← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

والجملة معطوفة على جملة قل الأول. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء فى محل النصب مقول ﴿قُل﴾. ﴿أَعُوذُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على محمَّد. ﴿بِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾ والجملة الفعلية فى محل النصب مقول ﴿قُل﴾ على كونها جواب النداء. ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَعُوذُ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿أَعُوذُ﴾ الأول. ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ﴾: منادى مضاف، كرر اعتناء بالاستعاذة. ﴿أَنْ يَحْضُرُونِ﴾: ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يَحْضُرُون﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية، وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسمة، و ﴿الواو﴾: فاعل. و (النون): للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزىء عنها بكسرة نون الوقاية ولرعاية الفاصلة، فى محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: وأعوذ بك رب من حضورهم إياي. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف ابتداء لدخولها على الجملة التي تبدًا بها، وحرف غاية لكونها غاية لمحذوف. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. والجملة الفعلية فى محل الخفض، فبإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على الأحد، وجملة ﴿قَالَ﴾: جوابـ ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا فى محل الجر بحتى الواقعة غاية لمحذوف، تقديره: ويستمر كفار مكة على التكذيب أو على الوصف المذكور إلى قول أحدهم رب ارجعون وقت مجيء الموت إياه، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء فى محل النصب مقول قال: ﴿ارْجِعُونِ﴾: فعل دعاء مبني على حذف النون، و ﴿الواو﴾: فاعل، و (النون): للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، اجتزىء عنها بكسرة نون الوقاية، فى محل النصب مفعول به.

стр. 8437

والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء، وإنما جمع ضميو الفاعل فى ﴿ارْجِعُونِ﴾ مع كون المخاطب واحدًا، وهو الله سبحانه للتعظيم. ﴿لَعَلِّي﴾: ﴿لعل﴾: حرف نصب وترج. والياء: ضمير المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿أَعْمَلُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر، تقديره: أنا، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به أو مفعول مطلق، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب الطلب المذكور قبلها. ﴿فِيمَا﴾: جار ومجرور صفة لصالحًا؛ أي: صالحًا بدلًا عما تركت، أو متعلق بـ ﴿أَعْمَلُ﴾: ﴿تَرَكْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ والعائد محذوف، تقديره: فيما تركته. ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر. ﴿إِنَّهَا﴾: ناصب واسمه. ﴿كَلِمَةٌ﴾: خبرها. ﴿هُوَ قَائِلُهَا﴾: مبتدأ وخبر. والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿كَلِمَةٌ﴾. وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر مقدم. ﴿بَرْزَخٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿إِلَى يَوْمِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَرْزَخٌ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿يُبْعَثُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمِ﴾؛ أي: إلى يوم بعثهم. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿نُفِخَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿فِي الصُّورِ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بما فى الجواب من معنى النفي، وانتفى ذلك النسب وقت النفخ فى الصور. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ الشرطية. ﴿لا﴾: نافية. ﴿أَنْسَابَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾؛ أي: فلا أنساب كائنة بينهم، وجملة ﴿لا﴾ جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿يَوْمَئِذٍ وَلَا

стр. 8438

يَتَسَاءَلُونَ﴾. ﴿يوم﴾: منصوب على الظرفية، وهو مضاف. ﴿إذا﴾: ظرف لما مضى من الزمان في محل الجر مضاف إليه. والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ نفخ فى الصور، والظرف متعلق بما تعلق به الظرف المذكور قبله، أو الأول: صفة لأنساب، والثاني: خبر لـ ﴿لا﴾؛ أي: فلا أنساب كائنة بينهم فى الدنيا، نافعة يومئذِ. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿لا﴾ النافية. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ ﴿فَمَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه لا أنساب بينهم يوم القيامة، وأردت بيان حالهم فى ذلك اليوم، بالنسبة إلى الفلاح والخسران .. فأقول لك: ﴿من ثقلت﴾. ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿أولئك﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿من﴾: اسم شرط في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب. ﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية ﴿أولئك الذين﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿من﴾ الأولى، على كونها، مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾. ﴿خَالِدُونَ﴾: خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر، ﴿تَلْفَحُ﴾: فعل مضارع.

стр. 8439

﴿وُجُوهَهُمُ﴾: مفعول به. ﴿النَّارُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية إما مستأنفة، أو خبر ثان لـ ﴿أولئك﴾، أو في محل النصب حال من فاعل ﴿خَسِرُوا﴾، ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿كَالِحُونَ﴾. ﴿كَالِحُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب حال من ضمير ﴿وُجُوهَهُمُ﴾. ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾. ﴿أَلَمْ تَكُنْ﴾: الهمزة: الاستفهام التقريري. ﴿لم تكن﴾: جازم ومجزوم. ﴿آيَاتِي﴾: اسم ﴿تَكُنْ﴾، وجملة ﴿تُتْلَى﴾: خبرها. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تُتْلَى﴾. وجملة ﴿تَكُنْ﴾ جملة إنشائية مستأنفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَكُنْتُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كنتم﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تُكَذِّبُونَ﴾، وجملة ﴿تُكَذِّبُونَ﴾: خبر ﴿كان﴾: وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على جملة ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾. ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿غَلَبَتْ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به. ﴿شِقْوَتُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَكُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه معطوف على ﴿غَلَبَتْ﴾. ﴿قَوْمًا﴾: خبر ﴿كان﴾. ﴿ضَالِّينَ﴾: صفة ﴿قَوْمًا﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف كرره للعناية به. ﴿أَخْرِجْنَا﴾: فعل دعاء ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَخْرِجْنَا﴾. ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾: الفاء: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿عُدْنَا﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿إنا﴾: ناصب واسمه. ﴿ظَالِمُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَخْرِجْنَا﴾.

стр. 8440

﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿اخْسَئُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُكَلِّمُونِ﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. و (النون): نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة اجتزىء عنها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اخْسَئُوا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ فَرِيقٌ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنْ عِبَادِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿فَرِيقٌ﴾، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَاغْفِرْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية. ﴿اغفر﴾: فعل دعاء، وفاعله ضمير يعود على الله. والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾. ﴿لَنَا﴾: متعلق باغفر. ﴿وَارْحَمْنَا﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على ﴿اغفر﴾. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿ارحمنا﴾. ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية. ﴿اتخذتموهم﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. و (الميم): علامة الجمع، و ﴿الواو﴾: حرف زائد لإشباع ضمة الميم. ﴿سِخْرِيًّا﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتخذ﴾، والجملة معطوفة مفرعة على جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿أَنْسَوْكُمْ﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول أول، في محل النصب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة. ﴿ذِكْرِي﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، ﴿أن﴾ مع صلتها فى تأويل مصدر، مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى،

стр. 8441

الجار والمجرور متعلق بـ ﴿اتخذتموهم﴾؛ أي: إلى إنساءهم إياكم ذكري. ﴿وَكُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿مِنْهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَضْحَكُونَ﴾. وجملة ﴿تَضْحَكُونَ﴾: في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿أَنْسَوْكُمْ﴾ على كونها فى تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾. ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١) قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿جَزَيْتُهُمُ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر إن، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: (الباء): حرف جر وسبب. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها فى تأويل مصدر مجرور بالباء، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جزيت﴾؛ أي: جزيتهم بسبب صبرهم. ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿هُمُ﴾ للتأكيد ﴿الْفَائِزُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿أن﴾ فى تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لـ ﴿جزيت﴾؛ أي: جزيتهم فوزهم بسبب صبرهم. ﴿قَالَ﴾: فعل ماضٍ وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿كَمْ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على السكون، وهو متعلق بـ ﴿لَبِثْتُمْ﴾. ﴿لَبِثْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿لبثتم﴾ أيضًا، أو بمحذوف حال من فاعل ﴿لَبِثْتُمْ﴾، ﴿عَدَدَ﴾: تمييز لـ ﴿كم﴾، منصوب به. ﴿سِنِينَ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿لَبِثْتُمْ﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَبِثْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿يَوْمًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿لَبِثْنَا﴾، ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾: معطوف على ﴿يَوْمًا﴾. ﴿فَاسْأَلِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت جوابنا وشكنا وجهلنا، وأَردت بيان الحقيقة .. فنقول لك: ﴿اسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾. ﴿اسْأَلِ﴾ فعل أمر وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْعَادِّينَ﴾: مفعول أول لـ ﴿اسْأَلِ﴾، والثاني محذوف، تقديره: فاسأل العادين عددها، والجملة الفعلية في محل

стр. 8442

النصب مقول لجواب إذا المقدوة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿إن﴾: نافية. ﴿لَبِثْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لظرف محذوف، أو مصدر محذوف؛ أي: زمنًا قليلًا أو لبثًا قليلًا. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم وامتناع لامتناع. ﴿أَنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْلَمُون﴾: خبر ﴿كان﴾، ومفعول العلم محذوف، تقديره: مقدار ﴿لبثكم﴾، وجملة ﴿كان﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: فى تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لفعل محذوف، هو فعل شرط لـ ﴿لو﴾، وجوابـ ﴿لو﴾ الشرطية محذوف، والتقدير: لو ثبت علمكم مقدار لبثكم فى الطول .. لما أجبتم بهذه المدة القليلة، أعني لبثنا يومًا أو بعض يوم، وجملة ﴿لَوْ﴾:فى، محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف. و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفلتم وظننتم من فرط غفلتكم أنما خلقناكم، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿حسبتم﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿أَنَّمَا﴾: ﴿أن﴾: حرف نصب وتوكيد، ولكن بطل عملها لدخول ﴿ما﴾ الكافة عليها. ﴿ما﴾: كافة لكفها ما قبلها عن العمل فيما بعدها. ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿عَبَثًا﴾: منصوب على الحالية من فاعل ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾؛ أي: حالة كوننا ﴿عابثين﴾، أو منصوب على المصدرية؛ أي: خلقًا عبثًا، أو على أنه مفعول لأجله؛ أي: لأجل العبث، والجملة الفعلية فى تأويل مصدر، ساد مسد مفعولي ﴿حسب﴾؛ أي: أغفلتص وظننتم حلقنا إياكم عبثًا. ﴿وَأَنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه ﴿إِلَيْنَا﴾: جار

стр. 8443

ومجرور متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وجملة ﴿لَا تُرْجَعُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ على كونها فى تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿حسب﴾؛ أي: وعدم رجوعكم إلينا. ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿تعالى الله﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾: صفتان للجلالة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿إِلَهَ﴾: اسمها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هُوَ﴾ في محل الرفع بدل من الضمير المستكن فى خبر ﴿لَا﴾؛ أي: لا إله موجود هو إلا هو سبحانه، وجملة ﴿لا﴾: في محل النصب حال من الجلالة فى قوله: فتعالى الله. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾: صفة ثالثة ومضاف إليه. ﴿الْكَرِيمِ﴾: بالجر صفة للعرش، وبالرفع صفة للرب. ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَن﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الجواب، أو الشرط، أو هما على الخلاف المذكور فى محله. ﴿يَدْعُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجزمه حذف حرف العلة وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بيدع. ﴿إِلَهًا﴾: مفعول به ليدع. ﴿آخَرَ﴾: صفة أولى له، إلا: نافية للجنس. ﴿بُرْهَانَ﴾: في محل النصب اسمها. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر ﴿لا﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بُرْهَانَ﴾. و (الباء) بمعنى على، أي لا برهان عليه كائن له. وجملة لا في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿إِلَهًا﴾، وهي صفة لازمة لا مفهوم لها. ﴿فَإِنَّمَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية. ﴿إنما﴾: أداة حصر. ﴿حِسَابُهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.

стр. 8444

﴿وَقُلْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة، وجملة النداء في محل النصب مقول قال. ﴿اغْفِرْ﴾: فعل دعاء وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿قل﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَارْحَمْ﴾: معطوف على ﴿اغفر﴾. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿ارحم﴾، والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾: جمع همزة، وهي النخسة والدفعة بيد أو بغيرها، والمهماز، مفعال من ذلك كالمحراث من الحرث، والهمَّاز الذي يعيب الناس، كأنه يدفع بلسانه، وينخس به. اهـ. "سمين". وفي "الأساس" و"اللسان" همز رأسه عصره، وهمز الجوزة بكفه، ومن المجاز همز الرجل فى قفاه غمز بعينه، ورجل همزة وهماز، والشيطان يهمز الإنسان، يهمس فى قلبه وسواسًا، ويقال: أعوذ بالله من همسه وهمزه ولمزه. وأعوذ بك من همزات الشيطان. وفي "المختار" وهمزات الشيطان: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. اهـ. وفي "البيضاوي" وأصل الهمز النخس. ومنه مهماز الرائض، شبه حثهم الناس على المعاصي، بهمز الرائض الدواب على المشي، والجمع للمرات، أو لتنوع الوساوس، أو لتعدد المضاف إليه. اهـ. فلا يرد ما يقال: الهمزة الواحدة أيضًا ينبغي أن يتعوذ منها، فما وجه الجمع اهـ "كرخي". قلت: مهماز الرائض: حديدة توضع فى مؤخر الرحل ينخس بها الدابة لتسرع اهـ. ﴿كَلَّا﴾: كلمة تستعمل للردع والزجر عن حصول ما يطلب. ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾؛ أي: من أمامهم. ﴿بَرْزَخٌ﴾؛ أي: حاجز بينهم وبين الرجعة؛ أي: حاجز يصدهم عن الرجوع إلى الدنيا، وهو المدة التي من حين الموت إلى البعث. وفي "السمين" البرزخ: الحاجز بين المتنافيين، وقيل: الحجاب بين الشيئين يمنع أن

стр. 8445

يصل أحدهما إلى الآخر، وهو بمعنى الأول، وقال الراغب: أصله برزه بالهاء، فعرب، وهو فى القيامة الحائل بين الإنسان وبين المنازل الرفيعة، والبرزخ قيل: هو الحائل بين الإنسان وبين الرجعة التي يتمناها اهـ. ﴿فِي الصُّور﴾: الصور واحدها صورة، نحو بسر وبسرة؛ أي: نفخت فى الأجساد أرواحها. ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ جمع نسب، والنسب: القرابة بين اثنين فصاعدًا؛ أي: اشتراك من جهة أحد الأبوين، وذلك ضربان: نسب بالطول، كالاشتراك بين الآباء والأبناء، ونسب بالعرض، كالنسب بين الأخوة وبني الأعمام، كما مر فى مبحث التفسير. ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾؛ أي: موزونات أعماله، فالموازين جمع موزون، ويجوز كونه جمع ميزان. وجمعه حينئذٍ مع وحدته لتعدد الموزون اهـ "شهاب"؛ أي: ثقلت موازينه بالحسنات، بثقلها على السيئات، بأن تجسم وتصور بصور حسان، وتوضع فى كفة الميزان اليمنى، التي على يمين العرش، أو خفت موازينه بالحسنات، بثقل السيئات عليها بسبب زيادتها على الحسنات، بأن تجسم السيئات وتصور بصور ظلمانية، وتوضع فى كفة الميزان اليسرى، التي فى على يسار العرش اهـ. "شيخنا". ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾؛ أي: تحرقها، واللفح: أشد النفخ؛ لأنه الإصابة بشدة، والنفح الإصابة مطلقًا، كما فى قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ وفي "القاموس" لفح يلفح من باب فتح فلانًا بالسيف ضربه به، ولفحت النار لفحًا ولفحانًا، أو السموم بحرها فلانًا، أصابت وجهه، وأحرقته ﴿كَالِحُونَ﴾؛ أي: عابسون، الكلوح أن تتقلص الشفتان، وتتشمرا عن الأسنان، كما ترى الرؤس المشوية. وفي "المختار" الكلوح تكشر فى عبوس، وبابه خضع. قلت: ومنه كلوح الأسد؛ أي: تكشيره عن أنيابه، ودهر كالح وبرد كالح؛ أي: شديد. ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أحد مصادر شقي. وفي "المختار" الشقاء والشقاوة بالفتح: ضد السعادة. وقرأ قتادة شقاوتنا بالكسر، وهي لغة، وقد شقى بالكسر

стр. 8446

شقاء وشقاوة أيضًا. وأشقاه الله فهو شقي؛ أي: بين الشقوة. وفي "القاموس" وشرحه شقى يشقى من باب تعب شقًا، وشقاوة وشقاوة وشقوة وشقوة ضد سعد فهو شقي، والجمع أشقياء. والشقاوة سوء العاقبة. ﴿اخْسَئُوا﴾؛ أي: ذلوا فيها وانزجروا، كما تنزجر الكلاب إذا زجرت. وفي "الصحاح" خسأت الكلب وخسأ يتعدى بنفسه، ولا يتعدى. وفي "المختار" خسأ الكلب طرده، من باب قطع وخسأ هو بنفسه إذا خضع. ﴿سِخْرِيًّا﴾ بضم السين وكسرها، أصله سخرًا بضم السين وكسرها أيضًا، وزيدت فيه ياء النسب، للدلالة على المبالغة فى قوة الفعل، وهو المسخرة. اهـ. "شيخنا". وفي "السمين" وزيدت الياء للدلالة على قوة الفعل، فالسخرى أقوى من السخر، كما قيل فى الخصوص: خصوصية دلالة على قوله ذلك. وفي "المصباح" سخرت منه سخرًا من باب تعب هزئت به، والسخرى بالكسر لغة فيه، والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم، أو دابة بلا أجر، والسخرى بالضم بمعناه، وسخرته فى العمل بالتثقيل استعملته مجانًا، وسخر الله الإبل ذللها وسهلها. اهـ. ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ واللبث: الإقامة، ﴿الْعَادِّينَ﴾ بتشديد الدال جمع عاد من عدّ الشيء يعده، بضم العين فى المضارع إذا أحصاه وحبسه. والمراد هنا: الحفظة العادين لأعمال العباد وأعمارهم، كما مر. ﴿عَبَثًا﴾: العبث بفتحتين: اللعب، وما لا فائدة فيه، وكل ما ليس فيه غرض صحيح، يقال: عبث يعبث عبثًا إذا خلط عمله بلعب، وأصله من قولهم: عبثت الأقط؛ أي: خلطته، والعبث طعام مخلوط، ومنه العوثباتي لتمرٍ وسويق وسمن مختلط. ﴿الْحَقُّ﴾ الثابت الذي لا يبيد ولا يزول ملكه. وفي "البيضاوي" ﴿الْمَلِكُ الْحَقّ﴾؛ أى: الذى يحق له الملك مطلقًا، فإن ما عداه مملوك بالذات، مالك بالعرض من وجه دون وجه، وفي حال دون حال. اهـ.

стр. 8447

و ﴿الْعَرْشِ﴾: هو مركز تدبير العالم، ووصفه بالكريم لشرفه، وكل ما شرف فى جنسه يوصف بالكرم، كما فى قوله: ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ وقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ وفي "أبي السعود" قوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾؛ أي: فكيف بما تحته وما أحاط به من المخلوقات، كائنًا ما كان، ووصف بالكرم، إما لأنه ينزل منه الوحي الذي منه القرآن الكريم، أو الخير والبركة والرحمة، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين تعالى من حيث أنه أعظم مخلوقاته اهـ. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التأكيد بإن وباللام وباسمية الجملة فى قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾ لإنكار المخاطبين ذلك. ومنها: الطباق المعنوي فى قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾؛ لأن المعنى: ادفع بالحسنة السيئة، فهو طباق بالمعنى لا باللفظ. وفي قوله أيضًا: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ من البلاغة العدول عن مقتضى السياق لسر بليغ، فالظاهر أن يقول ادفع بالحسنة السيئة، ولكنه عدل عن مقتضى الكلام لما فيه من التفصيل، والمعنى: ادفع السيئة بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان, وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة. ومنها: إعادة لفظ الرب فى قوله: ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ مبالغة فى الابتهال والتضرع. ومنها: الإظهار فى مقام الإضمار فى قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ تسجيلًا عليهم باسم الظلم؛ لأن الأصل فلا تجعلني فيهم. ومنها: إعادة كل من العامل والنداء فى قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ مبالغةً وزيادة اعتناء بهذه الاستعاذة.

стр. 8448

ومنها: الإتيان بضمير الجمع، مع كون المرجع المفرد المعظم المنزه فى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ تعظيمًا لله تعالى. ومنها: جمع الضمير فى قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ مع عوده إلى الأحد، اعتبارًا بالمعنى؛ لأنه فى حكم كلهم، كما أن الإفراد فى الضمائر الأول باعتبار اللفظ، ذكره "أبو السعود". ومنها: المجاز المرسل فى قوله: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ حيث أطلق الكلمة على الجملة، وهو من إطلاق الجزء، وإرادة الكل. ومنها: فن التنكيت فى قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فقد قصد بنفي الإنساب، وهي موجودة أمرًا آخر لنكتة فيه، فإن الأنساب ثابتة لا يصح نفيها. وقد كان العرب يتفاخرون بها فى الدنيا, ولكنه جنح إلى نفيها، إما لأنها تلغو فى الآخرة، إذ يقع التقاطع بينهم فيتفرقون معاقبين، أو مثابين، أو أنه قصد بالنفي صفة للأنساب محذوفة؛ أي: يعتد بها حيث تزول بالمرة، وتبطل لزوال التراحم والتعاطف، من فرط الحيرة، واستيلاء الدهشة عليهم. ومنها: المقابلة اللطيفة بين ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ وبين ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾. ومنها: الاستفهام التقريري فى قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي﴾. ومنها: جناس الاشتقاق فى قوله: ﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾. ومنها: الإسناد المجازي فى قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ حتى أنساكم استهزاؤهم ذكري، فهو من إسناد ما للشيء إلى صاحبه. ومنها: الاستفهام التبكيتي الإلزامي فى قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ والاستفهام التوبيخي فى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾. ومنها: القصر فى قوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. ومنها: التعبير بالمضارع فى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ استحضارًا

стр. 8449

للصورة الماضية. ومنها: حذف جواب لو فى قوله: ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثقةً بدلالة ما سبق عليه. ومنها: الإظهار فى مقام الإضمار فى قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ للنداء عليه بهذا الوصف القبيح. وفيه أيضًا مراعاة معنى من؛ لأن الأصل إنه لا يفلح. ومنها: تقديم المغفرة على الرحمة فى قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾؛ لأن باب التخلية مقدم على باب التحلية. ومنها: تفاوت ما بين الافتتاح والاختتام، حيث بدأ السورة بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، وأورد فى خاتمتها أنه لا يفلح الكافرون. ذكره فى "البحر". ومنها: الزيادة والحذف فى عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 8450

خلاصة ما تضمنته هذه السورة من الحكم والأحكام والآداب اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية: ١ - فوز المؤمنين ذوي الصفات الفاضلة، بدخول الجنات خالدين فيها أبدًا. ٢ - ذكر حال النشأة الأولى. ٣ - خلق السماوات السبع وإنزال المطر من السماء، وإنشاء الجنات من النخيل والأعناب، وذكر منافع الحيوان للإنسان. ٤ - قصص بعض الأنبياء، كنوح وشعيب وموسى وهارون وعيسى ﵈، ثم أمرهم جميعًا بأكل الطيبات وعمل الصالحات. ٥ - أنه لا يكلف الله عباده، إلا بما فيه يسر وسماحة. ٦ - وصف ما يلقاه الكافرون من النكال والوبال يوم القيامة، وتأنيبهم على عدم الإيمان بالرسول، وتفنيد المعاذير التي اعتذروا بها. ٧ - ذكر ما أنعم به على عباده، من الحواس والمشاعر. ٨ - إنكار المشركين للبعث والجزاء، والحجاج على إثبات ذلك. ٩ - النعي على من أثبت الولد، والشريك لله تعالى. ١٠ - دعاء النبي ﷺ ربه أن لا يجعله فى القوم الظالمين، حين عذابهم. ١١ - تعليم نبيه ﷺ الأدب فى معاملة الناس، وأمره أن يدعوه بدفع همزات الشياطين عنه. ١٢ - طلب الكفار العودة إلى الدنيا، حين رؤية العذاب، لعلهم إذا عادوا عملوا صالحًا. ١٣ - وصف أهوال يوم القيامة، وبيان ما فيها من الشدائد. ١٤ - أوصاف السعداء والأشقياء.

стр. 8451

١٥ - تأنيب الكافرين على طلبهم العودة إلى الدنيا، وزجرهم على هذا الطلب. ١٦ - سؤال المشركين عن مدة لبثهم فى الدنيا، وبيان أنهم ينسون ذلك. ١٧ - النعي على من عبد مع الله إلهًا آخر. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين (١). والله أعلم * * *

стр. 8452

سورة النور مدنية بالإجماع، كما فى "القرطبي"، وهي (١) اثنتان أو أربع وستون آية، وألف وثلاث مئة وست عشر كلمة، وخمسة آلاف وتسع مئة وثمانون حرفًا. ومن فضائلها (٢): ما روى أبو عبد الله الحاكم فى "صحيحه"، وابن مردويه والبيهقي فى "الشعب" عن عائشة مرفوعًا "لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة" يعني النساء "وعلموهن الغزل وسورة النور". وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : "علموا رجالكم سورة المائدة، وعلموا نسائكم سورة النور" وهو مرسل. وأخرج أبو عبيد فى فضائله عن حارثة بن مضرب قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب، أن تعلموا سورة النساء والأحزاب والنور. الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله (٣) محمد بن حزم رحمه الله تعالى: جملة ما فى سورة النور من المنسوخ سبع آيات: أولاهن: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ الآية (٤) نسخت بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٥). الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (٣) هذه الآية من أعاجيب آيات القرآن؛ لأن لفظها لفظ الخبر، ومعناها: النهي، تقدير الكلام؛ - والله أعلم - لا تنكحوا زانيةً ولا مشركةً، ناسخها قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية (٣٢) النور.

стр. 8453

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية (٦) نسخها بالآيتين اللتين بعدها، وهما قوله تعالىِ: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ (٧) وكذلك ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (٩). الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية (٢٧) نسخت بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ الآية (٢٩). الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية (٣١) نسخ بعضها بقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. الآية السادسة: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ الآية (٥٤). نسخها آية السيف. الأية السابعة: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية (٥٨) نسخها بالآية التي تليها، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ الآية (٥٩) انتهى. ومناسبة هذه السورة لما قبلها من وجهين: ١ - أنه قال فى السورة السالفة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ وذكر هنا أحكام من لم يحفظ فرجه من الزانية والزاني، وما اتصل بذلك من شأن القذف، وقصة الإفك، والأمر بغضّ البصر الذي هو داعية الزنا، وأمر من لم يقدر على النكاح بالاستعفاف، والنهي عن إكراه الفتيات على الزنا. ٢ - أنه تعالى لما قال فيما سلف أنه لم يخلق عبثًا، بل للأمر والنهي، ذكر هنا جملةً من الأوامر والنواهي. وتسميتها بسورة النور لذكر لفظ النور فيها. والله أعلم * * *

стр. 8454

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. المناسبة مناسبة هذه السورة لما قبلها قد مرت قريبًا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ...﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أن الله سبحانه (١) لما نفَّر من نكاح الزانيات، وإنكاح الزانين، وبين أن ذلك عمل لا يليق بالمؤمنين الذين أشربت قلوبهم حب الإيمان والتصديق برسله .. نهى هنا عن رمي المحصنات به، وشدد فى عقوبته الدنيوية والأخروية، فجعل عقوبته فى الدنيا الجلد، وأن لا تقبل له شهادة أبدًا، فيكون ساقط الاعتبار فى نظر الناس، ملغى القول، لا تسمع له كلمة، وجعل عقوبته فى الآخرة العذاب المؤلم الموضع، إلا

стр. 8455

إذا تاب إلى الله، وأناب وأصلح أعماله، فإنه يزول عنه اسم الفسوق وتقبل شهادته. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنه لما بين الله سبحانه حكم قاذف الأجنبيات بالزنا، وذكر أنه لا يعفى القاذف عن العقوبة، إلا إذا أتى بأربعة شهداء .. ذكر هنا ما هو فى حكم الاستثناء من ذلك، وهو قذف الزوجات، فإن الزوج القاذف يعفى من الحد إذا شهد الشهادات المبينة فى الآية؛ لأن فى تكليف الزوج إحضار الزوج إعناتًا وإحراجًا، ولما يلحقه من المغيرة على أهله، ثم كظم الغيظ إذ لم يجد مخلصًا من ضيقه. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ...﴾ الآية، اختلف العلماء (١) فى سبب نزول هذه الآية، فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم، ولا عشائر، وفي المدينة نساء بغايا، من أخصب أهل المدينة، فرغب ناس من فقراء المسلمين فى نكاحهن، لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فى ذلك فنزلت هذه الآية، فحرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا؛ لأنهن كن مشركات. وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي ورواية عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت فى نساءٍ كن بمكة والمدينة، لهن رايات يعرفن بها، منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان فى الجاهلية من ينكح الزانية يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة، فاستأذن رجل رسول الله ﷺ فى نكاح أم مهزول، واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية.

стр. 8456

وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وكان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغي، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له فى الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرّم الزنا، قالت: فانكحني، فقال: حتى أسال رسول الله ﷺ ، قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا؟ فأمسك رسول الله ﷺ ، فلم يرد شيئًا، فنزلت آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني، فقرأها علي، وقال: و"لا تنكحها". أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود، بألفاظ متقاربة المعنى. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) ...﴾ الآيات، قال الإِمام (١) البخاري رحمه الله تعالى فى (ج ١/ ص ٦٤): حدثنا إسحاق، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا الأوزاعي قال: حدثني الزهري عن سهل بن سعد، أن عويمرًا أتى عاصم بن عدي، وكان سيد بني عجلان، فقال: كيف تقولون فى رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ سل لي رسول الله ﷺ عن ذلك، فأتى عاصم النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، فكره رسول الله ﷺ السائل، فسأله عويمر، فقال: إن رسول الله ﷺ كره المسائل، وعابها، قال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فجاء عويمر فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله: "قد أنزل الله القرآن فيك، وفي صاحبتك"، فأمره رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله فى كتابه، فلاعنها، ثم قال: يا رسول، إن حبستها فقد ظلمتها، فطلقها، فكانت سنة لمن كان بعدهما فى المتلاعنين، ثم قال رسول الله ﷺ : "انظروا، فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الإليتين، خدلج الساقين .. فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها. وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة، فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها" فجاءت به على النعت الذي نعت به رسول الله ﷺ

стр. 8457

من تصديق عويمر، فكان بَعدُ ينسب إلى أمه. والحديث أخرجه أيضًا مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي والدارقطني وابن جرير. وأخرج البزار عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كانت فاعلًا به"؟؛ قال: كنت والله فاعلًا به شرًّا. "فأنت يا عمر"؟ قال: كنت والله قاتله، كنت أقول: لعن الله الأعجز، فإنه خبيث فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾. وأخرج البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "البينة أو حد فى ظهرك" فقال يا رسول الله، إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلًا، ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل النبي ﷺ يقول: "البينة أو حد فى ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد، فنزل جبريل، فأنزل الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وأخرجه أحمد بلفظ لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا. قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا نزلت يا رسول الله: "يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيدكم"؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنه رجل غيور، والله ما تزوج امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته. فقال سعد: والله يا رسول الله، إني أعلم أنها حق، وأنها من الله، ولكني تعجبت أني لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لى أن أنحيه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا أتي بهم حتى يقضي حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية، هو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينيه، وسمع بأُذنه فلم يهجه حتى أصبح، فغدا إلى رسول الله ﷺ ، وقال له: إني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتد عليه، واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة: الآن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية، ويبطل شهادته فى

стр. 8458

الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لى منه مخرجًا، فوالله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه، فأنزل الله عليه الوحي، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ ...﴾ الآية. وأخرج أبو يعلى مثله من حديث أنس، قال الحافظ ابن حجر: اختلف الأئمة فى هذه المواضع، فمنهم من رجح أنها نزلت فى شأن عويمر. ومنهم من رجح أنها نزلت فى شأن هلال. ومنهم من جمع بينهما؛ بأن أول من وقع له ذلك هلال وصادق بمجيء عويمر أيضًا فنزلت فى شأنهما معًا. وإلى هذا جنح النووي، وتبعه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق لهما ذلك فى وقت واحد. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن له علم بما وقع لهلال أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولذا قال فى قصة هلال: فنزل جبريل، وفي قصة عويمر قد أنزل الله فيك، فيؤول قوله: قد أنزل الله فيك؛ أي: فيمن وقع له مثل ما وقع لك. وبهذا أجاب ابن الصباغ فى "الشامل"، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين. التفسير وأوجه القراءة ١ - قال القرطبي: مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر وغيرها، من الأحكام الدينية المفصلة. ﴿سُورَةٌ﴾. قرأ الجمهور سورة بالرفع؛ أي: هذه الآيات الآتي ذكرها سورة أنزلناها، على أنه خبر مبتدأ محذوف، وجوزوا أن يكون مبتدأ خبره محذوف؛ أي: سورة أنزلناها فيما أوحينا إليك يا محمد أو فيما يتلى عليك. قال الزجاج: وهذا قبيح (١)؛ لأنها نكرة وإنما الرفع على إضمار هذه. وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وعيسى بن عمر الثقفي البصري وعيسى بن عمر الهمداني الكوفي وابن أبي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبي عمرو وأم الدرداء ﴿سُورَةٌ﴾ بالنصب بفعل محذوف يفسره المذكور بعده، فيكون من باب الاشتغال؛ أي: أنزلنا سورة أنزلناها، أو بفعل مقدر غير مفسر، تقديره: أتل

стр. 8459

سورة أنزلناها، أو اتبعوا سورة أنزلناها أو على الإغراء؛ أي: دونك سورة أنزلناها. قاله الزمخشري. وسورة القرآن (١) طائفة منه محيطة بما فيها من الآيات والكلمات والعلوم والمعارف، مأخوذة من سور المدينة، وهو حائطها المشتمل عليها، وإنما أشير إليها فى قولنا هذه سورة مع عدم سبق ذكرها؛ لأنها باعتبار كونها فى شرف الذكر فى حكم الحاضر المشاهد، والتنكير مفيد للفخامة من حيث الذات، كما فى قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: مفيد لها من حيث الصفة؛ أي: أنزلنا إليك من عالم القدس بواسطة جبريل، أو أعطيناكها أيها الرسول. ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: قرأ الجمهور يتحفيف الراء؛ أي: أوجبنا (٢) ما فيها من الأحكام إيجابًا قطعيًا، وألزمناكم العمل بها، فإن أصل الفرض قطع الشيء الصلب، والتأثير فيه، كقطع الحديد. وقيل معناه: قدرنا ما فيها من الحدود. وقيل: أوجبناها عليكم، وعلى من بعدكم إلى يوم القيامة، وفيه من الإيذان بغاية وكادة الفرضية ما لا يخفى. وقرأ (٣) عبد الله وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة وأبو عمرو وابن كثير بتشديد الراء لتأكيد (٤) الإيجاب، أو لكثرة الفرائض فيها، كالزنا والقذف واللعان والاستئذان وغض البصر وغير ذلك. ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا﴾؛ أي: فى تضاعيف السورة وأثنائها ﴿آيَاتٍ﴾ نيطت بها الأحكام المفروضة، كما هو الظاهر، لاجميع الآيات ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على أحكامها المفروضة، لتكون لكم أيها المؤمنون قبسًا ونبراسًا. وقيل معنى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: أمثالًا (٥) ومواعظ وأحكامًا ليس فيها مشكل يحتاج إلى تأويل.

стр. 8460

وفي "الشهاب" قال الإِمام الرازي: ذكر الله فى أول السورة أنواعًا من الأحكام والحدود، وفي آخرها دلائل التوحيد، فقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ إشارة إلى الأحكام وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ إشارة إلى ما بين فيها من دلائل التوحيد ويؤيده قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى نؤمر بتذكرها. وتكرير (١) أنزلناها مع استلزام إنزال السورة لإنزالها, لإبراز كمال العناية بشأنها، فكأنه يقول: ما أنزلتها عليكم لمجرد التلاوة، وإنما أنزلتها للعمل والتطبيق. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: تتعظون فتتقون المحارم؛ أي: لكي تتعظوا، وتعتبروا بهذه الأحكام، وتعملوا بموجبها. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال (٢)، وحذف إحدى التائين. والباقون بالتشديد. وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على ذكر منهم، بحيث متى مست الحاجة إليها استحضروها. والحاصل: أن الله (٣) امتن على عباده بما أنزل عليهم فى هذه السورة من الفرائض والأحكام، وفصله لهم من أدلة التوحيد وبيناته الواضحة، التي لا تقبل جدلًا، ليعدهم بذلك؛ لأن يتعظوا ويعملوا بما جاء فيها مما فيه سعادتهم فى دنياهم وآخرتهم وفي صلاحهم، فإن فى حفظ الفروج صيانة للأنساب، واطمئنانًا على سلامتها مما يشوبها، كما أن فيه أمنًا من حصول الضغائن والأحقاد، التي قد تجر إلى القتل، وارتكاب أفظع الجرائم بين الأفراد، وأمنًا على الصحة، والبعد من الأمراض التي قد تودي بحياة المرء وتوقعه فى أشد المصائب، وأعظم ألوان المهالك. كما جاء فيها توثيق روابط المودة بين أفراد المجتمع، ففيها نظام دخول البيت للتزاور، وفيها حفظ الألسنة، وصونها عن الولوغ فى الأعراض بما لا ينبغي أن يقال، حتى لا ينتشر الفحش بين الناس. وفيها تحذير للعباد من ذلك

стр. 8461

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. والخلاصة: أنه تعالى ذكر فى أول السورة أنواعًا من الأحكام والحدود الشرعية، وفي آخرها الدلائل على وحدانيته وكامل قدرته. فأشار إلى الأول بقوله: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ إلى الثانية بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ والفائدة فى كل هذا اتقاء المحارم والبعد عنها، ومعرفة الله حق المعرفة، التي تجعل المرء يخضع لجلاله وعظيم سلطانه، ويشعر بأنه محاسب على كل ما يعمل من عمل قل أو كثر، فإذا تمّ له ذلك .. صلحت نظم الفرد ونظم المجتصع، وسادت السكينة والطمانينة بين الناس. مبحث فى عقوبة الزنا الزاني والزانية إما أن يكونا محصنين؛ أي: متزوجين، أو غير محصنين؛ أي: غير متزوجين. وعقوبة الزنا إما دنيوية، وإما أخروية. أما الدنيوية: فإن كان الزانيان محصنين، واستوفيا الشروط الآتية، وهي أن يكونا بالغين عاقلين، حرين متزوجين بعقد نكاح صحيح .. وجب رجمهما؛ أي: رميهما بالحجارة حتى يموتا. ويكون ذلك فى حقل عام للمسلمين، ليعتبر بهما غيرهما. واعتبرت (١) الحنفية الإِسلام أيضًا. وهو مردود برجمه ﷺ يهوديين، ولا يعارضه حديث "من أشرك بالله فليس بمحصن" إذ المراد بالمحصن فيه هو الذي يقت له من المسلم، ولا رجم على الرقيق؛ لأنه لا ينتصف. وقد ثبت هذا بالسنة المتواترة. ورواه الثقات عن النبي ﷺ . فقد رواه أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وزيد بن خالد وبريدة الأسلمي مع آخرين من الصحابة. وجاء فى رواياتهم: (أن رجلًا من الصحابة يسمى ماعزًا أقرّ بالزنا فرجم. وأن امرأتين من بني لخم وبني غامد أقرتا بالزنا فرجمتا على مشهد من الناس، ومرأى منهم).

стр. 8462

وإن كان الزانيان غير محصنين .. فالعقوبة مئة جلدة بمحضر جمع من المسلمين، كما بينته الآية، ليفتضج أمرهما، كما مر ذلك قريبًا، والرقيق على النصف من ذلك. وزاد الشافعي (١): عليه تغريب الحر سنة، لقوله ﵊: "البكر بالبكر، جلد مئة وتغريب عام". وليس فى الآية ما يدفعه لنسخ أحدهما بالآخر نسخًا مقبولًا، أو مردودًا. وله فى العبد ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة: التغريب إلى رأي الإِمام. وقال مالك: يجلد الرجل مئة جلدة ويغرب. وتجلد المرأة ولا تغرب. طريق إثبات الزنا يثبت الزنا بأحد أمور ثلاثة: ١ - الإقرار به. وهذا هو الطريق الذي ثبت به الزنا فى الإِسلام، وبه أوقع النبي ﷺ وصحابته العقوبة على من زنى. ٢ - الحبل للمرأة بلا زوج معروف لها. ٣ - شهادة أربعة من الشهود يرونهما وهما متلبسان بالجريمة. عقوبة الزنا الأخروية تقدم بياننا المساوي والأضرار التي تنشأ من الزنا للأفراد والجماعات فى الدنيا، وهنا نذكر حكمه الأخروي، فنقول: اتفقت الأمة على أن الزنا من أكبر الآثام، وأنه من الذنوب التي شدد الدين فى تركها، وأغلظ فى العقوبة على فعلها، وجاء فيه من النصوص ما لم يأت فى غيره، مما حرم الله تعالى، فقد قرن بالشرك فى قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾.

стр. 8463

وروي عن حذيفة بن اليمان: أن النبي ﷺ ، قال "يا معشر الناس، اتقوا الزنا، فإن فيه ست خصال، ثلاث فى الدنيا، وثلاث فى الآخرة، أما التي فى الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر. وأما التي فى الآخرة: فسخط الله ، وسوء الحساب، وعذاب النار". وعن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله؛ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك". قلت: ثم أي: قال: "وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك"، قلت: ثم أي: قال: "وأن تزني بحليلة جارك"، فأنزل الله تصديقها. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. متفق عليه. ٢ - ثم شرع سبحانه فى تفصيل ما أجمل من الآيات البينات، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ مبتدأ خبره جملة قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فأل فيهما موصولة بمعنى: التي، والذي. فلذلك ربط الخبر بالفاء، لما فى المبتدأ من معنى الشرط، وهو العموم، والتقدير: التي زنت من النساء، والذي زنى من الرجال، وهما حران بالغان عاقلان غير محصنين بزوجين، فاجلدوا كلا منهما مئة جلدة، عقوبة له على ما أتى من معصية الله. والزاني (١): من وطئ المرأة من غير عقد شرعي، ولا شبهة. والزانية: هي المرأة المطاوعة للزنى الممكنة منه، كما تبنىء عنه الصيغة. لا المزنية كرها. وكذلك الزاني، والخطاب فى هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين. فإن قلت: لم قدمت (٢) المرأة فى آية حد الزنا، وأخرت فى آية حد السرقة؟ قلت: إن الزنا إنما يتولد بشهوة الوقاع، وهي فى المرأة أقوى وأكثر،

стр. 8464

ولكون الداعية فيها أوفر، ولولا تمكينها منه لم يقع، والسرقة إنما تتولد من الجسارة والقوة والجرأة، وهي فى الرجل أقوى وأكثر، كما مرّ فى المائدة. والجلد (١): الضرب بالجلد، وهو بكسر الجيم قشر البدن. يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل بطنه إذا ضرب بطنه، ورأسه إذا ضرب رأسه. وقالت الحنفية: وهذا دليل على أن التغريب ليس بمشروع؛ لأن الفاء إنما يدخل على الجزاء، وهو اسم للكافي. والتغريب المروي منسوخ بالآية، كما نسخ الحبس والأذى فى قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ وقوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾ بهذه الآية. ذكره النسفي فى تفسيره. تنبيه: وكان (٢) هذا الحكم عامًّا فى المحصن وغيره، وقد نسخ فى المحصن قطعًا بالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه، وهو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم" وبالسنة المتواترة، وبإجماع أهل العلم. ويكفينا فى حق الناسخ القطع بأنه ﵇ قد رجم ماعزًا وغيره، فيكون من باب نسخ الكتاب بالكتاب، وبالسنة المشهورة. فحد المحصن الرجم، وحد غير المحصن الجلد. وشرائط الإحصان فى باب الرجم ستة عند أبي حنيفة، كما مرّ: الإِسلام، والحرية، والعقل، والبلوغ، والنكاح الصحيح، والدخول. فلا إحصان عند فقد واحدة منها. وفي باب القذف: الأربع الأول والعفة. فمعنى قولهم: حدّ الزنا رجم محصن؛ أي: مسلم حر عاقل بالغ متزوج ذي دخول. ومعنى قولهم: من قذف محصنًا؛ أي: مسلمًا حرًا عاقلًا بالغًا عفيفًا، وإذا فقدت واحدة منها فلا إحصان. وقرأ الجمهور (٣): ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ بالرفع، وعبد الله ﴿والزان﴾ بغير ياء. وقرأ عيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وعمرو بن فائد وأبو جعفر وشيبة وأبو السمال

стр. 8465

ورويس ﴿الزانيةَ والزاني﴾ بنصبهما على الاشتغال؛ أي: واجلدوا الزانية والزاني، كقولك زيدًا فاضربه، ولدخول الفاء هنا وفي أمثاله تقرير ذكر فى علم النحو، والنصب هنا أحسن منه في ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ لأجل الأمر. وقال أبو حيان: وقد تضمنت (١) هذه السورة أحكامًا كثيرةً فيما يتعلق بالزنا، ونكاح الزناة، وقذف المحصنات، والتلاعن والحجاب وغير ذلك، فبدىء بالزنا لقبحه، وما يحدث عنه من المقاسد والعار، وكان قد نشأ فى العرب وصار من إمائهم أصحاب رايات. ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿بِهِمَا﴾؛ أي: بالزانية والزاني ﴿رَأْفَةٌ﴾؛ أي: رحمة ورقة، وقيل: الرأفة فى دفع المكروه، والرحمة فى إيصال المحبوب. كما فى "النسفي". وتنكيرها للتقليل؛ أي (٢): لا يأخذكم شيء قليل من الرحمة والشفقة عليهما ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: فى طاعته وإقامة حده، فتعطلوه أو تسامحوا فيه بعدم الإيجاع ضربًا، والتكميل حدًا، ولذلك قال ﵇: "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها". وذلك أن المضروب يفعل أثناء الضرب أفعالًا غريبة، ويتضرع ويستغيث، ويسترحم، وربما يغشى عليه، فيرأف به الإِمام، أو الضارب أو بعض الحاضرين، لا سيما إذا كان أحب الناس إليه، كالولد والأخ مثلًا، فلا يستوفي حد الله وحقه، ولا يكمل جلده مئة بل ينقصه بترك شيء منها، أو بتخفيف الضرب، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك. وفيه تنبيه على أن الله تعالى إذا أوجب أمرًا قبح استعمال الرحمة فيه. وفي الحديث: "يؤتى بوالٍ نقَّص من حدٍ سوطًا، فيقال: لم نقصت؟ فيقول: رحمة لعبادك، فيقال له: أنت أرحم مني، انطلقوا به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطًا. فيقال: لم زدت؛ فيقول: لينتهوا عن معاصيك، فيقال له: أنت أحكم مني فيؤمر به إلى النار". قال فى "الأسئلة المقحمة": إن الله تعالى نهى عن الرأفة والرحمة، وعلى

стр. 8466

هذا، إن وجدنا واحدًا بقلبه إشفاق على أخيه المسلم حيث وقع في المعصية هل يؤاخذ بها؟ والجواب: أنه لم يرد الرأفة الجبلية والرحمة الغريزية، فإنها لا تدخل تحت التكليف، وإنما أراد بذلك الرأفة التي تمنع عن إقامة حدود الله، وتفضي إلى تعطيل أحكام الشرع، فهي منهي عنها. قال في "بحر العلوم": وفيه دلالة على أن المخاطبين يجب عليهم أن يجتهدوا في حد الزنى، ولا يخففوا الضرب بل يوجعوها ضربًا، وكذلك حق القذف عند الزهري، لا حدّ الشرب، وعن قتادة يخفف في حدّ الشرب والقذف، ويجتهد في حدّ الزنى. وقرأ الجمهور ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ﴾ بالتاء لتأنيث لفظ الرأفة. وقرأ أبو عبد الرحمن (١) السلمي وأبو رزين والضحاك وابن يعمر والأعمش ﴿يأخذكم﴾ بالياء. وقرأ الجمهور: نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ﴿رَأْفَةٌ﴾ بسكون الهمزة بوزن رحمة. وقرأ أبو المتوكل ومجاهد وأبو عمران الجوني وابن كثير ﴿رأفة﴾ بفتح الهمزة وقصرها على وزن رعفة. وقرأ سعيد بن جبير والضحاك وأبو رجاء العطاردي ﴿رأفة﴾ بفتح الهمزة ومدها على وزن سآمة وكآبة، وكلها مصادر أشهرها الأول. فصل واختلف (٢) العلماء في شدة الضرب في الحدود، فقال الحسن البصري: ضرب الزنا أشد من القذف، والقذف أشد من الشرب، وضرب الشارب أشد من ضرب التعزير، وعلى هذا مذهب أصحابنا. وقال أبو حنيفة: التعزير أشد الضرب. وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف. وقال: مالك: الضرب في الحدود كلها سواء غير مبرح.

стр. 8467

فأما ما يضرب من الأعضاء: فنقل الميموني عن أحمد في جلد الزاني، قال: يجرد ويعطى كل عضو حقه، ولا يضرب وجهه ولا رأسه، ونقل يعقوب بن بختان لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: لا يضرب إلا في الظهر. وقال الشافعي: يتقى الفرج والوجه. وكيفية الضرب: أن يكون (١) بسوط لين له رأس واحدة، ويجرد الرجل من ثيابه إلا من إزار كما سيأتي والمرأة مما يقيها ألم الضرب، وتوضع في قفة فيها تراب للستر. والخلاصة: ولا تأخذكم (٢) بهما رحمة ورقة في تنفيذ حكم الله تعالى؛ فتعطلوا الحدود، أو تخففوا الضرب، بل الواجب عليكم أن تتصلبوا في دين الله، ولا يأخذكم اللين والهوادة في استيفاء الحدود، وكفى برسول الله ﷺ أسوة لكم في ذلك، إذ قال: "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها". ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ وتصدقون ﴿بِاللَّهِ﴾ ربكم ﴿و﴾ بأنكم تبعثون للحشر في ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: يوم القيامة، وتجازون بالثواب والعقاب، فإن من كان مصدّقًا بذلك لا يخالف أمر الله ونهيه، خوف عقابه على معاصيه. وفي هذا (٣) تهييج وتحريض والتهاب الغضب لله، ولدينه ولتنفيذ حدوده، وإقامة شريعته. فإن الإيمان بهما يقتضي الجد في طاعته، والاجتهاد في إجراء الأحكام. قال الجنيد ﵀: الشفقة على المخالفين، كالإعراض عن الموافقين، وذكر اليوم الآخر؛ لتذكر ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة، والتعطيل. وإنما سمى يوم القيامة اليوم الآخر؛ لأنه لا يكون بعده ليل فيصير كله بمنزلة يوم واحد. وقد قيل: إنه تجتمع الأنوار كلها، وتصير في الجنة يومًا واحدًا، وتجتمع الظلمات كلها وتصير في النار ليلة واحدة. ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾؛ أي: وليحضر وجوبًا نظرًا لظاهر الأمر، لكن الفقهاء قالوا

стр. 8468

بالاستحباب ﴿عَذَابَهُمَا﴾؛ أي: حدهما إذا أقيم عليهما ﴿طَائِفَةٌ﴾؛ أي: جماعة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾ يحصل بهما التشهير لأمرهما، أقلهم ثلاثة، وأكثرهم عشرة فما فوقها، فإنهما إذا جلدا بمحضر من الناس كان ذلك أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، والزيادة في تأنيبهما على ما فعلا. والطائفة (١): الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطوف، أقل الطائفة ثلاثة، وقيل: اثنان، وقيل: واحد، وقيل: أربعة، وقيل: عشرة. تنبيه: فحد غير المحصن (٢): جلد مئة وسطًا بسوط لا ثمرة له، ويجلد الرجل قائمًا وينزع عنه ثيابه إلا إزاره، ويفرق على بدنه إلا رأسه ووجهه. وتجلد المرأة قاعدةً لا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو، وجاز الحفر لها, لا له. ولا يجمع بين جلد ورجم، ولا بين جلد ونفي إلا سياسة، ويرجم مريض زنى، ولا يجلد حتى يبرأ، وحامل زنت ترجم حين وضعت، وتجلد بعد النفاس، وللعبد والأمة نصفها, ولا يحدهما سيدهما إلا بإذن الإِمام خلافًا للشافعي. وفي الحديث: "إقامة حدّ بأرض، خير لأهلها من مطر أربعين ليلة" واعلم أن الزنا حرام وكبيرة، وقد تقدم ما فيه من المساوي والإضرار، ومن الزنى زنى النظر، والنظرة سهم مسموم من سهام إبليس اللعين. ٣ - ثم ذكر سبحانه شيئًا يختص بالزاني والزانية، فقال: ﴿الزَّانِي﴾؛ أي: الرجل الذي زنى، وقد تقدم حدّ الزنا، بأنه وطء الرجل للمرأة في فرجها، من غير نكاح ولا شبهة نكاح، وقيل: هو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعًا محرمًا شرعًا. ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ أي (٣): الخبيث الذي من شأنه الزنا، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء ولا يتزوجها، وإنما يرغب في خبيثة من شكله، أو في مشركة. ﴿وَالزَّانِيَةُ﴾؛ أي: والمرأة التي طاوعت الزنا، ومكنت منه؛ أي: والخبيثة التي من شأنها الزنا ﴿لَا يَنْكِحُهَا﴾؛ أي: لا يتزوجها ﴿إِلَّا زَانٍ﴾ مثلها ﴿أَوْ

стр. 8469

مُشْرِكٌ﴾؛ أي: لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وإنما يرغب في نكاحها وتزوجها من هو من شكلها من الفسقة، أو المشركين؛ أي: إنما يتزوجها من هو مثلها، أو أخس منها. وهذا حكم (١) مؤسس على الغالب المعتاد، جيء به لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني، بعد زجرهم عن الزنا بهن، يعني الغالب أن المائل إلى الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في نكاح فاسقة من شكله، أو مشركة، والمسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال، وينفرون عنها, وإنما يرغب فيها فاسق مثلها، أو مشرك. فإن المشاكلة سبب الائتلاف والاجتماع، كما أن المخالفة سبب الوحشة والافتراق. فالآية تزهد في نكاح البغايا، إذ الزنا عديل الشرك في القبح، والإيمان قرين العفاف والتحصن، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ وقيل: كان نكاح الزانية محرمًا في أول الإِسلام، ثم نسخ بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾. وقدم الزاني على الزانية في هذه الآية عكس ما تقدم؛ لأن الرجل في النكاح من حيث إنه هو الطالب، ومنه تبدأ الخطبة؛ ولأن الآية نزلت في فقراء المهاجرين الذين رغبوا في نكاح موسرات كن بالمدينة من بغايا المشركين، لينفقن عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية. والمعنى (٢): أن الفاسق الفاجر الذي من شأنه الزنا والفسق، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة، أو في مشركة مثله، والفاسقة المستهترة لا يرغب في نكاحها الصالحون من الرجال، بل ينفرون منها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة، ولقد قالوا في أمثالهم: إن الطيور على أشكالها تقع. ولا شك أن هذا حكم الأعم الأغلب، كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل المتقي، وقد يفعل الخير من ليس بتقي، فكذا هذا، فإن الزاني قد ينكح

стр. 8470

المؤمنة العفيفة، والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف. قال ابن جرير الطبري: (١٨/ ٧٥) وأولى الأقوال (١) في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: عني بالنكاح في هذا الموضع الوطء، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات، وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان. فمعلوم إذ كان ذلك كذلك أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، لا ينكح إلا بزانية أو مشركة، وإذا كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية، لا تستحل الزنا، أو بمشركة تستحله. قال ابن كثير: ومن (٢) هاهنا ذهب الإِمام أحمد ابن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقد اختلف (٣) في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها، فقال الشافعي وأبو حنيفة: بجواز ذلك، وروي عن ابن عباس وروي عن عمر وابن مسعود وجابر أنه لا يجوز. قال ابن مسعود: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك، فهما زانيان أبدًا وبه قال مالك. وقال الزمخشري: فإن قلت (٤): أي فرق بين معنى الجملة الأولى، أعنى قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾، ومعنى الجملة الثانية، أعني قوله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾؟ قلت: معنى الأولى وصف الزاني بكونه غير راغب في العفائف، ولكن في

стр. 8471

الفواجر. ومعنى الثانية، وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة. وهما معنيان مختلفان. وعن عمرو بن عبيد ﴿لَا يَنْكِحُ﴾ بالجزم على النهي، والمرفوع فيه معنى النهي. ولكن هو أبلغ وآكد، كما أن رحمك على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة، ويتصون عنها، انتهى. ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾؛ أي: نكاح الزواني والمشركات. وقيل: الضمير يعود للزنا. قاله الفراء. ذكره ابن الجوزي. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لما فيه من التشبه بالفسقة، والتعرض للتهمة، والتسبب بسوء المقالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المقاصد اللاتي لا تكاد تليق بأحد من الأداني والأراذل، فضلًا عن المؤمنين، ولذلك عبر عن كراهة التنزيه بالتحريم مبالغة في الزجر. والحكم إما مخصوص بسبب النزول، أو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فإنه متناول للمسافحات. وبقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ويؤيده ما روي أنه ﵊ سئل عن ذلك فقال: "أوله سفاح وآخره نكاح" والحرام لا يحرم الحلال. وفي الآية إشارة إلى الحذر عن أخدان السوء، والحث على مخالطة أهل الصحبة والأخدان في الله تعالى، فإن الطبع من الطبع يسرق، والمقارنة مؤثرة، والأمراض سارية. وفي الحديث: "لا تسكنوا مع المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم وليس منا"؛ أي: لا تسكنوا مع المشركين في المسكن الواحد، ولا تجامعوا معهم في المجلس الواحد، حتى لا تسري إليكم أخلاقهم، وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة، وللناس أشكال، وكل يطير بشكله، وكل مساكن مثله، كما قال قائلهم: عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِيْنَهُ ... فَإِنَّ الْقَرِيْنَ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِيْ فأما أهل الفساد فالفساد يجمعهم، وإن تناءت ديارهم، أما أهل السداد، فالسداد يجمعهم وإن تباعد مزارهم، ومن بلاغات الزمخشري "لا ترض لمجالستك إلا أهل مجانستك"؛ أي: لا ترض أن تكون جليس أحد من غير

стр. 8472

جنسك، فإنه العذاب الشديد ليس إلا. وجاء في مسائل الفقه أن من رأى نصرانية سمينة أو جميلة فتمنى أن يكون نصرانيًا ليتزوجها كفر، فعلى العاقل أن يصون نفسه بقدر الإمكان، فإن الله تعالى غيور ينبغي أن يخاف منه كل آنٍ. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ مشددًا مبنيًا للمفعول. وقرأ أبو البرهشيم: ﴿وحرم ذلك﴾ مبنيًا للفاعل؛ أي: حرم الله ذلك. وقرأ زيد بن علي ﴿وحرم ذلك﴾ بفتح الحاء وضم الراء مخففة. وقرأ أبي بن كعب وأبو المتكل وأبو الجوزاء ﴿وحرم الله ذلك﴾ بزيادة اسم الله مع فتح حروف حرم كلها. والمعنى: أي إن نكاح المؤمن المتسم بالصلاح الزانية، ورغبته فيها، واندماجه في سلك الفسقة المشهورين بالزنا، محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفساق، ومن حضور مواضع الفسق والفجور، التي قد تسبب له سوء المقالة، واغتياب الناس له، وكم في مجالسه الفساق من التعرض لاقتراف الآثام فما بالك بمزاوجة الزواني والفجار. وجاء في الخبر: "من حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه". مبحث حكم قذف غير الزوجة من النساء ٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾؛ أي: يشتمون ويقذفون ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: الحرائر المكلفات العفيفات، من حرائر المسلمين فيرمونهن بالزنا، وظاهر قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ الذكور، ولكن حكم الراميات كحكمهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ إلى الحكام على ما رموهن به من ذلك ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ذكور عدول، يشهدون بأنهم رأوهن يفعلن ذلك ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾؛ أي: فاضربوا أيها الحكام أولئك القاذفين ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾؛ أي: ضربة، جزاء لهم على ما فعلوا من ثلم العرض، وهتك الستر دون أن يكون ذلك بوجه الحق لظهور كذبهم بعجزهم عن الإتيان بالشهداء.

стр. 8473

والمراد بالمحصنات هنا (١): الأجنبيات؛ لأن رمي الأزواج؛ أي: النساء الداخلات تحت نكاح الرامين حكمه سيأتي، وتخصيص المحصنات لشيوع الرمي فيهن، وإلا فقذف الذكر والأنثى سواء في الحكم المذكور. وبيان حكم الآية (٢): أن من قذف محصنًا، أو محصنة بالزنا، فقال له أو لها: يا زاني أو يا زانية، أو زنيت، أو يا ابن الزاني، يا ابن الزانية، أو يا ولد الزنى، أو لست لأبيك، ويا ابن فلان .. فيجب عليه جلد ثمانين إن كان القاذف حرًا، وإن كان عبدًا يجلد أربعين، وإن كان المقذوف غير محصن فعلى القاذف التعزير. وأجمعوا على أن شرائط إحصان القذف خمسة: الحرية والبلوغ والعقل والإِسلام والعفة من الزنا، حتى لو زنى في عمره مرة واحدة، ثم تاب وحسنت توبته بعد ذلك، ثم قذفه قاذف، فلا حدّ عليه، فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا، أو أقام القاذف أربعة شهود يشهدون عليه بالزنا، سقط الحد عن القاذف؛ لأن الحد إنما وجب عليه لأجل الفرية وقد ثبت صدقه. وأما الكنايات في القذف، مثل أن يقول: يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا خبيث، أو يا مؤاجر، أو يقول امرأتي لا ترد يد لامس، فهذا ونحوه لا يكون قذفًا إلا إذا أراد بذلك القذف. وأما التعريض، مثل أن يقول: أما أنا فما زنيت، أو ليست امرأتي زانية، فليس بقذف عند الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك: يجب فيه الحد. وقال أحمد: هو قذف في حال الغضب، دون حال الرضا. والقذف (٣) بغير الزنا مثل أن يقول: يا شارب الخمر، يا آكل الربا يا نصراني، يا يهودي، يا مجوسي، فيوجب التعزير، كقذف غير المحصن. وأكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطًا وأقله ثلاثة؛ لأن التعزير ينبغي أن لا يبلغ أقل الحد أربعين جلدة وهي حد العبيد في القذف والزنا. والفرق بين التعزير والحد: أن الحد مقدر، والتعزير مفوض إلى رأي

стр. 8474

الإِمام، وأن الحد يندرىء بالشبهات دونه، وأن الحد لا يجب على الصبي، والتعزير شرع فيه، والحد يطلق على الذمي إن كان مقدرًا، والتعزير لا يطلق عليه؛ لأن التعزير شرع للتطهير والكافر ليس من أهل التطهير. وانما يسمى في حق أهل الذمة إذا كان غير مقدر عقوبةً، وإن التقاوم يسقط الحد دون التعزير، وان التعزير حق العبد كسائر حقوقه، يجوز فيه الإبراء والعفو والشهادة على الشهادة، ويجري فيه اليمين، ولا يجوز شيء منها في الحد. وفي كلمة (١) ﴿ثم﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إشعار بجواز تأخيره الإتيان بالشهود، وفي كلمة ﴿لم﴾ إشارة إلى العجز عن الإتيان بهم، ولا بدّ من اجتماع الشهود عند الأداء عند أبي حنيفة ﵀؛ أي: الواجب أن يحضروا في مجلس واحد. وإن جاؤوا متفرقين كانوا قذفة، وفي قوله: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ دلالة على أنهم إن شهدوا ثلاثة يجب حدهم لعدم النصاب، وكذا إن شهدوا عميانًا، أو محدودين في قذف، أو أحدهم محدود، أو عبد لعدم أهلية الشهادة. وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر، ونصب جلدة على التمييز، كما سيأتي في مبحث الإعراب. أي: اضربوا كل واحد من الرامين ثمانين ضربة، إن كان القاذف حرًّا، وأربعين إن كان رقيقًا، كما مرّ، لظهور كذبهم وافترائهم بعجزهم عن الاتيان بالشهداء، كما سبق. وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ عطف (٢) على ﴿اجلدوا﴾ داخل في حكمه تتمة له لما فيه من معنى الزجر؛ لأنه مؤلم للقلب، كما أن الجلد مؤلم للبدن وقد آذى المقذوف بلسانه فعوقب بإهدار منافعه جزاء وفاقًا؛ أي: فاجمعوا لهم بين الأمرين الجلد وترك قبول الشهادة؛ لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول، بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية. ذكره الشوكاني.

стр. 8475

وفائدتها: تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن أهليتهم الثابتة لهم عند الرمي، وهو السر في قبول شهادة الكافر المحدود في القذف بعد التوبة والإِسلام؛ لأنها ليست ناشئة عن أهليته السابقة، بل أهليته لها حدثت بعد إسلامه، فلا يتناولها الرد. والمعنى: لا تقبلوا من القاذفين شهادةً من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند القذف ﴿أَبَدًا﴾؛ أي (١): ما داموا مصرين على عدم التوبة، وهذا هو المراد بالأبدية بدليل الاستثناء الآتي، وهذا على مذهب الإِمام الشافعي ومالك، من رد الاستثناء إلى الجملتين، وأما على مذهب أبي حنيفة من رده إلى الأخير فقط .. فالمراد بالأبد مدة حياتهم، وإن تابوا وأصلحوا. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ القاذفون ﴿هُمُ﴾ لا غيرهم ﴿الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: المحكوم عليهم بالفسق؛ أي: الكاملون في الفسق، والخروج عن الطاعة، والتجاوز عن الحدود. قال في "الكبير": يفيد أن القذف من الكبائر؛ لأن الفسق لا يقع إلا على صاحبه. والمعنى: أي (٢) وأولئك هم الخارجون عن طاعة ربهم، إذ أنهم فسقوا عن أمره، وارتكبوا كبيرة من الكبائر، باتهامهم المحصنات الغافلات المؤمنات كذبًا وبهتانًا، وهم إن كانوا صادقين فقد هتكوا ستر المؤمنات، وأوقعوا السامعين في شك من أمرهن دون أن يكون في ذلك فائدة دينية ولا دنيوية، وقد أمرنا بستر العرض إذا لم يكن في ذلك مصلحة في الدين. ٥ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ورجعوا عما قالوا، وندموا على ما تكلموا. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعدما اقترفوا ذلك الذنب العظيم، والقذف الذميم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم بالتدارك، ومنه الاستسلام لحد، والاستحلال من المقذوف. وقد (٣) اختلف في هذا الاستثناء، أيعود إلى الجملة الأخيرة فقط، وهي
следующие страницы →