← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

والأبناء بالجوع فنزلت هذه الآية. التفسير وأوجه القراءة ٦٣ - ثم أضرب سبحانه عما سبق، وذكر أحوال الكفار فقال: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: قلوب الكفرة ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾؛ أي: في غفلة غامرة؛ أي: ساترة لها ﴿مِنْ هَذَ﴾ الذي بين في القرآن، من أن لدينا كتابًا ينطق بالحق؛ أي: ديوان الحفظة الذي يظهر لهم أعمالهم السيئة على رؤوس الأشهاد، فيجزون بها؛ أي (١): بل قلوب الكفار في غمرة غامرة لها، عن هذا الكتاب الذي ينطق بالحق، أو على الأمر الذي عليه المؤمنون، يقال: غمره الماء إذا غطاه، ونهر غمر يغطي من دخله. والمراد بها هنا: الغطاء أو الحيرة والعمي. وقد تقدم الكلام على الغمرة قريبًا. والمعنى: أي (٢) بل قلوب المشركين في غفلة عن هذا القرآن، والاسترشاد بما جاء به، مما فيه سعاده الناس في دينهم ودنياهم، فلو قرؤوه وتدبروه لرأوا أنه كتاب ينطق بالحق والصدق، وأنه يقضي بأن أعمال المرء مهما دقت فهو محاسب عليها، وأن ربك لا يظلم من عباده أحدًا. ثم ذكر جنايات أخرى لهم فوق جنايتهم السابقة، فقال: ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: وللكفار ﴿أَعْمَالٌ﴾ كثيرة خبيثة ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي، من طعنهم في القرآن، وإقامة إمائهم في الزنا. ﴿هُمْ﴾؛ أي: الكفار ﴿لَهَا﴾؛ أي: لتلك الأعمال ﴿عَامِلُونَ﴾؛ أي: معتادون فعلها، مستمرون عليها. والمعنى: أي إن لهم أعمالًا أخرى أسوأ من ذلك، فقد أغرقوا في الشرك والمعاصي واتخذوا هذا الكتاب هزوًا، وجعلوه سمرهم في البيت الحرام، يقولون فيه ما هو منه براء، يقولون: ﴿مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾، و ﴿مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، وما هو إلا كلام شاعر، ويتقولون على من أرسل به، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، وأنه قد تعلمه من غيره من أهل الكتاب، وانغمسوا في عبادة

стр. 8367

الأوثان والأصنام. ولقد تراهم إذا جاء البرهان الساطع أعرضوا عنه وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون. ٦٤ - ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ وهذه الجملة غاية لأعمالهم المذكورة، ومقررة لما قبلها. وحتى هذه ابتدائية، وهي يبتدأ بعدها الكلام. والكلام هو الجملة الشرطية المذكورة بعدها؛ أي (١): لا يزالون يعملون أعمالهم الخبيثة إلى حيث إذا أخذنا متنعميهم ورؤساءهم ﴿بِالْعَذَابِ﴾ الأخروي إذ هو الذي يفاجؤون عنده الخوار فيجابون بالرد والإقناط، وأما عذاب يوم بدر فلم يوجد لهم عنده جؤار. والمراد (٢) بالمترفين المتنعمين منهم. وهم الذين أمدهم الله تعالى بما تقدم ذكره من المال والبنين. أو المراد بهم الرؤساء منهم. وقيل: المراد بالعذاب، هو عذابهم بالسيف يوم بدر، أو بالجوع بدعاء النبي ﷺ عليهم، حيث قال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف". والأول أظهر؛ لأن الجؤار إنما يقع عند عذاب الآخرة. وجملة قوله: ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ جواب الشرط، وإذا هي الفجائية، والضمير راجع إلى المترفين؛ أي: إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة؛ أي: يرفعون أصواتهم بها، ويتضرعون في طلب النجاة، فإن أصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع والدعاء. يقال: جار الرجل إذا تضرع بالدعاء. وتخصيص (٣) المترفين بأخذ العذاب، ومفاجاة الجؤار مع عمومه لغيرهم أيضًا لغاية ظهور انعكاس حالهم، وأيضًا إذا كان لقاؤهم هذه الحالة الفظيعة ثابتًا واقعًا، فما ظنك بحال الأصاغر والخدم. وقال بعضهم: المراد بالمترفين المعذبين، أبو جهل وأصحابه، الذين قتلوا ببدر، والذين هم يجأرون أهل مكة، فيكون الضمير راجعًا إلى ما رجع إليه ضمير

стр. 8368

مترفيهم، وهم الكفرة مطلقًا. والمعنى: أي حتى (١) إذا حل بهم بأسنا يوم القيامة، وحاق بهم سوء العذاب .. صاحوا صيحة منكرة، وقالوا: واغوثاه واسوء منقلباه، لشدة ما يرونه من الكرب والهول ولا سيما مترفوهم الذين انقلب أمرهم من النعيم إلى العذاب الأليم، وندموا حين لا ينفع الندم. نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ ٦٥ - ثم أبان أن الصريخ والعويل لا يجديهم نفعًا، فقال: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ فهو على إضمار القول، وتخصيص اليوم بالذكر، وهو يوم القيامة لتهويله والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار؛ أي: فيقال لهم على وجه التبكيت والتقريع: لا تصرخوا اليوم، ولا تلتجئوا إلينا, ولا تستغيثوا بنا. وجملة قوله: ﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ تعليل للنهي عن الجؤار، والمعنى إنكم من عذابنا لا تمنعون، ولا ينفعكم جزعكم. وقيل المعنى: إنكم لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب. والمعنى: أي قلنا لهم هيهات هيهات، قد فات ما فات، الآن لا يجديكم البكاء والعويل؛ فهذا وقت الجزاء على ما كسبت أيديكم، وقد حقت عليكم كلمة ربكم، ولا مغيث من أمره، ولا ناصر يحول بينكم وبين بأسه، ولا يخفى ما في ذلك من التهويل الشديد لذلك اليوم، وأنه لا يجدي فيه ضراعة، ولا استغاثة، ولا ينفع فيه ولي ولا نصير. ٦٦ - ثم عدد سبحانه عليهم قبائحهم توبيخًا لهم، وبيانًا أن البكاء والصراخ لا ينفع شيئًا، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي﴾ التي هي القرآن ﴿تُتْلَى﴾ وتقرأ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ في الدنيا ﴿فَكُنْتُمْ﴾ أيها الكفرة ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ أي: وراءكم ﴿تَنْكِصُونَ﴾؛ أي: ترجعون القهقرى، وتعرضون عن سماعها، وتنفرون عمن يتلوها.

стр. 8369

والأعقاب جمع عقب، وهو مؤخر الرجل، والنكوص الرجوع القهقرى؛ أي: معرضون عن سماعها أشد الإعراض فضلًا عن تصديقها والعمل بها. والمعنى: أي (١) دعوا الصراخ، فإنه لا يمنعكم منا، واتركوا النصير، فإنه لا ينفعكم عندنا، فقد ركبتم شططًا، وجاءتكم الآيات والنذر، فأعرضتم عن سماعها فضلًا عن تصديقها، والعمل بها، وكنتم كمن ينكص على عقبيه موليًّا القهقرى نافرًا مما يسمع ويرى. وعلى أعقابكم متعلق بـ ﴿تَنْكِصُونَ﴾، وهو استعارة عن الإعراض عن الحق، كما سيأتي. وقرأ علي بن أبي طالب ﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ بدل ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقرأ تنكُصون بضم الكاف. ٦٧ - وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تَنْكِصُونَ﴾، والضمير (٢) في ﴿بِه﴾ راجع إلى البيت العتيق. وقيل: للحرم، والذي سوغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم بولايته، والقيام به، وكانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم وخدامه. وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين. والمعنى عليه: فكنتم ترجعون عن آياتي على أدباركم حالة كونكم متعظمين بالبيت، ومفتخرين بالحرم وخدمته. وقيل: الضمير عائد إلى الآيات، بمعنى الكتاب، وضمن الاستكبار معنى التكذيب، فعداه بالباء. والمعنى: فكنتم تنكصون عنها على أعقابكم، حالة كونكم مكذبين بكتابي، ومستكبرين عن الإيمان به. والمعنى: أن سماعه يحدث لهم كبرًا وطغيانًا فلا يؤمنون به. قال ابن عطية: وهذا قول جيد، وقال النحاس: القول الأول أولى، وبينه بما ذكرنا، فعلى القول الأول: يكون (به) متعلقًا بمستكبرين. وعلى الثاني: يكون متعلقًا بـ ﴿سَامِرًا﴾؛ لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، والطعن فيه، وتسميته سحرًا وشعرًا وهو اسم جمع كالحاضر

стр. 8370

في الإطلاق على الجمع. وقال الواحدي: السامر الجماعة يسمرون بالليل؛ أي: يتحدثون فيه، فهو حال بعد حال من فاعل تنكصون، أو من الضمير في مستكبرين. والمعنى: وحالة كونكم سامرين ومتحدثين حول البيت في شأن القرآن. ويجوز أن يتعلق ﴿بِهِ﴾ بقوله: ﴿تَهْجُرُون﴾ من الهجر بالفتح، وهو الهذيان، وهو حال أخرى؛ أي: وحالة كونكم تهذون في شأن القرآن وتسبونه، ويجوز أن يكون من الهجر بالضم، وهو الفحش في المنطق، وفيه ذم لمن يسمر في غير طاعة الله تعالى. وكان ﵇ يؤخر العشاء إلى ثلث الليل، ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها. رواه مسلم عن أبي برزة الأسلمي. ومعنى قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾؛ أي: تعرضون عن الإيمان مستعظمين بالبيت الحرام، تقولون: نحن أهل حرمه وخدام بيته، فلا يظهر علينا أحد، ولا نخاف أحدًا، وتسمرون حوله، وتتخذون القرآن سلواكم والطعن فيه هجيراكم، تهذون فتقولون هو سحر، هو شعر، هو كهانة إلى آخر ما يحلو لكم أن تتقولوه. والخلاصة: أنكم كنتم عن سماع آياتي معرضين مستعظمين بأنكم خدام البيت وجيرانه فلا تضامون، وتهذون في أمر القرآن، وتقولون فيه ما ليس فيه مسحة من الحق، ولا جانب من الصواب. وقرأ الجمهور (١): ﴿سَامِرًا﴾ وابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة وابن محيصن وعكرمة والزعفراني ومحبوب عن أبي عمرو: سمَّرًا بضم السين وفتح الميم المشددة جمع سامر. وابن عباس أيضًا، وزيد بن علي وأبو رجاء وأبو نهيك (سمارا) كذلك. وبزيادة ألف بين الميم والراء، جمع سامر أيضًا، وهما جمعان مقيسان، في مثل سامر وعاذل. وقرأ الجمهور وابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي:

