← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل، قائم مقام لو الشرطية، المحذوفة مع فعل شرطها، تقديره: ولو كان معه آلهة أخرى. ﴿لَذَهَبَ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب الشرط المحذوف. ﴿ذهب كل إله﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب ﴿لو﴾ المحذوفة مع فعل شرطها، وجملة الشرط المحذوف مع جوابه معطوفة، تعاطف مقدر على جملة ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بذهب. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على كل إله، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما خلقه. ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ﴾: فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿لَذَهَبَ﴾، و ﴿اللام﴾: فيه لام الربط. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: متعلق بعلا. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبح الله سبحانًا، أو سبحوا الله سبحانًا. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿سُبْحَانَ﴾، وجملة ﴿يَصِفُونَ﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد محذوف، تقديره: عما يصفونه به، ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية؛ أي: عن وصفهم. ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ بالجر: بدل من الجلالة، أو صفة له، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف. ﴿الْغَيْبِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: معطوفة عليه. ﴿فَتَعَالَى﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع على محذوف، كأنه قيل: علم الله الغيب فتعالى، والجملة مستأنفة. ﴿تعالى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تعالى﴾: ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿مَا﴾، والعائد محذوف، تقديره: عما يشركون به، ويجوز أن تكون ما مصدرية؛ أي: عن إشراكهم. التصريف ومفردات اللغة ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾: الغمرة: الجهالة والضلالة، وفي الأصل: ماء يغمر قامة الإنسان ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾: أي: أغنياءهم ورؤساءهم، جمع مترف، اسم مفعول من أترف الرباعي. ﴿يَجْأَرُونَ﴾؛ أي: يصيحون ويصرخون، ويبتهلون ويستغيثون

стр. 8402

بربهم، ويلتجئون إليه في كشف العذاب عنهم، ومع ذلك لا ينفعهم، ولذلك قيل: لا تجأروا اليوم. وفي "القاموس" جأر: كمنع، جأرًا وجؤارًا إذا رفع صوته بالدعاء، وتضرع واستغاث، وجأرت البقرة والثور، إذا صاحا، وجأر النبات إذا طال، وجأرت الأرض؛ إذا طال نبتها، والجؤار: من النبت الغض والكثير، والرجل الضخم. اهـ. وقال في "اللسان": والأساس، الجؤار: الصراخ باستغاثة، ويقال: جأر الرجل، إذا صاح ورفع صوته. ﴿لَا تُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا تمنعون من عذابنا؛ أي: لا يجيركم أحد ولا ينصركم ﴿أَعْقَابِكُمْ﴾ جمع عقب، وهو مؤخر القدم، ورجوع الشخص على عقبه، رجوعه في طريقه الأولى، كما يقال: رجع على بدئه. ﴿تَنْكِصُونَ﴾؛ أي: تعرضون عن سماعها، وأصل النكوص الرجوع على الأعقاب؛ أي: ترجعون القهقرى؛ أي: إلى جهة الخلف، وهذه أقبح المشيات، وهذا كناية عن إعراضهم عن الآيات، وفي "المختار"، ما يدل على أنه من بابي جلس ودخل. ﴿سَامِرًا﴾ السامر: مأخوذ من السمر، وهو سهر الليل. وقال الراغب: قيل: معناه: سمارًا. فوضع الواحد موضع الجميع، تسمرون بذكر القرآن وبالطعن فيه. وقيل: بل السامر الليل المظلم، والسمر سواد الليل، ومنه قيل: للحديث بالليل سمر، وسمر فلان إذا تحدث ليلًا، وقيل: اسم جمع كحاج وحاضر وراكب وغائب، كما مر. ﴿تَهْجُرُونَ﴾: بفتح التاء وضم الجيم، مضارع هجر الثلاثي، من باب قتل، من الهجران وهو الترك، أو من هجر هجرًا، إذا هذى وتكلم بغير معقول لمرض، أو لغيره؛ أي: تتكلمون في القرآن مالا ينبغي. وقرىء بضم التاء وكسر الجيم من أهجر إهجارًا، إذا أفحش في كلامه، يقال أهجر يهجر إهجارًا، كأكرم يكرم إكرامًا، واسم المصدر الهجر بضم الهاء، وهو التكلم بالفحش.

стр. 8403

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ قال الراغب: التدبر: التفكر في دبر الأمور. ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ أي: جنون. ﴿خَرْجًا﴾؛ أي: أجرًا وجعلًا، ويغلب في الخرج أن يكون مال العتق، وفي الخراج مال العقار، ونقيض الدخل. وقيل: الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه. والوجه: أن الخرج أخص من الخراج. ومعنى الآية: أم تسالهم على هدايتك لهم قليلًا من عطاء الخلق، فالكثير من عطاء الخالق خير لك. ﴿لَنَاكِبُونَ﴾؛ أي: لعادلون عن طريق الرشاد، يقال: نكب عن الطريق إذا زاغ عنه، وكل من لا يؤمن بالآخرة فهو ناكب، وفي "المصباح" نكب عن الطريق نكوبًا من باب قعد إذا عدل عنه ومال إليه غيره، والنكوب والنكب: العدول والميل، ومنه النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك؛ لعدولها عن المهاب، ونكبت حوادث الدهر؛ أي: هبت هبوب النكباء اهـ. "سمين". ﴿الصِّرَاطِ﴾ في اللغة: الطريق، فسمي الدين طريقًا؛ لأنها تؤدي إليه تعالى. ﴿للجوا﴾ جواب لو، وقد توالى فيه لامان، وفيه تضعيف لقول من قال: إن جوابها إذا نفي بلم ونحوها مما صدر فيه حرف النفي باللام، أنه لا يجوز دخول اللام، فإذا قلت: لو قام زيد للم يقم عمرو لم يجز. قال ذلك القائل: لئلا يتوالى اللامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع، وإلا فما الفرق بين النفي والإثبات في ذلك. اهـ. "فتوحات". وفي "المصباح" لج في الأمر لججًا من باب تعب، ولجاجًا ولجاجة فهو لجوج ولجوجة، مبالغة إذا لازم الشيء وواظبه. وباب ضرب لغةٌ. اهـ. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: الطغيان: مجاوزة الحد في الشيء، وكل مجاوز حده في الطغيان طاغ. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: في "المصباح" عمه في طغيانه عمها، من باب تعب إذا تردد متحيرًا، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة، فهو عمه وأعمه. ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ يقال: استكان؛ أي: انتقل من كون إلى كون، كاستحال إذا انتقل من حال إلى حال. وأصله استكون، نقلت

стр. 8404

حركة الواو إلى ما قبلها، ثم قلبت ألفًا. هذا ما قاله علماء اللغة، ولكن اعترض بعضهم على هذا التنظير، وحجته أن استكان على تأويله أحد أقسام استفعل الذي معناه التحول، كقولهم استحجر الطين استنوق الجمل. وأما استحال فثلاثية، حال إذا انتقل من حال إلى حال، وإذا كان الثلاثي يفيد التحول لم يبق لصيغة استفعل فيه أثر، فليس استحال من استفعل للتحول، ولكنه من استفعل بمعنى فعل، وهو أحد أقسامه إذا لم يزد السداسي فيه على الثلاثي معنىً، ثم نعود إلى تأويله، فنقول: المعنى عليه فما انتقلوا من كون التكبر والتجبر والاعتياص إلى كون الخضوع والضراعة إلى الله. ﴿مُبْلِسُونَ﴾ في "المصباح" البلاس مثل سلام: المسح، وهو فارسي معرب، والجمع بلس بضمتين. مثل عناق وعنق، وأبلس الرجل إبلاسًا سكت. وأبلس أيس، وفي التنزيل فإذا هم مبلسون. اهـ. ومنه إبليس ليأسه من رحمة الله. اهـ. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَار﴾؛ أي: لتحسوا بهما ما نصب من الآيات، وفيه تنبيه، على أن من لم يعمل هذه الأعضاء، فيما خلقت له .. فهو بمنزلة عادمها. ﴿ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: خلقكم وبثكم فيها. ﴿اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: تعاقبهما من قولهم: فلان يختلف إلى فلان؛ أي: يتردد عليه بالمجيء والذهاب. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ واحدها أسطورة، كاحدوثة وأعجوبة، قاله المبرد وجماعة. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أصله تتذكرون، فقلبت التاء الثانية ذالًا فأدغمت الذال في الذال. ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: والواو والتاء في الملكوت زائدتان: للمبالغة كزيادتهما في الرحموت والرهبوت والجبروت للمبالغة في الرحمة والرهبة والجبر. ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ يقال: أجرت فلانًا إذا استغاث بك فحميته، وأجرت عليه إذا حميت عنه. ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾؛ أي: فكيف تخدعون وتصرفون عن الرشد. ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال الراغب: شرك الإنسان في الدين ضربان: أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يقال: أشرك فلان

стр. 8405

بالله، وذلك أعظم كفر. والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وذلك كالرياء والسمعة والنفاق. وفي الحديث: "والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا" نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المنقطعين عما سواه. والعاملين بالله لله في الله. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ حيث مثل إعراضهم عن الحق، بالرجوع القهقرى إلى الخلف، وذكر شيئًا من لوازمه وهو الإعقاب. ومنها: تخصيص اليوم بالذكر في قوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ وهو يوم القيامة؛ لتهويله والإيذان بتفويتهم وقت الجؤار. ومنها: الاستفهام في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا﴾؛ لإنكار الواقع واستقباحه. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾؛ للتأكيد والتشنيع عليهم. ومنها: الجناس المماثل الناقص بين ﴿خَرْجًا﴾ و ﴿فَخَرَاجُ﴾ وهو في غاية البلاغة، حيث ذكر الأول: في جانب عوضهم، والثاني: في جانب ما يعطيه الله سبحانه، فالخراج، أبلغ من الخرج بلا ألف؛ لأن الخرج يقال لما يدفع مرة، ولا يجب تكراره، والخراج بالألف يقال للملتزم الذي يجب تكراره، كخراج الأرض. ومنها: التأكيد بالجملة القسمية في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ للشرطية

