عَقِيْلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ ... كِرَامِ الْمَسَاعِيْ مَجْدُهَا غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَة قَدْ طَيَّبَ اللهُ خَيْمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ شَيْنٍ وَبَاطِلِ
فَإنْ كَانَ مَا بُلَّغْتِ عَنِّيَ قُلْتُهُ ... فَلاَ رَفَعَتْ سَوْطِيْ إِلَيَّ أَنَامِلِيْ
وَكيفَ وَوِدِّيْ مَا حَيِيْتُ وَنُصْرَتِيْ ... بِآلِ رَسُوْلِ اللهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ
لَهُ رُتَبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ فَضْلُهَا ... تَقَاصَرَ عَنْهَا سُوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
وقرأ الجمهور: (١) ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف. وقرأ الحسن وعمرة بنت عبد الرحمن والزهري وأبو رجاء ومجاهد وأبو البرهشيم والأعمش وحميد وابن أبي عبلة وسفيان الثوري ويزيد بن قطيب ويعقوب والزعفراني وابن مقسم وسورة عن الكسائي ومحبوب عن أبي عمرو بضم الكاف، والكِبْرُ والكُبْرُ مصدران لكَبُرَ الشيء إذا عَظُمَ، لكن استعمال العرب الضم ليس إلا في السن يقال: هذا كبر القوم؛ أي: كبيرهم سنًا أو مكانة، وفي الحديث في قصة حويصة ومحيصة (الكُبر الكُبر) بضم. وقيل: كبره بالضم معظمه، وبالكسر البداءة بالإفك. وقيل: بالكسر الإثم.
ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله ﷺ ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات، وعاتبهم وغيرهم وزجرهم بتسعة زواجر:
الأول: هذا.
والثاني: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ ...﴾ إلخ.
والثالث: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ ...﴾ إلخ.
والرابع: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ...﴾ إلخ.
والخامس: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ...﴾ إلخ.
والساس: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ ...﴾ إلخ.
стр. 8507
والسابع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ...﴾ إلخ.
والثامن: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ...﴾ إلخ.
والتاسع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ...﴾ إلى ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ اهـ. "شيخنا". ذكره في "الفتوحات".
١٢ - قال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ لولا هنا تحضيضية، بمعنى (هلا) جيء بها تأكيدًا للتوبيخ والتقريع، ومبالغة في معاتبتهم، ومعناها (١): إذا دخلت على الماضي التوبيخ واللوم على ترك الفعل، إذ لا يتصور الطلب في الماضي، وإذا دخلت على المضارع فمعناها الحض على الفعل والطلب له، فهي في المضارع بمعنى الأمر؛ أي: هلا إذ سمعتم الإفك إيها الخائضون؛ أي: الشارعون في القول الباطل ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: بأبناء دينهم ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: عفافًا وصلاحًا، وفيه عدول إلى الغيبة لتأكيد التوبيخ فإن مقتضى الإيمان الظن بالمؤمن خيرًا، وذب الطاعنين فيه، فمن ترك هذا الظن والذب، فقد ترك العمل بمقتضى الإيمان.
المراد بأنفسهم أبناء جنسهم ودينهم، النازلون منزلة أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فإن المراد لا يعيب بعضكم بعضًا، فإن المؤمنين كنفس واحدة إذ كان الواجب أن يظن المؤمنون والمؤمنات أول ما سمعوا الإفك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غيره من غير توقف ولا تردد بأمثالهم من آحاد المؤمنين خيرًا؛ أي: كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم، فهو في أم المؤمنين أبعد.
والمعنى: هلا ظن المؤمنون والمؤمنات بامثالهم من المؤمنين خيرًا وعفافًا وقت سماعهم ذلك الإفك، ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: وقال المؤمنون ﴿هَذَا﴾ الإفك المنسوب إلى عائشة ﵂ ﴿إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كذب ظاهر بين كونه إفكًا، فكيف بالصديقة بنت الصديق أم المؤمنين حرمة رسول الله ﷺ .
стр. 8508
وإنما عدل (١) عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر، ولم يقل: ظننتم بانفسكم خيرًا وقلتم، ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات، وليدل التصريح بلفظ الإيمان, على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه، ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن، الذي قل القائم به والحافظ، وليتك تجد من يسمع فيسكت، ولا يشيع ما سمعه بإخوانه.
وإنما (٢) جاز الفصل بين لولا وفعله بالظرف؛ لأنه منزل منزلته من حيث إنه لا ينفك عنه، ولذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره، وذلك لأن ذكر الظرف أهم. فإن التحضيض على أن لا يخلوا بأوله؛ أي: هلا إذ سمعتم (٣) ما قال أهل الإفك في عائشة .. ظننتم بمن اتهم بذلك خيرًا وعفافًا؛ لأن الإيمان يحملكم على إحسان الظن ويكفكم عن إساءتكم الظن بأمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم، وهلا قلتم حينئذٍ هذا إفك ظاهر، فإن الذي وقع لم يكن فيه ما يرتاب منه.
ذاك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرةً على راحلة صفوان وقت الظهيرة والجيش أجمعه يشاهد ذلك، ورسول الله بين أظهرهم، ينفي كل شك، وإنما قيل لحسد في القلوب كامن وبغض في النفوس مكتوم.
وقيل المعنى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: هذا (٤) إذ سمعتم أيتها العصبة الكاذبة قذف عائشة ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ من العصبة الكاذبة، وهم حسان ومسطح ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ وهي حمنة بنت جحش ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: بأمهاتهم أو بأخواتهم أو بأهل دينهم ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: صلاحًا وعفافًا ﴿وَقَالُوا هَذَا﴾ القذف لعائشة ﴿إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: كذب ظاهر لا حقيقة له.
١٣ - ثم علّل سبحانه كذب الآفكين، ووبخهم على ما اختلقوه وأذاعوه بقوله (٥):
стр. 8509
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ﴾ وهذا إما من تمام ما يقوله المؤمنون؛ أي: وقالوا: هلا جاء الخائضون ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ على ما قالوا، أو ابتداء كلام من الله سبحانه؛ أي: هلا جاءت العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة، بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا، وما رموها به؛ أي: يشهدون بأنهم عاينوا ما رموها به. فجعل الله (١) سبحانه فصلًا بين الرمي الصادق والرمي الكاذب ثبوت أربعة شهداء وانتفائها.
وقرأ الضحاك وعاصم الجحدري بأربعة منونة. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ الأربعة؛ أي: فحين لم يقيموا بينةً على ما قالوا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المفسدون الخائضون في الإفك ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكمه وشرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة .. ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الكذب المشهود عليه بذلك، المستحقون لإطلاق الاسم عليهم دون غيرهم.
١٤ - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ ولولا هنا (٢) امتناعية؛ أي: امتناع الشيء لوجود غيره. والخطاب للسامعين والمسلمين جميعًا؛ أي: ولولا تفضله سبحانه عليكم أيها المسلمون ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بضروب النعم التي من أجلها الإمهال للتوبة ﴿وَ﴾ رحمته لكم في ﴿الْآخِرَةِ﴾ بضروب الآلاء، التي من جملتها العفو والمغفرة بعد التوبة المقدران لكم ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ عاجلًا ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾؛ أي: بسبب الإفك الذي أفضتم وخضتم فيه، فما موصولة، والباء صببية. ويصح أن تكون مصدرية.
والمعنى: حينئذٍ لمسكم بسبب إفاضتكم وخوضكم فيه؛ أي: في الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا والآخرة؛ أي: شديد يستحقر دونه التوبيخ والجلد الذي وقع لهم، غير ابن سلول فإن عذابه محتم في الآخرة، كما تقدم في قوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ...﴾. إلخ؛ أي: لعجل لكم العقاب في الدنيا، من جراء عا خضتم فيه من حديث الإفك والبهتان.
١٥ - ثم بين سبحانه وقت حلول العذاب الذي كانوا يستحقونه لولا الفضل والرحمة بقوله: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بحذف إحدى التاءين ظرف للمس أو للإفاضة؛ أي:
стр. 8510
أي: لمسكم ذلك العذاب العظيم، وقت تلقيكم واستقبالكم ومواجهتكم ذلك الإفك، وأخذكم إياه من المخترعين ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ يأخذه ويرويه بعضكم من بعض. وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل، فيقول له: ما وراءك، فيحدثه بحديث الإفك، حتى شاع وانتشر، فلم يبق بيت ولا دار إلا طارَ فيه.
وقرأ الجمهور (١): ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾ بفتح الثلاث وشد القاف، وشد التاء البزي وأدغم ذال إذ في التاء، وكذلك النحويان أبو عمر والكسائي وحمزة؛ أي: يأخذه بعضكم من بعض وقرأ عمر بن الخطاب ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ بتاء واحدة خفيفة مضمومة وإسكان اللام وقاف منقوطة بنقطتين مضمومة خلفيفة، من ألقى يلقي. وقرأ معاوية وابن السميقع مثله إلا أنهما فتحا التاء والقاف من لقي الثلاثي، وقرأ ابن مسعود ﴿إذ تتلقونه﴾ بتاءين مفتوحتين مع نصب اللام وتشديد القاف. وقرأ ابن بن كعب وعائشة ومجاهد وأبو حيوة وابن عباس وعيسى وابن يعمر وزيد بن علي ﴿تلقونه﴾ بتاء واحدة خفيفة مفتوحة وكسر اللام ورفع القاف. ومعناه: إذ تسرعون بالكذب. يقال: ولق يلق إذا أسرع في الكذب. وقرأ ابن أسلم وأبو جعفر ﴿تألقونه﴾ بفتح التاء وهمزة ساكنة بعدها لام مكسورة من الألق. وهو الكذب. وقرأ يعقوب في رواية المازني ﴿تيلقونه﴾ بتاء مكسورة بعدها ياء ولام مفتوحة، كأنه مضارع ولق بكسر اللام كما قالوا تيجل مضارع وجلت. وقال سفيان: سمعت أمي تقرأ ﴿إذ تثقفونه﴾ يعني مضارع ثقف. قال: وكان أبوها يقرأ بحرف ابن مسعود.
﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: تقولون بأفواهكم كلامًا مختصًا بالأفواه لا مساعد له من القلوب؛ لأنه ليس تعبيرًا عما تعلمه وتعتقده قلوبكم، وإنما (٢) قيد بالأفواه، مع أن القول لا يكون إلا بالفم؛ لأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب أولًا، ثم يترجم عنه اللسان. وهذا الإفك ليس إلا قولًا يجري على الألسنة من غير علم به في القلب. نظير قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ
стр. 8511
بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، وهو حرام لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
والمعنى (١): وتقولون قولًا مختصًا بالأفواه، من غير أن يكون له مصداق ومنشأ في القلوب؛ لأنه ليس بتعبير عن علم به في قلوبكم؛ أي: إن قولهم هذا مختص بالأفواه، من غير أن يكون واقعًا في الخارج، معتقدًا في القلوب. وقيل: إن ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله: ﴿ويطير بجناحيه﴾ والضمير في قوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ راجع إلى الحديث الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له، وتظنون حديث الإفك ﴿هَيِّنًا﴾؛ أي: شيئًا سهلًا لا تبعة له، أو ليس له كثير عقوبة، أو شيئًا يسيرًا لا يلحقكم فيه إثم، حيث سكتم عن إنكاره.
وجملة قوله: ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ حال من ضمير المفعول؛ أي: وتحسبون ذلك الإفك هينًا، والحال أنه عند الله عظيم ذنبه وعقابه. وفي كلام بعض السلف: لا تقولن لشيء من سيئاتك نقير فلعله عند الله نخلة وهو عندك نقير. وقيل المعنى: وتحسبونه هينًا؛ أي: ذنبًا صغيرًا وهو عند الله عظيم؛ أي: ذنب كبير.
ومعنى الآية (٢): ولولا تفضله ورحمته لكم لمسكم ذلك العذاب وقت تلقيكم ما أفضتم فيه من الإفك، وأخذ بعضكم إياه من بعض بالسؤال عنه. وقولكم قولًا بأفواه دون أن يكون له منشأ في القلوب يؤيده، وظنكم إياه هينًا سهلًا لا يعبأ به، وهو من العظائم والكبائر عند الله تعالى.
وخلاصة ذلك: أنه وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها.
١ - تلقي الإفك بالألسنة، فقد كان الرجل يلقى أخاه، فيقول له: ما وراءك، فيحدثه حديث الإفك حتى شاع وانتشر، حتى لم يبق بيت ولا نادٍ إلا طار فيه، فهم قد فعلوا جهد المستطاع في نشره.
стр. 8512
٢ - أنه قول بلا روية ولا فكر، فهو قول باللسان لا يترجم عما في القلب، إذ ليس هناك علم يؤيده، ولا قرائن أحوال وشواهد تصدقه.
٣ - استصغار ذلك وحسبانه مما لا يؤبه له، وهو عند الله عظيم الوزر، مستحقة لشديد العقوبة.
١٦ - و ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ وهذا عتاب لجميع المؤمنين؛ أي: هلا إذ سمعتم حديث الإفك ﴿قُلْتُمْ﴾ تكذيبًا للخائضين فيه المفترين له ﴿مَا يَكُونُ﴾ وينبغي ﴿لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ الإفك العظيم، ولا يمكننا أن نخوض فيه، ولا يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: ننزهك يا ربنا، عن أن تجعل لنبيك زوجة فاجرة، حالة كوننا متعجبين ممن تفوه بهذا الحديث. ﴿هَذَا﴾ الإفك الذي لا يصح لأحد أن يتكلم به. ﴿بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: كذب عظيم عند الله، التقاول به مصدر بهته؛ أي: قال: عليه ما لم يفعله. كما في "التأويلات النجمية".
وأصل سبحانك (١)، للتعجب من عظم الأمر. ومعنى التعجب في كلمة التسبيح: أن الأصل أن يسبح الله عند رؤية العجب من صنائعه، ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. أو لتنزيه الله من أن تكون حرمة نبيه فاجرة. وإنما جاز أن تكون امرأة النبي كافرة، كامرأة نوح ولوط، ولم يجز أن تكون فاجرة؛ لأن النبي ﷺ مبعوث إلى الكفار ليدعوهم، فيجب أن لا يكون معه ما ينفرهم عنه، والكفر غير منفر عندهم وأما الكشخنة فمن أعظم المنفرات.
والمعنى: أي (٢) وهلا حين سمعتموه ممن بدأ به، وانتحله، أو ممن تابعه في القول قلتم تكذيبًا له، وتهويلًا لشأن ما ارتكبه من الجرم: لا يحل لنا أن نتكلم بهذا ,ولا ينبغي لنا أن نتفوه به. سبحانك رب هذا كذب صراح، يحير السامعين أمره، لما فيه من جرأة على بيت كريم شهير بالعفاف والطهر، ولما فيه من مس عرض ذلك البيت المقدس بيت النبوة الذي هو بالعليا من الإجلال والاحترام، وعظيم المكانة. وإذا جاز الخوض فيه على هذه الشاكلة. فماذا يبقى
стр. 8513
للمؤمنين بعدئذ، أفليس هؤلاء هم الأسوة الحسنة وينبوع الطهر، ومنهم يقتبس المؤمنون فضائل الدين، وشريف الأخلاق، وإنا لنبرأ إليك ربنا منه، أن تلوكه ألسنتنا، وأن يحمل الهواء تلك النبرات الصوتية لتصل إلى أسماعنا، كما نبرأ إليك ربنا من كل أفاك أثيم، سولت له نفسه أن يكون الوسيلة في انتشار هذا القول الكاذب بين المؤمنين.
وخلاصة هذا: تنزه ربنا أن يرضى بظلم هؤلاء القاذفين، وأن لا يعاقبهم على عظيم ما ارتكبوا، وكبير ما اجترحوا من الإثم والفسوق، وأن توسم زوج نبيه بالفجوز، والعقل والدين يمنعان الخوض في مثل هذا؛ لأن فيه إيذاء للنبي ﷺ والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ولأن فيه إشاعة الفاحشة التي أمر الله بسترها, ولأن في إظهار محاسن الناس وترك معايبهم تخلقًا بأخلاق الله، والنبي يقول: "تخلقوا بأخلاق الله".
قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جاز الفصل بين ﴿لولا﴾ و ﴿قلتم﴾؟
قلت: للظروف شأن، وهو تنزلها من الأشياء منزلة نفسها لوقوعها فيها، وأنها لا تنفك عنها، فلذلك يتسع فيها ما لا يتسع غيرها. انتهى.
قلت (١): وما ذكره من أدوات التحضيض يوهم أن ذلك مختص بالظرف، وليس كذلك بل يجوز تقديم المفعول به على الفعل، فتقول: لولا زيدًا ضربت، وهلا عمرًا قتلت.
وقال الزمخشري أيضًا: فإن قلت: فأي فائدةٍ في تقديم الظرف حتى أوقع فاصلًا؟.
قلت: الفائدة بيان أنه كان الواجب عليهم، أن ينقادوا حال ما سمعوه بالإفك وينزجروا عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم. فإن قلت: ما معنى يكون، والكلام بدونه تام، لو قيل: ما لنا أن نتكلم بهذا؟
стр. 8514
قلت: معناه: ما ينبغي ويصح؛ أي: ما ينبغى لنا أن نتكلم بهذا, ولا يصح لنا. ومثله قوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾.
١٧ - ثم حذر عباده المؤمنين أن يعودوا لمثل هذا، فقال: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ سبحانه الوعظ والنصح والتذكير بالعواقب؛ أي: ينصحكم الله سبحانه، ويذكركم أيها الخائضون في أمر عائشة. ويعظكم بهذه الواعظ، التي بها تعرفون عظم هذا الذنب، وكبر هذا الجرم، وأن فيه النكال والعقاب بالحد في الدنيا، والعذاب في الآخرة، كراهية ﴿أَنْ تَعُودُوا﴾ وترجعوا، أو من أن تعودوا، أو في أن تعودوا. ﴿لِمِثْلِهِ﴾؛ أي: لمثل هذا القذف. ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: مدة حياتكم، أو ما دمتم أحياء مكلفين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين بالله وبرسوله وباليوم الآخر، تتعظون بعظات الله، وتأتمرون بأمره، وتنتهون عما نهاكم عنه، فإن ذلك من مقتضى الإيمان الكامل، فإن الملك من مقتضى الإيمان الكامل. وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إيماء (١) إلى أن الإيمان يمنع من فعل هذا. وفيه (٢) حث لهم على الاتعاظ، وتهييج عظيم، وتقريع بالغ؛ لأن من شأن المؤمن الاحتراز مما يشينه من القبائح.
قال في "الكبير": يدخل في هذا من قال وسمع ولم ينكر، لاستوائهما في فعل ما لا يجوز، وإن كان المقدم أعظم ذنبًا.
