الفواجر. ومعنى الثانية، وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة. وهما معنيان مختلفان.
وعن عمرو بن عبيد ﴿لَا يَنْكِحُ﴾ بالجزم على النهي، والمرفوع فيه معنى النهي. ولكن هو أبلغ وآكد، كما أن رحمك على ذلك، وعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة، ويتصون عنها، انتهى.
﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾؛ أي: نكاح الزواني والمشركات. وقيل: الضمير يعود للزنا. قاله الفراء. ذكره ابن الجوزي. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ لما فيه من التشبه بالفسقة، والتعرض للتهمة، والتسبب بسوء المقالة، والطعن في النسب، وغير ذلك من المقاصد اللاتي لا تكاد تليق بأحد من الأداني والأراذل، فضلًا عن المؤمنين، ولذلك عبر عن كراهة التنزيه بالتحريم مبالغة في الزجر. والحكم إما مخصوص بسبب النزول، أو منسوخ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فإنه متناول للمسافحات. وبقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ويؤيده ما روي أنه ﵊ سئل عن ذلك فقال: "أوله سفاح وآخره نكاح" والحرام لا يحرم الحلال.
وفي الآية إشارة إلى الحذر عن أخدان السوء، والحث على مخالطة أهل الصحبة والأخدان في الله تعالى، فإن الطبع من الطبع يسرق، والمقارنة مؤثرة، والأمراض سارية. وفي الحديث: "لا تسكنوا مع المشركين، ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم فهو منهم وليس منا"؛ أي: لا تسكنوا مع المشركين في المسكن الواحد، ولا تجامعوا معهم في المجلس الواحد، حتى لا تسري إليكم أخلاقهم، وسيرهم القبيحة بحكم المقارنة، وللناس أشكال، وكل يطير بشكله، وكل مساكن مثله، كما قال قائلهم:
عَنِ الْمَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قَرِيْنَهُ ... فَإِنَّ الْقَرِيْنَ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِيْ
فأما أهل الفساد فالفساد يجمعهم، وإن تناءت ديارهم، أما أهل السداد، فالسداد يجمعهم وإن تباعد مزارهم، ومن بلاغات الزمخشري "لا ترض لمجالستك إلا أهل مجانستك"؛ أي: لا ترض أن تكون جليس أحد من غير
стр. 8472
جنسك، فإنه العذاب الشديد ليس إلا. وجاء في مسائل الفقه أن من رأى نصرانية سمينة أو جميلة فتمنى أن يكون نصرانيًا ليتزوجها كفر، فعلى العاقل أن يصون نفسه بقدر الإمكان، فإن الله تعالى غيور ينبغي أن يخاف منه كل آنٍ.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ مشددًا مبنيًا للمفعول. وقرأ أبو البرهشيم: ﴿وحرم ذلك﴾ مبنيًا للفاعل؛ أي: حرم الله ذلك. وقرأ زيد بن علي ﴿وحرم ذلك﴾ بفتح الحاء وضم الراء مخففة. وقرأ أبي بن كعب وأبو المتكل وأبو الجوزاء ﴿وحرم الله ذلك﴾ بزيادة اسم الله مع فتح حروف حرم كلها.
والمعنى: أي إن نكاح المؤمن المتسم بالصلاح الزانية، ورغبته فيها، واندماجه في سلك الفسقة المشهورين بالزنا، محرم عليه، لما فيه من التشبه بالفساق، ومن حضور مواضع الفسق والفجور، التي قد تسبب له سوء المقالة، واغتياب الناس له، وكم في مجالسه الفساق من التعرض لاقتراف الآثام فما بالك بمزاوجة الزواني والفجار.
وجاء في الخبر: "من حام حول الحمى، يوشك أن يقع فيه".
مبحث حكم قذف غير الزوجة من النساء
٤ - ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾؛ أي: يشتمون ويقذفون ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: الحرائر المكلفات العفيفات، من حرائر المسلمين فيرمونهن بالزنا، وظاهر قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ الذكور، ولكن حكم الراميات كحكمهم. ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا﴾ إلى الحكام على ما رموهن به من ذلك ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ذكور عدول، يشهدون بأنهم رأوهن يفعلن ذلك ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾؛ أي: فاضربوا أيها الحكام أولئك القاذفين ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾؛ أي: ضربة، جزاء لهم على ما فعلوا من ثلم العرض، وهتك الستر دون أن يكون ذلك بوجه الحق لظهور كذبهم بعجزهم عن الإتيان بالشهداء.
стр. 8473
والمراد بالمحصنات هنا (١): الأجنبيات؛ لأن رمي الأزواج؛ أي: النساء الداخلات تحت نكاح الرامين حكمه سيأتي، وتخصيص المحصنات لشيوع الرمي فيهن، وإلا فقذف الذكر والأنثى سواء في الحكم المذكور.
وبيان حكم الآية (٢): أن من قذف محصنًا، أو محصنة بالزنا، فقال له أو لها: يا زاني أو يا زانية، أو زنيت، أو يا ابن الزاني، يا ابن الزانية، أو يا ولد الزنى، أو لست لأبيك، ويا ابن فلان .. فيجب عليه جلد ثمانين إن كان القاذف حرًا، وإن كان عبدًا يجلد أربعين، وإن كان المقذوف غير محصن فعلى القاذف التعزير. وأجمعوا على أن شرائط إحصان القذف خمسة: الحرية والبلوغ والعقل والإِسلام والعفة من الزنا، حتى لو زنى في عمره مرة واحدة، ثم تاب وحسنت توبته بعد ذلك، ثم قذفه قاذف، فلا حدّ عليه، فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا، أو أقام القاذف أربعة شهود يشهدون عليه بالزنا، سقط الحد عن القاذف؛ لأن الحد إنما وجب عليه لأجل الفرية وقد ثبت صدقه.
وأما الكنايات في القذف، مثل أن يقول: يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا خبيث، أو يا مؤاجر، أو يقول امرأتي لا ترد يد لامس، فهذا ونحوه لا يكون قذفًا إلا إذا أراد بذلك القذف. وأما التعريض، مثل أن يقول: أما أنا فما زنيت، أو ليست امرأتي زانية، فليس بقذف عند الشافعي وأبي حنيفة. وقال مالك: يجب فيه الحد. وقال أحمد: هو قذف في حال الغضب، دون حال الرضا.
والقذف (٣) بغير الزنا مثل أن يقول: يا شارب الخمر، يا آكل الربا يا نصراني، يا يهودي، يا مجوسي، فيوجب التعزير، كقذف غير المحصن. وأكثر التعزير تسعة وثلاثون سوطًا وأقله ثلاثة؛ لأن التعزير ينبغي أن لا يبلغ أقل الحد أربعين جلدة وهي حد العبيد في القذف والزنا.
والفرق بين التعزير والحد: أن الحد مقدر، والتعزير مفوض إلى رأي
стр. 8474
الإِمام، وأن الحد يندرىء بالشبهات دونه، وأن الحد لا يجب على الصبي، والتعزير شرع فيه، والحد يطلق على الذمي إن كان مقدرًا، والتعزير لا يطلق عليه؛ لأن التعزير شرع للتطهير والكافر ليس من أهل التطهير. وانما يسمى في حق أهل الذمة إذا كان غير مقدر عقوبةً، وإن التقاوم يسقط الحد دون التعزير، وان التعزير حق العبد كسائر حقوقه، يجوز فيه الإبراء والعفو والشهادة على الشهادة، ويجري فيه اليمين، ولا يجوز شيء منها في الحد.
وفي كلمة (١) ﴿ثم﴾ في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إشعار بجواز تأخيره الإتيان بالشهود، وفي كلمة ﴿لم﴾ إشارة إلى العجز عن الإتيان بهم، ولا بدّ من اجتماع الشهود عند الأداء عند أبي حنيفة ﵀؛ أي: الواجب أن يحضروا في مجلس واحد.
وإن جاؤوا متفرقين كانوا قذفة، وفي قوله: ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ دلالة على أنهم إن شهدوا ثلاثة يجب حدهم لعدم النصاب، وكذا إن شهدوا عميانًا، أو محدودين في قذف، أو أحدهم محدود، أو عبد لعدم أهلية الشهادة.
وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر، ونصب جلدة على التمييز، كما سيأتي في مبحث الإعراب. أي: اضربوا كل واحد من الرامين ثمانين ضربة، إن كان القاذف حرًّا، وأربعين إن كان رقيقًا، كما مرّ، لظهور كذبهم وافترائهم بعجزهم عن الاتيان بالشهداء، كما سبق.
وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً﴾ عطف (٢) على ﴿اجلدوا﴾ داخل في حكمه تتمة له لما فيه من معنى الزجر؛ لأنه مؤلم للقلب، كما أن الجلد مؤلم للبدن وقد آذى المقذوف بلسانه فعوقب بإهدار منافعه جزاء وفاقًا؛ أي: فاجمعوا لهم بين الأمرين الجلد وترك قبول الشهادة؛ لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول، بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية. ذكره الشوكاني.
стр. 8475
وفائدتها: تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن أهليتهم الثابتة لهم عند الرمي، وهو السر في قبول شهادة الكافر المحدود في القذف بعد التوبة والإِسلام؛ لأنها ليست ناشئة عن أهليته السابقة، بل أهليته لها حدثت بعد إسلامه، فلا يتناولها الرد.
