← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قديرًا على كُلِّ شيء. وفي هذه الجملة تنبيهٌ للنبيِّ ﷺ ، وغيره، على قدرته تعالى، وأنّه القادر المتصرِّف في شؤون الخلق، يحكم بما شاء، ويأمر بما شاء، وأنّه لا دافع لما أراد، ولا مانع لما اختار. ثُم أقام دليلًا آخر، فقال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ يا محمد! الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد: هو وأمّته، بدليل قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ وإنّما أفرده هنا؛ لأنّه أعلمهم، ومبدأ علمهم ومأخذه. قال بعضهم: وإنّما (١) خصَّه ﷺ بالخطاب، مع أنَّ غيره داخلٌ في الخطاب أيضًا حقيقةً، بناءً على أنَّ المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطب بما ذكر، ولا أحد من البشر أعلم بذلك منه ﷺ ، إذ قد وقف من أسرار ملكوت السموات والأرض، على ما لا يطَّلع عليه غيره، وعِلْمُ غيره بالنسبة إلى علمه ﷺ ، مُلْحَقٌ بالعلم؛ لأنّ علم الأولياء من علم الأنبياء، بمنزلة قطرةٍ من سبعة أبحر، وعلم الأنبياء من علم نبيّنا محمد ﷺ بهذه المنزلة، وعلم نبينا من علم الحقّ سبحانه بهذه المنزلة. انتهى. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما، وما بينهما، أي: سلطنتهما، فهو المتصرِّف فيهما دون غيره، يحكم فيهما، وفيما فيهما بما شاء من أمر، ونهي، ونسخ، وتبديل، فيفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو كالدليل على قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الملك: تمام القدرة واستحكامها، وتخصيص السموات والأرض بالذكر، وإن كان الله تعالى له ملك الدنيا والآخرة جميعًا؛ لكونهما أعظم المصنوعات المحسوسة، وأعجبها شأنًا. وهذا الخبر (٢)، وإن كان خطابًا للنبيِّ ﷺ ، لكن فيه تكذيبٌ لليهود الذين أنكروا النسخ، وجحدوا نبوّة عيسى، ومحمدٍ عليهما الصلاة والسلام، فأخبرهم أنَّ الله ، له ملك السموات والأرض، وأنَّ الخلق كُلَّهم عبيده، وتحت تصرُّفه، يحكم فيهم ما يشاء، وعليهم السمع والطاعة، فعلم أنَّ هذه الجملة، كالدليل على قوله: ﴿أنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ﴾، كما مرَّ، أو على جواز النسخ، ولذلك ترك العاطف ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

стр. 877

سبحانه، أي: سوى الله، وهو في حيِّز النصب على الحالية من الوليِّ؛ لأنّه في الأصل صفةٌ له، فلمّا قدِّم انتصب حالًا ﴿مِن﴾ زائدة للاستغراق ﴿وَلِيٍّ﴾؛ أي: قريبٌ وصديقٌ يلي أمركم، وقيل: والٍ، وهو القيِّم بالأمور ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: معينٌ ومانع ينصركم على أعدائكم؛ أي: ناصركم ومعينكم هو الله وحده، فلا تبالوا بمن ينكر النسخ، أو يعيِّبكم به، وليس في استطاعته أن يلحق بكم أذًى، والفَرْقُ بين الولي والنصير: أنَّ الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيًّا عن المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجهٍ، والمقصود: التسكين لقلوب المؤمنين، بأنَّ الله وليُّهم، وناصرهم دون غيره، فلا يجوز الاعتماد إلّا عليه ولا يصحُّ الالتجاء إلّا إليه. والمعنى: إن قضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة وهو العلم بـ ﴿أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ والعلمُ بـ ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والعلمُ بأنْ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ هو الجَزْمُ والإيقان، بأنّه تعالى لا يفعل بهم في أمرٍ من أمور دينهم، أو دنياهم إلّا ما هو خيرٌ لهم، والعمل بموجبه شيءٌ من الثقة والتوكّل عليه، وتفويض الأمر إليه من غير إصغاءٍ إلى أقاويلِ الكفرة، وتشكيكاتهم التي هي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ. وقيل: المعنى: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ يا معشر اليهود والكفار! عند نزول العذاب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾؛ أي: ممَّا سوى الله ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ أي: قريبٍ وصديقٍ يحميكم من عذاب الله، وقيل: والٍ يلي أمركم ويقوم به ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: ولا ناصر يمنعكم من عذاب الله، وإنما هو الذي يملك أموركم، ويجريها على ما يصلح لكم، وفي هذا تحذيرٌ من عذاب الله، إذ لا مانع منه. ولمَّا قالت اليهود: يا محمد! ائتنا بكتابٍ من السماء جملةً، كما أتى موسى بالتوراة، نزل قوله تعالى: ١٠٨ - ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ وأمْ هنا (١) منقطعةٌ تقدَّر ببل والهمزة، ويكون إضراب انتقال من قصّةٍ إلى أخرى، لا إضراب إبطالٍ،

стр. 878

والخطاب لليهود؛ أي: بل أتريدون يا معشر اليهود! الذين كانوا في عهد محمدٍ ﷺ ﴿أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾؛ أي: الرسول الذي جاءكم؛ أي: محمدًا ﷺ ؛ لأنّه رسول الخلق أجمعين، أن يأتيكم بكتاب من السماء جملةً ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ ﵇؛ أي: سأله أسلافكم وآباؤكم رؤية الربِّ، وسماع كلامه، وغير ذلك حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هذا الرسول محمد ﷺ ، فتضلُّوا كما ضلُّوا؛ وذلك لأنَّ السؤال بعد قيام البراهين كفرٌ. وقيل (١): أم في قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ معادِلةٌ للهمزة في ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ والخطاب للمؤمنين؛ أي: ألم تَعْلَموا؟ أيها المؤمنون! أنّه سبحانه مالك الأمور، وقادرٌ على الأشياء كلِّها، يأمر وينهى كما أراد، أم تعلمون، وتقترحون بالسؤال، كما اقترحت اليهود على موسى ﵇، والمراد: توصية المؤمنين بالثقة به، وترك الاقتراح عليه، وهو المفاجأة بالسؤال من غير رويَّةٍ وفكرٍ ﴿أَنْ تَسْأَلُوا﴾ وأنتم مؤمنون ﴿رَسُولَكُمْ﴾ محمدًا ﷺ ، وهو في تلك المرتبة من علوِّ الشأن، وتقترحوا عليه ما تشتهون، غير واثقين بأموركم بفضل الله تعالى، حسبما يوجبه قضيّةُ علمكم بشؤونه تعالى. قيل: لعلَّهم كانوا يطلبون منه ﷺ ، تفاصيل الحِكَمِ الداعية إلى النسخ ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ مصدر تشبيهيٌّ! أي: نعت لمصدر مؤكّد محذوف، وما مصدرية؛ أي: تسألون رسولكم سؤالًا مشبهًا لله سؤال موسى ﵇، حيث قيل له: اجعل لنا إلهًا، وأرنا الله جهرةً، وغير ذلك. وقرىء (سِيْلَ بالياء) ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل محمد ﷺ متعلق بسئل؛ جيء به للتأكيد ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ﴾؛ أي: من يختر الكفر لنفسه، ويأخذه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: بدل الإيمان؛ أي: أخذه في مقابلة الإيمان بدلًا عنه؛ أي: ومن يختر الكفر على الإيمان، ويأخذه لنفسه بدل الإيمان. وحاصله: من يترك الثقة بالآيات البينة المنزَّلة، بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خيرٌ محضٌ، وحقٌّ بحتٌ، واقترح غيرها ﴿فَقَدْ

стр. 879

ضَلَّ﴾؛ أي: عدل وجار من حيث لا يدري ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في تنبيه الهوى، وتردَّى في مهاوي الردى. ومعنى ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: قصد الطريق السويّ، ووسطه الذي هو بين الغلوّ والتقصير وهو الحق، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: قد أخطأ الطريق المستوي؛ أي: المعتدل الحقَّ. وقرىء ﴿يُبْدِلْ﴾ من أبدل الرباعيِّ. وقد قرئ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ بالإدغام، وبالإظهار في السبعة، والمعنى: ومن ترك الثقة بالآيات البينات المنزَّلة، وشكّ فيها، واقترح غيرها، فقد ضَلَّ الطريق المستوي حتى وقع في الكفر بعد الإيمان، وحاصل معنى الآية: لا تقترحوا فتضِلُّوا وسط السبيل وقصده، ويؤدِّي بكم إلى البعد عن المقصد، وتبديل الكفر بالإيمان. وأكثر المفسرين (١): على أنَّ سبب نزول الآية اليهود حين قالوا: يا محمد! ائتنا بكتاب من عند الله جملةً، كما جاء موسى بالتوارة جملةً، فنزلت هذه الآية كما قال في آية أخرى ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿جَهْرَةً﴾ فالمخاطبون بقوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ هم اليهود، وإضافة الرسول إليهم في قوله: ﴿رَسُولَكُمْ﴾ باعتبار أنّهم من أمة الدعوة، ومعنى تبدُّل الكفر بالإيمان، ترك صرف قدرتهم إليه مع تمكنهم من ذلك، وإيثارهم للكفر عليه. قال الإِمام: وهذا القول أصحُّ؛ لأنَّ الآية مدنيَّةٌ؛ ولأنّ هذه السورة من أوّل قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ حكايةٌ عنهم، ومحاجَّةٌ معهم، وفي الآية إشارة إلى حفظ الآداب، فمن لم يتأدَّب بين يدي مولاه، ورسوله، وخلفائه، فقد تعرَّض للكفر، وحقيقة الأدب: اجتماع خصال الخير، وعن النبي ﷺ قال: "حقُّ الولد على والده أن يحسن اسمه، ويحسن مرضعه، ويحسن أدبه، فإنّه مسؤولٌ عنه يوم القيامة، ومؤاخذٌ بالتقصير فيه". وسئل ابن سيرين: أيُّ الأدب أقرب إلى الله؟ فقال: معرفة ربوبيته، والعمل بطاعته، والحمد على السراء، والصبر على الضرّاء. انتهى كلامه. ١٠٩ - ﴿وَدَّ﴾ أي: تمنَّى وأحبَّ ﴿كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛

стр. 880

أي: من أحبار اليهود، ككعب بن الأشرف، وحيّي بن أخطب ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾؛ أي: أن يردّوكم أيها المؤمنون، فإنّ ﴿لَوْ﴾ من حروف المصادر، إذا جاء بعد فعلٍ يفهم منه معنى التمني، كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾؛ أي: ودّوا أن يصرفوكم عن التوحيد والإِسلام ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين! بمحمد ﷺ ، وبالقرآن ﴿كُفَّارًا﴾؛ أي: مرتدّين، حال من ضمير المخاطبين في ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ ويحتمل أن يكون مفعولًا ثانيًا ليردُّونكم على تضمينه معنى يصيِّرونكم، وقوله: ﴿حَسَدًا﴾ علةٌ، لقوله: ﴿وَدَّ﴾ كأنَّه قيل: ودَّ كثير منهم ذلك من أصل الحسد، وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن يتعلَّق بودَّ على معنى: أنّهم تمنَّوا ارتدادكم من عند أنفسهم، وقِبَلِ شهوتهم وأهوائهم، لا من قِبَل التديُّنِ، والميل مع الحق، ولو على زعمهم؛ لأنّهم ودُّوا ذلك، فكيف يكون تمنّيهم من قبل الحق؟ ويجوز أن يتعلَّق بحسدًا؛ أي: حسدًا منبعثًا من أصل نفوسهم، بالغًا أقصى مراتبه، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ﴾ وظهر ﴿لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وعلموا في كتابهم التوارة، أنَّ ما جاء به محمدٌ ﷺ ودينه، ونعته، وصفته، هو الحقُّ لا يشكُّون فيه، فكفروا به حسدًا وبغيًا، متعلِّقٌ بقوله: ﴿وَدَّ﴾؛ أي: ودُّوا ذلك بعد ظهور الحق عندهم، وأولئك الكثير هم رهطٌ من أحبار اليهود. روي أنَّ فنحاص بن عازوراء، وزيد بن قيس، ونفرًا من اليهود، قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمّار بن ياسر ﵄ بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلًا، فقال عمَّارٌ: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديدٌ، قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود: أمَّا عمَّارٌ فقد صبأ؛ أي: خرج عن ديننا بحيث لا يرجى منه الرجوع إليه أبدًا، فكيف أنت حذيفة؟ ألا تبايعنا؟ قال حذيفة: رضيت بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا، فقالوا: وإله موسى، لقد أشرب في قلوبكما حبُّ محمد، ثُمَّ أتيا رسول الله ﷺ ، وأخبراه، فقال: أصبتما خيرًا، وأفلحتما، والمعنى أحبَّ وأراد كثيرٌ منهم ردَّكم عن دينكم من بعد إيمانكم، حالة كونكم كفارًا مرْتدين، من بعد ما ظهر لهم الحقُّ من

стр. 881

أصل حسدهم إيّاكم حسدًا ناشئًا من قبل أنفسهم، وأهوائهم، لا بأمر الله إيّاهم بذلك، وأصل (١) الحسد: تمنِّي زوال النعمة عمَّن يستحقُّها، ربّما يكون مع ذلك سعيٌ في إزالتها، والحسد مذمومٌ من الكبائر؛ لما رُوِي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والحسد، فإنّ الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب، أو قال: العشب" أخرجه أبو داود، فإذا أنعم الله على عبده نعمةً فتمنَّى آخر زوالها عنه، فهذا هو الحسد، وهو حرامٌ، فإن استعان بتلك النعمة على الكفر والمعاصي، فتمنَّى آخر زوالها عنه فليس بحسدٍ، ولا يحرم ذلك؛ لأنّه لم يحسده على تلك النعمة من حيث إنّها نعمةٌ، بل من حيث إنّه يتوصَّل بتلك النعمة إلى الشرِّ والفساد. ﴿فَاعْفُوا﴾ واسمحوا عنهم أيها المؤمنون! إساءتهم، أي: اتركوهم، فلا تؤاخذوهم بهذه المقالة بالانتقام الفعلي، كالقتل والضرب ﴿وَاصْفَحُوا﴾؛ أي: أعرضوا عنهم، فلا تلوموهم على أخلاقهم، وكلامهم السيء، ولا تقابلوهم بالانتقام القولي؛ أي: فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عمّا يكون منهم من الجهل، والعداوة. وأصل (٢) العفو: ترك عقوبة المذنب، يقال: عفت الريح المنزل درسته، وعفا المنزل يعفو درس، ويتعدّى، ولا يتعدّى، ومن ترك المذنب، فكأنّه درس ذنبه من حيث إنّه ترك المكافأة والمجازاة، وذلك لا يستلزم الصفح، ولذا قال تعالى: ﴿وَاصْفَحُوا﴾ فإنّه قد يعفو الإنسان ولا يصفح. والصفح: ترك التقريع باللسان والاستقصاء، يقال: صفحت عن فلانٍ، إذ أعْرضْتَ عن ذنبه بالكلية، وقد ضربت عنه وتركته، وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما: الرضى بما فعلوا؛ لأنّ ذلك كفرٌ، والله تعالى لا يأمر به، بل المراد بهما: ترك المقاتلة والإعراض عن الجواب عن مساوي كلامهم. انتهى من "الروح". والفرق بين العفو والصفح: أنّ العفو: ترك عقوبة المذنب، والصفح: ترك

стр. 882

تقريعه ولومه بالكلام، فبينهما مغايرة، كذا ذكره البيضاوي، وفي "الصاوي": أنّهما متحدان، ومعناهما: عدم المؤاخذة، ولم يؤمر النبي ﷺ بقتالهم، مع أنّهم ناقضون للعهد بتلك المقالة؛ لأنَّ الواقعة كانت بعد غزوة أحد، فكان الإذن في القتال حاصلًا، فالجواب: أنَّ القتال المأذون فيه كان للمشركين، وأمَّا أهل الكتاب، فلم يؤمروا بقتالهم إلّا في غزوة الأحزاب، قيل: قبلها، وقيل: بعدها، فقتَلَ بني قريظة، وأجلَى بني النضير، وغزا خيبر. وقال ابن كثير (١): عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وبقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فنسخ هذا عفوه عن المشركين، وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة والسدي: إنّها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ﴾ : ﴿بِأَمْرِهِ﴾ فيهم؛ أي: فاعفوا واصفحوا عنهم حتى يبيِّن الله سبحانه حكمه فيهم؛ أي: بقتل قريظة، وسبيهم، وإجلاء بني النضير، وإذلالهم، بضرب الجزية عليهم، أو بإذنه في القتال. والمعنى (٢): حتى يحكم الله بحكمه الذي هو الإذن في قتالهم، وضرب الجزية عليهم، أو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير. روي أنَّ الصحابة ﵃ استأذنوا رسول الله ﷺ ، في أن يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بأنفسهم، ودعوا المسلمين إلى الكفر، فنزلت الآية بترك القتال، والإعراض عن المكافأة إلى أن يجيء الإذن من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم بالقتل والإجلاء، وينتقم منهم إذا جاء أوانه، ففيه وعيدٌ وتهديدٌ لهم. والمعنى: أنّه تعالى قويٌّ قادرٌ على كل شيء، إن شاء انتقم منهم، وإن شاء هداهم. له الخلق والأمر. ولمَّا أمر الله ، المؤمنين بالعفو والصفح عن اليهود، أمرهم بما فيه صلاحُ أنفسهم من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، الواجبتين، فقال: ١١٠ - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾

стр. 883

أي: أدُّوا الصلاة المفروضة عليكم بشروطها وأركانها، وادفعوا زكاة أموالكم عن طيب نفسٍ منكم إلى مصارفها، فهو معطوف على قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾ كأنّه أمرهم بالصبر والمخالفة، واللجوء إلى الله تعالى بالعبادة والبرِّ، فالمراد: الأمر بملازمة طاعة الله تعالى من الفرائض، والواجبات، والتطوّعات، بقرينة قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا﴾ و ﴿مَا﴾ شرطية؛ أي: أيَّ شيء تفعلوه، وتسلفوه (لـ) مصلحة ﴿أنفسكم من خير﴾؛ أي: عملٍ صالحٍ، كصلاة، وصدقة، وصيام، لمصلحة أنفسكم ﴿تَجِدُوُه﴾؛ أي: تجدوا ثوابه وجزاءه لا عينه؛ لأنَّ عين تلك الأعمال لا تبقى؛ ولأنَّ وجدان عينها لا يرغب فيه؛ أي: تجدوه مدَّخرًا لكم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، محفوظًا عنده في الآخرة، فتجدوا التمرة واللُّقمة فيها مثل أُحُدٍ، فالخير المذكور في الآية يتناول (١) أعمال البر كُلَّها، إلّا أنّه تعالى خصَّ من بينها إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، بالذكر؛ تنبيهًا على عظم شأنهما، وعلوِّ قدرهما عند الله تعالى، فإنَّ الصلاة قربةٌ بدنيةٌ، ليكون عمل كل عضوٍ شكرًا لما أنعم الله عليه في ذلك، والزكاة قربةٌ مالية، ليكون شكرًا للأغنياء الذين فضَّلهم الله في الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش؛ بسبب سعتهم في صنوف الأموال. وقرىء ﴿تُقْدِمُوا﴾ من أقدم الرباعي. ذكره البيضاوي، ولفظ التقديم في قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ إشارةٌ إلى أنَّ المقصود الأصليَّ، والحكمة الكلية في جميع ما أنعم الله تعالى به على المكلفين في الدنيا، أن يقدّموه إلى معادهم، ويدَّخروه ليومهم الآجل، كما جاء في الحديث: "إنّ العبد إذا مات قال الناس: ما خلَّف، وقالت الملائكة ما قدَّم" وما أحسن قول بعضهم: سَابِقْ إلى الخيرِ وبَادِر به ... فإنَّما خَلْفَكَ ما تَعْلَمُ وقدِّمَ الخَيْرَ فكُلُّ امرئٍ ... عَلَى الَّذي قدَّمَهُ يَقْدُمُ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الخيرات، وما تنفقون من الصدقات ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أي: عليم بنياتكم، لا يخفى عليه شيء من قليل الأعمال

стр. 884

وكثيرها، ولا يضيع عنده عمل عامل، ففيه ترغيبٌ في الطاعات، وأعمال البرّ، وزجرٌ عن المعاصي؛ أي: فالعمل المذكور في الآية، غير مقيَّد بالخير، أو الشرِّ، فهو عام شامل للترغيب والترهيب، فالترغيب من حيث إنّه يدلُّ على أنّه تعالى يجازي على القليل من الخير، كما يجازي على الكثير منه، والترهيب من حيث إنّه يجازي على القليل من الشرّ والكثير منه أيضًا، فلا يضيع عنده عمل عامل خيرًا أو شرًّا. وقرىء ﴿يعملون﴾ بالياء، فيكون وعيدًا. ذكره البيضاوي. وعن عُمر بن الخطاب ﵁ أنّه مرَّ ببقيع الغرقد، فقال: (السلام عليكم أهل القبور أخبار ما عندنا، إنَّ نساءكم قد تزوَّجْنَ، ودوركم قد سكنت، وأموالكم قد قسمت، فأجابه هاتفٌ: يا ابن الخطاب! أخبار ما عندنا: إنّ ما قدَّمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربحناه، وما خلَّفناه فقد خسرناه). ولقد أحسن هذا القائل: قَدِّم لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِك صَالِحًا ... واعْمَلْ فَلَيْس إلَى الخُلُودِ سَبِيلُ ومن مواعظ عليّ - كرّم الله وجهه - أنّه كان إذا دخل المقبرة قال: (السلام عليكم أهل هذه الديار الموحشة، والمحالِّ المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، ثُمَّ قال: أمّا المنازل فقد سكنت، وأمّا الأموال فقد قسمت، وأمّا الأزواج فقد نكحت، فهذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما عندكم، والذي نفسي بيده، لو أنَّ لهم في الكلام لقالوا: إنّ خير الزاد التقوى) وفي الحديث الصحيح "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له" والأوّل يشمل بناء المساجد، ومعاهد العلم، والمستشفيات، والملاجىء، والأَحْبَاسَ على المُعْوزِينَ والمحتاجين، والثاني: يَنْضَوِي تحته ما يُخْلِفهُ الإنسان من تصنيف علمٍ، أو تَعليمٍ للعلوم الدينية، وما يحتاج إليه في تعلُّمِها، كالنحو، والصرف، وما كان آلة لها، وقيَّد الولد بكونه صالحًا؛ لأنّ الأجر لا يحصل من غيره، وأمّا الوزر، فلا يلحق الأب سيئة ابنه إذا كانت نيّته في تحصيله الخَيْرَ، وإنما ذكر الدعاء له؛ تحريضًا للولد على الدعاء لأبيه، لا لأنَه قيدٌ؛ لأنَّ الأجر يحصل للوالد بولدهِ الصالح كُلَّما عمل عملًا صالحًا، سواء

