ظهر فيهما، لا أنه ظهر على يديهما؛ لأن الولادة فيه وفيها، بخلاف الآيات التي ظهرت على يده.
فإن قلت: لم قدم عيسى هنا على أمه حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾، وقدمها على عيسى في سورة الأنبياء حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؟.
قلت: قدمه هنا نظرًا لأصالته فيما ذكر، من ولادته من غير أب، وقدمها هناك نظرًا لأصالتها فيما نسب إليها، من الإحصان والنفخ.
﴿وَآوَيْنَاهُمَا﴾؛ أي: جعلنا ابن مريم وأمه يأويان وينضمان ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾؛ أي: إلى مكان مرتفع؛ أي (١): أنزلناهما في مكان مرتفع من الأرض، وجعلناه مأواهما ومنزلهما، وهي إيليا أرض بيت المقدس، فإنها مرتفعة، وإنها كبد الأرض، وأقربها إلى السماء، وأزيدها على سائر الأرض ارتفاعًا، بثمانية عشر ميلًا على ما يروى عن كعب وقتادة، وقال الإِمام السهيلي: أوت مريم بعيسى طفلًا إلى قرية من دمشق يقال لها: ناصرة وبناصرة تسمى النصارى، واشتق اسمهم منها. انتهى.
وقيل: هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل. وقيل: أرض فلسطين، وبه قال السدي.
﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾؛ أي: ذات مستقر يستقر عليه ساكنوه؛ لكونها ذات ثمار وزروع، فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها، أو مستويةً يمكن القرار فيها للحراثة والحراسة.
﴿وَمَعِينٍ﴾؛ أي: ذات معين، أي: ماء جار على ظاهر الأرض. قال الزجاج (٢): المعين: هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة، كزيادتها في منبع، وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، قال علي بن سليمان الأخفش:
стр. 8332
معن الماء إذا جرى، فهو معين وممعون، وكذا قال ابن الأعرابي. وقيل: هو مأخوذ من الماعون، وهو النفع وبمثل ما قال الزجاج، قال الفراء.
والخلاصة: أي وجعلناهما ينزلان بمرتفع من الأرض، ذي ثمار وماء جار كثير. وفي وصف (١) ماء تلك الربوة بذلك، إيذان بكونه جامعًا لفنون المنافع، من الشرب وسقي ما يسقى من الحيوان، والنبات بغير كلفة، ومن التنزه بمنظره الحسن المعجب، ولولا أن يكون الماء البخاري، لكان السرور الأوفر فائتًا، وطيب المكان مفقودًا، ومن أحاديث المقاصد الحسنة ثلاث يجلون البصر: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء البخاري، وإلى الوجه الحسن؛ أي: مما يحل النظر إليه، فإن النظر إلى الأمرد الصبيح ممنوع.
وقرأ الجمهور (٢) وابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿رَبْوَةٍ﴾ بضم الراء، وهي لغة قريش، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعاصم وابن عامر بفتح الراء، وأبو إسحاق السبيعي بكسرها، وابن أبي إسحاق ﴿رباوة﴾ بضم الراء وبالألف، وزيد بن علي والأشهب العقيلي والفرزدق والسلمي في نقل صاحب "اللوامح" بفتحها وبالألف. وقرىء بكسرها والألف.
٥١ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ نداء (٣) وخطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة؛ لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على أن كلاً منهم، خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولًا أوليًا، فهذا حكاية لرسول الله ﷺ على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى ﵇، وأمه إلى الربوة إيذانًا بأن ترتيب مبادىء التنعم لم يكن من خصائصه ﵇، بل إباحة الطعام شرع قديم، جرى عليه جميع الرسل ﵈، ووصوا به؛ أي: وقلنا لكل رسول كُلْ من الطيبات، واعمل صالحًا، فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند
стр. 8333
الحكاية إجمالًا للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات ما لا يخفى. اهـ. من "البيضاوي" و"أبي السعود".
ويعلم من قوله: فهذا حكاية لرسول الله ... إلخ، أن في الكلام حذفًا، تقديره: ونخبرك يا محمد، أنا أمرنا الرسل المتقدمين قبلك، وقلنا لهم: يا أيها الرسل ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: من الحلالات، سواء كانت مستلذة أو لا، وسواء كانت من المآكل والمشارب.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؛ أي: عملًا صالحًا من الفرائض، والنوافل، فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم، وهذا الأمر للوجوب، بخلاف الأول فإنه للإرشاد.
فائدة (١): وفي هذا رد وهدم لما قالهُ بعض الجهلة، من أن العبد إذا بلغ غاية المحبة، وصفا قلبه، واختار الإيمان على الكفر من غير نفاق، سقطت عنه الأعمال الصالحة من العبادات الظاهرة، وتكون عبادته التفكر، وهذا كفر وضلال، فإن أكمل الناس في المحبة والإيمان هم الرسل، خصوصًا حبيب الله محمد ﷺ مع أن التكاليف بالأعمال الصالحة والعبادات في حقهم أتم وأكمل.
وذكر الطبري (٢): أن المراد بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ عيسى ابن مريم ﵇، كما تقول في الكلام للرجل الواحد: كفوا عنا أذاكم وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ والمراد بالناس رجل واحد، وقال القرطبي (٣): قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، وأنه أقامه مقام الرسل، وقال الزجاج: هذه مخاطبة للنبي ﷺ ، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا؛ أي: كلوا من الحلال. وقال ابن كثير (٤): يأمر الله عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء ﵈ بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولًا وعملًا ودلالةً ونصحًا.
стр. 8334
فجزاهم الله عن العباد خيرًا. اهـ.
وحاصل معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أن الله سبحانه (١) أمر كل نبي في زمانه، بأن يأكل من المال الحلال ما لذّ وطاب، وأن يعمل صالح الأعمال ليكون ذلك كفاء من أنعم به عليه من النعم الظاهرة والباطنة.
وهذا الأمر، وإن كان موجهًا إلى الأنبياء فإن أممهم تبع لهم، وكأنه يقول لنا: أيها المسلمون في جميع الأقطار، كلوا من الطيبات؛ أي: من الحلال الصافي القوام، الحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما لا ينسى الله فيه، والقوام ما يمسك النفس، ويحفظ العقل، واعملوا صالح الأعمال.
أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس ﵂ أنها بعثت إلى النبي ﷺ ، بقدح لبن حين فطره وهو صائم فرد إليها رسولها، وقال: "من أين لك هذا؟ " فقالت: من شاة لي، ثم رده وقال: "من أين هذه الشاة؟ " فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه، فلما كان من الغد أمته، وقالت: يا رسول الله، لم رددت اللبن؟ فقال ﷺ : "أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيبًا، ولا يعملوا إلا صالحًا".
وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، فأنى يستجاب له؟ ".
وفي تقديم أكل الطيبات على العمل الصالح إيماء إلى أن العمل الصالح لا
стр. 8335
يتقبل، إلا إذا سبق بأكل المال الحلال، وجاء في بعض الأخبار، "أن الله تعالى لا يقبل عبادة من في جوفه لقمة من حرام". وصح أيضًا "أيّما لحم نبت من سحت، فالنار أولى به". ثم علل هذا الأمر بقوله سبحانه: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الظاهرة والباطنة ﴿عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم عليه؛ أي: إني بأعمالكم عليم، لا يخفى عليَّ شيء منها، وأنا مجازيكم بجميعها وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالح الأعمال، واجتهدوا قدر طاقتكم فيها، شكرًا لربكم على ما أنعم به عليكم.
وفي هذا (١) تحذير من مخالفتهم ما أمروا به، وإذا قيل للأنبياء ذلك، فما أجدر أممهم أن تأخذ حذرها وترعوي عن غيها، وتخشى بأس الله تعالى، وشديد عقابه، وأتى هنا بلفظ ﴿عَلِيمٌ﴾ وفي سبأ بلفظ ﴿بصير﴾ إذ ما هنا تقدمه إيتاء الكتاب وجعل مريم وابنها آية والعلم بهما، أنسب من بصرهما، وما هناك تقدمه قوله: (وألنا له الحديد)، والبصر بإلانة الحديد أنسب من العلم بها. اهـ زكريا.
٥٢ - ﴿و﴾ أقول لكم أيها الرسل: ﴿إن هذه﴾ هذه العقائد التي هي عقائد التوحيد والإيمان ﴿أُمَّتُكُمْ﴾؛ أي: ملتكم ودينكم جميعًا ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. حال من ﴿هذه﴾؛ أي: حالة كونها ملة وشريعة متحدة في أصول الشرائع التي لا تتبدل، ولا تتغير بتبدل الأعصار والأزمان، وتلك الملة المتحدة هي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأما اختلاف الشرائع والأحكام بحسب اختلاف الأزمان والأحوال، لا يسمى اختلافًا في الدين؛ لأن الأصول متحدة، فالحائض والطاهر من النساء دينها واحد، وإن افترق تكليفهما.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ ومالككم لا شريك لـ في الربوبية، ﴿فَاتَّقُونِ﴾؛ أي: فاحذروا عقابي وخافوا عذابي، وفي هذا إيماء إلى أن دين الجميع واحد، فيما يتصل لمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه. والفاء في قوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت. عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنني أنا ربكم
стр. 8336
ومالككم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اتقون في شق العصا، ومخالفة الكلمة، والضمير للرسل والأمم جميعًا، على أن الأمر في حق الرسل للتهييج والإلهاب، وفي حق الأمم للتحذير والإيجاب.