стр. 8371

﴿تَهْجُرُونَ﴾ بفتح التاء وضم الجيم. وروى ابن أبي عاصم: ﴿يهجرون﴾ بالياء بدل التاء على سبيل الغيبة. قال ابن عباس: تهجرون الحق وذكر الله، وتقطعونه من الهجر. وقال ابن زيد وأبو حاتم: من هجر المريض إذا هذى؛ أي: يقولون اللغو من القول. وقرأ ابن عباس وابن محيصن ونافع وحميد بضم التاء وكسر الجيم من أهجر الرباعي؛ أي: يقولون الهجر بضم الهاء وهو الفحش. قال ابن عباس إشارة إلى السب للصحابة وغيرهم. وقرأ ابن مسعود وابن عباس أيضًا، وزيد بن علي وعكرمة وأبو نهيك وابن محيصن أيضًا وأبو حيوة ﴿يهجرون﴾ بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الجيم من هجر المضاعف من الهجر بالفتح بمعنى مقابل الوصل، أو الهذيان، أو من الهُجر بضم الهاء، وهو السب والإفحاش في المنطق، يريد سبهم للنبي ﷺ ، ومن اتبعه. وعبارة "المراح": ﴿تَهْجُرُونَ﴾ بضم التاء؛ أي: (١) تسبون القرآن، وتسمونه سحرًا وشعرًا. وتهجرون بفتح التاء؛ أي: تتركون القرآن وتعرضون عنه، وكانوا يجتمعون حول الكعبة في الليل يتحدثون، وكان أكثر حديثهم ذكر القرآن، والطعن فيه، وتسميته سحرًا وشعرًا، وسب رسول الله ﷺ وأصحابه، وكانوا يقولون: لا يعلو علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم كما مر. وقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾، وقوله: ﴿سَامِرًا﴾ وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ أحوال مترادفة من الواو في ﴿تَنْكِصُون﴾ أو كل واحدة حال من ضمير ما قبلها، فتكون أحوالًا متداخلة، وسامرًا اسم جمع كحاج وراكب وحاضر وغائب وباقر جمع البقر، وجامل جمع الجمل، فالكل يطلق على الجمع. اهـ. وفي "القرطبي" الحاضر هم القوم النازلون على الماء. اهـ. ٦٨ - ثم أنبهم وبيّن أن سبب إقدامهم على الكفر هو أحد هذه الأمور الأربعة الآتية: الأول: ما ذكره بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾؛ أي: القرآن، فإنهم لو تدبروا

стр. 8372

معانيه؛ لظهر لهم صدقه، وآمنوا به وبما فيه، والاستفهام فيه (١) لإنكار الواقع واستقباحه داخل على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفعل الكفار ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر، فلم يتدبروا القرآن ليعرفوا بما فيه من إعجاز النظم، وصحة المدلول، والإخبار عن الغيب. أنه الحق من ربهم، فيؤمنوا به فضلًا عما فعلوا في شأنه من القبائح. والتدبر إحضار القلب للفهم، وفي "الجلالين" والاستفهام المصرح به في هذا الموضع والذي في ضمن (أم) في المواضع الثلاثة الآتية للتقرير؛ أي: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه؛ أي: وللتوبيخ، كما ذكره غيره، انتهى بتصرفٍ وزيادة من "الجمل". والمعنى (٢): أي إنهم لم يتدبروا القرآن، فيعلموا ما خص به من فصاحة وبلاغة، وقد كان لديهم فسحة من الوقت، تمكنهم من التدبر فيه، ومعرفة أنه الحق من ربهم، وأنه مبرأ من التناقض، وسائر العيوب التي تعتري الكلام، إلى ما فيه من حجج دامغة وبراهين ساطعة، إلى ما فيه من فضائل الآداب وسامي الأخلاق، إلى ما فيه من تشريع إن هم اتبعوه .. كانوا سادة البشر، واتبعهم الأسود والأحمر، كما كان لمن اتبعه من السابقين الأولين من المؤمنين. والثاني: ما ذكره بقوله: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ﴾؛ أي (٣): هل جاءهم من الكتاب وبعثة الرسل ﴿مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾ كأسماعيل ﵇، وأعقابه من عدنان وقحطان ومضر وربيعة وقس والحرث بن كعب وأسد بن خزيمة وتميم بن مرة وتبع وضبة بن آد، فكلهم آمنوا بالله تعالى وكتبه ورسله، فإن مجيء الكتاب من الله تعالى إلى الرسل عادة قديمة له تعالى، وأن مجيء القرآن على طريقته، فمن أين ينكرونه. وأم فيه منقطعة، مقدرة ببل (٤)، التي للإضراب الانتقالي عن التوبيخ، بما ذكر إلى التوبيخ بأمر آخر، وبالهمزة التي لإنكار الواقع؛ أي: بل أجاءهم من

стр. 8373

الكتاب ما لم يأت آباءهم الأولين، حتى استبعدوه فوقعوا في الكفر والضلال، يعني أن مجيء الكتب من جهته تعالى إلى الرسل سنة قديمة له تعالى، لا يكاد يتسنى إنكارها وأن مجيء القرآن على طريقته، فمن أين ينكرونه؟. والخلاصة (١): أي أم اعتقدوا أن مجيء الرسل أمر لم تسبق به السنن من قبلهم، فاستبعدوا وقوعه، لكنهم قد عرفوا بالتواتر أن الرسل كانت تترى، وتظهر على أيديهم المعجزات، فهلا كان ذلك داعيًا لهم إلى التصديق بهذا الرسول الذي جاء بذلك الكتاب الذي لا ريب فيه. وقيل المعنى (٢): أم جاءهم من الأمن من عذاب الله ما لم يأت آباءهم الأولين، كإسماعيل ومن بعده. الثالث: ٦٩ - ما ذكره بقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ إضراب وانتقال من التوبيخ، بما تقدم إلى التوبيخ بوجه آخر. والهمزة لإنكار الوقوع أيضًا؛ أي: بل ألم يعرفوه ﷺ بالأمانة والصدق وحسن الأخلاق وكمال العلم، مع عدم التعليم من أحد؛ إلى غير ذلك من صفات الأنبياء. ﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾؛ أي: جاحدون بنبوته، ومعلوم أنهم قد عرفوه بذلك. فحيث انتفى عدم معرفتهم بشأنه ﵇، ظهر بطلان إنكارهم؛ لأنه مترتب عليه. والخلاصة: أي (٣) أم أنهم لم يعرفوا رسولهم بأمانته وصدقه وجميل خصاله قبل أن يدعي النبوة، كلا إنهم لقد عرفوه بكل فضيلة وشهر لديهم باسم (الأمين). فكيف ينكرون رسالته، ولقد قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي: إن الله بعث فينا رسولًا نعرف نسبه، ونعرف صدقه وأمانته. وكذلك قال أبو سفيان لملك الروم حين سأله وأصحابه عن نسبه وصدقه وأمانته، وقد كانوا بعد كفارًا لم يسلموا. والرابع: ٧٠ - ما ذكره بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ وهذا أيضًا (٤) انتقال من

стр. 8374

توبيخ إلى توبيخ؛ أي: بل أيقول المشركون: بمحمد ﷺ جنون، ويقولون: إنما حمله على ادعائه الرسالة جنون، فلا يدري ما يقول، مع أنهم يعلمون أنه أرجح الناس عقلًا، وأثقبهم ذهنًا، وأتقنهم رأيًا، وأوفرهم رزانة. ولكنه جاء بما يخالف هواهم، فدفعوه وجحدوه تعصبًا وحمية. ثم أضرب سبحانه عن ذلك كله فقال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقّ﴾؛ أي: ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول، بل جاءهم الرسول متلبسًا بالحق والصدق الثابت، الذي لا ميل عنه، ولا مدخل فيه للباطل بوجه من الوجوه، فما هو إلا توحيد الله وما شرعه لعباده مما فيه سعادة البشر، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ﴾ من حيث هو حق؛ أي: حق كان لا لهذا الحق فقط، كما ينبىء عنه الإظهار في موضع الإضمار. ﴿كَارِهُونَ﴾ لما في جبلتهم من الزيغ والانحراف المناسب للباطل، ولذلك كرهوا هذا الحق الأبلج، وزاغوا عن الطريق الأنهج، لما ران على قلوبهم من ظلمات الشرك، والإسراف في المعاصي والآثام. وظاهر (١) النظم القرآني أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفًا من الكارهين له، وفي "فتح الرحمن" فإن قلت: كيف (٢) قال: ذلك - مع أنهم كلهم كانوا كارهين للتوحيد -؟ قلت: كان منهم من ترك الإيمان به أنفةً وتكبرًا من توبيخ قومهم لئلا يقولوا: ترك دين آبائه لا كراهة للحق، كما يحكى عن أبي طالب: فَوَاللَّهِ لَوْلاَ أَنْ أَجِيْءَ بِسُبَّةٍ ... تَجُرُّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِىْ الْقَبَائِلِ إِذًا لاتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ ... مِنَ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّخَاذُلِ ٧١ - ثم بيَّن سبحانه أن اتباع الهوى يؤدي إلى الفساد العظيم، فقال: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ﴾ قرأ الجمهور (٣): على كسر الواو لالتقاء الساكنين، وابن وثاب بضمها تشبيهًا بواو الضمير، كما كسرت واو الضمير تشبيهًا بها. اهـ. "سمين"؛ أي:

