يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردن تحصنًا. كقوله: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إذا كنتم مؤمنين.
القول الرابع: إن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا، فيكون هذا القيد راجعًا إلى الأيامى. ويكون تقدير الكلام؛ أي: وانكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنًا، ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء. اهـ.
وقيل (١): إن هذا الشرط ملغى. وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن. وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه. فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح. والصغيرة فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن.
ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: لا تكرهوهن أيها السادة على الزنا، لتطلبوا بهذا الإكراه حطام هذه الحياة الدنيا. والعرض (٢) ما لا يكون له ثبوت. ومنه استعار المتكلمون العرض، لما لا ثبات له قائمًا بالجوهر. كاللون والطعم. وقيل: الدنيا عرض حاضر، تنبيهًا على أن لا ثبات لها.
والمعنى: لا تفعلوا ما أنتم عليه من إكراههن على البغاء لطلب المتاع السريع الزوال من كسبهن وبيع أولادهن. وهذا التعليل أيضًا خارج مخرج الغالب.
والمعنى: أن هذا العرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب؛ لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء لا لفائدة له أصلًا لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها إذا لم يكن مبتغيًا بكراهها عرض الحياة الدنيا.
стр. 8577
﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾؛ أي: ومن يكره منكم أيها السادة الإماء على البغاء ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ﴾؛ أي: من بعد إكراهكم إياهن، فهو مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: من بعد كونهن مكرهات على البغاء ﴿غَفُورٌ﴾ لهن ما قد يعرض لهق في تضاعيف الزنا، وتكراره من شائبة المطاوعة إما بحكم الجبلة البشرية، أو يكون الإكراه قاصرًا عن حد الإلجاء المزيل للاختيار. ﴿رَحِيمٌ﴾ بهن بعدم مؤاخذتهن على البغاء، وفي هذا التفسير جواب عما يقال: إن المكرهة على الزنا غير آثمة.
ويشهد لهذا المعنى قراءة ابن مسعود وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير ﴿لهن غفور رحيم﴾ بزيادة لهن، وتوسيط (١) الإكراه بين اسم إن وخبرها للإيذان. بأن ذلك هو السبب للمغفرة والرحمة.
وفيه دلالة على أن المكرهين محرومون منهما بالكلية. وحاجتهن إلى المغفرة المنبئة عن سابقة الإثم، باعتبار أنهن وإن كن مكرهات، لا يخلون في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة ما بحكم الجبلة البشرية. كما مرّ آنفًا. أو أتي بالمغفرة لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه، والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كنَّ عرضة للعقوبة. لولا أن تداركتهن المغفرة والرحمة، مع قيام العذر في حقهن، فما حال من يكرههن في استحقاق العقاب. اهـ. "أبو السعود".
وفي "الكواشي" المغفرة هاهنا عدم الإثم؛ لأنها لا إثم عليها إذا أكرهت على الزنا بقتل أو ضرب مفضٍ إلى تلف النفس، أو تلف العضو. وأما الرجل فلا يحل له الزنا، وإن أكره عليه؛ لأن الفعل من جهته ولا يتأتى إلا بعزيمة منه فيه، فكان كالقتل بغير حق، لا يبيحه الإكراه بحال. انتهى. وقيل: إن المعنى: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهم، إما مطلقًا أو بشرط التوبة.
٣٤ - ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام .. شرع (٢) في وصف القرآن
стр. 8578
بصفات ثلاث:
الأول: كونه آيات مبينات. والثانية: كونه مثلًا. والثالثة: كونه موعظة. فقال: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أنزلنا إليكم أيها المؤمنون في هذه السورة الكريمة آيات مبينات، لكل ما بكم حاجة إلى بيانه من الحدود وسائر الأحكام والآداب والتبيين في الحقيقة لله تعالى. وإسناده إلى الآيات مجاز عقلي.