فإن قلت: لم قال في سورة الأنبياء: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ وقال هنا: ﴿فَاتَّقُونِ﴾؟
قلت: لأن الخطاب في سورة الأنبياء للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد، والخطاب هنا للرسل والمؤمنين بدليل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ والأنبياء والمؤمنون إنما يؤمرون بالتقوى لا بالتوحيد. وقال هناك: ﴿وتقطعوا﴾ بالواو، وقال: هنا ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ بالفاء؛ لأن التقطع هناك قد وقع منهم قبل هذا القول لهم، وما بعد الواو ليس مرتبًا على ما قبلها، والتقطع هنا وقع منهم بعد هذا القول، فما بعد الفاء مرتب على ما قبلها. اهـ. "زكريا".
وعبارة ابن حيان هنا (١): وجاء هنا ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ وهو أبلغ في التخويف والتحذير من قوله في الأنبياء: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ لأن هذه جاءت عقيب إهلاك طوائف كثيرين من قوم نوح والأمم الذين من بعدهم، وفي الأنبياء، وإن تقدمت أيضًا قصة نوح وما قبلها، فإنه جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام في قصة أيوب ويونس وزكريا ومريم، فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته تعالى، وجاء هنا ﴿فتقطعوا﴾ بالفاء إيذانًا بأن التقطع اعتقب الأمر بالتقوى، وذلك مبالغة في عدم قبولهم، وفي نفورهم عن توحيد الله وعبادته، وجاء في الأنبياء بالواو، فاحتمل معنى الفاء، واحتمل تأخر تقطعهم عن الأمر بالعبادة. اهـ.
وقرأ الكوفيون (٢): ﴿وإن﴾: بكسر الهمزة والتشديد على الاستئناف، والحرميان وأبو عمرو بالفتح والتشديد؛ أي: ولأن، وابن عامر: بالفتح والتخفيف، وهي المخففة من الثقيلة. ذكره في "البحر".
стр. 8337
وعبارة "الشوكاني" هنا: قرىء (١) بكسر ﴿إن﴾ على الاستئناف المقرر لما تقدمه، وقرىء بفتحها وتشديدها. قال الخليل: هي في موضع نصب لما زال الخافض؛ أي: أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. وقال الفراء: أن متعلقة بفعل محذوف، تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وقال سيبويه: هي متعلقة باتقون، والتقدير: فاتقون؛ لأن أمتكم أمة واحدة.
٥٣ - ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم، من مخالفتهم لما أمرتهم الرسل به، فقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾؛ أي: فجعل أتباع الأنبياء ﴿أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: أمر دينهم مع اتحاده في الوضع الإلهي قطعًا متفرقة، وأدياناَ مختلفة فيما ﴿بَيْنَهُمْ﴾ حالة كون أمرهم ﴿زُبُرًا﴾؛ أي: قطعًا مختلفة. جمع زبرة، بمعنى قطعة، كغرفة وغرف، فهو حال من أمرهم، أو من واو تقطعوا؛ أي: حال كونهم طائفة مختلفة متفرقة. ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾؛ أي: كل جماعة من أولئك المتحزبين ﴿بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الدين الذي اختاروه ﴿فَرِحُونَ﴾؛ أي: مسرورون معجبون معتقدون أنه الحق دون ما سواه.
فيا أتباع (٢) الأنبياء أين عقولكم إن الله تعالى أرسل إليكم رسلًا، فجعلتموهم محل الشقاق، ومنار النزاع، لم هذا؟ هل اختلاف الشرائع مع اتحاد الأصول والعقائد ينافي المودة والمحبة؟ وأين أنتم يا أتباع محمد، ما لكم كيف تفرقتم أحزابًا؟ هل اختلاف المذاهب كشافعية ومالكية وزيدية وشيعة يفرق العقيدة، وكيف يكون سبب التفرقة فهل تغير الدين، وهل تغير القرآن، وهل تغيرت القبلة؟ وهل حدث إشراك؟ كلا كلا، فإذا كان العيب قد لحق الأمم المختلفة على تنابذها، فما أجدركم أن يلحقكم الذم على تنابذكم، وأنتم أهل دين واحد.
ولا علة لهذا إلا الجهالة الجهلاء، فقد خيم الجهل فوق ربوعكم ومدت طنبه بين ظهرانيكم؛ لأنكم فرطتم في كتاب ربكم، ظننتم أن أسس الدين هي مسائل العبادات والأحكام وتركتم الأخلاق وراءكم ظهريًا، وتركتم آيات التوحيد
стр. 8338
والنظر في الأكوان، ولو أنكم نظرتم إلى شيء من هذا لعلمتم أن كل ذلك من دينكم، وأنتم عنه غافلون.
وقرأ ابن عباس وأبو عمران الجوني (١): ﴿زُبُرًا﴾ بضم الزاي وفتح الباء. وقرأ أبو الجوزاء وابن السميقع: ﴿زبرًا﴾ بضم الزاي وإسكان الباء. قال الزجاج: من قرأ ﴿زبرًا﴾ بضم الباء، فتأويله جعلوا دينهم كتبًا مختلفةً، جمع زبور. ومن قرأه: ﴿زبرًا﴾ بفتح الباء أراد قطعًا كقطع الحديد.
٥٤ - وبعد (٢) أن ذكر سبحانه ما حدث من أمم أولئك الأنبياء، من التفرق والانقسام فيما كان يجب عليهم فيه اتفاق الكلمة، ومن فرحهم بما فعلوا .. أمر نبيه أن يتركهم في جهلهم الذي لا جهل فوقه؛ لأنه لا ينجع فيهم النصح، ولا يجدي فيهم الإرشاد، فقال: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ والفاء فيه فصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت يا محمد تقطعهم في أمرهم، وفرحهم بما هم عليه من الأديان الباطلة، وأردت بيان ما هو الأصلح لك، فأقول لك: أترك هؤلاء الكفرة المتفرقة ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾؛ أي: على غيهم وضلالهم، ولا تشغل قلبك بهم، وبتفرقهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: إلى حين قتلهم أو موتهم على الكفر، أو نزول العذاب بهم، فهو وعيد لهم بعذاب الدنيا والآخرة، وتسلية لرسول الله ﷺ ، ونهي له عن الاستعجال بعذابهم، والجزع من تأخيره، فالآية خرجت مخرج التهديد لهم، لا مخرج الأمر له ﷺ ، شبه سبحانه ما هم فيه من الجهالة بالماء الذي يغمر القامة ويسترها؛ لأنهم مغمورون فيها لا عيون لها، والمعنى: اتركهم في جهلهم، فليسوا بأهل للهداية ولا يضق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شيء أجل معلوم.
ونحو الآية قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.
وقرأ الجمهور: ﴿في غمرتهم﴾، وعلي بن أبي طالب وأبو حيوة والسلمي:
стр. 8339
﴿في غمراتهم﴾ على الجمع؛ لأن لكل واحد غمرة، وعلى قراءة الجمهور: فغمرة تعم إذا أضيفت إلى عام.
٥٥ - ثم بيّن خطأهم فيما يظنون، من أن سعة الرزق في الدنيا علامة رضا الله عنهم في الآخرة، فقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ الهمزة فيه (١) الإنكار الواقع واستقباحه. وما موصولة؛ أي: أيظن هؤلاء الكفرة، أن الذي نعطيهم إياه ونجعله مددًا لهم، ﴿مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ بيان للموصول، وتخصيص البنين لشدة افتخارهم بهم.
٥٦ - ﴿نُسَارِعُ﴾ به ﴿لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: فيما فيه خيرهم وإكرامهم، وجواب الاستفهام محذوف، يدل عليه قوله: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنه معطوف على مقدر يدل عليه السياق؛ أي: كلا لا نفعل ذلك بل هم لا يشعرون بشيء أصلًا كالبهائم التي لا تفهم ولا تعقل، فإن ما خولناهم من النعم، وأمددناهم به من الخيرات، إنما هو استدراج لهم، ليزدادوا إثمًا. كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾.
والمعنى: أيظن هؤلاء المغرورون، أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد كرامة لهم وإجلال لأقدارهم عندنا، كلا إن هذا الإمداد ليس إلا استدراجًا في المعاصي، واستجرارًا لهم إلى زيادة الإثم، وهم يحسبونه مسارعة في الخيرات، إذ هم أشبه بالبهائم، لا فطنة لهم ولا شعور، حتى يتفكروا في أنه إستدراج هو أم مسارعة في الخيرات.
ونحو الآية قوله تعالى: حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
قال قتادة في تفسير الآية (٢): مكر الله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم لا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح.
стр. 8340
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفس محمد بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه"، قالوا: وما بوائقه يا رسول؛ قال: "غشه وظلمه".
وقرأ ابن وثاب (١): ﴿أنما نمدهم﴾ بكسر الهمزة، وقرأ (٢) عكرمة وأبو الجوزاء: ﴿يمدهم﴾ بضم الياء وكسر الميم. وقرأ أبو عمران الجوني: ﴿نمدهم﴾ بفتح النون وضم الميم. وقرأ ابن عباس وعكرمة وأيوب السختياني: ﴿يسارع﴾ بضم الياء وكسر الراء. وقرأ معاذ القارىء وأبو المتوكل: مثله، إلا أنهما فتحا الراء. وقرأ أبو عمران الجوني وعاصم الجحدري وابن السميفع: ﴿يسرع﴾ بضم الياء وسكون السين وفتح الراء من غير ألف. وقرأ الباقون: ﴿نسارع﴾ بالنون. قال الثعلبي: وهذه القراءة هي الصواب لقوله: ﴿نمدهم﴾.