стр. 8375

ولو اتبع ووافق الحق الذي كرهوه، ومن جملته ما جاء به ﵇ من القرآن. ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: مشتهيات الكفرة، بأن جاء القرآن موافقًا لمراداتهم، فجعل موافقته اتباعًا على التوسع والمجاز ﴿لَفَسَدَتِ﴾ وخربت ﴿السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ﴾، وقرأ ابن مسعود ﴿وما بينهما﴾ من الملائكة والإنس والجن، وخرجت عن الصلاح والانتظام بالكلية؛ لأن مناط النظام وما به قوام العالم، ليس إلا الحق الذي من جملته الإِسلام والتوحيد والعدل، ونحو ذلك. قال بعضهم (١): لولا أن الله أمر بمخالفة النفوس ومباينتها لاتبع الخلق أهواءهم وشهواتهم، ولو فعلوا ذلك، لضلوا عن طريق العبودية، وتركوا أوامر الله تعالى، وأعرضوا عن طاعته ولزموا مخالفته، والهوى يهوي بمتابعيه إلى الهاوية، انتهى. واعلم أن سبب (٢) فساد المكلفين من بني آدم ظاهر، وهو ذنوبهم التي من جملتها الهوى المخالف للحق، وأما فساد ما عداهم، فعلى وجه التبع؛ لأنهم مدبرون في الغالب بسبب العقول فلما فسدوا .. فسدوا. والمعنى (٣): أي ولو سلك القرآن طريقهم، بأن جاء مؤيّدًا للشرك بالله، واتخاذ الولد تعالى الله عن ذلك وزين الآثام واجتراح السيئات .. لاختل نظام العالم كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، ولو أباح الظلم وترك العدل .. لوقع الناس في هرج ومرج، ولوقع أمر الجماعات في اضطراب وفساد، والمشاهد في الأمم التي يفشو فيها التخاذل والذلة والمسكنة يؤول أمرها إلى الزوال، ولو أباح العدوان واغتصاب الأموال، وأن يكون الضعيف فريسة للقوي لما استتب أمن ولا ساد نظام، وحال العرب قبل الإِسلام شاهد صدق على ذلك. ولو أباح الزنا لفسدت الأنساب، وما عرف والد ولده، فلا تتكون الأسر ولا يكون من يعول الأبناء، ولا من يبحث لهم عن رزق، فيكونون شردًا في الطرق لا مأوى لهم، ولا عائل يقوم بشؤونهم، وأكبر برهان على هذا ما هو

стр. 8376

حادث في أوروبا الآن، من وجود نسل بازدواج غير شرعي، مما تئن منه الأمم والجماعات، إلى نحو ذلك، مما هو ظلم وعدوان، وبعد أن أنبهم سبحانه على كراهتهم للحق، شنع عليهم بعراضهم عما فيه الخير لهم، وهو يخالف ما جبلت عليه النفوس من الرغبة في ذلك، فقال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ انتقال من تشنيعهم بكراهة الحق الذي يقوم به العالم إلى تشنيعهم بالإعراض عما فيه فخرهم وشرفهم، وهو القرآن المعبر عنه بالذكر؛ أي: بل جئناهم بالقرآن الذي فيه ذكرهم وفخرهم وشرفهم، الذي يجب عليهم أن يقبلوه ويقبلوا عليه أكمل إقبال؛ أي: كيف يكرهون الحق مع أن القرآن أتاهم بتشريفهم وتعظيمهم، فاللائق بهم الانقياد. وفي "التأويلات النجمية": بل أتيناهم بما فيه لهم صلاح في الحال، وذكر في المآل ﴿فَهُمْ﴾ مع ذلك بما فعلوا من الاستكبار والنكوص عن هذا الذكر المختص بهم ﴿عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾؛ أي: عن صلاح حالهم وشرف مآلهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليه بحال من الأحوال، لا عن غير ذلك مما لا يحسن الإقبال عليه، والاعتناء به من أهوائهم. ونسبة الإتيان الحقيقي إلى الله لا تصح، وإنما هو مجاز؛ أي: بل آتاهم كتابنا أو رسولنا. والمعنى (١): بل جئناهم بالقرآن، الذي فيه فخرهم وشرفهم، فأعرضوا عنه ونكصوا على أعقابهم وازدروا به، وجعلوه هزوًا وسخريةً، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. وقرأ الجمهور (٢): ﴿بل أتينهم﴾ بنون العظمة. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر ويونس عن أبي عمرو ﴿بل أتيتهم﴾ بتاء المتكلم، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى أيضًا وأبو البرهشيم وأبو حيوة والجحدري وابن قطيب وأبو رجاء ﴿بل أتيتهم﴾ بتاء الخطاب للرسول ﷺ . وقرأ الجمهور ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾؛ أي: بوعظهم،

стр. 8377

والبيان لهم، قاله ابن عباس. وقرأ عيسى ﴿بذكراهم﴾ بألف التأنيث. وقرأ قتادة ﴿نذكرهم﴾ بالنون والتشديد مضارع ذكر من التذكير. وتكون الجملة على هذه القراءة في محل نصب على الحال. وقرأ (١) ابن مسعود وأبي بن كعب وأبو رجاء وأبو الجوزاء ﴿بل آتيناهم بذكراهم فهم عن ذكراهم معرضون﴾ بألف فيهما. ٧٢ - ثم بيَّن سبحانه أن دعوه نبيه ﷺ ، ليست مشوبة بأطماع الدنيا فقال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ وأم هي المنقطعة، بمعنى همزة الإنكار التوبيخي، وبل التي للإضراب الانتقالي؛ لأنه انتقال من توبيخهم بما ذكر من قولهم، أم يقولون به جنة إلى التوبيخ بوجه آخر. والمعنى: أم يزعمون أنك تسألهم عن أداء الرسالة ﴿خَرْجًا﴾؛ أي: جعلاً وأجرًا تأخذه منهم، فتركوا الإيمان بك، وبما جئت به لأجل ذلك، مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ﴾ وثوابه ﴿خَيْرٌ﴾ لك، تعليل لنفي السؤال المستفاد من الإنكار؛ أي: لا تسألهم ذلك فإن رزق ربك الذي يرزقك في الدنيا، وأجره الذي يعطيكه في الآخرة خير لك مما ذكر لسعته ودوامه، ففيه استغناء لك من عطائهم، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾؛ أي: خير من أعطى عوضًا على عمل؛ لأن ما يعطيه لا ينقطع ولا يتكدر. وهذه الجملة مقررة لخيرة خراجه تعالى. وفي "التأويلات النجمية": فيه (٢) إشارة إلى أن العلماء بالله الراسخين في العلم، لا يدنسون وجوه قلوبهم الناضرة بدنس الأطماع الفاسدة الصالحة الدنيوية والأخروية، فيما يعاملون الله في دعوة الخلق إلى الله، بالله، لله. وفي "الفتوحات المكية" مذهبنا أن للواعظ أخذ الأجرة على وعظه الناس، وهو من أحل ما يأكله، وإن كان ترك ذلك أفضل، إيضاح ذلك: أن مقام الدعوة إلى الله يقتضي الإجارة، فإنه ما من نبي دعا إلى الله إلا قال: إن أجري إلا على الله، فأثبت الأجر على الدعاء، ولكن اختار أن يأخذه من الله لا من المخلوق، انتهى.

стр. 8378

وقرأ ابن كثير (١) ونافع وأبو عمرو وعاصم ﴿خرجا﴾ بغير ألف ﴿فَخَرَاجُ﴾ بألف وقرأ ابن عامر (خرجا فخرج) بغير ألف في الحرفين. وقرأ حمزة والكسائي ﴿خراجا﴾ بألف ﴿فخراج﴾ بألف في الحرفين. وقرأ الحسن (٢) وعيسى ﴿خراجاَ﴾ بألف في الأولى ﴿فخرج﴾ بغير ألف في الثانية. فكملت بهذه القراءة أربع قراءات. والخرج: هو الذي يكون مقابلًا للدخل، فيقال: لكل ما تخرجه إلى غيرك خرجًا. والخراج (٣): غالب في الضريبة على الأرض. قال المبرد: الخرج المصدر، والخراج الاسم. قال النضر بن شميل: سألت عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج، فقال: الخراج ما لزمك، والخرج ما تبرعت به. وروى عنه أنه قال: الخرج من الرقاب، والخراج من الأرض. ففيه (٤) إشعار بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ، ولذلك عبر به عن عطاء الله إياه. وقال في "تفسير المناسبات": وكأنه سماه خراجًا إشارة إلى أنه أوجب رزق كل أحد على نفسه بوعد، لا خلف فيه. ٧٣ - وبعد أن فند سبحانه آراءهم .. أتبعها ببيان صحة ما جاء به الرسول، وأنه الحق الذي لا معدل عنه فقال: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: لتدعو هؤلاء المشركين من قومك ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إلى ذلك الدين القيم الذي تشهد العقول السليمة باستقامته وبعده عن الضلال والهوى، والاعوجاج والزيغ. ٧٤ - ثم بيّن سبحانه أن الذين ينكرون البعث هم في ضلالٍ مبين، فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون ﴿بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: بالبعث بعد الموت وبقيام الساعة ومجازاة الله عباده في الآخرة ﴿عَنِ الصِّرَاطِ﴾ المستقيم الذي تدعوهم إليه ﴿لَنَاكِبُونَ﴾؛ أي: لمائلون عادلون عنه، فإن الإيمان بالآخرة، وخوف ما فيها من الدواهي من أقوى الدواعي إلى طلب الحق، وسلوك سبيله، وليس لهم إيمان وخوف حتى يطلبوا الحق، وشملكوا سبيله، ففي الوصف بعدم الإيمان بالآخرة