стр. 8406

قبلها، أعني قوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. ومنها: عطف المضارع على الماضي في قوله: ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أحق , بخلاف التضرع، فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال، وأما الاستكانة، فقد توجد منهم. اهـ. "سمين". ومنها: الامتنان بالنعم العظيمة عليهم في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ تذكيرًا لهم. ومنها: إفراد السمع دون الأبصار والأفئدة، في قوله المذكور لوحدة المسموع، وهو الصوت دون المبصرات والمفكرات أو لأنه مصدر في الأصل، والمصادر لا تجمع فلمح فيه إلى الأصل. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. ومنها: التنكير إفادةً للتقليل في قوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. ومنها: زيادة ما فيه تأكيدًا للقلة المستفادة من التنكير، والمعنى: شكرًا قليلًا، وهو كناية عن عدم الشكر. ومنها: الفصل في قوله: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)﴾؛ أي: قطع إحدى الجملتين عن الأخرى للاتحاد فقد فصل ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ الخ. عما قبله لقصد البدل لكونه أوفى بالمقصود من الأول؛ لأن ما قال الأولون أقوال كثيرة، ولا يدرى أي قول يراد من تلك الأقوال، والأحسن أن يقال: إن أريد بقوله: مثل ما قال الأولون ما نقل عنهم من قولهم: أئذا متنا الخ. وهو الظاهر كان بدل كل من كل. ومنها: الاستفهام الذي غرضه الإنكار والتوبيخ في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. ومنها: حذف جواب الشرط ثقة بدلالة اللفظ عليه في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ

стр. 8407

تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني. ومنها: طباق السلب في قوله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. ومنها: تأكيد الكلام بذكر حرف الجر الزائد في قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾؛ أي: ما اتخذ ولدًا، وما كان معه إله تأكيدًا وتثبيتًا للنفي. ومنها: الطباق في قوله: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 8408

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) ما لهم من مقالات السوء، كإنكار البعث والجزاء واتخاذ الولد، ووصف الله بما لا يليق، وكان كل هذا مما يدعو إلى استئصالهم وأخذهم بالعذاب .. أمر رسوله أن يدعوه، بأن لا يجعله قرينًا

стр. 8409

لهم، فيما يحيق بهم من العذاب، ثم ذكر أنه قدير على أن يعجل لهم العذاب، ولكنه أخره ليوم معلوم، ثم أرشده إلى الترياق النافع في مخالطة الناس، وهو إحسان المرء إلى من يسيء إليه، حتى تعود عداوته صداقةً، وعنفه لينًا، كما قال: أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوْبَهُمُ ... فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ ثم أمره أن يستعيذ من حيل الشياطين، وأن يحضروه في أي عمل من أعماله، ولا يكون كالكافرين الذين قبلوا همزها، وأطاعوا وسوستها حتى إذا ما حان وقت الاحتضار، تمنوا أن يعودوا إلى الدنيا ليعملوا صالحًا، وأنه لا يسمع لمثل هؤلاء دعاء، فإنه لا رجعة لهم بعد هذا، وأمامهم حاجز يحول بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا إلى يوم البعث. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر أن وراء الرجوع إلى الدنيا حاجزًا إلى يوم القيامة .. أعقب ذلك بذكر أحوال هذا اليوم، فبين أنه عند البعث وإعادة الأرواح في الأجسام، لا تنفع الأحساب، ولا يسأل القريب قريبه، وهو يبصره، وأن من رجحت حسناته على سيئاته، فاز ونجا من النار، ودخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته خاب وهلك، وأدخل النار خالدًا فيها أبدًا، وكان عابس الوجه متقلص الشفتين من شدة الاحتراق، وأنه يقال: لأهل النار توبيخًا لهم على ما ارتكبوا من الكفر والآثام، ألست قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم الكتب، فيقولون: بلى، ولكنا لم ننقد لها ولم نتبعها فضللنا، ربنا ارددنا إلى دار الدنيا، فإن نحن عدنا فإنا ظالمون مستحقون العقوبة، فيجيبهم ربهم: أمكثوا في النار صاغرين أذلاء، ولا تعودوا إلى سؤالكم هذا إنكم كنتم تستهزئون بعبادي المؤمنين، وكنتم منهم تضحكون، إنهم اليوم هم الفائزون، جزاء صبرهم على أذاكم واستهزائكم بهم. قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر إنكارهم للبعث، وأنهم لا يعترفون بحياة إلا ما كان في هذه الدنيا، وأنه بعد الفناء لا حياة، ولا إعادة ..

стр. 8410

ذكر هنا أنهم بعد أن يستقروا في النار، ويوقنوا أنهم مخلدون فيها أبدًا، يسألون سؤال تقريع وتوبيخ عن مدة لبثهم في الأرض، ليستبين لهم أن ما ظنوه أمدًا طويلًا يسير بالنسبة إلى ما أنكروه، وحينئذِ يزدادون حسرة وألمًا على ما كانوا يعتقدون في الدنيا، حين رأوا خلاف ما ظنوا، ثم بين بعدئذٍ ما هو كالدليل على وجود البعث، وهو تمييز المطيع من العاصي، ولولاه لكان خلق العالم عبثًا، تنزه ربنا عن ذلك، ثم أتبع هذا بالرد على من أشرك معه غيره، وأنذره بالعذاب الأليم. ثم أمر رسوله أن يطلب منه غفران الذنوب، وأن يثني عليه بما هو أهله. التفسير وأوجه القراءة ٩٣ - ﴿قُلْ﴾: يا محمد في الدعاء يا ﴿رَبِّ﴾؛ أي: يا مالك أمري. ﴿إِمَّا﴾ أصله (إن ما). و (ما) مزيدة لتأكيد معنى الشرط، كالنون في قوله: ﴿تريني﴾؛ أي: إن كان لا بد من أن تريني ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾؛ أي: ما يوعد هؤلاء المشركون من العذاب الدنيوي المستأصل، والوعد يكون في الخير والشر، ٩٤ - وأعاد (١) لفظ ﴿رَبِّ﴾ مبالغة في التضرع .. ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: معهم في العذاب، ففي بمعنى مع؛ أي: لا تجعلني قريبًا لهم في العذاب، وأخرجني من بين أيديهم سالمًا. والمراد بالظلم: الشرك، وفيه إيذان بكمال فظاعة ما وعدوه من العذاب، وكونه بحيث يجب أن يستعيذ منه، من لا يكاد يمكن أن يحيق به، ورد لإنكارهم إياه، واستعجالهم به على طريقة الاستهزاء. وهذا يدل على أن النبلاء ربما يعم أهل الولاء، كما قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، وأن للحق سبحانه أن يفعل ما يريد، ولو عذب البر لم يكن ذلك منه ظلمًا، ولا قبيحًا. والمعنى: أي (٢) قل يا محمد: رب إن عاقبتهم وأنا مشاهد ذلك .. فلا تجعلني فيهم، ولا تهلكني بما تهلكهم به، ونجني من عذابك وسخطك، واجعلني ممن رضيت عنهم من أوليائك.

стр. 8411

روى الإِمام أحمد، والترمذي، أن النبي ﷺ كان يدعو: "وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفني إليك غير مفتون". ومعلوم أنه ﵇ (١)، معصوم مما يكون سببًا لجعله معهم، ولكنه أمره أن يدعو بذلك إظهارًا للعبودية، وتواضعًا لله تعالى. واستغفار رسول الله ﷺ إذا قام من مجلسه سبعين مرة من هذا القبيل، وقرأ الضحاك وأبو عمران الجوني: ﴿ترئني﴾ بالهمز بدل الياء، وهذا كما قرىء فإما ﴿ترئت﴾ و ﴿لترؤن﴾ بالهمز، وهو إبدال ضعيف. ٩٥ - ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب المستأصل ﴿لَقَادِرُونَ﴾ ولكنا نؤخره لعلمنا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم سيؤمنون، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم. والمعنى: أي وإنا أيها الرسول لقادرون، على أن نريك ما ننزله بهم من العذاب، فلا يحزننك تكذيبهم بك، وإنما نؤخره حتى يبلغ الكتاب أجله، علمًا منا أن بعضهم أو بعض أعقابهم سيؤمن، ومن جراء ذلك لا نستأصلهم، ولا نمحو آثارهم، ٩٦ - ثم أرشده إلى ما يفعل بهم إذا لحقه أذاهم، فقال: ﴿ادْفَعْ﴾ يا محمد ﴿بِالَّتِي﴾؛ أي: بالطريقة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ أي: أحسن طرق الدفع من الحلم والصفح، ﴿السَّيِّئَةَ﴾ التي تأتيك منهم من الأذى والمكروه، وهو مفعول ادفع. والسيئة: الفعلة القبيحة، وهو ضد الحسنة. قال بعضهم (٢): أي استعمل معهم ما جعلناك عليه من الأخلاق الكريمة والشفقة والرحمة، فإنك أعظم خطرًا من أن يؤثر فيك ما يظهرونه من أنواع المخالفات. وفي "التأويلات النجمية" يعني: مكافأة السيئة جائزة، لكن العفو عنها أحسن، ويقال: ادفع بالوفاء الجفاء. ويقال: الأحسن ما أشار إليه القلب بالمعافاة، والسيئة ما تدعو إليه النفس للمكافأة. والمعنى (٣)؛ أي: قابل إساءتهم بما أمكن من الإحسان وتكذيبهم بالكلام الجميل، وبيان الأدلة على أحسن