ولما نفى الله سبحانه الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين، أتبع ذلك بذكر من هو أهل للخيرات عاجلًا وآجلًا، فوصفهم بصفات أربع:
الأولى:
٥٧ - ما ذكرها بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: من خوف عذاب ربهم ﴿مُشْفِقُونَ﴾؛ أي: دائبون في طاعته، جادون في نيل مرضاته، حذرون من أسباب العذاب، خائفون منها، ومن ثم يبتعدون عن الآثام والمعاصي، والمعنى (٣): إن المؤمنين الذين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عذابه. قال الحسن البصري: المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا. والفرق بين (٤) الخشية والإشفاق أن الخشية خوف يشوبه تعظيم، والإشفاق عناية مختلطة بخوف؛ لأن المشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه.
стр. 8341
وعبارة "الشوكاني" هنا: فظاهر ما في الآية التكرار، وأاْجيب يحمل الخشية على العذاب؛ أي: من عذاب ربهم خائفون، وبه قال الكلبي ومقاتل. وأجيب يحمل الإشفاق على ما هو أثر له، وهو الدوام على الطاعة؛ أي: الذين هم من خشية ربهم دائمون على طاعته. وأجيب أيضًا: بأن الإشفاق كمال الخوف فلا تكرار. وقيل: هو تكرار للتأكيد.
والصفة الثانية:
٥٨ - ذكرها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ المنصوبة في الآفاق المنزلة على الإطلاق ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون مدلولها, ولا يكذبونها بقول، ولا فعل بأن يستدلوا بهذه المخلوقات على وجود الصانع، ويصدقوا بأن ما في القرآن حق من ربهم. والمعنى؛ أي: والذين هم بآيات ربهم الكونية، التي نصبها في الأنفس والآفاق دلالة على وجوده، ووحدانيته، وبآياته المنزلة على رسله، مصدقون موقنون، لا يعتريهم شك ولا ريب.
والصفة الثالثة:
٥٩ - ذكرها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ غيره شركًا جليًّا ولا خفيًا؛ أي: والذين لا يعبدون مع الله سواه، ويعلمون أنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي ليس له صاحبة ولا ولد.
وفيما سبق وصف لله بتوحيد الربوبية، وهنا وصف له بتوحيد الألوهية، ولم يقتصر على الأول؛ لأن كثيرًا من المشركين يعترفرن بتوحيد الربوبية، كما قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ولا يعترفون بتوحيد الألوهية والعبادة، ومن ثم عبدوا الأصنام والأوثان على طرائق شتى، وعبدوا معبودات مختلفة.
والصفة الرابعة:
٦٠ - ذكرها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾؛ أي: والذين يعطون ما أعطوه من الزكوات والصدقات، ويفعلون ما توسلوا به إلى الله تعالى، من الخيرات والمبرات، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار، والماضي على التحقق، ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ حال من فاعل يؤتون؛ أي: والحال أن قلوبهم خائفة أن
стр. 8342
لا يتقبل ذلك منهم، وأن لا يقع على الوجه المرضي. ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾؛ أي: خائفون عدم قبولها حين يبعثون، ويرجعون إلى ربهم، وتنكشف الحقائق، ويحتاج العبد إلى عمل مقبول لديه، وإن قل. وجملة ﴿أن﴾ في محل الجر بجار محذوف، متعلق بـ ﴿وجلة﴾؛ أي: وجلة من رجوعهم، أو لأجل رجوعهم إلى الله تعالى. وسبب الوجل (١) هو أن يخافوا أن لا يقبل منهم ذلك على المطلوب، لا مجرد رجوعهم إليه سبحانه، وقيل: المعنى أن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والحساب، وعلم أن المجازي والمحاسب هو الرب الذي لا تخفى عليه خافية، لم يخل من وجل.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ من الإيتاء؛ أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات، وقرأت عائشة وابن عباس وقتادة والأعمش والحسن والنخعي: ﴿يأتون ما آتوا﴾ من الإتيان؛ أي: يفعلون ما فعلوا. وقرأ الأعمش: ﴿إنهم﴾ بالكسر.
ويدخل في قوله (٣): ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ كل حق يلزم إيتاؤه، سواءًا كان من حقوق الله، كالزكاة والكفارة وغيرها، أم من حقوق العباد، كالودائع والديون والعدل بين الناس فمتى فعلوا ذلك، وقلوبهم وجلة من التقصير والإخلال بها بنقصان أو غيره .. اجتهدوا في أن يوفوها حقها حين الأداء.
وسألت عائشة رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني وشرق ويشرب الخمر، وهو على ذلك يخاف الله تعالى فقال: "لا يا ابنة الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل ذلك منه".
وهذه الموصولات الأربعة (٤) عبارة عن طائفة واحدة متصفة بجميع ما ذكر في حيّز صلاتها من الأوصاف الأربعة، لا عن طوائف كل واحدة منها متصفة
стр. 8343
بواحد من الأوصاف المذكورة، كأنه قيل: إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، وبآيات ربهم يؤمنون إلخ. وإنما كرر الموصول إيذانًا باستقلال كل واحدة من تلك الصفات بفضيلة باهرة على حيالها، وتنزيلًا لاستقلالها منزلة استقلال الموصوف بها.
قال بعضهم: وجل العارف من طاعته أكثر من وجله من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحى بالتوبة، والطاعة تطلب بتصحيحها، والإخلاص والصدق فيها، فإذا كان فاعل الطاعات خائفًا مضطربًا، فكيف لا يخاف غيره.
٦١ - وجملة قوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ﴾ خبر إن؛ أي: أولئك الموصوفون بما ذكر من الأوصاف المذكورة الجليلة خاصة دون غيرهم. ﴿يسارعون﴾؛ أي: يبادرون ﴿فىِ﴾ نيل ﴿الْخَيْرَاتِ﴾ التى من جملتها الخيرات العاجلة الموعودة على الأعمال الصالحة، كما قال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾. وقال: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: أولئك الذين جمعوا هذه المحاسن، يرغبون في الطاعات أشد الرغبة، فيبادرونها لئلا تفوتهم إذا هم ماتوا، ويتعجلون في الدنيا وجوه الخيرات العاجلة، التي وعدوا بها على الأعمال الصالحة في نحو قوله: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقيل: المراد بالخيرات الطاعات، والمعنى: يركبون في الطاعات والعبادات أشد الرغبة، وهم لأجلها فاعلون السبق، أو لأجلها سابقون الناس.
قال في "الإرشاد": إيثار كلمة (في) على كلمة (إلى)؛ للإيذان بأنهم متقلبون في فنون الخيرات، لا أنهم خارجون عنها، متوجهون إليها بطريق المسارعة.
كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ لخ.
وقرأ الحُرُّ النحوي: ﴿يسرعون﴾ مضارع أسرع، يقال: أسرعت إلى الشيء وسرعت إليه بمعنى واحد، وأما المسارعة فالمسابقة؛ أي: يسارعون غيرهم.
وجملة قولة: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ مؤكدة لما قبلها، مفيدة للثبوت بعدما أفادت الأولى التجدد، ومفعول المسابقة محذوف، واللام بمعنى إلى؛ أي: وهم
стр. 8344
يسابقون الناس إلى تلك الخيرات لينالوا رضا الله تعالى؛ أي: إنهم يرغبون في الطاعات وهم لأجلها سابقون الناس إلى الثواب، لا أولئك الذين أمددناهم بالمال والبنين فظنوا غير الحق أن ذلك إكرام منا لهم، فإن إعطاء المال والبنين والإمداد بهما لا يؤهل للمسارعة إلى الخيرات، وإنما الذي يؤهل للخيرات هو خشية الله وعدم الإشراك به، وعدم الرياء في العمل، والتصديق مع الخوف منه.
وخلاصة ذلك: أن النعم ليست هي السعادة الدنيوية وقيل الحظوظ فيها، بل هي العمل الطيب بإيتاء الصدقات، ونحوها، مع إحاطة ذلك بالخوف والخشية.
٦٢ - ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ من النفوس ﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: قدر طاقتها، فقول: لا إله إلا الله، والعمل بما يترتب عليه من الأحكام من قبيل ما هو في الوسع؛ أي: أن (١) سنتنا جارية على أن لا نكلف نفسًا من النفوس إلا ما في وسعها وقدر طاقتها، ومن ثم قال مقاتل: من لم يستطع القيام في الصلاة، فليصل قاعدًا، ومن لم يستطع القعود فليوم إيماء؛ أي: فإن الله تعالى لا يكلف عباده إلا ما في وسعهم، فإن لم يبلغوا في فعل الطاعات مراتب السابقين، فلا عليهم بعد أن يبذلوا طاقتهم.
﴿وَلَدَيْنَا﴾؛ أي: وعندنا، عندية رتبة واختصاص. ﴿كِتَابٌ﴾؛ أي (٢): صحائف أعمال قد أثبت فيها أعمال كل أحد على ما هي عليه ﴿يَنْطِقُ﴾ ذلك الكتاب ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع؛ أي: يظهر الحق ويبينه للناظر فيه، كما يبينه النطق، ويظهر للسامع، فأعمال العباد كلها مثبتة في صحائفهم، فيقرؤونها حين الحساب، وتظهر فيها أعمالهم التي عملوها في الدنيا دون لبس ولا ريب، ويجازون عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾
стр. 8345
وقوله: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ وفي هذا تهديد للعصاة، وتأنيس للمطيعين من الحيف والظلم.
