رحمةً منه لهم، فكُلُّ خيرٍ ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنَّه منه ابتداءً، وتفضّلًا عليهم من غير استحقاق أحدٍ منهم لذلك، بل له الفضل والمنَّة على خلقه، وفي الآية تعريضٌ بأهل الكتاب في حسدهم للنبيِّ ﷺ ، والمؤمنين.
فائدةٌ: قال بعض الحكماء: بارز الحاسد ربَّه من خمسة أوجهٍ:
أولها: أنّه أبغض كُلَّ نعمةٍ ظهرت على غيره.
والثاني: أنّه يتسخَّطُ قسمته تعالى، ويقول لربّه: لِمَ قسمت هكذا.
والثالث: أنَّ فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضله.
والرابع: أنّه خذل وليَّ الله تعالى؛ لأنّه يريد خذلانه، وزوال النعمة عنه.
والخامس: أنّه أعان عدوَّه؛ يعني: إبليس اللعين.
واعلم: أنَّ حسدك لا ينفذ على عدوِّك، بل على نفسك، بل لو كوشفت بحالك في يقظةٍ، أو منام لرأيت نفسك أيها الحاسد في صورة من يرمي حجرًا إلى عدوّه ليصيب به مقلته، فلا يصيبه، بل يرجع إلى حدقته اليُمْنى فيقلعها، فيزيد غضبه ثانيًا، فيعود ويرمي أشدَّ من الأولى، فيرجع على عينه اليسرى فيعميها، فيزداد - غضبه ثالثًا، فيعود ويرميه، فيرجع الحجر على رأسه فيشُجُّه، وعدوُّه سالمٌ في كُل حال، وهو إليه راجعٌ كرَّةً بعد أُخرى، وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون، وهذا حال الحسود، وسخرية الشياطين.
وقال بكر بن عبد الله: كان رجل يأتي بعض الملوك، فيقوم بحذائه ويقول: أَحْسِنْ إلى المحسنِ بإحسانه، فإنَّ المسيء يكفيه إساءته، فحسده رجلٌ على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك، وقال: إنّ هذا الرجل يَزْعُم أنَّ الملك أبْخَرُ، فقال الملك: وكيف يصحُّ ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك فانظر، فإنّه إذا دنا منك وضع يده على أنفه أن لا يشمّ ريح البخر، فخرج من عند الملك، فدعا الرجل إلى منزله، فأطعمه طعامًا فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، فقام بحذاء الملك، فقال على عادته مثل ما قال، فقال له الملك: ادن منّي، فدنا منه واضعًا يده على فيه مخافة أن يشمَّ الملك منه ريح الثوم، فصدَّق الملك في نفسه قول
стр. 842
الساعي، قال: وكان الملك لا يكتب بخطّه إلّا لجائزة، فكتب له كتابًا بخّطه إلى عامل له، إذا أتاك الرجل فاذبحه واسلخه، واحش جلده تبنًا، وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به، فاستوهب منه ذلك الكتاب، فأخذه منه بأنواع التضرّع والامتنان، ومضى إلى العامل، فقال له العامل: إنَّ في كتابك أن أذبحك، وأسلخك، قال: إنَّ الكتاب ليس هو لي، الله الله في أمري حتى أراجع الملك، قال: ليس لكتاب الملك مراجعةٌ، فذبحه، وسلخه، وحشا جلده تبنًا، وبعث به، ثمَّ عاد الرجل كعادته، فتعجب منه الملك، فقال: ما فعلت بالكتاب؟ قال لقيني فلانٌ فاستوهبه منّي، فوهبته، قال الملك: إنّه ذكر لي أنَّك تزعم أنِّي أبخر، فقال كلَّا، قال: فلم وضعت يدك على أنفك؟ قال: كان أطعمني طعامًا فيه ثومٌ، فكرهت أن تشمَّه منّي، قال: ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيءَ إساءتُه، اللهمّ! احفظنا من مساويء الأخلاق، فإنَّها بئس الوثاق، وأكرمنا بمكارم الأخلاق، فإنّها نعم الرفاق. ذكره في "روح البيان".
وخلاصة معنى الآية (١): أي إنَّ الذين عرفتم شأنهم مع أنبيائهم من أهل الكتاب حسدةٌ لكم، لا يودُّون أن ينزل عليكم خيرٌ من ربّكم، والكتاب الكريم أعظم الخيرات، فهو الهداية العظمى، به جمع الله شملكم، ووحَّد شعوبكم، وقبائلكم، وطهَّر عقولكم من زيغ الوثنية، وأقامكم على سنن الفطرة، وكذلك المشركون، إذ يرون في نزول القرآن على طريق التتابع الوقت بعد الوقت قوَّةً للإسلام، ورسوخًا لقواعده، وتثبيتًا لأركانه، وانتشارًا لهديه، وهم يودُّون أن تدور عليكم الدَّوائر، وينتهي أمركم، ويزول دينكم من صفحة الوجود. وحسد الحاسد يدلُّ على أنَّه ساخطٌ على ربّه معترضٌ عليه؛ لأنَّه أنعم على المحسود بما أنعم، والله لا يضيره سخط الساخطين ولا يحول مجاري نعمته حسد الحاسدين، فهو يختص من يشاء برحمته متى شاء، وهو ذو الفضل العظيم على من اختاره للنبوة، وهو صاحب الإحسان والمنَّة، وكُلُّ عباده غارقٌ في بحار نعمته، فلا ينبغي لأحدٍ أن يحسد أحدًا على خيرٍ أصابه، وفضلٍ أوتيه من عند ربه.
стр. 843
الإعراب
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.
﴿وَإِذْ﴾ الواو استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان في محل النصب، معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ كما مرّ مرارًا ﴿أَخَذْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ، والتقدير: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي عليكم، وحين أخذنا ميثاقكم ﴿مِيثَاقَكُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿وَرَفَعْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَخَذْنَا﴾. ﴿فَوْقَكُمُ﴾ ظرف مكان ومضاف إليه، والظرف متعلق برفعنا ﴿الطُّورَ﴾ مفعول به ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾ مقول محكي لقول محذوف معطوف على ﴿رفعنا﴾، تقديره: ورفعنا فوقكم الطور فقلنا خذوا ما آتيناكم، وإن شئت قلت: ﴿خُذُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول لقلنا المحذوف ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به لخذوا ﴿آتَيْنَاكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ما آتيناكموه؛ لأنّ آتى بمعنى: أعطى يتعدى إلى مفعولين، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد المفعول الثاني المحذوف ﴿بِقُوَّةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من ضمير المخاطبين، تقديره: حال كونكم ملتبسين بقوّة وعزيمة ﴿وَاسْمَعُوا﴾ الواو عاطفة ﴿اسمعوا﴾ فعل أمر وفاعل، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿خُذُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ مقول محكي لقالوا منصوب بفتحة مقدّرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية، وإن شئت قلت: ﴿سَمِعْنَا﴾ فعل وفاعل، ومفعوله محذوف، تقديره: سمعنا قولك، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَعَصَيْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿سَمِعْنَا﴾، ومفعوله محذوف، تقديره: وعصينا أمرك ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ الواو حالية ﴿أشربوا﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، ونائب فاعل ﴿في قُلُوبِهِمُ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأُشربوا ﴿الْعِجْلَ﴾ مفعول به ثان لأُشربوا؛ لأن الأول كان نائب فاعل، والجملة
стр. 844
من الفعل المغيّر، ونائب فاعله في محل النصب حال من الواو في ﴿قَالُوا﴾، ولكن بتقدير قد لتقرب الماضي إلى الحال، والتقدير: قالوا سمعنا وعصينا حاله كونهم مشْرَبين في قلوبهم حُبَّ عبادة العجل، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على ﴿قَالُوا﴾ على كونها مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأُشربوا، والباء فيه سببية، ويجوز أن يكون حالًا من الحبّ المحذوف؛ أي: حال كون ذلك الحبّ مختلطًا بكفرهم، كما ذكَره العكبري ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ...﴾ إلى آخر الآية، مقول محكي لقل منصوب بفتحة مقدّرة، وإن شئت قلت: ﴿بئس﴾ فعل ماض جامد من أفعال الذمّ مبني على الفتح، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ لشبهه بالمثل، تقديره: هو يعود على الشيء المبهم ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة بمعنى شيء في محل النصب تمييز لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ فعل ومفعول به ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بيأمركم ﴿إِيمَانُكُمْ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب صفة لما، ولكنها صفة سببية، والرابط ضمير ﴿بِهِ﴾ وجملة ﴿بئس﴾ في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف يسمى المخصوص بالذمّ، تقديره: عبادة العجل، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإنْ على كونه فعل شرط لها ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبر كان منصوب بالياء، وجواب الشرط معلوم مما قبله، تقديره: إن كنتم مؤمنين بالتوراة، فلم عبدتم العجل، والمعنى: لو كنتم مؤمنين ما عبدتموه.
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة ﴿إِنْ﴾ حرف شرط جازم ﴿كَانَتْ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بإن الشرطية، والتاء علامة تأنيث اسمها ﴿لَكُمُ﴾ جار ومجرور خبر لكان، مقدّم على اسمها ﴿الدَّارُ﴾ اسمها مؤخّر، ﴿الْآخِرَةُ﴾ صفة للدار ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف مكان ومضاف إليه، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، والتقدير: إن كانت الدار الآخرة كائنة
стр. 845
لكم عند الله تعالى، ﴿خَالِصَةً﴾ حال من الدار تقديره حالة كونها خاصة بكم ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال مؤكّدة للحال المذكور قبلها؛ لأنّ دون تستعمل للاختصاص، يُقال هذا لي دونك؛ أي: من دونك؛ أي: لا حقَّ لك فيه، كما في "الشهاب"، وفي "السمين" في خبر كان هنا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنّه ﴿خَالِصَةً﴾ فيكون ﴿عِنْدَ﴾ ظرفًا لخالصةً، وللاستقرار الذي في ﴿لَكُمُ﴾.
والثاني: أنَّ الخبر ﴿لَكُمُ﴾ فيتعلَّق بمحذوف، ونصب ﴿خَالِصَةً﴾ حينئذٍ على الحال.
والثالث: أنَّ الخبر هو الظرف و ﴿خَالِصَةً﴾ حال أيضًا. انتهى.
وفي "الكرخي": ﴿خَالِصَةً﴾ مصدرٌ جاء على وزن فاعلة، كالعافية، والعاقبة، وهو بمعنى الخلوص. اهـ. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ الفاء رابطةٌ لجواب ﴿إِن﴾ الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة طلبية ﴿تمنّوا﴾ فعل أمر في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونها جوابًا لها مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿الْمَوْتَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مع جوابها في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم ﴿كنتُمْ﴾ فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بإنْ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿صَادِقِينَ﴾ خبر كان منصوب بالياء، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلومٌ مما قبلها، تقديره: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية في محلِّ النصب مقول ﴿قُل﴾ أيضًا.
فائدة: ولا تدخل ﴿إِن﴾ الشرطية على فعل ماض في المعنى إلّا على كان؛ لكثرة استعمالها، وأنها لا تدلّ على حدث. ذكره العكبريُّ.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.