стр. 8379

إشعار بعلة الحكم. والمعنى (١): أن هؤلاء الموصوفين بعدم الإيمان بالآخرة عن ذلك الصراط، أو جنس الصراط لعادلون عنه. ٧٥ - ثم بيّن سبحانه أنهم مصرون على الكفر، لا يرجعون عنه بحال. فقال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا﴾؛ أي: أزلنا عنه ﴿مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾؛ أي: من سوء الحال، يعني: القحط والجدب الذي أصابهم وغلب عليهم، ﴿لَلَجُّوا﴾؛ أي: لتمادوا ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ وضلالهم حالة كونهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون ويتذبذبون في طغيانهم، ويتخبطون فيه. وأصل اللجاج التمادي في العناد، ومنه اللجّة بالفتح لتردد الصوت، ولجة البحر تردد أمواجه، ولجة الليل تردد ظلامه. وأصل (٢) العمه: التردد في الأمر من التحير؛ أي: عامهين عن الهدى، مترددين في الضلالة، لا يدرون أين يتوجهون، كمن يضل عن الطريق في الفلاة، لا رأي له ولا دراية بالطريق. والمعنى: أي ولو كشفنا عنهم ما أصابهم، من جوع وسائر مضار الدنيا، لتمادوا في ضلالهم، وهم متحيرون عن الهدى، لا يبصرون الحق. وقد كان الأمر كذك. وقيل المعنى؛ أي: إنهم بلغوا في التمرد والعناد حدًا لا يرجى معه صلاح لهم، ولو أنهم ردوا من الآخرة إلى الدنيا ولم ندخلهم النار .. لعادوا لما نهوا عنه لشدة لجاجهم وتدنيسهم لأنفسهم. وهذا (٣) القول بعيد، والظاهر أن هذا التعليق إنما يكون في الدنيا، ٧٦ - ويدل على ذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها. واللام فيه موطئة للقسم. والعذاب (٤) قيل: هو الجوع الذي أصابهم في سني القحط، وقيل: المرض. وقيل: القتل يوم بدر، واختاره الزجاج. وقيل: الموت، وقيل: المراد من أصابه العذاب من الأمم الخالية؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أخذنا أهل مكة

стр. 8380

بالعذاب الدنيوي وهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر. وفي "التأويلات النجمية"؛ أي: أذقناهم مقدمات العذاب دون شدائده تنبيهًا لهم ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾؛ أي: ما خضعوا وتذللوا ﴿لربهم﴾؛ أي: بالانقياد الظاهري، بل أقاموا على ما كانوا فيه من التمرد على الله، والانهماك في معاصيه. ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أي: وما يخشعون لله بقلوبهم في الشدائد عند إصابتها لهم، ولا يدعونه لرفع ذلك، والظاهر أن آية ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾ مع الآيتين بعدها مدنيات فإن إصابتهم بالقحط إنما كانت بعد خروجه ﷺ من بينهم، كما يدل عليه تفسير الشديد بقتلهم يوم بدر، وهذا إنما كان بعد الهجرة. اهـ. "جمل". والمعنى: أي محناهم بكل (١) محنة من القتل والأسر، والجوع الذي هو أشد منهما. فما رؤي منهم لين انقياد وتوجه إلى الإِسلام قط. وأما ما أظهره أبو سفيان من الشكوى، كما مر في أسباب النزول، فليس من الاستكانة له تعالى، والتضرع إليه تعالى في شيء، وإنما هو نوع خشوع إلى أن يتم غرضه، فجاء، كما قيل: إذا جاع ضغا، وإذا شبع طغى، وأكثرهم مستمرون على ذلك العناد. ٧٧ - ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ هو عذاب الأخرة ﴿إِذَا﴾ فجائية واقعة في جواب الشرط ﴿هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك العذاب ﴿مُبْلِسُونَ﴾؛ أي: متحيرون آيسون من كل خير؛ أي: أكثرهم (٢) مستمرون على ذلك العناد إلى أن يروا عذاب الآخرة، فحينئذٍ يبلسون كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ قال عكرمة: هو باب من أبواب جهنم عليه من الخزنة أربع مئة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، إذا بلغوه فتحه الله عليهم. نسأل الله العافية من ذلك، والمبلس: الآيس من الشر الذي ناله. والمعنى: أي (٣) حتى إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بغتة، وأخذهم

стр. 8381

من العذاب ما لم يكونوا يحتسبون أيسوا من كل خير، وانقطعت آمالهم وخاب رجاؤهم. وقرأ السلمي: ﴿مبلسون﴾ بفتح اللام من أبلسه؛ أي: أدخله في الإبلاس، وهو القنوط من رحمة الله تعالى. ٧٨ - ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه الإله ﴿الَّذِي أَنْشَأَ﴾ وخلق ﴿لَكُمُ﴾؛ أي: لمنافعكم ﴿السَّمْعَ﴾ وهي: قوة في الأذن بها تدرك الأصوات، والفعل يقال له: السمع أيضًا، ويعبر تارة بالسمع عن الأذن. ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ جمع بصر، يقال للجارحة الناظرة وللقوة فيها، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ جمع فؤاد وهو القلب. وخص هذه (١) الثلاثة بالذكر؛ لأن أكثر المنافع الدينية والدنيوية متعلق بها. والخطاب لجملة الخلق والمقصود به التقريع والتوبيخ بالنسبة للكافرين وتذكير النعم بالنسبة للمؤمنين. والمعنى: وهو سبحانه هو الإله الذي أحدث لكم السمع لتسمعوا به الأصوات التي تخاطبون بها والمواعظ، والأبصار لتشاهدوا بها الأضواء والألوان والأشكال المختلفة، وتنظروا العبر، والعقول لتفهموا بها ما ينفعكم، وتتفكروا بها فيما يوصلكم إلى سعادة الدارين الدنيا والعقبى. وخص (٢) هذه الثلاثة بالذكر؛ لأنها طريق الاستدلال الحسين والعقلي لمعرفة الموجودات، وذكرها على هذا الترتيب لما أثبته الطب، أن الطفل في الأيام الثلاثة الأولى يسمع ولا يبصر، ثم يبدأ الرؤية بعدئذٍ، ومن الواضح تأخر العقل عن ذلك. أي: وهو الذي أنعم عليكم بهذه النعم الجليلة، فلم تنتفعوا بشيء منها لإصراركم على الكفر، وبعدكم عن الحق، ولم تشكروه على ذلك. ولهذا قال: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾؛ أي (٣): شكرًا قليلًا حقيرًا، غير معتدٍ به باعتبار تلك النعم الجليلة ﴿تَشْكُرُون﴾، فـ ﴿مَا﴾ زائدة لتأكيد القلة. وقيل المعنى: أنهم لا يشكرونه ألبتة. وقد كان ينبغي أن يشكروه عليها في

стр. 8382

كل حين، لا أن لهم شكرًا قليلًا، كما يقال لجاحد النعمة: ما أقل شكره؛ أي: لا يشكر. وفي "العيون": لم تشكروه لا قليلًا ولا كثيرًا. وذلك لأن القلة ربما تستعمل في العدم، وهو موافق لحال الكفار، وشكر هذه النعم استعمالها في طاعة المنعم وعبوديته، فشكر السمع حفظه عن استماع المنهيات، وأن لا يسمع إلا لله، وبالله، وعن الله. وشكر البصر حفظه عن النظر إلى المحرمات، وأن ينظر بنظر العبرة لله، وبالله، وإلى الله، وشكر القلب تصفيته عن ريب الأخلاق الذميمة، وقطع تعلقه عن الكونين، فلا يشهد غير الله، ولا يحب إلا لله. ٧٩ - ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه الإله ﴿الَّذِي ذَرَأَكُمْ﴾؛ أي: خلقكم وبثكم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بالتناسل فيها. يقال: ذرأ الله الخلق؛ أي: أوجد أشخاصهم. ﴿وَإِلَيْهِ﴾ تعالى لا إلى غيره؛ أي: إلى حكمه وقضائه وجزائه ﴿تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم، فما لكم لا تؤمنون به، ولا تشكرون له. والمعنى: أي (١) وهو سبحانه الإله الذي خلقكم في الأرض، وبثكم فيها، على اختلاف أجناسكم ولغاتكم، ثم يجمعكم لميقات يوم معلوم في دار لا حاكم فيها سواه. ٨٠ - ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه الإله ﴿الَّذِي يُحْيِي﴾؛ أي: يعطي الحياة النطف والتراب والبيض والموتى يوم القيامة. ﴿وَيُمِيتُ﴾؛ أي: يأخذ الحياة من الأحياء من غير أن يشاركه في ذلك أحد. ولم يقل (٢): أحيا وأمات بصيغة الماضي، كما قال: أنشاكم وذرأكم، ولكن جاء على لفظ المضارع ليدل على أن الإحياء والإماتة سنته؛ أي: وهو الذي جعل الخلق أحياء بنفخ الروح فيهم، بعد أن لم يكونوا شيئًا، ثم يميتهم بعد أن أحياهم، ثم يعيدهم تارة أخرى للثواب والعقاب. ﴿وَلَهُ﴾ سبحانه خاصة ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ خلقًا وإيجادًا ازديادًا وانتقاصًا، أو مجيئًا وذهابًا، وهو المؤثر في تعاقبهما لا الشمس. قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان، ويختلفان في السواد

стр. 8383

والبياض. وقيل: اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر. وقيل: تكررهما يومًا بعد يوم وليلة بعد ليلة؛ أي: وهو الذي سخر الليل والنهار، وجعلهما متعاقبين، يطلب كل منهما الآخر طلبًا حثيثًا، لا يملان ولا يفترقان، كما قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَار﴾ ثم أنب سبحانه من ترك النظر في كل هذا، فقال: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أتغفلون (١) عن تلك الآيات، فلا تعقلون بالنظر والتأمل، أن الكل منا، وأن قدرتنا تعم الممكنات، وأن البعث من جملتها؛ أي: أفلا تتفكرون في هذه الموجودات، لتعلموا أن هذه صنع الإله العلم، القادر على كل شيء، وأن كل شيء خاضع له تحت قبضته، دال على وجوده. وقرأ أبو عمرو في رواية ﴿يعقلون﴾ بيا الغيبة على الالتفات. ٨١ - ثم بين سبحانه أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث، إلا التشبث بحبل التقليد المبني على مجرد إلاستبعاد، فقال: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ عطف على مقدر يقتضيه المقام؛ أي: لم يعقلوا تلك الآيات، بل قالوا؛ أي: كفار مكة ﴿مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾؛ أي: كما قال من قبلهم من الكفار من قوم نوح، وهود وصالح وغيرهم في إنكار البعث مع وضوح الدلائل. أي (٢): ما اعتبر هؤلاء المشركون بآيات الله، ولا تدبروا حججه الدالة على قدرته على فعل كل ما يريد، كإعادة الأجسام بالبعث، وحياتها حياة أخرى للحساب والجزاء، بل قالوا مثل مقالة أسلافهم من الأمم المكذبة لرسلها من قبلهم، تقليدًا لهم دون برهان ولا دليل. ٨٢ - ثم بيّن ما قال الأولون فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي (٣): قال الأولون ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾؛ أي: أنبعث إذا متنا ﴿وَكُنَّا﴾؛ أي: صرنا ﴿تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ قد بليت أجسامنا، وجردت عظامنا من لحومنا .. ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ من قبورنا أحياء كهيأتنا قبل