والمعنى: لا تقبلوا من القاذفين شهادةً من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند القذف ﴿أَبَدًا﴾؛ أي (١): ما داموا مصرين على عدم التوبة، وهذا هو المراد بالأبدية بدليل الاستثناء الآتي، وهذا على مذهب الإِمام الشافعي ومالك، من رد الاستثناء إلى الجملتين، وأما على مذهب أبي حنيفة من رده إلى الأخير فقط .. فالمراد بالأبد مدة حياتهم، وإن تابوا وأصلحوا.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ القاذفون ﴿هُمُ﴾ لا غيرهم ﴿الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: المحكوم عليهم بالفسق؛ أي: الكاملون في الفسق، والخروج عن الطاعة، والتجاوز عن الحدود. قال في "الكبير": يفيد أن القذف من الكبائر؛ لأن الفسق لا يقع إلا على صاحبه.
والمعنى: أي (٢) وأولئك هم الخارجون عن طاعة ربهم، إذ أنهم فسقوا عن أمره، وارتكبوا كبيرة من الكبائر، باتهامهم المحصنات الغافلات المؤمنات كذبًا وبهتانًا، وهم إن كانوا صادقين فقد هتكوا ستر المؤمنات، وأوقعوا السامعين في شك من أمرهن دون أن يكون في ذلك فائدة دينية ولا دنيوية، وقد أمرنا بستر العرض إذا لم يكن في ذلك مصلحة في الدين.
٥ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ورجعوا عما قالوا، وندموا على ما تكلموا. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: من بعدما اقترفوا ذلك الذنب العظيم، والقذف الذميم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ أعمالهم بالتدارك، ومنه الاستسلام لحد، والاستحلال من المقذوف.
وقد (٣) اختلف في هذا الاستثناء، أيعود إلى الجملة الأخيرة فقط، وهي
стр. 8476
جملة الحكم عليهم بالفسق، فترفع التوبة الفسق فقط، ويبقى مردود الشهادة أبدًا، وإن تاب، وإلى هذا ذهب من السلف القاضي شريح وسعيد بن جبير وأبو حنيفة، أم يعود إلى الجملتين الأخيرتين الثانية، وهي جملة عدم قبول الشهادة والثالثة هي جملة الحكم عليهم بالفسق، وعليه فتقبل شهادته ويرفع عنه حكم الفسق؛ لأن سبب ردها، وهو ما كان متصفًا به من الفسق بسبب القذف قد زال بالتوبة بالإجماع، فتكون شهادته مقبولة، وعلى هذا القول جمهور العلماء، منهم سعيد بن المسيب وجماعة من السلف، وهو رأي مالك والشافعي وأحمد، وهذا (١) هو القول الحق الراجح؛ لأن تخصيص التقييد بالجملة الأخيرة دون ما قبلها، مع كون الكلام واحدًا في واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وهذا الاختلاف بعد اتفاقهم على أن الاستثناء لا يعود إلى جملة الجلد، بل يجلد التائب كالمصر.
وقد اختلف العلماء في صورة توبة القاذف، فقال عمر بن الخطاب والشعبي والضحاك وأهل المدينة: إن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي وقع منه، وأقيم عليه الحد بسببه، وقالت فرقة منهم مالك وغيره: أن توبته تكون بأن يحسن حاله ويصلح عمله، ويندم على ما فرط منه، ويستغفر الله من ذلك، ويعزم على ترك العود إلى مثله، وإن لم يكذب نفسه، ولا رجع عن قوله، ويؤيد هذا القول الآيات والأحاديث الواردة في التوبة، فإنها مطلقة غير مقيدة بمثل هذا القيد.
وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب، ولو كان كفرًا، فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى، هكذا حكى الإجماع القرطبي.
وجملة قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تعليل لما تضمنه الاستثناء من عدم المؤاخذة للقاذف بعد التوبة وصيرورته مغفورًا له، مرحومًا من الرحمن الرحيم، غير فاسق ولا مردود الشهادة، ولا مرفوع العدالة، كانه قيل: فحينئذٍ لا يؤاخذهم
стр. 8477
الله سبحانه بما فرط منهم، ولا ينظمهم في سلك الفاسقين؛ لأنه مبالغ في المغفرة والرحمة؛ أي: فإن الله ستار لذنوبهم التي أقدموا عليها، بعد أن تابوا عنها، رحيم بهم، فيزيل عنهم ذلك العار، الذي لحقهم بعدم قبول شهادتهم ووسمهم بميسم الفسوق الذي وصفوا به.
وفي الآية (١): إشارة إلى غاية كرم الله تعالى، ورحمته على عباده، بأن يستر عليهم ما أراد بعضهم إظهاره على بعض، وإن لم يظهر صدق أحدهما أو كذبه، ولتأديبهم أوجب عليهم الحد، ورد قبول شهادتهم أبدًا، وسماهم الفاسقين، وليتصفوا بصفاته الستارية والكريمية والرحيمية فيما يسترون عيوب إخوانهم المؤمنين. ولا يتبعوا عوراتهم.
حكم قذف الرجل زوجه
٦ - ثم بعد أن ذكر سبحانه حكم قذف المحصنات على العموم ذكر حكم نوع من أنواع القذف، وهو قذف الزوج للمرأة التي تحته بعقد النكاح، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾؛ أي: والأزواج الذين يقذفون زوجاتهم بالزنا، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون لهم بصحة ما قذفوهن به من الفاحشة ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾؛ أي: فعلى كل منهم أن يشهد أربع شهادات بالله على أنه صادق فيما رماها به من الزنا، فجملة: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، هي المشهود به، وأصله (على أنه)، فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنها.
٧ - ﴿وَ﴾ الشهادة ﴿الْخَامِسَةُ﴾ للأربع المتقدمة؛ أي: الجاعلة لها خمسًا بانضمامها إليهن، وهي مبتدأ خبره قوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ﴾ سبحانه، وطرده من رحمته في الدنيا والآخرة ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على الملاعن ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماها به من الزنا، فإذا لاعن الرجل .. حبست الزوجة حتى تعترف فترجم، أو تلاعن.
стр. 8478
وفي "الفتوحات" (١) قوله: ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ جمع زوج بمعنى الزوجة، فإن حذف التاء منها أفصح من إثباتها، إلا في الفرائض، ولم يقيدها بالمحصنات، إشارة إلى أن اللعان يشرع في قذف المحصنة وغيرها، فهو في قذف المحصنة يسقط الحد عن الزوج، وفي قذف غيرها يسقط التعزير، كان كانت ذميةً أو أمة، أو صغيرة تحتمل الوطء بخلاف الصغيرة التي لا تحتمله، وبخلاف قذف الكبيرة التي ثبت زناها ببينة أو إقرار، فإن الواجب في قذفها التعزير، لكنه لا يلاعن لدفعه كما في كتب الفروع.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ لا مفهوم لهذا القيد، فإنه يلاعن ولو كان واجدًا للشهود الذين يشهودن بزناها، وعبارة "المنهج مع شرحه": ويلاعن ولو مع إمكان بينة بزناها؛ لأنه حجة كالبينة، وصدنا عن الأخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ من اشتراط تعذر البينة الإجماع، فالآية مؤولة بأن يقال: فإن لم يرغب في البينة فيلاعن، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، على أن هذا القيد خرج على سبب، وسبب الآية: كان الزوج فيه فاقدًا للبينة، وشرط العمل بالمفهوم أن لا يخرج القيد على سبب فيلاعن مطلقًا لنفي الولد ولدفع العقوبة حدًا أو تعزيرًا. اهـ.
وصورة قذفها بأن يقول لها (٢): يا زانية أو زنيت، أو رأيتك تزني. قال في "بحر العلوم": إذا قال: يا زانية، وهما محصنان، فردت بلا بل أنت حدت؛ لأنها قذفت الزوج، وقذفه إياها لا يوجب الحد بل اللعان، وما لم ترفع القاذف إلى الإِمام لم يجب اللعان.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ بإضافة أربعة إلى شهداء. وقرأ أبو زرعة وعبسد الله بن سلم ﴿بأربعة﴾ بالتنوين، وهي قراءة فصيحة؛ لأنه إذا اجتمع اسم العدد والصفة، كان الاتباع أجود من الإضافية، ولذلك رجح ابن جني هذه
стр. 8479
القراءة على قراءة الجمهور، من حيث أخذ مطلق الصفة، وليس كذلك؛ لأن الصفة إذا جرت مجرى الأسماء وباشرتها العوامل جرت في العدد وفي غيره مجرى الأسماء، فتكون الإضافة فيها أرجح من الاتباع.
وقرأ الجمهور: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ بالياء وهو الفصيح؛ لأنه إذا كان العامل مفرغًا لما بعد إلا، وهو مؤنث، فالفصيح أن يقول: ما قام إلا هند. وقرأ أبو المتوكل وابن يعمر والنخعي ﴿تكن﴾ بالتاء الفوقية. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ بفتح العين بالنصب على المصدرية، وارتفع فشهادة على كونه خبرًا لمحذوف؛ أي: فالحكم أو الواجب شهادة أحدهم، أو على كونه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فشهادة أحدهم كافية، أو واجبة، أو فعليهم شهادة أحدهم، وبالله من صلة شهادات. ويجوز أن يكون من صلة فشهادة. قاله ابن عطية. وقال الزجاج: من رفع ﴿أربع﴾ فالمعنى: فشهادة أحدهم التي تدرأ حدًا لقذف أربع. ومن نصب فالمعنى: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع. اهـ.
وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وحفص والحسن وقتادة والزعفراني وابن مقسم وأبوحيوة وابن أبي عبلة وأبو بحرية وأبان وابن سعدان ﴿أربع﴾ بالرفع خبرًا للمبتدأ. وهو فشهادة. وبالله من صلة شهادات على هذه القراءة. ولا يجوز أن يتعلق، بـ ﴿فشهادة﴾ للفصل بين المصدر ومعموله بحرف الجر. ولا يجوز ذلك. وقرأ الجمهور: ﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ بالرفع في الموضعين. وقرأ طلحة والسلمي والحسن وقتادة والأعمش وخالد بن أياس ويقال: ابن الياس بالنصب فيهما. وقرأ حفص والزعفراني بنصب الثانية دون الأولى. فالرفع على الابتداء، وما بعده الخبر. ومن نصب الأولى فعطف على أربع في قراءة من نصب أربع. وعلى إضمار فعل يدل عليه المعنى في قراءة من رفع أربع؛ أي: وتشهد الخامسة. ومن نصب الثانية فعطف على أربع. وعلى قراءة النصب في الخامسة يكون أن بعده على إسقاط حرف الجر؛ أي: بأن. وجوز أن يكون أن وما بعده بدلًا من الخامسة.
وقرأ نافع: ﴿أن لعنة﴾ بتخفيف أن، ورفع لعنة. و ﴿أن غضب﴾، بتخفيف
стр. 8480
أن، وغضب فعل ماض، والجلالة بعد مرفوعة، وهي أن المخففة من الثقيلة لما خففت حذف اسمها وهو ضمير الشأن. وقرأ أبو رجاء وقتادة وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون والأعرج ويعقوب بخلاف عنهما. والحسن ﴿أن لعنة﴾ كقراءة نافع، و ﴿أن غضب﴾ بتخفيف أن وغضب مصدر مرفوع وما بعده خبره. وهي أن المخففة من الثقيلة. وقرأ باقي السبعة: ﴿أن لعنة الله﴾، و ﴿أن غضب الله﴾ بتشديد أن ونصب ما بعدها اسمًا لها، وخبرها ما بعدها. قال ابن عطية: وأن الخفيفة على قراءة نافع في قوله: ﴿أن غضب﴾ قد وليها الفعل. قال أبو علي: وأهل العربية يستقبحون أن يليها الفعل، إلا أن يفصل بينهما وبينه بشيء، نحو قوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ﴾.
فصل في بيان حكم الآية
واعلم: أن الرجل إذا قذف (١) امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبية، وجوب الحد عليه إن كانت محصنة، أو التعزير إن كانت غير محصنة، غير أن المخرج منهما مختلف، فإذا قذف أجنبيًا أو أجنبية يقام عليه الحد، إلا أن يأتي بأربعة يشهدون بالزنا، أو يقر المقذوف بالزنا، فيسقط عنه الحد. وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين، أو لاعن، سقط عنه الحد. فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة؛ لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلًا، ربما لا يمكنه إقامة البينة، ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه. فقال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وإذا أقام الزوج بينة على زناها، أو اعترفت هي بالزنا .. سقط عنه الحد واللعان إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه، فله أن يلاعن لنفيه، وإذا أراد الإِمام أن يلاعن بينهما .. بدأ بالرجل فيقيمه، ويلقنه كلمات اللعان، فيقول: قل: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة من الزنا، وان كان قد رماها برجل بعينه .. سماه في اللعان، ويقول كما يلقنه الإِمام، وان كان ولد أو حمل يريد نفيه، يقول: وإن هذا الولد، أو هذا الحمل لَمِنَ الزنا، ما هو منى، ويقول في الخامسة: علي لعنة
стр. 8481
الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة، وإذا أتى بكلمة من كلمات اللعان من غير تلقين الإِمام، لا تحسب. فإذا فرغ الرجل من اللعان، وقعت الفرقة بينه وبين الزوجة، وحرمت عليه على التأبيد، وانتفى عنه النسب، وسقط عنه الحد، ووجب على المرأة حد الزنا. فهذه خمسة أحكام تتعلق بلعان الزوج.
٨ - ﴿وَيَدْرَأُ﴾؛ أي: يدفع ﴿عَنْهَا﴾؛ أي: عن المرأة المرمية ﴿الْعَذَابَ﴾ الدنيوي، وهو الحد. وفاعل يدرأ قوله: ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾، أي: أن تحلف بالله أربعة أيمان ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: أن الزوج الذي رماني ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رماني به من الزنا؛ أي: ويدفع عن المرأة الحد، شهادتها أربع شهادات بالله، إن هذا الزوج الذي رماني لمن الكاذبين فيما رماني به.
٩ - ﴿وَالْخَامِسَةَ﴾ بالنصب عطفًا على أربع شهادات؛ أي: وتشهد المرة الخامسة للمرات الأربع. كذلك قرأ (١) حفص والحسن والسلمي وطلحة والأعمش. وقرأ الباقون: بالرفع على الابتداء وخبره ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿عليها﴾؛ أي: علي ﴿إن كاَنَ﴾ هذا الزوج الذي رماني ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: فيما رماني به من الزنا.
والغضب (٢): ثوران دم القلب لإرادة الانتقام، ولذلك قال ﷺ : "اتقوا الغضب، فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه". فإذا وصف الله به فالمراد لازمه، وهو الانتقام دون غيره، وتخصيص الغضب بجانب المرأة، واللعن بجانب الرجل للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادته؛ لأن الغضب أشد من اللعنة؛ لأن اللعنة مطلق الطرد من الرحمة، والغضب الطرد من الرحمة مع إرادة الانتقام منه، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة، فربما تجترىء على التفوه به لسقوط وقعه على قلوبهن بخلاف الغضب.
ومعنى الآية: أي (٣) ويدقع عنها العقوبة الدنيوية، وهي الحد، أن تحلف
стр. 8482
بالله أربعة أيمان أن زوجها الذي رماها بما رماها، من الفاحشة، لمن الكاذبين فيما قال، والشهادة الخامسة أن غضب الله عليها إن كان زوجها صادقًا فيما اتهمها به. وخصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله عليها؛ تغليظًا عليها؛ لأنها هي سبب الفجور ومنبعه بخديعتها وإطماعها الرجل في نفسها، كما مر آنفًا.
نبذة من أحكام اللعان
واعلم: أن الزوج إذا لاعن (١) .. وجب على المرأة حدّ الزنا، فإن أرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن، فتقوم وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة: علي غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به. ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد، وهو إسقاط الحد عنها, ولو أقام الزوج بينة لم يسقط الحد عنها باللعان.
وعند أصحاب الرأي: لا حد على من قذف زوجته بل موجبه اللعان، فإن لم يلاعن حبس حتى يلاعن، فإذا لاعن الزوج وامتنعت المرأة من اللعان، حبست حتى تلاعن. وعند الآخرين اللعان حجة صدقه، والقاذف إذا قعد عن إقامة البينة على صدقه لا يحبس، بل يحد، كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة. وعند أبي حنيفة: موجب اللعان وقوع الفرقة، ونفي النسب، وهما لا يحصلان إلا بلعان الزوجين جميعًا، وقضاء القاضي وفرقة اللعان فرقة فسخ عند الأكثرين. وبه قال الشافعي. وتلك الفرقة متأبدة حتى لو أكذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه، لا فيما له، فيلزمه الحد، ويلحقه الولد، لكن لا يرتفع تأبيد التحريم. وعند أبي حنيفة فرقة اللعان فرقة طلاق، فإذا أكذب نفسه .. جاز له أن ينكحها. وإذا أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم. وعند أبي حنيفة إذًا أتى بأكثر كلمات اللعان قام مقام الكل. وكل من صح يمينه .. صح لعانه حرًّا كان أو عبدًا مسلمًا كان أو ذميًا. وهو قول سعيد بن المسيب وسلمان بن يسار
стр. 8483
والحسن، وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأكثر أهل العلم.
وقال الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجري اللعان إلا بين مسلمين حرين غير محدودين، فإن كان أحد الزوجين رقيقًا أو ذميًا أو محدودًا في قذف، فلا لعان بينهما. وظاهر القرآن حجة لمن قال: يجري اللعان بينهما؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ولم يفصل بين الحر والعبد والمحدود وغيره.
ولا يصح اللعان إلا عند الحاكم أو نائبه، ويغلظ اللعان بأربعة أشياء، بتعدد الألفاظ وبالمكان والزمان، وأن يكون بمحضر جماعة من الناس. أما تعدد الألفاظ فيجب، ولا يجوز الإخلال بشيء منها. وأما المكان: فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند منبر النبي ﷺ . وفي سائر البلاد في الجامع عند المنبر. وأما الزمان: فهو أن يكون بعد العصر. وأما الجمع فأقله أربعة، والتغليظ بالجمع سنة، فلو لاعن الحاكم بينهما وحده جاز. وفي التغليظ بالزمان والمكان قولان. وبيان اللعان متبعًا موضعه كتب الفروع، فيطلب هناك، وكذا القذف.