стр. 8412

الوجوه، قيل: هذه الآية محكمة؛ لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى وهن في الدين، أو نقصان في المروءة ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ ويذكرون؛ أي: بما (١) يصفونك به على خلاف ما أنت عليه، كالسحر والشعر والجنون، والوصف: ذكر الشيء بحليته ونعته، فقد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا، وفيه وعيد لهم بالجزاء والعقوبة، وتسلية لرسول الله ﷺ ، وإرشاد له إلى تفويض أمره إليه تعالى. والخلاصة: أي ادفع (٢) الأذى عنه، بالخصلة التي هي أحسن بالإغضاء والصفح عن جهلهم والصبر على أذاهم وتكذيبهم بما أتيتهم به من عند ربك، ونحن أعلم بما يصفوننا به، وينحلونه إيانا من الاختلاق والأكاذيب، وبما يقولون فيك من السوء، وهجر القول، ومجازوهم على ما يقولون فلا يحزنك ذلك، واصبر صبرًا جميلًا. ونحو الآية قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. روي عن أن ﵁ أنه قال في الآية: يقول الرجل لأخيه: ما ليس فيه، فيقول له: إن كنت كاذبًا، فإني أسأل الله أن يغفر لك، وإن كنت صادقًا، فإني أسأل الله أن يغفر لى. ٩٧ - ولما أدب الله سبحانه رسوله أن يدفع بالحسن .. أمره أن يستعيذ من نخسات الشياطين، فقال: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد يا ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِك﴾ والتجأ إليك. والعوذ: الالتجاء إلى الغير، والتعلق به، ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾؛ أي: وساوسهم المغرية على خلاف ما أمرت به، من المحاسن التي من جملتها، دفع السيئة بالحسنة، وهمزات الشياطين: نزعاتهم ووساوسهم، كما قاله المفسرون. والجمع فيه باعتبار المرات، أو لتنوع الوساوس، أو لتعدد المضاف إليه. ومن همزات. الشيطان سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وفيه إرشاد لهذه الأمة إلى التعوذ من الشيطان. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يجوز أن يجعل نبيه المعصوم مع

стр. 8413

الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ قلتُ: يجوز أن يسأل العبد ربه، ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله، إظهارًا للعبودية، وتواضعًا لربه، وإخباتًا له. انتهى. ٩٨ - ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾؛ أي: من أن يحضروني، ويحوموا حولي فى حال من الأحوال صلاة، أو تلاوة، أو عند الموت، أو غير ذلك؛ لأنهم إنما يحضرون بقصد سوء، وكرر ذلك للمبالغة، والاعتناء بهذه الاستعاذة؛ أي: وقيل رب فى كل وقت؛ لأن العصمة والحفظ من الشيطان أمرها عظيم جدًّا، وهو وإن كان معصومًا فالمقصود تعليم أمته، وإظهار الالتجاء إليه، ذكره "الصاوي". أي: وقل (١) رب إني ألتجىء إليك من أن يصل إلى الشياطين بوساوسهم، أو أن يبعثوا إلى أعداءك لإيذائي، وهكذا يدعو المؤمنون، فإن الشيطان لا يصل إليهم، إلا بأحد هذين الأمرين. وإذا انقطع العبد إلى مولاه وتبتل إليه، وسأله أن يعيذه من الشياطين استيقظ قلبه، وتذكر ربه فيما يأتي ويذر، ودعاه ذلك إلى التمسك بالطاعة، وازدجر عن المعصية، واستعاذ ﷺ أن تحضره الشياطين فى عمل من أعماله، ولا سيما حين الصلاة، وقراءة القرآن، وحلول الأجل. أخرج أحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا كلمات نقولها عند النوم خوف الفزع: "بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون". قال: فكان ابن عمرو يعلمها من بلغ من أولاده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فيعلقها فى عنقه. وأخرج أحمد عن الوليد أنه قال: يا رسول الله، إني أجد وحشة، قال: "إذا أخذت مضجعك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وعقابه، وشر

стр. 8414

عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون فإنه لا يحضرك، وبالحري لا يضرك". وروى أبو داود أن رسول الله ﷺ ، كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم، ومن الغرق، وأعوذ بك أن تتخبطني الشياطين عند الموت"، وكلمات الله كتبه المنزلة على أنبيائه، أو صفات الله، كالعزة والقدرة. وصفها بالتمام، لعرائها عن النقص والانقصام. ٩٩ - وحتى فى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ هي الابتدائية. دخلت على الجملة الشرطية، وهي مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بقوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾، وقيل: بـ ﴿يَصِفُونَ﴾. والمراد بمجيء الموت مجيء علاماته؛ أي: هي (١) معمولة لمحذوف، يدل عليه ذلك، أي يستمر كفار مكة على التكذيب، أو على الوصف المذكور حتى إذا جاء أحدهم الموت، الذي لا مرد له، وظهرت له أحوال الآخرة. ﴿قَالَ﴾ ذلك الأحد تحسرًا، على ما فرط من الإيمان والعمل ﴿رَبِّ﴾؛ أي: يا رب ﴿ارْجِعُونِ﴾؛ أي: ردني إلى دار الدنيا ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ﴾؛ أي: لكي أعمل عملًا ﴿صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾؛ أي: فى الإيمان الذي تركته، وقصرت فيه، وفي العبادات البدنية والمالية والحقوق؛ أي: لعلي أعمل فى الإيمان الذي آتي به ألبتة، عملًا صالحًا، فلم ينظم الإيمان فى سلك الرَّجاء، كسائر الأعمال الصالحة، بأن يقول: لعلي أومن فأعمل إلخ. للإشعار بأنه أمر مقرر الوقوع، غنى عن الإخبار بوقوعه، فضلًا عن كونه مرجو الوقوع. وقوله: ﴿ارْجِعُونِ﴾ (٢) خطاب لله. وجمع الضمير تعظيمًا لله؛ لأن العرب تخاطب الواحد الجليل الشأن بلفظ الجماعة. وفيه رد على من يقول الجمع للتعظيم فى غير المتكلم، إنما ورد فى كلام المولدين. وقيل: الخطاب للملائكة، الذين يقبضون الأرواح، من ملك الموت

стр. 8415

وأعوانه. ورب للقسم، كما فى "الكبير". واستعان باللهِ أولًا، ثم بهم كما فى "الأسئلة المقحمة". ١٠٠ - وقوله: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ قبله حذف، تقديره: ثم إنه سبحانه يقول له: إلى أي شيء نردك، أتذهب إلى جمع المال، أو غرس الغراس، أو بناء البنيان، أو شق الأنهار؛ فيقول ذلك الكافر: لعلي أعمل صالحًا فيما تركت؛ أي: لكي أصير عند الرجعة مؤديًا لحق الله تعالى فيما قصرت فيه. فيقول الجبار ﷻ : ﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر له، عن طلب الرجعة، واستبعاد لها؛ أي: ليرتدع عما يقول، وينزجر، فإنه لا يرد إلى الدنيا أبدًا ﴿إِنَّهَا﴾؛ أي: قولة: رب ارجعون ﴿كَلِمَةٌ﴾ الكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضه مع بعض. ﴿هُوَ﴾؛ أي: ذلك الأحد ﴿قَائِلُهَا﴾ عند الموت لا محالة لتسلط الحزن عليه، ولكنه لا يجاب لها, ولا تفيده، وليس الأمر على ما يظنه، من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، أو المعنى: أنه لو أجيب إلى ذلك، لما حصل منه الوفاء، كما فى قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. قال القرطبي: سؤال الرجعة غير مختص بالكافر؛ أي: بل يعم المؤمن المقصر. وروي: أنه ﷺ قال لعائشة ﵂: "إذا عاين المؤمن الملائكة .. قالوا: نرجعك إلى دار الدنيا، فيقول إلى دار الهموم والأحزان، لا بل قدومًا على الله تعالى، وأما الكافر فيقال له: نرجعك، فيقول: ارجعون، فيقال له: إلى أي شيء ترغب؟ إلى جمع المال؟ أو غرس الغراس؟ أو بناء البنيان؟ أو شق الأنهار؟ فيقول: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ فيقول الجبار ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ". والمعنى: أي (١) ولا يزال الكافر يجترح السيئات، ولا يبالي بما يأتي وما يذر، من الآثام والأوزار، حتى إذا جاءه الموت، وعاين ما هو قادم عليه من عذاب الله .. ندم على ما فات، وأسف على ما فرط فى جنب الله، وقال: رب

стр. 8416

ارجعني إلى الدنيا، لأعمل صالحًا فيما قصرت فيه من عبادتك، وحقوق خلقك. وخلاصة ذلك: أنه حين الاحتضار يعاين ما هو مقبل عليه من العذاب، فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا ليصلح ما أفسد؛ ويطيع فيما عصى، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ وقوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ وقوله ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾. ومن كل هذا تعلم أنهم يطلبون الرجعة حين الاحتضار، وحين النشور، وحين العرض على الملك الجبار، وحين يعرضون على النار، وهم فى غمرات جهنم، فلا يجابون إليها فى كل حال ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾؛ أي: إنا لا نجيبه إلى ما طلب؛ لأن طلبه الرد ليعمل صالحًا هو قوله فحسب، ولا عمل معه، وهو كاذب، ولو رد لما عمل، كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾؛ أي: ومن أمامهم، وهو ظرف مكان بمعنى خلف، ولكنه هنا بمعنى أمام؛ لأنه من اسم الأضداد؛ أي (١): ومن أمام ذلك الأحد، والجمع باعتبار المعنى؛ لأنه فى حكم كلهم، كما إن الإفراد فى قال وما يليه، باعتبار اللفظ ﴿بَرْزَخٌ﴾؛ أي: حائل بينهم وبين الرجعة، وهو القبر. وفي "التأويلات النجمية" وهو ما بين الموت إلى البعث؛ أي: بين الدنيا والآخرة، وهو غير البرزخ الذي بين عالم الأرواح المثالي، وبين هذه النشاة العنصرية. اهـ. ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورهم وهو يوم القيامة، وهو إقناط كلي من الرجعة إلى الدنيا، لما علم أن لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا. وأما الرجعة حينئذ فإلى الحياة الأخروية.