стр. 8384

الممات؛ أي: لا نبعث، والاستفهام فيه للإنكار والتعجب، استبعدوا ولم يتأملوا أنهم كانوا قبل ذلك أيضًا ترابًا فخلقوا، والعامل في (إذا) ما دل عليه (لمبعثون)، وهو نبعث؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، وقدم التراب على العظام مع كونه مؤخرًا عنه لشدة استبعادهم له. وفي الهمزتين في الموضعين التحقيق، وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين، وترك الإدخال عليهما، فالقراءات أربعة كلها سبعية. اهـ. "شيخنا". ٨٣ - ثم أكّد كفار مكة هذا الإنكار بقولهم ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا﴾؛ أي: قال كفار مكة: لقد وعدنا ﴿نَحْنُ﴾ هذا الوعد الذي تعدنا به يا محمد، من البعث بعد موتنا، وصيرورتنا ترابًا وعظامًا على لسانك ووعد ﴿آبَاؤُنَا هَذَا﴾؛ أي: مثل هذا الوعد الذي وعدتنا به من البعث بعد الموت ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل مجيئك إلينا، أو من قبل وجودنا على ألسنة قوم زعموا أنهم رسل الله تعالى، ثم لم يوجد ذلك الوعد مع طول العهد. وفي المثل (١) إبهام، وفيما قاله الأولون إبهام، فبين الثاني بقوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا﴾ إلخ. وبيّن الأول بقوله: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا﴾. فالأول؛ أي: قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا﴾ إلخ. مقول الأولين. وقوله: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا﴾ إلخ مقولهم؛ أي: مقول كفار مكة اهـ. "شيخنا". ثم صرحوا بالتكذيب، وفروا إلى مجرد الزعم الباطل، فقالوا: ﴿إِنْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا البعث الذي وعدتنا ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وأكاذيبهم التى سطروها في الكتب جمع أسطورة، كأحدوثة، والأساطير الأباطيل، والترهات والكذب؛ أي: ما هذا الذي تعدنا به من البعث بعد الممات إلا أكاذيب الأولين، قد تلقفناها منهم دون أن يكون لها ظلّ من الحقيقة، ولا نصيب من الصحة. فائدة: وقال هنا (٢): ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾ بتأخير هذا عن قوله:

стр. 8385

(نحن وآباؤنا)، وقال: في النمل: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا﴾ بتقديم هذا على نحن وآباؤنا، جريا هنا على القيام من تقديم المرفوع على المنصوب، وعكس ثم بيانًا لجواز تقديم المنصوب على المرفوع، وخص ما هنا بتقديم المرفوع على المنصوب، الذي هو لفظ هذا، جريًا على الأصل بلا وجود مقتض لخلافه، وخص ما هناك بتقديم المنصوب، اهتمامًا به من منكري البعث، فكأنهم قالوا: إن هذا الوعد كما وقع منه ﷺ ، فقد وقع قديمًا من سائر الأنبياء، ثم لم يوجد مع طول العهد، فظنوا أن الإعادة تكون في الدنيا، ثم قالوا: لما لم يكن ذلك فهو من أساطير الأولين. اهـ. "كرخي". ٨٤ - ثم أمر الله سبحانه نبيه ﷺ أن يسأل الكفار عن أمور لا عذر لهم من الاعتراف بها، ثم أمره أن ينكر عليهم بعد الاعتراف منهم ويوبخهم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لكفار مكة ﴿لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ من المخلوقات، عبر بمن تغليبًا للعقلاء على غيرهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شيئًا ما فأخبروني بخالقهما، فإن ذلك كاف في الجواب، وفيه (١) من البالغة في الاستهانة بهم وفي تجهيلهم ما لا يخفى. والمعنى: قل أيها الرسول، لهؤلاء المكذبين بالآخرة من قومك، لمن ملك السموات والأرض، ومن فيها من الخلق إن كنتم من أهل العلم بذلك ٨٥ - ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ أي: إنم سيقرون بانهما لله تعالى ملكًا وخلقًا، وتدبيرًا، دون غيره؛ لأن بديهة العقل تضطرهم إلى الاعتراف بأنه تعالى خالقها، وهذا إخبار من الله بما يقع منهم في الجواب قبل وقوعه. ثم أمر رسوله أن يرغبهم في التدبر، ليعلموا بطلان ما هم عليه، فقال: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ الهمزة: للاستفام التوبيخي داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتقولون ذلك، وتنكرون البعث: فلا تتذكرون أن من فطر الأرض وما فيها ابتداءً .. قادر على إعادتها ثانيًا، فإن البدء

стр. 8386

ليس بأهون من الإعادة، بل الأمر بالعكس، في قياس العقول. والمعنى: قل لهم أيها الرسول، حين يعترفون بذلك موبخًا لهم، أفلا تتدبرون، فتعلموا أن من قدر على خلق ذلك ابتداء، فهو قادر على إحيائهم بعد مماتهم، وإعادتهم خلقًا جديدًا بعد فنائهم. ٨٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ترقى (١) في الأمر بالسؤال، من الأدنى والأصغر إلى الأعلى والأكبر، فإن السماوات والعرش أعظم ممن في الأرض، ولا يلزم منه أن يكون من في السموات، أجل ممن في الأرض، حتى تكون الملائكة أفضل هل من جنس البشر، كما لا يخفى. وقرأ ابن محيصن العظيم برفع الميم نعتًا للرب. ٨٧ - ﴿سَيَقُولُونَ﴾ هما لله الذي له كل شيء، وهو رب ذلك، ليس لهم جواب غيره. وأتى باللام نظرًا إلى معنى السؤال، فإن قولك من ربه، ولمن هو في معنى واحد، يعني إذا قلت من رب هذا، فمعناه لمن هذا، فالجواب لفلان. ﴿قُلْ﴾ لهم توبيخًا ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتعلمون ذلك فلا تتقون عذابه بالعمل، بموجب العلم، حيث تكفرون به، وتنكرون البعث، وتثبتون له شريكًا في الربوبية، وفي "فتح الرحمن": إنما قال هنا بلفظ ﴿لِلَّهِ﴾ وفيما بعد بلفظ الله مرتين؛ لأنه في الأول وقع في جواب مجرور باللام في قوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ﴾ فطابقه بجره اللام، بخلاف ذلك في الأخيرين، فإنهما إنما وقعا في جواب مجرد عن اللام، انتهى. وقدم التذكر على التقوى؛ لأنهم بالتذكر يصلون إلى المعرفة، وبعد أن عرفوه علموا أنه يجب عليهم اتقاء مخالفته؛ أي: قل لهم منكرًا وموبخًا: أتعلمون ذلك ولا تقون أنفسكم عقاب ربكم، فتنكروا ما أخبر به من البعث.

стр. 8387

وقرأ أبو عمرو وأهل العراق (١): ﴿سيقولون الله﴾ بغير لام، نظرًا إلى لفظ السؤال، وهذه القراءة أوضح من قراءة الباقين باللام، ولكنه يؤيد قراءة الجمهور، أنها مكتوبة في جميع المصاحف باللام دون ألف، وهكذا قرأ الجمهور في قوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ باللام نظرًا إلى معنى السؤال، وقرأ أبو عمرو وأهل العراق بغير لام نظرًا إلى لفظ السؤال أيضًا. ٨٨ - وبعد أن قررهم بأن العالمين العلوي والسفلي ملك له تعالى، أمره أن يقررهم بأن له تدبير شؤونهما وتدبير كل شيء، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما ذكر، ومما لم يذكر؛ أي: ملكه التام، فإن الملكوت الملك، والتاء للمبالغة. قال الراغب: الملكوت مختص بملك الله تعالى. اهـ. واليد صفة ثابتة له تعالى نثبتها ونعتقدها , ولا نكيفها, ولا نمثلها. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾؛ أي: يغيث غيره إذا شاء ويحفظه. ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ولا يغاث عليه أحد؛ أي: لا يمنع أحد مثله بالنصر عليه؛ أي: لا يمنع أحد أحدًا من عذاب الله، ولا يقدر على نصره وإغاثته، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة، يقال: أجرت فلانًا، إذا استغاث بك، فحميته، وأجرت عليه إذا حميت عنه. وفي " التأويلات النجمية": وهو يجير الأشياء من الهلاك بالقيومية، ولا يجار عليه؛ أي: لا مانع له ممن أراد هلاكه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فأجيبوني. والمعنى؛ أي (٢): قل لهم: من المالك لكل شيء، والمدبر لكل شيء، وفي قبضته وتحت سلطانه وتصرفه كل شيء، وهو يغيث من يشاء، فيكون في حرز لا يقدر أحد على الدنو منه، ولا يغاث أحد، ولا يمنع منه؛ لأنه ليس في العوالم كلها ما هو خارج عن قبضته. والخلاصة: أنه المدبر لنظام العالم جميعه، وهو الذي يغيث من شاء، ولا يستطيع أحد أن يغيث منه، ٨٩ - ثم أجاب عن هذا السؤال قبل أن يجيبوا، فقال:

стр. 8388

﴿سَيَقُولُونَ﴾ لك في الجواب ﴿لِلَّهِ﴾؛ أي: لله سبحانه ملكوت كل شيء دون غيره، وهو الذي يجير ولا يجار عليه. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد على طريق التوبيخ والاستهجان ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾؛ أي: فكيف تخدعون، وتصرفون عن توحيد الله وطاعته مع علمكم به، فأنتم بعبادة الأصنام، أو بعض البشر قد سحرت عقولكم، كأنما غابت عن رشدها، واعتراها الذهول، فتصورت الأشياء على غير ما هي عليها، فإن من لا يكون مسحورًا مختلًا عقله، لا يكون كذلك، والخادع هو الشيطان، أو الهوى، أو كلاهما. والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلًا، والصحيح فاسدًا، والمراد بالسحر التخيل والتوهم، لا حقيقته. وقد ثبت بالتجربة أن تكرار الكلام يخدع العقول والحواس حتى تتخيل غير الحق حقًا، وتتوهم صدق ما يقال، وإن كان باطلًا، ومن ثم كثرت المذاهب الإِسلامية، وابتاع الرؤساء الدينيون والسياسيون من الأساليب والنظم ما خدعوا به عقول الشعوب في دينهم ودنياهم. وقرأ أبو عمرو (١): ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ في الأخيرتين من غير لام جر مع رفع الجلالة، جوابًا على اللفظ، لقوله من؛ لأن المسؤول به مرفوع المحل، وهو من، فجاء جوابه مرفوعًا. وقرأ الباقون: ﴿لِلَّهِ﴾ باللام في الأخيرتين، وهو جواب على المعنى؛ لأن التقدير في الموضع الأول منهما: قل من له السماوات السبع والعرش، وفي الثاني: قل من له ملكوت كل شيء، فلام الجر مقدرة في السؤال، فظهرت في الجواب نظرًا للمعنى. وأما جواب السؤال الأول، فهو لله باللام، باتفاق السبعة؛ لأنها قد صرح بها في السؤال. ٩٠ - ثم بيّن سبحانه أنه قد بالغ في الاحتجاج عليهم، فقال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ﴾ وجئناهم على لسان رسولنا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالأمر الحق، الواضح، الذي يحق ويجب اتباعه، وهو التوحيد والوعد بالبعث. وقرىء: ﴿بل أتيناهم﴾ بتاء المتكلم، وابن أبي إسحاق بتاء الخطاب.