стр. 885

دعا لأبيه، أم لا، كمن غرس شجرة يحصل له مِن أَكْلِ ثمرتها ثوابٌ، سواء دعا له مَنْ أَكَلَها، أم لم يدع، وكذلك الأُمُّ. ١١١ - ﴿وَقَالُوا﴾ معطوف (١) على ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، وتقدّم لك في الأسباب: أنَّ هذه المحاورة وقعت بين يهود المدينة ونصارى نجران، حينما اجتمعوا عند رسول الله ﷺ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ لم يقل كانوا؛ حملًا للاسم على لفظ من، وجمع الخبر؛ حملًا على معناه، واليهود: جمع هائدٍ، اسم فاعل من هاد إذا تاب، نظير قوله: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ وكأنَّه في الأصل: اسم مدح لمن تاب من عبادة العجل، ثمّ صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لجماعتهم، كالعَلَم لهم، والنصارى: جمع نصران كسكران، والمعنى: أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًّا، ولا دين إلّا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلّا من كان نصرانيًّا، ولا دين إلّا دين النصرانية، و ﴿أَوْ﴾ هنا للتفصيل. وقدّمت اليهود على النصارى (٢)؛ لفظًا لتقدّمهم زمانًا ﴿تِلْكَ﴾ المقالة الباطلة وهي: أنّ الجنة لا يدخلها إلّا من كان هودًا أو نصارى. ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾؛ أي: متمنِّياتهم الكاذبة التي تمنّوها من الله من غير حجة ولا برهان، وشهواتهم الباطلة التي لا أصل لها، وخيالاتهم العاطلة التي لا وجود لها، والأمانيُّ: جمع أمنيَّةٍ أفعولةٌ من التَّمنِّي وهي: ما يتمنَّى، كالأضحوكة، والأعجوبة، والتَّمنِّي: التشهِّي، والعرب تُسمِّي الكلام العاري عن الحجة تمنِّيًا، وغرورًا، وضلالًا، وأحلامًا مجازًا، وجمع (٣) الأمانيّ باعتبار صدورها عن الجميع من اليهود والنصارى، وعبارة "الصاوي" هنا: وإنّما جمع الخبر مع كون المبتدأ مفردًا؛ لأنّه في المعنى جمعٌ؛ لأنّه عائد على القولة، وهي بمعنى: المقالات باعتبار القائلين. اهـ.

стр. 886

ثُمّ أومأ الله سبحانه إلى بطلان مقالاتهم بقوله لنبيّه ﷺ : ﴿قُلْ﴾ يا محمد! لهؤلاء الحَمْقى المتقاولين ﴿هَاتُوا﴾؛ أي: أحضروا، وقرِّبوا، وهو أمرٌ تعجّبيٌّ ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾؛ أي: حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة، ولم يقل براهينكم؛ لأنَّ الدعوى كانت واحدة وهي: نفي دخول غيرهم الجنّة، والحجة على تلك الدعوى واحدة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في مقالتكم هذه، فإنَّ كُلَّ قولٍ لا دليل عليه غير ثابت. ١١٢ - ﴿بَلَى﴾ إثباتٌ لما نفوه من دخول غيرهم الجنة؛ لأنَّ بلى لإثبات النفي؛ أي: يدخلها غيركم، وعبارة "الروح": اعلم أنَّ قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ...﴾ إلخ. مشتملٌ على إيجاب ونفي، أمّا الإيجاب: فهو أن يدخل الجنّة اليهود والنصارى، وأمّا النفي: فهو أن لا يدخل الجنة غيرهم، فقوله: ﴿بَلَى﴾ إثبات لما نفوه في كلامهم، فكأنّهم قالوا: لا يدخل الجنة غيرنا، فأجيبوا بقوله: بلى يدخل الجنة غيركم، وليس الأمر كما تزعمون ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾ وبذل ﴿وَجْهَهُ﴾؛ أي: نفسه (لـ) ـطاعة ﴿لِلَّهِ﴾ ، وأخلص إيمانه لا يشرك به شيئًا، وانقاد لأمره، وأخلص عبادته من شوائب الرياء والسمعة، فإنَّ إسلام (١) شيءٍ لشي جعله سالمًا بأن لا يكون لأحد حقٌّ فيه، لا من حيث التخليق والمالكية، ولا من حيث استحقاق العبادة والتعظيم، عبَّر عنها بالوجه؛ لكونه أشرف الأعضاء من حيث إنَّه معدن الحواس، والفكر، والتخيُّل، فهو مجاز من باب ذكر الجزء، وإرادة الكل، ومنهم قولهم: كرَّم الله وجهك، ويحتمل أن يكون إخلاص الوجه كنايةً عن إخلاص الذات؛ لأنَّ من جاد بوجهه لا يبخل بشيء من جوارحه، ويكون الوجه بمعنى العضو المخصوص، وقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ حالٌ من ضمير ﴿أَسْلَمَ﴾؛ أي: وهو مع إخلاصه وتسليم النفس إلى الله بالكلية بالخضوع والانقياد، محسنٌ في جميع أعماله، بأن يعملها على وجهةٍ يستصوبها، فإنَّ إخلاصها لله لا يستلزم كونها مستحسنة بحسب الشرع، وحقيقة الإحسان: الإتيان بالعمل على الوجه اللائق، وهو حسنه الوصفيُّ التابع لحسنه الذاتيِّ، وقد فسره ﷺ بقوله: "أن تعبد الله كأنّك تراه، وإن لم تكن تراه فإنه يراك" وهذا

стр. 887

المعنى حقيقة الإيمان، وظاهره الإحسان، وأمَّا باطنه، فمرتبةُ، كنتُ سمعه وبصره؛ أي: بلى يدخل الجنة غيركم؛ لأنّه من أَسْلمَ وَجْهَه لله سبحانه، وهو محسن؛ أي: موحِّد مصدِّق بما جاء به محمد ﷺ ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية؛ أي: فلذلك المسلم المحسن ثوابه، وأجره على انقياده الظاهريِّ، وتصديقه الباطنيِّ: أي: ثوابه الذي وعد له على عمله، وهو عبارةٌ عن دخول الجنّة، وتصويره (١) بصورة الأجر؛ للإيذان بقوّة ارتباطه بالعمل، واستحالة نيله بدونه حال كون ذلك الأجر ثابتًا مدَّخرًا له ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ومالك أمره، ومدبِّر شؤونه، ومبلِّغه إلى كماله، لا يضيع ولا ينقص؛ والعندية للتشريف، والجملة جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية، كما مرّ آنفًا إن كانت شرطيّة، وخبرها إن كانت موصولة، والفاء حينئذٍ؛ لتضمن معنى الشرط، وعبارة "الخازن" هنا: وإنّما خصَّ الوجه بالذكر؛ لأنّه أشرف الأعضاء، وإذا جاد الإنسان بوضع وجهه على الأرض في السجود، فقد جاد بجميع أعضائه، قال عمرو بن نفيل: وأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ ... لَهُ الأرضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا وأسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أسْلمَتْ ... لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلاَلاَ يعني بذلك: استسلمت لطاعته الأرض والمزن ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الآخرة بالخلود في النار، أمَّا في الدنيا، فالمؤمنون أشدُّ خوفًا وحزنًا من غيرهم من أجل خوفهم من العاقبة، فإنَّهم يخافون من أن يصيبهم الشدائد، والأهوال العظام قُدَّامَهَم، ويحزنون على ما فاتهم من الأعمال، والطاعات، المؤدِّية إلى الفوز بأنواع السعادات، فإنَّ المؤمن، كما لا يقنط من رحمة الله، لا يأمن من غضبه وعقابه، كما قيل: لا يجتمع خوفان ولا أمنان، فمن خاف في الدنيا أمن في الآخرة حين يخاف الكفار من العقاب، ويحزن المقصرون على تضييع العمر، وتفويت الثواب، فإنَّ الخوف إنّما يكون مما يتوقَّع في المستقبل، كما أنَّ الحزن على ما وقع سابقًا، ومن أَمِنَ في الدنيا خاف في الآخرة ... وجمع الضمير هنا؛

стр. 888

اعتبارًا لمعنًى مِن ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما خلفوا في الدنيا، والمعنى: أي: إنّ (١) الذين أسلموا وجوههم لله، وأحسنوا العمل، لا تُساوِرُ نفوسَهم مخاوفُ، ولا أحزانٌ، كما تختلج صدور الذين أشرب قلوبهم حبُّ الوثنية، وأعرضوا عن الهداية، إذ من طبيعة المؤمن أنّه إذا أصابه مكروهٌ بحث عن سببه، واجتهد في تلاوته، فإن لم يمكنه دفعه، فوَّض أمره إلى ربه، ولم يضطرب، ولم تهن له عزيمةٌ، علمًا منه بأنَّه قد ركن إلى القوة القادرة على دفع كُلِّ مكروه. وتوكَّل على من بيده دفع كُلِّ محظور. أمَّا عابدوا الأوثان والأصنام، فهم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم، فإذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، داخلهم الهلع، ولم يستطيعوا صبرًا على البأساء، وهم يَسْتَخْذُون للدجَّالين، والمُشَعْوِذين، ويعتقدون سَلْطَنةً غيبيَّة لكل من يعمل عملًا لا يهتدون إلى معرفة سببه. والآية (٢) ترشد إلى أنَّ الإيمان الخالص لا يكفي وحده للنجاة، بل لا بدّ أن يقرن بإحسان العمل، وقد جَرَتْ سنة القرآن، إذا ذكر الإيمان أردفه عمل الصالحات، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ ثُمَّ ذكر مقال كلٍّ من الفريقين في الآخرة بقوله: ١١٣ - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ ...﴾ إلخ. بيان لتضليل كل فريق من اليهود والنصارى صاحبه بخصوصه، إثر بيان تضليله كُلَّ من عداه على وجه العموم؛ أي: وقالت اليهود ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى﴾ في دينهم ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾؛ أي: على أمر يصحُّ، ويعتدُّ به عند الله؛ أي: ليسوا على صواب، فكفروا بعيسى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ في دينهم ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾؛ أي: على أمر يصحُّ، ويعتدُّ به عند الله تعالى، أي: ليسوا على صواب، فكفروا بموسى، وهذه المقالة منهما أصدق مقالةٍ قالتها اليهود والنصارى، وجملة قوله: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ

стр. 889

الْكِتَابَ﴾ حال من فاعل قالوا؛ أي: قال كُلٌّ (١) من الفريقين ما قالوا، والحال أن كُلًّا من الفريقين يقرؤون الكتاب المنزَّل عليهم من التوراة والإنجيل، ويقولون: ما ليس فيه، فكان حقُّ كُلِّ فريق منهم أن يعترف بحقيقة دين صاحبه حسبما ينطق كتابه، فإنّ كتب الله تعالى متصادقةٌ، واللام في ﴿الْكِتَابَ﴾ للجنس؛ أي: قالوا ذلك، وهم من أهل العلم والكتاب، والتلاوة للكتب، فحقُّ من تلا كتابًا من كتب الله تعالى، وآمن به، أن لا يكفر بالباقي؛ لأنّ كل واحد من كتب الله يصدّق ما عداه، وليس في كتابهم هذا الاختلاف، فدلَّت تلاوتهم الكتاب، ومخالفتهم لما فيه على كفرهم، وكونهم على الباطل ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك القول الذي قالته اليهود والنصارى بعينه، لا قولًا مغايرًا له، أي: مثل ذلك القول الذي سمعته من هؤلاء الضالَّة، على أنَّ الكاف في موضع النصب على أنّه مفعول، قال: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كتاب الله، من عبدة الأصنام، والمعطِّلة، ونحوهم من الجهلة؛ أي: قال المشركون من العرب، وغيرهم ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ أي: مثل قول اليهود والنصارى، فهذا تأكيدٌ وبيانٌ لمعنى ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: قالت الجهلة الذين لا علم عندهم، ولا كتاب، من عبدة الأوثان، والمعطِّلة، مثل قول اليهود والنصارى؛ أي: قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء ودينٍ صحيحٍ؛ أي: قالوا ليست اليهود ولا النصارى على شيء، ولا محمدٌ ﷺ على شيء، بل كلُّهم على أباطيل مفترياتٍ، فالغرض من ذلك تسلية رسول الله ﷺ على ما وقع من المشركين، فإنَّ اليهود والنصارى كفروا وضلُّوا مع علمهم بالحق، فكيف بمن لا علم عنده؟! فلا تَسْتَغْرِبْ ذلك منهم، وقوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ بدلٌ من محل الكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ وفيه توبيخٌ عظيمٌ، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم أصلًا. ﴿فَاللَّهُ﴾ ﴿يَحْكُمُ﴾ ويَفْصِلُ، ويقضى ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين هؤلاء الفرق الثلاثة، وغيرهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يوم الجزاء، سُمِّي يوم القيامة؛ لأنّه يوم يقوم الناس فيه لربّ العالمين ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ﴾ متعلِّقٌ بيختلفون، قدم عليه؛ للمحافظة على رؤوس الآي؛ أي: يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا

стр. 890

﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ فيه من أمر الدين، فيقسم لكل فريق منهم من العقاب ما يستحقُّه، ويليق به. وقال الحسن؛ أي: فالله يكذبهم جميعًا، ويدخلهم النار. وقيل (١): معنى ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الفرق المذكورة اليهود، والنصارى، ومشركي العرب، ومن أسلم وجهه لله وهو محسن، فيُدْخِل المحقَّ الجنة، والمبطل النار، وهذا المعنى الذي يقتضيه السياق؛ أي: فهو العليم بما عليه كُلُّ فريق من حقٍّ وباطل، فَيُحِقّ الحقَّ، ويجعل أهله في النعيم، ويبطل الباطل، ويُلْقيَ أهلَه في سواء الجحيم. وفِعْلُ الحُكْم يتعدَّى بجارّين، الباء، وفي، كما يقال: حكم الحاكم في هذه القضية بكذا، وفي الآية قد ذكر المحكوم فيه دون المحكوم به. واعلم أنَّ كُلَّ حزب بما لديهم فرحون، وليس ذلك في الفرق الضالة خاصَّةً. ١١٤ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ ﴿مَنْ﴾ للاستفهام الإنكاري المضَمَّن للنفي، مبتدأ، و ﴿أظلم﴾ خبره، أي: وأيُّ امرئٍ أشدُّ ظلمًا وتعدِّيًا على الله تعالى ﴿مِمَّنْ مَنَعَ﴾؛ أي: من امرئٍ منع ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾؟ والمراد بالمساجد: بيت المقدس، والمسجد الحرام، على الخلاف في سبب النزول، كما سيأتي، وصيغة الجمع؛ لكون حكم الآية عامًّا لكل من فعل ذلك في أيِّ مسجد كان، كما تقول: لمن آذى صالحًا واحدًا، ومن أظلم ممَّن آذى الصالحين؛ لأنّه لا عبرة بخصوص السبب، كما هو القاعدة في الأسباب، وقوله: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ثاني مفعولَي مَنَع، فإنَّه يقتضي ممنوعًا وممنوعًا عنه، فتارةً يتعدى إليهما بنفسه، كما في قَوْلِك: مَنَعْتُه الأمر، وتارة يتعدى إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجرّ، وهو كلمة عن، أو من مذكورةً كانت كما في قولك: منعته من الأمر، أو محذوفةً، كما في الآية؛ أي: من أن يسبَّح ويقدَّس ويصلَّى له فيها ﴿وَسَعَى﴾؛ أي: عمل واجتهد ﴿فِي خَرَابِهَا﴾ بالهدم، والخراب: اسم مصدرٍ للتخريب، كالسلام للتسليم، وأصله: الثَّلْمُ والتفريقُ؛ أي: لا أحد من المانعين عن الخيرات أشدُّ ظلمًا وتعديًا على الله سبحانه ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه،

стр. 891

بالصلاة، والتسبيح، والأذان، ومدارسة العلوم الدينية، وتدريسها من التفسير، والحديث، والفقه، والتوحيد، وما يحتاج إليه فيها من علوم القواعد العربية، كالنحو، والصرف، والبلاغة، فهذا المانع أشدُّ ظلمًا، وأقبح جرمًا، لما فيه من الجراءة على الله، وقطع دينه، ومعاداته، فإنَّ الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات؛ أي: لا أحد أظلم ممن منع الناس أن يعبدوا الله تعالى في المساجد، بالصلاة، والأذكار، وغيرها، بغلقها، وتعطيلها عن العبادة، ومنع الوصول إليها، كما فعل المشركون حين صدُّوا النبيَّ ﷺ وأصحابه عام الحديبية عن البيت عام ستٍّ من الهجرة ﴿وَسَعَى﴾؛ أي: عمل واجتهد ﴿فِي خَرَابِهَا﴾ أي: في أسباب تخريبها بالهدم، وإلقاء الجيف، والقاذورات فيها، قال قتادة: أولئك أعداء الله النصارى خرَّبوا بيت المقدس. وعن ابن عباس ﵄: (أن فَلَيْطَيُوسَ الرُّوميّ مَلِكَ النصارى، وأصحابه غزوا بني إسرائيل، فقتلوا مقاتلتهم، وسَبَوْا ذرارِيَّهم، وأحرقوا التوراة، وخرَّبوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف، وذبحوا فيه الخنازير، ولم يزل خرابًا حتى بناه المسلمون في عهد عمر بن الخطاب ﵁) وذلك لمَّا استولى عُمر ﵁ على ولاية كِسرى، وغنم أموالَهم، عَمَّر بها بَيْتَ المقدس، ثم صار في أيدي النصارى من الإفرنج أكثر من مائة سنة، حتى فتحه، واستخلصه من أيديهم، الملك الناصر صلاح الدين من آل أيوب، سنة خمسمائة وخمس وثمانين بعد الهجرة. وقيل: نزلت الآية في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله عن الدعاء إلى الله تعالى بمكة، وألجؤوه إلى الهجرة، فصاروا بذلك مانعين له ﷺ ، ولأصحابه أن يذكروا اسم الله في المسجد الحرام، وأيضًا: أنّهم صدُّوا رسول الله ﷺ ، وأصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، وهي السنة السادسة من الهجرة، والحديبية: موضعٌ على طريق مكة، فعلى هذا يكون المسجد الذي نزلت الآية فيه المسجد الحرام، فالمراد بالخراب في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ تعطيلهم المسجد الحرام عن الذكر والعبادة، دون تخريبه وهدمه حقيقةً، ويجعل تعطيل المسجد عنهما تخريبًا؛ لأنَّ المقصود من بنائه إنما هو الذكرُ والعبادةُ فيه، فما دام لم يترتَّب عليه هذا

стр. 892

المقصود من بنائه صار كأنه هُدِّم وخُرِّب، أو لم يُبْنَ من أصله، فإنَّ عمارة المسجد كما تكون ببنائه، وإصلاحه، تكون أيضًا بحضوره، ولزومه، يقال: فلان يعمر مسجد فلانٍ، إذا كان يحضره ويلزمه، ويقال لسكان السموات من الملائكة: عُمَّارها. وفي الحديث: عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان" وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ فجعل حضور المساجد عمارةً لها، وعن عليٍّ ﵁ (سِتٌّ من المروءة: ثلاثٌ في الحضر، وثلاثٌ في السفر، فأما اللَّاتي في الحضر فتلاوة كتاب الله، وعمارة مساجد الله، واتخاذ الإخوان في الله، وأمَّا اللاتي في السفر فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله). وعدَّ من علامات الساعة: تطويل المنارات، وتنقيش المساجد، وتزيينها، وتخريبها عن ذكر الله تعالى، فتعطيل المساجد عن الصلاة والتلاوة، وإظهار شعائر الإِسلام، أقبح سيئةٍ لا سيَّما إذا اقترن بفتح أبواب بيوت الخمر، وإغلاق أبواب المكاتب، وغير ذلك، ولقد شوهد في أكثر البلاد الروميَّة، وغيرها في هذا الزمان، فلنبك على غربة الدين أيها الإخوان، فيا لها مصيبةً، أيَّ مصيبة؟! إنّا لله وإنّا إليه راجعون! فإن قلت: إنّ هذه الآية تقتضي: أنَّ من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، لا يساويه أحدٌ في الظلم، فهي تعارض مع قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ومع قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ المقتضي كُلُّ آيةٍ منها بأنّه لا أحد أظلم ممن ذكر فيها؟ قلت: إنّ معنى المفاضلة في كل منها يعتبر بالنظر إلى صلته، فكأنَّه قال: لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبًا، ولا أحد من الكذابين أظلم ممن كذب على الله ، وهكذا كُلُّ ما جاء من أمثالها، وقد يجاب عنه بأجوبة أخرى، فليرجع إليها في المطولات.

