعتبر العاقل ذلك، ثبت عنده جوازه عقلًا، فإذا ورد خبر الشرع بوقوعه، وجب التصديق به، وأنه واقع لا محالة.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى﴾ الآيات مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر في الآية قبلها حال الضُّلَّال المقلدين، الذين يتبعون أهل الكفر والمعاصي .. أردف ذلك، بذكر حال الدعاة إلى الضلال، من رؤوس الكفرة والمبتدعين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لمّا ذكر حال الضّالين المقلدين، الذين يجادلون في توحيد الله، بلا بينة ولا دليل، وحال المضلين الذين يجادلون بلا سلطان من عقل، ولا برهان صحيح من نقل، ثم بيَّن سوء مآلهما في الدنيا والآخرة، وأن لهما في الدنيا خزيا، وفي الآخرة عذابًا في النار، تحترق منه أجسامهما .. أعقب ذلك بذكر قوم مضطربي الإيمان، مذبذبين في دينهم، لا ثبات لهم في عقيدتهم، ولا استقرار لهم في آرائهم، إن أصابوا خيرًا فرحوا به، وركنوا إليه، وإن نالهم بلاء وشدة في أنفسهم، أو أهليهم أو أموالهم ارتدوا كفارًا، فلحقهم الخسار والدمار في دينهم ودنياهم، وذلك هو الخسران الذي لا خسران بعده، وهم في ذلك الحين يعبدون الأصنام والأوثان لتكشف عنهم ضرهم، وتدفع عنهم ما نزل بهم من البلاء، وقد ضلوا في ذلك ضلالًا بعيدًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر في الآية السالفة حال المنافقين وحال معبوديهم .. عطف على ذلك بذكر حال المؤمنين، الذين آمنوا بقلوبهم، وصدَّقوا إيمانهم بأفعالهم، وعملوا الصالحات، وتركوا المنكرات.
قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: الله ، لمّا ذكر (١) حال المجادل بالباطل
стр. 8041
وخذلانه في الدنيا؛ لأنه لا يدْلِي بحجةٍ من العقل، ولا ببرهان من الوحي، ثم بين ما يؤول إليه أمره من النكال في الدنيا، والخزي في الآخرة، ثم ذكر متابعيه وعمم خسارتهم في الدارين، وأردف ذلك ذكر حال المؤمنين، وما يلقونه من السعادة، والنعيم في الدار الآخرة .. قفى على ذلك، بذكر المجادل عنهم، وعن دين الله، بالتي هي أحسن، وهو رسول الله ﷺ ، وبالغ في إثبات نصره بمالا مزيد عليه، ثم ذكر شأن كتابه، وأنه آيات واضحات، ترشد إلى سواء السبيل.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه سبحانه، لما ذكر أنه يهدى من يريد .. أتبعه ببيان من يهديه ومن لا يهديه.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه سبحانه لما أبان فيما سلف، أنه يقضي بين أرباب الفرق السالفة يوم القيامة، وهو شهيد على أقوالهم وأفعالهم .. أردف هذا ببيان أنه ما كان ينبغي لهم أن يختلفوا، ألا يرون أن جميع العوالم العلوية والسفلية كبيرها وصغيرها، شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وحيوانها ونباتها، خاضعة لجبروته، مسخرة لقدرته، وقد كان في هذا مفتاح لهم لو أرادوا، ولكن من يهنه الله، ويكتب عليه الشقاء فلا يستطيع أحد أن يسعده، فالله وحده هو القدير على الإشقاء والإسعاد.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ...﴾ الآيتين، عن عمران بن حصين وغيره (١): أن هاتين الآيتين، نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلًا، فنادى رسول الله ﷺ : "فحثوا المطي" حتى كانوا حول رسول الله ﷺ ، فقرأ عليهم، فلم ير باكياً أكثر من تلك الليلة، فلمّا أصبحو!، لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام، ولم يطبخوا، والناس بين باك، وجالس حزين متفكر، فقال رسول الله ﷺ : "أيُّ يوم ذلك"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم، يقول الله لآدم: قم، فابعث من ذريتك بعث النار". أخرجه (٢) سعيد بن منصور، وأحمد، وعبد بن حميد والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم،
стр. 8042
والحاكم وصححه، وابن مردويه من طرق عن الحسن وغيره عن عمران بن حصين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات ما أخرجه ابن أبي حاتم: أن هذه الآيات، نزلت في النضر بن الحارث، وكان مجادلًا يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا يقدر الله على مَنْ بلي وصار ترابًا.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه البخاري - عن ابن عباس ﵄ قال: كان الرجل يقدم المدينة فيسلم، فإن ولدت امرأته غلامًا ونتجت خيله .. قال هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولدًا ذكرًا ولم تنتج خيله .. قال: هذا دين سوء، فأنزل الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ...﴾ الآية.