وجملة قوله: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ مستأنفة (١)، للتحريض على ما وصف به السابقون، من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الكرامات، ببيان سهولته، وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، وأن ذلك عادة الله سبحانه في تكليف عباده، وجملة قوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ من تمام ما قبلها، من نفي التكليف بما فوق الوسع، وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، فإنه قد كتب فيه كل شيء، وقيل: المراد بالكتاب القرآن والأول أولى.
ثم بيّن فضله على عباده، وعدله بينهم في الجزاء إثر بيان لطفه في التكليف وكتابة الأعمال على ما هي عليه، فقال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ في الجزاء بنقص ثواب، أو زيادة عذاب، بل يجزون بقدر أعمالهم التي كلفوها، ونطقت بها صحائفها بالحق، والجمع في ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُون﴾ باعتبار عموم النفس لوقوعها في سياق النفي.
الإعراب
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿أَنْشَأْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال من ﴿قَرْنًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿قَرْنًا﴾: مفعول به. ﴿آخَرِينَ﴾: صفة لـ ﴿قَرْنًا﴾. والجملة الفعلية معطوفة على محذوف معلوم من السياق، تقديره: فأغرقنا قوم نوح لما كذبوه، ثم أنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين. ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾: الفاء: عاطفة. ﴿أرسلنا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾. ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به. ﴿مِنْهُمْ﴾ جار ومجرور صفة
стр. 8346
لـ ﴿رَسُولًا﴾. والجملة معطوفة على جمل ﴿أَنْشَأْنَا﴾. ﴿أَنِ﴾: مفسرة؛ لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه؛ أي: قلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله، ويجوز أن تكون مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر، مجرور بحرف جر محذوف، متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾؛ أي: أرسلنا فيهم رسولًا منهم، بعبادة الله تعالى. بأن أعبدوا ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ فعل وفاعل ومفعول ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿من﴾: زائدة. ﴿غَيْرُهُ﴾: صفة لإله بالرفع، تبعًا لمحله، وبالجر تبعًا للفظه. والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لتعليل الأمر بالعبادة. ﴿أَفَلَا تَتَّقُون﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف. و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة، والتقدير: أتشركون بالله فلا تتقون عذابه. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَّقُون﴾: فعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قال الملأ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أرسلنا﴾. ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْمَلَأُ﴾. ﴿الَّذِين﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿قَوْمِهِ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَكَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كذبوا﴾. ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿كذبوا﴾. ﴿فِي الْحَيَاةِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أترفناهم﴾. ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة للحياة.
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة إستثناء مفرغ. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُكُمْ﴾: صفة أولى لـ ﴿بَشَرٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، مقول قال: ﴿يَأْكُلُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿بَشَرٌ﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل الرفع صفة ثانية لبشر. ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْهُ﴾: متعلق به وهو العائد على الموصول. ﴿وَيَشْرَبُ﴾ معطوف على يأكل. ﴿مِمَّا﴾ متعلق به. ﴿تَشْرَبُونَ﴾ صلة الموصول،
стр. 8347
والعائد محذوف اكتفاء بالعائد الأول، وهو ضمير منه لاستكمال شروط جواز حذفه، وهي اتحاد الحرف والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، وقد أشار إليها ابن مالك بقوله:
كَذَا الَّذِيْ جُرَّ بِمَا الْمَوْصُوْلَ جَرّ ... كَمُرَّ بِالَّذِيْ مَرَرْتُ فَهُوَ بَرّ
هذا إذا جعلناها بمعنى الذي، فإن جعلناها مصدرًا، لم تحتج إلى عائد، ويكون المصدر واقعًا موقع المفعول؛ أي: من مشروبكم اهـ. "كرخي".
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦)﴾.
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿واللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَطَعْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿بَشَرًا﴾ مفعول به. ﴿مِثْلَكُمْ﴾: صفة له. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمها. ﴿إِذًا﴾: حرف شرط غير جازم، بمعنى إن الشرطية، جيء بها لتأكيد مضمون الشرط، توكيدًا لفظيًا، من قبيل إعادة الشيء بمرادفه، والتنوين فيها عوض عن جملة شرطها المحذوفة، تقديره: إنكم إن أطعتموه .. لخاسرون، ولا جواب لها؛ لأنها إنما ذكرت .. لتأكيد ما قبلها. كذا في "الإتقان" للحافظ السيوطي. ﴿لَخَاسِرُون﴾ اللام حرف ابتداء. ﴿خاسرون﴾: خبر ﴿إن﴾. وجملة إن المكسورة، جواب القسم لا محل لها. وجملة القسم في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ على كونها مقول ﴿قال﴾، وجواب إن الشرطية محذوف، دل عليه جواب القسم، تقديره: وإن أطعتم بشرًا مثلكم .. فإنكم إذًا لخاسرون، وجملة إن الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ أيضًا، على كونها معترضة بين القسم وجوابه، ولا يصلح أن تكون جملة ﴿إن﴾ المكسورة جواب الشرط؛ لعدم وجود الفاء، وهذا جرى على القاعدة التي ذكرها ابن مالك في "الخلاصة":
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطِ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
﴿أَيَعِدُكُمْ﴾ (الهمزة): فيه للاستفهام الإنكاري. ﴿يعدكم﴾: فعل ومفعول به
стр. 8348
أول، وفاعله ضمير يعود على هود، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مستأنفة، مسوقة لتقرير ما قبلها، ومن زجرهم عن اتباعه؛ بإنكار وقوع ما يدعوهم إلى الإيمان به، واستبعاده، كما في "أبي السعود". ﴿أَنَّكُمْ﴾ ناصب واسمه، ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط، في محل النصب على الظرفية، والظرت متعلق بمخرجون. ﴿مِتُّمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾. ﴿وَكُنْتُمْ تُرَابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره معطوف على ﴿متم﴾. ﴿وَعِظَامًا﴾ معطوف على ﴿ترابًا﴾. ﴿أَنَّكُمْ﴾ توكيد لفظي لـ ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى أكد بها لما طال الفصل بين اسمها وهو الكاف، وخبرها وهو ﴿مُخْرَجُون﴾. ﴿مُخْرَجُون﴾: خبر ﴿أَنَّكُمْ﴾ الأولى، وجملة ﴿أن﴾ الأولى في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿يعدكم﴾، والتقدير: أيعدكم إخراجكم من القبور وقت موتكم، وكونكم ترابًا وعظامًا. ﴿هَيْهَاتَ﴾: اسم فعل ماض بمعنى بعد، مبني على الفتح، والغالب في الاستعمال أن تستعمل هذه الكلمة مكررة، والثانية توكيد لفظي للأولى. ﴿لِمَا﴾ اللام زائدة في الفاعل. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل لـ ﴿هَيْهَات﴾؛ أي: بعدما توعدون ﴿تُوعَدُون﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما توعدونه، ويجوز أن تكون ما مصدرية، والمصدر المؤول منها فاعل ﴿هَيْهَاتَ﴾، وجملة ﴿هَيْهَاتَ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾.
﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ، أصله إن الحياة إلا حياتنا، فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها، حذرًا، من التكرار، واشعارًا بإغنائها عن التصريح، كما في قولهم: هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت وحيث كان الضمير بمعنى الحياة الدالة على الجنس، كانت ﴿إِنْ﴾ النافية بمنزلة النافية للجنس اهـ "أبو السعود". ﴿إِلَّا﴾: اداة استثناء مفرغ. ﴿حَيَاتُنَا﴾:
стр. 8349
خبر المبتدأ. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿حَيَاتُنَا﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مستأنفة، مسوقة لتقرير معتقدهم، بأن العالم قديم بالطبع، ولم يزل كذلك، ولم يحدث بحداث محدث، والناس كالنبات ينبتون ويعودون بالموت هشيمًا، وهذا كفر صريح وضلال بعيد. ﴿نَمُوتُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، يعود على المتكلمين من قوم هود، والجملة في محل النصب حال من الضمير المضاف إليه في ﴿حَيَاتُنَا﴾. ﴿وَنَحْيَا﴾: معطوف على نموت. ﴿وَمَا نَحْنُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية. ﴿نَحْنُ﴾: اسمها. ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾: خبرها، والباء زائدة، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾. ﴿إنْ﴾: نافية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿رَجُلٌ﴾: خبر المبتدأ والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مستأنفة. ﴿افْتَرَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على رجل. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به، والجملة في محل الرفع صفة لرجل. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: حجازية. ﴿نَحْنُ﴾: اسمها. ﴿له﴾: متعلق ﴿بِمُؤْمِنِين﴾. ﴿بِمُؤْمِنِين﴾: خبرها، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على هود، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿انْصُرْنِي﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الرب، و (النون): للوقاية. و (الياء): مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿بِمَا﴾: (الباء): جرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿كَذَّبُون﴾: فعل ماض وفاعل. و (النون): للوقاية. و (ياء): المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية، مفعول به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور بالباء؛ أي: بسبب تكذيبهم إياي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿انْصُرْنِي﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الله والجملة مستأنفة. ﴿عَمَّا﴾: ﴿عن﴾: حرف جر بمعنى بعد. ﴿ما﴾: زائدة. ﴿قَلِيلٍ﴾: مجرور بعن، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يصبحن﴾ أو بنادمين ﴿لَيُصْبِحُنّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يصيحن﴾ فعل مضارع ناقص مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال.