﴿وَلَنْ﴾ الواو استئنافية ﴿لن﴾ حرف نفي ونصب واستقبال ﴿يَتَمَنَّوْهُ﴾ فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به ﴿أَبَدًا﴾ ظرف زمان متعلق بيتمنوه ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بيتمنوه أيضًا، والجملة الفعلية مستأنفة ﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ فعل وفاعل صلة لما الموصولة، والعائد
стр. 846
محذوف، تقديره: بما قدّمته أيديهم، ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية (ولفظ الجلالة) مبتدأ ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر، والجملة الاسمية مستأنفة ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾ جار ومجرور متعلق بعليم.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم ﴿لتجدنّ﴾ فعل مضارع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد حرف لا محل لها من الإعراب، والهاء ضمير الغائبين في محل النصب مفعول أوّل، وفاعله ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنت يعود على محمد ﷺ ، أو على أيِّ مخاطب ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ مفعول ثاني لتجد ومضاف إليه ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ جار ومجرور متعلقٌ بأحرص، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ﴾ الواو عاطفة ﴿من الذين﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف دل عليه السياق، معطوف ذلك المحذوف على ﴿أَحْرَصَ﴾ لغرض التخصيص بعد التعميم، والتقدير: ولتجدنّهم أحرص من جميع الناس على حياةٍ متطاولة، وأحرص من الذين أشركوا ﴿أَشْرَكُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد واو الفاعل ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ فعل وفاعل ومضاف إليه ﴿لَوْ﴾ حرف مصدر ﴿يُعَمَّرُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة مرفوع، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾. ﴿أَلْفَ﴾ منصوب على الظرفية متعلق بيعمّر، وهو مضاف ﴿سَنَةٍ﴾ مضاف إليه، وجملة ﴿يُعَمَّرَ﴾ صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية و ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية ليودّ، تقديره: يودّ أحدهم تعميره ألف سنة، وجملة ﴿يَوَدُّ﴾ من الفعل والفاعل في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿تجدنّهم﴾، تقديره: لتجدن اليهود أحرص الناس على حياة حالة كون أحدهم وادًّا تعميره ألف سنة، أو مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب ﴿وَمَا﴾ الواو حالية ﴿مَا﴾ حجازيّة ﴿هُوَ﴾ ضمير يعود على التعمير المفهوم من السياق، في محل الرفع اسم ﴿مَا﴾ الحجازيّة ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ الباء زائدة في خبر ﴿مَا﴾ الحجازيّة ﴿مزحزحه﴾ مجرور لفظًا منصوب محلًا على أنّه خبر ﴿مَا﴾ وهو مضاف،
стр. 847
والضمير مضاف إليه ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ جار ومجرور متعلق ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾. ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُعَمَّرَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة منصوب بأن المصدرية، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿أَحَدُهُمْ﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية. و ﴿أَن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على البدليّة من اسم ﴿مَا﴾ الحجازيّة، تقديره: وما هو تعميره بمزحزحه من العذاب، وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية في محل النصب حال من مفعول ﴿يَوَدُّ﴾ المؤوّل من ﴿لَوْ﴾ المصدريّة مع فعلها، تقديره: يودّ أحدهم تعميره ألف سنة حالة كون تعميره عادم الزحزحة، والإبعاد له من العذاب، وفي المقام أوجه من الإعراب ضربنا عنها صفحًا؛ خوفًا من الإطالة، فراجع المطوَّلات؛ لأنّ كتابنا مختصرٌ، ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿بَصِيرٌ﴾ خبر، والجملة مستأنفة ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق ببصير، و ﴿مَا﴾ موصولة، أو موصوفة، أو مصدرية ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة لما، أو صفة لها، والعائد محذوف، تقديره: يعملونه، أو صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، تقديره: بعملهم.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾.
﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ...﴾ إلخ مقول محكي لقل، وإن شئت قلت: ﴿مَن﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، وفي خبره ثلاثة أقوال: قيل: فعل الشرط وهو الراجح، كما في "أبي النجا على الأجرومية"، وقيل: جوابه، وقيل: هما معًا ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بمن على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿عَدُوًّا﴾ خبرها ﴿لِجِبْرِيلَ﴾ اللام حرف جرّ ﴿جبريل﴾ مجرور بالفتحة للعلمية والعجمية، والجار والمجرور متعلق بعدوًّا؛ لأنّه بمعنى معاديًا، وجواب الشرط محذوف جوازًا، تقديره: فليمت غيظًا، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿فَإِنَّهُ﴾ الفاء تعليلية للجواب المحذوف ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب، والهاء اسمها، وهو عائد على جبريل ﴿نَزَّلَهُ﴾ فعل ومفعول، والهاء عائد على القرآن، وفي إضماره على ما لم يسبق ذكره؛ تفخيم لشأن صاحبه، كأنّه يدلُّ على نفسه، وفاعله ضمير مستتر يعود على جبريل، ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ جار ومجرور
стр. 848
ومضاف إليه متعلق بنزّله، والجملة الفعلية خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ من اسمها وخبرها في محل الجرّ بلام التعليل المقدرة المدلول عليها بالفاء التعليلية المتعلقة بمعلول محذوف، تقديره، وإنّما قلنا: فليمت غيظًا لتنزيله إيّاه بإذن الله تعالى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل، في ﴿نَزَّلَهُ﴾ العائد على جبريل، تقديره: حالة كونه ملتبسًا بإذن الله، أو مأذونًا ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من الهاء في ﴿نَزَّلَهُ﴾ العائد على القرآن ﴿لِمَا﴾ اللام حرف جرّ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بمصدّقًا ﴿بَيْنَ﴾ منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف صلة لما الموصولة ﴿بَيْنَ﴾ مضاف ﴿يَدَيْهِ﴾ مضاف إليه مجرور بالياء؛ لأنّه مثنّى، أو ملحق به، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه ﴿وَهُدًى﴾ معطوف على ﴿مُصَدِّقًا﴾ منصوب على الحالية، ولكنّه في تأويل مشتقّ؛ أي: هاديًا ﴿وَبُشْرَى﴾ معطوف أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾ كذلك؛ أي: مبشّرًا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ جار ومجرور، تنازع فيه هدى وبشرى.
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾:
﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، خبره جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، كما مرّ آنفًا. ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بمن على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾ ﴿عَدُوًّا﴾ خبرها منصوب ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بعدوًّا ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ معطوف على الجلالة، وهو مضاف، والضمير مضاف إليه، وكذلك ﴿وَرُسُلِهِ﴾ معطوف على الجلالة، وكذلك ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ معطوفان على الجلالة مجروران بالفتحة للعلمية والعجمة، وذكرهما من بعد الملائكة من ذكر الخاص بعد العام؛ إظهارًا لمزيّته، كما مرّ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ الفاء رابطة لجواب مَن الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية ﴿إنّ الله﴾ ناصب واسمه، وأُظهِر في موضع الإضمار؛ دفعًا لإيهام أنّه يعود إلى جبريل ﴿عَدُوٌّ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ متعلق به، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، والرابط موجود، وهو الاسم الظاهر؛ أعني: لفظ الجلالة؛ لقيامه مقام الضمير؛ لأنّ الأصل من كان عدوًّا لله، وملائكته، ورسله، فإنّ الله عدوٌّ له، أو لهم، وقيل: الرابط العموم، وله في القرآن
стр. 849
نظائر كثيرة ستمر بك إن شاء الله تعالى، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية وجوابها مستأنفة، أو في محل النصب معطوفة بعاطف مقدّر على جملة قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ على كونها مقولًا لقل.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿أَنْزَلْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق به ﴿آيَاتٍ﴾ مفعول به ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ صفة لآيات، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، تقديره: وعزّتي وجلالي، لقد أنزلنا إليك ... الخ. وجملة القسم مستأنفة ﴿وَمَا يَكْفُرُ﴾ الواو حالية ﴿مَا﴾ نافية ﴿يَكْفُرُ﴾ فعل مضارع ﴿بِهَا﴾ متعلق بيكفر ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرّغ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فاعل مرفوع بالواو، والجملة الفعلية في محل النصب حال من آيات، وسوّغ مجيء الحال من النكرة وصفها بما بعدها ﴿أَوَكُلَّمَا﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب ﴿كلما﴾ اسم شرط غير جازم في محل النصب على الظرفية الزمانية، مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًّا؛ لتضمّنه معنى إن الشرطية، والظرف متعلق بالجواب ﴿عَاهَدُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لكلما لا محل لها من الإعراب ﴿عَهْدًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة، أو منصوب على أنّه مفعول به ثان لعاهدوا، إذا كان ﴿عَاهَدُوا﴾ بمعنى أعطوا، والأوّل محذوف، تقديره: عاهدوا الله عهدًا ﴿نَبَذَهُ﴾ فعل ومفعول ﴿فَرِيقٌ﴾ فاعل ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لفريق، والجملة جواب ﴿كلما﴾ لا محل لها من الإعراب، وهذه الجملة هي محل الاستفهام الإنكاري، وجملة ﴿كلما﴾ من فعل شرطها وجوابها معطوفة على الجملة المحذوفة على كونها مستأنفة ﴿بَلْ﴾ حرف عطف وإضراب ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ مبتدأ ومضاف إليه، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة السابقة. أو مستأنفة، إن قلنا: إنّ بَلْ حرف ابتداء.
стр. 850
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.
﴿وَلَمَّا﴾ الواو عاطفة ﴿لَمَّا﴾ حرف شرط غير جازم ﴿جَاءَهُمْ﴾ فعل ماض ومفعول به ﴿رَسُولٌ﴾ فاعل، والجملة الفعلية فعل شرط للمَّا لا محل لها من الإعراب ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، صفة أولى لرسول، تقديره: رسول مرسل من عند الله ﴿مُصَدِّقٌ﴾ صفة ثانية لرسول ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ اللام حرف جرّ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بمصدّق ﴿مَعَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لما الموصولة، تقديره: مصدّق للذي استقرّ معهم ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾ معطوفة على جملة ﴿كلما﴾ أو مستأنفة ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ جار ومجرور صفة لفريق ﴿أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة، والواو نائب فاعل والكتاب مفعول ثانٍ لأوتوا، والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ مفعول به لنبذ ﴿وَرَاءَ﴾ منصوب على الظرفية المكانية متعلق بنبذ، وهو مضاف ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ مضاف إليه ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ كأنّ حرف نصب وتشبيه، والهاء اسمها، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿كأنّ﴾ في محل النصب حال من فريق؛ لتخصّصه بالوصف، تقديره: حالة كونهم مشبهين بمن لا يعلم.
﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
﴿وَاتَّبَعُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: نَبَذَ فَرِيق على كونها جوابًا للمّا، وفي "الفتوحات": والأولى أن تكون هذه الجملة معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ إلى آخرها؛ لأنّ عطفها على نَبَذَةُ يقتضي كونها جوابًا لقوله: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ منْ عِندِ الله. واتِّباعهم لما تتلو الشياطين ليس مترتِّبًا على مجيء الرسول، بل كان اتباعهم لذلك قبله ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول اتبعوا ﴿تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ فعل مضارع معتلّ
стр. 851
بالواو وفاعل، والجملة صلة لما الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما تتلوه الشياطين ﴿عَلَى﴾ حرف جرّ بمعنى: في ﴿مُلْكِ﴾ مجرور بعلى ﴿سُلَيْمَانَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة للعلمية والعجمة، وزيادةُ الألف والنون موقوفةٌ على معرفة الاشتقاق، الجار والمجرور متعلق بتتلوا ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية، أو اعتراضية ﴿مَا﴾ نافية ﴿كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، أو اعتراضية لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين المعطوف الذي هو قوله: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وبين المعطوف عليه الذي هو قوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ إن قلنا: إنّ ﴿ما أنزل على الملكين﴾ معطوف على ﴿تَتْلُو﴾. ﴿وَلَكِنَّ﴾ الواو عاطفة ﴿لَكِنِ﴾ حرف نصب واستدراك ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ اسمها منصوب بالفتحة؛ لأنّه جمع تكسير، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ في محل الرفع خبر لَكِنِ وجملة لَكِنِ معطوفة على جملة قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ على كونها مستأنفة، أو معترضة ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ فعل وفاعل ﴿النَّاسَ﴾ مفعول أوّل ﴿السِّحْرَ﴾ مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية في محل النصب حال من الشَّيْاطِينَ، أو من فاعل كَفَرُوا أو خبر ثان لـ ﴿لكن﴾.
وفي "الفتوحات": واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال:
أحدها: أنّها حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾؛ أي: كفروا معلمين الناس.
الثاني: أنّها حال من ﴿الشَّيَاطِينَ﴾ وردّه أبو البقاء بأن ﴿لَكِنِ﴾ لا تعمل في الحال، وليس بشيء، فإنّ ﴿لَكِنِ﴾ فيها رائحة الفعل.
الثالث: أنها في محل الرفع على أنّها خبر ثان للشياطين.
الرابع: أنها بدل من ﴿كفروا﴾ أبدل الفعل من الفعل.
الخامس: أنّها استئنافية أخبر عنهم بذلك.
هذا إذا أعدنا الضمير من ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ على ﴿الشَّيَاطِينَ﴾، أما إذا أعدناه على الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين، فتكون حالًا من فاعل اتبعوا، أو استئنافية فقط. انتهى. ﴿وَمَا﴾ الواو عاطفة ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب معطوفة على
стр. 852
السحر، تقديره: ويعلمونهم ما أنزل عليهما، وسوّغ عطفه عليه مع كون هذا سحرًا أيضًا؛ تغايرهما لفظًا، أو المراد ﴿بما أنزل على الملكين﴾ نوع أقوى من السحر، فالتغاير بالحقيقة لا بالاعتبار. ذكره "الكرخي" ﴿أُنْزِلَ﴾ فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾، والجملة الفعلية صلة لما الموصولة على الملكين متعلق بأنزل ﴿بِبَابِلَ﴾ الباء حرف جر بمعنى في ﴿بابل﴾ مجرور بالباء، وجره بالفتحة للعلمية والعجمية، أو التأنيث المعنوي؛ لأنّه بمعنى: البلدة، الجار والمجرور متعلق بأنزل، أو الباء على معناها متعلقة بمحذوف حال من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾. ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدل من ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ أو عطف بيان لهما، وجرّهما بالفتحة للعلمية والعجمية ﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية ﴿مَا﴾ نافيه ﴿يُعَلِّمَانِ﴾ فعل وفاعل مرفوع بثبات النون، والجملة الفعلية مستأنفة، ولا تغترّ بما قال في "الفتوحات" هنا، من أنّ الجملة معطوفة على ما قبلها؛ لأنّ عطفها عليه لا يصحّ، تأمّل ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿أَحَدٍ﴾ مفعول أوّل، والثاني محذوف، تقديره: وما يعلمان أحدًا السحر حتى يقولا ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية بمعنى إلى ﴿يَقُولَا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن المضمرة بعد حتّى، والجملة صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى، تقديره: وما يعلمان أحدًا إلى قولهما له نصيحة ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ مقول محكي ليقولا منصوب بفتحة مقدرة على الأخير، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر ﴿نَحْنُ﴾ مبتدأ ﴿فِتْنَةٌ﴾ خبر، والجملة في محل النصب مقول ليقولا ﴿فَلَا﴾ الفاء حرف عطف وتفريع ﴿لَا﴾ ناهية جازمة ﴿تَكْفُرْ﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير مستتر يعود على أحد، تقديره: أنت، والجملة الفعلية معطوفة مفرّعة على الجملة الإسمية قبلها على كونها مقولًا ليقولا.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحة، مبني على الفتح؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن الملكين لا يعلمان أحدًا حتى
стр. 853
يقولا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وأردت بيان حال الناس هل ينجزون أم لا؟ فأقول لك: يتعلمون ﴿يتعلمون﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة ﴿مِنْهُمَا﴾ جار ومجرور متعلق بيتعلمون ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بيفرقون، والعائد ضمير ﴿بِهِ﴾. ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بيفرقون أيضًا ﴿وَزَوْجِهِ﴾ معطوف على المرء ﴿وَمَا﴾ الواو حالية، أو اعتراضية ﴿مَا﴾ حجازية ﴿هُمْ﴾ اسمها ﴿بِضَارِّينَ﴾ خبرها، والباء زائدة ﴿بِهِ﴾ جار ومجرور متعلق ﴿بِضَارِّينَ﴾. ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ مفعول ضارين منصوب بفتحة مقدّرة؛ لأنّه اسم فاعل، و ﴿من﴾ زائدة، وجملة ﴿مَا﴾ الحجازية في محل النصب حال من واو ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾، تقديره: يتعلمون منهما حالة كونهم غير ضارين به من أحد، أو معترضة؛ لاعتراضها بين المعطوف عليه ﴿إلّا﴾ أداة استثناء مفرّغ ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الضمير المستتر الفاعل لضارين، أو من المفعول به، الذي هو أحد.
وفي "الفتوحات": وفي صاحب هذه الحال أربعة أوجه:
أحدها: أنّه الفاعل المستكن في ﴿بِضَارِّينَ﴾ والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا إلّا حالة كونهم ملتبسين بإذن الله.
والثاني: أنّه المفعول وهو أحد، وسوّغ مجيء الحال من النكرة اعتمادها على النفي، والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا إلّا حالة كونه ملتبسًا بإذن الله.
والثالث: أنه الهاء في ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالسحر، والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا إلّا حالة كون ذلك السحر مقرونًا بإذن الله، وإرادته.
والرابع: أنّه المصدر المعرف وهو الضرر، إلّا أنّه حذف؛ للدلالة عليه، والتقدير: وما هم بضارين به أحدًا الضرر إلّا حالة كون ذلك الضرر واقعًا بإذن الله وقدرته ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا﴾ ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿يَضُرُّهُمْ﴾ فعل وفاعل مستتر
стр. 854
ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ فعل ومفعول، والفاعل ضمير مستتر يعود على ﴿مَا﴾ والجملة معطوفة على جملة ﴿يَضُرُّهُمْ﴾ على كونها صلة الموصول، قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ...﴾ الخ وفي "الفتوحات" هذا الكلام في المعنى راجع لقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ فهو معطوف عليه في المعنى.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ الواو استئنافية مسوقة للشروع في بيان حالهم بعد تعلم السحر، واللام موطئة لقسم محذوف ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿عَلِمُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ اللام حرف ابتداء مُعلِّقَةٌ لما قبلها عن العمل فيما بعدها لفظًا ﴿مَنِ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ ﴿اشْتَرَاهُ﴾ فعل ومفعول، والفاعل ضمير مستتر يعود على ﴿مَنِ﴾ والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿مَا﴾ نافية ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بمحذوف حال مقدمة على صاحبها الذي هو ﴿خَلَاقٍ﴾. ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿خَلَاقٍ﴾ مبتدأ مؤخّر، والتقدير: ما خلاق كائن له حال كونه في الآخرة، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿لَمَنِ﴾ الموصولة.
وجملة ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ من المبتدأ والخبر في محل النصب سادّة مسدّ مفعولَي ﴿عَلِمُوا﴾ إن كان متعديًا لاثنين، ومسد مفعوله إن كان متعديًا لواحد.
﴿وَلَبِئْسَ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة، واللام موطئة لقسم محذوف ﴿بئس﴾ فعل ماض جامد من أفعال الذم وفاعله ضمير مستتر وجوبًا يعود على الشيء المبهم ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة بمعنى شيء في محل النصب على التمييز مفسّرة لفاعل ﴿بئس﴾. ﴿شَرَوْا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق بشروا، وهذا الضمير هو الرابط بين جملة الصفة والموصوف ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ مفعول به لشروا، والتقدير: ولبئس الشيء شيئًا شروا به أنفسهم، وجملة ﴿بئس﴾ من الفعل والفاعل جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، أو معطوفة على جملة
стр. 855
قوله: ﴿عَلِمُوا﴾، والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره: السحرُ والكفرُ وهو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو السحر ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم ﴿كَانُوا﴾ فعل ماض ناقص، والواو اسمها، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، تقديره: لو كانوا عالمين عاقبة ما تعلَّموا، وجملة كان فعل شرط للو لا محلَّ لها من الإعراب، وجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية محذوف دَلَّ عليه السياق، تقديره: لو كانوا يعلمون عاقبة ما تعلَّموا، لما أقدموا على ما اجترحوه من عمل السحر، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾.
﴿وَلَوْ﴾ الواو استئنافية ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم ﴿أَنَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾ وجملة ﴿وَاتَّقَوْا﴾ معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾ والتقدير: ولو أنّهم مؤمنون بالله ومتّقون إيّاه، وجملة أنّ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف جوازًا؛ لأنَّ لو الشرطية لا يليها إلّا الفعل، والتقدير: ولو ثبت إيمانهم وتقواهم ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ اللام رابطة لجواب لَّوْ الشرطية، وقيل: هي لام الابتداء مثوبة مبتدأ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وهذا الوصف سوّغ الابتداء بالنكرة، والتقدير: لمثوبة كائنة من عند الله ﴿خَيْرٌ﴾ لهم خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب لو الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة لو الشرطية مستأنفة ﴿لَوْ﴾ حرف شرط غير جازم، ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾ خبره، وجملة كان من اسمها وخبرها فعل شرط للو لا محل لها من الإعراب، وجواب لو محذوف دلّ عليه ما قبلها، تقديره: لو كانوا يعلمون خيرية الثواب من عند الله لما اختاروا السحر عليه، وجملة لو الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
стр. 856
﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يَا﴾ حرف نداء؛ أي: منادى نكرة مقصودة مبني على الضمّ، ها حرف تنبيه زائد تعويضًا عمّا فات؛ أي: من الإضافة، كما عوضوا عنها ما الزائدة في نحو: أيًّا تدعوا، وخصّت ها بالنداء؛ لأنّه محل تنبيه، وجملة النداء مستأنفة ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من أي، أو عطف بيان له، أو صفة ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول ﴿لَا﴾ ناهية ﴿تَقُولُوا﴾ فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والجملة جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿رَاعِنَا﴾ مقول محكي لتقولوا، ولو شئت قلت: ﴿راع﴾ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وهي الياء، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: أنت يعود على محمد ﷺ ، ونا ضمير المتكلمين في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لتقولوا ﴿وَقُولُوا﴾ فعل وفاعل مبني على حذف النون، والجملة معطوفة، على جملة ﴿لَا تَقُولُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿انْظُرْنَا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿انْظُرْنَا﴾ فعل أمر، ومفعول به، وفاعل مستتر فيه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُولُواْ﴾. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ فعل أمر وفاعل معطوف على ﴿قُولُواْ﴾ والمفعول محذوف، تقديره: واسمعوا ما يُكلِّمُكم به الرسول، ويُلْقِي عليكم من المسائِل المُؤدِّيةِ إلى فَلاَ حكُمْ دينا، ودنيا، ومعادًا ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الواو استئنافية ﴿للكافرين﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخّر ﴿أَلِيمٌ﴾ صفة لعذاب، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا مسوقة للإجمال بعد التفصيل.
﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.
﴿مَا﴾ نافية، ﴿يَوَدُّ﴾ فعل مضارع مرفوع ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل، والجملة مستأنفة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من الواو في كَفَرُوا ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على أَهْلِ الكِتَاب وزيدت لا هنا؛ لتأكيد النفي السابق، ولو كان في غير القرآن لجاز حذفها ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُنَزَّلَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة منصوب بأن المصدرية
стр. 857
﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بينزّل ﴿مِنْ﴾ هو زائدة ﴿خَيْرٍ﴾ نائب فاعل لينزل ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ صفة لخير، والجملة الفعلية مع أَن المصدرية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية ليودّ، تقديره. ما يودّ الذين كفروا تنزيل خير كائن من ربّكم عليكم ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿يَخْتَصُّ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ جار ومجرور متعلق بيختّص ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: من يشاؤه؛ أيْ: يشاء تخصيصه ﴿وَاللَّهُ﴾ الواو استئنافية ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ ﴿ذُو﴾ خبر مرفوع بالواو المحذوفة؛ لالتقاء الساكنين؛ لأنّه من الأسماء الستة، وهو مضاف ﴿الْفَضْلِ﴾ مضاف إليه ﴿الْعَظِيمِ﴾ صفة للفضل، والجملة الاسمية مستأنفة، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ تقدّم أن أصل الميثاق مِوْثاق، قلبت الواو ياءً لمَّا سُكِّنت بعد كسرةٍ ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أمر من أخذ، والقياس أن يسكن فاؤه، ويؤتى بهمزة وصل؛ للتوصل بها إلى النطق بالساكن، كما قالوا: اضرب، اصبر، ولكن قدَّمنا أنَّ هذا الفعل وهو أخذ، وكذلك أكَلَ، وأَمَر، أنَّ الأمر منها دائمًا، هكذا: خُذ، كُل، مُر ﴿مَا آتَيْنَاكُمْ﴾ أصله: أأتيناكم بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا حرف مدِّ للأولى ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ وبئس فعلٌ، وضع لإنشاء الذمّ، وأصله. فعِلَ، ولكنّهم خفَّفوا بسكون الوسط وله ولنِعْمَ باب معقود في النحو، وأصل إيمانكم: إئمانكم بهمزتين، أبدلت الثانية الساكنة حرف مدّ مجانسًا لحركة الأولى.
﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الدار فيه إعلال بالقلب، فألفه منقلبة عن واو، وأصله؛ دَوَرٌ تحركت الواو بعد فتح فقلبت ألفًا، ولذلك يصغر على دويرة ﴿خَالِصَةً﴾ الخالص: الذي لا يشوبه شيء، يقال: خلص يخلص خلوصًا، إذا
стр. 858
سلم من شائبة الغير، فالخالصة مصدر جاء على وزن فاعلة، كالعافية، والعاقبة، وهو بمعنى الخلوص، كما ذكره "الكرخي" ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ أصله: تمنّيوا بوزن تفعلوا من التمنّي، يقال: تمنّى يتمنّى تمنيًّا، وأمرُ الجماعة منه تمنّووا، وذلك أنّ المضارع لمّا بني منه الأمر، حذف حرف المضارعة ونون الرفع، فصار تمنّيوا، فتحركت الياء فقلبت ألفًا فالتقى ساكنان الألف وواو الجماعة، فحذفت الألف، ثمّ حركت الواو بالضمّ؛ لالتقائها ساكنة مع لام ال بعده؛ لأنّ همزة الوصل ساقطة في الدرج، ومعنى تمنوا الموت: تشوفوا، واجعلوا نفوسكم ترتاح إليه، وتودُّ المصير إليه ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ والعجل: هو الذي صنعه لهم السامري من حليهم، وجعلوه إلهًا وعبدوه، ويقال: أشرب قلبه كذا؛ أي: حُلَّ محلَّ الشراب، كأنَّ الشيء المحبوب شراب يُساغُ، فهو يسري في قلب المحب، ويمازجه كما يسري الشراب العذب البارد في اللَّهاة، وحقيقة أُشْرِبَه كذا جعله شارِبًا له.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ تجدنهم مضارع وجَدَ، وأصله: يَوْجِدُ من فَعَل بفتح العين في الماضي يفعِل بكسرها في المضارع، فهو مثالٌ وقعت الواو بين عدوَّتيها الياء المفتوحة والكسرة فحذفت، ثُمَّ بني الفعل على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد المباشرة، وقس على هذا ما شابهه، ومادَّة. وجد مشتركٌ بين الإصابة، والعلم، والغنى، والحرج، ويختلف بالمصادر، كالوجدان، والوجد، والموجدة، والحرص شدَّة الطلب، وفي "المصباح": وحَرَص عليه حرصًا من باب ضرب إذا اجتهد، والاسم الحِرص بالكسر، وحرص على الدنيا من باب ضرب أيضًا، وحَرِص حرصًا من باب تعب إذا رغب رغبةً مذمومةً. اهـ.
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ من الود وهو المحبَّة للشيء والإيثار له، وهو مضارع وَدِدَ بكسر العين في الماضي، يَوْدَدُ بفتحها في المضارع من باب فَعِلَ يَفْعَلَ، نقلت حركة الدال إلى الواو، فسكنت، فأدغمت في الدال الثانية ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ من عمَّر المضعَّف، والتضعيف فيه للنقل، إذ هو من عَمَّر الرجل إذا طال عمره، وعمَّره الله إذا أطال عمره، والعمر مدَّةُ البقاء ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ والألف عشر من المئين، وقد يتجاوز فيه فيدلُّ على الشيء الكثير وهو من الألفة، إذ هو ما لَفَّ أنواعَ الأعداد، إذ العشرات ما لَفَّ الآحاد، والمئون ما لفَّ العشرات، والألف ما لفَّ المِئِين
стр. 859
﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ من الزحزحة: وهي الإزالة والتنحية عن المقرِّ، وزحزح يستعمل متعدِّيًا كما هنا، ولازمًا، كقول الشاعرِ:
خَلِيْلَيَّ ما بَالُ الدُّجَى لا يُزَحْزَحُ ... وَمَا بالُ ضَوءِ الصُّبْحِ لا يتَوضَّحُ
والمعنى: بمنجيه من العذاب، وقيل: من بمعنى عن؛ أي: بمبعده عن العذاب، وتكرار الحروف يشابه تكرار العمل ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ والعدوُّ ضِدُّ الصديق، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والمثنى والجميع، وأصله: عَدُوْوٌ بوزن فَعولٍ، أدغمت وَاوُ فَعول في لام الكلمة ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ نَبْذُ الشيءِ طَرَحُهُ وإلقاؤهُ، والفريق: العدد القليل، وأصل أوتوا: أؤتيوا مبنيًّا للمجهول، وفيه همزتان الأولى مضمومة، والثانية ساكنة، فأبدلت الثانية حرف مدٍّ للأولى من جنس حركتها على حدِّ قول ابن مالك:
وَمَدًّا ابْدِل ثَانِيَ الهَمْزَيْنِ مِنْ ... كِلْمَةٍ إنْ يَسْكُنْ كَآثِرْ وائتُمِينْ
ثمّ استثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فسكنت، فحذفت لالتقاء الساكنين ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ ﴿اتبعوا﴾ افتعلوا من الاتباع، أدغمت فاء الفعل في تاء الافتعال، فقيل: اتبعوا بعد أن استجلبت همزة الوصل، للتوصّل إلى النطق بالساكن ﴿تَتْلُو﴾ أصَلْهُ: تَتْلُوُ بوزن تَفعُلُ من تلا يتلو، كسما يسمو ناقصٌ واويٌّ، ولمَّا تطرفت الواو إثر ضمة سكنت، وجعلت حرف مدّ ﴿بضارِّين﴾ أَصْلُه: بضارِرِين، أدغمت الراء الأولى بعد تسكينها في الثانية ﴿مَا يَضُرُّهُمْ﴾ أصله: يَضْرُرْهم بوزن يفعل، نقلت حركة الراء الأولى إلى الضاد، فسكنت، فأُدغمت في الراء الثانية ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ علمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهَرْتِ والمَرتِ؛ أي: الكُسْرِ كما زعَمَ بعضهم لانَصْرَفَا ﴿بِبَابِلَ﴾ وبابلُ مدينة قديمة مُنع من الصرف للعلمية والعجمة، وتقعُ أنْقاضُها على الفُراتِ قُرْبَ الحُلَّةِ شرقيَّ بغدادَ ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ أصله: اشتَرَيَ بوزن افتَعَلَ، قُلبت الياءُ لامُ الفعل ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، فهي مِنْ شرَاه يَشْرِيهِ إذا باعه، أو ملَكَه بشراءٍ، ودليلُ ذلك قولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ بالفتح بمعنى نصيب ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا﴾ أصل: شروا كما تقدّم قريبًا شَرَيُوا، تحركت الياء وانفتح ما
стр. 860
قبلها فقلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، فحذفت الألف.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أصله؛ أَأْمنُوا، أبدلت الهمزة الثانية ألفًا حرف مَدٍّ للأولى ﴿وَاتَّقَوْا﴾ أصله: أوْتَقَيُوا، أبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء، وأدغمت في تاء الافتعال، ثم أبدلت الياء ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، فالتقى ساكنان الألف والواو، فحذفت الألف، وبقيت الفتحة دالةً عليها ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وَزْنهُ مَفْعُلَةً بضمّ العين من الثواب، نقلت حركة الواو إلى الفاء، فسكنت الواو إثر ضمة، فجعلت حرف مدّ. ونقل الواحديُّ: أنَّ المثوبة فيها قولان:
أحدهما: أنّ وزنها مَفْعُولة، والأصلُ: مَثْوُوْبةٌ بواوين، فثقلت الضمةُ على الواو الأولى، فنقلت إلى الساكن قبلها، فالتقى ساكنان، فحذف أوّلهما الذي هو عين الكلمة، فصار مثوبة على وزن مفولة، ومحوزة، ومصونة، ومشوبة، وقد جاءت مصادر على وزن مفعول، كالمعقود، فهي مصدر نقل ذلك الواحديُّ.