стр. 8417

واختلف فى معنى الآية (١)، فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد: حاجز بين الموت والبعث. وقال الكلبي: هو الأجل ما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، وقال السدي: هو الأجل، و ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ هو يوم القيامة. ١٠١ - ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لقيام الساعة، وهي النفخة الثانية، التي عندها البعث والنشور. والنفخ: نفخ الريح فى الشيء. والصور مثل قرن ينفخ فيه. فيجعل الله ذلك سببًا لعود الأرواح إلى أجسادها، وقيل المعنى: فإذا نفخ فى الأجساد أرواحها، على أن الصور جمع صورة لا القرن، ويدل على هذا قراءة (٢) ابن عباس والحسن وابن عياض ﴿الصُّوَر﴾ بفتح الواو مع ضم الصاد جمع صورة. وقرأ أبو رزين بكسر الصاد وفتح الواو، وكذا قوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وجمع فعلة بضم الفاء على فعل بكسر الفاء شاذ. ﴿فَلَا أَنْسَابَ﴾ تنفعهم ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الخلائق، ﴿يوم إذِ﴾؛ أي: يوم إذ نفخ فى الصور، كما بينهم اليوم لزوال التراحم والتعاطف، من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، أو لا أنساب يفتخرون بها. والنسب: القرابة بين اثنين فصاعدًا؛ أي: اشتراك من جهة أحد الأبوين. وذلك ضربان: نسب بالطول، كالاشتراك بين الآباء والأبناء، ونسب بالعرض، كالنسب بين الأخوة وبني الأعمام. ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا، فلا يقول له: من أنت، ومن أي قبيلة ونسب أنت، ونحو ذلك؛ لاشتغال كل منهم بنفسه؛ لشدة الهول، فلا يتعارفون ولا يتساءلون، كما أنه إذا عظم إلاَّمر فى الدنيا .. لم يتعرف الوالد لولده. وقرأ عبد الله (٣): ﴿ولا يسألون﴾ بتشديد السين، أدغم التاء فى السين، إذ أصله يتساءلون. والمعنى؛ أى (٤): فإذا أَعيدت الأرواح إلى الأجساد حين البعث والنشور، لا تنفعهم الأنساب؛ لأن التعاطف يزول والود يختفي لاستيلاء؛

стр. 8418

الدهشة والحيرة عليهم، واشتغال كل امرىء بنفسه، كما جاء فى قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: ولأ يسال القريب قريبه، وهو يبصره؛ لاشتغاله بأمر نفسه، كمال قال: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾. ولا يناقض ما (١) هنا قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾؛ لأن عدم التساؤل عند ابتداء النفخة الثانية قبل المحاسبة، والتساؤل بعد ذلك، وأيضًا يوم القيامة يوم طويل، فيه خمسون موطنًا كل موطن ألف سنة، ففي موطن يشتد عليهم الهول والفزع، بحيث يشغلهم عن التساؤل والتعارف، فلا يفطنون لذلك، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون ويتعارفون. قال ابن مسعود ﵁: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة، فينصب على رؤوس الأولين والآخرين، ثم ينادي منادٍ: ألا إن هذا فلان بن فلان، فمن كان له عليه حق .. فليات إلى حقه، فيفرح العبد يومئذٍ أن يثبت له حق على والده، أو ولده، أو زوجته أو أخيه، فلا أنساب بينهم يومئذٍ. وعن قتادة: لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة، عن أن يرى عن يعرفه، أن يثبت له عليه شيء، ثم تلا: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ الآية. قال محمَّد بن علي الترمذي - رحمه الله تعالى -: الإنساب كلها منقطعة، إلا من كانت نسبته صحيحة فى عبودية ربه، فإن تلك نسبة لا تنقطع أبدًا، وتلك النسبة المفتخر بها, لا نسبة الأجناس من الآباء والأمهات والأولاد. فائدة: قال الأصمعي: كنت أطوف بالكعبة فى ليلة مقمرة، فسمعت صوتًا حزينًا فتبعت الصوت، فإذا أنا بشابٍ حسن ظريف، تعلق بأستار الكعبة وهو يقول: نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الملك الحي القيوم، وقد غلقت الملوك أبوابها، وأقامت عليها حرسها وحجابا، وبابك مفتوح للسائلين، فها أنا سائلك ببابك، مذنبًا فقيرًا مسكينًا أسيرًا جئت أنتظر رحمتك، يا أرحم الراحمين،

стр. 8419

ثم أنشا يقول: يَا مَنْ يُجِيْبُ دُعَا الْمُضْطَرِّ فِيْ الظُّلَمِ ... يَا كَاشِفَ الضُّرِّ وَالْبَلْوَى مَعَ السَّقَمِ قَدْ نَامَ وَفْدُكَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَانْتَبَهُوْا ... وَأنْتَ يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ لَمْ تَنَمِ أَدْعُوْكَ رَبِّيْ وَمَوْلاَيَ وَمُسْتَنَدِيْ ... فَارْحَمْ بُكَائِيْ بِحَقِّ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ أَنْتَ الْغَفُوْرُ فَجُدْ لِيْ مِنْكَ مَغْفِرَةً ... وَاعْفُ عَنِّيَ يَا ذَا الْجُوْدِ وَالنِّعَمِ إِنْ كَانَ عَفْوُكَ لاَ يَرْجُوْهُ ذُوْ جُرُمٍ ... فَمَنْ يَجُوْدُ عَلَى الْعَاصِيْنَ بِالْكَرَمِ ثم رفع رأسه نحو السماء وهو ينادي: يا إلهي وسيدي ومولاي، إن أطعتك فلك المنة علي، وإن عصيتك فبجهلي، فلك الحجة علي، اللهم فبإظهار مننك علي، وإثبات حجتك لدي ارحمني، واغفر ذنوبي، ولا تحرمني رؤية جدي وقرة عيني، وحبيبك وصفيك ونبيك محمَّد ﷺ ، ثم أنشأ يقول: أَلاَ أَيُّهَا الْمَامُوْلُ فِيْ كُلِّ شِدَّةٍ ... إِلَيْكَ شَكَوْتُ الضُّرَّ فَارْحَمْ شِكَايَتِيْ ألاَ يَا رَجَائِيْ أنْتَ كَاشِفُ كُرْبَتِيْ ... فَهَبْ لِيْ ذُنُوْبِيْ كُلَّهَا وَاقْضِ حَاجَتِيْ فَزَادِيْ قَلِيْلٌ مَا أَرَاهُ مُبَلِّغِيْ ... عَلَى الزَّادِ أَبْكِيْ أَمْ لِبُعْدِ مَسَافَتِيْ أتَيْتُ بِأعْمَالٍ قِبَاحٍ رَدِيْئَةٍ ... وَمَا فِيْ الْوَرَى خَلْقٌ جَنَى كَجِنَايَتِيْ فكان يكرر هذه الأبيات حتى سقط على الأرض مغشيًا عليه، فدنوت منه، فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فوضعت رأسه فى حجري، وبكيت لبكائه بكاءً شديدًا عليه، فقطر من دموعي على وجهه، فأفاق من غشيته وفتح عينيه وقال: من الذي شغلني عن ذكر مولاي؟ فقلت: أنا الأصمعي يا سيدي، ما هذا البكاء وما هذا الجزع؛ وأنت من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، أليس الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؛ قال: فاستوى جالسًا وقال: يا أصمعي، هيهات! إن الله تعالى خلق الجنة لمن أطاعه، وإن كان عبدًا حبشيًا، وخلق النار لمن عصاه، وإن كان ملكًا قرشيًا. أما سمعت قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.

стр. 8420

١٠٢ - ثم شرع سبحانه يبين أحوال السعداء، وأحوال الأشقياء حينئذٍ، فقال: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾؛ أي: فمن رجحت موزونات حسناته وأخلاقه من العقائد والأعمال؛ أي: فمن كان له عقائد صحيحة، وأعمال صالحة يكون لها وزن وقدر عند الله تعالى، فهو جمع موزون، بمعنى العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى .. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الفائزون بمطالبهم المحبوبة، الناجون من الأمور التي يخافونها. ولما كان لفظ ﴿من﴾ يصلح للواحد والجمع، وحد على اللفظ فى قوله: ﴿موازينه﴾، وجمع على المعنى فى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ١٠٣ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ وهي أعماله الصالحة؛ أي: ومن لم يكن له من العقائد والأعمال ما له وزن وقدر عند الله تعالى، وهم الكفار لقوله تعالى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: ضيعوها (١) وتركوا ما ينفعها بتضييع زمان استكمالها، وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها، ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من صلة الموصول، أو خبر ثانٍ لاسم الإشارة؛ أي: ماكثون فيها مكثًا مؤبدًا. ١٠٤ - وجملة قوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ مستأنفة، ويجوز أن تكون فى محل نصب على الحال من الضمير المستكن فى خالدون، أو تكون خبرًا آخر لأولئك؛ أي: تضربها وتأكل لحومها، وتحرق جلودها. يقال: لفحته النار بحرها إذا أحرقته كما فى "القاموس". واللفح كالنفخ، إلا أنه أشد تاثيرًا، كما فى "الإرشاد" وغيره، وخص الوجوه بذلك؛ لأنها أشرف الأعضاء، وأعظم ما يصان منها، فبيان حالها أزجر عن المعاصي المؤدية إلى النار، وهو السر فى تقديمها على الفاعل. ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: فى جهنم ﴿كَالِحُونَ﴾؛ أي: متقلصوا الشفتين عن الأسنان من شدة الاحتراق، والكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان وظهورها، كما ترى ذلك فى الرؤوس المشوية. وفي الحديث (٢): "تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلع وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تبلع سرته". أخرجه