وأخرج ابن مردويه من طريق عطية عن ابن مسعود قال: أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره وماله وولده، فتشآم بالإسلام، فقال: لم أصب من ديني هذا خيرًا، ذهب بصري ومالي ومات ولدي، فنزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ...﴾ الآية.
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ والظاهر أن الخطاب فيه عام لكل ناس، يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد، على ما تقرر في موضعه. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي (٢): احذروا عقوبة مالك أموركم ومربيكم بطاعته، فأطيعوه ولا تعصوه بفعل ما أمركم به من الواجبات، وترك ما نهاكم عنه من المحرمات، فهو خطاب ينتظم فيه المكلفون حين النزول، ومن سيوجدون بعده إلى يوم القيامة. ثم علّل هذا الأمر بقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾؛ أي: إن تحرك الأرض وزلزلتها، التي هي أحد أشراط الساعة، التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، عند قرب الساعة والقيامة، هذا قول الجمهور. وقيل: إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها،
стр. 8043
فيكون الذهول والوضع، الآيتان على حقيقتهما. وقيل: تكون الزلزلة يوم القيامة، فيحملان على التمثيل، والأظهر ما قال ابن عباس ﵄ "إن زلزلة الساعة قيامها"، فيكون معناها، أن الزلزلة الواقعة عند قيام الساعة ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ لا يحيط به الوصف، فلا بد من التقوى، لتخليص النفس من العذاب؛ أي: أمر هائل وخطر عظيم لا يعرف قدره إلا موجده، وإذا كانت الزلزلة وحدها لا تحتمل، فما بالك بما يحدث في ذلك اليوم من الحشر، والجزاء والحساب على الأعمال، لدى من لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. والزلزلة (١): التحريك الشديد، بطريق التكرير، كما يدل عليه تكرير الحروف؛ لأن زلزل مضاعف زل. والساعة عبارة عن القيامة، سميت بذلك لسرعة حسابها كما في "المفردات"، والمعنى: أن (٢) شدة حركة الأرض، في قرب الساعة، في نصف رمضان معها طلوع الشمس، من مغربها، أمر حادث جليل هائل، لا تدرك العقول كنهه.
روي عن رسول الله ﷺ ، في حديث الصور: أنه قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعقة، ونفخة القيام لرب العالمين، وأنه عند نفخة الفزع، يسير الله الجبال، وترجف الراجفة تتبعها الرادفة، قلوب يومئذٍ واجفة، وتكون الأرض كالسفينة تضربها الأمواج أو كالقنديل المعلق ترجرجه الرياح.
٢ - ثم بين شيئًا من أهوال هذا اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ انتصاب الظرف بما بعده، والضمير يرجع إلى الزلزلة؛ أي: وقت رؤيتكم تلك الزلزلة ﴿تَذْهَلُ﴾؛ أي: تشغل وتغفل دهشة وحيرة، ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾؛ أي: كل امرأة ملتبسة بإرضاع ولدها ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾؛ أي: عن ولدها الذي ترضعه، وهو أعز شيء لديها، فكيف بذهولها عن سواه، وهذا على جعل ﴿ما﴾ موصولًا اسميًا، وقال المبرد (٣): إن ﴿ما﴾ في ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ مصدرية؛ أي: تذهل عن إرضاعها، قال: وهذا يدل على، أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع إلا أن يقال: من ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال: هذا مثل كما يقال: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ
стр. 8044
الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾. وقيل: يكون مع النفخة الأولى، قال: ويحتمل أن تكون الساعة عبارة عن أهوال يوم القيامة، كما في قوله: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. والذهول: الذهاب (١) عن الأمر مع دهشة. والمرضعة: المرأة المباشرة للإرضاع بالفعل، وبغير التاء، هي التي من شأنها الإرضاع، لكن لم تلابس الفعل، ومثلها حائض وحائضة. والتعبير عن الطفل بما، دون مَنْ، لتأكيد الذهول، وكونه بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا؛ أي تغفل مع حيرة، عما هي بصدد إرضاعه، من طفلها الذي ألقمته ثديها، اشتغالًا بنفسها وخوفًا.
وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ معطوف على تذهل؛ أي: ويوم ترونها تضع وتسقط وتلقي كل صاحبة حمل وجنين، ﴿حَمْلَهَا﴾؛ أي: جنينها لغير تمام، من شدة ما غشيها من الهول، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك. والحمل بالفتح: ما كان في البطن أو على رأس الشجر، وبالكسر ما كان على الظهر. وقوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾ معطوف أيضًا على تذهل؛ أي: يوم ترونها .. ترى أيها المخاطب أو يا محمد الناس؛ أي: أهل الموقف، ﴿سُكَارَى﴾ جمع سكران؛ أي: تراهم أنهم سكارى، من شدة الهول والفزع، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ حقيقة؛ أي؛ من الشراب. وإفراد الخطاب هنا بعد جمعه في ترونها؛ لأن الزلزلة يراها الجميع، لكونها أمرًا مغايرًا للناس، بخلاف الحالة القائمة بهم من أثر السكر، فإن كل واحد لا يرى إلا ما قام بغيره. والسكر حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب، وقد يعترى من الغضب والعشق والخوف والفزع، ومنه سكرات الموت، قال جعفر - رحمه الله تعالى -: "أسكرهم ما شاهدوا من بساط العز والجبروت، وسرادق الكبرياء، حتى ألجأ النبيين إلى أن قالوا: "نفسي نفسي". والمعنى: ترى الناس كأنهم من ذهول عقولهم، لشدة ما يمر بهم، يضربون اضطراب السكران من الشراب. وقرأ الجمهور: (٢) ﴿تذهل كل﴾ بفتح التاء والهاء ورفع ﴿كل﴾، وابن أبي عبلة واليماني يضم التاء وكسر الهاء؛ أي ﴿تُذهِل﴾ الزلزلة أو الساعة ﴿كل﴾ بالنصب.
стр. 8045
وقرأ الجمهور: ﴿وترى﴾ بالتاء مفتوحة بخطاب المفرد. وزيد بن علي بضم التاء وكسر الراء؛ أي؛ وترى الزلزلة أو الساعة. وقرأ الزعفراني وعباس في اختياره بضم التاء وفتح الراء ورفع الناس، وأنث على تأويل الجماعة. وقرأ أبو هريرة وأبو زرعة هرم بن عمرو بن جرير وأبو نهيك كذلك، إلا أنهم نصبوا الناس، عدّي ترى إلى مفاعيل ثلاثة، أحدها: الضمير المستكن في ترى، وهو ضمير المخاطب، مفعول لم يسم فاعله، والثاني والثالث: الناس سكارى، وقرأ الجمهور (١): ﴿سُكَارى﴾ بضم السين فيهما على وزن فعالى، واختلف في فعالى بضم الفاء، أهو جمع أو اسم جمع، وقرأ أبو هريرة وأبو نهيك وعيسى بفتح السين فيما، وهو جمع تكسير واحده سكران، وقال أبو حاتم هي لغة تميم، وقرأ الأخوان حمزة والكسائي، وابن سعدان ومسعود بن صالح ﴿سكرى﴾ فيهما، وهي قراءة عبد الله وأصحابه وحذيفة، وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة وابن جبير والأعمش ﴿سكرى﴾ بضم السين فيهما، قال أبو الفتح هو اسم مفرد، كالبشرى، وبهذا أفتاني أبو علي انتهى. وقال الزمخشري: هو غريب، ذكره في "البحر المحيط".
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فغشيهم هوله، وطير عقولهم وسلب تمييزهم؛ أي: فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم، واضطربت أفهامهم، فصاروا كالسكارى من الشراب.
﴿ولكن﴾ استدراك (٢) على محذوف تقديره: فهذه الأحوال، وهي الذهول والوضع ورؤية الناس شبه السكارى، هينة لينة، ولكن عذاب الله شديد؛ أي: ليس لينًا ولا سهلًا، فما بعد لكن، مخالف لما قبلها، اهـ من "أبي حيان".
٣ - فلما ذكر الله ، أهوال يوم القيامة، ذكر من غفل عن الجزاء في ذلك، وكذب به، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ ويخاصم وينازع ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في قدرته وصفاته وفي كتابه ونبيه وشؤونه، ويقول فيه ما لا خير فيه، من الأباطيل، حالة كون ذلك المجادل ملابسًا، ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ وبرهان وحجة؛ أي: يجادل
стр. 8046
بسبب جهله وتمرّده كالنضر بن الحارث وأبي جهل وأبي بن خلف فإنهم ينكرون البعث، ويقولون: إن الله لا يقدر على إحياء من صار ترابًا، ويكذبون القرآن والنبي ﷺ ، ولكن (١) الآية عامة في كل كافر، يجادل في ذات الله وصفاته بالجهل، وعدم اتباع البرهان وفي "التأويلات النجمية" يشير إلى أن من يجادل في الله، ماله علم بالله ولا معرفة به إلا لم يجادل فيه وإنما يجادل لاتباعه الشيطان، كما قال: ﴿وَيَتَّبِعُ﴾ ذلك المجادل في جداله، وعامة أحواله: ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾؛ أي: متجرد للفساد متعرّ من الخيرات، وهم رؤساء الكفرة، الذين يدعون من دونهم إلى الكفر أو إبليس وجنوده.