والثاني: أنّها مفعُلةٌ بضم العين، وإنما نُقلت الضمة منها إلى الثاء، وكان من حقّها الإعلال، فيقال: مَثابة، كمَقالة، إلّا أنّها صحَّحوها. اهـ. "سمين". ﴿تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ يقال: تلا يتلو إذا تبع، وتلا القرآن؛ قرأه. وتلا عليه؛ كذَب. قاله أبو مسلم، وقال أيضًا: تلا عنه؛ صدف. فإذا لم يذكر الصِلَتَين احتمل الأمرين ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾؛ أي: في زمنه، وسليمان: اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره من الأعجمية في أنَّ آخرُهُ ألفًا ونونًا هامان، وماهان، وسامان، وليس امتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون كعثمان؛ لأنَّ زيادة الألف والنون موقوفةٌ على الاشتقاق، والتصريف، والاشتقاق، والتصريف العربيان لا يدخلان الأسماء العجمية ﴿السِّحْرَ﴾ مصدر سَحَر يَسْحَر سِحْرًا على وزن فِعْلٍ، ولا يوجد مصدرٌ على وزن فِعْلٍ إلّا سِحْرٌ وفِعْلٌ، قاله بعض أهل العلم، قال الجوهري: كُلُّ ما لطَفُ ودقَّ فهو سِحر، يقال: سحَرَهَ؛ أَبْدَى، له أمرًا يَدِقُّ عليه ويَخْفَى. انتهى. وقال الشاعر:
أدَاءٌ عرَانِي مِنْ حَيائِكَ أمْ سِحْرُ
ويقال: سحَرَه إذا خدَعه، ومنه قولُ امريء القيس:
стр. 861
أَرانَا موضعيَنِ لأمْرِ عيْب ... وَنُسْحَرُ بالطَّعَامِ وَبالشرَابِ
أي نُعَلَّلُ ونُخْدَعُ ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ اسمان أعجميَّان ممنوعان من الصرف، ومن نظائرهما طالوتُ وجالوتُ، ويجمعان على هواريت، ومواريت. ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ والفتنة: الابتلاءُ والاختبار، يقال: فتن يفتن فتونًا، وفتنةً ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ والضُرُّ والنفع معروفان، ويقال: ضرَّ يضُرُّ بضمّ الضاد، وهو قياس المضعَّف المتعدِّي، ومصدره: الضُرُّ والضَرُّ والضرر، ويقال: ضار يضير، قال:
يَقُولُ أُناسٌ لا يَضِيْرُكَ نَابُهَا ... بَلَى كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يضيْرُهَا
ويقال: نفع ينفع نفعًا، قيل: لا يقال منه اسم مفعول، نحو: منفوع، والقياس النحويُّ يقتضيه ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ الخلاق في اللغة: النصيب، قاله الزجَّاج، قال لكنه أكثر ما يستعمل في الخير، قال:
يَدْعُوْنَ بالوَيْلِ فِيْهَا لا خَلاَقَ لَهُمْ ... إلّا السَّرَابِيْلُ مِنْ قَطْرٍ وأغلاَلُ
والخلاقُ أيضًا: القَدْرُ، قال الشاعر:
فَمَا لَكَ بَيْتٌ لَدَى الشَّامِخَاتِ ... وَمالَكَ في غَالِب مِنْ خَلاق
﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ مفعلة من الثواب كما مرّ، نقلت حركة الواو إلى الثاء، ويقال: مثوبةٌ، وكان قياسه الإعلال، فتقول: مثابةٌ، ولكنهم صحَّحُوه كما صحَّحُوا في الأعلام مَكْوُرة، ونظيرهُما في الوزنِ من الصحيح مَقْبَرة ومَقْبُرة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال الراغبُ: العداوةُ: التجاوز، ومُنافاة الالتئام. فبالقَلْبِ يقال: العداوة. وبالمَشْي يقال: العَدْوُ. وبالإخلال في العدل يقال: العُدْوان. وبالمكان أو النَّسب، يقالَ: قومٌ عِدَي؛ أي: غُرباء. ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ وهذا مثلٌ يُضرب لمن أعرض عن الشيء جملةً، تقول العرب: جعل هذا الأمر ورَاءَ ظهرِه ودُبُرَ أُذنه، وقال الفرزدق:
تَمِيمُ بنُ مُرٍّ لا تَكُونَنْ حَاجَتِي ... بِظَهْرٍ وَلاَ يَعْيَا عَلَيْكَ جَوَابُهَا
وقالت العرب ذلك. لأنَّ ما جُعل وراء الظهر لا يمكن النظرُ إليه، ومنه ﴿واتَّخذتُموه ظهريا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ راعنا وزنه فاعنا،
стр. 862
أُعلّ بحذف لامه؛ لمناسبة باء الأمر؛ لأنّه من الرعاية، يقال: راعى يراعي مراعاة، إذا نظر في مصالح الإنسان، وتدبير أموره.
البلاغة
وقد تضمّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ حيث شبَّه حبَّ عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه وهو الإشراب على طريق الاستعارة المكنية، قال في "تلخيص البيان"، وهذه استعارةٌ، والمراد: وصف قلوبهم بالمبالغة في حُبِّ العجل، فكأنَّها تشرَّبَتْ حُبَّه، فمازجها ممازجة المشروب، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ، وقال بعضهم فيه: التشبيه البليغ؛ أي: جعلت قلوبهم لتَمَكُّن حب العجل منها، كأنَّها تشرب، ومثله قول زهير:
فصحوتَ عَنْهَا بَعْدَ حُبٍّ داخِلٍ ... وَالْحُبُّ يَشْرَبُهُ فُؤَادُكَ دَائِمًا
وإنما عبَّر عن حُبّ العجل بالشرب دون الأكل؛ لأنَّ شُرْبَ الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعامُ لا يتغلغل فيها.
ومنها: التهكُّم في قوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ حيث أسند الأمر إلى إيمانهم، وكذلك إضافةُ الإيمان إليهم، أمَّا الثاني فظاهرٌ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ تحقيرًا ودلالة على أنَّ مثل هذا لا يليق أن يسمَّى إيمانًا إلّا بالإضافة إليكم، وأمَّا الأوّل؛ فلأنَّ الإيمان إنّما يأمر ويدعو إلى عبادة من هو في غاية العلم والحكمة، فالإخبار بأنَّ إيمانهم يأمر بعبادة ما هو في غاية البلادة، في غاية التهكم والاستهزاء، سواءٌ جعل يأمر به بمعنى يدعو إليه أم لا. انتهى. من "الكرخي".
ومنها: التنكير في قوله: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾؛ للتنبيه على أنَّ المراد بها حياةٌ مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة التي يعمر فيها الشخص ألوفًا من السنين.
стр. 863
ومنها: تخصيص هذا العدد في قوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ لأنّهم يقولون ذلك فيما بينهم عند العطاس والتحيّة عِشْ ألفَ سنة، وألف نَوَّروُزْ، وأَلْفِ مهرجان.
ومنها: الإتيانُ بالجملة الاسمية في جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ لزيادة التقبيح والتشنيع؛ لأنّها تُفِيدُ الثباتَ والدوامَ.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ حيث لم يقل: عدوٌّ لهم؛ لتسجيل صفة الكفر عليهم، وأنّهم بسبب عداوتهم للملائكة أصبحوا من الكافرين.
ومنها: الإظهار في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ حيث لم يقل: فإنه؛ دفعًا لاحتمال أن يعود الضمير إلى جبريل، أو ميكائيل.
ومنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾، إظهارًا لمزيَّتِهِ وشرفه.
ومها؛ إسناد النبذ إلى فريق منهم في قوله: ﴿نبذ فريق منهم﴾؛ إشعارًا بأنَّ منهم من لم ينبذ.
ومنها: خُروج الأمر عن معناه الأصليِّ إلى معنى التعجيز، في قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ هو لأنَّ ذلك ليس من سِماتهم، ولا من ظواهرهم المألوفة، فإنَّ تمني الموت من شأن الأبرار المقرَّبين؛ لأنَّ من أيقن بالشهادة اشتاق إليها، وبكى حنينًا إليها، وقد رُوي عن علي بن أبي طالب (أنّه كان يطوف بين الصفين، في غلالة، فقال ابنه الحسن: ما هذا بزيِّ المحاربين؟ فقال: يا بنيّ! لا يبالي أبوك سقط على الموت أم سقط عليه الموت)، ولمَّا احتضر خالد بن الوليد بكى، فقيل له: ما يبكيك؛ قال: (والله ما أُبالي إشفاقًا من الموت، ولكن لأنّي حضرت كذا وكذا معركةً، ثمّ أموت هكذا، كما تموت العنز، فلا نامت أعين الجبناء) وعن حذيفة أنّه كان يتمنَّى الموت، فلما احتضر قال: (حبيبٌ جاء على فاقةٍ لا أفلح من ندم! يعني: على التمنِّي، وعن النبي ﷺ : (لو تمنَّوا الموت لغَصَّ كُلُّ إنسان منهم بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهوديٌّ).
стр. 864
ومنها: الإيجاز في قوله: ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾ ففي تنكير حياة فائدةٌ عجيبة، فحواها: أنَّ الحريص لا بُدَّ أن يكون حيًّا، وحرصه لا يكون على الحياة الماضية والراهنة، فإنّهما حاصلتان، بل على الحياة المستقبلة، ولمَّا لم يكن الحرص متعلِّقًا بالحياة على الإطلاق، بل بالحياة في بعض الأحوال، وجب التنكير، وفي الحذف توبيخٌ عظيمٌ لليهود؛ لأنَّ الذين لا يؤمنون بالمعاد، ولا يعرفون إلّا الحياة، لا يستبعد حرصهم عليها، فإذا زاد أهل الكتاب عليهم في الحرص، وهم مُقِرُّون بالبعث والجزاء، كانوا أحرى باللَّوم والتوبيخ.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ لأنّه كنايةٌ عن الكثرة، فليس المراد خصوص الألف.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿رَسُولٌ﴾؛ للدلالة على التفخيم والتعظيم.
ومنها: وصفه بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بأنَّه آتٍ من عند الله، إفادةً لمزيد التعظيم.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾ كناقة الله وبيت الله.
ومنها: التمثيل في قوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ لأنّه تمثيل لتركهم وإعراضهم عن كتاب الله بالكلية، حيث رموه بالعناد، ولم يعملوا به بما يرمى به وراء الظهر استغناءً عنه، وقلَّة التفاتٍ إليه.
ومنها: حكاية حالٍ ماضيةٍ في قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ حيث لم يقل تلت الشياطين؛ لأنَّ تلاوتهم من الأمور الماضية فعبَّر عنها بالمستقبل حكايةً لها.
ومنها: زيادة مِنْ في المفعول في قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾؛ لإفادة تأكيد الاستغراق المستفاد من أحد.
ومنها: القصر في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾؛ لبيان أنّه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأنٌ سواها؛ لِنَصْرِفَ الناسَ عن تعلُّمِه.
стр. 865
ومنها: الطباق بين الضرِّ والنفع في قوله: ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ لأنَّ بينهما طباق السَّلْب.