وقرأ (١) ﴿مبينات﴾ بفتح الياء الحرميان نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر؛ أي: بين الله في هذه إلسورة وأوضح آياتٍ تضمنت أحكامًا وحدودًا وفرائض. فتلك الآيات هي المبينة ويجوز أن يكون المراد مبينًا فيها ثم اتبع، فيكون المبين في الحقيقة غيرها. وهي ظرف للمبين. وقرأ باقي السبعة والحسن وطلحة والأعمش بكسر الياء. فإما أن تكون متعدية؛ أي: مبينات غيرها من الأحكام والحدود. فأسند ذلك إليها مجازًا. وإما أن تكون لا تتعدى؛ أي: بينات في نفسها, لا تحتاج إلى موضح، بل هي واضحة. لقولهم في المثل:
قد بين الصبح لذي عينين؛ أي: قد ظهر ووضح.
﴿وَمَثَلًا﴾ معطوف على آيات؛ أي: وأنزلنا (٢) إليكم مثلًا كائنًا ﴿مِنَ﴾ قبيل أمثال ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾؛ أي: مضوا ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة، والكلمات الجارية على ألسنة الأنبياء. فتنتظم قصة عائشة الحاكية لقصة يوسف وقصة مريم في القرابة وسائر الأمثال الواردة انتظامًا واضحًا، فإن في قصتهما ذكر تهمة من هو بريء مما اتهم به. فيوسف اتهمته زليخا، ومريم اتهمتها اليهود مع براءتهما.
أي: وأنزلنا إليكم قصة غريبة من جنس قصص الذين خلوا من قبلكم في الغرابة. وهي (٣) قصة عائشة ﵂ فإنها كقصة يوسف ومريم، ولقد
стр. 8579
برأ الله سبحانه أربعة بأربعة. برأ يوسف بلسان الشاهد، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بانطاق ولدها، وبرأ عائشة بتلك الآيات. وفي هذا تخويف لهم، أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين. ﴿و﴾ أنزلنا إليكم ﴿مَوْعِظَةً﴾ وتذكرةً ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: للذين يتقون الشرك والكبائر، يتعظون بها وينزجرون عما لا ينبغي لهم من المحرمات والمكروهات، وسائر ما يخل بمحاسن الآداب، ومدار (١) العطف هو التغاير العنواني المنزل منزلة التغاير الذاتي، فالموعظة ما وعظ به في الآيات. من (٢) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ وقوله: ﴿يعظكم أن تعودوا لمثله أبدا﴾ وخص المتقين بالذكر مع شمول الموعظة للكل حسب شمول الإنزال؛ لأنهم المنتفعون بها، المغتنمون لآثارها، المقتبسون من أنوارها. وأما غير المتقين، فإن الله سبحانه قد ختم على قلوبهم، وجعل على بصرهم غشاوةً عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات.
والمعنى: أي ولقد أنزلنا إليكم آيات القرآن مبينات لما أنتم في حاجة إليه من الأحكام والآداب .. كما أنزلنا قصصًا من أخبار الأمم السالفة، كقصة يوسف وقصة مريم، وفيهما شبه بقصة عائشة. وفيهما عظة لمن اتقى الله وخاف عقابه، وخشي عذابه.
وأثر عن علي - كرم الله وجهه - في وصف القرآن. فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضلّه الله اهـ.
فإن قلت: لم قال (٣) هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا﴾ بذكر واو العطف. وقال فيما سيأتي: ﴿لقد أنزلنا﴾ بدون الواو، وزاد هنا ﴿إِلَيْكُمْ﴾ بخلاف ما سيأتي؟
قلت: لأن اتصال ما هنا بما قبله أشد. إذ قوله هنا: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
стр. 8580
مصروف إلى الجمل السابقة من قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ إلى آخره، وفيه معطوفان بالواو، فناسب ذكرها بالعطف، وذكر ﴿إِلَيْكُمْ﴾ ليفيد أن الآيات المبينات نزلت في المخاطبين في الجمل السابقة. وما ذكر بعدُ خالٍ عن ذلك، فناسبه الاستئناف والحذف.
٣٥ - ثم ذكر الله مثلين:
أحدهما: في بيان أن دلائل الإيمان في غاية الظهور.