стр. 893

فإن قلتَ: إنّ (١) الممنوعَ بَيْتُ المقدس على قول، أو المسجد الحرام على قول آخر، فكيف التعبير بالجمع هنا؟ أجيب عنه: بأنَّ من خرَّب مسجدًا من هذين، فكأنّما خرَّب مساجد كثيرة بالقوَّة؛ لأنَّهما أفضل المساجد، وغيرهما تبعٌ لهما ﴿أُولَئِكَ﴾ المانعون الذين يسعون في تخريب بيوت الله ﴿مَا كَانَ﴾ ينبغي ﴿لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا﴾؛ أي: أن يدخلوا المساجد ﴿إِلَّا خَائِفِينَ﴾ من المسلمين أن يبطشوا بهم فضلًا عن أن يمنعوهم منها، وهذا الحكم عامٌّ لكل من فعل ذلك في أيِّ مسجدٍ كان ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المانعين ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾؛ أي: هوان بالقتل، والسبي، وضرب الجزية عليهم ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: شديدٌ أشدَّ مما لهم في الدنيا؛ بسبب كفرهم، وظلمهم، وهو عذاب النار. الإعراب ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾. ﴿مَا﴾ اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدّم وجوبًا؛ لأنّه من أسماء الشروط لننسخ ﴿نَنْسَخْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بما الشرطية ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لاسم الشرط، واسم الشرط ليس معرفة، فلا يجوز أن يكون الجار والمجرور حالًا منه، والتقدير: أي شيء كائنًا من الآيات ننسخه، فهو مفردٌ وقع موقع الجمع، وهذا مطردٌ بعد الشرط؛ لما فيه من معنى العموم، وعلى هذا يخرَّج كُلُّ ما جاء من هذا التركيب، كقوله: ما يفتح الله للناس من رحمة وما بكم من نعمة فمن الله، وأجاز بعضهم أن تكون من آية في موضع نصب على التمييز والمُميَّز ﴿مَا﴾ وليس ببعيدٍ أيضًا، وأعربها ابن هشام في موضع نصب على الحال، وليس ببعيدٍ أيضًا ﴿أَوْ﴾ حرف

стр. 894

عطف وتنويع ﴿نُنسِهَا﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به معطوفٌ على نسخ مجزومٌ بما الشرطية على كونه فعل الشرط، وعلامة جزمه سكون الهمزة المحذوفة للتخفيف، والأصل: ننسئها؛ أي: نرجئها، أو سكونٌ ظاهر على الهمزة على قراءة ﴿نَنْسَأها﴾. ﴿نَأْتِ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بما الشرطية على كونه جوابًا لها، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهي الياء؛ لأنّه من أتى يأتي، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب ﴿بِخَيْرٍ﴾ جار ومجرور متعلق بنأت ﴿مِنْهَا﴾ جار ومجرور متعلق بخير؛ لأنّه اسم تفضيل، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أَوْ حرف عطف وتفصيل ﴿مثل﴾ معطوف على خير وهو مضاف، والهاء مضاف إليه. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري ﴿لم﴾ حرف نفي وجزم ﴿تَعْلَمْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ مجزوم بلم، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بقدير، و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر أنّ المفتوحة، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادّ مسدَّ مفعولَي علم؛ أي: ألم تعلم كون الله قادرًا على كلّ شيء. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾. ﴿أَلَمْ﴾ الهمزة للاستفهام التقريري ﴿لم تعلم﴾ جازم وفعل مجزوم وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة الاستفهامية جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخّر ومضاف إليه ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السموات، والجملة من المبتدأ والخبر في محل رفع خبر أَنَّ وجملة أَنَّ من اسمها وخبرها سادة مسد مفعولي ﴿تَعْلَمْ﴾. ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ الواو عاطفة مَا نافية لَكُم جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر، أو متعلق بمحذوف حال من قوله: ﴿وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخّر ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾، والتقدير: وما وليّ ولا نصير كائنان لكم من دون الله، أو حالة كونهما كائنين من دون الله، والجملة من المبتدأ والخبر في

стр. 895

محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَنْ﴾. ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية، والهمزة الاستفهامية أعني: الإضراب الانتقالي؛ أي: الانتقال من قصّة إلى أخرى، ولم تجعل متّصلة؛ لفقد شرطها وهو تقدم همزة الاستفهام، أو التسوية ﴿تُرِيدُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿تَسْأَلُوا﴾ فعل وفاعل منصوب بأن ﴿رَسُولَكُمْ﴾ مفعول أوَّل ومضاف إليه، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: إنزال الكتاب جملةً، أو الإتيان بالله والملائكة قبيلًا، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية و ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعوليَّة لتريدون، تقديره: بل أتريدون سؤال رسولكم محمدٍ ﷺ إنزال الكتاب جملةً مثلًا ﴿كَمَا سُئِلَ﴾ الكاف حرف جرّ وتشبيه ﴿مَا﴾ مصدرية ﴿سُئِلَ﴾ فعل ماض مغيّر الصيغة ﴿مُوسَى﴾ نائب فاعل، وهو المفعول الأول لسئل، والثاني محذوف، تقديره: رؤية الربّ جهرةً ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ جار ومجرور متعلِّق بسئل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، و ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، تقديره: كسؤال أسلافكم موسى رؤية الربّ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف، تقديره: أم تريدون أن تسألوا رسولكم سؤالًا كائنًا، كسؤال أسلافكم موسى ﵇، ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾ الواو استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، والأول أصحُّ ﴿يَتَبَدَّلِ﴾ فعل مضارع مجزوم بِمَنْ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿الْكُفْرَ﴾ مفعول به ﴿بِالْإِيمَانِ﴾ جار ومجرور متعلق بيتبدل، وهو المتروك ﴿فَقَدْ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا؛ لاقترانه بقد ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿ضَلَّ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿سَوَاءَ﴾ مفعول به على التوسُّع، وهو مضاف ﴿السَّبِيلِ﴾ مضاف إليه وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: السبيل المستوي، والجملة الفعلية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية من فعل شرطها وجوابها مستأنفة

стр. 896

استئنافًا نحويًّا لا محل لها من الإعراب. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه صفة لكثير ﴿لَوْ﴾ حرف مصدر ﴿يَرُدُّونَكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أوّل مرفوع بثبات النون ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيردّون ﴿كُفَّارًا﴾ مفعول ثان ليردّونكم؛ لأنّه من أفعال التصيير، والجملة الفعلية صلة ﴿لَوْ﴾ المصدرية، و ﴿لَوْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لودَّ؛ تقديره: ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب ردَّكم كفارًا من بعد إيمانكم ﴿حَسَدًا﴾ مفعولٌ لأجله منصوب بودَّ ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلِّق بمحذوف صفةٍ لحسدًا، تقديره: حسدًا كائنًا من عند أنفسهم ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ جار ومجرور متعلّق بودَّ ﴿ما﴾ مصدرية ﴿تَبَيَّنَ﴾ فعل ماض ﴿لَهُمُ﴾ متعلق به ﴿الْحَقُّ﴾ فاعل، والجملة الفعلية صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ﴿مَا﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، تقديره: من بعد تبيُّن الحق، وظهوره لهم ﴿فَاعْفُوا﴾ الفاء فاء الفصيحة، مبنيةٌ على الفتح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حسدهم، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم ﴿اعْفُوا﴾ فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة في محل النصب مقولٌ لجواب إذا المقدّرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة ﴿وَاصْفَحُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿فَاعْفُوا﴾ ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية بمعنى إلى ﴿يَأْتِيَ﴾ فعل مضارع منصوب بأنْ مضمرة بعد حتى (ولفظ الجلالة) فاعل ﴿بِأَمْرِهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلِّق بيأتي، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى، تقديره: إلى إتيان الله بأمره، الجار والمجرور تنازع فيه كُلٌّ من الفعلين، فاعفوا واصفحوا ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلِّق بقدير، و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة؛ مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿فَاعْفُوا﴾. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ معطوف على ﴿فَاعْفُوا﴾. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

стр. 897

﴿وَمَا﴾ الواو استئنافية ﴿مَا﴾ اسم شرط جازم في محل النصب مفعول مقدّم وجوبًا ﴿تُقَدِّمُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بها على كونه فعل الشرط ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتقدّموا ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لاسم الشرط، تقديره: أيَّ شيء كائنًا من خيرٍ تقدِّموه لأنفسكم، أو حال من اسم الشرط، ولكنَّه ضعيفٌ، كما مرّ في نظيره ﴿تَجِدُوُه﴾ فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بما على كونه جواب الشرط ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من المفعول، ولكنه على تقدير مضاف، تقديره: تجدوا ثوابه حال كونه مدّخرًا عند الله، أو متعلق بتجدوا، وجملة ﴿مَا﴾ الشرطيّة مع معموليها مستأنفة ﴿إنَّ اَللهَ﴾ ناصب واسمه ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق ببصير ﴿تَعْمَلُونَ﴾ فعل وفاعل صلة لما إن قلنا: إنها موصولة، والعائد محذوف، تقديره: بما تعملونه، ويصحّ كونها مصدرية؛ أي: بعملكم و ﴿بَصِيرٌ﴾ خبر إنّ، وجملة ﴿إنَّ﴾ مع معموليها مستأنفة؛ مسوقة لتعليل ما قبلها، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾ الواو عاطفة ﴿قَالُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ والضمير لأهل الكتاب ﴿لَنْ يَدْخُلَ﴾ ناصب ومنصوب ﴿الْجَنَّةَ﴾ مفعول به على السعة ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرَّغ ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر، تقديره: هو يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿هُودًا﴾ خبرها منصوب ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ معطوف على ﴿هُودًا﴾، والجملة صلة لِمَنْ الموصولة ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ مبتدأ وخبر ومضاف إليه، والجملة الإسمية معترضة لا محل لها من الإعراب؛ لاعتراضها بين الدعوى، وهي قوله: ﴿وَقَالُوا﴾، ودليلها وهو قوله: ﴿قُلْ ...﴾ إلخ. ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، والجملة مستأنفة ﴿هَاتُوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ مفعول به، والجملة مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط ﴿كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فعل

стр. 898

ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها، وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم، وجملة الشرط مع جوابه في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾ ﴿بَلَى﴾ حرف جواب لإثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، وهو الأصحّ، أو الجواب، أو هما، كما مرّ مرارًا ﴿أَسْلَمَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بمن على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿وَجْهَهُ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿لِلَّهِ﴾ متعلق بأسلم، ﴿وَهُوَ﴾ الواو حالية ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الإسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿أَسْلَمَ﴾. ﴿فَلَهُ﴾ الفاء رابطة لجواب مَنْ الشرطية وجوبًا ﴿له﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿أَجْرُهُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجزم بمن على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مع معموليها جملة جوابية لا محل لها من الإعراب ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ظرف ومضاف إليه، والظرف متعلق بمحذوف حال من أجره؛ أي: فله أجره حال كونه مدّخرًا له عند ربّه ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية؛ مهملة لتكرّرها ﴿خَوْفٌ﴾ مبتدأ، وسَوَّغَ الابتداء بالنكرة، تقدُّمُ النفي عليه ﴿عَلَيْهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ على كونها جواب الشرط لمن، تقديره: بلى من أسلم وجهه لله فلا خوف عليهم ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية مهملة ﴿هُم﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَحْزَنُونَ﴾ خبره، والجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾. ﴿وَقَالَتِ﴾ الواو استئنافية ﴿قالت اليهود﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة؛ مسوقة لبيان حالة من حالات جهالتهم المتأصّلة في نفوسهم ﴿لَيْسَتِ النَّصَارَى﴾ فعل ناقص واسمه ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ جار ومجرور خبره، وجملة ليس في محل النصب مقول ﴿قَالَتِ﴾. ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قالت

стр. 899

اليهود﴾ ﴿لَيْسَتِ الْيَهُودُ﴾ فعل ناقص واسمه ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ خبره، وجملة ليس في محل النصب مقول ﴿قَالَتِ﴾ ﴿وَهُمْ﴾ الواو حالية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب حال من اليهود والنصارى ﴿كَذَلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لمصدر محذوف منصوب بقال الآتي، مقدّم عليه؛ لإفادة الحصر، تقديره: قولًا كائنًا، كقول اليهود والنصارى ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل، ومفعول العلم محذوف، تقديره: لا يعلمون شيئًا من المعلومات ﴿مِثْلَ﴾ منصوب على كونه بدلًا من ﴿كَذَلِكَ﴾ بدل كل من كل، وهو مضاف ﴿قَوْلِهِمْ﴾ مضاف إليه وهو مضاف، والهاء مضاف إليه ﴿فَاللَّهُ﴾ الفاء استئنافية، أو فصيحة، مبنية على الفتح؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قال كل فريق، وأردت بيان عاقبة أمرهم، فأقول لك: ﴿الله يحكم بينهم﴾ ﴿اللهُ﴾ مبتدأ ﴿يَحْكُمُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿اللهُ﴾ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بيحكم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بيحكم أيضًا، وجملة ﴿يَحْكُمُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة، أو في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة ﴿فِيمَا﴾ ﴿في﴾ حرف جرّ ﴿مَا﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة في محل الجر بفي، والجار والمجرور متعلق بيحكم ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه ﴿فِيهِ﴾ متعلق بيختلفون، قدّم عليه؛ لرعاية الفاصلة، وجملة ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة لما الموصولة، أو صفة لما الموصوفة، والعائد أو الرابط ضمير فيه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَظْلَمُ﴾ خبره، والجملة مستأنفة ﴿مِمَّنْ﴾ ﴿مِن﴾ حرف جرّ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل

стр. 900

الجر بمن، والجار والمجرور متعلق بأظلم ﴿مَنَعَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَن﴾ والجملة الفعلية صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد ضمير الفاعل ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يُذْكَرَ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة منصوب بأن ﴿فِيهَا﴾ جار ومجرور متعلق به ﴿اسْمُهُ﴾ نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية من الفعل المغيّر ونائب فاعله صلة ﴿أَن﴾ المصدرية. و ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر منصوب على كونه مفعولًا ثانيًا لمنع، ولكنه على تقدير ﴿مِن﴾ الجارة؛ لأنّه يتعدى إلى الثاني بواسطة ﴿مِن﴾ الجارة، تقديره: ممن منع مساجد الله من ذكر اسمه فيها، أو منصوب على كونه مفعولًا لأجله، ولكنه على حذف مضاف، تقديره: منع مساجد الله كراهية ذكر اسمه فيها، أو منصوب على كونه بدل اشتمال من مساجد، تقديره: منع مساجد الله ذكر اسمه فيها، والأوّل أرجح، كما أشرنا إليه في مبحث التفسير ﴿وَسَعَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على مَن معطوف على ﴿مَنَعَ﴾. ﴿فِي خَرَابِهَا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بسعى، ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿مَا﴾ نافية ﴿كاَنَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لَهُم﴾ خبر ﴿كاَنَ﴾ مقدم ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿يَدْخُلُوهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول به على التوسّع، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخّرًا، تقديره: أولئك ما كان دخولهم إيّاها كائنًا لهم، وجملة ﴿كَانَ﴾ من اسمها وخبرها في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال ﴿خَائِفِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَدْخُلُوهَا﴾، أي: ما كان لهم دخولها في جميع الأحوال إلا في حالة الخوف. اهـ. "سمين" ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ متعلق بمحذوف حال من ﴿خِزْيٌ﴾؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها ﴿خِزْيٌ﴾ مبتدأ مؤخّر، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿وَلَهُمْ﴾ خبر مقدّم ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بمحذوف حال من عذاب ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ مؤخرّ ﴿عَظِيمٌ﴾ صفة لعذاب، والجملة الإسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ على كونها مستأنفة استئنافًا بيانيًّا.

стр. 901

التصريف ومفردات اللغة ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ النسخ: الإزالة والنقل، يقال: نسخت الريح الأثر، أي: أزالته، ونسختَ الكتاب إذا نقلتَه من كتاب إلى آخر ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قرئ بغير همز من أنسى ينسى إنساء، يقال: أنسى الشيء جعله منسيًّا، فهو من النسيان الذي هو ضِدُّ الذكر، وهو ذهاب الشيء من الذاكرة؛ أي: نمحها من القلوب، وقرىء ﴿نَنْسَأها﴾ بفتح النون والسين، وبالهمز من قولهم: نَسَأتُ هذا الأمر إذا أخَّرته، وأنسأ الله أجلك أخَّره وأطاله، والإنساء: تأخير الشيء أو إذهابه عن الذاكرة، والإنساء: إذهاب الآية من ذاكرة النبي ﷺ بعد تبليغه إيّاها ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ الوليّ: القريب والصديق، وأصله: ولِيْيٌ على وزن فعِيْل، أدغمت ياء فعيل في ياء لام الكلمة، والنصير: المعين، وتقدم الفرق بينهما في مبحث التفسير. ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ﴾ وأصل تريدون: تُرْوِدون بوزن تُفْعِلون؛ لأنّه من راد لي رود، نقلت حركة الواو إلى الراء قبلها، فسكِّنت الواو بعد كسرة، فقلبت ياء حرف مدّ فصار تريدون، والسؤال: الاقتراح المقصود به التعنت ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾ بدَّل وتبدَّل واستبدل: جعل شيئًا موضع آخر. بعد الإيمان، أصله: إءمان بوزن إفعال، أبدلت الهمزة الساكنة حرف مد مجانسًا لحركة الأولى ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾؛ أي: عَدَلَ وجار، أصله: ضَلَلَ بوزن فعل، أدغمت اللام الأولى في الثانية بعد أن سكنت ﴿سَوَاءَ﴾ تقدم أن الهمزة فيه مبدلة عن ياء ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ أصل ودَّ: وَدِدَ بكسر العين في الماضي، ومضارعه ودد، أدغمت الدال الأولى بعد تسكينها في الثانية، أمَّا في المضارع، فنقلت حركة الدال إلى الواو، ثمّ أدغمت الدال في الدال، فقيل: يَودُّ ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ أصله: يَرْدُدُونكم بوزن يفعُلُون، نقلت حركة الدال الأولى إلى الراء، فسكنت فأدغمت في الدال الثانية. ﴿فَاعْفُوا﴾ أمر من عفا يعفو، كصفا يصفو من باب فعل بفتح العين في الماضي، يفعُلُ بضمّها في المضارع، ولام الفعل واوٌ، وإذا أسند المضارع إلى واو الجماعة، صار يفعوون بوزن يفعلون، حذفت منه نون الرفع؛ لبناء الأمر على ما يجزم به مضارعه، ثُمَّ استثقلت الحركة على الواو، فحذفت فسكنت فالتقى ساكنان، لام الكلمة وواو الجماعة، فحذفت الأولى التي هي لام الكلمة، فصار

стр. 902

اعْفُوا بوزن أفعوا. والعفو: ترك العقاب على الذنب، كما قال تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، والصَّفح: الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه، وهو يشمل ترك العقاب، وترك اللوم والتثريب. وفي "المصباح": عفا الله عنك؛ أي محا ذنوبك، وعفوت عن الحق: أسقطته، كأنّك محوته عن الذي هو عليه، وعافاه الله: محا عنه الأسقام. اهـ. وفيه أيضًا: صفحت عن الذنب صفحًا من باب نفع: عفوت عنه، وصفحت عن الأمر: أعرضت عنه وتركته اهـ. فعلى هذا يكون العطف في الآية للتأكيد، وحسَّنه تغاير اللفظين، وقال بعضهم: العفو: ترك العقوبة على الذنب، والصفح: ترك اللوم والعتاب عليه ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أصله: أَقْوِموا بوزن أَفْعِلوا، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت إثر كسرة، فقلبت ياءً حرف مدّ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أصله: أأتيوا بوزن أفعلوا، أمر من أتى الرباعي، أبدلت الهمزة الثانية حرف مدٍّ مجانسًا لحركة الأولى، ثم استثقلت الضمة على الياء؛ فحذفت للتخفيف، فالتقى ساكنان، فحذفت الياء كما حذفت نون الرفع، ثمَّ ضُمَّت التاء؛ لمناسبة الواو ﴿الزَّكَاةَ﴾ تقدَّم أنَّ ألفه منقلبة عن واوٍ؛ لأنّه من زكا يزكو زكاءً إذا نما. ﴿كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ والهود: جمع هائد على أظهر القولين فيه، نحو: بازلٍ وبُزْلٍ، وعائذٍ وعوذ، وحائل وحول، وبائر وبور، وهائدٌ من الأوصاف الفارق بين مذكَّرها ومؤنثها تاء التأنيث. اهـ. "سمين" والعوذ بالذال المعجمة، قال الجوهري: الحديثات النتاج من الظباء، والإبل، والخيل واحدها: عائذ. اهـ. زكريا، وفي "المختار": هاد إذا تاب ورجع، وبابه قال، فهو هائد، وقومُ هود. قال أبو عبيدة: التهوُّد: التوبة والعمل الصالح، يقال أيضًا: هاد وتهوَّد؛ أي: صار يهوديًّا، والهود بوزن العود: اليهود. اهـ. ﴿أَوْ نَصَارَى﴾ وفي "المختار": جمع نصران، ونصرانة كالندامى جمع ندمان، وندمانة، ولم يستعمل نصران إلا بياء النسب. اهـ. وفي "المصباح": والنصارى. جمع نصرى، كمهرى ومهارى، فتلخص أنّ نصارى له مفردان: نصرى ونصران ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ جمع

стр. 903

أمنيَّة: وهي ما يُتمنَّى على وزن أفعولة، كأعجوبة، وأضحوكة، وتقدم بسط الكلام عليها في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ هاتوا: أمرٌ للجماعة، أصله: هاتيوا، حذفت الضمة؛ لثقلها، ثمّ حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار هاتوا؛ لأنّه من هاتى يهاتي على وزن رامي يرامي، وأميت تصريفها إلّا في الأمر، ويقال للمفرد المذكر: هات، والمؤنث: هاتي. وفي "الفتوحات": واختلف في هات على ثلاثة أقوال: أحدها: أنّه فعل أمر، وهذا هو الصحيح؛ لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة، نحو: هاتوا هاتي هاتيا هاتين. الثاني: أنّه اسم فعل بمعنى أحضروا. والثالث: وبه قال الزمخشري: أنّه اسم صوت بمعنى ها الَّتي بمعنى احضروا. اهـ. "سمين". وقيل: الهاء فيه بدل من الهمزة في آتوا. وقيل: تنبيهٌ، وحذفت همزة آتى لزومًا، كذا في "تفسير ابن عطية" ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ واختلف في برهان على قولين: أحدها: أنّه مشتق من البره وهو القطع، وذلك أنّه دليلٌ يفيد العلم القطعيَّ، ومنه برهة الزمان؛ أي: القطعة منه، فوزنه فعلان. والثاني: أنَّ نونه أصلية؛ لثُبُوتها في برهن يبرهن برهنةً، والبرهنة: البيان، فبرهن من باب فعلل لا من فعلن؛ لأنّ فعلن غير موجود في أبنيتهم، فوزنه فعلان، وعلى هذين القولين يترتَّب الخلاف في صرف برهان وعدمه، إذا سُمِّي به. اهـ. "سمين". ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ وليس فعل ماض ناقص أبدًا من أخوات كان، ولا يتصرّف، ووزنه على فَعِل بكسر العين. اهـ. "سمين". وهو بناءٌ نادر في الثلاثي اليائي العين ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أصله: يتلوون بوزن يفعلون، الواو الأولى لام الكلمة، والثانية واو الجماعة، استثقلت الحركة على الواو، فحذفت، فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى، فوزنه يفعون ﴿يَوْمَ