والمعنى: أنه (٢) يخاصم في قدرة الله تعالى، فيزعم أنه غير قادر على البعث، بغير علم يعلمه، ولا حجة يستدل بها، ويتبع فيما يقوله ويتعاطاه، ويحتج به كل شيطان مرد، أي متمردٍ عاتٍ على الله تعالى.
والخلاصة: أي (٣) ومن الناس من يتبع في كل ما يأتي وما يذر من شؤونه وأهوائه شياطين من شياطين الإنس والجن، الذين يزينون له طرق الغواية، ويسلكون به الطرق التي تزلق به في المهاوي، ويقودونه إلى الأعمال التي تصل به إلى النار، من شرك بالله، وعبادة للأوثان والأصنام، وشرب للخمر، ولعب بالميسر إلى نحو ذلك، ممّا يحسنون له عمله، ويكونون له فيه القادة الذين لا يرد لهم قول، ولا يقبح منهم فعل.
وقرأ زيد بن علي (٤): ﴿ويتبع﴾ خفيفًا.
٤ - ثم وصف سبحانه ذلك الشيطان بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ بالبناء للمفعول؛ أي: كتب على ذلك الشيطان، من الجن والإنس في اللوح المحفوظ، وقضي وقدر عليه في علم الله تعالى، ونائب فاعله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾؛ أي: أن الشأن من تولى ذلك الشيطان واتخذه وليًا وتبعه ﴿فإنه يضله﴾ بالفتح، على أنه خبر، مبتدأ محذوف؛ أي: فشأن ذلك الشيطان أن يضل من تولاه عن طريق الحق والجنة، ﴿وَيَهْدِيهِ﴾ ويدله ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ بحمله
стр. 8047
على مباشرة، ما يؤدي إليه من السيئات، وإضافة العذاب إلى السعير، وهي النار الشديدة الاشتعال بيانية كشجر الأراك، وعن الحسن "أنه اسم من أسماء جهنم".
قال في "التأويلات النجمية" (١): أما الشيطان الجني، فيضله بالوساوس والتسويلات والقاء الشبه، وأما الشيطان الإنسي، فبإيقاعه في مذاهب أهل الأهواء والبدع، والفلاسفة والزنادقة، المنكرين للبعث والمستدلين بالبراهين المعقولة، بالعقول المشوبة بشوائب الوهم والخيال، وظلمة الطبيعة، فيستدل بشبههم ويتمسك بعقائدهم، حتى يصير من جملتهم، ويعد في زمرتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ويهديه بهذه الاستدلالات والشبهات إلى عذاب السعير، سعير القطيعة والحرمان، انتهى.
والمعنى: أي قدر سبحانه أن من اتبع ذلك الشيطان، وسلك سبيله، أضله في الدنيا بما يوسوس له، ويدسي به نفسه، ويزين لها من اتباع الغواية والفجور، وسلوك سبيل المعاصي والآثام، التي توبقه في جهنم وبئس القرار.
وخلاصة ذلك: أنه يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، بما يجترح من السيئات ويتركب من الآثام.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿كتب﴾ مبنيا للمفعول، وقرأ أبو عمران الجوني ﴿كتب﴾ بفتح الكاف؛ أي: كتب الله سبحانه، وقرأ الجمهور أنه بفتح الهمزة في موضع المفعول، الذي لم يسم فاعله ﴿فإنه﴾ بفتحها أيضًا، والفاء رابطة جواب من الشرطية إن جعلتها شرطية، أو داخلة في خبر من الموصولة، إن كانت موصولة، وقرأ أبو عمران الجوني ﴿أنه﴾ بفتح الهمزة ﴿فإنه﴾ بكسر الهمزة، وقرأ أبو مجلز وأبو العالية وابن أبي ليلى والضحاك وابن يعمر والأعمش والجعفي ﴿إنه﴾ ﴿فإنه﴾ بكسر الهمزة فيهما.
٥ - ثم ذكر سبحانه ما هو المقصود من الاحتجاج على الكفار، بعد فراغه من تلك المقدمة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يا أهل مكة، المنكرين للبعث ﴿إِنَّ
стр. 8048
كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ وشك ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ والإعادة والقيامة. وعبر سبحانه بالريب، مع أنهم موقنون بعدم حصوله، إيذانًا بأن أقصى ما يمكن صدوره منهم، وإن بلغوا غاية المكابرة والعناد هو الارتياب في شأنه، أما الجزم بعدم إمكانه، فلا يدور بخلد عاقل على حال.