١٠ - وبعد أن ذكر حكم الرامي للمحصنات وللأزواج، بين أن في هذا تفضلًا على عباده، ورحمة بهم، فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أي: تفضله سبحانه ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها القاذفون والمقذوفات ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ سبحانه بالستر لكم؛ أي: لولا تفضله عليكم بالستر ورحمته لكم به في القذف. وجواب ﴿لولا﴾ محذوف، تقديره: لنال الكاذب منكم عذاب عظيم. وفي قوله: عليكم (١) التفات عن الغيبة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إلى الخطاب. والخطاب لكل من الفريقين؛ أي: القاذفين والمقذوفات، ففي الكلام تغليب صيغة الذكور على صيغة الإناث، حيث لم يقل: عليكم وعليكن.
وجملة قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿تَوَّابٌ﴾ بعوده على من يرجع عن
стр. 8484
المعاصي بالرحمة. ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: فيما فرضه من الحدود. معطوفة على مدخول ﴿لولا﴾. وحذف (١) جواب ﴿لولا﴾ للتهويل والإشعار بضيق العبارة عن حصره، كأنه قيل: لولا تفضله عليكم ورحمته، أيها الرامون والمرميات. وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة. حكيم في جميع أفعاله وأحكامه، التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان، لكان ما كان مما لا يحيط به نطاق البيان. ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك .. لوجب على الزوج حدّ القذف، مع أن الظاهر صدقه؛ لأنه أعرف بحال زوجته، وأنه لا يفتري عليها؛ لاشتراكهما في الفضاحة.
وبعدما شرع لهم ذلك، لو جعل شهاداته موجبة لحدّ القذف عليه .. لفات النظر له، ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة، فجعل شهادات كل منهما، مع الجزم بكذب أحدهما حتمًا، دارئة لما توجه إليه من الغائلة الدنيوية. وقد ابتلي الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأه عنه وأطم. وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى. أما على الصادق فظاهر، وأما على الكاذب فهو إمهال له، والستر عليه في الدنيا، ودرأ الحد عنه، وتعريضه للتوبة، حسبما ينبىء عنه التعرض لعنوان توابيته، سبحانه ما أعظم شأنه، وأوسع رحمته وأدق حكمته.
والخلاصة (٢): أي ولولا تفضله سبحانه ورحمته بكم، وأنه قابل لتوبتكم في كل آن، وأنه حكيم في جميع أفعاله وأحكامه التي منها ما شرعه لكم من اللعان .. لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم، ودفع عنكم الحد باللعان، إذ لو لم يشرع لكم ذلك .. لوجب على الزوج حدّ القذف، مع أن قرائن الأحوال تدل على صدقه؛ لأنه أعرف بحال زوجه، وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الفضيحة. ولو جعل شهادته موجبة لحد الزنا عليها .. لأهمل أمرها، وكثر افتراء الزوج عليها, لضغينة قد تكون في نفسه من أهلها. وفي كل
стр. 8485
هذا خروج من سابق الحكمة والفضل والرحمة. ومن ثم جعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما، دارئة عند العقوبة الدنيوية. وإن كان قد ابتلي الكاذب منهما في تضاعيف شهادته بأشد مما درأه عن نفسه، وهو العقاب الأخروي.
تنبيه: وكررت (١) ﴿لولا﴾ في هذا السياق أربع مرات، لاختلاف الأجوبة فيها، إذ جواب الأول منها محذوف، تقديره: لفضحكم. وجواب الثاني مذكور، وهو قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وجواب الثالث محذوف، تقديره: لعجل لكم العذاب. وجواب الرابع مذكور. وهو قوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾.
قال ابن جرير الطبري: (١٨/ ٨٦) يقول تعالى ذكره: ولولا (٢) فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عواد على خلقه بلطفه وطوله، حكيم في تدبيره إياهم وسياسته لهم .. لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، وفضح أهل الذنوب منكم بذنوبكم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلًا رحمة منه بكم، وتفضلًا عليكم، فاشكروا نعمه وانتهوا عن التقدم عما عنه نهاكم من معاصيه. وترك الجواب في ذلك، اكتفاء بمعرفة السامع المراد منه. اهـ.
الإعراب
﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾.
﴿سُورَةٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه الآيات الآتي ذكرها. أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. وسوغ الابتداء بالنكرة وصفها بجملة ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة القعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿سُورَةٌ﴾. ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾. وكذلك جملة ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ معطوفة على جملة ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾. ﴿آيَاتٍ﴾:
стр. 8486
مفعول به لـ ﴿أنزلنا﴾. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: صفة لـ ﴿آيَاتٍ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾.
﴿الزَّانِيَةُ﴾: مبتدأ. ﴿وَالزَّانِي﴾: معطوف عليه. ﴿فَاجْلِدُوا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ لشبه المبتدأ بالشرط في العموم، كما مر. ﴿اجلدوا﴾: فعل وفاعل. ﴿كُلَّ وَاحِدٍ﴾: مفعول به. ﴿مِنْهُمَا﴾: صفة لـ ﴿واحد﴾. ﴿مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، لنيابته عن المصدر، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لتفصيل ما ذكر من الآيات البينات. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ في رفعهما وجهان:
أحدهما: مذهب سيبويه، أنه مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فيما يتلى عليكم، حكم الزانية والزاني. و ﴿الفاء﴾: في ﴿فَاجْلِدُوا﴾ على هذا الوجه: تفصيلية للحكم المتلو المجمل؛ لأنه لما تشوف السامع إلى تفصيل هذا المجمل .. ذكر حكمهما مفصلًا بقوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾؛ لأنه أوقع في النفس من ذكره أول وهلة.
وثانيهما: مذهب الأخفش وغيره، وهو أنه مبتدأ، والخبر جملة الأمر، كما جرينا عليه في إعرابنا؛ لأن عدم التقدير أولى من التقدير. ودخلت الفاء حينئذٍ، لشبه المبتدأ بالشرط. فالفاء: رابطة الخبر بالمبتدأ، لكونه جملة طلبية، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة مستوفى عند قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾. فجدد به عهدًا.
﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَأْخُذْكُمْ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿بِهِمَا﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿رَأْفَةٌ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿فَاجْلِدُوا﴾. ﴿فِي دِينِ
стр. 8487
اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿تَأْخُذْكُمْ﴾ أيضًا. وهذه الجملة دالة على جواب الشرط بعدها، أو هي نفس الجواب عند بعضهم. اهـ. "سمين". ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾، على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُؤْمِنُونَ﴾. ﴿وَالْيَوْمِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿الْآخِر﴾: صفة لـ ﴿اليوم﴾. وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنتم تؤمنون بالله، واليوم الآخر، فلا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة. ﴿وَلْيَشْهَدْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: لام الأمر. ﴿يشهد﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر. ﴿عَذَابَهُمَا﴾: مفعول به. ﴿طَائِفَةٌ﴾: فاعل. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: صفة لـ ﴿طائفة﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾.
﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾.