١٨ - ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ﴾؛ أي: ويفصل الله لأجلكم أيها المؤمنون في كتابه. ﴿الْآيَاتِ﴾ الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب دلالة وأضحة، لتتعظوا وتتأدبوا بها؛ أي: ينزلها مبينة ظاهرة الدلالة على معانيها, لا أنه يبينها بعد أن لم تكن كذلك. ﴿وَاللَّهُ﴾ . ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوال جميع مخلوقاته جلائلها ودقائقها ,لا يخفى عليه شيء منها. فيجازي المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير شؤونكم وفيما كلفكم به، مما فيه سعادتكم في معاشكم ومعادكم. وبه تسمو نفوسكم وترقى إلى عالم الأرواح، وتكونون خير
стр. 8515
الأمم في ساسات الشعوب وعمارة الأرض وإقامة ميزان العدل بين أفرادها.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ولقد صدق الله سبحانه وعده، وعمر أسلافنا الأولون ما كان معروفًا في ذلك الحين، وبثوا فيه فضائل الدين وسماحته، حتى صاروا مضرب الأمثال، فلما انحرفوا عن الصراط المستقيم والنهج القويم، تقلص ظلهم، وذهب ريحهم، وصاروا أذلاء مستعبدين، بعد أن كانوا سادةً حاكمين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
١٩ - ولما كان من أنفع المواعظ بيان ما يستحقه المذنب من العقاب على جرمه بين ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾ هم عبد الله بن أبيّ ومن تبعه في حديث الإفك ﴿يُحِبُّونَ﴾؛ أي: يريدون ﴿أَنْ تَشِيعَ﴾ وتنتشر ﴿الْفَاحِشَةُ﴾ ويظهر خبرها بين الناس. والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. والمراد هنا الزنا.
﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وأخلصوا دينهم لله سبحانه. وأحصنوا فروجهم عن المحرمات، كعائشة وصفوان ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لأولئك الذين أشاعوا الفاحشة بسبب ذلك. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: موجع بإقامة حدّ القذف عليهم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ واللعن والذم من الناس لهم فيها. ﴿و﴾ بعذاب النار في ﴿الْآخِرَةِ﴾ وبئس القرار.
قال ابن الشيخ (١): ليس معناه مجرد وصفهم بأنهم يحبون شيوعها في حق الذين آمنوا من غير أن يشيعوا ويظهروا، فإن ذلك لا يوجب الحد في الدنيا، بل المعنى: أن الذين يشيعون الفاحشة والزنا في الذين آمنوا، كعائشة وصفوان عن قصد ومحبة لإشاعتها، وفي "الإرشاد" يحبون شيوعها، ويتصدون مع ذلك لإشاعتها وإنما لم يصرح به اكتفاء بذكر المحبة، فإنها مستتبعة له لا محالة.
وفي "الصحيح": أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" وعنه ﷺ أنه قال: "لا يستر عبد
стр. 8516
مؤمن عورة عبد مؤمن إلا ستره الله يوم القيامة، ومن أقال عثرة مسلم، أقال الله عثرته يوم القيامة". و ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ﴾ جميع الأمور وخصوصًا ما في ضمائر من أحب الإشاعة، فردوا الأمور إلى ربكم ترشدوا ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون﴾ فلا ترووا ما لا علم لكم به، وابنوا الأمر في الحد وغيره على الظواهر، والله يتولى السرائر.
٢٠ - ثم كرر فضله ورحمته على عباده، للمنة عليهم بترك المعاجلة بالعقاب. فقال: ﴿وَلَوْلَا﴾ هنا امتناعية، حذف جوابها لدلالة ما قبلها عليه؛ أي: ولولا ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أي: تفضله ﴿عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾؛ أي: إنعامه لكم. وجملة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ معطوفة على فضل الله؛ أي: ولولا فضله عليكم ورحمته لكم، وأنه بليغ الرأفة والرحمة بكم، لعاجلكم بالعقاب على ما صدر منكم، ومن رأفته بعباده أن لا يعاجلهم بذنوبهم. ومن رحمته لهم أن يقدم إليهم بمثل هذا الإعذار والإنذار.
وفي الآيتين إشارات:
منها: أن أهل الإفك كما يعاقبون على الإظهار، يعاقبون بإسرار محبة الإشاعة، فدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين، كوجوب كف الجوارح والقول عما يضرهم. وفي الحديث: "أيما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة، وهو منها برىء، يرى أن يشينه بها في الدنيا، كان حقًا على الله أن يرميه بها في النار". فالصنيع الذي ذكر من أهل الإفك ليس صنيع أهل الإيمان، فإن من صنيع أهل الإيمان ما قاله ﵇: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا". وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كنفس واحدة، إذا اشتكى منها عضو، تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر". فمن أركان الدين: مظاهرة المسلمين، وإعانة أهل الدين وإرادة الخير بكافة المؤمنين. والذي يود الفتنة وافتضاح الناس فهو شر الخلق كالخناس.
ومنها: أن ترك المعاجلة بالعذاب تعريض للتوبة. فدل على أن عذاب الآخرة، إنما هو من تقدير الإصرار.
стр. 8517
ومنها: غاية كرم الله ورحمته وفضله على عباده، حيث يتفضل عليهم، ويرحمهم ويزكيهم عن أوصافهم الذميمة مع استحقاقهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فإنه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، ولو كان للعذاب .. لكان من جهتهم بسوء اختيارهم. عصمنا الله وإياكم من الأوصاف الذميمة الموجبة للعذاب الأليم، وشرفنا بالأخلاق الحميدة، الباعثة على الدرجات والتنعمات في دار النعيم.
والمعنى (١): ولولا أن الله تفضل عليكم، وأبقاكم بعد الخوض في الإفك، ومكنكم من التلافي بالتوبة لهلكتم، لكنه لرأفته بعباده لا يدع ما هو أصلح للعبد وإن جنى على نفسه.
٢١ - وبعدئذٍ حذر عباده من اتباع وساوس الشيطان فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: لا تسلكوا سبل الشيطان وطرقه، ولا تقتفوا آثاره بإشاعتكم الفحشاء في الذين آمنوا بروايتكم إياها عمَّن نقلها إليكم، والخطوات (٢) في الأصل جمع خطوة بضم الخاء، وهي ما بين القدمين كما سيأتي في مباحث اللغة، ثم استعمل اتباع الخطوات في الاقتداء، وإن لم يكن ثمة خطو. والمراد بها هنا سيرة الشيطان وطريقته. والمعنى: لا تسلكوا الطرق التي يدعوكم إليها الشيطان، ويوسوس بها في قلوبكم ويزينها لأعينكم، ومن جملتها إشاعة الفاحشة في المؤمنين وحبّها.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿خطوات﴾ بضم الخاء والطاء. وقرأ عاصم والأعمش بضم الخاء وإسكان الطاء.
ثم ذكر سبب النهي، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: ومن اتبع وسلك طرق الشيطان، ومسالكه ومذاهبه .. فقد ارتكب الفحشاء والمنكر. فقوله:
стр. 8518
﴿فَإِنَّهُ﴾؛ أي: فإن الشيطان ﴿يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ علة للجزاء موضعه؛ لأن دأبه أن يستمر آمرًا لغيره بهما. والفحشاء ما أفرط قبحه من المنكرات كالزنا. والمنكر كل ما ينكره الشرع. وضمير إنه للشيطان. وقيل: للشأن. والأولى أن يكون عائدًا إلى من يتبع خطوات الشيطان؛ لأن من اتبع الشيطان صار مقتديًا به في الأمر بالفحشاء والمنكر. وعبارة أبي السعود هنا. وقيل: إن الضمير في أنه عائد على من؛ أي: فإن المتبع للشيطان يأمر الناس بهما؛ فإن شأن الشيطان هو الإضلال، فمن اتبعه فإنه يترقى من رتبة الضلال والفساد إلى رتبة الإضلال والإفساد.
والمعنى: أي ومن اتبع الشيطان ارتكب الفحشاء والمنكر، فإنه لا يأمر إلا بهما. ومن هذا شأنه لا ينبغي اتباعه ولا طاعته.
ثم أكد منته على عباده، فقال: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم بهذه البيانات، والتوفيق للتوبة الماحية للذنوب، وشرع الحدود المكفرة لها .. ﴿مَا زَكَى﴾؛ أي: ما طهر من دنس الذنوبـ ﴿مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾! ﴿من﴾: الأولى بيانية، والثانية: زائدة، و ﴿أَحَدٍ﴾ في حيز الرفع على الفاعلية. ﴿أَبَدًا﴾؛ أي: آخر الدهر لا إلى نهاية، وجملة ﴿زَكَى﴾ جواب ﴿لَوْلَا﴾ الامتناعية.
والمعنى: أي (١) ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكم، بتوفيقكم للتوبة التي تمحو الذنوب، وتغسل أدرانها .. ما طهر أحد منكم من ذنبه ما دام حيًا، وكانت عاقبته النكال والوبال. ولعاجلكم بالعقوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.
وقال الكسائي (٢): إن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ معترض. وقوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ جواب لقوله أولًا وثانيًا. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ يفيد (٣) أنهم قد طهروا وتابوا،
стр. 8519
وهو كذلك يعني: غير عبد الله بن أبيّ، فإنه استمر على الشقاوة حتى هلك. اهـ. شيخنا.
وقرأ الجمهور: ﴿زكى﴾ بالتخفيف. وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بالتشديد؛ أي: ما طهره الله. وقراءة التخفيف أرجح لقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده بالتفضُّل عليهم، والرحمة لهم؛ أي: ولكن الله جلت قدرته يطهر من يشاء من خلقه بقبول توبتهم من تلك الذنوب، التي اجترحوها تفضلًا منه ورحمة، كما فعل بمن سلم من داء النفاق، ممن وقع في حديث الإفك، كحسان ومسطح وغيرهما. ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿سَمِيعٌ﴾ لما تقولون بأفواهكم من القذف وإثبات البراءة. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم، من محبة إشاعة الفاحشة أو كراهتها، ومجازيكم بكل ذلك. وفي هذا حث لهم على الإخلاص في التوبة، والابتعاد جهد المستطاع عن المعصية، وارتكاب الأوزار والآثام: وتهييج عظيم لعباده التائبين ووعيد شديد لمن يتبع الشيطان ويحب أن تشيع الفاحشة في عباد الله المؤمنين ولا يزجر نفسه بزواجر الله سبحانه.