وقرأ الجمهور (١): ﴿البعث﴾ بسكون العين، والكوفيون إسكان العين، عندهم تخفيف يقيسونه بما وسط حرف حلق، كالنهْر والنهَر والشعْر والشعَر، والبصريون لا يقيسونه، وما ورد من ذلك هو عندهم، مما جاء فيه لغتان، وقرأ الحسن ﴿من البعث﴾ بفتح العين، وهي لغة فيه، كالحلب والطرد في الحَلْب والطَرْد، والبعث (٢): الإخراج من الأرض والتسيير إلى الموقف، وجيء بإن مع كثرة المرتابين لاشتمال المقام على ما يقلع الريب من أصله، وتصوير أن المقام لا يصلح إلا لمجرد الفرض له، كما يفرض المحال. وشكهم يحتمل أن يكون في وقوعه أو في إمكانه؛ أي: إن كنتم في شك من إمكان الإعادة. وكونها مقدورة له تعالى، أو من وقوعها، ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ليس جزاء للشرط؛ لأن خلقهم مقدم على كونهم مرتابين، بل هو علة للجزاء المحذوف، والمعنى: يا أيها الناس إن كنتم في شك من إمكان الإعادة، أو من وقوعها، فانظروا إلى مبدأ خلقكم، ليزول عنكم الريب، ويرتفع الشك، وتدحض الشبهة الباطلة؛ لأنا خلقنا كل فرد منكم خلقًا إجماليًا ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ في ضمن خلق أبيكم آدم منه.
والخلاصة: إن شككتم في بعثكم، فتدبروا أمر خلقكم وابتدائكم، فإنكم لا تجدون في القدرة، فرقا بين الابتداء والإعادة. ﴿ثُمَّ﴾ خلقناكم خلقًا تفصيلياً ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ أي: من منيّ، وهي الماء الصافي قل أو كثر، ويعبر بها عن ماء الرجل من نطف الماء إذا سال، أو من النطف وهو الصبّ، ﴿ثُمَّ﴾ خلقناكم ﴿مِنْ عَلَقَةٍ﴾؛ أي: من قطعة من الدم جامدة، مكوّنة من المني، ﴿ثُمَّ﴾ خلقناكم ﴿مِنْ مُضْغَةٍ﴾؛ أي: قطعة من اللحم، مكوّنة من العلق، وهي في الأصل، مقدار ما
стр. 8049
يمضغ ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ بالجر صفة مضغة؛ أي: تامّة التصوير والتخطيط والحواس ومستبينتها ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾؛ أي: وناقصة في هذه الأمور وغير مستبينتها، والمراد تفصيل حال المضغة وكونها أولًا قطعة لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهر بعد ذلك شيء، لكنّه أخر غير المخلقة على خلاف الترتيب الطبعي لكونها عدم الملكة، والعدم مؤخر عن الوجود، كذا في "الإرشاد" ويؤيده قول صاحب "التأويلات" ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾؛ أي: منفوخة فيها الروح ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾؛ أي: صورة لا روح فيها، أو المعنى (١)؛ أي: ثم من قطعة من اللحم مسوّاة لا نقص فيها، ولا عيب في ابتداء خلقها، ومضغة غير مسوّاءة فيها عيب، وبهذا التفاوت في الخلق يتفاضل الناس في صورهم، وأشكالهم وطولهم وقصرهم. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ هذا تقسيم على سبيل التسمح، فإن كل مضغة تكون أولًا غير مخلقة، ثم تصير مخلقة، ولو جاء النظم هكذا: ثم من نطفة غير مخلقة، ثم من مخلقة لكان أوضح.
وعبارة أبي السعود: كان مقتضى الترتيب السابق، المبني على التدريج من المبادىء البعيدة على القريبة، أن يقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها لأنها عدم الملكة. اهـ. وقال القرطبي: قال ابن زيد: المخلقة: التي خلق الله فيها الرأس، واليدين والرجلين، وغير المخلقة: التي لم يخلق فيها شيء. أو يقال: إن الواو لا تقتضي ترتيبًا، فكأنه قال: غير مخلقة ومخلقة، وقد يقال: إن الإثبات مقدم على النفي؛ لأن غير مخلقة من قبيل النفي، وقيل غير ذلك. وفي "الفتوحات" أيضًا: تأمل (٢) في هذا الترتيب، فإنه يقتضي أن الإنسان الكامل خلق أولًا من نطفة، ثم ثانيًا من علقة، ثم ثالثًا من مضغة، مع أن أصل الخلق من نطفة، ثم صارت النطفة علقة، ثم صارت العلقة مضغة، كما يصرح به قوله في آية أخرى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ...﴾ إلخ، إلا أن يقال: فإنّا صيرنا مادة خلقكم من تراب، ثم من نطفة إلخ، وقرأ ابن أبي عبلة ﴿مخلقة﴾ بالنص ﴿وغير﴾ بالنصب أيضًا، نصبًا على الحال من النكرة المتقدمة، وهو قليل وقاسه سيبويه.