стр. 8350
والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، في محل الرفع اسمها، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة. ﴿نَادِمِين﴾: خبر أصبح، وجملة يصبح جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أخذتهم﴾: فعل ومفعول. ﴿الصَّيْحَةُ﴾: فاعل. ﴿بِالْحَقِّ﴾: حال من الصيحة، والجملة معطوفة على جملة قال. ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿جعلناهم غثاء﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾. ﴿فَبُعْدًا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿بعدًا﴾: منصوب بفعل محذوف وجوبًا لنيابته عنه، تقديره: ألزمنا، أو أوجبنا. ﴿بعدًا﴾: مفعول به. ﴿لِلْقَوْمِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بعدًا﴾. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة ﴿للقوم﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾، أو مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، لنيابة المصدر عنه، تقديره: بعدوا بعدًا.
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخٍ. ﴿أَنْشَأْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿قرونًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿قُرُونًا﴾: مفعول به. ﴿آخَرِينَ﴾: صفة قرونًا. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿تَسْبِق﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿أُمَّةٍ﴾: فاعل مرفوع محلًا، مجرور لفظًا. ﴿أَجَلَهَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَسْبِقُ﴾، وذكر الضمير في ﴿يَسْتَأْخِرُون﴾ بعد تأنيثه لمراعاة المعنى؛ لأن أمة بمعنى قوم.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخٍ، ﴿أَرْسَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿رُسُلَنَا﴾: مفعول
стр. 8351
به. ﴿تَتْرَى﴾: حال من ﴿رسلنا﴾، وعلامة نصبه فتحة مقدرة للتعذر؛ لأنه اسم مقصور، ألفه للإلحاق بجعفر كأرطى وعلقى، والتاء فيه مبدلة من الواو، وأصله وترى؛ أي: متعاقبين متتابعين بعضهم بعضًا، أو هو مصدر كشبعى ودعوى فألفه للتأنيث، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنْشَأْنَا﴾. ﴿كل ما﴾: اسم شرط غير جازم، في محل النصب على الظرفية مبني على السكون، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿جَاءَ﴾: فعل ماض. ﴿أمة﴾: مفعول به مقدم. ﴿رَسُولُهَا﴾: فاعل مؤخر وجوبًا لاتصاله بضمير المفعول، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿كل ما﴾. ﴿كَذَّبُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب ﴿كل ما﴾: لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿كل ما﴾: مستأنفة.
﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿فَأَتْبَعْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أتبعنا﴾: فعل وفاعل. ﴿بَعْضَهُمْ﴾: مفعول به أول. ﴿بَعْضًا﴾: مفعول به ثان، وإلجملة معطوفة على ﴿كَذَّبُوهُ﴾. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿أَحَادِيثَ﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿جعلنا﴾. ﴿فَبُعْدًا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿بعدًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا لنيابته عنه، تقديره بعدوا بعدًا، وهذا دعاء عليهم، أو أوجبنا بعدًا. ﴿لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿لِقَوْمٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بعدًا﴾، ولا تتعلق به هذه اللام؛ لأنه لا يحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة. والجملة المحذوفة مستأنفة، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: في محل الجر صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾.
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخٍ. ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)﴾ هو. ﴿وَأَخَاهُ﴾: معطوف على ﴿مُوسَى﴾. ﴿هَارُون﴾: بدل من ﴿أخاه﴾، أو عطف بيان له. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿مُوسَى﴾ و ﴿هَارُونَ﴾؛ أي: حالة كونهما ملتبسين بآياتنا، فالباء للملابسة. ﴿وَسُلْطَانٍ﴾: معطوف على ﴿آياتنا﴾. ﴿مُبِينٍ﴾:
стр. 8352
صفة لـ ﴿سلطان﴾. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: جار ومجرور، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة؛ لأنه اسم لا ينصرف للعلمية والعجمية، متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿وَمَلَئِهِ﴾: معطوف على فرعون. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿استكبروا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿وَكَانُوا قَوْمًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على ﴿استكبروا﴾. ﴿عَالِينَ﴾: صفة ﴿قَوْمًا﴾.
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾.
﴿فَقَالُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قالوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿استكبروا﴾. ﴿أَنُؤْمِنُ﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري، ﴿نؤمن﴾: فعل وفاعل مستتر يعود إلى ﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾. ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾: متعلق بـ ﴿نؤمن﴾. ﴿مِثْلِنَا﴾: صفة ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾ وهو اسم كغير في أنه يوصف بهما الاثنان، والجمع والمذكر والمؤنث، والبشر يقع على الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث. ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾: مبتدأ مضاف إليه. ﴿لَنَا﴾: متعلق بـ ﴿عَابِدُونَ﴾. ﴿عَابِدُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿نؤمن﴾.
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾
﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كذبوهما﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿فَقَالُوا﴾. ﴿فَكَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه ﴿مِنَ الْمُهْلَكِين﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿كذبوهما﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾: مفعولان لـ ﴿أتينا﴾؛ لأنه بمعنى أعطى، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترجٍ ونصب والهاء اسمها، والضمير يعود إلى قوم موسى؛ لأن فرعون وقومه كانوا قد بادوا، وجملة ﴿يَهْتَدُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾
стр. 8353
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿وَأُمَّهُ﴾: معطوف على ابن مريم. ﴿آيَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾. والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾، ولم يقل آيتين؛ لأن فيهما واحدة، وهي الولادة من غير أب، ﴿وَآوَيْنَاهُمَا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿جعلنا﴾. ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿آويناهما﴾. ﴿ذَاتِ﴾: صفة لـ ﴿رَبْوَةٍ﴾. ﴿قَرَارٍ﴾: مضاف إليه. ﴿وَمَعِينٍ﴾: معطوف على ﴿قَرَارٍ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾.
﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾: حرف تنبيه زائد. ﴿الرُّسُلُ﴾: صفة لـ ﴿أي﴾، أو عطف بيان، أو بدل منه، وجملة النداء مستأنفة. ﴿كُلُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب النداء. ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿كلوا﴾. ﴿وَاعْمَلُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿كُلُوا﴾. ﴿صَالِحًا﴾ مفعول به أو مفعول مطلق. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عليم﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: تعملونه ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر إن، وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَإِنَّ هَذِهِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن هذه أمتكم﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة مستأنفة على قراءة كسر همزة ﴿إن﴾، وأما على قراءة فتحها فالجملة سادة مسد مفعولي علم المحذوفة، تقديرها: واعلموا أن هذه أمتكم أمة واحدة، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾. ﴿أُمَّةً﴾: حال لازمة من ﴿أُمَّتُكُمْ﴾. ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة ﴿لامة﴾. ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾. ﴿فَاتَّقُونِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم وأنا ربكم وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم ﴿اتقون﴾. ﴿اتقون﴾: فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والنون نون
стр. 8354
الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿تقطعوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَمْرَهُمْ﴾: إما منصوب بنزع الخافض؛ أي: تفرقوا في أمرهم، أو مفعول به وعدى تقطعوا إليه؛ لأنه بمعنى قطعوا. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تقطعوا﴾. ﴿زُبُرًا﴾: حال من فاعل ﴿تقطعوا﴾؛ أي: حالة كونهم أحزابًا متخالفين. ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿فَرِحُونَ﴾. ﴿لَدَيْهِمْ﴾: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿فَرِحُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل تقطعوا.
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.
﴿فَذَرْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت تقطعهم يا محمد وتفرقهم وفرح كل حزب بما لديهم، وأردت بيان ما هو الأصلح لك، فأقول لك: ذرهم. ﴿ذرهم﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على محمد ومفعول أول، والضمير لكفار مكة. ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول ثان، أو حال من ضمير المفعول؛ أي: أتركهم متخبطين في غمرتهم، أو حالة كونهم متخبطين، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ذرهم﴾. ﴿أَيَحْسَبُونَ﴾: (الهمزة) فيه للاستفهام التقريعي الإنكاري. ﴿يحسبون﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب اسمها، وكان من حقها أن تكتب مفصولة، ولكنها موصولة اتباعًا لرسم المصحف. ﴿نُمِدُّهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿نُمِدُّهُمْ﴾، وهو العائد على الموصول، وجملة ﴿نُمِدُّهُمْ﴾ صلة الموصول، ﴿مِنْ مَالٍ﴾: حال من الموصول ﴿وَبَنِينَ﴾: معطوف على ﴿مَالٍ﴾. ﴿نُسَارِعُ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، تقديره: نحن.