٢٢ - ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾؛ أي: ولا يحلف أصحاب الفضل والدرجة في الدين ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿و﴾ أصحاب ﴿السعة﴾ في المال على ﴿أَنْ﴾ لا ﴿يُؤْتُوا﴾ ولا يعطوا شيئًا من الأموال ولا يحسنوا بالإنفاق. فهو على إسقاط الخافض، وتقدير: لا. وهو كثير شائع ﴿أُولِي الْقُرْبَى﴾؛ أي: أصحاب القرابة. وقال أبو عبيدة: لا حاجة إلى تقدير: لا؛ أي: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم، وإن كانت بينهم شحناء لذنب اقترفوه.
وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) صفات لموصوف واحد، جيء بها بطريق العطف، تنبيهًا على أن كلًّا منها علة مستقلة، لاستحقاق الإيتاء؛ لأن الكلام فيمن كان كذلك؛ لأن مسطحًا قريب ومسكين ومهاجر. والمعنى: ولا يحلف أولو الفضل والسعة، على أن لا يعطوا ناسًا جامعين لصفة القرابة
стр. 8520
والمسكنة والهجرة نفقة من أموالهم. ومسطح (١) كان ابن خالة أبي بكر الصديق ﵄، وكان من المهاجرين وممن شهد بدرًا، وكان مسكينًا، وكان ما نسب إليه داعيًا أبا بكر أن لا يحسن إليه، فأمر هو ومن جرى مجراه بالعفو والصفح.
وقرأ الجمهور: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾. وقرأ عبد الله بن عياش بن ربيعة وأبو جعفر مولاه وزيد بن أسلم والحسن وأبو العالية وابن أبي عبلة. ﴿ولا يتأل﴾ بهمزة مفتوحة بين التاء واللام وتشديد اللام على وزن يتعل. وقرأ أبو حيوة وابن قطيب وأبو البرهشيم: ﴿أن تؤتوا﴾ بالتاء على الالتفات ويناسبه ﴿ألا تحبون﴾.
﴿وَلْيَعْفُوا﴾؛ أي: وليتجاوز أولو الفضل عن ذنب الخائضين، الذي أذنبوه عليهم، وجنايتهم التي اقترفوها، من عفا الربع إذا درس. والمراد: محو الذنب، حتى لا يبقى له أثر. ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾؛ أي: وليعرضوا عن لومهم بالإغضاء عن الجاني، والإغماض عن جنايته.
قال الراغب: الصفح ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو. وقد يعفو الإنسان ولا يصفح. اهـ. وقرأ عبد الله والحسن وسفيان بن الحسين وأسماء بنت يزيد ﴿ولتعفوا ولتصفحوا﴾ بالتاء بأمر خطاب الحاضرين.
أي (٢): وليتركوا عقوبتهم على ذلك، بحرمانهم مما كانوا يؤتونهم، وليعودوا لهم إلى مثل الذي كان لهم عليهم من الأفضال. ثم ذكر سبحانه ترغيبًا عظيمًا لمن عفا وصفح فقال: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بهمزة الاستفهام التوبيخي؛ أي: ألا تحبون يا أرباب الفضل والسعة، أن يستر الله عليكم ذنوبكم بأفضاله عليكم، والجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح الله عنك. فحينئذٍ قال الصديق: بلى والله، نحب أن يغفر لنا ربنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وكفر عن يمينه. وقال والله لا أنزعها منه أبدًا. ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب من أطاعه واتبع أمره.
стр. 8521
﴿رَحِيمٌ﴾ به، لا يعذبه على ما كان له من زلة قد استغفر منها وتاب إليه من فعلها، فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو والصفح عن المسيئين إليهم. وفي هذا ترغيب عظيم في العفو، ووعد كريم عليه بالمغفرة من الذنوب. وحث على مكارم الأخلاق.
وفي "معجم الطبراني الكبير" أنه أضعف له النفقة التي كان يعطيه إياها قبل القذف؛ أي: أعطاه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك. وقال بعضهم:
مَنْ كَانَ يَرْجُوْ عَفْوَ مَنْ فَوْقَهُ ... فَلْيَعْفُ عَنْ ذَنْبِ الَّذِيْ دُوْنَهُ
٢٣ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُون﴾؛ أي: يقذفون بالزنا ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾؛ أي: العفائف مما رمين به من الفاحشة والزنا، وأجمعوا على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في حدّ القذف. ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفاحشة على الإطلاق، بحيث لم يخطر ببالهن شيء منها, ولا من مقدماتها أصلًا. ففيها من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس من المحصنات ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: المتصفات بالإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به من الواجبات، والمحظورات وغيرها، إيمانًا حقيقيًا تفصيليًا، كما ينبىء عنه تأخير المؤمنات عما قبلها، مع أصالة وصف الإيمان. والمراد بها عائشة الصديقة ﵂. والجمع باعتبار أن رميها رمي لسائر أمهات المؤمنين، لاشتراك الكل في العصمة والنزاهة، والانتساب إلى رسول الله ﷺ كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ ونظائره.
وجملة قوله: ﴿لُعِنُوا﴾ خبر ثان؛ أي (١): لعنوا وطردوا من رحمة الله تعالى بسبب ما قالوا في المحصنات وهتكوا حرمتهن ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة أبدًا. وأصل اللعنة: الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع عن قبول فيضه وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره.
﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: لأولئك الرامين مع ما ذكر من اللعن الأبدي ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
стр. 8522
لعظم ذنوبهم. قال مقاتل: هذا خاص في عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق.
وفي "الشواكاني" وقد (١) اختلف في هذه الآية، هل هي خاصة أم عامة؟ فقال سعيد بن جبير: هي خاصة فيمن رمى عائشة ﵂. وقال مقاتل: هي خاصة بعبد الله بن أبي رأس المنافقين. وقال الضحاك والكلبي: هذه الآية هي في عائشة وسائر أزواج النبي ﷺ دون سائر المؤمنون والمؤمنات، فمن قذف إحدى أزواج النبي ﷺ ، فهو من أهل هذه الآية.
قال الضحاك: ومن أحكام هذه الآية: أنه لا توبة لمن رمى إحدى أزواجه ﷺ . ومن قذف غيرهن .. فقد جعل الله له التوبة، كما تقدم في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ وقيل: إن هذه الآية خاصة بمن أصر على القذف، ولم يتب. وقيل: إنها تعم كل قاذف ومقذوف من المحصنات والمحصنين. واختاره الناس. وهو الموافق لما قرره أهل الأصول، من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل: إنها خاصة بمشركي مكة؛ لأنهم كانوا يقولون للمرأة إذا خرجت مهاجرة إنما خرجت لتفجر. قال أهل العلم: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنين من القذفة .. فالمراد باللعنة الإبعاد وضرب الحد وهجر سائر المؤمنين لهم وزوالهم عن رتبة العدالة والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين. وإن كان المراد من قذف عائشة خاصة، كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبي رأس المنافقين. وإن كان في مشركي مكة فإنهم ملعونون.
وقيل المعنى (٢): ﴿لُعِنُوا﴾؛ أي: عذبوا ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بالحد وفي ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هو عذاب الكفر.
والخلاصة: أي (٣) إن الذين يتهمون بالفاحشة العفيفات الغافلات عنها، المؤمنات بالله ورسوله يبعدون من رحمة الله في الدنيا والآخرة، ولهم في الآخرة عذاب عظيم جزاء ما اقترفوا من جناياتهم، فهم مصدر قالة السوء في المؤمنات،
стр. 8523
وإشاعة الفاحشة بين المؤمنين، والقدوة السيئة لمن يتكلم بها، فعليهم وزرها ووزر من تكلم بها. كما ورد في الحديث "من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
٢٤ - ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ هذه الجملة مقررة لما قبلها، مبينة لوقت حلول ذلك العذاب بهم وتعيين اليوم لزيادة التهويل، بما فيه من العذاب الذي لا يحيط به وصف. والعامل في الظرف الاستقرار الذي تعلق به الخبر، والتقدير: وعذاب عظيم كائن لهم، ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ﴾ إلخ. وإنما (١) لم يجعل منصوبًا بالمصدر وهو عذاب؛ لأن شرط عمله عند البصريين أن لا يوصف وهنا قد وصف، وأجيب عن هذا، بأن الظرف يتسع فيه ما لا يتسع في غيره. اهـ. من "السمين".
وتقديم (٢) ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على الفاعل، للمسارعة إلى بيان كون الشهادة ضارة لهم. والشهادة معناها: قول صادر عن علم، حصل بمشاهدة بصر، أو بصيرة؛ أي: تشهد عليهم ألسنتهم بغير اختيار منهم ذنوبهم التي اقترفوها. فالمشهود به محذوف. وهذا قبل أن يختم على أفواههم، فلا تعارض بينه وبين قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فتخبر كل جارحة بما صدر من أفاعيل صاحبها, لا أن كلاً منها تخبر بجنايتها المعهودة فقط. فالموصول عبارة عن جميع أعمالهم السيئة.
وقيل المعنى (٣): تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم. وقيل: تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك اليوم، بما تكلموا به، وأيديهم وأرجلهم بما عملوا بها في الدنيا. وأن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم.
وقرأ الأخوان (٤) حمزة والكسائي والزعفراني وابن مقسم وابن سعدان ﴿يشهد﴾ بياء من تحت؛ لأنه تأنيث مجازي، ووقع الفصل، وباقي السبعة بالتاء.