стр. 8389

﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وإن هؤلاء المشركين ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ فيما ينسبونه إلى الله سبحانه من الولد والشريك، وفي إنكار البعث. والمعنى؛ أي (١): ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من قولهم: إن هذا إلا أساطير الأولين، بل جئناهم فيه بالدين الحق الذي فيه سعادة البشر، وإنهم لكاذبون في إنكار ذلك، لا أن عقولهم قد سحرت بخداع الآباء، وتكرار القول، وحكم العادة، وهي طبيعة ثانية. وقد بيّن (٢) أنهم أصروا على جحودهم، وأقاموا على عتوهم ونبوهم بعد أن أزيحت العلل، فلات حين عذر، وليس المساهلة موجب بقاء، وقد انتقم الله منهم، فإنه يمهل ولا يهمل. قال سقراط أهل الدنيا كسطور في صحيفة، كلما نشر بعضها طوي بعضها. وعن ابن عباس ﵄ الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة، ولياتين عليها مئون من سنين ليس عليها موحدون يعني عند آخر الزمان، فكل من السعيد والشقي، لا يبقى على وجه الأرض، فيموت ثم يبعث فيجازى. ٩١ - ثم نفى سبحانه عن نفسه شيئين: ١ - ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ كما يقول النصارى، والقائلون إن الملائكة بنات الله؛ لأنه لم يجانس أحدًا، ولم يماثله أحد حتى يكون له من جنسه وشبهه صاحبة، فيتوالدا، وأيضًا إن الولد إنما يتخذ للحاجة إلى النصير والمعين، والله غني عن كل شيء. ٢ - ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ تعالى ﴿مِنْ إِلَهٍ﴾ يشاركه في الأولوهية، لا قبل خلق العالم، ولا حين خلقه له، ولا بعد خلقه، كما يقول عبدة الأصنام وغيرهم. و (من) في الموضعين زائدة لتأكيد النفي. ثم ذكر دليلين على بطلان تعدد الآلهة، فقال: ١ - ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ وإذا في أصلها حرف جواب وجزاء، وهنا

стр. 8390

بمعنى لو الشرطية؛ أي: لو كان معه تعالى آلهة أخرى كما يقولون لذهب كل إله؛ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بخلقه الذي خلقه، وامتاز ملكه عن ملك الآخرين؛ أي: لو قدر تعدد الآلهة .. لانفرد كل منهم بما خلق، إذ لكل صانع ضرب من الصنعة يغاير صنعة غيره، فكان يحصل التباين في نظم الخلق والإيجاد، ويوجد الاختلاف بين المخلوقات المتحدة الأنواع فلا ينتظم الكون، والمشاهد أنه منتظم متسق، وهو الغاية في الكمال، كما قال: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. ٢ - ﴿ولـ﴾ وقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب و ﴿عَلَا بَعْضُهُمْ﴾؛ أي: ولغلب بعضهم ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: ولغلب القوي منهم الضعيف، وقهره وأخذ ملكه كعادة ملوك الدنيا، وإذا لم تروا أثرًا للتحارب والتغالب، فاعلموا أنه إله واحد، بيده ملكوت كل شيء، وإله ترجعون. وبعد أن وضح الحق، وصار كفلق الصباح، جاء بما هو كالنتيجة لذلك، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾، ويضيفونه إليه تعالى من الأولاد والشركاء؛ أي: تنزه ربنا وتقدس عما يقوله الكافرون، من أن له ولدًا أو شريكًا، أو نزهوه تنزيهًا، وقرىء: ﴿عما تصفون﴾ بتاء الخطاب. ٩٢ - ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: عالم السر والعلانية، بالجر على أنه بدل من الجلالة، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو العالم بما غاب عن خلقه من الأشياء، فلا يرونه، ولا يشاهدونه، وبما يرونه ويبصرونه؟. والمراد (١): أن الذين قالوا بالولد والشريك مخطئون فيما قالوا، فإنهم يقولون عن غير علم، وأن الذي يعلم الأشياء شاهدها وغائبها, ولا تخفى عليه خافية من أمرهما قد نفى ذلك، فخبره هو الحق دون خبرهم. وقرأ الإبنان (٢) - ابن كثير وابن عامر - وأبو عمرو هو حفص: ﴿عالم﴾ بالجر

стр. 8391

صفة للجلالة وقرأ باقي السبعة، وابن أبي عبلة وأبو حيوة وأبو بحرية بالرفع. قال الأخفش: الجر أجود؛ ليكون الكلام من وجه واحد. وقال ابن عطية: الرفع عندي أبرع، والغيب ما غاب عن الناس، والشهادة ما شاهدوه. ثم إن الغيب بالنسبة إلينا، لا بالنسبة إليه تعالى، فهو عالم به وبالشهادة على سواء، وهو دليل آخر على انتفاء الشريك، بناءً على توفقهم في تفرده تعالى بذلك، ولذلك رتب عليه بالفاء في قوله: ﴿فَتَعَالَى﴾ الله وتنزه ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به مما لا يعلم شيئًا من الغيب، ولا يتكامل عليه بالشهادة، فإن تفرده بذلك موجب لتعاليه عن أن يكون له شريك؛ أي: تقدس عما يقول الجاحدون والظالمون. و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَتَعَالَى﴾ عاطفة على محذوف معلوم من السياق، فكأنه قال: علم الغيب فتعالى، كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته؛ أي: شجع فعظمت، أو يكون على إضمار القول؛ أي: أقول فتعالى الله. والمعنى: أنه سبحانه متعالٍ عن أن يكون له شريك في الملك. والله أعلم. الإعراب ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف ابتداء وإضراب (١) للانتقال إلى أحوال الكفار المحكية فيما سبق بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ الخ. والجمل التي بينهما وهي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ اعتراض في خلال الكلام، المتعلق بالكفار ﴿قُلُوبُهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾: خبر. ﴿مِنْ هَذَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿غَمْرَةٍ﴾؛ أي: كائنة من هذا الذي وصف به المؤمنون، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَلَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لهم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿أَعْمَالٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿أَعْمَالٌ﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿لَهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عَامِلُونَ﴾ ﴿عَامِلُونَ﴾: خبرهم؛ أي: مستمرون عليها، ومعنى من دون

стр. 8392

ذلك؛ أي: متجاوزة متخطية لما وصف به المؤمنون، والجملة الاسمية في محل الرفع صفة ثانية لأعمال. ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)﴾ ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء يبدأ بها الكلام. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه وهو يجأرون، في محل النصب على الظرفية، والظرف متعلق بالجواب. ﴿أَخَذْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿بِالْعَذَابِ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَذْنَا﴾. والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿إذا﴾ الثانية: فجائية، قائمة مقام فاء الجزاء في الربط، حرف لا محل لها من الإعراب، كأنه قيل: فهم لا يجأرون على حد قوله. وتخلف الفاء إذا المفاجاة. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَجْأَرُون﴾: خبره، والجملة الاسمية جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة. وقيل: ﴿حَتَّى﴾ حرف جر، وغاية. وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية: في محل الجر بها، والتقدير: لا يزالون يعملون أعمالهم الخبيثة، إلى مفاجأة جؤارهم وقت أخذنا إياهم بالعذاب الشديد. ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَجْأَرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تَجْأَرُوا﴾، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: فيقال لهم: لا تجأروا اليوم. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿مِنَّا﴾: جار ومجرور متعلق بتنصرون. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تُنْصَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة إن مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي المذكور قبلها. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿كَانَتْ آيَاتِي﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تُتْلَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر فيه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾، وجملة ﴿تُتْلَى﴾: في محل النصب خبر (كان)، وجملة (كان) مستأنفة. ﴿فَكُنْتُمْ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿كنتم﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾:

стр. 8393

جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَنْكِصُون﴾، وجملة ﴿تَنْكِصُون﴾: في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: معطوفة على جملة (كان) الأولى. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾: حال أولى من فاعل ﴿تَنْكِصُونَ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾؛ أي: بسببه، والضمير للحرم أو للبيت، أو الضمير عائد إلى القرآن. وبه بمعنى فيه متعلق بسامرا. ﴿سَامِرًا﴾: حال ثانية من فاعل ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيضًا. وجملة ﴿تَهْجُرُونَ﴾: حال ثانية منه أيضًا، فالثلاثة: إما أحوال مترادفة من الواو في ﴿تَنْكِصُونَ﴾، أو متداخلة؛ أي: كل واحدة حال مما قبلها. ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أفعل الكفار ما فعلوا من النكوص والاستكبار والهجر. ﴿فلم يدبروا﴾: ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يدبروا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿الْقَوْلَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿أم﴾ عاطفة بمعنى بل الانتقالية. وهمزة الاستفهام التقريري؛ أي: بل أجاءهم. ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل ومفعول به. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في محل الرفع فاعل ﴿جاء﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿لم يدبروا﴾. ﴿لَمْ يَأْتِ﴾: جازم ومجزوم، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾. ﴿آبَاءَهُمُ﴾: مفعول به. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: صفة لـ ﴿آبَاءَهُمُ﴾، وجملة ﴿يَأْتِ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها، والعائد أو الرابط ضمير الفاعل. ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف، بمعنى بل الانتقالية، وهمزة الاستفهام التقريري؛ أي: بل ألم يعرفوا. ﴿لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾: جازم وفعل وفاعل ومفعول معطوف على جملة ﴿لم يدبروا﴾: ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿له﴾: متعلق بمنكرون. ﴿مُنْكِرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة مفرعة على جملة ﴿لَمْ يَعْرِفُوا﴾.