стр. 8355
﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿نسارع﴾. ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾: متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، والرابط بين هذه الجملة، واسم ﴿أن﴾ محذوف، تقديره: نسارع لهم به، أو فيه، إلا أن حذف مثله قليل، وقيل: الرابط بينهما هو اسم الظاهر الذي قام مقام المضمر، من قوله: ﴿فِي الْخَيْرَاتِ﴾، وهذا يتمشى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة، وإن لم يكن بلفظ الأول. وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها، في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي حسب، والتقدير: أيحسبون مسارعتنا إياهم في الخيرات، بما أمددناهم به من مال وبنين. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب، للإضراب الانتقالي عن الحسبان. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَشْعُرُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على مقدر ينسحب عليه الكلام؛ أي: لا نفعل ذلك، بل هم لا يشعرون بشيء أصلًا كالبهائم، لا فطنة لهم، ولا شعور يتيح لهم التأمل، فيعرفون أن ذلك الإمداد ما هو إلا استدراج لهم، واستجرار إلى زيادة الإثم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُشْفِقُونَ﴾. ﴿مشفقون﴾: خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول. ﴿هُم﴾: مبتدأ. ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُون﴾. ﴿يُؤْمِنُون﴾: فعل وفاعل خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ، والخبر صلة الموصول.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾
﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُشْرِكُونَ﴾ وجملة ﴿لَا يُشْرِكُونَ﴾ خبر المبتدأ. والجملة من المبتدأ والخبر صلة الموصول، ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول. ﴿يُؤْتُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مَا﴾: مفعول ﴿يؤتون﴾. ﴿آتَوْا﴾: فعل وفاعل،
стр. 8356
والجملة صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما آتوه. ﴿وَقُلُوبُهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿قلوبهم﴾: مبتدأ. ﴿وَجِلَةٌ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يُؤْتُونَ﴾. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿رَاجِعُونَ﴾. ﴿رَاجِعُونَ﴾: خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿وجلة﴾؛ أي: قلوبهم خائفة من رجوعهم إلى ربهم.
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾
﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿يُسَارِعُونَ﴾: فعل وفاعل ﴿فِي الْخَيْرَات﴾: متعلق به، وجملة ﴿يسارعون﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر ﴿أن﴾؛ أي: خبر عن أن الذين هم من خشية ربهم وما عطف عليه، قاسم ﴿أن﴾ أربع موصولات، وخبرها جملة أولئك .. الخ. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ ﴿لَهَا﴾ متعلق بـ ﴿سَابِقُونَ﴾، قدم عليه للفاصلة وللاختصاص. ﴿سَابِقُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على سابقتها عطف تأكيد لها. ﴿وَلَا نُكَلِّفُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿نُكَلِّف﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿نَفْسًا﴾: مفعول به أول، والجملة مستأنفة، مسوقة للدلالة على أن التكليف غير خارج عن حدود الطاقات والإمكانيات. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿وُسْعَهَا﴾: مفعول ثان. ﴿وَلَدَيْنَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لدينا﴾: ظرف ومضاف إليه، خبر مقدم، ﴿كِتَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَا نُكَلِّف﴾، وجملة ﴿يَنْطِقُ﴾ صفة كتاب ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق به، أو حال من فاعل ﴿يَنْطِق﴾؛ أي: حالة كونه ملتبسًا بالحق. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على سابقتها.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قَرْنًا﴾: القرن: الأمة. والمراد بهم: عاد قوم هود، لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾.
стр. 8357
﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ﴾؛ أي: نعمناهم ووسعنا عليهم، يقال: ترف فلان؛ أي: توسع في النعمة وأترفته النعمة: أطغته. ﴿لَخَاسِرُون﴾؛ أي: لمغبونون في آرائكم، إذ أنكم أذللتم أنفسكم لعبادة من هو دونكم. ﴿هَيْهَاتَ﴾؛ أي: بعد. ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ هو البعث والحساب. ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بمصدقين. ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾؛ في؛ أي: بعد زمان قليل ﴿لَيُصْبِحُنّ﴾؛ أي: ليصيرن. ﴿الصَّيْحَةُ﴾، والصيحة: العذاب الشديد، كماقال:
صَاحَ الزَّمَانُ بِآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ... خَرُّوْا لِشِدَّتِهَا عَلَى الأذْقَانِ
﴿غُثَاءً﴾: الغثاء العشب إذا يبس، يجمع على أغثية كغراب وأغربة، وعلى غثيان كغراب وغربان. وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر إذا جرى السيل به فخالط زبده. وقيل: كل ما يلقيه السيل، والقدر مما لا ينتفع به، وبه يضرب المثل في ذلك. ولامه واو؛ لأنه من غثا الوادي يغثو غثوًا، وكذلك غثت القدر، وأما غثيت نفسه تغثى غثيانًا؛ أي: خبثت فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء، وتشدد ثاء الغثاء وتخفف، وقد جمع على أغثاء وهو شاذ بل كان قياسه أن يجمع على أغثية كأغربة، أو على غثيان كغربان وغلمان. اهـ. "سمين".
وقال الزمخشري: شبَّههم في دمارهم بالغثاء، وهو حميل السيل مما بلى، واسود من بلي العيدان والورق. اهـ.
﴿تَتْرَا﴾ من المواترة، وهي التتابع بين الأشياء مع فترة ومهلة بينها، قاله الأصمعي، والتاء فيه مبدلة من الواو، وأصله وترى وهو مصدر كشبعى ودعوى. فألفه للتأنيث، وهو منصوب على الحالية؛ أي: متتابعين، والتتر: المتابعة مع مهلة، فإن كانت بدونها، قيل لها: مداركة ومواصلة، كما في "القاموس".
﴿أَحَادِيثَ﴾: جمع أحدوثة، كأضاحيك وألاعيب وأعاجيب، جمع أضحوكة وألعوبة وأعجوبة، والأحدوثة: هي كل ما يتحدث به الناس تعجبًا منه، وتلهيًا به ودفعًا للملالة، واجتلابًا للسلوى، وتزجية للفراغ، أو جمع حديث على غير قياس.
стр. 8358
وفي "السمين" قيل: هو جمع حديث، ولكنه شاذ، وقيل: بل جمع أحدوثة كأضحوكة. وقال الأخفش: لا يقال ذلك إلا في الشر، ولا يقال في الخير. وقد شذت العرب في ألفاظ، فجمعوها على صيغة مفاعيل كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: الأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله ﷺ ، وأفاعيل ليس من أبنية اسم الجمع، وإنما ذكره أصحابنا فيما شذ من المجموع، كقطيع وأقاطيع، وإذا كان عباديد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير، مع أنهم لم يلفظوا له بواحد، فاحرى أحاديث، وقد لفظ له بواحد وهو حديث، فاتضح أنه جمع تكسير، لا اسم جمع لما ذكرنا. اهـ. وفي "القاموس" صاروا أحاديث؛ أي: انقرضوا. اهـ.
﴿عَالِينَ﴾؛ أي: متكبرين. ﴿لِبَشَرَيْن﴾: تثنية بشر، والبشر يقع على الواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، قال تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ وقد يطابق، ومنه هذه الآية، وأمّا إفراد مثلنا؛ فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد، والتذكير ولا يؤنث أصلًا، وقد يطابق ما هو له تثنيةً كقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. وجمعًا كقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، وقيل: أريد
المماثلة في البشرية لا الكمية، وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. اهـ.
﴿عَابِدُونَ﴾؛ أي: خدم منقادون. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان للملك عابدًا. وقال المبرد: العابد: المطيع الخاضع.
﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾؛ أي: أسكناهما وأنزلناهما في ربوة؛ أي: أوصلناهما إلى ربوة، وسبب ذلك أن ملك ذلك الزمان، كان أراد أن يقتل عيسى ﵇، فهربت به أمه إلى تلك الربوة، ومكثت بها ثنتي عشرة سنة، حتى هلك ذلك الملك. اهـ. من "الخطيب".
والربوة والرباوة: الأرض المرتفعة، وفي رائها الحركات الثلاث، وقد اختلف المفسرون في المراد بها، فقيل: بيت المقدس، وقيل: دمشق وغوطتها. وعن الحسن: فلسطين أو الرملة، أو مصر، أقوال.
﴿مَعِينٍ﴾: اسم مفعول من عان يعين كباع يبيع، فهو معين كمبيع، فالميم
стр. 8359
زائدة، وأصله معيون كمبيوع، وقد دخله الإعلال. والمعين: الماء الظاهر البخاري على وجه الأرض. وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته، فوجه من جعله مفعولًا أنه مدرك بالعين؛ لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه، نحو ركبه إذا ضربه بركبته، ووجه من جعله فعيلًا، أنه نفاع بظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة. وقال الراغب: هو من معن الماء إذا جرى، ويسمى مجرى الماء معيانًا، وأمعن الفرس تباعد في عدوه، وأمعن بحقي ذهب به، وفلان معن في حاجته؛ أي: سريع، قلت: وهذا كله راجع إلى معنى الجري والسرعة.
وفي "السمين" قوله: ومعين صفة لموصوف محذوف؛ أي: وماء معين، وفيه قولان:
أحدهما: أن ميمه زائدة، وأصله معيون؛ أي: مبصر بالعين، فأعل إعلال مبيع، وبابه وهو مثل قولهم: كبدته؛ أي: ضربت كبده، ورأسته؛ أي: أصبت رأسه، وعنته؛ أي: أدركته بعيني، ولذلك أدخله الخليل في مادة ع ي ن.
والثاني: أن الميم اصلية، ووزنه فعيل، مشتق من المعن، واختلف في المعن. فقيل: هو الشيء القليل، ومنه الماعون، وقيل: هو من معن الشيء، معانة إذا كثر.
﴿الطَّيِّبَاتِ﴾: جمع طيب، والطيب: ما يستطاب ويستلذ من المآكل والفواكه. ﴿أُمَّتُكُمْ﴾؛ أي: ملتكم وشريعتكم. ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾؛ أي: قطعوا ومزقوا. ﴿أَمْرَهُمْ﴾؛ أي: أمر دينهم. ﴿زُبُرًا﴾؛ أي: قطعًا، واحدها زبور: بمعنى فريق. اهـ. "بيضاوي". أو جمع زبرة بمعنى القطعة؛ أي: الطائفة من الناس، وهي مثل غرفة، فتجمع على زبر بالضم وبالفتح، كما في الكهف فهما جمعان، كما في "القاموس". وقيل: معنى زبرًا، كتبًا؛ أي: تمسك كل قوم بكتاب، فآمنوا به، وكفروا بما سواه من الكتب. اهـ. "خطيب".