стр. 8524
أي: ولهم (١) ذلك العذاب الذي لا يقدر قدره، يوم يجحدون ما اكتسبوا في الدنيا من الذنوب حين سؤالهم عنها، فتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، من قول أو فعل. إذ ينطقها الله سبحانه بقدرته، فتخبر كل جارحة بما صدر منها من أفاعيل صاحبها. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
وعن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا. فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقال: احلفوا فيحلفون. ثم يصمهم الله، فتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، ثم يدخلهم النار". ويرى فريق من المفسرين أن الشهادة هنا ليست الشهادة باللسان، لئلا يعارض قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ بل شهادة الإثبات والبيان. إذ كل ما يعمله الإنسان في الدنيا من قول أو فعل تنطبع له صورة على العضو الذي فعله، فالكلمة يقولها تنطبع لها صورة على اللسان، واليد التي تمتد لفعل شيء والرجل التي تخطو إلى عمل، كل ذلك يحفظ على نفس الجارحة التي فعلته، فما أشبه ذلك بالصور التي تؤخذ اليوم لأصابع المجرمين وبصمات أيديهم وأرجلهم في فلم تحقيق الشخصية للرجوع إليها إذا دعت الحاجة إلى ضبط أولئك المجرمين. فما ينطبع إذ ذاك على اللسان واليد والرجل يكون كافيًا جد الكفاية في إثبات الجرم على أولئك المجرمين والطغاة الظالمين.
٢٥ - ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم القبيحة. ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾؛ أي: يعطيهم الله سبحانه جزاءهم الحق الثابت، الذي لا شك في ثبوته على أعمالهم موفرًا كاملًا. والتوفية (٢) بذل الشيء وافيًا. والواقي الذي بلغ التمام والدين الجزاء والحق منصوب على أنه صفة للدين.
والمعنى: أي يوم إذ تشهد جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم
стр. 8525
الثابت الواجب الذي هم أهله وافيًا كاملًا. ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾ عند معاينتهم الأهوال والخطوب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الثابت الوجود ﴿الْمُبِينُ﴾؛ أي: الظاهر حقيته، لما أنه أبان لهم حقية ما كان يعدهم به في الدنيا من الجزاء.
والخلاصة (١): أي في هذا اليوم يوفيهم الله جزاءهم على أعمالهم، ويعلمون أن ما كانوا يوعدون به في حياتهم الدنيا من العذاب هو الحق الذي لا شك فيه. ويزول عنهم كل ريب كان قد ألم بهم في الدار الأولى.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما من يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". رواه الشيخان.
قال صاحب "الكشاف": ولو قلبت القرآن كله، وفتشت عما أوعد به العصاة، لم تر أن الله قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة - رضوان الله عليها -، ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد، والعقاب البليغ، والزجر العنيف واستعظام ما ركب من ذلك، واستفظاع ما أقدم عليه على طرق مختلفة وأساليب مفتنة، كل واحد منها كافٍ في بابه. ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث .. لكفى بها، حيث جعل القذفة ملعونين في الدارين جميعًا، وتوعدهم بالعظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا. وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الذي هم أهله. اهـ.
وقرأ زيد بن علي (٢): ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ مخففًا من أوفى، وقرأ من عداه: بالتشديد من وفي. وقرأ الجمهور ﴿الحق﴾ بالنصب صفة لدينهم. وقرأ عبد الله ومجاهد وأبو حيوة: بالرفع على أنه صفة للجلالة. وروي ذلك عن ابن مسعود. قال أبو عبيدة: ولولا كراهة خلاف الناس .. لكان الوجه الرفع، ليكون نعتًا لله ، ولتكون موافقة لقراءة أبيّ. وذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبي
стр. 8526
﴿يوفيهم الله الحق دينهم﴾ قال النحاس: وهذا الكلام من أبي عبيدة غير مرضي؛ لأنه احتج بما هو مخالف للسواد إلأعظم، ولا حجة فيه أيضًا؛ لأنه لو صح أنه مصحف أبي كذلك جاز أن يكون دينهم بدلًا من الحق.
قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾؟ قلت: معناه: ذو الحق المبين، العادل الذي لا ظلم في حكمه، والمحق الذي لا يوصف بباطل، ومن هذه صفته لم تسقط عنده إساءة مسيء، ولا إحسان محسن. فحق مثله أن يتقى ويجتنب محارمه. انتهى.
وفي الآية أمور (١):
منها: بيان جواز اللعنة على من كان من أهلها. قال الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى: الصفات المقتضية للعن ثلاث: الكفر، والبدعة، والفسق. وله في كل واحدة، ثلاث مراتب:
الأولى: اللعن بالوصف الأعم، كقولك: لعنة الله على الكافرين، أو المبتدعة، أو الفسقة.
والثانية: اللعن بأوصاف أخص منه، كقولك: لعنة الله على اليهود والنصارى، أو على القدرية والخوارج والروافض، أو على الزناة، والظلمة وآكل الربا. وكل ذلك جائز، ولكن في لعن بعض أصناف المبتدعة خطر؛ لأن معرفة البدعة غامضة، فما لم يرد فيه لفظ مأثور ينبغي أن يمنع منه العوام؛ لأن ذلك يستدعي المعارضة بمثله، ويثير نزاعًا وفسادًا بين الناس.
والثالثة: اللعن علي الشخص، فينظر فيه، إن كان ممن ثبت كفره شرعًا، فيجوز لعنه إن لم يكن فيه أذى على مسلم، كقولك: لعنة الله على النمرود وفرعون وأبي جهل؛ لأنه ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر، وعرف ذلك شرعًا. ان كان ممن لم يثبت حال خاتمته بعد، كقولك: زيد لعنه الله، وهو يهودي أو
стр. 8527
فاسق، فهذا فيه خطر؛ لأنه ربما يسلم، أو يتوب فيموت مقربًا عند الله تعالى، فكيف يحكم بكونه ملعونًا.
ومنها: شهادة الاْعضاء، وذلك بإنطاق الله تعالى، فكما تشهد على المذنبين بذنوبهم تشهد للمطيعين بطاعتهم، فاللسان يشهد على الإقرار وقراءة القرآن، واليد تشهد بأخذ المصحف، والرجل تشهد بالمشي إلى المسجد، والعين تشهد بالبكاء، والأذن تشهد باستماع كلام الله تعالى. وقيل (١): شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة، وشهادتها في المحبة اليوم معجلة من صفرة الوجه وتغير اللون ونحافة الجسم وانسكاب الدموع وخفقان القلب وغير ذلك.
٢٦ - ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة، فقال: ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الرجال لا يتجاوزونهم ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الرجال ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من النساء؛ لأن المجانسة من دواعي الألفة ودوام العشرة ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من النساء ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الرجال، لما قد عرفت من الإنس بمن يحاكيك في الصفات، ويجانسك في الفضل والكمال. ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ منهم أيضًا ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ منهن، لا تجاوزوهن إلى من عداهن. وإذا كان رسول الله ﷺ من أطيب الأطيبين، وخيرة الأولين والآخرين .. استبان أن الصديقة ﵂ من أطيب الطيبات، واستبان بطلان ما أشاعه المرجفون من أهل الإفك.
قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وأكثر المفسرين (٢): المعنى: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل. قال الزجاج: ومعناه: لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء. ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء. وهذا ذم للذين قذفوا عائشة بالخبيث، ومدح للذين برؤوها.
стр. 8528
وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾. فالخبيثات الزواني والطيبات العفائف. وكذا الخبيثون والطيبون.
والإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ راجعة إلى الطيبين والطيبات؛ أي: أولئك الطيبون والطبيات، ومنهم صفوان وعائشة مبرؤون مما يقول الخبيثون من الرجال والخبيثات من النساء. وقيل: الإشارة إلى أزواج النبي ﷺ وقيل: إلى رسول الله ﷺ وعائشة وصفوان بن المعطل. وقيل: عائشة وصفوان فقط. قال الفراء: وجمع كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والمراد أخوان.
وقال في "الأسئلة المقحمة" (١): آية الإفك نزلت في عائشة وصفوان، فكيف ذكرها بلفظ الجمع؟ والجواب: لأن الشين وعار الزنا والمعرة بسببه تتعدى إلى رسول الله ﷺ ؛ لأنه زوجها وإلى أبي بكر الصديق؛ لأنه أبوها، وإلى عامة المسلمين؛ لأنها أمهم، فذكر الكل بلفظ الجمع؛ أي: أولئك الموصوفون بعلو الشأن، يعني أهل البيت مبرؤون؛ أي: منزهون مما يقوله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة في جميع الأعصار والأطوار إلى يوم القيامة. ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: لأولئك المبرئين ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ عظيمة لما لا يخلو عنه البشر من الذنوب التي اقترحوها من قبل. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: كثير أو حسن عند ربهم في جنات النعيم.
روي: أن (٢) عائشة كانت افتخرت بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها:
منها: أن جبريل ﵇ أتى بصورتها في سرقة حرير، وقال: هذه زوجتك. وروي أنه أتى بصورتها في راحته.
ومنها: أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها، وقبض رسول الله ﷺ في حجرها وفي يومها ودفن في بيتها. وكان ينزل عليه الوحي وهي معه في اللحاف. ونزلت براءتها من السماء. وأنها ابنة الصديق وخليفة رسول الله ﷺ . وخلقت
стр. 8529
طيبة، ووعدت مغفرةً ورزقًا كريمًا، وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله ﷺ ، المبرأة من السماء.
وفي "القرطبي": قال (١) بعض أهل التحقيق: إن يوسف ﵇، لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد. وأن مريم لما رميت بالفحشاء برأها الله على لسان ولدها عيسى ﵇، وأن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله بالقول، ما رضي لها براءة صبي ولا نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان. اهـ.