стр. 8421

الترمذي عن أبي سعيد الخدري، وقال: حديث حسن صحيح غريب. وقرأ أبو حيوة وأبو بحرية وابن أبي عبلة ﴿كلحون﴾ بغير ألف. ١٠٥ - وجملة قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ مقول لقول محذوف، تقديره: فيقال لهم: تعنيفًا وتوبيخًا وتذكيرًا، لما به استحقوا، ما ابتلوا به من العذاب: ألم تكن آياتي المنزلة تقرأ عليكم فى الدنيا، تبين لكم بالدلائل الواضحة، كيفية سلوك الطريق الحق ﴿فَكُنْتُمْ بِهَا﴾؛ أي: بآياتي تكذبون فصرتم مستحقين للعذاب الأليم، يعني قوارع القرآن وزواجره تخوفون بها فى الدنيا فلا تنتهون بها، فصرتم اليوم مستحقين للعذاب الأليم بسبب تكذيبها، والاستفهام فيها للتقرير المضمن للتوبيخ والتقريع، ١٠٦ - وجملة قوله: قالوا: يا ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا﴾ ملكتنا ﴿شِقْوَتُنَا﴾ وآثامنا التي اقترفناها بسوء إختيارنا، فصارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة. مستأنفة واقعة فى جواب سؤال مقدر، فكأنه قيل: فماذا قالوا بعد التوبيخ المذكور، فقيل: قالوا: ربنا ... إلخ. قال القرطبي: وأحسن (١) ما قيل: فى معناه: غلبت علينا لذاتنا، وأهواؤنا، فسمى اللذات، والأهواء شقوة؛ لأنهما تؤديان إليها، فأطلق اسم المسبب على السبب، قال أبو تراب: الشقوة حسن الظن بالنفس، وسوء الظن بالخلق. وقرأ عبد الله والحسن وقتادة وحمزة والكسائي والمفضل عن عاصم، وأبان والزعفراني وابن مقسم (٢): ﴿شقاوتنا﴾ بوزن السعادة، وهي لغة فاشية. وقرأ قتادة أيضًا والحسن فى رواية خالد بن حوشب عنه كذلك، إلا أنه بكسر الشين. وباقي السبعة والجمهور بكسر الشين وسكون القاف، وهي لغة كثيرة فى الحجاز. قال الفراء: أنشدني أبو شروان، وكان فصيحًا: عُلِّقَ مِنْ عَنَائِهِ وَشِقوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِيْ عَشْرَ مِنْ حُجَّتِهْ وقرأ شبل فى "اختياره" بفتح الشين وسكون القاف. ﴿وَكُنَّا﴾ بسبب ذلك

стр. 8422

﴿قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الحق، ولذلك فعلنا ما فعلنا من التكذيب وسائر المعاصي. والخلاصة (١): إنا كنا نعرف الحق، ولكن العادة وخشية الناس ملكتا علينا أمرنا، فلم نقدر على الخلاص مما نحن فيه، وما مثلنا إلا مثل شاربي الخمر، والمولعين بحب الكبرياء والعظمة، والمغرمين بالإسراف، فإنهم يعرفون أضرارها، ثم لا يجدون سبيلًا إلى تركها ولا للبعد عنها. ١٠٧ - ثم طلبوا ما لا يجابون إليه، فقالوا: ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾؛ أي: من النار، ومن هذه الدار إلى دار الدنيا ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ ورجعنا إلى الأعمال السيئة، وما كنا عليه من الكفر وعدم الإيمان ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا بالعود إلى ذلك. ١٠٨ - فأجاب الله عليهم بقوله: ﴿قَالَ﴾ تعالى لهم بطريق القهر، على لسان مالك، بعد قدر الدنيا مرتين، وقدرها قيل: سبعة آلاف سنة، بعدد الكواكب السيارة. وقيل: اثنا عشر ألف مشة بعدد البروج، وقيل: ثلاث مئة ألف سنة وستون ألف سنة بعدد أيام السنة. اهـ. من تذكرة القرطبي. ﴿اخْسَئُوا﴾؛ أي: ذلوا ﴿فِيهَا﴾؛ أي: فى النار، واسكتوا سكوت هوان، فإنها ليست مقام سؤال، وانزجروا انزجار الكلاب إذا زجرت، من خسأة الكلب إذا زجرته وطردته مستهينًا به فخسأ؛ أي: انزجر. وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخطٍ، وابعدوا بعد الكلب. فالمعنى على هذا أبعدوا فى جهنم، كما يقال للكلب إخسأ؛ أي: أبعد. ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾؛ أي: فى إخراجكم من النار، ورجوعكم إلى الدنيا، فإنه لا يكون أيدًا، أو فى رفع العذاب عنكم، وقيل: لا تكلمون رأسًا. والمعنى (٢): أي قالوا: ربنا أخرجنا من النار، وارددنا إلى الدنيا، فإن عدنا إلى مثل ما سلف منا من الشرور والأثام كنا ظالمين لأنفسنا، جديرين بالعقوبة. ثم ذكر ما أجيبوا به عن طلبهم هذا، فقال: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾؛ أي: قال: امكثوا فيها أذلاء صاغرين، واسكتوا ولا تعودوا إلى مثل سؤالكم

стр. 8423

هذا، فإنه لا رجعة لكم إلى الدنيا، وإنما يكلمني من سمت نفسه إلى عالم الأرواح، ولبس رداء الخوف والخشية من ربه، واحتقر الدنيا وشهواتها، وعزف عنها لما يرجوه من ربه من ثواب عميم ونعيم مقيم. ١٠٩ - ثم بين سبحانه السبب فيما نالهم من العذاب، فقال: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشأن والحال، وقرأ أبيّ بفتح الهمزة؛ أي: لأنه ﴿كَانَ فَرِيقٌ﴾؛ أي: طائفة ﴿مِنْ عِبَادِي﴾ المؤمنين. قيل: هم الصحابة. وقيل: هم المهاجرون. وقيل: هم أهل الصفة ﴿يَقُولُونَ﴾ فى الدنيا ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾؛ أي: صدقنا بك، وبجميع ما جاء من عندك ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾؛ أي: استر ذنوبنا ﴿وَارْحَمْنَا﴾؛ أي: وانعم علينا بنعمتك، التي من جملتها الفوز بالجنة، والنجاة من النار ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ وأفضلهم وأرحم علينا من الوالدين؛ لأن رحمتك منبع كل رحمة ١١٠ - ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: فجعلتموهم ﴿سخريًا﴾؛ أي: مهزوءًا بهم تسخرون منهم وتستهزئون بهم؛ أي: فاتخذتموهم هزأة تهزؤون منهم، وهذا محط التعليل الذي سيقت له ﴿إنّ﴾؛ لأن جملة ﴿إنّ﴾ تعليل لما قبلها من الزجر عن دعائهم بالخروج منها، بقوله ولا تكلمون؛ أي: اسكتوا عن الدعاء، بقولكم: ربنا أخرجنا إلخ؛ لأنكم كنتم تستهزؤون بالداعين بقولهم ربنا آمنا إلخ. وتتشاغلون باستهزائهم، ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ﴾؛ أي: حتى أنساكم الاستهزاء بهم، فإن أنفسهم ليست سبب الإنساء ﴿ذِكْرِي﴾؛ أي: ذكركم إياي والخوف منى، والعمل بطاعتي من فرط اشتغالكم باستهزائهم فلم تخافوني فى أوليائي ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ فى الدنيا استهزاء بهم، وذلك غاية الاستهزاء، وقال مقاتل: نزلت فى بلال وعمار وخباب وصهيب وأمثالهم من فقراء الصحابة، كان كفار قريش كأبي جهل وعتبة وأبي بن خلف وأضرابهم يستهزئون بهم وبسلامهم، ويؤذونهم. وقرأ حمزة والكسائي ونافع (١): ﴿سُخريًا﴾ بضم السين، وباقي السبعة بالكسر. وقال ابن عطية: وقرأ أصحاب عبد الله وابن أبي إسحاق والأعرج بضم

стр. 8424

السين كل ما فى القرآن. وقرأ الحسن وأبو عمرو بالكسر، إلا التي فى الزخرف فإنهما ضما السين كما فعل الناس. انتهى. والخلاصة (١): إنكم أضفتم إلى سيئاتكم الاستهزاء بمن يفعلون الحسنات، ويتقربون إلى رب الأرض والسماوات. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾. ١١١ - ثم ذكر ما جازى به أولئك المستضعفين فقال: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ﴾؛ أي: أولئك الفريق ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني: يوم الآخرة ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: بسبب صبرهم على إِذايتكم إياهم. والصبر: حبس النفس عن الشهوات، وعلى المشاق. ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بفتح همزة أن ثاني مفعولي الجزاء؛ أي: جزيتهم بسبب صبرهم فوزهم بمجامع مراداتهم، مخصوصين به. وعلى كسرها مفعول الجزاء الثاني محذوف. وجملة إن مسوقة للتعليل، والتقدير: إني جزيتهم اليوم النعيم المقيم؛ لأنهم هم الفائزون بمراداتهم. والخلاصة: أنهم صبروا فجوزوا أحسن الجزاء. وقرأ زيد بن علي وحمزة والكسائي، وخارجة عن نافع ﴿إنهم هم﴾ بكسر الهمزة. وباقي السبعة بالفتح، ومفعول جزيتهم الثاني محذوف، تقديره: الجنة، أو رضواني. وقال الزمخشري: فى قراءة من قرأ ﴿أنهم﴾ بالفتح هو المفعول الثاني؛ أي: جزيتهم فوزهم، انتهى. والظاهر أنه تعليل؛ أي: جزيتهم لأنهم. والكسر هو على الاستئناف، وقد يراد به التعليل، فيكون الكسر مثل الفتح من حيث المعنى، فإن الاستئناف يعلل به أيضًا، لا من حيث الإعراب؛ لاضطرار المفتوحة إلى عامل. وفي "التأويلات النجمية": وفيه (٢) من اللطائف أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله من الله، ينتفعون بإنكار منكريهم، واستخفاف