﴿الزَّانِي﴾: مبتدأ. ﴿لَا يَنْكِحُ﴾: فعل وفاعل مستتر. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿زَانِيَةً﴾: مفعول به. ﴿أَوْ مُشْرِكَةً﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان حال الفاسق الخبيث. ﴿وَالزَّانِيَةُ﴾: مبتدأ. ﴿لَا يَنْكِحُهَا﴾: فعل ومفعول به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿زَانٍ﴾: فاعل مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه اسم منقوص. ﴿أَوْ مُشْرِكٌ﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ﴾ فعل ونائب فاعل. ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق به. والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لبيان حكم نكاح الزواني والمشركات.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
стр. 8488
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الذين﴾: مبتدأ. ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿لَمْ يَأْتُوا﴾: جازم وفعل مجزوم وفاعل. ﴿بِأَرْبَعَةِ﴾: متعلق بـ ﴿يأتوا﴾. ﴿شُهَدَاءَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة، لمنعه من الصرف، لمكان ألف التأنيث الممدودة، والجملة معطوفة على جملة ﴿يرمون﴾. ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لخبر الموصول المتضمن معنى الشرط. ﴿اجلدوهم﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ. ﴿ثَمَانِينَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿جَلْدَةً﴾: تمييز له منصوب به والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان نوع آخر من حدود الزنا. ﴿وَلَا تَقْبَلُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَقْبَلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة الفعلية في محل الرفع، معطوفة على جملة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف، حال من ﴿شَهَادَةً﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿شَهَادَةً﴾ مفعول به. ﴿أَبَدًا﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بـ ﴿تَقْبَلُوا﴾. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، أو مبتدأ ثان. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: خبر عن ﴿أولئك﴾، أو خبرهم، والجملة الاسمية في محل الرفع، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ على كونها خبر الموصول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر، في محل النصب على الاستثناء. ﴿تَابُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَابُوا﴾. واختلف في هذا الاستثناء، فقيل: هو متصل؛ لأن المستثنى منه في الحقيقة ﴿الذين يرمون﴾، والتائبون من جملتهم لكنهم مخرجون من الحكم. وهذا شأن المتصل. وقيل: هو منقطع؛ لأنه لم يقصد إخراجه من الحكم السابق، بل قصد به إثبات أمر آخر، وهو أن التائب لا يبقى فاسقًا؛ ولأنه غير داخل في صدر الكلام؛ لأنه غير فاسق اهـ. "شهاب". وهذا التوجيه ضعيف جدًّا، إذ يلزم عليه، أن يكون كل استثناء منقطعًا، لجريان التوجيه المذكور فيه تأمل. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿الفاء﴾: تعليلية. ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لها. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان. والجملة الاسمية مستأنفة،
стр. 8489
مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الذين﴾: مبتدأ أول. ﴿يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجمله صلة الموصول ومتعلق ﴿يرمون﴾ محذوف، تقديره: بالزنا. ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لم يكن﴾: جازم ومجزوم. ﴿لَهُمْ﴾: خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم على اسمها. ﴿شُهَدَاءُ﴾: اسمها مؤخر. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: بدل من ﴿شهداء﴾. ويجوز أن تكون ﴿إِلَّا﴾: بمعنى غير. فتكون ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾: نعتًا لـ ﴿شُهَدَاءُ﴾. وقد ظهر عليها إعراب إلا على حد قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ، لشبه الموصول بأسماء الشروط في العموم. ﴿شهادة أحدهم﴾: مبتدأ شأن ومضاف إليه. ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ بالرفع خبر للمبتدأ الثاني ومضاف إليه. ﴿بِاللَّهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿شَهَادَاتٍ﴾، أو ﴿بشهادة﴾. فالمسألة من باب التنازع، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للأول، والجملة من المبتدأَ الأول وخبره، مستأنفة مسوقة لبيان أحكام اللعان، وهو مبسوط في كتب الفقه. وقرأ الجمهور: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ بالنصب، فيكون خبر فـ ﴿شَهَادَةُ﴾ مقدرًا، إما مقدمًا، تقديره: فعليهم شهادة أحدهم، أربع شهادات. أو مؤخرًا، تقديره: فشهادة أحدهم، أربع شهادات كائنة، أو واجبة. أو هو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: فالواجب شهادة أحدهم: أربع منصوب على المفعولية المطلقة، والعامل فيه مصدر مثله. نظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ وقد ناب هنا عن المصدر عدده، ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه، وكسرت همزة ﴿إن﴾ لوجود اللام المزحلقة و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: وما بعدها في محل النصب معمول ﴿شَهَادَاتٍ﴾، أو شهادة؛ لأن أصله يشهد على أنه صادق، فحذف الجار وكسرت ﴿إن﴾، وعلق العامل عنها لأجل اللام في الخبر.
﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾.
стр. 8490
﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ ﴿الواو﴾: اعتراضية. ﴿الخامسة﴾: مبتدأ؛ أي: الشهادة الخامسة. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ﴾: اسمها ومضاف إليه. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية. للمبتدأ، والتقدير: والخامسة إثبات لعنة الله عليه، والجملة الاسمية معترضة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، في محل الجزم بأن على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على الملاعن؛ أي: الزوج. ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿كَانَ﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: إن كان من الكاذبين فيما رماها به، فعليه لعنة الله سبحانه، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة. ويقرأ: الخامسة، بالنصب على تقدير ويشهد الخامسة، والتقدير: ويشهد الخامسة بأن لعنة الله عليه. ويجوز أن يكون بدلًا، من الخامسة. ذكره أبو البقاء.
﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾.
﴿وَيَدْرَأُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يدرأ﴾: فعل مضارع. ﴿عَنْهَا﴾: متعلق به. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول به، ﴿أَن﴾: حرف نصبـ ﴿تَشْهَدَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية وفاعله ضمير يعود على الملاعنة ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿شَهَادَاتٍ﴾: أو بـ ﴿تَشْهَدَ﴾. والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية، والتقدير: ويدرأ عنها العذاب شهادة أربع شهادات بالله، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية في قوله: والذين يرمون المحصنات. ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: خبره. و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ ومعموليها في محل النصب معمول لـ ﴿تَشْهَدَ﴾، ولكنه علق عنه باللام: وذلك كسرت همزة ﴿إن﴾، والأصل أن تشهد أربع شهادات، على أنه لمن الكاذبين.
﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾.
﴿وَالْخَامِسَةَ﴾: بالنصب معطوف على ﴿أَرْبَعَ﴾؛ أي: وتشهد الخامسة. ﴿أَنَّ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿غَضَبَ اللَّهِ﴾: اسمها. ﴿عَلَيْهَا﴾: جار ومجرور خبر
стр. 8491
﴿أن﴾. وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر، مجرور بحرف جر محذوف؛ أي: وتشهد الخامسة على كون ﴿غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾. وبالرفع مبتدأ، والخبر جملة أن غضب الله عليها. ﴿إِن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ في محل الجزم بـ ﴿أن﴾، واسمها ضمير يعود على الزوج. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ خبرها. وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: إن كان من الصادقين، فعلي غضب الله.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿لولا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا، تقديره: ولولا فضل الله عليكم موجود. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ معطوف على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾، وجواب ﴿لولا﴾ محذوف، تقديره: لبين الحق في ذلك، وعاجل بالعقوبة لمن يستحقها، وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿تَوَّابٌ﴾ خبر أول له ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان له. وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر، معطوف على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ على كونه مبتدأ محذوف الخبر، وتقديره: ولولا كون الله توابًا حكيمًا موجود .. لنال الكاذب منهما عذاب عظيم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿سُورَةٌ﴾: السورة: في اللغة المنزلة السامية، والمكانة الرفيعة. قال النابغة:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أعْطَاكَ سُوْرَةً ... تَرَى كُلَّ مُلْكٍ دُوْنَهَا يَتَذَبْذَبُ
وسميت المجموعة من الآيات لها بدء ونهاية: سورةً، لشرفها وارتفاعها، كما يسمى السور للمرتفع من الجدار.
﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ قال في المفردات: الزنى: يقصر، وقد يمد، فيقال: الزناء، ويصح أن يكون الممدود مصدر المفاعلة، والنسبة إليه زنوى. انتهى. فبنية الزنا والزناء بالقصر، والمد قال الفرزدق:
أَبَا خَالِدٍ مَنْ يَزْنِ يُعْلَمْ زِنَاؤُهُ ... وَمَنْ يَشْرَبِ الْخُرْطُوْمَ يُصْبِحْ مُسَكَّرَا
قال الفراء: المقصور من زنى الثلاثي والممدود من زاني الرباعي. يقال:
стр. 8492
زاناها مزاناة وزناء، وخرجت فلانة تزاني وتباغي، وقد زنى بها. وجمع الزاني زناة، كالطاغي والطغاة والباغي والبغاة. وجمع الزانية الزواني كالجارية والجواري، وزناة تزنية نسبه إلى الزنا، وهو ولد زنية بفتح الزاي وكسرها.
﴿رَأْفَةٌ﴾: في "المختار" والرأفة: أشد الرحمة، وقد رؤف بالضم، رآفة ورأف به يرأف مثل قطع يقطع. ورئف به من باب طرب، كله من كلام العرب، فهو رؤوف على وزن فعول. ورؤف على وزن فعل اهـ.
﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الشهود: الحضور. والعذاب: الإيجاع الشديد، قال بعضهم: العذاب: إكثار الضرب بعذبة السوط؛ أي: بطرفه. وقيل: غير ذلك. وفي تسميته عذابًا دليل على أنه عقوبة، ويجوز أن يسمى عذابًا؛ لأنه ألم مانع من معاودة، كما يسمى نكالًا؛ أي: عقابًا يردع عن المعاودة. والطائفة: فرقة يمكن أن تكون حافة حول الشيء، وحلقة من الطوف. والمراد به جمع يحصل به التشهير والزجر.
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الرمي يقال في الأعيان كالسهم والحجر، ويقال: في المقال كناية عن الشتم كالقذف، فإنه في الأصل الرمي بالحجارة ونحوها مطلقًا. قال في "الإرشاد": في التعبير عن التفوه، بما قالوا في حقهن بالرمي المنبي عن صلابة الآلة، وإيلام المرمي، وبعده إيذان بشدة تأثيره فيهن. والمحصنات: العفائف وهو بالفتح، يقال: إذا تصور حصنها من نفسها وبالكسر يقال: إذا تصور حصنها من غيرها، والحصن في الأصل معروف، ثم تجوز به في كل تحرز. ومنه درع حصينة لكونها حصنًا للبدن وفرس حصان؛ لكونه حصنًا لراكبه، وامراة حصان، للعفيفة. وأصل الإحصان المنع، سميت العفيفة (محصنة)؛ لأنها منعت نفسها عن القبيح. ومنه الحصين؛ لأنه يمنع من الأعداء. (يدرأ)؛ أي: يدفع من الدرء، وهو الدفع.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان
стр. 8493
والبديع:
فمنها: الإيجاز بالحذف في قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ حيث حذف المبتدأ أو الخبر. وأشير إليها بالمبتدأ المحذوف. مع عدم سبق ذكرها؛ لأنها باعتبار كونها في شرف الذكر في حكم الحاضر المشاهد.