٢٧ - ولما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف شرع في ذكر الزجر عن دخول البيوت بغير استئذان، لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء. فربما يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين. وأيضًا أن الإنسان يكون في بيته وتكون خلوته على حالة قد لا يحب أن يراه عليها غيره. فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير إلى غاية هي قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ لستم تملكونها ولا تسكنونها ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ التي تسكنونها بملك أو إجارة، أو إعارة مثلًا.
ووصف (٢) البيوت بمغايرة بيوتهم خارجة مخرج العادة التي هي سكنى كل أحد في ملكه، وإلا فالمؤجر والمعير لا يدخلان إلا بإذنٍ ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾؛ أي: حتى تستأذنوا الدخول ممن يملك الإذن من أصحابها، وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم أم لا، وحتى يؤذن لكم. فالدخول بالإذن من الآداب الجميلة والأفعال المرضية المستتبعة لسعادة الدارين، مأخوذ من الاستئناس، بمعنى الاستسلام من آنس الشيء إذا أبصره مكشوفًا فعلم به، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يؤذن له أو لا. ومن الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش، لما أن المستأنس مستوحش، خائف أن لا يؤذن له، فإذا أذن له .. استأنس، ولهذا يقال في جواب القادم المستأذن مرحبًا: أهلًا وسهلًا؛ أي:
стр. 8530
وجدت مكانًا واسعًا وأتيت أهلًا لا أجانب، ونزلت مكانًا سهلًا لا حزنًا ليزول به استيحاشه وتطيب نفسه. فيؤول المعنى إلى أن يؤذن لكم، فهو من باب الكناية، حيث ذكر الاستئناس اللازم وأريد الإذن الملزوم.
﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾؛ أي: على سكانها عند الاستئذان، بأن يقول الواحد منكم: السلام عليم، أأدخل - ثلاث مرات - فإن أذن له، دخل وسلم ثانيًا، وإلا رجع. كما ورد في الحديث. وقال عطاء: الاستئذان واجب على كل محتلم. والظاهر مطلق الاستئذان، فيكفي فيه المرة الواحدة. وفي الحديث الاستئذان ثلاث يعني كمالُهُ فإن أذِنَ له وإلا فليرجع، ولا يزيد على ثلاث، إلا أن يتحقق أن من في البيت لم يسمع. ذكره في "البحر".
واختلفوا هل (١) يقدم الاستئذان على السلام أو بالعكس. فقيل: يقدم الاستئذان، فيقول: أأدخل، سلام عليكم، لتقديم الاستئناس في الآية على السلام. وقال الأكثرون: يقدم السلام على الاستئذان. فيقول السلام عليكم أأدخل. وهو الحق؛ لأن البيان منه ﷺ للآية كان هكذا. وتقدير الآية: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، وهو كذلك في مصحف ابن مسعود. ويكون كل من السلام والاستئذان ثلاث مرات يفصل بين كل مرتين بسكونٍ يسير، فالأول: إعلام، والثاني: للتهيء، والثالث: استئذان في الدخول أو الرجوع. وإذا أتى الباب، لم يستقبله من تلقاء وجهه، بل يجيء من جهة ركنه الأيمن أو الأيسر. وقيل: إن وقع بصره على أحد في البيت، قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان ثم يسلم. اهـ. "خازن".
وروى (٢) الشيخان وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: استأذنت على النبي ﷺ فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال النبي ﷺ : أنا أنا. كأنه كره ذلك. قال علماؤنا: إنما كره النبي ﷺ ذلك؛ لأن قوله: أنا لا يحصل به تعريف، وإنما الحكم في ذلك أن يذكر اسمه، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ وأبو
стр. 8531
موسى الأشعري؛ لأن في ذكر الاسم إسقاط كلمة السؤال والجواب، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو في مشربة له فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليكم، أيدخل عمر؟ وفي "صحيح مسلم" أن أبا موسى جاء إلى عمر بن الخطاب ﵄ فقال: السلام عليكم هذا أبو موسى، السلام عليكم، هذا الأشعري. الحديث اهـ. من "القرطبي".
وقد أدب الله سبحانه عباده المؤمنين بآداب نافعة في بقاء الود وحسن العشرة بينهم ومن ذلك: أن لا يدخلوا بيوت غيرهم إلا بعد الاستئذان والسلام، حتى لا يطلعوا على عورات غيرهم، ولا ينظروا إلى ما لا يحل لهم النظر إليه، ولا يقفوا على الأحوال التي يطويها الناس في العادة، ويستحفظون من اطلاع أحد عليها، إلى أن في هذا تصرفًا في ملك غيرك، فلا بد أن يكون برضاه.
﴿ذَلِكُمْ﴾ الاستئذان والتسليم والانتظار حتى يؤذن لكم. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من (١) الدخول بغتة بغير استئذان، ولو على الأم، فإنها تحتمل أن تكون عريانة. أو من الدخول على عادة الجاهلية، حيث كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتًا غير بيته، يقول: حييتم صباحًا، حييتم مساءً، ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: أمرتكم بالاستئذان كي تذكروا وتتعظوا وتعلموا بموجبه. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: بتخفيف الذال. والباقون بالتشديد اهـ. "مراح".
واعلم: أن (٢) السلام من سنة المسلمين، وهو تحية أهل الجنة، ومجلبة للمودة، وناف للحقد والضغينة. روي عنه ﵇ قال: "لما خلق الله تعالى آدم، ونفخ فيه الروح، عطس، فقال: الحمد لله، فقال الله تعالى: يرحمك ربك يا آدم. اذهب إلى هؤلاء الملائكة وملأ منهم جلوس فقل: السلام عليكم، فلما فعل ذلك رجع إلى ربه. قال: هذه تحيتك وتحية ذريتك".
стр. 8532
ثم اعلم: أنه إذا عرض أمر في دار من حريق أو هجوم سارق، أو قتل نفس بغير حق، أو ظهور منكر يجب إزالته، فحينئذ لا يجب الاستئذان والتسليم، فإن كان ذلك مستثنى بالدليل، وهو ما قاله الفقهاء: من أن مواقع الضرورات مستثناة من قواعد الشرع؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات. قال صاحب "الكشاف": وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا العمل بها، وباب الاستئذان من ذلك. اهـ.
٢٨ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا﴾؛ أي: في تلك البيوت ﴿أَحَدًا﴾ ممن يملك الإذن، على أنَّ من لا يمكله من النساء والولدان والعبيد وجدانه كفقدانه، فلا يدخله حتى يأذن له من يملك الإذن، وهو رب الدار، أو لم تجدوا فيها أحدًا أصلًا. ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا﴾ فاصبروا ﴿حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾؛ أي (١): من جهة من يملك الإذن عند إتيانه، فإن في دخول بيت فيه النساء والولدان اطلاعٌ على العورات، وفي دخول البيوت الخالية اطلاعٌ على ما يعتاد الناس إخفاءه، مع أن التصرف في ملك الغير محظور مطلقًا. والمعنى: إن لم تجدوا في البيوت التي لغيركم أحدًا ممن يستأذن عليه فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بدخولها من جهة من يملك الإذن.
والظاهر (٢): أنه يجوز للإنسان أن يدخل بيت نفسه من غير استئذان ولا سلام لقوله: ﴿غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾.
﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ﴾؛ أي: وإن قال لكم أهل البيت الذي تستأذنون فيه، ﴿ارْجِعُوا﴾؛ أيْ انصرفوا، ﴿فَارْجِعُوا﴾؛ أي: فاذهبوا ولا تقفوا على أبواب الناس؛ أي: إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع، سواء كان الأمر ممن يملك الإذن أم لا، فارجعوا ولا تلحُّوا بتكرير الاستئذان. كما في الوجه الأول، أو لا تلحُّوا بالإصرار على الانتظار على الأبواب إلى أن يأتي الإذن، كما في الثاني. فإنَّ ذلك مما يجلب الكراهة في قلوب الناس، ويقدح في المروءة أيَّ قدحٍ.
﴿هُوَ﴾؛ أي: الرجوع والانصراف ﴿أَزْكَى﴾ وأطهر ﴿لَكُمْ﴾ مما لا يخلو عنه
стр. 8533
الوقوف على الأبواب من دنس الدناءة والرزانة. وأفضل لكم في دينكم ودنياكم؛ لأن رب الدار قد يستوحش ويتأذى بوقوف غيره على بابه بعد منع الاستئذان. ولما في ذلك من الدناءة والتسكع على بيوت الناس، وربما ظُنَّ بأهل البيت سوءٌ من وقوف الأجانب على أبوابهم، ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لا تخفى عليه من أعمالكم خافية، فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلفتموه، فيجازيكم عليه. وفي ذلك توعد لأهل التجسس على البيوت، وطلب الدخول على غيره، والنظر لما لا يحل.
٢٩ - ولما بين سبحانه حكم البيوت المسكونة .. بين حكم البيوت غير المسكونة، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿جُنَاحٌ﴾؛ أي: إثم ولا حرج في ﴿أَنْ تَدْخُلُوا﴾ بغير استئذان ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾؛ أي: غير معدة لمسكنى قوم معينين، وطائفة مخصوصة فقط، بل هي معدة لينتفع ويتمتع بها من يحتاج ويضطر إليها كائنًا من كان، من غير أن يتخذها سكنًا. كالفنادق والحوانيت والحمامات والرُّبَط ونحوها؛ فإنها معدة لمصالح الناس كافةً، كما ينبىء عنه قوله تعالى: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ فإنه صفة للبيوت؛ أي: لكم فيها حق التمتع والانتفاع بها، كالمبيت فيها والاستكنان بها من الحر والبرد، وإيواء الأمتعة والرحال، والشراء والبيع، والاغتسال فيها، وغير ذلك مما يليق بحال البيوت وداخلها، كقضاء حاجة الإنسان من البول والغائط. فلا بأس في دخولها بغير استئذان من قُوَّام الرباطات وأصحاب الحوانيت ومتصرفي الحمامات ونحوهم؛ لأن السبب الذي لأجله منع دخول البيت وهو الاطلاع على عورات الناس والوقوف على أسرارهم غير موجود فيها.
روي: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان، وإنا لنختلف في تجارتنا، فننزل هذه الخانات، أفلا ندخلها إلا بإذن؟ فنزلت هذه الآية. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾؛ أي: ما تظهرون بألسنتكم من الاستئذان إذا استأذنتم على أهل البيوت المسكونة. ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: ما تضمرون من حب الاطلاع على عورات الناس، أو من قصد
стр. 8534
ريبة أو فساد، وفيه وعيد لمن لم يتأدب بآداب الله في دخول بيوت الغير.
الإعراب
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِين﴾: ناصب واسمه. ﴿جَاءُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِالْإِفْكِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿جاء﴾. ﴿عُصْبَةٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنْكُمْ﴾: صفة لـ ﴿عُصْبَةٌ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿شَرًّا﴾: مفعول ثان لحسب. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿شَرًّا﴾. والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتسلية النبي ﷺ ، ولكل من تأسف بذلك الإفك. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب. ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر مقدم. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لامرىء. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿اكْتَسَبَ﴾: فعل ماض وفاعله، ضمير مستتر يعود على ﴿امْرِئٍ﴾، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوذف تقديره: ما اكتسبه. ﴿مِنَ الْإِثْمِ﴾: جار ومجرور حال من العائد المحذوف. ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الذي﴾: مبتدأ. ﴿تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول صلة الموصول. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿تَوَلَّى﴾. ﴿له﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ ثان مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾. والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، أعني الموصول، وجملة الأول مستأنفة.
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾.
﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا، متضمن معنى الزجر والتوبيخ. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان, في محل النصب على الظرفية، متعلق
стр. 8535
بـ ﴿ظَنَّ﴾ الذي هو مدخول ﴿لَوْلَا﴾. ﴿سَمِعْتُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾: معطوف على ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾. ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الأول لـ ﴿ظن﴾. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول ثان له، وجملة ﴿ظَنَّ﴾: مستأنفة. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿ظَنَّ﴾. ﴿هَذَا إِفْكٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿إِفْكٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾.
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾
﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا أيضًا. ﴿جَاءُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿شهداء﴾. ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جَاءُوا﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، في محل النصب على الظرفية، متعلق بـ ﴿الْكَاذِبُونَ﴾. ﴿لَمْ يَأْتُوا﴾: جازم وفعل مجزوم وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿بِالشُّهَدَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتُوا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِذْ﴾. ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الْكَاذِبُونَ﴾. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْكَاذِبُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿إِذْ﴾. وجملة ﴿إِذْ﴾ مع جوابها معطوفة على جملة ﴿لَوْلَا جَاءُوا﴾.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَلَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: معطوف على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور، حال من الفضل والرحمة. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على الدنيا، والتقدير: حالة كونهما كائنين في الدنيا والآخرة، وخبر ﴿لَوْلَا﴾ محذوف وجوبًا لقيام جواب ﴿لَوْلَا﴾ مقامه تقديره: موجودان، والجملة الاسمية شرط لـ ﴿لَوْلَا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾
стр. 8536
(اللام): رابطة لجواب ﴿لَوْلَا﴾. ﴿مسكم﴾: فعل ومفعول. ﴿فِي﴾: حرف جر وسبب. ﴿مَا﴾: موصولة في محل الجر بـ ﴿فِي﴾. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مسكم﴾. ﴿أَفَضْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِيه﴾: متعلق به والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير ﴿فيه﴾. ﴿عَذَابٌ﴾: فاعل لـ ﴿مسكم﴾. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلَا﴾، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ معطوفة على جملة ﴿لَوْلَا﴾ الأولى.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾.
﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بـ ﴿أَفَضْتُمْ﴾، أو بـ ﴿مسكم﴾. ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة في محل الخفض، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾. ﴿وَتَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾. ﴿بِأَفْوَاهِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿تقولون﴾. ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول ﴿تقولون﴾؛ لأنه بمعنى تذكرون. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَكُمْ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾. ﴿عِلْمٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: صلة ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول. ﴿هَيِّنًا﴾: مفعول ثان. والجملة معطوفة على جملة ﴿لَيْسَ﴾. ﴿وَهُوَ﴾: ﴿الواو﴾: واو الحال. ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: حال من ﴿عَظِيمٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿عَظِيمٌ﴾: خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من المفعول ﴿تحسبونه﴾.
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لولا﴾: حرف تحضيض وتوبيخ. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿قُلْتُمْ﴾. ﴿سَمِعْتُمُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿قُلْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَكُونُ﴾: فعل ناقص. ﴿لَنَا﴾: خبر ﴿يَكُونُ﴾ مقدم. ﴿أَنْ﴾: حرف
стр. 8537
نصب. ﴿نَتَكَلَّمَ﴾: في تأويل مصدر مرفوع، على كونه اسم ﴿يَكُونُ﴾ والتقدير: ما يكون التكلم بهذا كائنًا لنا. وجملة ﴿يَكُونُ﴾: في محل النصب مقول ﴿قُلْتُمْ﴾. ﴿بِهَذَا﴾ متعلقان بـ ﴿نَتَكَلَّمَ﴾ ﴿سُبْحَانَكَ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، بفعل محذوف، تقديره: نسبحك سبحانًا. والجملة المحذوفة، في محل النصب مقول ﴿قُلْتُمْ﴾، أو حال من فاعل ﴿قُلْتُمْ﴾، والتقدير: هلا قلتم، ما ينبغي لنا، أن نتكلم بهذا، حال كونكم متعجبين من هذا الأمر، العجيب الغريب. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿بُهْتَانٌ﴾: خبر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿بُهْتَانٌ﴾. والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْتُمْ﴾. ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ تَعُودُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن المصدرية، والجملة في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض المتعلق بـ ﴿يَعِظُكُمُ﴾، والتقدير: يعظكم من عودكم لمثله أبدًا. ﴿لِمِثْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَعُودُوا﴾. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تَعُودُوا﴾ أيضًا. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبر، وجواب الشرط محذوف، تقديره: إن كنتم مؤمنين، فلا تعودوا لمثله. وجملة الشرط مستأنفة.
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾.
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَعِظُكُمُ﴾. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿يبين﴾. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان. والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يبين﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُحِبُّونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية. والجمله في تأويل مصدر منصوب على المفعولية. والتقدير: إن الذين يحبون شيوع الفاحشة. ﴿فِي الَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَشِيعَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: صفة ثانية لـ ﴿عَذَابٌ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾:
стр. 8538
معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع، خبر ﴿أن﴾. وجملة ﴿أن﴾: مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: خبره. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَأَنْتُمْ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿لَا تَعْلَمُون﴾: خبره. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾.
﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: اسئنافية. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: معطوف على ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾. وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا، تقديره: موجودات. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان. وجملة ﴿أَن﴾ في تأويل مصدر معطوف على ﴿فَضْلُ﴾؛ أي: وكون الله رؤوفًا رحيمًا موجودًا. وجواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف، تقديره: لعاجلكم بالعقوبة. وجملة ﴿لَوْلَا﴾: مستأنفة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾
﴿يَا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. و ﴿الهاء﴾: حرف تنبيه زائد تعويضًا عما فات. ﴿أي﴾: من الإضافة. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل النصب أو الرفع صفة لـ ﴿أي﴾. وجملة النداء مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَتَّبِعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما. ﴿يَتَّبِعْ﴾: فعل مضارع، مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ الشرطية على كونه، فعل شرط لها. وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَان﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿فَإِنَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَأْمُرُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿الشَّيْطَانِ﴾. ﴿بِالْفَحْشَاءِ﴾: متعلق به.
стр. 8539
﴿وَالْمُنْكَرِ﴾: معطوف على ﴿الفحشاء﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾. وجملة ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: استنافية. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: معطوف عليه، وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا، تقديره: موجودات. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿زَكَى﴾: فعل ماض. ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من ﴿أَحَدٍ﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿أَحَدٍ﴾: فاعل ﴿زَكَى﴾. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿زَكَى﴾. والجملة الفعلية جواب ﴿لَوْلَا﴾ لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿لَوْلَا﴾: مستأنفة. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لكن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿يُزَكِّي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول، في محل النصب مفعول به. وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة الموصول. وجملة ﴿يُزَكِّي﴾ في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾. وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿لَوْلَا﴾. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان له. والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يُزَكِّي﴾.
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَأْتَلِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهي الياء. ﴿أُولُو﴾: فاعل ملحق بجمع المذكر السالم. ﴿الْفَضْلِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من الفاعل. ﴿وَالسَّعَةِ﴾: معطوف على ﴿الْفَضْلِ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿أُولِي الْقُرْبَى﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾: معطوفان على ﴿أُولِي الْقُرْبَى﴾. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿المهاجرين﴾. وجملة ﴿يُؤْتُوا﴾ في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، مع تقدير ﴿لَا﴾ النافية؛ أي: عدم إيتاء ﴿أُولِي الْقُرْبَى﴾: والجار المحذوف متعلق بـ ﴿يَأْتَلِ﴾.
стр. 8540
﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلْيَعْفُوا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. و (اللام): لام الأمر. ﴿يعفوا﴾: فعل مضارع، وفاعل مجزوم بلام الأمر. والجملة معطوفة على جملة ﴿يَأْتَلِ﴾. ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ أيضًا. ﴿أَلَا تُحِبُّونَ﴾: (الهمزة): للاستفهام التوبيخي. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تُحِبُّونَ﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. والجملة في تأويل مصدر، منصوب على المفعولية؛ أي: ألا تحبون مغفرة الله لكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿يَغْفِر﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: صفتان للمحصنات. ﴿لُعِنُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: متعلق به. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَلَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿لُعِنُوا﴾.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بالاستقرار. الذي تعلق به الجار والمجرور في قوله: ﴿وَلَهُمْ﴾ والتقدير: عذاب عظيم كائن لهم، يوم تشهد عليهم، ويجوز تعلقه بالمصدر، وهو عذاب؛ لأن الظروف يتوسع فيها ما لا يتوسع في غيرها. ﴿تَشْهَدُ﴾: فعل مضارع. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿أَلْسِنَتُهُمْ﴾: فاعل. ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾: معطوفان عليه. والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَشْهَدُ﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه.
стр. 8541
وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿كان﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما كانوا يعملونه. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، ﴿إِذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مضاف ليوم والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة، والتقدير: يوم إذ تشهد عليهم ألسنتيهم الخ. ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿دِينَهُمُ﴾: مفعول ثان. ﴿الْحَقَّ﴾: صفة لـ ﴿دِينَهُمُ﴾. ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿هو﴾ ضمير فصل. ﴿الْحَقَّ﴾: خبر أن. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْحَقُّ﴾. وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر، ساد مسد مفعولي ﴿يعلمون﴾.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾.
﴿الْخَبِيثَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان سنة الله في خلقه، في أن يسوق كل صنف إلى صنفه، وأن يقع كل طير على شكله. ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾: مبتدأ. ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾: خبر. والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾: خبر. والجملة معطوفة. ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾: مبتدأ. ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾: خبر للمبتدأ. والجملة معطوفة. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مُبَرَّءُونَ﴾: خبر. والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿مُبَرَّءُونَ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: يقولونه. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ﴾: معطوف على ﴿مغفرة﴾. ﴿كَرِيمٌ﴾: صفة ﴿رزق﴾. والجملة الاسمية خبر ثان لـ ﴿أُولَئِكَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾
﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿هَا﴾: حرف تنبيه زائد. وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾: ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَدْخُلُوا﴾:
стр. 8542
فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْر﴾: صفة لـ ﴿بُيُوتًا﴾. ﴿بُيُوتِكُمْ﴾: مضاف إليه. وجملة النهي جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر، وغاية بمعنى إلى. ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن المضمرة وجوبًا. بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى. ﴿وَتُسَلِّمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾. ﴿عَلَى أَهْلِهَا﴾: جار ومجرور تعلق بـ ﴿تسلموا﴾ وجملة ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ صلة أن المضمرة. أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى. تقديره: إلى استئناسكم، وتسليمكم على أهلها. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَدْخُلُوا﴾. ﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بخير. والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلا. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: خبره. وجملة لعل مستأنفة، مسوقة لتعليل فعل محذوف، تقديره: أنزل هذا عليكم لكي تتذكروا به.
﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾.
﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط لها. ﴿لَمْ تَجِدُوا﴾ مضارع مجزوم بلم ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَجِدُوا﴾. ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به؛ لأنه من وجد الضالة، فيتعدى لمفعول واحد. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَدْخُلُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُؤْذَنَ﴾: فعل مضارع منصوب، بأن مضمرة بعد حتى. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُؤْذَنَ﴾. والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، بمعنى إلى. تقديره: إلى إذن أهلها لكم الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لَا تَدْخُلُوهَا﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم بإن الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿ارْجِعُوا﴾: فعل أمر، وفاعل مبني على
стр. 8543
حذف النون. والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾. ﴿فَارْجِعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب. ﴿ارْجِعُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة في محل الجزم، جواب ﴿إن﴾ الشرطية. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿أَزْكَى﴾: خبر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَدْخُلُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية. ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾: صفة لـ ﴿بُيُوتًا﴾. والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في دخولكم بيوتًا. والجار المحذوف، صفة لـ ﴿جناح﴾. ﴿فِيهَا﴾: خبر مقدم. ﴿مَتَاعٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿لَكُمْ﴾: صفة ﴿مَتَاعٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، صفة ثانية لـ ﴿بُيُوتًا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿ما﴾: موصولة في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿تُبْدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ما تبدونه. ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا تُبْدُونَ﴾. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الْإِفْكِ﴾: أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل: هو البهتان، لا تشعر به حتى يفجأك. وأصله الإفك؛ لأنه قول مأفوك عن وجهه؛ أي: مصروف عن وجهه كما مر في مبحث التفسير.
﴿عُصْبَةٌ﴾: والعصبة وكذا العصابة الجماعة، وكثر إطلاقها على العشرة فما
стр. 8544
فوقها إلى الأربعين. ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف وضمها وسكون الباء؛ أي: معظمه فقد كان يجمعه ويذيعه ويشيعه.
﴿لَوْلَا﴾ كلمة بمعنى: هلا تفيد التحضيض، والحث على فعل ما بعدها. ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر مكشوف ﴿أَفَضْتُمْ﴾؛ أي: خضتم في حديث الإفك.
﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾؛ أي: تتلفونه ويأخذه بعضكم من بعض. يقال: تلقى القول من فلان وتلقنه وتلقفه ولقفه إذا أخذ من لفظه وفهمه. وفي "الإرشاد" التلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة، خلا أن في الأول: معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف والأخذ بسرعة. وفي الثالث: معنى الحذق والمهارة اهـ. "أبو السعود". وفي "الشهاب"، الأفعال المذكورة متقاربة المعاني، إلا أن في التلقي معنى الاستقبال. وفي التلقن الحذق في التناول.
وفي التلقن الاحتيال فيه، كما ذكره الراغب. وقوله: معنى الاستقبال، المراد به المقابلة والمواجهة، كما في كتب اللغة.
﴿سُبْحَانَكَ﴾: تعجب ممن تفوه به. ﴿بُهْتَانٌ﴾؛ أي: كذب يبهت سامعه ويحيره لفظاعته. ﴿يَعِظُكُمُ﴾؛ أي: ينصحكم. ﴿تَشِيعَ﴾: تنشر.
﴿خُطُوَاتِ﴾: جمع خطوة بفتح الخاء وضمها وسكون الطاء. وكل ما كان على وزن فعل بكسر الفاء أو فعل بفتح الفاء مع سكون العين فيهما. يجوز فيه إذا أردنا جمعه جمعًا مؤنثًا سالمًا، الإتباع والفتح والتسكين. فنقول في خطوة خطوات بضمتين، وخطوات بضم ففتح. وخطوات بضم فسكون والخطوة بضم الخاء في الأصل هي ما بين القدمين؛ أي: ما بين رجلي الخاطي. وبالفتح المرة الواحدة من الخطو، ثم استعمل اتباع الخطوات في الاقتداء، وإن لم يكن ثمة خطوٌّ.
يقال: اتبع خطوات فلان ومشى على عقبه، إذا استن بسنته، والمراد هاهنا، سيرة الشيطان وطريقته.
﴿الْفَحْشَاءِ﴾: الخصلة المفرطة في القبح، وهي الزنا. وفي "الروح"
стр. 8545
والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه عرفًا وعقلًا، سواء كان فعلًا أو قولًا.
﴿وَالْمُنْكَر﴾: ما ينكره الشرع. وقال أبو الليث: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وفي "المفردات" المنكر كل شيء تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه العقول، وتحكم بقبحه الشريعة.
﴿زَكَى﴾: طهر من دنس الذنوب. ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾: ﴿لَا﴾: ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء لأنه معتل بها كما مر يقال: ائتلى يأتلي بوزن انتهى ينتهي من الألية كهدية. ومعناها: الحلف. يقال: ألية وألايا بوزن هدية وهدايا اهـ. شيخنا. وفي "المختار" آلى يؤلي إيلاءً إذا حلف وتألى وائتلى مثله. قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾. والألية: اليمين. وجمعها ألايا اهـ. وعبارة "أبو السعود" ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين وكفى به دليلًا على فضل الصديق، والسعة في المال اهـ. فالفضل الزيادة في الدين، والسعة: الغنى.
﴿وَلْيَعْفُوا﴾ عن ذنبهم. ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾؛ أي: ليعرضوا عن لومهم، فإن العفو أن يتجاوز عن الجاني. والصفح: أن يتناسى جرمه. وقيل: العفو بالفعل، والصفح بالقلب اهـ. زاده. وقال الراغب: الصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو. وقد يعفو الإنسان ولا يصفح.
﴿الْغَافِلَاتِ﴾؛ أي: السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرَزَنَّ الأحوال، فلا يفطنَّ لما تفطن له بالمجرِّبات العرَّافات. قال الشاعر:
وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ مَيَّالَةٍ ... بَلْهَاءَ تُطْلِعُنِيْ عَلَى أَسْرَارِهَا
لهوت تلاهيت ولعبت بطفلة بالفتح؛ أي: امرأة ناعمة لينة. يقال: امرأة طفلة الأنامل؛ أي: رخصتها لينتها، ميالة مختالة وبلهاء، غافلة لا مكر عندها ولا دهاء، فلذلك تطلعني على ضمائرها. وقال في "التعريفات" الغفلة عن الشيء، هو أن لا يخطر ذلك بباله. اهـ.