стр. 904

الْقِيَامَةِ﴾ تقدّم أنَّ الياء فيه منقلبة عن واو؛ لأنّه من قام يقوم قيامًا، أصله: قواما ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ جمع مسجد: اسم لمكان السجود، وكان قياسه أن يكون على وزن مَفْعَلٍ بالفتح، لانضمام عين مضارعه، نظير مدخل من دخل يدخل، ولكنه شذَّ كسره كما شذَّتْ ألفاظٌ أخر في كتب الصرف، كالمشرق، والمغرب، والمطلع، والمنِسك، والمجزِر، والمنِبت، والمسقِط، ويجوز فيها الفتح والكسر، ولكن السماع أفصح. كما بسطنا الكلام في شرحنا "مناهل الرجال على لاميّة الأفعال" وقد سمع مسجَد بالفتح على الأصل، وقد تبدل جيمه ياءً، ومنه: المَسْيِد في لغةٍ. اهـ. "سمين". ﴿وَسَعَى﴾ أصله: سَعَيَ بوزن فعل، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها ﴿خَائِفِينَ﴾ أصله: خاوفين لأن مادته خوفَ واوي العين أعلت عين فعله فقلبت ألفًا. فقيل: خاف، فحمل الوصف على فعله في الإعلال، فأعلّ بإبدال الواو همزةً، إذ القياس أن يقال: خاوفين، وقس عليه ما شابهه، فقالوا: قائل بدل قاول، وقالوا بائع بدل بايع ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ تقدّم أنَّ الياء في الدنيا منقلبة عن واوٍ، فأصله: الدنو، وتقدّم علَّةُ هذا القلب. البلاغة وقد تضمَّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستفهام التقريريُّ، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما عُلِم عنده ثبوته، أو نفيه في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: إنّك علمت. ومنها: تخصيصه ﷺ بالخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مع أنَّ غيره داخلٌ في الخطاب أيضًا، بدليل قوله فيما بعد: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ إيذانًا بأنَّ المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطب، وهو ﷺ أعلم الخلق. ومنها: تخصيص السموات والأرض بالذكر مع أنّه تعالى له ملك الدنيا

стр. 905

والآخرة؛ لكونهما أعظم المصنوعات، وأعجبها شأنًا. ومنها: وضع الاسم الجليل موضع الضمير في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ومقتضى السياق أن يقال: ألم تعلم أنّه، من دونه؛ لسبق المرجع؛ لتربية الرَّوعة، والمهابة في النفوس. ومنها: المصدر التشبيهي في قوله: ﴿كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾؛ لتأكيد الكلام؛ أي: سؤالًا مشبهًا بسؤال موسى ﵇. ومنها: الإتيان بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ لتأكيد الكلام؛ لأنّ كون سؤال موسى من قبل محمد ﷺ من المعلوم، فالإتيان به؛ لتأكيد الكلام. ومنها: الطباق في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. ومنها: إضافة الصفة إلى الموصوف في قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾؛ أي: الطريق المستوي، وفي التعبير به نهاية التَّبكيت والتشنيع لمن ظهر له الحق، فعدل عنه إلى الباطل. ومنها: الاعتراض بين الدعوى ودليلها في قوله: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ فإنّها جملة اعتراض اعترض بها بينهما؛ لغرض بيان بطلان الدعوى، وأنّها دعوى كاذبة. ومنها: الأمر للتعجيز والتبكيت في قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾. ومنها: التعريض بكذبهم، وبطلان دعواهم في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وفيه أيضًا: الإيجاز بالحذف؛ لأنّه حُذف فيه جواب الشرط؛ لعلمه من السابق؛ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم، فهاتوا برهانكم. ومنها: تخصيص الوجه بالذكر في قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾؛ لكونه أشرف أعضاء الإنسان؛ لكونه مركز الحواس، ففيه إمّا استعارة تصريحية؛ لأنّه استعار الوجه للنفس، أو مجاز مرسل من إطلاق الجزء وإرادة الكل. ومنها: العنديَّة؛ للتشريف في قوله ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ وفيه أيضًا: وضع

стр. 906

اسم الربّ مضافًا إلى ضمير ﴿مَنْ أَسْلَمَ﴾ موضع ضمير الجلالة؛ لإظهار مزيد اللُّطف به. ومنها: تخصيص الصلاة والزكاة بالذكر مع كونهما داخلين في قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ تنبيهًا على عظيم شأنهما، وعلوِّ قدرهما عند الله تعالى؛ لأنّ الصلاة قربةٌ بدنية، والزكاة قربة مالية، كما مرّ في مبحث التفسير. ومنها: التعبير بلفظ التقديم في قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾؛ إشارةً إلى أنّ المقصود الأصليَّ، والحكمة الكلية في جميع ما أنعم الله تعالى به على المكلفين في الدنيا، أن يقدِّموه إلى معادهم، ويدّخروه ليومهم الآجل. ومنها: تقديم المعمول على عامله؛ لإفادة الحصر في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قال الذين لا يعلمون الكتاب قولًا مثل ذلك القول بعينه، لا قولًا مغايرًا له اهـ. "أبو السعود". وفيه أيضًا: توبيخ عظيم، وتقريع لأهل الكتاب، حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم أصلًا. ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ محافظةً على رؤوس الآي. ومنها: الاستفهام الإنكاري المضمَّن معنى النفي في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: لا أحد أظلم منه. ومنها: التنكير في قوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾؛ للتهويل؛ أي: خزي هائل فظيع، لا يوصف لهوله. ومنها: الزيادة والحذف في عدّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 907

قال الله سبحانه جلّ وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ...﴾ الآية، قال أبو حيان (١): مناسبة هذه الآية لِمَا قبلها: هو أنَّه تعالى لما ذكر منع المساجد من ذكر الله، والسعي في تخريبها .. نبَّه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات، ولا من ذكر الله تعالى،، إذ المشرق والمغرب كلاهما لله تعالى، فأيُّ جهةٍ أدَّيتم فيها العبادة فهي لله يثيب على ذلك، ولا يختص مكان التأدية بالمسجد، والمعنى:

стр. 908

ولله بلاد المشرق والمغرب وما بينهما، فيكون على حذف مضافٍ. انتهى. قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنّه تعالى لمَّا ذكر أنَّه مالكٌ لجميع من في السموات والأرض، وأنَّ كُلَّهم قانتون له، وهم المظروف للسموات والأرض، ذكر الظرفين، وخصَّهما بالبداعة؛ لأنّهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها (١): أن الله ، لمَّا ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدلُّ على طواعية المخترع، وسرعة تكوينه. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لِمَا قبلها: أنّه تعالى لمَّا ذكر (٢) فيما سلف الردَّ على من أنكر الوحدانية، واتخذ لله ولدًا، ذكر هنا من أنكر نبوَّة محمد ﷺ ، وطعن في الآيات التي جاء بها، وتجنَّى بطلب آيات أخرى؛ تعنُّتًا وعنادًا؛ كما جاء في نحو قوله حكايةً عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾ وقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أنَّ الله ، لمَّا ذكر فيما سلف أنَّ اليهود والنصارى لن ترضى عنك حتى تتَّبع ملَّتهم، وحذر رسوله ﷺ ، من اتباع أهوائهم، وأعلمه بأنّ هدى الله هو الهدى الذي أعطاه، وبعثه به، ذكر هنا أنَّ فريقًا منهم يرجى إيمانهم، وهم الذين يتدبَّرون كتابهم، ويُمَيِّزُونَ بين الحق والباطل، ويفهمون أسرار الدِّين، ويعلمون أنّ ما جئت به هو الحقُّ الذي يتَّفِق مع صالح البشر، فهو الذي يهذِّب نفوسهم، ويصفِّي أرواحهم، ويُنظِّم معايشهم، وبه سعادتهم في الدنيا والآخرة.

стр. 909

وبعد أنَّ أقام عليهم الحجة دعاهم وناداهم بقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ...﴾ إلخ. وطلب إليهم أن يتركوا الغرور المانع لهم من الإيمان بمحمد ﷺ ، إذ لا ينبغي لمن كرَّمه الله تعالى، وفضّله على غيره من الشعوب، أن يكون حظه من كتابه، كحظّ الحمار يحمل أسفارًا. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها (١): أنّه لما جرى ذكر الكعبة والقبلة، وأنَّ اليهود عيَّروا المؤمنين بتوجُّههم إلى الكعبة، وترك بيت المقدس، كما قال: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ ذَكَر حديث إبراهيم، وما ابتلاه الله، واستطرد إلى ذكر البيت، وكيفية بنائه، وأنَّهم لمَّا كانوا من نسل إبراهيم، كان ينبغي أن يكونوا أكثر الناس اتباعًا لشرعه، واقتفاءً لآثاره فكان تعظيم البيت لازمًا لهم، فنبَّه الله بذلك على سوء اعتقادهم، وكثرة مخالفتهم، وخروجهم عن سنن من ينبغي اتباعه من آبائهم، وأنّهم وإن كانوا من نسله لا ينالون لظلمهم شيئًا من عهده. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (٢): ما أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد، عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ ، يصلي على راحلته تطوّعًا أينما توجّهت به، وهو مقبل من مكّة إلى المدينة، ثم قرأ ابن عمر ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وقال: في هذه نزلت هذه الآية). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: (أنّ رسول الله ﷺ ، لمّا هاجر إلى المدينة، أمره الله سبحانه أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها بضعة عشر شهرًا، وكان يحبّ قبلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾

стр. 910

فارتاب في ذلك اليهود، قالت: ما ولّاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ إسناده قويّ، والمعنى: أيضًا يساعده فليُعتمدْ، وفي الآية رواياتٌ أُخر ضعيفةٌ. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما رواه البخاري، وغيره، عن عمر ﵁ قال: (وافقت ربّي في ثلاثٍ، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلًّى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قلت: يا رسول الله! إنّ نساءك يدخل عليهنّ البرُّ والفاجر، فلو أمرتهنّ أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله ﷺ نساءه في الغَيرة، فقلت لهنَّ: عسى ربُّه إن طلَّقكنّ أن يبدله أزواجًا خيرًا منكنّ، فنزلت كذلك، وللحديث طرقٌ كثيرةٌ. التفسير وأوجه القراءة ١١٥ - ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿الْمَشْرِقُ﴾؛ أي: مكان شروق الشمس ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: مكان غروبها، يريد (١) بهما ناحيتي الأرض إذ لا وجه لإرادة موضعي الشروق والغروب بخصوصهما؛ أي: له الأرض كلُّها لا يختصُّ به من حيث الملك والتصرف ولا من حيث المحلية، لعبادته مكان منها دون مكان، فإن مُنعتم أن تصلُّوا في المسجد الحرام، أو الأقصى، فقد جعلت لكم الأرض كلَّها مسجدًا. والمعنى: أي له (٢) جميع نواحي الأرض شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالًا؛ لأنّه خالقها، فإن مُنعتم أن تصلوا في المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، فقد جعلت لكم الأرض كلّها مسجدًا، فهذه الجملة مرتبطة بقوله: ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ يعني: أنّه إن سعى ساع في المنع من ذكره تعالى، وفي خراب بيوته، فليس ذلك مانعًا من أداء العبادة في غيرها؛