стр. 8394

﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾. ﴿أَمْ﴾: حرف عطف بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام التقريري؛ أي: بل أيقولون. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على جملة ﴿لم يدبروا﴾. ﴿بِهِ﴾: خبر مقدم. ﴿جِنَّةٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب للإضراب الإبطالي. ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر معطوف على ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل جاء؛ أي: بل جاءهم محمد حال كونه ملتبسًا بالحق. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿أكثرهم﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿لِلْحَقِّ﴾: متعلق بـ ﴿كَارِهُونَ﴾. ﴿كَارِهُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ضمير المفعول في ﴿جَاءَهُمْ﴾. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾. ﴿وَلَوِ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية فعل شرط لـ (لو). ﴿لَفَسَدَتِ﴾: (اللام): رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿فسدت﴾: فعل ماض. ﴿السَّمَاوَاتُ﴾: فاعل. ﴿وَالْأَرْضُ﴾: معطوف عليه، والجملة جواب ﴿لو﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع معطوف على السموات ﴿فِيهِنَّ﴾: جار ومجرور صلة من الموصولة. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب للإضراب الانتقالي ﴿أَتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾: متعلق بأتيناهم، والجملة مستأنفة ﴿فَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿هم﴾: مبتدأ. ﴿عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾: متعلق بما بعده. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية قبلها. ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾ ﴿أَمْ﴾: عاطفة بمعنى بل الانتقالية. وهمزة الاستفهام التوبيخي الإنكاري؛

стр. 8395

أي: بل أتسألهم. ﴿تَسْأَلُهُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿خَرْجًا﴾: مفعول ثان والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾، وما بينهما اعتراض. ﴿فَخَرَاجُ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية. ﴿خراج﴾: مبتدأ. ﴿رَبِّكَ﴾: مضاف إليه. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر، والجملة الاسمية في محل الجر، معللة لنفي السؤال المستفاد من الإنكار؛ أي: لا تسألهم ذلك؛ لأن خراج ربك خير. ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ. ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَإِنَّكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف نصب. و ﴿الكاف﴾: اسمها: ﴿لَتَدْعُوهُمْ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿تدعوهم﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ متعلق بتدعوهم. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة ﴿صراط﴾. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف نصب. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِالْآخِرَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿عَنِ الصِّرَاطِ﴾: متعلق بناكبون. ﴿لَنَاكِبُونَ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿ناكبون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾. ﴿وَلَوْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية: ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿رَحِمْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَكَشَفْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿رحمنا﴾. ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول به. ﴿بِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾؛ أي: ما نزل بهم من القحط والجدب. ﴿مِنْ ضُرٍّ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿لَلَجُّوا﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية. ﴿لجوا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: متعلق به، أو بـ ﴿يَعْمَهُونَ﴾. والجملة جواب ﴿لو﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة، وجملة ﴿يَعْمَهُونَ﴾: في محل النصب حال من فاعل ﴿لجوا﴾.

стр. 8396

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَخَذْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. ﴿بِالْعَذَابِ﴾: متعلق بـ ﴿أخذنا﴾. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿اسْتَكَانُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على أخدنا. ﴿لِرَبِّهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَكَانُوا﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْتَكَانُوا﴾. ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء لدخولها على الجملة التي يبتدأ بها. وقيل: هي حرف جر وغاية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه منصوب بجوابه، والشرط متعلق بالجواب الآتي، أعني قوله: ﴿مُبْلِسُونَ﴾. ﴿فَتَحْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿فَتَحْنَا﴾. ﴿بَابًا﴾: مفعول به. ﴿ذَا عَذَابٍ﴾: صفة لـ ﴿بَابًا﴾، ومضاف إليه. ﴿شَدِيدٍ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٍ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها. ﴿إذا﴾: فجائية، قائمة مقام الفاء في ربط الجواب. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بما بعده. ﴿مُبْلِسُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية جواب لـ ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾: مستأنفة، وقيل: جملة إذا في محل الجر بحتى، على أنها جارة متعلقة بـ ﴿اسْتَكَانُوا﴾، والتقدير: فما استكانوا لربهم وما يتضرعون إلى إبلاسهم من رحمتنا، وقت فتحنا عليهم بابًا ذا عذاب شديد. ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿هو الذي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْشَأَ﴾: فعل وفاعل مستتر. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق به. ﴿السَّمْعَ﴾: مفعول به. ﴿وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: معطوفات عليه، والجملة صلة الموصول. ﴿قَلِيلًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف، وهو المفعول المطلق حقيقة، تقديره: شكرًا قليلًا. ﴿مَا﴾: زائدة، زيدت لتأكيد القلة المفادة بالتنكير بمعنى حقًا. ﴿تَشْكُرُون﴾: فعل

стр. 8397

وفاعل، والجملة في محل النصب، حال من ضمير المخاطبين، تقديره: وهو الذي أنشا لكم هذه الأعضاء، حالة كونكم شاكرين له شكرًا قليلًا. ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ﴾ ﴿ذَرَأَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿ذَرَأَكُمْ﴾، والجملة صلة الموصول. ﴿وَإِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُحْشَرُونَ﴾. ﴿تُحْشَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على جملة الصلة. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على جملة قوله: وهو الذي أنشأ لكم. ﴿يُحْيِي﴾: فعل وفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول. ﴿وَيُمِيتُ﴾: معطوف على ﴿يحي﴾. ﴿وَلَهُ﴾: خبر مقدم. ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿وَالنَّهَارِ﴾: معطوف على الليل، والجملة معطوفة على جملة الصلة. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: (الهمزة)؛ للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف. و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: أتغفلون عن تلك الآيات فلا تعقلون، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب انتقالي. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِثْلَ﴾: منصوب على المفعولية؛ لأنه صفة لمصدر محذوف هو المفعول المطلق أصالة. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة ما المصدرية، وجملة ما المصدرية مع صلتها، في تأويل مصدر مجرور بإضافة مثلي إليه. والتقدير: بل قالوا قولًا مثل قول الأولين، والجملة الفعلية معطوفة على محذوف، يقتضيه المقام، والتقدير: لم يعقلوا تلك الآيات السابقة، بل قالوا مثل ما قال الأولون. ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَإِذَا﴾ (الهمزة): للاستفهام الإنكاري الاستبعادي داخلة على محذوف معلوم من جواب إذا. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿مِتْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر بإضافة إذا

стр. 8398

إليها. ﴿وَكُنَّا تُرَابًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره. ﴿وَعِظَامًا﴾: معطوف على ﴿ترابًا﴾، وجملة كان معطوفة على جملة متنا، وجملة متنا في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾، لكونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بمحذوف، معلوم من الجواب، لا بالجواب؛ لأن ما بعد إن لا يعمل فيما قبلها، كما سبق. ﴿أَإِنَّا﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكارى التعجبي. ﴿إنا﴾ ا: ناصب واسمه. ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾: (اللام): للابتداء. ﴿مبعوثوّن﴾: خبر ﴿إن﴾: وجملة ﴿إن﴾ جواب ﴿أَإِذَا﴾، وجملهْ ﴿أَإِذَا﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا﴾: (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿وُعِدْنَا﴾: فعل ونائب فاعل والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف، وجملة القسم في محل النصب مقول قالوا. ﴿نَحْنُ﴾: تأكيد لضمير النائب ليصح العطف عليه. ﴿وَآبَاؤُنَا﴾: معطوف على ضمير النائب. ﴿هَذَا﴾: مفعول ثان لوعدنا. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: متعلق بـ ﴿وعدنا﴾. ﴿إن﴾: نافية. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول (قالوا). ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وضمير مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَنِ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر. ﴿من﴾: اسم استفهام في محل الجر باللام، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر، مقدم وجوبًا. ﴿الْأَرْضُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَمَن﴾: اسم موصول، في محل الرفع معطوف على الأرض. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور، صلة (من) الموصولة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ في محل النصب، خبر (كان) وجواب

стр. 8399

﴿إن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم تعلمون ذلك، فأخبروني بخالقهما، وفي هذا تلويح بغباوتهم. ﴿سَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة للإخبار من الله تعالى، عما يقع منهم، في الجواب قبل وقوعه. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هي كائنة، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. والتقدير: أتقولون ذلك وتنكرون البعث. ﴿لا﴾: نافية، وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿مَن﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾: خبر ومضاف إليه. ﴿السَّبْعِ﴾؛ صفة لـ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ﴾: معطوف على ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿الْعَظِيمِ﴾ بالجر: صفة للعرش، وبالرفع صفة لرب. ﴿سَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هما لله سبحانه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿سَيَقُولُونَ﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة مستأنفة. ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الهمزة): للاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف. و ﴿الفاء﴾: عاطفة على المحذوف، والتقدير: أتعلمون ذلك فلا تتقون عذابه، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿بِيَدِهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية خبر من الاستفهامية، وجملة ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.

стр. 8400

﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو حالية. ﴿هو﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُجِيرُ﴾: خبره، والجملة في محل النصب حال من الضمير المستكن في الخبر، أو معطوفة على جملة (من) الاستفهامية. ﴿وَلَا يُجَارُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور نائب فاعل له، والجملة معطوفة على جملة يجير. ﴿إن﴾ شرطية، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ خبره، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم تعلمون ذلك، فأخبروني، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾. ﴿سَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: ملكوت كل شيء لله سبحانه، والجملة في محل النصب مقول القول. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿فَأَنَّى﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ذلك، فأقول لكم: ﴿أنى تسحرون﴾. ﴿أنى﴾: اسم استفهام، بمعنى: كيف، في محل النصب على الحال من نائب فاعل ﴿تُسْحَرُونَ﴾. ﴿تُسْحَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿بَل﴾: حرف إضراب وابتداء. ﴿أَتَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق به، أو حال من فاعل ﴿أَتَيْنَاهُمْ﴾؛ أي: حالة كوننا متلبسين بالحق، والجملة مستأنفة. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَكَاذِبُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿كاذبون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة ﴿أَتَيْنَاهُمْ﴾، أو في محل النصب حال من مفعول ﴿أَتَيْنَاهُمْ﴾. ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾: فعل وفاعل ومفعول، و ﴿ما﴾ نافية و ﴿مِن﴾: زائدة. والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا كَان﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان ومضاف إليه خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿إِلَهٍ﴾: اسم كان مؤخر، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾.