стр. 8050
واللام في قوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ متعلقة بـ ﴿خلقنا﴾؛ أي: خلقناكم على هذا النمط البديع، لنبين لكم كمال قدرتنا، بتصريفنا أطوار خلقكم، وجميل نظامنا وعظيم حكمتنا، التي من جملتها أمر البعث والنشور، فإن من قدر على خلق البشر أوّلًا، من تراب، لم يشم رائحة الحياة قط .. فهو قادر على إعادته. وقوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ﴾؛ أي: ونبقي في أرحام النساء، بعد تمام خلقه، ﴿مَا نَشَاءُ﴾ أن نقره فيها من الأجنة ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ووقت معين؛ أي: إلى الوقت الذي قدّر أن تلد فيه المرأة. كلام مستأنف (١)، مسوق لبيان حالهم، بعد تمام خلقهم؛ أي: ونحن نقر في الأرحام ما نشاء من الأجنة؛ إلى وقت الوضع، وأدناه ستة أشهر عند الكل، وأقصاه سنتان عند أبي حنيفة، وأربع سنين عند الشافعي، وخمس سنين عند مالك، روي أن الضحاك بن مزاحم التابعي، مكث في بطن أمه سنتين، ومالكاً ثلاث سنين، كما ذكره السيوطي، وأخبر الإمام مالك - رحمه الله تعالى - أن جارية له ولدت ثلاثة أولاد، في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل واحد أربع سنين، وقال ﴿ما نشاء﴾، ولم يقل من نشاء؛ لأنه يرجع إلى الحمل، وهو جماد قبل أن ينفخ فيه الروح، وفي الآية إشارة، إلى أن بعض ما في الأرحام، لا يشاء الله تعالى إقراره فيها، بعد تكامل خلقه، فيسقط وتمجه الأرحام.
وقرأ ابن أبي عبلة (٢): ﴿ليبين لكم ويقر﴾ بالياء، وقرأ يعقوب وعاصم في رواية و ﴿نقر﴾ بالنصب عطفًا على ﴿لنبين﴾، وعن عاصم أيضًا ﴿ثم يخرجكم﴾ بنصب الجيم عطفًا على ﴿ونقر﴾ إذا نصب، وعن يعقوب ﴿وَنُقِرُّ﴾ بفتح النون وضم القاف والراء من قر الماء صبه، وقرأ أبو زيد النحوي ﴿ويَقِرَ﴾ بفتح الياء والراء وكسر القاف، وقرأ الجمهور (٣): ﴿نقر﴾ بالرفع على الاستئناف؛ أي: ونحن نقر كما مر، قال الزجاج ﴿نُقر﴾ بالرفع لا غير؛ لأنه ليس المعنى فعلنا ذلك، لنقر في الأرحام ما نشاء، وقرىء ﴿ليبين﴾ ﴿ويقر﴾ ﴿ويخرجكم﴾ بالتحتية
стр. 8051
في الأفعال الثلاثة، وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ما نشاء﴾ بكسر النون. ﴿ثُمَّ﴾ بعد إقراركم فيها ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ من بطون أمهاتكم عند تمام الأجل المسمى حال كونكم ﴿طِفْلًا﴾؛ أي: أطفالًا صغارًا بحيث لا تقومون بمصالح أموركم من غاية الضعف، وإنما وحد الطفل، اعتبارًا بكل واحد منهم، أو لإرادة الجنس المنتظم للواحد والمتعدد، والطفل الولد ما دام ناعماً، كما في "المفردات". وقال المولى الفنادي في تفسير الفاتحة: حد الطفل من أول ما يولد حين يستهل صارخًا إلى انقضاء ستة أعوام، انتهى. وقيل: يطلق الطفل على الصغير، من وقت انفصاله إلى البلوغ، ﴿ثُمَّ﴾ بعد إخراجكم طفلًا نُسَهِّلُ في تربيتكم أمورًا ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ ولتصلوا ﴿أَشُدَّكُمْ﴾؛ أي: غاية كمالكم في القوة والعقل والتمييز، فهو علة لمحذوف، وقيل: هو (١) علة لنخرجكم، معطوفة على علة أخرى، مناسبة لها، كأنه قيل: ثم نخرجكم طفلًا لتكبروا شيئًا فشيئًا، ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل والتمييز، وهو فيما بين الثلاثين والأربعين. وفي "القاموس" ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين. مفرد جاء على بناء الجمع كـ: آنُكٍ، ولا نظير لهما، انتهى.