منها: التنكير في سورة للتفخيم؛ أي: هذه صورة عظيمة الشأن جليلة القدر أنزلها الله سبحانه.
ومنها: الإطناب بتكرير لفظ أنزلنا في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ لإبراز كمال العناية بشأنها، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام، للعناية والاهتمام به.
ومنها: التهييج والإلهاب في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أي: التحريض وإثارة الغضب لله إلهاب الحفاظ لدين الله وحكمه. وكذا في قوله: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ لما في النهي والشرط من التحريض، وإثارة المؤمنين على أن يتصلبوا في دينهم، وأن لا تأخذهم هوادة أولين، في تنفيذا أمرهم به، لاستيفاء حدوده.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾؛ لأن ظاهر النظم يشعر بأن الزاني لا ينكح المؤمنة العقيفة، وأن الزانية لا ينكحها المؤمن التقي، ولما كان ذلك غير ظاهر الصحة، كان لا بد من حمل الأخبار على الأعم الأغلب، كما في قولك لا يفعل الخير إلا الرجل المتقي، وقد يفعل الخير من ليس بتقي.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ لأن أصل الرمى القذف بالحجارة، أو بشيء صلب، ثم استعير للقذف باللسان، بجامع الإيذاء في كل، لكونه جناية بالقوَل، كما قال النابغة: وجرح اللسان كجرح اليد.
ومنها: صيغ المبالغة في قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ فان فعولًا وفعيلًا وفعالًا من أوزان المبالغة، وكلها تفيد بلوغ النهاية في هذه الصفات.
стр. 8494
ومنها: الطباق بين ﴿الصَّادِقِينَ﴾ و ﴿الْكَاذِبِينَ﴾.
ومنها: حذف جواب لولا للتهويل في قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ وللإشعار بضيق العبارة عن حصره، حتى يذهب الوهم في تقديره كل مذهب، فيكون أبلغ في البيان، وأبعد في التهويل والزجر.
ومنها: الالتفات في قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فقد التفت من الغيبة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى الخطاب لتسجيل المنة على المخاطبين، بحيث لا تبقى لديهم أعذار واهية، يتشبثون بها إذا هم تجاوزوا حدود ما بينه لهم.
ومنها: التغليب في قوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ فقد غلب صيغة الذكور على صيغة الإناث حيث لم يقل عليكم وعليكن؛ لأنه بصدد مخاطبة الفريقين؛ أي: القاذفين والمقذوفات.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
تتمة: في التعبير بالإحصان في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إشارة لطيفة إلى أن قذف العفيف من الرجال أو النساء موجب لحد القذف، وأما إذا كان الشخص معروفًا بالفجور، أو مشهورًا بالاستهتار، والمجون فلا حد على قاذفه؛ لأنه كرامة للفاسق الماجن، فتدبر.
دقيقة: لماذا عدل عن قوله: ﴿تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ مع أن الرحمة تناسب التوبة، والجواب أن الله ، أراد الستر على العباد بتشريع اللعان بين الزوجين، فلو لم يكن اللعان مشروعًا، لوجب على الزوج حد القذف، مع أن الظاهر صدقه ولو أكتفى لعانه .. لوجب على الزوجة حدّ الزنا، فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعًا، أن شرع هذا الحكم، ودرأ عنهما العذاب بتلك الشهادات. فسبحانه ما أوسع رحمته وأجلّ حكمته.
قال بعضهم: وإنما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ولم يقل: ولولا فضل عبادتكم وصلاتكم وجهادكم وحسن قيامكم بأمر الله ﴿مَا زَكَى
стр. 8495
مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، لنعلم أن العبادات وإن كثرت فإنها من نتائج الفضل والإحسان. اللهم اجعلنا من أهل الفضل والعطاء والمحبة والولاء.
والله أعلم
* * *
الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر (١) حكم من قذف الأجنبيات، وحكم من قذف الزوجات .. ذكر في هذه الآيات العشر، براءة عائشة أم المؤمنين مما رماها به أهل الإفك والبهتان من المنافقين، صيانة لعرض رسول الله ﷺ .
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ ...﴾ الآيات، مناسبة (٢) هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر قصص أم المؤمنين عائشة ﵂ وبين عقاب من اتهمها بالإفك، وشديد عذابه يوم القيامة، وأسهب في هذا .. أعقب ذلك ببيان حكم عام، وهو أن كل من أَتهم محصنة مؤمنة غافلة بالخنا والفجور، فهو مطرود من رحمة الله تعالى، بعيد عن دار نعيمه، معذب في جهنم إلا إذا تاب وأحسن التوبة وعمل صالحًا.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما برأ عائشة مما رميت به من الإفك، ثم ذكر أن رامي المحصنات الغافلات مطرود من رحمة الله تعالى .. أردف ذلك دليلًا ينفي الريبة عن عائشة بأجلى وضوح. ذلك أن السنة الجارية بين الخلق، مبنية على مشاكلة الأخلاق، والصفات بين الزوجين، فالطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين. ورسول الله تعالى من أطيب الطيبين، فيجب كون الصديقة من أطيب الطيبات، على مقتضى المنطق السليم، والعادة الشائعة بين الخلق.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ...﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر حكم قذف المحصنات الأجنبيات، وحكم قذف الزوجات، ثم أتبع ذلك بقصص أهل الإفك، وبسط ذلك غاية البسط، وكان مما يسهل السبيل إلى التهمة في كل هذا وجود الخلوة بين رجل وامرأة .. أعقب ذلك بحكم دخول المرء بيت غيره، وبين أنه لا يدخله إلا بعد الاستئذان والسلام، حتى لا يوجد بحال تورث
стр. 8498
التهمة التي أمرنا بالابتعاد عنها جهد الطاقة، إلى أن الإنسان قد يكون في بيته ومكان خلوته على حال لا يود أن يراه غيره عليها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ...﴾ من آية (١١) إلى آية (٢٢)، سبب نزولها (١): ما أخرجه البخاري في (ج ٦ ص / ١٩٨) قال: حدثنا أو الربيع سليمان بن داود، وأفهمني بعضه أحمد قال: حدثني فليح عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثي وعبيد بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله منه. قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها، وبعضهم أوعى من بعض له اقتصاصًا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة، وبعض حديثهم يصدق بعضًا، زعموا أن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرًا، أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فاقرع بيننا في غزاة، وهي غزوة المريسيع، وتسمى أيضًا غزوة بني المصطلق، وكانت في السنة الرابعة، وقيل: في السادسة، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحيل، فلمست صدري فإذا عقد لي جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل، وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينما
стр. 8499
أنا جالسة، غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، وأتاني وكان يراني قبل الحجاب، يعني قبل نزول الحجاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فاستيقظت باسترجاعه حتى أناخ راحلته فوطىء يدها, فركبتها فانطلق يقول بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا معرسين في نحو الظهيرة، فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرًا، والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجيهي أني لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم، لا أشعر بشيء من ذلك، حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية، أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي، فعثرت في مرطها. فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت: أتسبين رجلًا شهد بدرًا، فقلت: يا هنتاه ألم تسمعوا ما قالوا؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرض.
فلما رجعت إلى بيتي، دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم، فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذٍ أربد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ ، فأتيت أبوي، فقلت لأمي ما يتحدث به الناس، فقالت: يا بنية هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها, ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله، أو لقد يتحدث الناس بهذا! قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، وأسامة بن زبد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرًا. وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: يا بريرة، هل رأيت فيها شيئًا يريبك،
стр. 8500
فقالت بريرة: لا، والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه عليها قط، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الداجن، فتأكله. فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول. فقال رسول الله ﷺ : "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا. وما كان يدخل على أهلي إلا معي". فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية، فقال: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن الحضير، فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فنزل وخفضهم حتى سكتوا وسكت.
وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتي ويومًا، حتى ظننت أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك، إذ دخل رسول الله ﷺ ، فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيَّ ما قيل قبلها. وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء.
قالت: فتشهَّد ثم قال: يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب .. تاب الله عليه. فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرة، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . قالت: وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم، وصدقتم به، ولئن قلت لكم: إني بريئة،
стр. 8501
والله يعلم إني لبريئة، لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم إني بريئة منه لتصدِّقُنِّي، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف، إذ قال: فصبر جميل، وإلله المستعان على ما تصفون. ثم تحولت على فراشي، وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل الله في شأني وحيًّا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها. فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شاتٍ من ثقل القول الذي ينزل عليه. فلما سرى عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله، فقد برأك الله. فقالت أمى: قومى إلى رسول الله. فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات العشر. فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعدما قاله لعائشة. فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لى، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه، وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمري، فقالت: يا زينب ما علمت ما رأيت؟ فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله تعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك". الحديث أخرجه البخاري في غير ما موضع. وكذا أخرجه مسلم مختصرًا. والترمذي وغيرهم.