والثاني: في بيان أن أديان الكفرة في غاية الظلمة.
أما المثل الأول: فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مظهرهما (١) ومبديهما وموجدهما من العدم بكمال القدرة الأزلية.
وقال ابن عباس: أي الله هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. فمعنى النور هو الهداية؛ أي: ذو نور؛ أي: ذو هداية لأهلهما. وقيل: معناه (٢) الله منور السماوات والأرض. نور السماء بالملائكة. ونور الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل: زين الأرض بالنبات والأشجار.
واعلم: أن النور على أربعة أوجه (٣):
أولها: نور يظهر الأشياء للأبصار وهو لا يراها، كنور الشمس وأمثالها، فهو يظهر الأشياء المخفية في الظلمة ولا يراها.
وثانيها: نور البصر، وهو يظهر الأشياء للإبصار ولكنه يراها. وهذا النور أشرف من الأول.
وثالثها: نور العقل، وهو يظهر الأشياء المعقولة المخفية في ظلمة الجهل
стр. 8581
للبصائر، وهو يدركها ويراها.
ورابعها: نور الحق تعالى، وهو يظهر الأشياء المعدومة المخفية في العدم للأبصار والبصائر من الملك والملكوت، وهو يراها في الوجود. كما كان يراها في العدم؛ لأنها كانت موجودة في علم الله، وإن كانت معدومة في ذاتها، فما تغير علم الله، ورؤيته بإظهارها في الوجود، بل كان التغير راجعًا إلى ذوات الأشياء وصفاتها عند الإيجاد والتكوين. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾؛ أي: صفة نوره الفائض منه تعالى على الأشياء المستنيرة، وهو القرآن المبين، كما في "الإرشاد". فهو تمثيل له في جلاء مدلوله، وظهور ما تضمنه من الهدى بالمشكاة المنعوتة.
والمراد بالمثل الصفة العجيبة؛ أي: صفة نوره العجيب، وإضافته إلى ضميره تعالى، دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره. كما في "البيضاوي".
﴿كَمِشْكَاةٍ﴾؛ أي: كصفة كوة، غير نافذة في الجدار في الإنارة. قال بعض أهل المعاني: معنى الآية، كمثل مصباح في مشكاة. فهو من المقلوب ذكره ابن الجوزي.
﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك المشكاة ﴿مِصْبَاحٌ﴾؛ أي: سراج ضخم ثاقب ﴿الْمِصْبَاحُ﴾؛ أي: ذلك المصباح كائن ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾؛ أي: في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر. وفائدة جعل المصباح في زجاجة. والزجاجة في كوة، غير نافذة شدة الإضاءة؛ لأن المكان، كلما تضايق، كان أجمع للضوء. بخلاف الواسع، فالضوء ينتشر فيه. وخص الزجاج؛ لأنه أحكى الجواهر لما فيه.
﴿الزُّجَاجَةُ﴾؛ أي: تلك الزجاجة والقنديل ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾؛ أي: نجم متلألىء وقَّاد شبيه بالدر في صفائه وزهرته، كالمشتري والزهرة والمريخ ودرازى الكواكب عظامها المشهورة ومحل الجملة الأولى الرفع على أنها صفة لزجاجة، واللام مغنية عن الرابط كأنه قيل فيها مصباح هو في زجاجة هي كأنها كوكب دري. وفي إعادة المصباح والزجاجة معرفين عقب ذكرهما منكرين. والإخبار بما بعدهما مع انتظام الكلام، بأن يقال: كمشكاة فيها مصباح في زجاجة كأنها
стр. 8582
كوكب دري من تفخيم شأنها بالتفسير بعد الإبهام ما لا يخفى.