وقيل (٢): إن ﴿ثُمَّ﴾ هنا، زائدة، والتقدير: ثم نخرجكم طفلًا لتبلغوا، إلخ، وقيل: إنه معطوف على نبين، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ قبل بلوغ الكبر؛ أي: يقبض روحه ويموت بعد بلوغ الأشد أو قبله، والتوفي عبارة عن الموت، يقال توفاه الله إذا قبض روحه.
وقرىء ﴿يُتَوَفَّى﴾ بفتح الياء مبنيًا للفاعل؛ أي: يستوفي أجله، والجمهور بالضم مبنيًا للمفعول؛ أي: بعد الأشد وقبل الهرم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾ ويرجع ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾؛ أي: يبقى ويعمر إلى بلوغه أرذل العمر، وأخس الحياة وأدناها وأردأها، وهو الهرم والخرف والرذل والرذال المرغوب عنه لردائته، والعمر مدة عمارة البدن بالحياة، فيصير (٣) إلى حالة الطفولية ضعيف البنية سخيف
стр. 8052
العقل، ولا زمان لذلك محدود، بل ذلك بحسب ما يقع في الناس، وقد نرى من علت سنه وقارب المئة أو بلغها في غاية جودة الذهن والإدراك مع قوة ونشاط، وترى من هو في سن الاكتهال وقد ضعفت بنيته، أوضح تعالى أنه قادر على إنهائه إلى حالة الخرف، كما أنه كان قادرًا على تدريجه إلى حالة التمام، فكذلك هو قادر على إعادة الأجساد التي درجها في هذه المناقل، وإنشائها النشأة الثانية.
وقوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾؛ أي: لكيلا ﴿يَعْلَمَ﴾ ويعقل ذلك المردود إلى أرذل العمر ﴿من بعد علمه﴾ وفهمه وعقله الأشياء، أو من بعد علمه الكثير ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء، أو شيئًا من العلم، والمعنى (١): أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء، وفهم لها، لا علم له ولا فهم، وهو مبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله، وإلا فهو يعلم بعض الأشياء كالطفل، فهذا الرد خاص، بغير قارىء القرآن والعلماء، أما قارىء القرآن والعلماء، فلا يردون في آخر عمرهم إلى الأرذل، بل يزداد عقلهم كلما طال عمرهم، اهـ شيخنا؛ أي: ليعود إلى ما كان عليه أوان الطفولية من ضعف البنية، وسخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما عمله، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. وقال الزمخشري؛ أي: ليصير نسّاء، بحيث إذا كسب علمًا في شيء، لم ينشب أن ينساه ويزلَّ عنه علمه، حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك من هذا، فتقول فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه، اهـ. وروي عن أبي عمرو ونافع تسكين ميم العمر.
والمعنى: أي (٢) ومنكم من يتوفى على كمال قوته وكمال عقله، ومنكم من يبقى حتى يبلغ الهرم والخرف، فيصير كما كان في أول طفولته، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم.
وخلاصة ذلك: أنه إما أن يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر، الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل. وفي "التأويلات النجمية": في الآية (٣) إشارة إلى
стр. 8053
أن أطفال المكونات كانوا في أرحام أمهات العدم، متقررين بتقرير الحق إياهم فيها، ولكل خارج منها أجل مسمى، بالإرادة القديمة والحكمة الأزلية، فلا يخرج طفل مكون من رحم العدم، إلا بمشيئة الله تعالى، وأوان أجله. وفي هذا رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم.
ثم ذكر الاستدلال على إمكان البعث، بحال خلق النبات أيضًا، فقال: ﴿وَتَرَى﴾ أيها المجادل أو يا من شأنه الرؤية، وهو حجة أخرى على البعث، ﴿الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أي: ميتة يابسة لا تنبت شيئًا، يقال: همدت النار إذا صارت رمادًا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على الأرض الهامدة، ﴿الْمَاءَ﴾؛ أي: ماء المطر والعيون والأنهار، ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت بالنبات، والاهتزاز الحركة الواقعة على البهجة والسرور، فلا يكاد يقال اهتزّ فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع؛ أي: تحركت في رأي العين بسبب حركة النبات وظهوره. ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: انتفخت وازدادت للنبات. من ربا يربو ربا، إذا زاد ونما، وربا الفرس ربواً، إذا انتفخ من عدو وفزع، كما في "القاموس". ﴿وَأَنْبَتَتْ﴾ أي: وأخرجت بالماء، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: من كل نوع من أنواع النبات، ﴿بَهِيجٍ﴾؛ أي: حسن يسر ناظره، وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز، كما سيأتي؛ لأن المنبت هو الله .
وقرأ أبو جعفر (١) وعبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وأبو عمرو في رواية ﴿وَرَبَأَتْ﴾ بالهمز هنا، وفي فُصِّلَتْ؛ أي: ارتفعت وأشرفت، يقال: فلان يربأ بنفسه عن كذا؛ أي: يترفع بها عنه.