وقال عروة: لم يسم لي من أهل الإفك إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم، غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى. قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان، وتقول: إنه الذي قال:
стр. 8502
فَإِنَّ أبِيْ وَوَالِدَتِيْ وَعِرْضِيْ ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ...﴾ الآية، سبب (١) نزول هذه الآية: ما أخرجه الطبراني عن الضحاك بن مزاحم، قال: نزلت هذه الآية في نساء النبي ﷺ خاصة، إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: هذه الآية نزلت في عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية، فبرأها الله تعالى من ذلك.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه الفريابي وابن جرير عن عدي بن ثابت، قال: جاءت امرأة من الأنصار ققالت: يا رسول الله، إني أكون في بيتي على الحال التي لا أحب أن يرائي عليها أحد لا والد ولا ولد، فيأتيني آت فيدخل علي وأنا على تلك الحال. فكيف أصنع؟ فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ...﴾ الآية. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام، ليس فيها ساكن، فأنزل الله ﴿ليس عليكم جناح ...﴾ الآية "القرطبي".
التفسير وأوجه القراءة
١١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا﴾ واختلقوا ﴿بِالْإِفْكِ﴾؛ أي: بأشد الكذب وأبلغه، وتكلموا به. مأخوذ (٢) من الإفك وهو القلب؛ أي: الصرف؛ لأنه مأفوك عن وجهه وسننه. والمراد به ما أفك على عائشة ﵂، وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الأمانة والعفة والشرف، فمن رماها بالسوء .. قلب الأمر عن وجهه. ﴿عُصْبَةٌ﴾ خبر إن؛ أي: جماعة قليلة. ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، هم زيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وعباد بن المطلب وحمنة بنت جحش وهي زوجة طلحة بن عبيد الله وعبد الله بن أبي بن سلول ومن ساعدهم؛ أي: إن الذين أتوا بالكذب في أمر عائشة، جماعة كائنة منكم في
стр. 8503
كونهم موصوفين بالإيمان وعبد الله بن أبي أيضًا كان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرًا، وإن كان رئيس المنافقين خفية.
والمعنى: أي (١) إن الذين جاؤوا بالكذب والبهتان في حق عائشة جماعة منكم أيها المؤمنون، تعاونوا وأجمعوا أمرهم على إعلانه وإذاعته بين الناس، لمقاصد لهم أخفوها. والله عليم بما يفعلون. والعصبة والعصابة: جماعة من العشرة إلى الأربعين، وفي التعبير بعصبة: بيان أن هؤلاء شرذمة قليلون، وأنهم هم الذين ينشرونه، لا أنهم عدد كثير من الناس.
وقوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ كلام مستأنف؛ أي: لا تظنوا أيها المؤمنون ذلك الإفك والكذب ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾؛ أي: ضررًا لكم، والخطاب فيه للنبي ﷺ ، وأبي بكر وعائشة وصفوان، وكل من ساءه ذلك الإفك، تسلية لهم أول الأمر، ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: لا تظنوا أن فيه فتنة وشرًّا، بل هو خير لكم لاكتسابكم به الثواب العظيم؛ لأنه كان بلاءً مبينًا ومحنة ظاهرة، وإظهار كرامتكم على الله تعالى بإنزال قرآن يتلى مدى الدهر في براءتكم وتعظيم شأنكم، وتهويل الوعيد لمن يتكلم فيكم، والثناء على من ظن بكم خيرًا، إلى نحو ذلك من الفوائد الدينية، والآداب التي لا تخفى على من تأملها.
فإن (٢) قصة الإفك كانت في حق النبي ﷺ وفي حق عائشة وأبويها، وفي حق جميع الصحابة امتحانًا لهم وتهذيبًا، فإن البلاء للأولياء كاللهب للذهب، كما قال ﷺ : "إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" وقال ﷺ : "يبتلى الرجل على قدر دينه"؛ أي: وذلك لأن الله سبحانه غيور على قلوب خواص عباده المحبوبين، فإذا حصلت مساكنة بعضهم إلى بعض .. أجرى الله تعالى ما يرد كل واحد منهم عن صاحبه، ويرده إلى حضرته. وأن النبي ﷺ لما قيل له: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، فساكنها وقال: "يا عائشة حبك في قلبي كالعقدة".
стр. 8504
وفي بعض الأخبار أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، إني أحبك وأحب قربك. اهـ. فأجرى الله تعالى حديث أهل الإفك، حتى رد الله سبحانه رسوله عن عائشة إلى الله بانحلال عقدة حبها عن قلبه، ورد عائشة عنه ﷺ إلى الله تعالى، حتى قالت لما ظهرت براءة ساحتها: بحمد الله لا بحمدك.
والشر (١) ما زاد ضره على نفعه، والخير ما زاد نفعه على ضره. وأما الخير الذي لا شر فيه فهو الجنة، والشر الذي لا خير فيه فهو النار. ووجه كونه خيرًا لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أم المؤمنين، وصيرورة قصتها هذه شرعًا عامًا.
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ﴾؛ أي: على كل إنسان ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من تلك العصبة. فاللام بمعنى على، والمرء: الإنسان، والرجل كالمرء، والألف فيه للوصل. ﴿مَا اكْتَسَبَ﴾؛ أي: جزاء ما اجترح ﴿مِنَ الْإِثْمِ﴾ والذنب بقدر ما خاض فيه، فإن بعضهم تكلم، وبعضهم كالمسرور الراضي بما سمع، وبعضهم أقل وبعضهم أكثر، فقدر العقاب يكون بقدر الخوض في الإثم، وفي "التأويلات النجمية" على حسب سعايتهم وفساد ظنهم، وهتك حرمة حرم نبيهم يكون عقابهم. انتهى.
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾؛ أي: تحمل معظم ذلك الإثم وأكثره ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أولئك العصبة؛ أي: والذي ابتدأ به، ورغب في إشاعته، وهو عبد الله بن أبي ﴿له﴾؛ أي: لذلك المتولي ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: شديد في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فبإظهار نفاقه على رؤوس الأشهاد، وأما في الآخرة فبعذاب لا يقدر قدره إلا العلم الحكيم، وقد كان وأول من اختلقه لإمعانه في عداوة رسول الله ﷺ .
واختلف (٢) في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم. فقيل: هو عبد الله بن أبي، وقيل: هو حسان، والأول هو الصحيح. وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ جلد في الإفك رجلين وامرأة، وهو مسطح بن أثاثة
стр. 8505
حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وقيل: جلد عبد الله بن أبي وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ولم يجلد مسطحًا؛ لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح، وقيل: لم يجلد أحدًا منهم.
قال القرطبي: المشهور من الأخبار، والمعروف عند العلماء، أن الذين حدُّوا: حسان ومسطح وحمنة ولم يسمع بحدٍّ لعبد الله بن أبيّ، ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام النبي ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم، وسماهم حسان ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش، وكان مسطح في آخر عمره مكفوف البصر، وهو ابن خالة أبي بكر الصديق، وصار حسان في آخر عمره أعمى أشل اليدين.
واختلفوا في وجه تركه ﷺ لجلد عبد الله بن أبيّ. فقيل: لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة، وحَدَّ من عداه؛ ليكون ذلك تكفيرًا لذنبهم. كما ثبت عنه ﷺ في الحدود أنه قال: "إنها كفارة لمن أقيمت عليه"، وقيل: ترك حده تألُّفًا لقومه واحترامًا لابنه، فإنه كان من صالحي المؤمنين، وأطفاءً لنائرة الفتنة، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه، كما في "صحيح" مسلم.
وقيل (١): الذي تولى كبره حسان كما تقدم، والعذاب العظيم عناه وحده، وضرب صفوان له بالسيف على رأسه. وقال له:
تَوَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّيْ فَإِنَّنِيْ ... غُلاَمٌ إِذَا هُوْجِيْتُ لَسْتُ بِشَاعِرِ
وَلَكِنَّنِيْ أَحْمِيْ حِمَايَ وَأَتقِيْ ... مِنَ الْبَاهِتِ الرَّامِيْ الْبَرِيْءِ الظَّوَاهِرِ
وأنشد حسان أبياتًا يثني فيها على أم المؤمنين ويظهر براءته مما نسب إليه وهي:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تَزِنُ بِرِيْبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُوْمِ الْغَوَافِلِ
حَلِيْلَةُ خَيْرِ النَّاسِ دِيْنًا وَمَنْصِبًا ... نَبِيُّ الْهُدَى وَالْمَكْرُمَاتِ الْفَوَاضِلِ
стр. 8506
عَقِيْلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ ... كِرَامِ الْمَسَاعِيْ مَجْدُهَا غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَة قَدْ طَيَّبَ اللهُ خَيْمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ شَيْنٍ وَبَاطِلِ
فَإنْ كَانَ مَا بُلَّغْتِ عَنِّيَ قُلْتُهُ ... فَلاَ رَفَعَتْ سَوْطِيْ إِلَيَّ أَنَامِلِيْ
وَكيفَ وَوِدِّيْ مَا حَيِيْتُ وَنُصْرَتِيْ ... بِآلِ رَسُوْلِ اللهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ
لَهُ رُتَبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ فَضْلُهَا ... تَقَاصَرَ عَنْهَا سُوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
وقرأ الجمهور: (١) ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف. وقرأ الحسن وعمرة بنت عبد الرحمن والزهري وأبو رجاء ومجاهد وأبو البرهشيم والأعمش وحميد وابن أبي عبلة وسفيان الثوري ويزيد بن قطيب ويعقوب والزعفراني وابن مقسم وسورة عن الكسائي ومحبوب عن أبي عمرو بضم الكاف، والكِبْرُ والكُبْرُ مصدران لكَبُرَ الشيء إذا عَظُمَ، لكن استعمال العرب الضم ليس إلا في السن يقال: هذا كبر القوم؛ أي: كبيرهم سنًا أو مكانة، وفي الحديث في قصة حويصة ومحيصة (الكُبر الكُبر) بضم. وقيل: كبره بالضم معظمه، وبالكسر البداءة بالإفك. وقيل: بالكسر الإثم.
ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله ﷺ ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات، وعاتبهم وغيرهم وزجرهم بتسعة زواجر:
الأول: هذا.
والثاني: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ ...﴾ إلخ.
والثالث: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ ...﴾ إلخ.
والرابع: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ...﴾ إلخ.
والخامس: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ...﴾ إلخ.
والساس: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ ...﴾ إلخ.
стр. 8507
والسابع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ...﴾ إلخ.
والثامن: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...﴾ إلخ.
والتاسع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ...﴾ إلى ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اهـ. "شيخنا". ذكره في "الفتوحات".
١٢ - قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ لولا هنا تحضيضية، بمعنى (هلا) جيء بها تأكيدًا للتوبيخ والتقريع، ومبالغة في معاتبتهم، ومعناها (١): إذا دخلت على الماضي التوبيخ واللوم على ترك الفعل، إذ لا يتصور الطلب في الماضي، وإذا دخلت على المضارع فمعناها الحض على الفعل والطلب له، فهي في المضارع بمعنى الأمر؛ أي: هلا إذ سمعتم الإفك إيها الخائضون؛ أي: الشارعون في القول الباطل ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: بأبناء دينهم ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: عفافًا وصلاحًا، وفيه عدول إلى الغيبة لتأكيد التوبيخ فإن مقتضى الإيمان الظن بالمؤمن خيرًا، وذب الطاعنين فيه، فمن ترك هذا الظن والذب، فقد ترك العمل بمقتضى الإيمان.
المراد بأنفسهم أبناء جنسهم ودينهم، النازلون منزلة أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فإن المراد لا يعيب بعضكم بعضًا، فإن المؤمنين كنفس واحدة إذ كان الواجب أن يظن المؤمنون والمؤمنات أول ما سمعوا الإفك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غيره من غير توقف ولا تردد بأمثالهم من آحاد المؤمنين خيرًا؛ أي: كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم، فهو في أم المؤمنين أبعد.
والمعنى: هلا ظن المؤمنون والمؤمنات بامثالهم من المؤمنين خيرًا وعفافًا وقت سماعهم ذلك الإفك، ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال المؤمنون ﴿هَذَا﴾ الإفك المنسوب إلى عائشة ﵂ ﴿إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كذب ظاهر بين كونه إفكًا، فكيف بالصديقة بنت الصديق أم المؤمنين حرمة رسول الله ﷺ .
стр. 8508
وإنما عدل (١) عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بانفسكم خيرًا وقلتم، ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان, على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن، الذي قل القائم به والحافظ، وليتك تجد من يسمع فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بإخوانه.
وإنما (٢) جاز الفصل بين لولا وفعله بالظرف؛ لأنه منزل منزلته من حيث إنه لا ينفك عنه، ولذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، وذلك لأن ذكر الظرف أهم. فإن التحضيض على أن لا يخلوا بأوله؛ أي: هلا إذ سمعتم (٣) ما قال أهل الإفك في عائشة .. ظننتم بمن اتهم بذلك خيرًا وعفافًا؛ لأن الإيمان يحملكم على إحسان الظن ويكفكم عن إساءتكم الظن بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم، وهلا قلتم حينئذٍ هذا إفك ظاهر، فإن الذي وقع لم يكن فيه ما يرتاب منه.
ذاك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرةً على راحلة صفوان وقت الظهيرة والجيش أجمعه يشاهد ذلك، ورسول الله بين أظهرهم، ينفي كل شك، وإنما قيل لحسد في القلوب كامن وبغض في النفوس مكتوم.
وقيل المعنى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: هذا (٤) إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ من العصبة الكاذبة، وهم حسان ومسطح ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ وهي حمنة بنت جحش ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: بأمهاتهم أو بأخواتهم أو بأهل دينهم ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: صلاحًا وعفافًا ﴿وَقَالُوا هَذَا﴾ القذف لعائشة ﴿إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كذب ظاهر لا حقيقة له.
١٣ - ثم علّل سبحانه كذب الآفكين، ووبخهم على ما اختلقوه وأذاعوه بقوله (٥):
стр. 8509
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ﴾ وهذا إما من تمام ما يقوله المؤمنون؛ أي: وقالوا: هلا جاء الخائضون ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ على ما قالوا، أو ابتداء كلام من الله سبحانه؛ أي: هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة، بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا، وما رموها به؛ أي: يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به. فجعل الله (١) سبحانه فصلًا بين الرمي الصادق والرمي الكاذب ثبوت أربعة شهداء وانتفائها.
وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري بأربعة منونة. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ الأربعة؛ أي: فحين لم يقيموا بينةً على ما قالوا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المفسدون الخائضون في الإفك ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكمه وشرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة .. ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الكذب المشهود عليه بذلك، المستحقون لإطلاق الاسم عليهم دون غيرهم.
١٤ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ولولا هنا (٢) امتناعية؛ أي: امتناع الشيء لوجود غيره. والخطاب للسامعين والمسلمين جميعًا؛ أي: ولولا تفضله سبحانه عليكم أيها المسلمون ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بضروب النعم التي من أجلها الإمهال للتوبة ﴿وَ﴾ رحمته لكم في ﴿الْآخِرَةِ﴾ بضروب الآلاء، التي من جملتها العفو والمغفرة بعد التوبة المقدران لكم ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾؛ أي: بسبب الإفك الذي أفضتم وخضتم فيه، فما موصولة، والباء صببية. ويصح أن تكون مصدرية.
والمعنى: حينئذٍ لمسكم بسبب إفاضتكم وخوضكم فيه؛ أي: في الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا والآخرة؛ أي: شديد يستحقر دونه التوبيخ والجلد الذي وقع لهم، غير ابن سلول فإن عذابه محتم في الآخرة، كما تقدم في قوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ...﴾. إلخ؛ أي: لعجل لكم العقاب في الدنيا، من جراء عا خضتم فيه من حديث الإفك والبهتان.
١٥ - ثم بين سبحانه وقت حلول العذاب الذي كانوا يستحقونه لولا الفضل والرحمة بقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بحذف إحدى التاءين ظرف للمس أو للإفاضة؛ أي:
стр. 8510
أي: لمسكم ذلك العذاب العظيم، وقت تلقيكم واستقبالكم ومواجهتكم ذلك الإفك، وأخذكم إياه من المخترعين ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ يأخذه ويرويه بعضكم من بعض. وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل، فيقول له: ما وراءك، فيحدثه بحديث الإفك، حتى شاع وانتشر، فلم يبق بيت ولا دار إلا طارَ فيه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بفتح الثلاث وشد القاف، وشد التاء البزي وأدغم ذال إذ في التاء، وكذلك النحويان أبو عمر والكسائي وحمزة؛ أي: يأخذه بعضكم من بعض وقرأ عمر بن الخطاب ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بتاء واحدة خفيفة مضمومة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مضمومة خلفيفة، من ألقى يلقي. وقرأ معاوية وابن السميقع مثله إلا أنهما فتحا التاء والقاف من لقي الثلاثي، وقرأ ابن مسعود ﴿إذ تتلقونه﴾ بتاءين مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف. وقرأ ابن بن كعب وعائشة ومجاهد وأبو حيوة وابن عباس وعيسى وابن يعمر وزيد بن علي ﴿تلقونه﴾ بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ورفع القاف. ومعناه: إذ تسرعون بالكذب. يقال: ولق يلق إذا أسرع في الكذب. وقرأ ابن أسلم وأبو جعفر ﴿تألقونه﴾ بفتح التاء وهمزة ساكنة بعدها لام مكسورة من الألق. وهو الكذب. وقرأ يعقوب في رواية المازني ﴿تيلقونه﴾ بتاء مكسورة بعدها ياء ولام مفتوحة، كأنه مضارع ولق بكسر اللام كما قالوا تيجل مضارع وجلت. وقال سفيان: سمعت أمي تقرأ ﴿إذ تثقفونه﴾ يعني مضارع ثقف. قال: وكان أبوها يقرأ بحرف ابن مسعود.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: تقولون بأفواهكم كلامًا مختصًا بالأفواه لا مساعد له من القلوب؛ لأنه ليس تعبيرًا عما تعلمه وتعتقده قلوبكم، وإنما (٢) قيد بالأفواه، مع أن القول لا يكون إلا بالفم؛ لأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب أولًا، ثم يترجم عنه اللسان. وهذا الإفك ليس إلا قولًا يجري على الألسنة من غير علم به في القلب. نظير قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