ومنها: فنٌّ رفيعٌ في فنون البلاغة في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾؛ الخ. وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وهو تنزيل العلم منزلة الجاهل، فإنَّ صدر الآية يدلُّ على ثبوت العلم في أنّه لا نفع لهم في اشتراء كتب السحر والشعوذة، واختيارها على كتب الله تعالى، وآخر الآية ينفي عنهم العلم، فإنَّ لو تدلُّ على امتناع الثاني لامتناع الأول، إلا أنَّ نفي العلم عنهم لأمرٍ خطابيٍّ، نظرًا إلى أنَّهم لا يعملون على مقتضى العلم، ولكن في ذلك مبالغةٌ من حيث الإشارة، إلى أنَّ علمهم بعدم الثواب كافٍ في الامتناع، فكيف العلم بالذمِّ والرداءة.
ومنها: الإتيان بالجملة الاسمية في جواب لو الشرطية في قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ بدل الجملة الفعلية؛ للدلالة على الثبوت والاستمرار.
ومنها: تنكير مثوبة في قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾؛ لإفادة التقليل؛ أي: شيءٌ قليلٌ من الثواب كائنٌ من عند الله خيرٌ.
ومنها: حذف المفضَّل عليه في قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾؛ إجلالًا للمفضَّل من أن ينسب إليه، وهو السحر.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لأنَّ نفي الودِّ عنهم كنايةٌ عن الكراهة؛ أي: ما يحب الذين كفروا الخ.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
ومنها: تصدير الجملتين بلفظ الجلالة في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ﴾ للإيذان بفخامة الأمر.
ومنها: فنُّ التهذيب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ وهو ترداد النظر فيما يكتبه الكاتب، وينظمه الشاعر، فقد خلصت هذه الآية من الإيهام، ودلَّتْ على آداب المخاطبة ليكون الكلام بريئًا من المطاعن، بعيدًا عن الملاحن.
стр. 866
ومنها: زيادة لا النافية في قوله: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ تأكيدًا للنفي المستفاد ممَّا قبلها؛ لأنَّ المعنى ما يودُّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، بغير زيادة لا. اهـ."سمين".
ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع.
والله أعلم
* * *
اليهود، وعدم قبول آرائهم في شيء من أمور دينهم، ذكر هنا وجه العلة في ذلك، وهي أنَّ كثيرًا منهم يودون لو ترجعون كفارًا حسدًا لكم ولنبيّكم، فهم لا يكتفون بكفرهم بالنبي ﷺ ، والكيد له بنقض ما عاهدهم عليه، بل يحسدونكم على نعمة الإِسلام، ويتمنون أن تحرموا منها.
وقد كان لأهل الكتاب حيلٌ في تشكيك المسلمين في دينهم، فقد طلب بعضهم من بعض أن يؤمنوا أوَّل النهار، ويكفروا آخره كي يتأسَّى بهم بعض ضعاف الإيمان من المسلمين، وكانوا يلقون بعض الشبه على المؤمنين، ليشككوهم في دينهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها من حيث إنَّ هذه الآيات في بيان أباطيل أخر لأهل الكتاب وقبائحهم، حيث ادَّعى كلٌّ من الفريقين اليهود والنصارى أنَّ الجنّة خاصَّةٌ به، وطعن في دين الآخر، فأكذب الله الفريقين، وبيَّن أنّ الجنّة إنّما يفوز بها المؤمن التقيُّ الذي عمل الصالحات.
واعلم: أنّ الله سبحانه ذكر في هذه الآية حالين من أحوال اليهود (١):
أولاهما: تضليل من عداهم، وادعاؤهم أنَّ الحق لا يعدوهم، وأنّ النبوة مقصورةٌ عليهم.
وثانيهما: تضليل اليهود للنصارى، وتضليل النصارى لهم، كذلك مع أنَّ كتاب اليهود أصل لكتاب النصارى، وكتاب النصارى متمِّمٌ لكتاب اليهود.
والعبرة من هذا القصص: أنَّهم قد صاروا إلى حال من اتباع الأهواء، لا يعتدُّ معها بقول أحد منهم، لا في نفسه، ولا في غيره، فطعنهم في النبي ﷺ ، وإعراضهم عن الإيمان به، لا يثبت دعواهم في أنّه مخالف للحق، فاليهود قد كفروا بعيسى، وقد كانوا ينتظرونه، والنصارى كفروا بموسى ورفضوا التوراة، وهي حجتهم على دينهم، فكيف بعدئذٍ يعتدُّ برأيهم في محمدٍ ﷺ ؟ وهو من غير
стр. 869
شعبهم، وجاء بشريعةٍ نسخت شرائعهم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ سبحانه الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله ، لمَّا ذكر افتراء اليهود والنصارى وقولهم: إنّ الجنّة لا يدخلها إلّا من كان هودًا أو نصارى، وإنّها خاصة بهم .. أردف ذلك بذكر بعض قبائحهم، وقبائح المشركين في ادّعائهم: أنّ لله ولدًا، حيث زعمت اليهود: أنَّ عزيرًا ابن الله، وزعمت النصارى: أنّ المسيح ابن الله، وزعم المشركون: أنّ الملائكة بنات الله، فأكذبهم الله وردَّ عليهم دعواهم الباطلة.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: (كان ربما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل وينساه في النهار، فأنزل الله : ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ الآية).
وروي أنَّ هذه الآيات نزلت حين قال المشركون، أو اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمرٍ، ثُمَّ ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول: اليوم قولا ويرجع عنه غدًا، فقد أمر في حد الزنا بإيذاء الزانيين باللِّسان حيث قال: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ ثُمَّ غيَّره وأمر بإمساكهن في البيوت، حيث قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ ثمَّ غيَّره بقوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فما هذا القرآن إلّا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضًا، ومقصدهم من ذلك الطعن في الدين؛ ليضعِّفوا عزيمة من يريد الدخول فيه، وينضوي تحت لوائه.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رفيع بن خزيمة، ووهب بن زيد لرسول الله ﷺ : يا محمد! ائتنا بكتابٍ تنزله علينا من السماء نقرؤه، أو فجر لنا أنهارًا نتَّبعك ونصدِّقك، فأنزل الله في ذلك: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
стр. 870
وما أخرجه ابن جرير، عن مجاهد قال: سألت قريشٌ محمدًا ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، فقال: "نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم" فأبوا، ورجعوا، فأنزل الله : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ...﴾ الآية، سبب نزولها: أنّه كان حُييُّ بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، من أشدّ اليهود حسدًا، للعرب، إذْ خصّهم الله تعالى برسوله، وكانوا جاهدين في رد الناس عن الإِسلام، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس ﵄ وعن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أنّه أخبره: أنَّ رسول الله ﷺ ركب على حمار، فقال لسعد: "ألم تسمع ما قال أبو الحباب" يريد عبد الله بن أبي؟ قال: "كذا وكذا"، فقال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح، فعفا عنه رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ يعفو عن أهل الكتاب والمشركين، فأنزل الله : ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ ، أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ ، فقال رافع بن حرملة من اليهود: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى، وبالإنجيل، وقال: رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة، فأنزل الله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية، ما أخرجه ابن جرير، عن ابن زيد قال: نزلت هذه الآية في المشركين حين صدُّوا رسول الله ﷺ ، عن مكة يوم الحديبية، وأخرج ابن جرير من طريق سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس قال: إنّ قريشًا منعوا النبيَّ ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله سبحانه ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ ...﴾ الآية.
стр. 871
التفسير وأوجه القراءة
١٠٦ - ولمَّا حرَّم الله قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾ بعد حلِّه، وكان ذلك من باب النسخ، قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بغير عطف؛ لشدّة ارتباطه بما قبله. و ﴿مَا﴾ شرطية جازمة لننسخ، منتصبةٌ به على المفعولية؛ أي: أي شيء ﴿نَنْسَخْ﴾! ومحلُّ قوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ النَّصب تمييزًا لما الشرطيَّة، والنسخ في اللُّغة: الإزالة والنقل، يقال: نسخت الريح الأثر؛ أي: أزالته، ونسخت الشمس الظلَّ إذا أزالته، ونسخت الكتاب؛ أي: نقلته من نسخةٍ.
واصطلاحًا: بيان انتهاء حكم التعبُّد بتلاوة الآية، وقراءتها، أو انتهاء التعبُّد بالحكم المستفاد منها، أو بهما جميعًا.
فالأوَّل: أعني: نسخ التلاوة دون الحكم، كآية الرجم، كما روي أنَّ مما يتلى عليكم في كتاب الله (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتةَ) فهو منسوخ التلاوة دون الحكم، ومعنى النسخ في مثلها: انتهاء التكليف بقراءتها عند نسخ تلاوتها، وهذا القسم قليلٌ، وهو المراد بقوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
والثاني: أعني: نسخ الحكم دون التلاوة، فكآية عدّة الوفاة بالحول، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نسخت بأربعة أشهر وعشرًا، المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى غير ذلك من الأمثلة، كالآيات التي نسخت بآية السيف، وكمصابرة الواحد لعشرة في القتال، نسخت بمصابرة الواحد للاثنين، فهو منسوخ الحكم دون التلاوة، وهو المعروف الكثير من النسخ في القرآن، فتكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين في التلاوة، إلّا أنَّ المنسوخة لا يعمل بها، ومعنى النسخ في مثلها: بيان انتهاء التكليف بالحكم المستفاد منها عند نزول الآية المتأخِّرة عنها، وحسن بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ورفعه؛ ليبقى حصول الثواب بقراءتها، فإنّ القرآن كما يتلى لحفظ حكمه لتيسير العمل به، يتلى أيضًا؛ لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه.
стр. 872
والثالث: أعني: نسخ الحكم والتلاوة جميعًا، فكما روي عن عائشة ﵂ أنّها قالت: (كان مما يتلى في كتاب الله ﴿عَشْرُ رضعات يُحَرِّمْنَ﴾ ثُمَّ نسخ بـ ﴿ـخمسُ رضعاتٍ يُحرّمن﴾) فهو منسوخ الحكم والتلاوة جميعًا، ومعنى النسخ في مثلها: بيان انتهاء التكليف بقراءتها وبالحكم المستفاد منها عند نسخها.
وهذان القسمان هما المذكوران بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فدخل تحت قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قسمان من أقسام النسخ، وهما: نسخ الحكم واللفظ معًا، أو الحكم فقط، وتحت قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ﴾ قسمٌ واحد، وهو نسخ اللفظ دون الحكم. قال القرطبي: الجمهور على أنَّ النسخ إنّما هو مختصٌّ بالأوامر، والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ؛ لاستحالة الكذب على الله تعالى.