والمعنى: أي (٢) وترى الأرض يابسة دارسة الآثار، من النبات والزرع، فإذا نحن أنزلنا عليها الماء، تحركت بالنبات، وازدادت وانتفخت، لما يتداخلها من الماء والنبات، ثم أنبتت أنواعًا يسرّ الناظرين ببديع منظرها، وجميل شكلها واختلاف طعومها، وروائحها ومقاديرها ومنافعها.
٦ - وبعد أن قرّر سبحانه، هذين
стр. 8054
البرهانين، رتب عليهما النتيجة الحتمية لذلك، وذكر أمورًا خمسة:
١ - ﴿ذَلِكَ﴾ الصنع البديع، وهو خلق الإنسان على أطوار مختلفة، وتصريفه في أطوار متباينة، وإحياء الأرض بعد موتها حاصل بسبب، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الثابت بنفسه الذي به يتحقق الأشياء، أو المعنى (١): ذكرنا ذلك، لتعلموا بأن الله هو الحق، الثابت الموجود، إلخ. والحق هو الموجود، الذي لا يتغير ولا يزول، وقيل ذو الحق على عباده، وقيل الحق أفعاله.
والمعنى: أي (٢) هذا الذي ذكرت لكم من بدئنا خلقم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده طفلًا وكهلًا وشيوخًا في حال الهرم، وتنبيهنا إياكم إلى فعلنا بالأرض الهامدة بما ينزل عليها من الغيث لتصدّقوا بأن الذي فعل ذلك هو الله الحق، الذي لا شك فيه، وأن ما تعبدون من الأوثان والأصنام فهو باطل؛ لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك.
٢ - ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: شأنه وفعله إحياء الموتى.
وحاصله (٣): أنه تعالى قادر على إحيائها بدأً وإعادة، وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة مرارًا بعد مرار، والمعنى؛ أي: ولتعلموا أن الذي قدر على هذه الأشياء البديعة لا يتعذر عليه أن يحيي الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب.
٣ - ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: مبالغ في القدرة، وإلّا لما أوجد هذه الموجودات؛ أي (٤) ولتعلموا أن فاعل ذلك قادر على كل شيء، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فهو قادر على إيجاد جميع الممكنات، ومن ذلك إعادة الأجسام بعد موتها.
٤ - ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾؛ أي: القيامة ﴿آتِيَةٌ﴾ فيما سيأتي، لمجازاة المحسن
стр. 8055
والمسيء، ﴿لَا رَيْبَ﴾ ولا شك ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في إتيانها، إذ قد وضح دليلها وظهر أمرها، وهو خبر ثان لـ ﴿أن﴾؛ أي: ولتعلموا أن الساعة التي وعدكم أن يبعث فيها الموتى من قبورهم آتية لا ريب ولا محالة فيها، ولا شك في حدوثها، وليس لأحد أن يرتاب فيها.
٧ - وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ إلى آخره توكيد (١) لقوله: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾، والظاهر أن قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ ليس داخلًا في سبب ما تقدم ذكره، فليس معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ الذي يليه، فيكون على تقدير: والأمر أن الساعة إلخ.
٥ - ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿يَبْعَثُ﴾ ويجمع بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ من الموتى للمجازاة، جمع قبر وهو مقر الميت، "والبعث": هو أن ينشر الله الموتى من القبور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها، وأنكره الفلاسفة، بناء على امتناع إعادة المعدوم.
أي: ولتوقنوا بأن الله حينئذٍ، يبعث من في القبور أحياء إلى مواقف الحساب.
وخلاصة ذلك: أنكم إذا تأملتم في خلق الحيوان، والنبات، أمكنكم أن تستدلوا بذلك على وجود الخالق، وقدرته على إحياء الموتى وعلى غيرها من الممكنات، وأن الساعة آتية لا شك فيها، وأنه يبعث من في القبور للحساب والجزاء، ولولا ذلك، ما أوجد هذا العالم؛ لأن أفعاله تعالى مبنية على الحكم الباهرة، والغايات السامية.
وعبارة أبي السعود: أي هذه الآثار من آثار الألوهية، وأحكام شؤونه الذاتية والوصفية والفعلية، وإن إتيان الساعة وإتيان البعث اللذين ينكرون وجودهما، من أسباب تلك الآثار العجيبة، التي يشاهدونها في الأنفس والآفاق؛ أي: ذلك الصنيع البديع حاصل بسبب أنه تعالى، هو الحق وحده، في ذاته وصفاته وأفعاله، المحقق والموجد لما سواه من الأشياء، فهذه الآثار الخاصة،