стр. 911

لأنَّ المشرق المغرب وما بينهما له تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وقرىء بفتح التاء واللام؛ أي: ففي أي مكانٍ فعلتم تولية وجوهكم القبلة. قال الإمام الراغب: ولَّى: إذا أقبل، ولَّى إذا أدبر، وهو من الأضداد، والمراد ها هنا: الإقبال. اهـ. ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: هناك (١) جهته التي أمر بها، ورضيها لكم قبلةً، فإنَّ إمكان التولية غير مختص بمسجدٍ دون مسجدٍ، أو مكانٍ دون آخر، أو فثمَّة ذاته تعالى، بمعنى: الحضور العِلْميِّ، فيكون الوجه مجازًا من قبل إطلاق اسم الجزء على الكل، والمعنى عليه: ففي أيِّ مكان فعلتم التولية، فهو سبحانه موجودٌ فيه، ويمكنكم الوصول إليه، إذْ ليس هو جوهرًا، ولا عرضًا حتى يكون بكونه في جانب مفرِّغًا جانبًا، ولمَّا امتنع عليه أن يكون في مكانٍ، أريد أنَّ علمه محيطٌ لما يكون في جميع الأماكن والنواحي؛ أي: فهو عالم بما يُفعل فيه، ومثيب لكم على ذلك. اهـ. من "الروح". واعلم (٢): أنَّ ﴿أين﴾ اسم شرط في المكان، وهو ها هنا منصوب بتُوَلُّوا؛ لأنّه فعل شرطه، و ﴿ما﴾ مزيدةٌ؛ للتأكيد، و ﴿ثمَّ﴾ ظرف مكانٍ بمنزلة هناك، تقول لِمَا قَرُب من المكان هنا، ولِمَا بَعُد ثَمَّ وهناك، وهو خبر مقدَّمٌ، و ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ مبتدأٌ مؤخَّر، والجملة الإسمية في محل الجزم على أنّها جواب الشرط، كما سيأتي في مبحث الإعراب. والمعنى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾؛ أي (٣): ففي أيِّ مكانٍ وبقعةٍ، تحوِّلوا، وتوجِّهوا فيه وجوهكم في الصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالاستقبال إليها ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك في الجهة التي أمرتم بالاستقبال إليها ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: جهته التي ارتضاها لكم قبلةً، وأمر بالتوجُّه إليها، فإن إمكان التولية والتحوّل لا

стр. 912

يختصُّ بمكانٍ ولا مسجدٍ، فإنَّها ممكنةٌ في كُلِّ مكانٍ. وفي "المختار"؛ الوجه والجهة بمعنًى، والهاء عوضٌ من الواو. ومعنى الآية (١): إنَّ لله المشرق والمغرب وما بينهما خلقًا وملكًا، وإنّما خصَّ المشرق والمغرب؛ اكتفاءً بهما عن جميع الجهات؛ لأنَّ له تعالى كُلَّها، وما بينهما خلقه وعبيده، وإنَّ على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه، فالجهة التي أمرهم باستقبالها، فهي القبلة، فإنَّ القبلة ليست قبلةً لذاتها؛ بل لأنَّ الله سبحانه جعلها قبلةً، وأمر بالتوجُّه إليها، فإن جعل الكعبة قبلةً، فلا تنكروا ذلك؛ لأنّه تعالى يُدبِّر عباده كيف يريد ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: فَهُنَالِكَ قبلة الله التي وَجَّهَكُمْ إليها. وقيل معناه: فثمَّ وجه الله بلا تأويلٍ، والوجه صفةٌ ثابتة لله تعالى، نثبتها، ونعتقدها من غير تشبيه ولا تمثيل، وهذا القول هو الصحيح الأسلم الذي ينبغي الاعتماد عليه. وقيل: المعنى: فثمَّ رضا الله؛ أي: يريدون بالتوجه إليه رضاه تعالى. وقال ابن العربي: مقتضى التوحيد أنَّ الصلاة لأيِّ جهةٍ تصحُّ، وإنّما أُمِرنا بجهةٍ مخصوصةٍ؛ تعبدًا، ولم نعقل له معنى. وقال ابن عباس (٢) - رضي الله تعالى عنهما -: (لمَّا حُوِّلت القبلة عن بيت المقدس، أنكر اليهود ذلك، فنزلت هذه الآية ردًّا عليهم). وقال أبو مسلم: إنَّ اليهود إنّما استقبلوا بيت المقدس؛ لأنّهم اعتقدوا أنَّ الله تعالى صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق؛ لأنَّ عيسى ﵇ ولد هناك، فردَّ الله سبحانه عليهما بهذه الآية. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ بفضله، ورحمته، جميع الخلائق، يريد التوسعة على عباده في القبلة، وغيرها، أو واسعٌ بإحاطته بالأشياء ملكًا وخلقًا، فيكون تذييلًا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وكذا إن فسرت السعة بسعة الرحمة، فإنَّ قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ لمَّا اشتمل على معنى قولنا: لا

стр. 913

تختصُّ العبادة والصلاة ببعض المساجد، بل الأرض كلُّها مسجدٌ لكم، فصلُّوا في أيِّ بقعة شئتم من بقاعها فُهِم منه أنَّه واسع الشريعة بالترخيص والتوسعة على عباده في دين، لا يضطرُّهم إلى ما يعجزون عن أدائه، والمقصود: التوسعة على عباده والتيسير عليهم في كُلِّ ما يحتاجون إليه، فيدخل فيه التوسعة في أمر القبلة دخولًا أوّليًّا، وهذا التعليم مستفادٌ من إطلاق ﴿وَاسِعٌ﴾، حيث لم يقيَّد بشيء دون شيء. قال الغزاليُّ في "شرح الأسماء الحسنى": الواسع مشتقٌّ من السعة، والسَّعة تضاف مرَّةً إلى العلم إذا اتَّسع، وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف مرة أخرى إلى الإحسان، وبسط النعم، وكيفما قُدِّر، وعلى أيِّ شيءٍ نزِّل، فالواسع المطلق هو الله ؛ لأنّه إن نُظِر إلى علمه، فلا ساحل لبحر علمه، بل تنفد البحار لو كانت مدادًا لكلماته، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه، فلا نهاية لقدرته، وكُلُّ سعةٍ وإن عظمت، فتنتهي إلى طرفٍ، والذي لا يتناهى إلى طرف، فهو أحقُّ باسم السعة، والله تعالى هو الواسع المطلق؛ لأنَّ كُلَّ واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيِّقٌ، وكُلُّ سعة تنتهي إلى طرف، فالزيادة عليها متصوَّرة، وما لا نهاية له ولا طرف، فلا يتصوَّر عليه زيادةٌ، فهو تعالى الواسع المطلق الذي ليس لسعته نهايةٌ ولا طرفٌ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم ونياتهم في جميع الأماكن والجهات كلِّها، وهذا لا يخلو عن إفادة التهديد؛ ليكون المصلِّي على حذر من التفريط، والتساهل، كما أنَّه يتضمَّن الوعد بتوفية ثواب المصلِّين في جميع الأماكن. فقد ظهر أنَّ هذه الآية مرتبطةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، وأنَّ المعنى: إنَّ بلاد الله تعالى أيها المؤمنون! تسعكم، فلا يمنعكم تخريب من خرَّب مساجد الله، أن تُولُّوا وجوهكم نحو قبلة الله تعالى أينما كنتم من أرضه. فائدةٌ فقهيَّةٌ تتعلَّق بحكم الآية وهي: أنَّ المسافر إذا كان في مفازة، أو بلاد الشرك، واشتبهت عليه القبلة، فإنّه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل، ويصلّي إلى الجهة التي أدَّى إليها اجتهاده، ولا إعادة عليه، وإن لم يصادف القبلة، فإنّ جهة

стр. 914

الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللوح، فإنَّه يصلي على حسب حاله، وتصحُّ صلاته، وكذلك المشدود على جذع، بحيث لا يمكنه الاستقبال. اهـ. "خازن". قالوا: وكذلك راكب الطائرة إذا علم أنه لا يدرك الوقت بعد نزوله من الطائرة، يجتهد، ويصلِّي إلى أيِّ جهة ظنَّها قبلةً، ولا إعادة عليه إن لم يدرك الوقت بعد نزوله منها. وعبارة "المراغي" هنا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: له (١) تعالى هاتان الجهتان المعلومتان لكل أحد، والمراد ربُّ الأرض كلِّها، فهو كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: أي مكانٍ تستقبلونه في صلاتكم، فهناك القبلة التي يرضاها الله لكم، ويأمركم بالتوجُّه إليها، فأينما توجه المصلِّي في صلاته، فهو متوجِّه إلى الله لا يقصد بصلاته غيره، والله تعالى راضٍ عنه، مقبلٌ عليه، والحكمة في استقبال القبلة: أنّه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه الطريقة محال على الله تعالى، شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عبادتهم إيّاه، وجعل استقباله كاستقبال وجهه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنّه تعالى لا يُحْصَر، ولا يتحدَّد، فيصحُّ أن يُتوجَّه إليه في كل مكان، وهو عليم بالمتوجِّه إليه أينما كان، فاعبدوه حيثما كنتم، وتوجَّهوا إليه أينما حللتم، ولا تتقيدوا بالأمكنة، والمعبود غير مقيَّد، وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالتوجه إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطالٌ لما كان يعتقده أرباب الملل السابقة، من أنَّ العبادة لا تصحُّ إلّا في الهياكل، والمعابد، وإزالةٌ لما قد يتوهَّم من أنَّ الوعيد إنما كان على إبطالها في الأماكن المخصوصة، فأبان بها أنَّ الوعيد إنما كان لإبطالها مطلقًا؛ لأنَّ الله تعالى لا تحدِّده الجهات، ولا تحصره الأمكنة. انتهت. وروي (٢) عن ابن عباس ومقاتل: أنّه عبَّر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقيل المعنى: العمل

стр. 915

لله، قاله الفرَّاء، قال: أسْتَغْفِرُ الله ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيهِ ... رَبَّ العِبَادِ إلَيْه الوَجْهُ والعَمَلُ ١١٦ - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ نزلت في اليهود، إذ قالوا: عزير ابن الله، أو في النصارى، إذ قالوا: المسيح ابن الله، أو في المشركين، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، أو في النصارى والمشركين أقوالٌ أربعة، والأخير قاله الزجاج، ولاختلافهم في سبب النزول، اختلفوا في مرجع الضمير في ﴿قالوا﴾ على من يعود، فقيل: عائدٌ على الجميع من غير تخصيص، فإنَّ كلًّا منهم قد جعل لله ولدًا، قاله ابن إسحاق، فحينئذٍ ضمير ﴿قالوا﴾ راجع إلى الفرق الثلاثة المذكورة سابقًا، أمَّا اليهود والنصارى، فقد ذُكِروا صريحًا، وأمّا المشركون، فقد ذُكِروا بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. وقرأ الجمهور (١). ﴿وَقَالُوا﴾ بواو العطف، وهو آكد في الربط، فيكون عطف جملة خبرية على جملة مثلها؛ أي: معطوفًا على قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾، أو على منع، أو على مفهوم قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: على معناه، وكأنّه قيل: لا أحد أظلم ممَّن منع مساجد الله، ولا ممَّن قال؛ اتخذ الله ولدًا، وإن كان الثاني أظلم من الأول. وقيل: هو معطوف على قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ فيكون معطوفًا على معطوف على الصلة، وفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وهذا بعيدٌ جدًّا ينزَّه القرآن عن مثله. وقرأ ابن عباس، وابن عامر، وغيرهما: ﴿قالوا﴾ بغير واو، استئنافًا وملحوظًا فيه معنى العطف، واكتفى على هذا بالضمير، والربط به عن الربط بالواو. وقال الفارسيُّ: وبغير واوٍ هي في مصاحف أهل الشام، فالقراءتان سبعيتان، وأمَّا آية يونس، فبترك الواو لا غير؛ لعدم ما يناسب العطف؛ أي: وقالت اليهود، والنصارى، ومشركوا العرب ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ﴾؛ أي: صنع الله، وجعل لنفسه ﴿وَلَدًا﴾ ذكرًا أو أنثى، والاتخاذ (٢): إمّا بمعنى الصنع والعمل، فلا
следующие страницы →