стр. 8401

﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل، قائم مقام لو الشرطية، المحذوفة مع فعل شرطها، تقديره: ولو كان معه آلهة أخرى. ﴿لَذَهَبَ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب الشرط المحذوف. ﴿ذهب كل إله﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لو﴾ المحذوفة مع فعل شرطها، وجملة الشرط المحذوف مع جوابه معطوفة، تعاطف مقدر على جملة ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بذهب. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على كل إله، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما خلقه. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿لَذَهَبَ﴾، و ﴿اللام﴾: فيه لام الربط. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: متعلق بعلا. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبح الله سبحانًا، أو سبحوا الله سبحانًا. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿يَصِفُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد محذوف، تقديره: عما يصفونه به، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية؛ أي: عن وصفهم. ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ بالجر: بدل من الجلالة، أو صفة له، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف. ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوفة عليه. ﴿فَتَعَالَى﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع على محذوف، كأنه قيل: علم الله الغيب فتعالى، والجملة مستأنفة. ﴿تعالى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تعالى﴾: ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾، والعائد محذوف، تقديره: عما يشركون به، ويجوز أن تكون ما مصدرية؛ أي: عن إشراكهم. التصريف ومفردات اللغة ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾: الغمرة: الجهالة والضلالة، وفي الأصل: ماء يغمر قامة الإنسان ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾: أي: أغنياءهم ورؤساءهم، جمع مترف، اسم مفعول من أترف الرباعي. ﴿يَجْأَرُونَ﴾؛ أي: يصيحون ويصرخون، ويبتهلون ويستغيثون

стр. 8402

بربهم، ويلتجئون إليه في كشف العذاب عنهم، ومع ذلك لا ينفعهم، ولذلك قيل: لا تجأروا اليوم. وفي "القاموس" جأر: كمنع، جأرًا وجؤارًا إذا رفع صوته بالدعاء، وتضرع واستغاث، وجأرت البقرة والثور، إذا صاحا، وجأر النبات إذا طال، وجأرت الأرض؛ إذا طال نبتها، والجؤار: من النبت الغض والكثير، والرجل الضخم. اهـ. وقال في "اللسان": والأساس، الجؤار: الصراخ باستغاثة، ويقال: جأر الرجل، إذا صاح ورفع صوته. ﴿لَا تُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا تمنعون من عذابنا؛ أي: لا يجيركم أحد ولا ينصركم ﴿أَعْقَابِكُمْ﴾ جمع عقب، وهو مؤخر القدم، ورجوع الشخص على عقبه، رجوعه في طريقه الأولى، كما يقال: رجع على بدئه. ﴿تَنْكِصُونَ﴾؛ أي: تعرضون عن سماعها، وأصل النكوص الرجوع على الأعقاب؛ أي: ترجعون القهقرى؛ أي: إلى جهة الخلف، وهذه أقبح المشيات، وهذا كناية عن إعراضهم عن الآيات، وفي "المختار"، ما يدل على أنه من بابي جلس ودخل. ﴿سَامِرًا﴾ السامر: مأخوذ من السمر، وهو سهر الليل. وقال الراغب: قيل: معناه: سمارًا. فوضع الواحد موضع الجميع، تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه. وقيل: بل السامر الليل المظلم، والسمر سواد الليل، ومنه قيل: للحديث بالليل سمر، وسمر فلان إذا تحدث ليلًا، وقيل: اسم جمع كحاج وحاضر وراكب وغائب، كما مر. ﴿تَهْجُرُونَ﴾: بفتح التاء وضم الجيم، مضارع هجر الثلاثي، من باب قتل، من الهجران وهو الترك، أو من هجر هجرًا، إذا هذى وتكلم بغير معقول لمرض، أو لغيره؛ أي: تتكلمون في القرآن مالا ينبغي. وقرىء بضم التاء وكسر الجيم من أهجر إهجارًا، إذا أفحش في كلامه، يقال أهجر يهجر إهجارًا، كأكرم يكرم إكرامًا، واسم المصدر الهجر بضم الهاء، وهو التكلم بالفحش.

стр. 8403

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ قال الراغب: التدبر: التفكر في دبر الأمور. ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ أي: جنون. ﴿خَرْجًا﴾؛ أي: أجرًا وجعلًا، ويغلب في الخرج أن يكون مال العتق، وفي الخراج مال العقار، ونقيض الدخل. وقيل: الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه. والوجه: أن الخرج أخص من الخراج. ومعنى الآية: أم تسالهم على هدايتك لهم قليلًا من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير لك. ﴿لَنَاكِبُونَ﴾؛ أي: لعادلون عن طريق الرشاد، يقال: نكب عن الطريق إذا زاغ عنه، وكل من لا يؤمن بالآخرة فهو ناكب، وفي "المصباح" نكب عن الطريق نكوبًا من باب قعد إذا عدل عنه ومال إليه غيره، والنكوب والنكب: العدول والميل، ومنه النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك؛ لعدولها عن المهاب، ونكبت حوادث الدهر؛ أي: هبت هبوب النكباء اهـ. "سمين". ﴿الصِّرَاطِ﴾ في اللغة: الطريق، فسمي الدين طريقًا؛ لأنها تؤدي إليه تعالى. ﴿للجوا﴾ جواب لو، وقد توالى فيه لامان، وفيه تضعيف لقول من قال: إن جوابها إذا نفي بلم ونحوها مما صدر فيه حرف النفي باللام، أنه لا يجوز دخول اللام، فإذا قلت: لو قام زيد للم يقم عمرو لم يجز. قال ذلك القائل: لئلا يتوالى اللامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع، وإلا فما الفرق بين النفي والإثبات في ذلك. اهـ. "فتوحات". وفي "المصباح" لج في الأمر لججًا من باب تعب، ولجاجًا ولجاجة فهو لجوج ولجوجة، مبالغة إذا لازم الشيء وواظبه. وباب ضرب لغةٌ. اهـ. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: الطغيان: مجاوزة الحد في الشيء، وكل مجاوز حده في الطغيان طاغ. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: في "المصباح" عمه في طغيانه عمها، من باب تعب إذا تردد متحيرًا، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه وأعمه. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يقال: استكان؛ أي: انتقل من كون إلى كون، كاستحال إذا انتقل من حال إلى حال. وأصله استكون، نقلت

стр. 8404

حركة الواو إلى ما قبلها، ثم قلبت ألفًا. هذا ما قاله علماء اللغة، ولكن اعترض بعضهم على هذا التنظير، وحجته أن استكان على تأويله أحد أقسام استفعل الذي معناه التحول، كقولهم استحجر الطين استنوق الجمل. وأما استحال فثلاثية، حال إذا انتقل من حال إلى حال، وإذا كان الثلاثي يفيد التحول لم يبق لصيغة استفعل فيه أثر، فليس استحال من استفعل للتحول، ولكنه من استفعل بمعنى فعل، وهو أحد أقسامه إذا لم يزد السداسي فيه على الثلاثي معنىً، ثم نعود إلى تأويله، فنقول: المعنى عليه فما انتقلوا من كون التكبر والتجبر والاعتياص إلى كون الخضوع والضراعة إلى الله. ﴿مُبْلِسُونَ﴾ في "المصباح" البلاس مثل سلام: المسح، وهو فارسي معرب، والجمع بلس بضمتين. مثل عناق وعنق، وأبلس الرجل إبلاسًا سكت. وأبلس أيس، وفي التنزيل فإذا هم مبلسون. اهـ. ومنه إبليس ليأسه من رحمة الله. اهـ. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَار﴾؛ أي: لتحسوا بهما ما نصب من الآيات، وفيه تنبيه، على أن من لم يعمل هذه الأعضاء، فيما خلقت له .. فهو بمنزلة عادمها. ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: خلقكم وبثكم فيها. ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: تعاقبهما من قولهم: فلان يختلف إلى فلان؛ أي: يتردد عليه بالمجيء والذهاب. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ واحدها أسطورة، كاحدوثة وأعجوبة، قاله المبرد وجماعة. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أصله تتذكرون، فقلبت التاء الثانية ذالًا فأدغمت الذال في الذال. ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: والواو والتاء في الملكوت زائدتان: للمبالغة كزيادتهما في الرحموت والرهبوت والجبروت للمبالغة في الرحمة والرهبة والجبر. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ يقال: أجرت فلانًا إذا استغاث بك فحميته، وأجرت عليه إذا حميت عنه. ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾؛ أي: فكيف تخدعون وتصرفون عن الرشد. ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال الراغب: شرك الإنسان في الدين ضربان: أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يقال: أشرك فلان

стр. 8405

بالله، وذلك أعظم كفر. والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وذلك كالرياء والسمعة والنفاق. وفي الحديث: "والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا" نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المنقطعين عما سواه. والعاملين بالله لله في الله. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ حيث مثل إعراضهم عن الحق، بالرجوع القهقرى إلى الخلف، وذكر شيئًا من لوازمه وهو الإعقاب. ومنها: تخصيص اليوم بالذكر في قوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ وهو يوم القيامة؛ لتهويله والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار. ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾؛ لإنكار الواقع واستقباحه. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾؛ للتأكيد والتشنيع عليهم. ومنها: الجناس المماثل الناقص بين ﴿خَرْجًا﴾ و ﴿فَخَرَاجُ﴾ وهو في غاية البلاغة، حيث ذكر الأول: في جانب عوضهم، والثاني: في جانب ما يعطيه الله سبحانه، فالخراج، أبلغ من الخرج بلا ألف؛ لأن الخرج يقال لما يدفع مرة، ولا يجب تكراره، والخراج بالألف يقال للملتزم الذي يجب تكراره، كخراج الأرض. ومنها: التأكيد بالجملة القسمية في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ للشرطية
следующие страницы →