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ والخطاب لمحمد ﷺ ، والضمير لكفار مكة، في غمرتهم؛ أي: في ضلالتهم، شبهها بالماء الذي يغمر القامة؛ لأنهم يغمرون فيها، والغمر في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والغمر أيضًا الذي يغمر
стр. 8360
الأرض، ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلان في غمره، والمادة تدل على الغطاء والاستتار، ومنه الغمر بالضم لمن لم يجرب الأمور، والغمر بالكسر: الحقد؛ لأنه يغطي القلب، والغمرات: الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. اهـ. "سمين".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا﴾.
ومنها: أسلوب الإطناب في قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ذمًّا لهم وتسجيلًا عليهم بالقبائح والشناعات.
ومنها: ذكر الخاص بعنوان العام في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا﴾؛ لأن المراد بالرسول هنا هو ﵇ بقرينة ما سبق في سورة الأعراف.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾؛ أي: منه.
ومنها: إقامة الضمير مقام الظاهر في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، فأقيم الضمير مقام الأولى، لدلالة الثانية عليها، حذرًا من التكرر وإشعارًا بإغنائها عن التصريح.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وكذلك بين ﴿تَسْبِقُ﴾ و ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾؛ أي: كالغثاء في سرعة زواله ومهانة حاله، حذف وجه الشبه وأداة التشبيه، فصار بليغًا.
ومنها: الجناس الناقص في قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾؛ لتغيير بعض الحروف والشكل.
стр. 8361
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إفادة للتعليل وإشعارًا بالعلية.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ حيث شبه ضلالتهم وجهالتهم بالماء الذي يغمر الإنسان من فرقه إلى قدمه بجامع الاستتار في كلٍّ، وإن كان مختلفًا بكونه في الماء حسيًّا وفي الجهالة معنويًا، واستعير اسم المشبه به للمشبه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾.
ومنها: حذف الرابط في قوله: ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ حذف به؛ أي: نسارع لهم به في الخيرات وحسن حذفه؛ لاستطالة الكلام مع أمن اللبس.
ومنها: الطباق بين ﴿يُؤْمِنُون﴾ و ﴿يُشْرِكُون﴾.
ومنها: الاستعارة البديعة في قوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ فالنطق لا يكون إلا ممن يتكلم بلسانه، والكتاب ليس له لسان فوصف سبحانه الكتاب بالنطق، مبالغةً في وصفه بظهار البيان وإعلان البرهان، أو تشبيهًا باللسان الناطق على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
عَامِلُونَ (٦٣) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله سبحانه، لما ذكر سماحة هذا الدين، وأنه دين يسر لا عسر، ولا يكلف النفس إلا ما تطيق، وأن ما يعمله المرء فهو محفوظ في كتاب، لا يبخس منه شيئًا، ولا يزاد له فيه شيء .. أردف هذا ببيان أن المشركين في غفلة عن هذا، الذي بيّن في القرآن، ولهم أعمال سوء أخرى، من فنون الكفر والمعاصي، كطعنهم في القرآن، واستهزائهم بالنبي ﷺ ، وايذائهم للمؤمنين، فإذا حل بهم بأسنا يوم القيامة .. جأروا واستغاثوا فقلنا لهم: لا فائدة فيما تعملون، فقد جاءتكم الآيات والنذر، فأعرضتم عنها، واتخذتموها هزوًا، تسمرون بها في البيت الحرام، وقد كان من حقكم أن تتدبروا القرآن؛ لتعلموا أنه الحق من ربكم، وأن مجيء الكتب إلى الرسل سنة قديمة، فكيف تنكرونها؟ وهل رابكم في رسولكم شيء، حتى تمتنعوا من تصديقه، وتقولوا إن به جنةً، وأنتم تعلمون أنه أرجح الناس عقلًا، وأثقبهم رأيًا، لا إن الأمر على غير ما تظنون، إنه قد جاءكم بالحق، ولكن أكثركم للحق كارهون، لما دسيتم به أنفسكم من الزيغ والإنصراف عن سبيل الحق، ولو أجابكم ربكم إلى ما في أنفسكم من الهوى، وشرع الأمور وفق ذلك .. لفسدت السماوات والأرض لفساد أهوائكم، واختلافها، وأنتم لو تأملتم، لعلمتم أن ما جاءكم به هو فخركم، فكيف تعرضون عنه؟ وهل تظنون أنه يسألكم أجرًا على هدايتكم، وإرشادكم، فما عند الله خير مما عندكم، وهو خير الرازقين. فها هو ذا قد تبين الرشد من الغي، واستبان أن ما تدعوهم إليه هو الحق، الذي لا محيص منه، وأن الذين لا يؤمنون به عادلون عن طريق الحق، وقد بلغوا حدًّا من التمرد والعناد لا يرجى معه صلاح، فلو أنهم ردوا في الآخرة إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، لشدة لجاجهم وتدسيتهم لأنفسهم.
ولقد قتلنا سراتهم بالسيف يوم بدر، فما خضعوا ولا انقادوا لربهم ولا ردهم ذلك عما كانوا فيه، بل استمروا في غيهم وضلالهم، كما قال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ ما لم يكونوا
стр. 8364
يحتسبون أيسوا من كل خير، وانقطع رجاؤهم من كل راحة وسعادة.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ...﴾ الآيات. مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) إعراض المشركين عن سماع الأدلة ورؤية العبر، والتأمل في الحقائق .. أردف ذلك الامتنان على عباده، بأنه قد أعطاهم الحواس من السمع والبصر وغيرهما، ووفقهم لاستعمالها، وكان من حقهم أن يستفيدوا بها ,ليتبين لهم الرشد من الغي، لكنها لم تغن عنهم شيئًا، فكأنهم فقدوها، كما قال: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ثم ساق أدلة أخرى على وجوده وقدرته، فبين أنه أوجدهم من العدم، وأن حشرهم إليه، وأنه هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وأنه هو الذي يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، أفلا عقل لكم تتأملون به فيما تشاهدون.
وعبارة أبي حيان هنا: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ ...﴾ إلخ. مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما بين إعراض الكفار عن سماع الأدلة ورؤية العبر، والتأمل في الحقائق .. خاطب - قيل: المؤمنين - والظاهر العالم بأسرهم، تنبيهًا على أن من لم يعمل هذه الأعضاء في ما خلقه الله تعالى، وتدبر ما أودعه فيها، من الدلالة على وحدانيته، وباهر قدرته، فهو كعادم هذه الأعضاء. انتهى.
قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر (٢) أدلة التوحيد المبثوثة في الأكوان والأنفس، والتي يراها الناس في كل آن، أعقبها بذكر البعث والحشر، وإنكار المشركين لهما، وتردادهم مقالة من سبقهم، من الكافرين الجاحدين في استبعادهما والتكذيب بحصولهما.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات
стр. 8365
لما قبلها: أنه ، لما ذكر (١) شبهات المشركين في أمر البعث والحساب والجزاء وأحوال النشأة الآخرة .. عقب ذلك بذكر الأدلة التي تثبت تحققه، وأنه كائن لا محالة.
قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ...﴾ الآيتين. مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أن الله سبحانه لما ذكر (٢) أن المشركين كاذبون في إنكار البعث والجزاء، وفي مقالتهم إن القرآن أساطير الأولين .. قفى على ذلك بيان أنهم كاذبون في أمرين، اتخاذ الله للولد، وإثبات الشريك له.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ سبب (٣) نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت قريش تسمر حول البيت ولا تطوف به، ويفتخرون به، فأنزل الله هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾. سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه النسائي والحاكم عن ابن عباس قال: إن أبا سفيان أتى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، أنشدك بالله والرحم، لقد أكلنا الظهر - الوبر - والدم فأنزل الله هذه الآية.
وأخرج البيهقي في "الدلائل" بلفظ، أن ثمامة بن أثال الحنفي، لما أتى به النبي ﷺ ، وهو أسير خلى سبيله، ثم أسلم فلحق بمكة، ثم رجع إلى اليمامة، فحال بين أهل مكة وبين المسيرة من اليمامة، فأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز (٤)، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: أنشدك بالله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؛ فقال: "بلى" فقال: قتلت الآباء بالسيف
стр. 8366
والأبناء بالجوع فنزلت هذه الآية.
التفسير وأوجه القراءة
٦٣ - ثم أضرب سبحانه عما سبق، وذكر أحوال الكفار فقال: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: قلوب الكفرة ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾؛ أي: في غفلة غامرة؛ أي: ساترة لها ﴿مِنْ هَذَ﴾ الذي بين في القرآن، من أن لدينا كتابًا ينطق بالحق؛ أي: ديوان الحفظة الذي يظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد، فيجزون بها؛ أي (١): بل قلوب الكفار في غمرة غامرة لها، عن هذا الكتاب الذي ينطق بالحق، أو على الأمر الذي عليه المؤمنون، يقال: غمره الماء إذا غطاه، ونهر غمر يغطي من دخله. والمراد بها هنا: الغطاء أو الحيرة والعمي. وقد تقدم الكلام على الغمرة قريبًا.