стр. 8425

مستهزئيهم. وأن أهل الشقاوة كما يخسرون بمعاملاتهم الفاسدة مع أنفسهم، يخسرون باستهزائهم وإنكارهم على الناصحين المرشدين. ١١٢ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى، تذكيرًا لما لبثوا فيما سألوا الرجوع إليه، من الدنيا بعد التنبيه على استحالته بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾؛ أي: قال الله لهم بلسان مالك ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ وأقمتم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ التي تدعون أن ترجعوا إليها. يقال لبث بالمكان، إذا أقام به ملازمًا له. ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ تمييز (١) لكم، لما فى كم من الإبهام، و ﴿سنين﴾ بفتح النون على أنها نون الجمع. ومن العرب من يخفضها وبنونها. والمراد بالأرض هي الأرض التي طلبوا الرجوع إليها، ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوه فى الحياة، وفي القبور. والاستفام هنا إنكاري لتوبيخهم بإنكار الآخرة. اهـ. "شهاب". وقال زاده: القصد من هذا الاستفهام التبكيت، والإلزام؛ لأنهم كانوا ينكرون اللبث فى الآخرة رأسًا لإنكارهم للبعث. وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير (٢): ﴿قل كم﴾ والمخاطب ملك يسألهم، أو بعض أهل النار. وقرأ باقي السبعة ﴿قَالَ﴾ والقائل الله تعالى، أو المأمور بسؤالهم من الملائكة. وقال الزمخشري: ﴿قَالَ﴾ فى مصاحف أهل الكوفة. و ﴿قل﴾ فى مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام. وقال ابن عطية: وفي المصاحف قال فيهما إلا فى مصحف الكوفة، فإن فيه ﴿قل﴾ بغير ألف، وتقدم إدغام ثاء لبثت فى البقرة. وعبارة "زاد المسير" هنا وأبو عمرو وحمزة والكسائي يدغمون ثاء ﴿لبثتم﴾، والباقون لا يدغمونها فمن أدغم فلتقارب الثاء والتاء، ومن لم يدغم فلتباين المخرجين. إنتهى. سألهم سؤال توقيف على المدة. وقرأ الجمهور ﴿عدد سنين﴾ على الإضافة، و ﴿كم﴾ فى موضع نصب على ظرف الزمان، وتمييزها عدد. وقرأ

стр. 8426

الأعمش والمفضل عن عاصم ﴿عددًا﴾ بالتنوين، والمعنى؛ أي: قال الملك المأمور بسؤالهم: كم لبثتم فى الأرض والدنيا التي تطلبون أن ترجعوا إليها عددًا من السنين، والغرض من هذا السؤال: التبكيت؛ لأنم كانوا لا يعدون اللبث إلا فى دار الدنيا، ويظنون أن الفناء يدوم بعد الموت، ولا إعادة. فلما حصلوا فى النار، وأيقنوا أنهم مخلدون فيها، سألهم الله: كم لبثتم فى الأرض، فإنهم فيها تمكنوا من العلم والعمل، تذكيرًا لهم بأن الذي ظنوه طويلًا فهو قليل بالنسبة إلى ما أنكروه، فحينئذٍ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه فى الدنيا، حيث أيقنوا خلافه، ١١٣ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال أهل النار جوابًا لسؤال ربهم ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ ثم شكوا فى ذلك فقالوا: ﴿أَوْ﴾ لبثنا ﴿بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصارًا لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى دخولهم فى النار، أو لأنها كانت أيام السرور وأيام السرور قصار، أو لأنها منقضية، والمنقضي كالمعدوم، وقد اعترفوا بالنسيان، حيث قالوا: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾؛ أي: الذين يعلمون عدد أيام الدنيا وساعاتها أو الذين يحصون الأعمال وأوقات الحياة والممات إن أردت تحقيقها فإنا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها. وفي "التأويلات النجمية": ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ يعني: الذين يعدون أنفاسنا وأيامنا وليالينا، من الملائكة الموكلين علينا. اهـ. وقال قتادة: يعني الحساب. وقرأ الحسن والزهري وأبو عمران الجوني والكسائي: ﴿الْعَادِّينَ﴾ بتخفيف الدال؛ أي: الظلمة رؤساءنا الذين أضلونا. وقرىء: ﴿العاديين﴾ بياء مشددة، جمع عادى؛ أي: القدماء المعمرين. ١١٤ - ﴿قَالَ﴾ الله سبحانه لهم بلسان مالك ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾؛ أي: ما لبثتم فى الدنيا ﴿إِلَّا﴾ زمانًا ﴿قَلِيلًا﴾ تصديقًا لم فى تقليلهم لسني لبثهم فى الدنيا. وقليلًا صفة مصدر محذوف؛ أي: لبثًا قليلًا، أو زمان محذوف؛ أي: زمانًا قليلًا ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ شيئًا من العلم، لعلمتم يومنذٍ قلة لبثكم فى الدنيا، كما علمتم اليوم.

стр. 8427

وفي "بحر العلوم": أي لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول، لما أجبتم بهذه المدة، وفي "المراح": لو كنتم تعلمون أن لبثكم فى الآخرة لا نهاية له .. لأصلحتم أعمالكم فى الدنيا, ولتقربتم بها إلى الله تعالى. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر (١): ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾. وقرأ حمزة والكسائي ﴿قل إن لبثتم﴾ على معنى: قل أيها السائل عن لبثهم. وزعموا أن فى مصحف أهل الكوفة ﴿قل﴾ فى الموضعين. فقرأهما حمزة والكسائي على ما فى مصاحفهم. وحاصل معنى الآية (٢): أنه قد نسي هؤلاء الأشقياء مدة لبثهم فى الدنيا، لعظيم ما هم فيه من النبلاء والعذاب، وقصر عندهم الأمد الذي مكثوه فيها ما حل بهم من نعمة الله، حتى حسبوا أنهم لم يمكثوا إلا يومًا أو بعض يوم، ولعل بعضهم يكون قد أقام بها الزمان الطويل والسنين الكثير. ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾؛ أي: فأسأل الحفظة العارفين لأعمال العباد وأعمارهم. كما روي ذلك جماعة عن مجاهد ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾؛ أي: قال لهم الملك: ما لبثتم إلا زمنًا يسيرًا، ولو كنتم تعلمون شيئًا من العلم، لعملتم على مقتضى ذلك، ولما صدر منكم ما أوجب خلودكم فى النار، ولما قلنا لكم: اخسئوا فيها ولا تكلمون. روي مرفوعًا: "أن الله تعالى إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة كم لبثتم فى الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال: لنعم ما أنجزتم فى يوم أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أهل النار، كم لبثتم فى الأرض عدد سنين؛ قالوا: لبثنا يومًا، أو بعض يوم، فيقول: بئسما أنجزتم فى يوم أو بعض يوم ناري وسخطي، امكثوا فيها خالدين مخلدين".

стр. 8428

فعلى العاقل (١) أن يتدارك حاله، ويصلح أعماله، قبل أن تنفد الأنفاس، وينهدم الأساس. وقيل شعرًا: أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلِّ سَحَابَةٍ ... أَظَلَّتْكَ يَوْمًا ثُمَّ عَنْكَ اضْمَحَلَّتِ فَلاَ تَكُ فَرْحَانًا بِهَا حِيْنَ أَقْبَلَتْ ... وَلاَ تَكُ جَزْعَانَاَ بِهَا حِيْنَ وَلَّتِ قال بعضهم: لا تركنن إلى الدنيا فإنها لا تبقى على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة لا تنال إلا بها. وقال الزمخشري: استغنم تنفس الأجل وإمكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك فى أجل محدود، وعمر غير ممدود. وقال بعضهم: لو علمت أن ما فات من عمرك لا عوض له .. لم يصح منك غفلة ولا إهمال. ولكنت تأخذ بالعزم والحزم، بحيث تبادر الأوقات وتراقب الحالات خوف الفوات عاملًا على قول القائل: السِّبَاقَ السِّبَاقَ قَوْلًا وَفِعْلًا ... حَذِّرِ النَّفْسَ حَسْرَةَ الْمَسْبُوْقِ وما حصل من عمرك، إذا علمت أن لا قيمة له كنت تستغرق أوقاتك فى شكر الحاصل وتحصيل الواصل. قال عليّ ﵁: بقية عمر المرء ما لها ثمن، يدرك به منها ما فات، ويحيي ما مات. وقد جاء فى الخبر: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ"، ومعناه: أن الصحيح ينبغي أن يكون مشغولًا بدين أو دنيا، فهو مغبون فيهما. ١١٥ - ثم زاد فى توبيخهم على تماديهم فى الغفلة، وتركهم النظر الصحيح، فيما يرشد إلى حقية البعث والقيامة، فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ الهمزة (٢): فيه للاستفهام الإنكاري، المضمن للتوبيخ، داخله على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف. والحِسبان بالكسر الظن. وعبثًا حال من نون العظمة، بمعنى عابثين، وهو ما ليس لفاعله غرض صحيح، أو ارتكاب أمر غير معلوم الفائدة. والتقدير: أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم، أنا خلقناكم بغير حكمة، ولا ثواب ولا عقاب. ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ عطف على إنما

стр. 8429

خلقناكم؛ أي: وحسبتم عدم رجوعكم إلينا، يعني: أن الحكمة من خلقكم الأمر بالعمل، ثم البعث للجزاء. ومعنى الرجوع إلى الله إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه. قال الترمذي: إن الله خلق الخلق ليعبدوه، فيثيبهم على العبادة، ويعاقبهم على تركها. فإن عبدوه .. فإنهم عبيد أحرار، كرام عن رق الدنيا، ملوك فى دار السلام. وإن رفضوا العبودية .. فهم اليوم عبيد أُبَّاق، سقاط لئام، وغدًا أعداء فى السجون، بين أطباق النيران. والمعنى: أي (١) أظننتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم إذ خلقناكم لعبًا وباطلًا، كلا، بل خلقناكم لنهذبكم ونعلمكم، لترتقوا إلى عالم أرقى مما أنتم فيه، لا كما ظننتم أنكم لا ترجعون إلينا للحساب والجزاء. وفي هذا إشارة إلى أن الحكمة تقتضي تكليفم وبعثهم لمجازاتهم على ما قدموا من عمل، وأسلفوا من سعي فى الحياة الدنيا. حكاية وعن بهلول (٢) قال: كنت يومًا فى بعض شوارع البصرة، فإذا بصبيان يلعبون بالجوز واللوز، وإذا أنا بصبي ينظر إليهم ويبكي، فقلت: هذا صبي يتحسر على ما فى أيدي الصبيان، ولا شيء معه فيلعب به، فقلت: أي بني ما يبكيك، أشتري لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان؛ فرفع بصره إليّ، وقال: يا قليل العقل، ما للعب خلقنا؟ فقلت: أي بني لماذا خلقنا؟ فقال: للعلم والعبادة، ققلت: من أين لك ذلك، بارك الله فيك، قال: من قول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ قلت: أي بني أراك حكيمًا فعظني وأوجز، فأنشا يقول: أَرَى الدُّنْيَا تُجَهِّزُ بِانْطِلاَقِ ... مُشَمِّرَةً عَلَى قَدَمٍ وَسَاقِ

стр. 8430

فَلاَ الدُّنْيَا بِبَاقِيَةٍ لِحَيِّ ... وَلاَ حَييٌّ عَلَى الدُّنْيَا بِبَاقِ كَأَنَّ الْمَوْتَ وَالْحَدَثَانِ فِيْهَا ... إلى نَفْسِ الْفَتَى فَرَسَا سِبَاقِ فَيَا مَغْرُوْرُ بِالدُّنْيَا رُويدًا ... وَمِنْهَا خُذْ لِنَفْسِكَ بِالْوِثَاقِ ثم رمق السماء بعينيه، وأشار إليها بكفيه، ودموعه تتحدر على خديه، وهو يقول: يَا مَنْ إِلَيْهِ الْمُبْتَهَلْ ... يَا مَنْ عَلَيْهِ الْمُتَّكَلْ يَا مَنْ إِذَا مَا آمِلٌ ... يَرْجُوْهُ لَمْ يُخْطِ الأَمَلْ قال: فلما أتمّ كلامه، خر مغشيًا عليه، فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب عن وجهه بكمي، فلما أفاق قلت له: أي بني ما نزل بك وأنت صبي صغير، لم يكتب عليك ذنب؟ قال: إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار، فلا تتقد إلا بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم، قال: فسألت عنه؛ فقالوا: ذلك من أولاد الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁. قلت: قد عجبت من أن تكون هذه الثمرة إلا من تلك الشجرة. نفعنا الله تعالى بعلمه، وبعلوم آبائه، آمين. وقرأ الأخوان حمزة والكسائي (١) ﴿لَا تُرْجَعُونَ﴾ بفتح التاء مبنيًا للفاعل. وقرأ باقي السبعة ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، بضم التاء مبنيًّا للمفعول. وقيل (٢): إنه يجوز عطف , ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ على ﴿عَبَثًا﴾ معنى: إنما خلقناكم للعبث ولعدم الرجوع. ١١٦ - ثم نزّه الله نفسه عما يصفه به المشركون، فقال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ سبحانه؛ أي: ترفع بذاته عن كل ما لا يليق به، من الصاحبة والولد والشريك، وتنزه عن مماثلة المخلوقين فى ذاته وصفاته وأفعاله، وعن خلو أفعاله عن الحكم

стр. 8431

والمصالح والغايات الجليلة. ﴿الْمَلِكُ﴾؛ أي: الذي (١) يحق له الملك على الإطلاق إيجادًا وإعدامًا، بدأً واعادةً واحياءً واماتةً وعقابًا وإثابةً، وكل ما سواه مملوك له، مقهور تحت ملكه العظيم. قال الغزالي ﵀: الملك هو الذي يستغني فى ذاته وصفاته وأفعاله عن كل موجود، ويحتاج إليه كل موجود. ﴿الْحَقّ﴾؛ أي: الثابت الوجود فى ذاته وصفاته وأفعاله. وفي المفردات ﴿الحق﴾ موجود الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة. وعبارة "المراح" هنا: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾؛ أي (٢): تبرأ الله سبحانه عن العبث، وعن خلو أفعاله عن المصالح والغايات الحميدة، ﴿الْمَلِكُ﴾؛ أي: المتصرف فى كل شيء ﴿الْحَقّ﴾؛ أي: الثابت الذي لا يزول ملكه ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق فى الوجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾ ، فإن كل ما عداه عبيده. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فكيف لا يكون إلهًا وربًا لما هو دون العرش الكريم من المخلوقات، وإنما خص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. ووصف (٣) العرش بالكريم، لنزول الرحمة والخير منه، أو باعتبار من استوى عليه، كما يقال: بيت كريم، إذا كان ساكنوه كرامًا. وقيل: معنى الكريم الرفيع المرتفع كما فى "الخازن". وقال ابن الجوزي: والكريم فى صفة الجهاد الحسن. اهـ. وقرأ أبان بن تغلب وابن محيصن وأبو جعفر وإسماعيل عن ابن كثير ﴿الْكَرِيمِ﴾ بالرفع على أنه صفة لرب، أو صفة للعرش، ويكون مقطوعًا على معنى المدح. وقرأ الباقون، بالجر على أنه نعت للعرش. وقال القرطبي: وليس فى القرآن وصف العرش بالكريم فى غير هذا الموضع. اهـ. وإنما وصف العرش هنا بالكريم وفيما تقدم بالعظيم للتفنن، أو لمناسبة السياق؛ لأن السياق هنا فى ذكر الرحمة والغفران، والكرم يناسبها، وفيما تقدم

стр. 8432

فى إثبات الربوبية والتصرف له تعالى والعظمة تناسبها. هكذا ظهر لى بعد الإمعان. والله أعلم بأسرار كتابه. ومعنى الآية: أي تنزه ربنا ذو الملك والملكوت الذي لا يزول، وليس هناك معبود سواه، وهو ذو العرش الكريم، الذي يدبر فيه نظام الكون علويه وسفليه، وجميع ما خلق عن أن يخلق الخلق عبثًا، وأن تخلو أفعاله عن الحكم والمقاصد الحميدة، وأن يكون له ولد أو شريك. ١١٧ - وبعد أن ذكر أنه الملك الحق الذي لا إله إلا هو .. أتبعه ببيان أن من ادعى أن فى الكون إلهًا سواه .. فقد ادعى باطلًا، وركب شططًا. فقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ﴾ ويعبد ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ الذي لا إله إلا هو. ﴿إِلَهًا آخَر﴾ إفرادًا أو اشتراكًا. ﴿لَا بُرْهَان﴾ ولا حجة ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك العابد. ﴿بِهِ﴾؛ أي: على عبادته معه. فالباء بمعنى على. وجملة (١) لا برهان، صفة لازمة لإلهًا. كقوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ إذ لا يكون فى الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان، إذ الباطل ليس له برهان. جيء بها للتأكيد وبناء الحكم عليها، تنبيهًا على أن الدين بما لا دليل عليه باطل، فكيف بما شهدت بداهة العقول بخلافه. وجواب الشرط قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وجملة إلا برهان له به معترضة بين الشرط والجزاء؛ أي: فإنما جزاؤه وعقابه على تلك الفعلة القبيحة، معد له عند ربه فى الآخرة، مجاز له على قدر ما يستحقه. وقيل: إن جواب الشرط قوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، على حذف فاء الجزاء، كقول الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن الشأن والحال ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ ولا يفوز ولا يسعد ﴿الْكَافِرُونَ﴾ بعبادة غير الله سبحانه معه، مستأنفة مسوقة لتعليل جواب الشرط؛ أي: وإنما كان عذابه مدخرًا له فى الآخرة؛ لأنه لا ينجو يومئذٍ من سوء الحساب وأليم العذاب.

стр. 8433

وقرأ الحسن (١) وقتادة بفتح همزة أن من قوله: ﴿أنه لا يفلح﴾ على التعليل؛ أي: لا يفلح هو، فوضع الكافرون موضع الضمير، حملًا على معنى من؛ لأن من يدع فى معنى الجمع. وقرأ الجمهور: بالكسر على الاستئناف. وقرأ الحسن: ﴿يفلح﴾ بفتح الياء واللام مضارع فلح بمعنى أفلح، ففعل وأفعل فيه بمعنى واحد. والمعنى (٢): أي ومن يعبد مع ذلك المعبود، الذي لا تصلح العبادة إلا له، معبودًا آخر لا بينة له به، فجزاؤه مهيأ له عند ربه فى الآخرة، وهو موفيه ما يستحقه من جزاء وعقاب. وفي ذلك من شديد التوبيخ والتقريع ما لا يخفى. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾؛ أي: إنه سبحانه لا يسعد أهل الشرك، ولا ينجيهم من العذاب، وما ألطف افتتاح السورة بفلاح المؤمنين وختمها بخيبة الكافرين، وعدم فوزهم بما يؤملون. فانظر تفاوت ما بين الافتتاح والاختتام. ١١٨ - وبعد أن شرح أحوال الكافرين وجهلهم فى الدنيا وعذابهم فى الآخرة .. أمر رسوله بالانقطاع إليه والالتجاء إلى غفرانه ورحمته بقوله: ﴿وَقُلْ﴾ أيها الرسول ﴿رَبِّ اغْفِرْ﴾. وقرأ ابن محيصن ﴿رب﴾ بضم الباء؛ أي: يا رب استر ذنوبي بعفوك عنها ﴿وَارْحَمْ﴾؛ أي: وارحمني بقبول توبتي، وترك عقابي على ما اجترحت من آثام وأوزار. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾؛ أي: وأنت ربنا خير من رحم ذا ذنب , فقبل توبته وتجاوز عن عقابه، إنك ربنا خير غافر، وإنك المتولي للسرائر، والمرجو لإصلاح الضمائر. أخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن حبان فى جماعة عن أبي بكر أنه قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به فى صلاتي. قال: "قل: اللهم إفي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".

стр. 8434

واعلم: أنه سبحانه أمر (١) رسوله ﷺ ، بالاستغفار وا لاسترحام، إيذانًا بأنهما من أهم الأمور الدينية، حيث أمر به، من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بمن عداه، كما قال: فى "التأويلات النجمية" الخطاب مع محمَّد ﷺ يشير إلى أنه مع كمال محبوبيته، وغاية خصوصيته، ورتبة نبوته ورسالته محتاج إلى مغفرته ورحمته، فكيف بمن دونه وبمن يدعو مع الله إلهًا آخر؛ أي: فلا بدّ لأمته من الاقتداء به فى هذا الدعاء. والله أعلم بأسرار كتابه. الإعراب ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمَّد، والجملة مستأنفة. ﴿إِمَّا تُرِيَنِّي﴾: إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾: مقول محكي. وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء فى محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِمَّا﴾: ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿ما﴾: زائدة. ﴿تُرِيَنِّي﴾: فعل مضارع فى محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر، يعود على الله، والنون للوقاية، وياء المتكلم فى محل النصب مفعول أول له. و ﴿مَا﴾: مفعول ثان له، فهي بصرية تعدت لمفعولين بواسطة الهمزة؛ لأنه من أرى الرباعي. ﴿يُوعَدُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يوعدون به من العذاب. ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وكرر مبالغةً فى التضرع والابتهال إلى الله سبحانه. ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية، (لا) دعائية جازمة. ﴿تَجْعَلْنِي﴾: فعل

стр. 8435

مضارع وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بـ ﴿لا﴾ الدعائية. والنون للوقاية، وياء المتكلم فى محل النصب مفعول أول. ﴿فِي الْقَوْمِ﴾: جار ومجرور فى محل المفعول الثاني. و ﴿فِي﴾: بمعنى مع ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة للقوم، والجملة الفعلية فى محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: فى محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾. ﴿وَإِنَّا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إنا﴾: ناصب واسمه. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿نُرِيَكَ﴾: فعل مضارع ومفعول أول، منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مَا﴾: مفعول ثان ﴿لنرى﴾، وتقدم القول: فى أرى البصرية آنفًا. ﴿نَعِدُهُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعله ضمير مستتر فيه، يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما نعدهم به. والجملة الفعلية صلة ﴿أَن﴾ المصدرية، أن مع صلتها فى تأويل مصدر مجرور بعلى، تقديره: على إراءتك ﴿مَا نَعِدُهُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿قادرون﴾. ﴿لَقَادِرُونَ﴾: ﴿اللام﴾: لام الابتداء زحلقت إلى الخبر. ﴿قادرون﴾: خبر ﴿إنا﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿ادْفَعْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر على محمَّد، والجملة مستأنفة مسوقة لحث النبي ﷺ على الصفح عن مساءتهم. ﴿بِالَّتِي﴾: جار ومجرور متعلق بادفع. ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبر. والجملة صلة الموصول. ﴿السَّيِّئَةَ﴾: مفعول به. ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾. ﴿يَصِفُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما يصفونه. ويجوز أن تكون ما مصدرية؛ أي: بوصفهم لك، وسوء ذكرهم، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾. ﴿وَقُلْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قُل﴾: أمر وفاعل مستتر يعود على محمد.

стр. 8436

والجملة معطوفة على جملة قل الأول. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء فى محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿أَعُوذُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ والجملة الفعلية فى محل النصب مقول ﴿قُل﴾ على كونها جواب النداء. ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَعُوذُ﴾ الأول. ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ﴾: منادى مضاف، كرر اعتناء بالاستعاذة. ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾: ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يَحْضُرُون﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسمة، و ﴿الواو﴾: فاعل. و (النون): للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزىء عنها بكسرة نون الوقاية ولرعاية الفاصلة، فى محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأعوذ بك رب من حضورهم إياي. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء لدخولها على الجملة التي تبدًا بها، وحرف غاية لكونها غاية لمحذوف. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. والجملة الفعلية فى محل الخفض، فبإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على الأحد، وجملة ﴿قَالَ﴾: جوابـ ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا فى محل الجر بحتى الواقعة غاية لمحذوف، تقديره: ويستمر كفار مكة على التكذيب أو على الوصف المذكور إلى قول أحدهم رب ارجعون وقت مجيء الموت إياه، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء فى محل النصب مقول قال: ﴿ارْجِعُونِ﴾: فعل دعاء مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، و (النون): للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، اجتزىء عنها بكسرة نون الوقاية، فى محل النصب مفعول به.

стр. 8437

والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، وإنما جمع ضميو الفاعل فى ﴿ارْجِعُونِ﴾ مع كون المخاطب واحدًا، وهو الله سبحانه للتعظيم. ﴿لَعَلِّي﴾: ﴿لعل﴾: حرف نصب وترج. والياء: ضمير المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿أَعْمَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر، تقديره: أنا، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به أو مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب الطلب المذكور قبلها. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور صفة لصالحًا؛ أي: صالحًا بدلًا عما تركت، أو متعلق بـ ﴿أَعْمَلُ﴾: ﴿تَرَكْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ والعائد محذوف، تقديره: فيما تركته. ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر. ﴿إِنَّهَا﴾: ناصب واسمه. ﴿كَلِمَةٌ﴾: خبرها. ﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾: مبتدأ وخبر. والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿كَلِمَةٌ﴾. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر مقدم. ﴿بَرْزَخٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿إِلَى يَوْمِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَرْزَخٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿يُبْعَثُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمِ﴾؛ أي: إلى يوم بعثهم. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿نُفِخَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿فِي الصُّورِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بما فى الجواب من معنى النفي، وانتفى ذلك النسب وقت النفخ فى الصور. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ الشرطية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَنْسَابَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾؛ أي: فلا أنساب كائنة بينهم، وجملة ﴿لا﴾ جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿يَوْمَئِذٍ وَلَا

стр. 8438

يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية، وهو مضاف. ﴿إذا﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه. والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ نفخ فى الصور، والظرف متعلق بما تعلق به الظرف المذكور قبله، أو الأول: صفة لأنساب، والثاني: خبر لـ ﴿لا﴾؛ أي: فلا أنساب كائنة بينهم فى الدنيا، نافعة يومئذِ. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿لا﴾ النافية. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه لا أنساب بينهم يوم القيامة، وأردت بيان حالهم فى ذلك اليوم، بالنسبة إلى الفلاح والخسران .. فأقول لك: ﴿من ثقلت﴾. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿أولئك﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية ﴿أولئك الذين﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى، على كونها، مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿خَالِدُونَ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، ﴿تَلْفَحُ﴾: فعل مضارع.

стр. 8439

﴿وُجُوهَهُمُ﴾: مفعول به. ﴿النَّارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية إما مستأنفة، أو خبر ثان لـ ﴿أولئك﴾، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿خَسِرُوا﴾، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿كَالِحُونَ﴾. ﴿كَالِحُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿وُجُوهَهُمُ﴾. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾. ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾: الهمزة: الاستفهام التقريري. ﴿لم تكن﴾: جازم ومجزوم. ﴿آيَاتِي﴾: اسم ﴿تَكُنْ﴾، وجملة ﴿تُتْلَى﴾: خبرها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾. وجملة ﴿تَكُنْ﴾ جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَكُنْتُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كنتم﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾: وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾. ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿غَلَبَتْ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به. ﴿شِقْوَتُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَكُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه معطوف على ﴿غَلَبَتْ﴾. ﴿قَوْمًا﴾: خبر ﴿كان﴾. ﴿ضَالِّينَ﴾: صفة ﴿قَوْمًا﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف كرره للعناية به. ﴿أَخْرِجْنَا﴾: فعل دعاء ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرِجْنَا﴾. ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾: الفاء: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿عُدْنَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إنا﴾: ناصب واسمه. ﴿ظَالِمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَخْرِجْنَا﴾.

стр. 8440

﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اخْسَئُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُكَلِّمُونِ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. و (النون): نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزىء عنها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اخْسَئُوا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ فَرِيقٌ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنْ عِبَادِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿فَرِيقٌ﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَاغْفِرْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية. ﴿اغفر﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾. ﴿لَنَا﴾: متعلق باغفر. ﴿وَارْحَمْنَا﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿اغفر﴾. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿ارحمنا﴾. ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية. ﴿اتخذتموهم﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. و (الميم): علامة الجمع، و ﴿الواو﴾: حرف زائد لإشباع ضمة الميم. ﴿سِخْرِيًّا﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتخذ﴾، والجملة معطوفة مفرعة على جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿أَنْسَوْكُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول، في محل النصب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة. ﴿ذِكْرِي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها فى تأويل مصدر، مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى،
следующие страницы →