والمعنى: أيَّ شيء من الآيات ننسخ ونرفع حكمها مع بقاء لفظها؟ كآية عدّة الوفاة بالحول بآية أربعة أشهر وعشرة أيام، أو ننسخ ونرفع لفظها وحكمها جميعًا، كنسخ عشر رضعات بخمس رضعات ﴿أو ننسأها﴾؛ أي: نؤخِّر ونبق حكمها مع رفع تلاوتها، كآية الرجم؛ لأنّه إمّا من النَّسيء إنْ قرأنا بفتح النون والسين، أو من الإنساء إن قرأنا بضمّ النون وكسر السين، وكلاهما بمعنى التأخير، والمراد: تأخير حكمها وإبقاؤه مع نسخ تلاوتها، أو تأخيرها في اللوح المحفوظ عن الإنزال إلى وقتٍ أراد الله سبحانه إنزالها فيه، وفي "الروح" قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾؛ أي: نذهبها عن قلوبكم، فإنساء الآية إذهابها من القلوب، كما روي إنَّ قومًا من الصحابة قاموا ليلةً ليقرؤوا سورةً، فلم يذكروا منها إلّا البسملة، فغدوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فقال ﷺ : "تلك سورةٌ رفعت بتلاوتها وأحكامها" ﴿نَأْتِ﴾؛ أي: نرسل جبريل ﴿بِخَيْرٍ﴾ أي: بآيةٍ هي خيرٌ وأسهل على العباد؛ أي: من المنسوخة؛ أي: نرسله (١) بما هو أنفع لكم، وأسهل عليكم، وأكثر لأجوركم، وليس معناه: أنَّ آيةً خيرٌ من آية؛ لأنَّ كلام الله تعالى واحدٌ، وكلُّه
стр. 873
خيرٌ، فلا يتفاضل بعض الآيات على بعض في أنفسها من حيث إنّه كلام الله تعالى، ووحيه، وكتابه، بل التفاضل فيها إنّما هو بحَسَب ما يحصل منها للعباد، والخيريَّة: إمَّا في السُّهولة، كنسخ وجوب مصابرة الواحد لعشرة، بوجوب مصابرته لاثنين، أو في كثرة الأجر، كنسخ التخيير بين الصوم والفدية، بتعيين الصوم، فالأول من النسخ بالبدل الأخفِّ، والثاني من النسخ بالبدل الأثقل ﴿أَوْ﴾ نرسله بـ ﴿مِثْلِهَا﴾؛ أي: بمثل المنسوخة في النفع، والثواب، والعمل، وذلك كنسخ وجوب استقبال صخرة بيت المقدس، بوجوب استقبال الكعبة، فهما متساويان في الأجر.
والمعنى: إنّ كُلَّ آية نذهب بها على ما تقتضيه الحكمة، والمصلحة من إزالة لفظها، أو حكمها، أو كليهما معًا إلى بدلٍ، أو إلى غير بدل، كما في إنسائها، وإذهابها عن القلوب بالكلية، كما روي عن قومٍ من الصحابة ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾؛ أي: نوح إليك غيرها مما هو خيرٌ للعباد، بحسب الحال من الذاهبة، أو ممَّا هو مثلها في النفع والثواب. فكلُّ ما نسخ إلى أيسر، فهو أسهل في العمل، وما نسخ إلى الأشقّ، فهو في الثواب أكثر، أمَّا الأول: فكنسخ الاعتداد بحولٍ، ونقله إلى الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، وأمَّا الثاني: فكنسخ ترك القتال بإيجابه، وقد يكون النسخ بمثل الأول لا أخفَّ ولا أشقَّ، كنسخ التوجُّه إلى بيت المقدس، بالتوجه إلى الكعبة، وهذا الحكم غير مختصٍّ بنسخ الآية التامَّة فما فوقها، بل جارٍ فيما دونها أيضًا، وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب.
واعلم: أنَّ الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخًا تجوّزًا في الإسناد، بناءً على أنَّ النسخ يقع به، والمنسوخ هو الحكم المزال، والمنسوخ عنه: هو المُتعبِّدُ بالعبادةِ المُزالَةِ وهو المكلَّف، والحكمة (١) في النسخ: أنّ الطبيبَ المباشرَ لإصلاح البدن، يُغيِّر الأغذية، والأدوية، بحسب اختلاف الأمزجة، والأزمنة، كذلك الأنبياء المباشرون لإصلاح النفوس، يغيِّرون الأعمال الشرعية، والأحكام الخلقيَّة التي هي للنفوس بمنزلة العقاقير، والأغذية
стр. 874
للأبدان، فإنَّ أغذية النفوس، وأدويتها: هي الأعمال الشرعية، والأخلاق المرضية، فيغيِّرها الشارع على حسب تغيُّر مصالحها، فكما أنَّ الشَّهْدَ يكون دواءً للبدن في وقتٍ، ثمّ قد يكون داءً في وقتٍ آخر، كذلك الأعمال قد تكون مصلحةً في وقت، ومفسدة في وقت آخر، وخلاصة (١) المعنى: ما نغير حكم آيةٍ، أو نُنْسِيْكَهُ، إلّا أتينا بما هو خيرٌ منه لمصلحة العباد بكثرة الثواب، أو بمثله فيه.
قال الأستاذ الإمام: والمعنى الصحيح الذي يَلْتَئِمُ مع السياق: أنَّ الآية هنا ما يؤيّد الله تعالى به الأنبياء، من الدلائل على نبوتهم؛ أي: ما ننسخ من آية نقيمها دليلًا على نبوّة نبيّ من الأنبياء؛ أي: نزيلها، ونترك تأييد نبيٍّ آخر بها، أو ننسها الناس؛ لطول العهد بمن جاء بها، فإنَّا بما لنا من القدرة الكاملة، والتصرّف في الملك؛ نأت بخير منها في قوّة الإقناع، وإثبات النبوة، أو بمثلها في ذلك، ومن كان هذا شأنه في قدرته، وسعة ملكه، فلا يتقيَّدُ بآية مخصوصة يمنحها جميع أنبيائه. اهـ. وقد سبقه إلى مثله محيي الدين ابن العربي في "تفسيره". وقرأ الجمهور (٢) ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ من نسخ الثلاثي بمعنى: أزال. وقرأت طائفة، وابن عامر من السبعة ﴿ما نُنسِخ﴾ بضمّ النون الأولى من أنسخ الرباعي، وهو بمعنى: نسخ الثلاثي.
وقرأ عُمر وابن عباس، والنخعيُّ، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، ومن السبعة ابن كثير، وأبو عمرو ﴿أو نَنْسَأْهَا﴾ بفتح نون المضارعة والسين، وسكون الهمزة. وقرأ طائفة كذلك، إلّا أنّه بغير همز، وذكر أبو عبيد البكريُّ في كتاب "اللَّالي" ذلك، عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وَهِمَ، وكذا قال ابن عطية، قال: وقرأ سعد بن أبي وقاص: ﴿تَنْسَاها﴾ بالتاء المفتوحة وسكون النون وفتح السين من غير همز، وهي قراءة الحسن، وابن يعمر، وقرأت فرقة كذلك، إلّا أنهم همَّزوا. وقرأ أبو حيوة كذلك، إلّا أنّه ضمَّ التاء. وقرأ سعيدٌ كذلك، إلّا أنه بغير همز، وقرأ باقي السبعة ﴿نُنْسِها﴾ بضمّ النون وكسر السين من غير همزت، وقرأ
стр. 875
فرقةٌ كذلك إلّا أنَّها همزت بعد السين. وقرأ الضحاك، وأبو رجاء بضمّ النون الأولى وفتح الثانية، وتشديد السين وبلا همزٍ. وقرأ أُبيٌّ: ﴿أو نُنْسِكَ﴾ بضمّ النون الأولى وسكون الثانية، وكسر السين من غير همز، وبكاف الخطاب بدل ضمير الغيبة، وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة كذلك، إلّا أنّه جمع بين الضميرين، وهي قراءة أبي حذيفة. وقرأ الأعمش: ﴿ما نُنْسِكَ مِنْ آيةٍ أو نُنْسِخْهَا نَجِىءْ بِمِثْلِها﴾ وهكذا ثبت في مصحف عبد الله، فتحصَّل من هذه القراءات دون قراءة الأعمش إحدى عشرة قراءةً، فمعنى هذه اللفظة في الآية: نُؤخّر نسخها، أو نُزُولُها، قاله عطاء، وابن أبي نجيح، أو نمحها لفظًا، وحكمًا، قاله ابن زيد، أو نمضها فلا ننسخها، قاله أبو عبيدة، وهذا يضعِّفه قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾؛ لأنّ ما أمضى وأُقِرّ لا يقال فيه نأت بخير منها.
ثمّ أقام الدليل على إمكان الننسخ، فقال:
١٠٧ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمد! الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد (١) غيره من المؤمنين الذين ربّما كان يؤذيهم ما كان يعترض به اليهود، وغيرهم على النسخ، وضعيف الإيمان يؤثِّر في نفسه أن يعاب ما يأخذ به، فيخشى عليه من الرُّكونِ إلى الشُّبهة، أو تدخل في قلبه الحيرة، فجاء ذلك؛ تثبيتًا لهم؛ وتقويةً لإيمانهم ببيان أنَّ القادر على كل شيء، لا يستنكر عليه نسخ الأحكام؛ لأنّها ممَّا تتناولها قدرته. والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: إنك تعلم يا محمد! ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فمنه النسخ والتبديل ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، فيقدر على النسخ، والإتيان بمثل المنسوخ، وبما هو خير منه.
والمعنى (٢): ألم تعلم يا محمد؟ أني قادر على تعويضك ممَّا نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضتها عليك ما أشاء مما هو خيرٌ لك، ولعبادي المؤمنين، وأنفع لك ولهم عاجلًا، أو آجلًا، وسبق لك آنفًا أنَّ الهمزة للاستفهام التقريري، والمعنى: أي: أَقرَّ واعترفْ يا محمد! بكون الله
стр. 876
قديرًا على كُلِّ شيء. وفي هذه الجملة تنبيهٌ للنبيِّ ﷺ ، وغيره، على قدرته تعالى، وأنّه القادر المتصرِّف في شؤون الخلق، يحكم بما شاء، ويأمر بما شاء، وأنّه لا دافع لما أراد، ولا مانع لما اختار. ثُم أقام دليلًا آخر، فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمد! الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: هو وأمّته، بدليل قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ وإنّما أفرده هنا؛ لأنّه أعلمهم، ومبدأ علمهم ومأخذه. قال بعضهم: وإنّما (١) خصَّه ﷺ بالخطاب، مع أنَّ غيره داخلٌ في الخطاب أيضًا حقيقةً، بناءً على أنَّ المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطب بما ذكر، ولا أحد من البشر أعلم بذلك منه ﷺ ، إذ قد وقف من أسرار ملكوت السموات والأرض، على ما لا يطَّلع عليه غيره، وعِلْمُ غيره بالنسبة إلى علمه ﷺ ، مُلْحَقٌ بالعلم؛ لأنّ علم الأولياء من علم الأنبياء، بمنزلة قطرةٍ من سبعة أبحر، وعلم الأنبياء من علم نبيّنا محمد ﷺ بهذه المنزلة، وعلم نبينا من علم الحقّ سبحانه بهذه المنزلة. انتهى.
﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما، وما بينهما، أي: سلطنتهما، فهو المتصرِّف فيهما دون غيره، يحكم فيهما، وفيما فيهما بما شاء من أمر، ونهي، ونسخ، وتبديل، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو كالدليل على قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الملك: تمام القدرة واستحكامها، وتخصيص السموات والأرض بالذكر، وإن كان الله تعالى له ملك الدنيا والآخرة جميعًا؛ لكونهما أعظم المصنوعات المحسوسة، وأعجبها شأنًا. وهذا الخبر (٢)، وإن كان خطابًا للنبيِّ ﷺ ، لكن فيه تكذيبٌ لليهود الذين أنكروا النسخ، وجحدوا نبوّة عيسى، ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، فأخبرهم أنَّ الله ، له ملك السموات والأرض، وأنَّ الخلق كُلَّهم عبيده، وتحت تصرُّفه، يحكم فيهم ما يشاء، وعليهم السمع والطاعة، فعلم أنَّ هذه الجملة، كالدليل على قوله: ﴿أنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ﴾، كما مرَّ، أو على جواز النسخ، ولذلك ترك العاطف ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
стр. 877
سبحانه، أي: سوى الله، وهو في حيِّز النصب على الحالية من الوليِّ؛ لأنّه في الأصل صفةٌ له، فلمّا قدِّم انتصب حالًا ﴿مِن﴾ زائدة للاستغراق ﴿وَلِيٍّ﴾؛ أي: قريبٌ وصديقٌ يلي أمركم، وقيل: والٍ، وهو القيِّم بالأمور ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: معينٌ ومانع ينصركم على أعدائكم؛ أي: ناصركم ومعينكم هو الله وحده، فلا تبالوا بمن ينكر النسخ، أو يعيِّبكم به، وليس في استطاعته أن يلحق بكم أذًى، والفَرْقُ بين الولي والنصير: أنَّ الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيًّا عن المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجهٍ، والمقصود: التسكين لقلوب المؤمنين، بأنَّ الله وليُّهم، وناصرهم دون غيره، فلا يجوز الاعتماد إلّا عليه ولا يصحُّ الالتجاء إلّا إليه.
والمعنى: إن قضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة وهو العلم بـ ﴿أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والعلمُ بـ ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والعلمُ بأنْ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ هو الجَزْمُ والإيقان، بأنّه تعالى لا يفعل بهم في أمرٍ من أمور دينهم، أو دنياهم إلّا ما هو خيرٌ لهم، والعمل بموجبه شيءٌ من الثقة والتوكّل عليه، وتفويض الأمر إليه من غير إصغاءٍ إلى أقاويلِ الكفرة، وتشكيكاتهم التي هي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ. وقيل: المعنى: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ يا معشر اليهود والكفار! عند نزول العذاب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾؛ أي: ممَّا سوى الله ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ أي: قريبٍ وصديقٍ يحميكم من عذاب الله، وقيل: والٍ يلي أمركم ويقوم به ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: ولا ناصر يمنعكم من عذاب الله، وإنما هو الذي يملك أموركم، ويجريها على ما يصلح لكم، وفي هذا تحذيرٌ من عذاب الله، إذ لا مانع منه.
ولمَّا قالت اليهود: يا محمد! ائتنا بكتابٍ من السماء جملةً، كما أتى موسى بالتوراة، نزل قوله تعالى:
١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ وأمْ هنا (١) منقطعةٌ تقدَّر ببل والهمزة، ويكون إضراب انتقال من قصّةٍ إلى أخرى، لا إضراب إبطالٍ،
стр. 878
والخطاب لليهود؛ أي: بل أتريدون يا معشر اليهود! الذين كانوا في عهد محمدٍ ﷺ ﴿أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾؛ أي: الرسول الذي جاءكم؛ أي: محمدًا ﷺ ؛ لأنّه رسول الخلق أجمعين، أن يأتيكم بكتاب من السماء جملةً ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ ﵇؛ أي: سأله أسلافكم وآباؤكم رؤية الربِّ، وسماع كلامه، وغير ذلك حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الرسول محمد ﷺ ، فتضلُّوا كما ضلُّوا؛ وذلك لأنَّ السؤال بعد قيام البراهين كفرٌ.
وقيل (١): أم في قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ معادِلةٌ للهمزة في ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ والخطاب للمؤمنين؛ أي: ألم تَعْلَموا؟ أيها المؤمنون! أنّه سبحانه مالك الأمور، وقادرٌ على الأشياء كلِّها، يأمر وينهى كما أراد، أم تعلمون، وتقترحون بالسؤال، كما اقترحت اليهود على موسى ﵇، والمراد: توصية المؤمنين بالثقة به، وترك الاقتراح عليه، وهو المفاجأة بالسؤال من غير رويَّةٍ وفكرٍ ﴿أَنْ تَسْأَلُوا﴾ وأنتم مؤمنون ﴿رَسُولَكُمْ﴾ محمدًا ﷺ ، وهو في تلك المرتبة من علوِّ الشأن، وتقترحوا عليه ما تشتهون، غير واثقين بأموركم بفضل الله تعالى، حسبما يوجبه قضيّةُ علمكم بشؤونه تعالى. قيل: لعلَّهم كانوا يطلبون منه ﷺ ، تفاصيل الحِكَمِ الداعية إلى النسخ ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ مصدر تشبيهيٌّ! أي: نعت لمصدر مؤكّد محذوف، وما مصدرية؛ أي: تسألون رسولكم سؤالًا مشبهًا لله سؤال موسى ﵇، حيث قيل له: اجعل لنا إلهًا، وأرنا الله جهرةً، وغير ذلك. وقرىء (سِيْلَ بالياء) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل محمد ﷺ متعلق بسئل؛ جيء به للتأكيد ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾؛ أي: من يختر الكفر لنفسه، ويأخذه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: بدل الإيمان؛ أي: أخذه في مقابلة الإيمان بدلًا عنه؛ أي: ومن يختر الكفر على الإيمان، ويأخذه لنفسه بدل الإيمان.
وحاصله: من يترك الثقة بالآيات البينة المنزَّلة، بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خيرٌ محضٌ، وحقٌّ بحتٌ، واقترح غيرها ﴿فَقَدْ
стр. 879
ضَلَّ﴾؛ أي: عدل وجار من حيث لا يدري ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في تنبيه الهوى، وتردَّى في مهاوي الردى.
ومعنى ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: قصد الطريق السويّ، ووسطه الذي هو بين الغلوّ والتقصير وهو الحق، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: قد أخطأ الطريق المستوي؛ أي: المعتدل الحقَّ. وقرىء ﴿يُبْدِلْ﴾ من أبدل الرباعيِّ. وقد قرئ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ بالإدغام، وبالإظهار في السبعة، والمعنى: ومن ترك الثقة بالآيات البينات المنزَّلة، وشكّ فيها، واقترح غيرها، فقد ضَلَّ الطريق المستوي حتى وقع في الكفر بعد الإيمان، وحاصل معنى الآية: لا تقترحوا فتضِلُّوا وسط السبيل وقصده، ويؤدِّي بكم إلى البعد عن المقصد، وتبديل الكفر بالإيمان.
وأكثر المفسرين (١): على أنَّ سبب نزول الآية اليهود حين قالوا: يا محمد! ائتنا بكتاب من عند الله جملةً، كما جاء موسى بالتوارة جملةً، فنزلت هذه الآية كما قال في آية أخرى ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿جَهْرَةً﴾ فالمخاطبون بقوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ هم اليهود، وإضافة الرسول إليهم في قوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾ باعتبار أنّهم من أمة الدعوة، ومعنى تبدُّل الكفر بالإيمان، ترك صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك، وإيثارهم للكفر عليه. قال الإِمام: وهذا القول أصحُّ؛ لأنَّ الآية مدنيَّةٌ؛ ولأنّ هذه السورة من أوّل قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ حكايةٌ عنهم، ومحاجَّةٌ معهم، وفي الآية إشارة إلى حفظ الآداب، فمن لم يتأدَّب بين يدي مولاه، ورسوله، وخلفائه، فقد تعرَّض للكفر، وحقيقة الأدب: اجتماع خصال الخير، وعن النبي ﷺ قال: "حقُّ الولد على والده أن يحسن اسمه، ويحسن مرضعه، ويحسن أدبه، فإنّه مسؤولٌ عنه يوم القيامة، ومؤاخذٌ بالتقصير فيه". وسئل ابن سيرين: أيُّ الأدب أقرب إلى الله؟ فقال: معرفة ربوبيته، والعمل بطاعته، والحمد على السراء، والصبر على الضرّاء. انتهى كلامه.
١٠٩ - ﴿وَدَّ﴾ أي: تمنَّى وأحبَّ ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛
стр. 880
أي: من أحبار اليهود، ككعب بن الأشرف، وحيّي بن أخطب ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾؛ أي: أن يردّوكم أيها المؤمنون، فإنّ ﴿لَوْ﴾ من حروف المصادر، إذا جاء بعد فعلٍ يفهم منه معنى التمني، كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾؛ أي: ودّوا أن يصرفوكم عن التوحيد والإِسلام ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين! بمحمد ﷺ ، وبالقرآن ﴿كُفَّارًا﴾؛ أي: مرتدّين، حال من ضمير المخاطبين في ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ ويحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا ليردُّونكم على تضمينه معنى يصيِّرونكم، وقوله: ﴿حَسَدًا﴾ علةٌ، لقوله: ﴿وَدَّ﴾ كأنَّه قيل: ودَّ كثير منهم ذلك من أصل الحسد، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن يتعلَّق بودَّ على معنى: أنّهم تمنَّوا ارتدادكم من عند أنفسهم، وقِبَلِ شهوتهم وأهوائهم، لا من قِبَل التديُّنِ، والميل مع الحق، ولو على زعمهم؛ لأنّهم ودُّوا ذلك، فكيف يكون تمنّيهم من قبل الحق؟ ويجوز أن يتعلَّق بحسدًا؛ أي: حسدًا منبعثًا من أصل نفوسهم، بالغًا أقصى مراتبه، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ وظهر ﴿لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وعلموا في كتابهم التوارة، أنَّ ما جاء به محمدٌ ﷺ ودينه، ونعته، وصفته، هو الحقُّ لا يشكُّون فيه، فكفروا به حسدًا وبغيًا، متعلِّقٌ بقوله: ﴿وَدَّ﴾؛ أي: ودُّوا ذلك بعد ظهور الحق عندهم، وأولئك الكثير هم رهطٌ من أحبار اليهود. روي أنَّ فنحاص بن عازوراء، وزيد بن قيس، ونفرًا من اليهود، قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر ﵄ بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلًا، فقال عمَّارٌ: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديدٌ، قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود: أمَّا عمَّارٌ فقد صبأ؛ أي: خرج عن ديننا بحيث لا يرجى منه الرجوع إليه أبدًا، فكيف أنت حذيفة؟ ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: رضيت بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، فقالوا: وإله موسى، لقد أشرب في قلوبكما حبُّ محمد، ثُمَّ أتيا رسول الله ﷺ ، وأخبراه، فقال: أصبتما خيرًا، وأفلحتما، والمعنى أحبَّ وأراد كثيرٌ منهم ردَّكم عن دينكم من بعد إيمانكم، حالة كونكم كفارًا مرْتدين، من بعد ما ظهر لهم الحقُّ من