والمعنى: أي (٢) بل قلوب المشركين في غفلة عن هذا القرآن، والاسترشاد بما جاء به، مما فيه سعاده الناس في دينهم ودنياهم، فلو قرؤوه وتدبروه لرأوا أنه كتاب ينطق بالحق والصدق، وأنه يقضي بأن أعمال المرء مهما دقت فهو محاسب عليها، وأن ربك لا يظلم من عباده أحدًا. ثم ذكر جنايات أخرى لهم فوق جنايتهم السابقة، فقال: ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: وللكفار ﴿أَعْمَالٌ﴾ كثيرة خبيثة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي، من طعنهم في القرآن، وإقامة إمائهم في الزنا. ﴿هُمْ﴾؛ أي: الكفار ﴿لَهَا﴾؛ أي: لتلك الأعمال ﴿عَامِلُونَ﴾؛ أي: معتادون فعلها، مستمرون عليها.
والمعنى: أي إن لهم أعمالًا أخرى أسوأ من ذلك، فقد أغرقوا في الشرك والمعاصي واتخذوا هذا الكتاب هزوًا، وجعلوه سمرهم في البيت الحرام، يقولون فيه ما هو منه براء، يقولون: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، و ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وما هو إلا كلام شاعر، ويتقولون على من أرسل به، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، وأنه قد تعلمه من غيره من أهل الكتاب، وانغمسوا في عبادة
стр. 8367
الأوثان والأصنام. ولقد تراهم إذا جاء البرهان الساطع أعرضوا عنه وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.
٦٤ - ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ وهذه الجملة غاية لأعمالهم المذكورة، ومقررة لما قبلها. وحتى هذه ابتدائية، وهي يبتدأ بعدها الكلام. والكلام هو الجملة الشرطية المذكورة بعدها؛ أي (١): لا يزالون يعملون أعمالهم الخبيثة إلى حيث إذا أخذنا متنعميهم ورؤساءهم ﴿بِالْعَذَابِ﴾ الأخروي إذ هو الذي يفاجؤون عنده الخوار فيجابون بالرد والإقناط، وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار. والمراد (٢) بالمترفين المتنعمين منهم. وهم الذين أمدهم الله تعالى بما تقدم ذكره من المال والبنين. أو المراد بهم الرؤساء منهم. وقيل: المراد بالعذاب، هو عذابهم بالسيف يوم بدر، أو بالجوع بدعاء النبي ﷺ عليهم، حيث قال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف". والأول أظهر؛ لأن الجؤار إنما يقع عند عذاب الآخرة.
وجملة قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ جواب الشرط، وإذا هي الفجائية، والضمير راجع إلى المترفين؛ أي: إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة؛ أي: يرفعون أصواتهم بها، ويتضرعون في طلب النجاة، فإن أصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع والدعاء. يقال: جار الرجل إذا تضرع بالدعاء.
وتخصيص (٣) المترفين بأخذ العذاب، ومفاجاة الجؤار مع عمومه لغيرهم أيضًا لغاية ظهور انعكاس حالهم، وأيضًا إذا كان لقاؤهم هذه الحالة الفظيعة ثابتًا واقعًا، فما ظنك بحال الأصاغر والخدم.
وقال بعضهم: المراد بالمترفين المعذبين، أبو جهل وأصحابه، الذين قتلوا ببدر، والذين هم يجأرون أهل مكة، فيكون الضمير راجعًا إلى ما رجع إليه ضمير
стр. 8368
مترفيهم، وهم الكفرة مطلقًا.
والمعنى: أي حتى (١) إذا حل بهم بأسنا يوم القيامة، وحاق بهم سوء العذاب .. صاحوا صيحة منكرة، وقالوا: واغوثاه واسوء منقلباه، لشدة ما يرونه من الكرب والهول ولا سيما مترفوهم الذين انقلب أمرهم من النعيم إلى العذاب الأليم، وندموا حين لا ينفع الندم.
نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ
٦٥ - ثم أبان أن الصريخ والعويل لا يجديهم نفعًا، فقال: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ فهو على إضمار القول، وتخصيص اليوم بالذكر، وهو يوم القيامة لتهويله والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار؛ أي: فيقال لهم على وجه التبكيت والتقريع: لا تصرخوا اليوم، ولا تلتجئوا إلينا, ولا تستغيثوا بنا.
وجملة قوله: ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ تعليل للنهي عن الجؤار، والمعنى إنكم من عذابنا لا تمنعون، ولا ينفعكم جزعكم. وقيل المعنى: إنكم لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب.
والمعنى: أي قلنا لهم هيهات هيهات، قد فات ما فات، الآن لا يجديكم البكاء والعويل؛ فهذا وقت الجزاء على ما كسبت أيديكم، وقد حقت عليكم كلمة ربكم، ولا مغيث من أمره، ولا ناصر يحول بينكم وبين بأسه، ولا يخفى ما في ذلك من التهويل الشديد لذلك اليوم، وأنه لا يجدي فيه ضراعة، ولا استغاثة، ولا ينفع فيه ولي ولا نصير.
٦٦ - ثم عدد سبحانه عليهم قبائحهم توبيخًا لهم، وبيانًا أن البكاء والصراخ لا ينفع شيئًا، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي﴾ التي هي القرآن ﴿تُتْلَى﴾ وتقرأ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في الدنيا ﴿فَكُنْتُمْ﴾ أيها الكفرة ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ أي: وراءكم ﴿تَنْكِصُونَ﴾؛ أي: ترجعون القهقرى، وتعرضون عن سماعها، وتنفرون عمن يتلوها.
стр. 8369
والأعقاب جمع عقب، وهو مؤخر الرجل، والنكوص الرجوع القهقرى؛ أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلًا عن تصديقها والعمل بها.
والمعنى: أي (١) دعوا الصراخ، فإنه لا يمنعكم منا، واتركوا النصير، فإنه لا ينفعكم عندنا، فقد ركبتم شططًا، وجاءتكم الآيات والنذر، فأعرضتم عن سماعها فضلًا عن تصديقها، والعمل بها، وكنتم كمن ينكص على عقبيه موليًّا القهقرى نافرًا مما يسمع ويرى. وعلى أعقابكم متعلق بـ ﴿تَنْكِصُونَ﴾، وهو استعارة عن الإعراض عن الحق، كما سيأتي.
وقرأ علي بن أبي طالب ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ بدل ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقرأ تنكُصون بضم الكاف.
٦٧ - وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تَنْكِصُونَ﴾، والضمير (٢) في ﴿بِه﴾ راجع إلى البيت العتيق. وقيل: للحرم، والذي سوغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم بولايته، والقيام به، وكانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم وخدامه. وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين. والمعنى عليه: فكنتم ترجعون عن آياتي على أدباركم حالة كونكم متعظمين بالبيت، ومفتخرين بالحرم وخدمته.
وقيل: الضمير عائد إلى الآيات، بمعنى الكتاب، وضمن الاستكبار معنى التكذيب، فعداه بالباء. والمعنى: فكنتم تنكصون عنها على أعقابكم، حالة كونكم مكذبين بكتابي، ومستكبرين عن الإيمان به. والمعنى: أن سماعه يحدث لهم كبرًا وطغيانًا فلا يؤمنون به.
قال ابن عطية: وهذا قول جيد، وقال النحاس: القول الأول أولى، وبينه بما ذكرنا، فعلى القول الأول: يكون (به) متعلقًا بمستكبرين. وعلى الثاني: يكون متعلقًا بـ ﴿سَامِرًا﴾؛ لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، والطعن فيه، وتسميته سحرًا وشعرًا وهو اسم جمع كالحاضر
стр. 8370
في الإطلاق على الجمع. وقال الواحدي: السامر الجماعة يسمرون بالليل؛ أي: يتحدثون فيه، فهو حال بعد حال من فاعل تنكصون، أو من الضمير في مستكبرين. والمعنى: وحالة كونكم سامرين ومتحدثين حول البيت في شأن القرآن.
ويجوز أن يتعلق ﴿بِهِ﴾ بقوله: ﴿تَهْجُرُون﴾ من الهجر بالفتح، وهو الهذيان، وهو حال أخرى؛ أي: وحالة كونكم تهذون في شأن القرآن وتسبونه، ويجوز أن يكون من الهجر بالضم، وهو الفحش في المنطق، وفيه ذم لمن يسمر في غير طاعة الله تعالى. وكان ﵇ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها. رواه مسلم عن أبي برزة الأسلمي.
ومعنى قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾؛ أي: تعرضون عن الإيمان مستعظمين بالبيت الحرام، تقولون: نحن أهل حرمه وخدام بيته، فلا يظهر علينا أحد، ولا نخاف أحدًا، وتسمرون حوله، وتتخذون القرآن سلواكم والطعن فيه هجيراكم، تهذون فتقولون هو سحر، هو شعر، هو كهانة إلى آخر ما يحلو لكم أن تتقولوه.
والخلاصة: أنكم كنتم عن سماع آياتي معرضين مستعظمين بأنكم خدام البيت وجيرانه فلا تضامون، وتهذون في أمر القرآن، وتقولون فيه ما ليس فيه مسحة من الحق، ولا جانب من الصواب.
وقرأ الجمهور (١): ﴿سَامِرًا﴾ وابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة وابن محيصن وعكرمة والزعفراني ومحبوب عن أبي عمرو: سمَّرًا بضم السين وفتح الميم المشددة جمع سامر. وابن عباس أيضًا، وزيد بن علي وأبو رجاء وأبو نهيك (سمارا) كذلك. وبزيادة ألف بين الميم والراء، جمع سامر أيضًا، وهما جمعان مقيسان، في مثل سامر وعاذل.
وقرأ الجمهور وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: