← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8541–8580 · переход к 8546.

стр. 8541

وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿كان﴾: صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما كانوا يعملونه. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بـ ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، ﴿إِذ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مضاف ليوم والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة، والتقدير: يوم إذ تشهد عليهم ألسنتيهم الخ. ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿دِينَهُمُ﴾: مفعول ثان. ﴿الْحَقَّ﴾: صفة لـ ﴿دِينَهُمُ﴾. ﴿وَيَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿هو﴾ ضمير فصل. ﴿الْحَقَّ﴾: خبر أن. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْحَقُّ﴾. وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر، ساد مسد مفعولي ﴿يعلمون﴾. ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾. ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان سنة الله في خلقه، في أن يسوق كل صنف إلى صنفه، وأن يقع كل طير على شكله. ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾: مبتدأ. ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾: خبر. والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾: خبر. والجملة معطوفة. ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾: مبتدأ. ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾: خبر للمبتدأ. والجملة معطوفة. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿مُبَرَّءُونَ﴾: خبر. والجملة مستأنفة. ﴿مِمَّا﴾: متعلق بـ ﴿مُبَرَّءُونَ﴾. ﴿يَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: يقولونه. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ﴾: معطوف على ﴿مغفرة﴾. ﴿كَرِيمٌ﴾: صفة ﴿رزق﴾. والجملة الاسمية خبر ثان لـ ﴿أُولَئِكَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ ﴿يَا﴾: حرف نداء، ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿هَا﴾: حرف تنبيه زائد. وجملة النداء مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول صفة لـ ﴿أي﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾: ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَدْخُلُوا﴾:

стр. 8542

فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْر﴾: صفة لـ ﴿بُيُوتًا﴾. ﴿بُيُوتِكُمْ﴾: مضاف إليه. وجملة النهي جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر، وغاية بمعنى إلى. ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن المضمرة وجوبًا. بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى. ﴿وَتُسَلِّمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾. ﴿عَلَى أَهْلِهَا﴾: جار ومجرور تعلق بـ ﴿تسلموا﴾ وجملة ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ صلة أن المضمرة. أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى. تقديره: إلى استئناسكم، وتسليمكم على أهلها. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَدْخُلُوا﴾. ﴿ذَلِكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بخير. والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلا. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه وجملة ﴿تَذَكَّرُونَ﴾: خبره. وجملة لعل مستأنفة، مسوقة لتعليل فعل محذوف، تقديره: أنزل هذا عليكم لكي تتذكروا به. ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾. ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط لها. ﴿لَمْ تَجِدُوا﴾ مضارع مجزوم بلم ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَجِدُوا﴾. ﴿أَحَدًا﴾: مفعول به؛ لأنه من وجد الضالة، فيتعدى لمفعول واحد. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَدْخُلُوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُؤْذَنَ﴾: فعل مضارع منصوب، بأن مضمرة بعد حتى. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿يُؤْذَنَ﴾. والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾، بمعنى إلى. تقديره: إلى إذن أهلها لكم الجار والمجرور متعلق بـ ﴿لَا تَدْخُلُوهَا﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم بإن الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿لَكُمُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿ارْجِعُوا﴾: فعل أمر، وفاعل مبني على

стр. 8543

حذف النون. والجملة الفعلية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾. ﴿فَارْجِعُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب. ﴿ارْجِعُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة في محل الجزم، جواب ﴿إن﴾ الشرطية. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿أَزْكَى﴾: خبر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾: مستأنفة. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿تَدْخُلُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية. ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾: صفة لـ ﴿بُيُوتًا﴾. والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في دخولكم بيوتًا. والجار المحذوف، صفة لـ ﴿جناح﴾. ﴿فِيهَا﴾: خبر مقدم. ﴿مَتَاعٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿لَكُمْ﴾: صفة ﴿مَتَاعٌ﴾. والجملة الاسمية في محل النصب، صفة ثانية لـ ﴿بُيُوتًا﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: خبره، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿ما﴾: موصولة في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿تُبْدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ما تبدونه. ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: معطوف على ﴿مَا تُبْدُونَ﴾. والله أعلم. التصريف ومفردات اللغة ﴿الْإِفْكِ﴾: أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء. وقيل: هو البهتان، لا تشعر به حتى يفجأك. وأصله الإفك؛ لأنه قول مأفوك عن وجهه؛ أي: مصروف عن وجهه كما مر في مبحث التفسير. ﴿عُصْبَةٌ﴾: والعصبة وكذا العصابة الجماعة، وكثر إطلاقها على العشرة فما

стр. 8544

فوقها إلى الأربعين. ﴿كِبْرَهُ﴾ بكسر الكاف وضمها وسكون الباء؛ أي: معظمه فقد كان يجمعه ويذيعه ويشيعه. ﴿لَوْلَا﴾ كلمة بمعنى: هلا تفيد التحضيض، والحث على فعل ما بعدها. ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر مكشوف ﴿أَفَضْتُمْ﴾؛ أي: خضتم في حديث الإفك. ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾؛ أي: تتلفونه ويأخذه بعضكم من بعض. يقال: تلقى القول من فلان وتلقنه وتلقفه ولقفه إذا أخذ من لفظه وفهمه. وفي "الإرشاد" التلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة، خلا أن في الأول: معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف والأخذ بسرعة. وفي الثالث: معنى الحذق والمهارة اهـ. "أبو السعود". وفي "الشهاب"، الأفعال المذكورة متقاربة المعاني، إلا أن في التلقي معنى الاستقبال. وفي التلقن الحذق في التناول. وفي التلقن الاحتيال فيه، كما ذكره الراغب. وقوله: معنى الاستقبال، المراد به المقابلة والمواجهة، كما في كتب اللغة. ﴿سُبْحَانَكَ﴾: تعجب ممن تفوه به. ﴿بُهْتَانٌ﴾؛ أي: كذب يبهت سامعه ويحيره لفظاعته. ﴿يَعِظُكُمُ﴾؛ أي: ينصحكم. ﴿تَشِيعَ﴾: تنشر. ﴿خُطُوَاتِ﴾: جمع خطوة بفتح الخاء وضمها وسكون الطاء. وكل ما كان على وزن فعل بكسر الفاء أو فعل بفتح الفاء مع سكون العين فيهما. يجوز فيه إذا أردنا جمعه جمعًا مؤنثًا سالمًا، الإتباع والفتح والتسكين. فنقول في خطوة خطوات بضمتين، وخطوات بضم ففتح. وخطوات بضم فسكون والخطوة بضم الخاء في الأصل هي ما بين القدمين؛ أي: ما بين رجلي الخاطي. وبالفتح المرة الواحدة من الخطو، ثم استعمل اتباع الخطوات في الاقتداء، وإن لم يكن ثمة خطوٌّ. يقال: اتبع خطوات فلان ومشى على عقبه، إذا استن بسنته، والمراد هاهنا، سيرة الشيطان وطريقته. ﴿الْفَحْشَاءِ﴾: الخصلة المفرطة في القبح، وهي الزنا. وفي "الروح"

стр. 8545

والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه عرفًا وعقلًا، سواء كان فعلًا أو قولًا. ﴿وَالْمُنْكَر﴾: ما ينكره الشرع. وقال أبو الليث: المنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وفي "المفردات" المنكر كل شيء تحكم العقول الصحيحة بقبحه أو تتوقف في استقباحه العقول، وتحكم بقبحه الشريعة. ﴿زَكَى﴾: طهر من دنس الذنوب. ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾: ﴿لَا﴾: ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء لأنه معتل بها كما مر يقال: ائتلى يأتلي بوزن انتهى ينتهي من الألية كهدية. ومعناها: الحلف. يقال: ألية وألايا بوزن هدية وهدايا اهـ. شيخنا. وفي "المختار" آلى يؤلي إيلاءً إذا حلف وتألى وائتلى مثله. قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾. والألية: اليمين. وجمعها ألايا اهـ. وعبارة "أبو السعود" ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين وكفى به دليلًا على فضل الصديق، والسعة في المال اهـ. فالفضل الزيادة في الدين، والسعة: الغنى. ﴿وَلْيَعْفُوا﴾ عن ذنبهم. ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾؛ أي: ليعرضوا عن لومهم، فإن العفو أن يتجاوز عن الجاني. والصفح: أن يتناسى جرمه. وقيل: العفو بالفعل، والصفح بالقلب اهـ. زاده. وقال الراغب: الصفح: ترك التثريب، وهو أبلغ من العفو. وقد يعفو الإنسان ولا يصفح. ﴿الْغَافِلَاتِ﴾؛ أي: السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرَزَنَّ الأحوال، فلا يفطنَّ لما تفطن له بالمجرِّبات العرَّافات. قال الشاعر: وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطِفْلَةٍ مَيَّالَةٍ ... بَلْهَاءَ تُطْلِعُنِيْ عَلَى أَسْرَارِهَا لهوت تلاهيت ولعبت بطفلة بالفتح؛ أي: امرأة ناعمة لينة. يقال: امرأة طفلة الأنامل؛ أي: رخصتها لينتها، ميالة مختالة وبلهاء، غافلة لا مكر عندها ولا دهاء، فلذلك تطلعني على ضمائرها. وقال في "التعريفات" الغفلة عن الشيء، هو أن لا يخطر ذلك بباله. اهـ.

стр. 8546

﴿لُعِنُوا﴾؛ أي: طردوا من رحمة الله في الآخرة، وعذبوا في الدنيا بالحد. ﴿يُوَفِّيهِمُ﴾ التوفية بذل الشيء وافيًا. والوافي الذي بلغ التمام. والدين الجزاء، ومنه (كما تدين تدان). ﴿الْحَقَّ﴾ الثابت الذي يحق لهم لا محالة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: وعده ووعيده. ﴿هُوَ الْحَقّ﴾؛ أي: العدل الذي لا جور فيه. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال الراغب: كل شيء يشرف في بابه، فإنه يوصف بالكرم، وقال بعضهم: الرزق الكريم: هو الكفاف الذي لا منّة فيه لأحد في الدنيا, ولا تبعة له في الآخرة. ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾: وقال الراغب: الخبيث ما يكره رداءة وخساسةً محسوسًا كان إو معقولًا. وذلك يتناول الباطل في الاعتماد. والكذب في المقال، والقبيح في الفعال ﴿وَالطَّيِّبَات﴾: وأصل الطيب ما يستلذه الحواس. ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾؛ أي: حتى تستأذنوا إذ بالاستئذان يحصل أنس أهل البيت، وبدونه يستوحشون، يشق عليهم الدخول. ﴿تَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: تتعظون. ﴿أَزْكَى﴾؛ أي: أطهر. ﴿جُنَاحٌ﴾؛ أي: خرج. ﴿مَتَاعٌ﴾؛ أي: حق تمتع ومنفعة، كإيواء الأمتعة والرحال. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الطباق في قوله: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وكذلك قوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. فقد طابق بين الشر والخير، وبين الهين والعظيم. ومنها: الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة، وعن الضمير إلى الظاهر في قوله: ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فإنه كان الأصل ظننتم. وفي قوله: قالوا: فإنه كان الأصل وقلتم. وسياق الكلام أن يقال: لولا إذ سمعتموه ظننتم بأنفسكم خيرًا وقلتم. عدل

стр. 8547

عن مقتضى السياق إلى ما قال مبالغةً في التوبيخ، وإشعارًا بأن الإيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين والكف عن الطعن فيهم، وذب الطاعنين عنهم، كما يذبونهم عن أنفسهم. اهـ. "كرخي". ومنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾؛ أي: هلا جاؤوا، وغرضه التوبيخ واللوم. ومنها: الإبهام في قوله: ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ لتهويل أمره. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ تعريضًا واشعارًا بأن هذه الإفك ليس إلا قولًا يجري على ألسنتكم، ويدور في أفواهكم، من غير ترجمة عن علمٍ به في القلب. ومنها: التعجب في قوله: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ففيه تعجب ممن يقول ذلك والأصل في ذكر هذه الكلمة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أن يسبح الله تعالى، عند رؤية العجيب من صنائعه تنزيهًا له من أن يخرج مثله عن قدرته. ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. ومنها: التقديم والتأخير في قوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ قدم الظرف لفائدة هامة، وهي بيان أنه كان من الواجب أن ينزجروا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به، فلما كان ذكر الوقت أهم وجب التقديم. ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ شبه سلوك طريق الشيطان، والسير في ركابه بمن يتتبع خطوات الآخر. خطوةً خطوةً بطريق الاستعارة التصريحية التبعية. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾؛ أي: أن لا يؤتوا، حذفت منه لدلالة المعنى عليه، وهو كثير في اللغة. ومنها: صيغة التعظيم في قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والمراد به أبو بكر الصديق.

стр. 8548

ومنها: العموم في قوله: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وإن كان الكلام مسوقًا في عائشة، والمقصود بذكرهن على العموم وعيد من وقع في عائشة على أبلغ الوجوه لأنه إذا كان هذا وعيد قاذف آحاد المؤمنات، فما الظن بوعيد من وقع في قذف سيدتهن. ومنها: المجاز العقلي، في شهادة الأيدي والأرجل. ومنها: الجناس الناقص بين ﴿يَعْمَلُونَ﴾ و ﴿تَعْلَمُونَ﴾. ومنها: المقابلة اللطيفة بين ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿تُبْدُونَ﴾ و ﴿تَكْتُمُونَ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 8549

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١) وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤) اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾

стр. 8550

المناسبة قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه (١) الآيات لما قبلها: أن الله لما نهى عن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان والسلام على أهلها منعًا للقيل والقال والاطلاع على عورات الناس وأسرارهم .. أمر رسوله أن يرشد المؤمنين إلى غضّ البصر عن الحارم، لمثل السبب المتقدم، إذ ربما كان ذلك ذريعة إلى وقوع المقاصد وانتهاك الحرمات التي نهى الدين عنها. قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما أمر بغضّ الأبصار، وحفظ الفروج ونحوهما، مما يفضي إلى السفاح .. أعقبه بالأمر بإنكاح الأيامى؛ لأنه الوسيلة لبقاء هذا النوع، وحفظ الإنساب الذي يستدعي مزيد الشفقة على الأولاد، وحسن تربيتهم، ودوام الألفة بينهم. ثم ذكر حكم من يعجز عن ذلك لعدم وجود المال لديه. ثم رغب في مكاتبة الأرقاء، ليصيروا أحرارًا في أنفسهم وفي أموالهم يتزوجون كما يشاؤون. وبعدئذ أردف ذلك بالنهي عن إكراه الإماء على الفجور - إن أردن العفة - ابتغاء ظل زائل من عرض الدنيا. ثم ختم هذا، ببيان أنه أنزل عليكم في هذه السورة وفي غيرها، آيات مبينات لكل ما أنتم في حاجة إلى بيانه من أحكام وآداب وحدود زاجرة وعقوبات رادعة وقصص عجيبة من الماضين وأمثال مضروبة، لتكون عبرة وذكرى لكم. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) لما ذكر أنه أنزل في هذه السورة آيات مبينات لكل ما يحتاج إليه الناس، في صلاح أحوالهم في معاشهم ومعادهم من الشرائع والأحكام والآداب والأخلاق .. بين أنه نور السماوات والأرض بما بث فيهما من الآيات الكونية، والآيات التي أنزلها على رسله دالة على وجوده ووحدانيته،

стр. 8551

وسائر صفاته من قدرة وعلم، إلى نحو أولئك، هادية إلى صلاح أمورهم في الدنيا والآخرة. قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر نوره لعباده، وهدايته إياهم على أتم الوجوه .. بين هنا حال من حصلت لهم الهداية بذلك النور، وذكر بعض أعمالهم القلبية والحسية. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ ...﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أن الله سبحانه لما بين أحوال المؤمنين، وأنهم في الدنيا يكونون في نور الله، وبه يستمسكون بالعمل الصالح، وفي الآخرة يفوزون بالنعيم المقيم والثواب العظيم .. أردف ذلك ببيان حال أضدادهم وهم الكفار، فذكر أنهم يكونون في الآخرة في أشد الخسران والبوار، وفي الدنيا في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض. وضرب لكلتا الحالتين مثلًا يوضحها أتم الإيضاح والبيان. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما (١) أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: بلغنا أن جابر بن عبد الله: حدث أن أسماء بنت مرثد كانت في نخل لها، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات، فيبدو ما في أرجلهن، يعني الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن. فقالت أسماء: ما أقبح هذا. فأنزل في ذلك ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت صرتين من فضة، واتخذت جزعًا، فمرت على قوم، فضربت برجلها، فوقع الخلخال على الجزع، فصوت، فأنزل الله ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ...﴾ الآية.

стр. 8552

قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن السكن في "معرفة الصحابة"، عن عبد الله بن صبيح عن أبيه، قال: كنت مملوكًا لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتاب، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه مسلم، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب جميعًا عن أبي معاوية واللفظ لأبي كريب حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية: له اذهبي فابغينا شيئًا. فأنزل الله : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وأخرج مسلم أيضًا من طريق آخر تنتمي إلى الأعمش عن أبي سفيان بهذا الحديث. وفيه أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة فكان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية. وأخرج الحاكم من طريق أبي الزبير، عن جابر قال: كانت مسيكة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء، فنزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ...﴾ الآية. وأخرج البزار والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كانت لعبد الله بن أبي جارية تزني في الجاهلية، فلما حرم الزنا، قالت: لا والله، لا أزني أبدًا، فنزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾. التفسير وأوجه القراءة ٣٠ - ولما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج فيه غضّ البصر من المستأذن. كما قال ﷺ : "إنما جعل الإذن من أجل

стр. 8553

البصر". فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وخص (١) على غيرهم لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق من غيرهم بها، وأولى بذلك ممن سواهم. وقيل: إن في الآية دليلًا على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم ومقول القول أمر قد حذف لدلالة جوابه عليه، تقديره: قل لهم: غضوا. ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾؛ أي: يكفوا أبصارهم عن الحرام. والغض (٢) إطباق الجفن، بحيث يمنع الرؤية. ومنه قول جرير: وَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ ... فَلاَ كَعْبًا بَلَغْتَ وَلاَ كِلاَبَا وقول عنترة: وَأَغُضُّ طَرْفِيْ مَا بَدَتْ لِيْ جَارَتِيْ ... حَتَّى تُوَارِيْ جَارَتِيْ مَأْوَاهَا و (من) في قوله: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ زائدة، أو تبعيضية. وإليه ذهب الأكثرون؛ لأن الغالب أن الاحتراز عن النظرة الأولى لا يمكن؛ لأنها تقع بغير قصد، فوقع العفو عنها. سواء قصدها، أو لم يقصدها , ولا يجوز أن يكرر النظر إلى الأجنبية. لقوله ﷺ : "يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة". وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه. ومعنى ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾: أنه يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم. وقيل: المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها, ولا مانع من إرادة المعنيين فالكل يدخل تحت حفظ الفرج. والفرج الشق بين الشيئين، كفرجة الحائط. والفرج ما بين الرجلين، وكنى به عن السوءة، وكثر حتى صار كالصريح فيه. وأتى بمن التبعيضية (٣) في جانب الأبصار دون الفروج، مع أن المأمور به حفظ كل واحد منهما عن بعض ما تعلقا به. فإن المستثنى من البصر كثير، فإن الرجل يحل له النظر إلى جميع أعضاء أزواجه، وأعضاء ما ملكت يمينه. وكذا لا

стр. 8554

بأس عليه في النظر إلى شعور محارمه, وصدورهن، وأيديهن، وأعضائهن، وسوقهن وأرجلهن وكذا لا بأس عليه في النظر من أمة الغير حال عرضها للبيع، ومن الحرة الأجنبية إلى وجهها وكفيها وقدميها. في رواية القدم بخلاف المستثنى من الفرج فإنه شيء نادر قليل، وهو فرج زوجته وأمته. فلذلك أطلق لفظ الفرج، ولم يقيد بما استثنى منه لقلته، وقيد غضّ البصر بحرف التبعيض. والمعنى (١): ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾؛ أي: قل أيها الرسول للمؤمنين، كفوا أبصاركم عما حرم الله عليكم، ولا تنظروا إلا إلى ما يباح لكم النظر إليه، فإن وقع البصر على محرم من غير قصد، فليصرفوا أبصارهم عنه سريعًا. كما رواه مسلم عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري. وروى أبو داود أن النبي ﷺ قال لعلي: "يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة". كما مر. وفي "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول ﷺ : "إياكم والجلوس على الطرقات". قالوا: يا رسول الله، لا بدّ لنا من مجالسنا نتحدث فيها. فقال ﷺ : "إن أبيتم فاعطوا الطريق حقه". قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: "غضّ البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر". والحكمة في ذلك (٢): أن في غض البصر سدًا لباب الشر، ومنعًا لارتكاب المآثم والذنوب. ولله در أحمد شوقي حيث يقول: نَظْرَةٌ فَابْتِسَامَة فَسَلاَمُ ... فَكَلاَمٌ فَمَوْعِدٌ فَلِقَاءُ ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ بمنعها من عمل الفاحشة، أو بحفظها من أن أحدًا ينظر إليها. وقد جاء في الحديث: "احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك".

стр. 8555

﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من غض البصر وحفظ الفروج. ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾؛ أي: أطهر لهم من دنس الريبة، وأنفع لهم دينًا ودنيا. فقد قالوا: النظر بريد الزنا ورائد الفجور. ولله در شاعرهم: كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ كَمْ نَظْرَةٍ فَعَلَتْ فِيْ قَلْبِ فَاعِلِهَا ... فِعْلَ السِّهَامِ بِلاَ قَوْسٍ وَلاَ وَتَرِ وَالْمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا ... فِيْ أعْيُنِ الْعِيْنِ مَوْقُوْفٌ عَلَى الْخَطَرِ يَسُرُّ نَاظِرَهُ مَا ضَرَّ خَاطِرَهُ ... لاَ مَرْحَبًا بِسُرُوْرٍ عَادَ بِالضَّرَرِ ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: عليم ﴿بِمَا يَصْنَعُونَ﴾؛ أي: بما يصنع المؤمنون وغيرهم من سائر العباد، فلا يخفى عليه شيء مما يصدر منهم من الأفعال. كإجالة النظر، واستعمال سائر الحواس، وماذا يراد بذلك فليكونوا على حذر منه تعالى في حركة وسكون، وفي كل ما يأتون وما يذرون. روي (١) عن عيسى بن مريم ﵇، أنه قال: إياكم والنظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة، وفي الأثر "يا ابن آدم لك النظرة الأولى، فما بال الثانية". وفي الحديث: "اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، أصدقوا إذا حدثتم، أوفوا إذا وعدتم، وأدوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم". ٣١ - وبعد أن أمر سبحانه رسوله بأمر المؤمنين بغضّ أبصارهم .. أمره بأن يأمر المؤمنات بذلك فقال: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه، من عورات الرجال والنساء (ما بين السرة والركبة) عند أبي حنيفة وأحمد. وعند مالك ما عدا الوجه والأطراف. والأصح من مذهب الشافعي أنها لا تنظر إليه كما لا ينظر هو إليها. وإذا نظرت إلى ما عدا ذلك، أعني ما بين السرة والركبة بشهوة حرم، وبدونها لا يحرم، ولكن غض البصر عن الأجانب أولى بهن وأجمل، لما روى أبو داود والترمذي عن أم سلمة

стр. 8556

أنها كانت عند رسول الله ﷺ ، وميمونة، إذا أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه بعد ما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله ﷺ : "احتجبا منه". فقلت: يا رسول الله أليس هو لا يبصرنا , ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "أو عمياوان أنتما، أو لستما تبصرانه". والحاصل (١): أن الله سبحانه أمر المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار، فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا للمرأة أن تنظر إلى الرجل، فإن علاقتها به كعلاقته بها، وقصدها منه كقصده منها. وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس إبليس على رأسها، فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس على عجيزتها فزينها لمن ينظر. اهـ. "قرطبي". وخص (٢) سبحانه الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليبًا، كما في سائر الخطابات القرآنية. وظهر التضعيف في يغضضن، ولم يظهر في يغضوا؛ لأن لام الفعل من الأول متحركة، ومن الثاني ساكنةً. وهما في موضع جزم جوابًا للأمر. وبدأ سبحانه في الموضعين بالغضّ قبل حفظ الفرج؛ لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج. والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه. ومعنى يغضضن من أبصارهن كمعنى يغضوا من أبصارهم، فيستدل به على تحريم نظر النساء إلى ما يحرم عليهن. وكذلك يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدم في حفظ الرجال لفروجهم، وقد اشتملت هذه الآية على خمسة وعشرين ضميرًا للإناث، ما بين مرفوع ومجرور، ولم يوجد لها نظير في القرآن في هذا الشأن. اهـ. "كرخي". ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق، ويسترنها حتى لا يراها أحد، ولا خلاف (٣) بين الأئمة في وجوب ستر العورة عن أعين الناس. واختلفوا كما سبق في العورة ما هي. فقال أبو حنيفة: عورة الرجل ما تحت

стр. 8557

سرته إلى تحت ركبته، والركبة عورة. وفي "نصاب الاحتساب" من لم يستر الركبة ينكر عليه برفق؛ لأن في كونها عورةً اختلافًا مشهورًا. ومن لم يستر الفخد يعنف عليه ولا يضرب؛ لأن في كونا عورة خلاف بعض أهل الحديث. ومن لم يستر السوءة يؤدب إذ لا خلاف في كونها عورة انتهى. ومثل الرجل الأمة، وبالأولى بطنها وظهرها؛ لأنه موضع مشتهى. والمكاتبة وأم الولد والمدبرة كالأمة. وجميع الحرة عورة إلا وجهها وكفيها. والصحيح عنده أن قدميها عورة خارج الصلاة، لا في الصلاة. وقال مالك: عورة الرجل فرجاه وفخذاه. والأمة مثله. وكذا المدبرة والمعتقة إلى أجل، والحرة كلها عورة: إلا وجهها ويديها، ويستحب عنده لأم الولد أن تستر من جسدها ما يجب على الحرة ستره. والمكاتبة مثلها. وقال الشافعي وأحمد: عورة الرجل ما بين السرة والركبة، وليست الركبة من العورة، وكذا الأمة والمكاتبة وأم الولد والمدبرة والمعتق بعضها. والحرة كلها عورة سوى الوجه والكفين عند الشافعي، وعند أحمد سوى الوجه فقط على الصحيح. وأما سرة الرجل فليست من العورة بالاتفاق، كما في "فتح الرحمن". ﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾؛ أي: ولا يظهرن ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ للأجانب؛ أي: ما يتزين به من الحلية وغيرها. وهي ثلاثة أمور (١): أحدها: الثياب، وثانيها: الحلي كالخاتم والسوار. وثالثها: الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها، والغمزة في خديها، والحناء في كفيها وقديها، وفي النهي عن إبداء الزينة نهيٌ عن إبداء مواضعها من أبدانهن بالأولى. ثم استثنى سبحانه من هذا النهي فقال: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كالجلباب والخمار ونحوهما مما على الكف والقدمين من الحلية ونحوها. المراد بالزينة هنا محلها من البدن، وهو الوجه والكفان، كذلك يراد بها

стр. 8558

البدن في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلخ. وأما في قوله: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فالمراد ما يتزين. ذكره "الجمل". قال القرطبي في "تفسيره" الزينة (١) على قسمين، خلقية ومكتسبة. فالخلقية وجهها، فإنه أصل الزينة، والزينة المكتسبة ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها، كالثياب والحلي والكحل والخضاب. ومنه قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾. وقول الشاعر: يَأْخُذْنَ زينَتَهُنَّ أَحْسَنَ مَا تَرَى ... وَإِذَا عَطَلْتَ فَهُنَّ خَيْرُ عَوَاطِلِ قال ابن الشيخ (٢): الزينة ما تزينت به المرأة، من حلي أو كحل، أو ثوب أو صبغ، فما كان منها ظاهرًا كالخاتم والفتخة، وهي ما لا فص فيه من الخاتم، والكحل والصبغ فلا بأس بإبدائه للأجانب بشرط الأمن من الشهوة. وما خفي منها كالسوار والدملج، وهي حلقة تحملها المرأة على عضدها، والوشاح والقرط فلا يحل لها إبداؤها إلا للمذكورات فيما بعد بقوله: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ ... الآية. والخلاصة: أي (٣) ولا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه مما جرت العادة بظهوره كالخاتم والكحل فلا يؤاخذن إلا في إبداء ما خفي منها كالسوار والخلخال والدملج والقلادة؛ لأن هذه الزينة واقعة في مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها إلا لمن استثنى في الآية بعد. وهي: الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن. ولما نهى عن إبداء الزينة أشد إلى إخفاء بعض مواضعها، فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ﴾؛ أي: وليلقين ويضعن خمرهن ﴿عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾ ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن عن الأجانب، حتى لا يرى منها شيء. والمراد بالجيب هنا محله وهو العنق، وإلا فهو في الأصل طوق القيص. كما سيأتي.

стр. 8559

قال المفسرون: إن (١) نساء الجاهلية، كن يسدلن خمرهن من خلفهن، وكانت جيوبهن من قدام واسعة، فكانت تنكشف نحورهن وقلائدهن فنهين عن ذلك، وأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب، لتستر بذلك ما كان يبدو. قالت عائشة ﵂: رحم الله النساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها. وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق. والخمر جمع خمار، وهو ما تغطي به المرأة رأسها. والجيوب: جمع جيب، وهو موضع القطع من الدرع والقميص، مأخوذ من الجوب وهو القطع، وهذا هو معناه الحقيقي، الذي فسر به الجمهور. وقال مقاتل: إن معنى على جيوبهن: على صدورهن، فيكون في الآية مضاف محذوف؛ أي: على مواضع جيوبهن. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ بإسكان اللام التي للأمر. وقرأ عياش عن أبي عمرو: بكسرها على الأصل؛ لأن أصل لام الأمر الكسر، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس. وقرأ الجمهور: ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ بتحريك الميم، وقرأ طلحة بن مصرف: بسكونها. وقرأ الجمهور: ﴿جُيُوبِهِنَّ﴾ بضم الجيم. وقرأ ابن كثير وبعض الكوفيين: بكسرها. وكثير من متقدمي النحويين لا يجوَّزون هذه القراءة. وقال الزجاج: يجوز أن يبدل من الضمة كسرة. فأما ما روي عن حمزة من الجميع بين الضم والكسر فمحال، لا يقدر أحد أن ينطق به إلا على الإيماء. ثم كرر سبحانه النهي عن إبداء الزينة لأجل ما سيذكره من الاستثناء، فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾؛ أي: ولا يظهرن زينتهن الخفية المنهية عن إبدائها للأجانب، كالسوار والدملج والوشاح والقرط ونحوها، فضلًا عن إبداء مواقعها. كرره لبيان من يحل له الإبداء، ومن لا يحل له. وفي "الخطيب": ولا يبدين زينتهن؛ أي: الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب. وهي ما عدا الوجه والكفين. اهـ.

стр. 8560

وقال أبو الليث (١): لا يظهرن مواضع زينتهن، وهو الصدر والساق والساعد والرأس؛ لأن الصدر موضع الوشاح، والساق موضع الخلخال، والساعد موضع السوار، والرأس موضع الإكليل، فقد ذكر الزينة وأراد بها موضع الزينة، انتهى. ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾؛ أي: إلا لأزواجهن وسادتهن، فإن البعل هو الزوج والسيد في كلام العرب. وجملة المستثنيات اثنا عشر نوعًا، آخرها أو الطفِل. اهـ. "شيخنا". وقدم البعولة على غيرهم؛ لأنهم المقصود خصوصًا، إذا كان النظر لتقوية الشهوة، إلا أنه يكره له النظر إلى الفرج بالاتفاق، حتى إلى فرج نفسه؛ لأنه يروى أنه يورث الطمس والعمى. وفي كلام عائشة ﵂ ما رأى منى، ولا رأيت منه؛ أي: العورة. قال في "النصاب": إن الزينة الباطنة يجوز إبداؤها لزوجها وذلك لاستدعائه ورغبته فيها. ولذلك لعن رسول الله ﷺ السلقاء والمرهاء. فالسلقاء: التي لا تختضب. والمرهاء: التي لا تكتحل. ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ وإن عَلَوْا سواء كانوا من جهة الذكران أو الإناث. ﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾، وإن عَلوا، سواء كانوا من النسب أو الرضاع. ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ وإن سفلوا من النسب أو الرضاع. ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ من غيرهن، وإن سفلوا. ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ من النسب أو الرضاعِ. جمع أخ، كالإخوة. فهو جمع له أيضًا. ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾ كذلك ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنّ﴾ كذلك. والمراد (٢) بأبناء بعولتهن: ذكور أولاد الزوج، ويدخل في قوله: ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنَّ﴾ أولاد الأولاد، وإن سفلوا. وأولاد بناتهن، وإن سفلوا. وكذا آباء البعولة يدخل فيه آباء الآباء، وآباء الأمهات، وإن علوا. وكذلك أبناء البعولة، وإن سفلوا وكذلك أبناء الإخوة والأخوات.

стр. 8561

وذهب الجمهور: إلى أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم. وعدم ذكر الأعمام والأخوال لما أن الأحوط أن يستترن منهم حذرًا من أن يصفوهن لأبنائهم. والمعنى: إن سائر القرابات تشترك مع الأب والابن في المحرمية، إلا ابن العم والخال. وهذا من الدلالات البليغة في وجوب الاحتياط عليهن في النسب. اهـ. "كرخي". وليس في الآية ذكر الرضاع وهو كالنسب. وقال الشعبي وعكرمة: ليس العم والخال من المحارم. والمعنى: أي (١) قل يا محمد للمؤمنات لا يظهرن هذه الزينة الخفية إلا لأزواجهن فإنهم المقصودون بزينتهن، والمأمورات نساؤهم بصنعها لهم، حتى إن لهم ضَرْبَهُنَّ على تركها, ولهم النظر إلى جميع بدنهن. أو لآباء النساء، أو لآباء الأزواج، أو لأبنائهن أو لأبناء أزواجهن، أو لإخوانهن، أو لأبناء الإخوة، أو لأبناء الأخوات؛ لكثرة المخالطة بينهم وبينهن، وقلة توقع الفتنة من قبلهم، ولأن الطباع السليمة تأبى أن تفتتن بالقريبات إلا أنهن محتاجات إلى صحبتهم في الأصفار للركوب أو النزول. ﴿أَوْ﴾ إلا لـ ﴿نِسَائِهِنَّ﴾؛ أي: نساء (٢) أهل دينهن المختصات بهن بالصحبة والخدمة، من حرائر المؤمنات. فإن الكوافر لا يتأثمن عن وصفهن للرجال، فيكون تصور الأجانب إياها بمنزلة نظرهم إليها. فإن وصف مواقع زينة المؤمنات للرجال الأجانب معدود من جملة الآثام عند المؤمنات. فالمراد بنسائهن نساء أهل دينهن. وهذا قولُ أكثر السلف، فإنهم جعلوا المرأة اليهودية والنصرانية والمجوسية والوثنية في حكم الرجل الأجنبي، فمنعوا المسلمة من كشف بدنها عندهن؛ إلا أن تكون أمةً لها. كما منعوها من التجرد عند الأجانب. والظاهر أن العلة شيئان: عدم المجانسة دينًا، فإن الإيمان والكفر فرق بينهما. وعدم الأمن من الوصف المذكور. وإضافة النساء إليهن تدل على

стр. 8562

اختصاص ذلك بالمؤمنات. وقال الإِمام: قول السلف محمول على الاستحباب. والمذهب أن امراد بقوله: أو نسائهن، جميع النساء. ﴿أَوْ﴾ إلا لـ ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الإماء، أما العبيد (١) فقد اختلفوا فيهم، فقال قوم: عبد المرأة محرم لها. فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفًا، وله أن ينظر إلى مولاته إلا ما بين السرة والركبة كالمحارم. وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة. وقد روي أنَّ عائشة كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها. وقال قوم: هو كالأجنبي معها. وهو رأي ابن مسعود والحسن وابن سيرين. ومن ثم قالوا: لا ينظر العبد إلى شعر مولاته، فهو بمنزلة الأجنبي منها، خصيًا كان أو فحلًا. وهو قول أبي حنيفة. وعليه عامة العلماء، فلا يجوز لها الحج ولا السفر معه وإن جاز رؤيته إياها إذا وجد الأمن من الشهوة. وقال ابن الشيخ (٢): فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص الإماء بالذكر بعد قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾؟ فالجواب - والله أعلم - أنه تعالى لما قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ دل ذلك على أن المرأة لا يحل لها أن تبدي زينتها للكافرات، سواء كن حرائر أو إماءً لغيرها أو لنفسها، فلما قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ مطلقًا؛ أي: مؤمنات كن أو مشركات، علم أنه يحل للأمة أن تنظر إلى زينة سيدتها مسلمةً كانت الأمة أو كافرة، لما في كشف مواضع الزينة الباطنة لأمتها الكافرة في أحوال استخدامها إياها من الضرورة التي لا تخفى. ففارقت الحرة الكافرة بذلك. ﴿أَوِ﴾ إلا لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾ الذين يتبعون القوم إلى بيوتهم، ليصيبوا من فضل طعامهم لا غرض ولا همة لهم إلا ذلك. ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ والحاجة إلى النساء حالة كونهم ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ الذين طعنوا في السن، ففنيت شهواتهم إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم. وقيل (٣): المراد بغير أولي الإربة من الرجال الحمقى الذين لا حاجة لهم في النساء. وقيل: العنين. وقيل: الخصي - من قطع خصيتاه -،

стр. 8563

وقيل: المجبوب - من قطع ذكره -. وقيل: المخنث، وهو الذي في أعضائه لين، وفي لسانه تكسر في أصل الخلقة، فلا يشتهي النساء، ولا حاجة لهذا التخصيص، بل المراد بالآية ظاهرها، وهم من يتبع أهل البيت، ولا حاجة له في النساء ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال. فيدخل من هؤلاء من هو بهذه الصفة ويخرج من عداه. قال ابن عطية: ويدخل في هذه الصفة المجنون والمعتوه والمخنث والشيخ الفاني والزَّمِن الموقوذ بزمانته. وقال بعضهم (١): قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ محكم. وقوله: و ﴿التَّابِعِينَ﴾ مجمل. والعمل بالمحكم أولى، فلا رخصة للمذكورين من الخصي ونحوه في النظر إلى محاسن النساء، وإن لم يكن هناك احتمال الفتنة. وفي "الكشاف": لا يحل إمساك الخصيان واستخدامهم وبيعهم وشرائهم، ولم ينقل عن أحد من السلف إمساكهم. انتهى. وعن ميسون بنت بحدل زوجة معاوية، أن معاوية دخل عليها ومعه خصي، فتقنعت منه، فقال: هو خصي، فقالت: يا معاوية، أترى المثلة تحلل ما حرم الله من النظر؟ فتعجب من فطنتها وفهمها. ذكره في "كتاب النصاب". وفي "البستان" أنه لا يجوز خصاء بني آدم؛ لأنه لا منفعة فيه؛ لأنه لا يجوز للخصي أن ينظر إلى النساء، كما لا يجوز للفحل. بخلاف خصاء سائر الحيوانات، ألا ترى أن خصي الغنم أطيب لحمًا، وأكثر شحمًا. وقس عليه غيره. وروى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل رسول الله ﷺ يومًا وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأةً - بنت غيلان -، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي ﷺ : "ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا،

стр. 8564

لا يدخل عليكن فاحجبوه". زاد أبو داود في رواية: "وأخرجوه إلى البيداء، يدخل كل جمعة فيستطعم". وقرأ ابن عامر وأبو بكر (١): ﴿غَيْرِ﴾ بالنصب على الحال أو الاستثناء. وباقي السبعة بالجر على النعت. وعطف قوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ على من الرجال، فقسم التابعين غير أولي الإربة إلى قسمين: رجال، وأطفال. والمفرد المحكي بأل يكون للجنس فيعم. ولذلك وصفه بالجمع في قوله: ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ ولم يطلعوا ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ ولم يكشفوها للمجامعة؛ أي: حال كون غير أولي الإربة من الرجال البالغين، أو من الأطفال الذين لم يبلغوا سن الشهوة والقدرة على ملامسة النساء وفي مصحف أبيّ ﴿الأطفال﴾؛ أي (٢): الذين لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع، فيطلعوا عليها. وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر. وقيل: لم يطيقوا أمر النساء. وقيل: لم يبلغوا حد الشهوة. وقيل: الطفولية اسم للصبي ما لم يحتلم. وفي "الروضة": وجعل الإِمام أمر الصبي ثلاثة درجات (٣): إحداها: أن لا يبلغ أن يحكي ما رأى. والثانية: أن يبلغه ولا يكون فيه ثوران شهوة. والثالثة: أن يكون فيه ذلك. فالأول: حضوره كغيبته، ويجوز التكشف له من كل وجه. والثاني: كالمحرم. والثالث: كالبالغ. واعلم أن الصبي لا تكليف عليه، وإذا جعلناه كالبالغ، فمعناه: أنه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كما أنه يلزمها الاحتجاب من المجنون قطعًا. قلت: وإذا جعلنا الصبي كالبالغ لزم الولي أن يمنعه النظر، كما يلزمه أن يمنعه من الزنا وسائر المحرمات. والله أعلم. اهـ.

стр. 8565

وقال الفناري في تفسير الفاتحة: حد الطفل من أول ما يولد إلى أن يستهل صارخًا إلى انقضاء ستة أعوام. وقال في "فتح القريب": العورة كل ما يستحى منه إذا ظهر. وسيأتي البسط عنه في مبحث المفردات. وقال بعضهم (١): يفهم من عبارة الطفل، أن التقوى منع الصبيان حضرة النساء بعد سبع سنين، فإن ابن السبع، وإن لم يكن في حد الشهوة، لكنه في حد التمييز، مع أن بعض من لم يبلغ حدّ الحلم مشتهًى، فلا خير في مخالطة النساء. وفي "ملتقط الناصري" الغلام إذا بلغ مبلغ الرجال، ولم يكن صبيحًا فحكمه حكم الرجال. وإن كان صبيحًا فحكمه حكم النساء، وهو عورة من قرنه إلى قدمه، يعني لا يحل النظر إليه عن شهوة، فأما السلام والنظر بلا شهوة فلا بأس به. ولهذا لم يؤمر بالنقاب، ويكره مجالسة الأحداث والصبيان والسفهاء؛ لأنه يذهب بالمهابة. كما في "البستان". قال في "أنوار المشارق": يحرم على الرجل النظر إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة، سواء نظر بشهوة أم لا. وسواء أمن الفتنة أم خافها. ويجب على من في الحمام أن يصون نظره ويده وغيرهما عن عورة غيره. وأن يصون عورته عن نظر غيره. ويجب الإنكار على كاشف العورة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿عَوْرَاتِ﴾ بسكون الواو. وهي لغة أكثر العرب. لا يحركون الواو والياء في نحو هذا الجمع. وروي عن ابن عباس تحريك واو عورات بالفتح. والمشهور في كتب النحو أن تحريك الواو والياء في مثل هذا الجمع هو لغة هذيل بن مدركة. ثم نهى عن إظهار وسوسة العلي بعد النهي عن إبداء مواضعه، فقال: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ﴾ الأرض ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ﴾؛ أي: ما يخفينه من الرؤية. ﴿مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾؛ أي: خلاخلهن؛ أي (٣): لا يضربن النساء المؤمنات بأرجلن الأرض،

стр. 8566

ليتقعقع ويصوت خلخالهن. فيعلم أنهن ذوات خلخال. فإن ذلك مما يورث الرجال ميلًا إليهن، ويوهم أن لهن ميلًا إليهم. وإذا كان إسماع صوت خلخالها للأجانب حرامًا .. كان رفع صوتها بحيث يسمع الأجانب كلامها حرامًا بطريق الأولى؛ لأن صوت نفسها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها. ولذلك كرهوا أذان النساء؛ لأنه يُحتاج فيه إلى وقع الصوت. وفي "الشهاب": وهذا سد لباب المحرمات، وتعليم للأحوط، وإلا فصوت النساء ليس بعورة عند الشافعي، فضلًا عن صوت خلخالهن. اهـ. وفي "القرطبي": من فعل ذلك منهن فرحًا بحليهن فهو مكروه، ومن فعل ذلك منهن تبرجًا وتعرضًا للرجال فهو حرام مذموم. وكذلك من ضرب بنعله الأرض من الرجال، إن فعل ذلك عجبًا حرم، فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجًا لم يحرم. اهـ. وللنساء أفانين في هذا الباب (١)، فقد يجعلن الخرز ونحوه في جوف الخلخال، فإذا مشين ولو هونًا كان له رنين وصوت خاص، ومن الناس من تهيجه وسوسة الحلي أكثر مما يهيجه رؤيته. ﴿وَتُوبُوا﴾ وارجعوا من عمل المعاصي ﴿إِلَى﴾ طاعة ﴿اللَّهِ﴾ حالة كونكم ﴿جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين عليها ﴿أيها المؤمنون﴾ بالله ورسوله، إذ لا يكاد يخلو أحدكم من تفريط في أمره ونهيه، سيما في الكف عن الشهوات. و ﴿أيها المؤمنون﴾ تأكيد للإيجاب وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للامتثال حتمًا. وفي هذه الآية دليل على أن الذنب لا يخرج العبد عن الإيمان؛ لأنه تعالى قال: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بعدما أمر بالتوبة التي تتعلق بالذنب. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: تفوزون بسعادة الدارين. وصَّى الله سبحانه جميع المؤمنين بالتوبة والاستغفار؛ لأن العبد الضعيف لا ينفك عن تقصير يقع منه وإن اجتهد في رعاية تكاليف الله تعالى.

стр. 8567

والمعنى: أي ارجعوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، من غض البصر وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم بلا استئذان ولا تسليم، تفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة. وأخرج أحمد والبخاري والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه كل يوم مئة مرة". ومن شرط التوبة (١): الإقلاع عن الذنب، والندم على ما مضى، والعزم على أن لا يعود إليه. ورد الحقوق إلى أهلها. لا كما يظن الناس الآن، أنها كلمة تلاك باللسان، دون أن يكون لها أثر في القلب ولا عزم على عدم العود، حتى إن كثيرًا ممن يزعمون أنهم تابوا من الذنب يحكون ما فعلوه من الآثام على وجه الفخر والاستلذاذ بذكره، وهذا دليل على أنهم كاذبون في توبتهم، مراؤون في أفعالهم. والجمهور (٢) على فتح الهاء، وإثبات ألفٍ بعد الهاء في ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وهي ها، التي للتنبيه. وقرأ ابن عامر: ﴿أيه المؤمنون﴾ هنا، و ﴿يا أيه الساحر﴾ في الزخرف. و ﴿أيه الثقلان﴾ في الرحمن بضم الهاء وصلًا، وإذا وقف سكن. ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين استثقلت الفتحة على الهاء، فاتبعت حركتها حركة ما قبلها، فضمت الهاء إتباعًا للرسم، وضم ها، التي للتنبيه بعد أي لغة لبني مالك وهي شقيق ابن سلمة وقد رسمت هذه المواضع الثلاثة دون ألف، فوقف أبو عمرو والكسائي بألف. والباقون بدونها اتباعًا للرسم، ولموافقة الخط للفظ. وثبتت في غير هذه المواضع، حملًا لها على الأصل نحو ﴿يا أيها الناس﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. وبالجملة فالرسم سنة متبعة. اهـ. "سمين". وقال بعضهم: إن الله (٣) طالب المؤمنين جميعًا في هذه

стр. 8568

الآية بالتوبة. ومن آمن بالله وترك الشرك .. فقد تاب، وصحت توبته ورجوعه إلى الله، وإن خطر عليه خاطر، أو جرى عليه معصية في حين التوبة، فإن المؤمن إذا جرى عليه معصية .. ضاق صدره واهتم قلبه، وندم روحه ورجع سره. اهـ. ٣٢ - ولما أمر سبحانه بغض الأبصار، وحفظ الفروج .. أرشد بعد ذلك إلى ما يحل للعباد من النكاح الذي يكون به قضاء الشهوة، وسكون دواعي الزنا، ويسهل بعده غض البصر عن المحرمات، وحفظ الفرج عما لا يحل. فقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ جمع أيم (١). والأيم: من لا زوج له من الرجال والنساء، بكرًا كان أو صبيًا. وقال أبو عمرو والكسائي: اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل، هي المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أو ثيبًا. قال أبو عبيد: يقال: رجل أيم، وامرأة أيم. وأكثر ما يكون من النساء. وهو كالمستعار في الرجال. ومنه قول أمية بن أبي الصلت: لِلَّهِ دَرُّ بَنِيْ عَلِيّ ... أَيِّمٌ مِنْهُمْ وَنَاكِحْ والخطاب في الآية للأولياء. وقيل: للأزواج. والأول: أرجح. وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها. وقد خالف في ذلك أبو حنيفة. والمعنى: زوجوا أيها الأولياء من لا زوج له من أحرار قومكم وحرائر عشيرتكم، فإن النكاح سبب لبقاء النوع، وحافظ من السفاح. والمراد بذلك مديد المساعدة بكل الوسائل حتى يتسنى لهم ذلك كإمدادهم بالمال، وتسهيل الوسائل التي بها يتم ذلك الزواج والمصاهرة. واختلف أهل العلم في النكاح (٢)، هل ومباح، أو مستحب، أو واجب. فذهب إلى الأول الشافعي وغيره. إلى الثاني مالك وأبو حنيفة، إلى الثالث بعض أهل العلم على تفصيل لهم في ذلك، فقالوا: إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية .. وجب عليه، إلا فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع تلك الخشية.

стр. 8569

وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة؛ لقوله ﷺ في الحديث الصحيح - بعد ترغيبه في النكاح -: "ومن رغب عن سنتي فليس مني"، ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه. والمراد بالأيامى هنا الأحرار والحرائر. وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾؛ أي: وزوجوا أيها السادات الصالحين؛ أي: المؤمنين من عبادكم وإمائكم لحصن دينهم. وهم الذين تنزلونهم منزلة الأولاد في المودة، في بذل المال والمنافع. وقال في "الوسيط": معنى الصلاح هاهنا: الإيمان. وتقييد (١) الأرقاء بالصالحين دون الأحرار فلأن من لا صلاح له من الأرقاء بمعزل من أن يكون خليقًا بأن يعتني مولاه بشأنه ويشفق عليه ويتكلف في نظم مصالحه بما لا بدّ منه شرعًا وعادةَ من بذل المال والمنافع، بل حقه أن لا يستبقيه عنده. وأما عدم اعتبار الصلاح في الأحرار والحرائر، فإن الغالب فيهم الصلاح، بخلاف المماليك؛ ولأنهم مستقلون في التصرفات المتعلقة بأنفسهم وأموالهم. وقيل المعنى: وزوجوا أيها السادات الصالحين والصالحات من عبادكم وإمائكم؛ أي (٢): القادرين والقادرات على النكاح، والقيام بحقوق الزوجية، بأن يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج. أو المراد بالصلاح أن لا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح. والخلاصة: أن في الآية أمرًا للأولياء بتزويج من لهم عليهم حق الولاية، وللسادة بتزويج العبيد والإماء. والجمهور قد حملوا الأمر على الاستحسان، لا على الوجوب؛ لأنه قد كان في عصر النبي ﷺ ، وفي سائر العصور بعده أيامى من الرجال والنساء، ولم ينكر ذلك أحد عليهم. والظاهر أن الأمر يكون للوجوب إذا خيفت الفتنة، وغلب على الظن حصول السفاح من الرجل أو المرأة.

стр. 8570

وفي الآية دليل على أن المملوك لا يزج نفسه، إنما يزوجه مالكه. وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن لكره عبده وأمته على النكاح. وقال مالك: لا يجوز. وقرأ مجاهد والحسن: ﴿من عبيد﴾، بالياء مكان الألف وفتح العين. ذكره في "البحر". فإن قلت (١): قد أطلق سبحانه في هذه الآية الكريمة العبد والأمة على الغلام والجارية. وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح كما رواه مسلم: "لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، كلُّ النساء إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي". قلت: إن ذلك إنما يكره إذا قاله على طريق التطاول على الرقيق، والتحقير لشأنه، والتعظيم لنفسه. فسقط التعارض. والحمد لله تعالى. ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار، فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ﴾؛ أي: لا تمتنعوا أيها الأولياء من تزويج الأحرار والحرائر بسبب فقرهم؛ لأنهم إن يكونوا فقراء عادمي المال ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ ورزقه؛ أي (٢): لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون زواجها. ففي فضل الله سبحانه ما يغنيهم، والمال غاد ورائح. والله سبحانه يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب. قال بعضهم: من صح افتقاره إلى الله .. صح استغناؤه بالله. قال الزجاج (٣): حث الله سبحانه على النكاح، وأعلم أنه سبب لنفي الفقر، ولا يلزم أن يكون هذا حاصلًا لكل فقير إذا تزوج، فإن ذلك مقيد بالمشيئة، وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا. وإنما كان النكاح يسبب الغنى؛ لأن العقد الديني يجلب العقد الدنيوي، إما من حيث لا يحتسبه الفقير، أو من حيث أن النكاح سبب للجد في الكسب، والكسب ينفي الفقر. وقيل المعنى: إنه يغنيه بغنى النفس. وقيل المعنى: إن يكونوا فقراء إلى

стр. 8571

النكاح .. يغنيهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا. والوجه الأول أولى. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك. وجملة قوله: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿وَاسِعٌ﴾؛ أي: ذو سعة وغنى. فلا انتهاء لفضله، ولا حد لقدرته، فهو يسع هذين الزوجين وغيرهما. ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، بحسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. مؤكدة لما قبلها، ومقررة لها. والمعنى: أنه سبحانه ذو سعة، ولا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده، عليم بمصالح خلقه، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة حق على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله". أخرجه ابن ماجه في سننه، والترمذي والنسائي أيضًا. ٣٣ - وبعد أن بيَّن سبحانه حال القادرين على النكاح ووسائله .. بين حال العاجزين عن تلك الوسائل، فقال: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾؛ أي: وليطلب العفة عن الزنا، والحرام والاجتناب عنه. ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ﴾ ولا يقدرون ﴿نِكَاحًا﴾؛ أي: سبب نكاح ووسيلته وهو المال. وقيل: النكاح هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة، كاللحاف اسم لما يلتحف به، واللباس اسم لما يلبس؛ أي: وليجتهد (١) في العفة وقمع الشهوة من لا يجد أسباب نكاح من مهر ونفقة - فإنه لا معنى لوجدان نفس العقد والتزوج - وذلك بالصوم. كما قال ﵇: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء" معناه: إن الصوم يضعف شهوته، ويقهرها على طلب الجماع، فيحصل بذلك صيانة الفرج وعفته. والأمر في ﴿ليستعفف﴾ محمول على الوجوب في صورة التوقان. ثم قيد سبحانه هذا الأمر بغايةِ هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ

стр. 8572

فَضْلِهِ﴾؛ أي: وليجتهدوا في الاستعفاف حتى يرزقهم الله سبحانه رزقًا يستغنون به، ويتمكنون بسببه من النكاح. والخلاصة: أي وليجتهد في العفة وصون النفس من لا يتمكن من المال الذي به يتم النكاح، ولينتظر أن يغنيه الله من فضله، حتى يصل إلى بغيته من النكاح، ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء، أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾؛ أي: والمماليك الذين يطلبون المكاتبة والإعتاق على المال ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وأيديكم من عبيدكم وإماءكم، ليصيروا أحرارًا، والموصول في محل رفع مبتدأ خبره ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾؛ أي: فصيروهم أحرارًا بعقد الكتابة. والفاء لتضمن الموصول معنى الشرط. ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده؛ أي: وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب. والأمر فيه للندب؛ لأن الكتابة عقد يتضمن الإرفاق، فلا تجب كغيرها. ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ﴾؛ أي: في أولئك المماليك ﴿خَيْرًا﴾؛ أي: أمانةً ورشدًا، وقدرةً على أداء مال الكتابة بتحصيله من وجه حلال، وصلاحًا بحيث لا يؤدي الناس بعد العتق وإطلاق العنان. وهو شرط في استحباب (١) عقد الكتابة المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. فاللام من انتفاء هذا القيد، انتفاء الاستحباب، لا انتفاء الجواز. فصل في بيان معنى الكتابة وحكمها وكيفيتها والكتابة لغة: مصدر كاتب يكاتب كتابة وكتابًا ومكاتبة. نظير قاتل يقاتل قتالًا ومقاتلة. وشرعًا: أن يقول (٢) السيد لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، ويسمى مالًا معلومًا، تؤدي ذلك في نجمين، أو في نجوم معلومة، في كل نجم كذا. فإذا أديت ذلك .. فأنت حر، ويقبل العبد ذلك. فإذا أدى العبد ذلك المال عتق، ويصير العبد أحق بمكاسبه بعد الكتابة. وإذا عتق بأداء المال، فما فضل

стр. 8573

في يده من المال فهو له، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في الكتابة في العتق. وإذا عجز عن أداء المال، كان لمولاه أن يفسخ كتابته، ويرده إلى الرق. وما في يده من المال فهو لسيده لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم". أخرجه أبو داود. وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر إيجاب، يجب على السيد أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرًا إذا سأل العبد ذلك على قيمته، أو على أكثر من قيمته، وإن سأل على أقل من قيمته لا يجب. وهو قول عطاء وعمرو بن دينار. لما روي أن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه - وكان كثير المال - فأبى، فانطلق سيرين إلى عمر فشكاه، فدعاه عمر فقال له: كاتبه، فأبى، فضربه بالدرَّة، وتلا ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتبه. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي؛ لأنه عقد جوز إرفاقًا بالعبد. ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل، حتى يؤديه على مهلٍ، فيحصل المقصود. وجوز أبو حنيفة الكتابة حالة منجمة بنجم واحد. ومعنى المفاعلة (١) في هذا العقد: أن المولى يكتب؛ أي: يفرض، ويوجب على نفسه أن يعتق المكاتب إذا أدى البدل، ويكتب العبد على نفسه أن يؤدي البدل من غير إخلال. وأيضًا بدل هذا العقد مؤجل منجم على المكاتب، والمال المؤجل يكتب فيه كتاب على من عليه المال غالبًا. واختلفوا في معنى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فقال ابن عمر: قوةً على الكسب. وهو قول مالك والثوري. وقيل: مالًا. روي أن عبدًا لسلمان الفارسي قال له: كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: أتريد أن تطعمني أوساخ الناس، ولم يكاتبه. قيل: لو أراد به المال لقال: إن علمتم لهم خيرًا. وقيل: صدقًا وأمانةً. وقال الشافعي: أظهر معاني الخير في العبد، الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من الكتابة إذا كان هكذا. وقيل: معنى الخير، أن يكون العبد عاقلًا بالغًا.

стр. 8574

فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما؛ لأن الابتغاء منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق. والمعنى: أي والمماليك الذين يطلبون من سادتهم أن يكاتبوهم على أداء مال معين نجومًا، ليصيروا بعد أدائها أحرارًا، ويكونوا قادرين على الكسب، وأداء ما كوتبوا عليه مع الأمانة والصدق فكاتبوهم، ويكونون بعد إنتهاء الأجل وأداء ما أوجبوه على أنفسهم أحرارًا في رقابهم وفي كسبهم. ثم حث المؤمنين جميعًا على تحرير الرقاق، فقال: ﴿وَآتُوهُمْ﴾؛ أي: واعطوا أيها السادة المكاتبين شيئًا ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾؛ أي: أعطاكم، وليس لكم فيه فضل، فإن الله ربكم ورب عبيدكم، وأموالكم ملكه. أو أعطوا أيها الحكام المكاتبين سهامهم التي جعلها الله لهم في بيت المال في مصارف الزكاة بقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾؛ أي: وفي تحرير الأرقاء. وعلى القول بأن الخطاب للسادة .. فالواجب إما أن يعطوهم شيئًا من المال، أو يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه. وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار. وقيل: الثلث. وقيل: الربع. وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم وسياق الكلام معهم، فإنهم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: ﴿وَآتُوهُمْ﴾ لجميع الناس. ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك .. نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا، فقال: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا﴾؛ أي: لا تجبروا أيها السادة ﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾؛ أي: إمائكم، فإن كلا من الفتى والفتاة كناية مشهورة عن العبد والأمة. وباعتبار المفهوم الأصلي، وهو أن الفتى: الطري من الشباب، ظهر مزيد مناسبة الفتيات لقوله: ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ وهو الزنا من حيث صدوره عن الشواب؛ لأنهن اللاتي يتوقع منهن ذلك غالبًا، دون ما عداهن من العجائز والصغار. ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾؛ أي: على الزنا، مصدر بغت المرأة تبغي بغاءً، إذا زنت وفجرت، وذلك لتجاوزها إلى ما ليس لها. ثم الإكراه إنما يحصل متى حصل

стр. 8575

التخويف بما يقتضي تلف النفس، أو تلف العضو. وأما باليسير من التخويف فلا تفسير مكرهة ﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ تلك الفتيات ﴿تَحَصُّنًا﴾؛ أي: تعفيفًا عن الزنا؛ أي: جعلن أنفسهن في عفة كالحصن. وهذا (١) القيد، ليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا. وإخراج ما عداها من حكمه، بل للمحافظة على عادتهم المسمرة، حيث كانوا يكرهونهن على البغاء وهن يردن التعفف عنه. وكان لعبد الله بن أبيّ ست جوارٍ جميلةٍ، وهي معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وفتيلة، يكرههن على الزنا. وضرب عليهن ضرائب، جمع ضريبة - وهي الغلة المضروبة على العبيد - والجزية، فشكت اثنتان إلى رسول الله ﷺ وهي معاذة ومسيكة، فنزلت. وفيه من زيادة تقبيح حالهم وتشنيعهم على ما كانوا يفعلونه من القبائح ما لا يخفى، فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى بفجور من يحويه من إمائه، فضلًا عن أمرهن وإكراههن عليه، لا سيما عند إرادتهن التعفف. وفي (٢) ذلك إشارة إلى أن للسادة إكراههن على النكاح، فليس للأمة أن تمتنع على السيد إذا زوجها. وفي "الخازن" واختلف العلماء (٣) في معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ على أقوالٍ: أحدها: إن الكلام ورد على سبب، وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية، فخرج النهي على صفة السبب وإن لم يكن شرطًا فيه. الثاني: إنما شرط إرادة التحصن؛ لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن؛ فإنها تبغي بالطبع طوعًا. الثالث: (إنَّ) (إنْ) بمعنى إذا؛ أي: إذا أردن، وليس معناه الشرط؛ لأنه لا

стр. 8576

يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنًا. كقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إذا كنتم مؤمنين. القول الرابع: إن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا، فيكون هذا القيد راجعًا إلى الأيامى. ويكون تقدير الكلام؛ أي: وانكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنًا، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. اهـ. وقيل (١): إن هذا الشرط ملغى. وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن. وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه. فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح. والصغيرة فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن. ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لا تكرهوهن أيها السادة على الزنا، لتطلبوا بهذا الإكراه حطام هذه الحياة الدنيا. والعرض (٢) ما لا يكون له ثبوت. ومنه استعار المتكلمون العرض، لما لا ثبات له قائمًا بالجوهر. كاللون والطعم. وقيل: الدنيا عرض حاضر، تنبيهًا على أن لا ثبات لها. والمعنى: لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال من كسبهن وبيع أولادهن. وهذا التعليل أيضًا خارج مخرج الغالب. والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب؛ لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلًا لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيًا بكراهها عرض الحياة الدنيا.

стр. 8577

﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾؛ أي: ومن يكره منكم أيها السادة الإماء على البغاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ﴾؛ أي: من بعد إكراهكم إياهن، فهو مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: من بعد كونهن مكرهات على البغاء ﴿غَفُورٌ﴾ لهن ما قد يعرض لهق في تضاعيف الزنا، وتكراره من شائبة المطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصرًا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهن بعدم مؤاخذتهن على البغاء، وفي هذا التفسير جواب عما يقال: إن المكرهة على الزنا غير آثمة. ويشهد لهذا المعنى قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير ﴿لهن غفور رحيم﴾ بزيادة لهن، وتوسيط (١) الإكراه بين اسم إن وخبرها للإيذان. بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة. وفيه دلالة على أن المكرهين محرومون منهما بالكلية. وحاجتهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم، باعتبار أنهن وإن كن مكرهات، لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ما بحكم الجبلة البشرية. كما مرّ آنفًا. أو أتي بالمغفرة لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كنَّ عرضة للعقوبة. لولا أن تداركتهن المغفرة والرحمة، مع قيام العذر في حقهن، فما حال من يكرههن في استحقاق العقاب. اهـ. "أبو السعود". وفي "الكواشي" المغفرة هاهنا عدم الإثم؛ لأنها لا إثم عليها إذا أكرهت على الزنا بقتل أو ضرب مفضٍ إلى تلف النفس، أو تلف العضو. وأما الرجل فلا يحل له الزنا، وإن أكره عليه؛ لأن الفعل من جهته ولا يتأتى إلا بعزيمة منه فيه، فكان كالقتل بغير حق، لا يبيحه الإكراه بحال. انتهى. وقيل: إن المعنى: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، إما مطلقًا أو بشرط التوبة. ٣٤ - ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام .. شرع (٢) في وصف القرآن

стр. 8578

بصفات ثلاث: الأول: كونه آيات مبينات. والثانية: كونه مثلًا. والثالثة: كونه موعظة. فقال: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أنزلنا إليكم أيها المؤمنون في هذه السورة الكريمة آيات مبينات، لكل ما بكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام والآداب والتبيين في الحقيقة لله تعالى. وإسناده إلى الآيات مجاز عقلي. وقرأ (١) ﴿مبينات﴾ بفتح الياء الحرميان نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر؛ أي: بين الله في هذه إلسورة وأوضح آياتٍ تضمنت أحكامًا وحدودًا وفرائض. فتلك الآيات هي المبينة ويجوز أن يكون المراد مبينًا فيها ثم اتبع، فيكون المبين في الحقيقة غيرها. وهي ظرف للمبين. وقرأ باقي السبعة والحسن وطلحة والأعمش بكسر الياء. فإما أن تكون متعدية؛ أي: مبينات غيرها من الأحكام والحدود. فأسند ذلك إليها مجازًا. وإما أن تكون لا تتعدى؛ أي: بينات في نفسها, لا تحتاج إلى موضح، بل هي واضحة. لقولهم في المثل: قد بين الصبح لذي عينين؛ أي: قد ظهر ووضح. ﴿وَمَثَلًا﴾ معطوف على آيات؛ أي: وأنزلنا (٢) إليكم مثلًا كائنًا ﴿مِنَ﴾ قبيل أمثال ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾؛ أي: مضوا ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء. فتنتظم قصة عائشة الحاكية لقصة يوسف وقصة مريم في القرابة وسائر الأمثال الواردة انتظامًا واضحًا، فإن في قصتهما ذكر تهمة من هو بريء مما اتهم به. فيوسف اتهمته زليخا، ومريم اتهمتها اليهود مع براءتهما. أي: وأنزلنا إليكم قصة غريبة من جنس قصص الذين خلوا من قبلكم في الغرابة. وهي (٣) قصة عائشة ﵂ فإنها كقصة يوسف ومريم، ولقد

стр. 8579

برأ الله سبحانه أربعة بأربعة. برأ يوسف بلسان الشاهد، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بانطاق ولدها، وبرأ عائشة بتلك الآيات. وفي هذا تخويف لهم، أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين. ﴿و﴾ أنزلنا إليكم ﴿مَوْعِظَةً﴾ وتذكرةً ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: للذين يتقون الشرك والكبائر، يتعظون بها وينزجرون عما لا ينبغي لهم من المحرمات والمكروهات، وسائر ما يخل بمحاسن الآداب، ومدار (١) العطف هو التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي، فالموعظة ما وعظ به في الآيات. من (٢) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ وقوله: ﴿يعظكم أن تعودوا لمثله أبدا﴾ وخص المتقين بالذكر مع شمول الموعظة للكل حسب شمول الإنزال؛ لأنهم المنتفعون بها، المغتنمون لآثارها، المقتبسون من أنوارها. وأما غير المتقين، فإن الله سبحانه قد ختم على قلوبهم، وجعل على بصرهم غشاوةً عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات. والمعنى: أي ولقد أنزلنا إليكم آيات القرآن مبينات لما أنتم في حاجة إليه من الأحكام والآداب .. كما أنزلنا قصصًا من أخبار الأمم السالفة، كقصة يوسف وقصة مريم، وفيهما شبه بقصة عائشة. وفيهما عظة لمن اتقى الله وخاف عقابه، وخشي عذابه. وأثر عن علي - كرم الله وجهه - في وصف القرآن. فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضلّه الله اهـ. فإن قلت: لم قال (٣) هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ بذكر واو العطف. وقال فيما سيأتي: ﴿لقد أنزلنا﴾ بدون الواو، وزاد هنا ﴿إِلَيْكُمْ﴾ بخلاف ما سيأتي؟ قلت: لأن اتصال ما هنا بما قبله أشد. إذ قوله هنا: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾

стр. 8580

مصروف إلى الجمل السابقة من قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ إلى آخره، وفيه معطوفان بالواو، فناسب ذكرها بالعطف، وذكر ﴿إِلَيْكُمْ﴾ ليفيد أن الآيات المبينات نزلت في المخاطبين في الجمل السابقة. وما ذكر بعدُ خالٍ عن ذلك، فناسبه الاستئناف والحذف. ٣٥ - ثم ذكر الله مثلين: أحدهما: في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور. والثاني: في بيان أن أديان الكفرة في غاية الظلمة. أما المثل الأول: فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مظهرهما (١) ومبديهما وموجدهما من العدم بكمال القدرة الأزلية. وقال ابن عباس: أي الله هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. فمعنى النور هو الهداية؛ أي: ذو نور؛ أي: ذو هداية لأهلهما. وقيل: معناه (٢) الله منور السماوات والأرض. نور السماء بالملائكة. ونور الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل: زين الأرض بالنبات والأشجار. واعلم: أن النور على أربعة أوجه (٣): أولها: نور يظهر الأشياء للأبصار وهو لا يراها، كنور الشمس وأمثالها، فهو يظهر الأشياء المخفية في الظلمة ولا يراها. وثانيها: نور البصر، وهو يظهر الأشياء للإبصار ولكنه يراها. وهذا النور أشرف من الأول. وثالثها: نور العقل، وهو يظهر الأشياء المعقولة المخفية في ظلمة الجهل
следующие страницы →