﴿يُوقَدُ﴾ ذلك المصباح؛ أي: يبتدأ إيقاد ذلك المصباح ﴿مِنْ﴾ زيت ﴿شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ أي: كثيرة المنافع؛ لأن الزيت يسرج به، وهو إدام، ودهان ودباغ ويوقد بحطب الزيتون وبثفله، ورماده يغسل به الأبريسم. ولا يحتاج في استخراج دهنه إلى عصار. وفيه زيادة الإشراق، وقلة الدخان. وهو مصحة من الباسور. ﴿زَيْتُونَةٍ﴾ بدل من شجرة خصها من بين سائر الأشجار؛ لأن دهنها أضوأ وأصفى. قال في إنسان العيون: شجرة الزيتون تعمِّر ثلاثة آلاف سنة. وهو أول شجرة نبت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، ونبتت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة. ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة. منهم إبراهيم، ومنهم محمد ﷺ فإنه قال مرتين: "اللهم بارك في الزيت والزيتون" اهـ. "مراح".
﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾؛ أي: لا شرقية تطلع عليها الشمس في وقت شروقها فقط. ولا غربية تقع عليها حين الغروب فقط، بل بحيث تقع عليها طول النهار، فلا يسترها عن الشمس في وقت من النهار شيء، كالتي على قمة جبل، أو صحراء. فتكون ثمرتها أنضج، وزيتها أصفى. أولا في مضحى، تشرق الشمس عليها دائمًا فتحرقها, ولا في مغيباة تغيب عنها دائمًا فتتركها نيئًا، أو لا نابتة في شرق المعمورة نحو كنكدزٍ وديار الصين. ولا في غربها، نحو طنجة وطرابلس وديار قيروان. بل في وسطها، وهو الشام. فإن زيتونته أجود الزيتون أو في خط الاستواء بين المشرق والمغرب. وهي قبة الأرض، فلا توصف بأحد منهما، فلا يصل إليها حر ولا برد مضران. وقبة الأرض وسط الأرض عامرها خرابها. وهو في مكان تعتدل فيه الأزمان في الحر والبرد، ويستوي الليل والنهار فيها أبدًا، لا يزيد أحدهما على الآخر؛ أي: يكون كل منهما اثنتي عشرة ساعة.
وعبارة "المراغي" هنا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الله هادي أهل السماوات والأرض، بما نصب من الأدلة في الأكوان. وبما أنزل على رسله من الآيات البينات فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلال ينجون.
﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، سبحانه؛ أي: صفة نور الله في قلب المؤمن. وهو
стр. 8583
النور الذي يهتدى به ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾؛ أي: كصفة نور مشكاة؛ أي: كوة غير نافذة في شدة الإشراف والإضاءة، أو مثل أدلته التى بثها في الآفاق. وهدى بها من شاء من عباده، كمثل نور مشكاة فيها ﴿مِصْبَاحٌ﴾؛ أي: سراج ضخم ثاقب، له الصفات الآتية. ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾؛ أي: ذلك المصباح في قنديل من الزجاج الصافي الأزهر ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾؛ أي: تلك الزجاجة، كأنها كوكب ضخم مضيء من دراري النجوم.
النجوم وعظامها: كالزهرة والمشتري.
﴿يُوقَدُ﴾ ذلك المصباح والسراج ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ أي: رويت وشربت فتيلته وخيطه من زيت شجرة زيتونة، كثيرة المنافع زرعت على جبل عال، أو صحراء واسعة، فهي ضاحية للشمس لا يظللها جبل ولا شجر، ولا يحجبها عنها حاجب من حين طلوعها إلى حين غروبها. فزيتها أشد ما يكون صفاء. ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾ فحسب ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ فحسب بل هي شرقية غربية، تصيبها الشمس من حين طلوعها إلى حين غروبها. كما يقال: فلان لا مسافر ولا مقيم، إذا كان يسافر أحيانًا ويقيم أخرى.
وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا﴾؛ أي: يقرب زيتها. صفة لشجرة أيضًا؛ أي: من شجرة مباركة موصوفة بأنه يكاد زيتها لشدة صفائه ﴿يُضِيءُ﴾ المكان بنفسه ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ أصلًا. وهذه (١) الجملة معطوفة على جملة محذوفة وقعت حالًا، والتقدير: يكاد زيتها يضيء، لو مسته نار ولو لم تمسسه نار؛ أي: تضيء كائنًا على كل حال، من وجود الشرط وعدمه. فالجملة حالية جيء بها لاستقصاء الأحوال، حتى في هذه الحال.
والمعنى: أن هذا الزيت في صفائه وإنارته، يكاد يضيء بنفسه على كل حال؛ أي: سواء مسته النار أو لم تمسسه، وفي "السمين" قوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ جواب لو محذوف؛ أي: لأضاء لدلالة ما تقدم عليه.
стр. 8584
والمعنى: أي (١) زيتها لصفائه وبريقه ولمعانه، كأنه يضيء بنفسه دون أن تمسه النار؛ لأن الزيت إذا كان خالصًا صافيًا ثم ربي من بعد يرى كأن له شعاعًا، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوء. كذلك قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه ازداد نورًا على نور وهدى على هدى.
قال يحيى بن سلام: قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يبين له، لموافقته إياه، وهو المراد من قوله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله".
وارتفاع ﴿نُورٌ﴾ على أنه خبر لمبتدأ محذوف و ﴿عَلَى نُورٍ﴾ متعلق بمحذوف، هو صفة لـ ﴿نور﴾ مؤكدة له؛ أي: ذلك النور الذي عبر به عن القرآن، ومثلت صفته العجيبة الشأن، بما فصل من صفة المشكاة؛ أي: نور المصباح نور كائن على نور؛ أي: نور متضاعف. فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت، وزهرة القنديل، وضبط المشكاة لأشعته، فليس عبارةً عن مجموع نورين اثنين فقط. بل المراد به التكثير. كما يقال: فلان يضع درهمًا على درهم. ولا يراد به درهمان.
أي: نور المصباح نوره مترادف متضاعف، قد تناصرت فيه المشكاة والزجاجة. والمصباح والزيت حتى لم يبق بقية مما يقوي النور، ويزيده إشراقًا، ويمده بإضاءة. ذلك أن المصباح إذا كان في مكان ضيق كالمشكاة .. كان أضوأ له، وأجمع لنوره بخلاف المكان الواسع، فإن الضوء ينبعث فيه وينتشر. والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه.
فإن قلت: ولم مثل الله نوره؛ أي: معرفته في قلب المؤمن بنور المصباح، دون نور الشمس، مع أن نورها أتم؟
قلت: لأن المقصود، تمثيل النور في القلب. والقلب في الصدر، والصدر في البدن كالمصباح، والمصباح في الزجاجة والزجاجة في القنديل. وهذا التمثيل لا يتقيم إلا فيما ذكر؛ ولأن نور المعرفة له آلات يتوقف هو على اجتماعها
стр. 8585
كالذهن والفهم والعقل واليقظة وغيرها من الصفات الحميدة. كما أن نور القنديل يتوقف على اجتماع القنديل والزيت والفتيلة وغيرها، أو لأن نور الشمس يشرق متوجهًا إلى العالم السفلي، ونور المعرفة يشرق متوجهًا إلى العالم العلوي كنور المصباح. ولكثرة نفع الزيت، وخلوصه عما يخالطه غالبا، وقع التشبيه في ثوره دون نور الشمس مع أنه أتم من نور المصباح. اهـ. "فتح الرحمن".
﴿يَهْدِي اللَّهُ﴾ سبحانه هداية (١) خاصةً موصلة إلى المطلوب حتمًا، وليس المراد بالداية هنا مجرد الدلالة. ﴿لِنُورِهِ﴾؛ أي: لذلك النور المتضاعف العظيم الشأن. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته من عباده، بأن يوقفهم لفهم ما فيه من دلائل حقيته، وكونه من عند الله من الإعجاز، والإخبار عن الغيب، وغير ذلك من موجبات الإيمان. وهذا من قبيل الهداية الخاصة. ولذا قال: من يشاء من عباده. وفيه إيذان بأن مناط هذه الهداية، وملاكها ليس إلا مشيئته. وأن تظاهر الأسباب بدونها بمعزل عن الإفضاء إلى المطلوب.
والمعنى: أي (٢) يوفق الله من يشاء من عباده لإصابة الحق، بالنظر والتدبر، وتوجيه الفكر لسلوك الطريق العبادة الموصلة إليه. ومن لم يتدبر، فهو كالأعمى. سواء لديه جنح الليل الدامس، وضحوة النهار الشامس. وعن علي ﵁ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ونشر فيهما الحق وبثه فأضاء له بنوره.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: الأشباه ويبينها ﴿لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا إلى الأفهام، وتسهيلًا لسبل الإدراك؛ أي: يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها، تقريبًا لها إلى الأفهام والأذهان، وتسهيلًا لإدراكها؛ لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس، وتصويره بصورته يزيده وضوحًا وبيانًا. وهذا من قبيل الهداية العامة. ولذا قال: للناس.
والمعنى: أي ويسوق الله الأمثال للناس في تضاعيف هدايتهم، بحسب ما تدعو إليه حالهم، لما فيها من الفوائد في النصح والإرشاد. إذ بها تتفتق الأذهان
стр. 8586
للوصول إلى الحق، وبها تأنس النفس بتصويرها المعاني بصور المحسوسات التي تألفها، وتدين بها. ولأمر ما كثرت في القرآن الكريم فقلما ساق حجاجًا، أو أقام دليلًا إلا أردفه بالمثل ليكون أدعى إلى الإقناع، وأرجىء للاقتناع.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من الأشياء من ضرب الأمثال وغيره من دقائق المعقولات، والمحسوسات، وحقائق الجليات، والخفيات ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يغيب عن علمه شيء من الأشياء معقولًا كان أو محسوسًا، ظاهرًا أو باطنًا، فيعطي هدايته من يستحقها ممن صفت نفوسهم، واستعدوا لتلقي أحكام الدين وآدابه. وكذلك يجعل وسائلها على ضروب شتى، بحسب اختلاف أحوال عباده، لتقوم له الحجة عليهم.
وفي هذا وعد وبشارة لمن تدبر الأمثال ووعاها، ووعيد وإنذار لن يتفكر فيها ولم يكترث بها. فإنه لا يصل إلى الحق ولا يهتدي لطريقه.
وخلاصة ذلك: ما قاله ابن عباس ﵁: هذا مثل نور الله، وهداه في قلب المؤمن. فكما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته ازداد ضوءًا على ضوء، يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى، قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه ازداد هدًى على هدًى، ونورًا على نور.
فصل في بيان القراءة الجارية في الآية
وقرأ علي (١) بن أبي طالب وأبو جعفر وعبد العزيز المكي وزيد بن علي وثابت بن أبي حفصة ومسلمة بن عبد الملك وأبو عبد الرحمن السلمي والقورصي وعبد الله بن عياش بن أبي ريعة: ﴿اللَّهُ نَوَّرَ﴾ فعلًا ماضيًا. ﴿السَّمَاوَاتَ وَالْأَرْضَ﴾ بالنصب.
وقرأ أبو (٢) رجاء العطاردي ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد وابن أبي عبلة: ﴿في زَجاجة الزَّجاجة﴾ بفتح الزاي فيهما. وقرأ معاذ القاري وعاصم
стр. 8587
الجحدري وابن يعمر بكسر الزاي فيهما. وقرأ الجمهور: بضم الزاي فيهما. وقرأ الجمهور من السبعة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وابن كثير: ﴿درى﴾ بضم الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز، والظاهر نسبة الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه. ويحتمل أن يكون أصله الهمز، فأبدل وأدغم.
وقرأ أبو عمرو والكسائي وأبان عن عاصم بكسر ﴿دريىء﴾ بكسر الدال وتخفيف الياء ممدودًا مهموزًا. وهو بناء كثير في الأسماء، نحو سكين. وفي الأوصاف نحو: سكِّير قال ابن قتيبة: المعنى على هذا إنه من الكواكب الدرارىء، وهي اللاتي يدرأن عليك؛ أي: يطلعن. وقال الزجاج: هو مأخوذ من درأ يدرأ إذا اندفع منقضًا فتضاعف نوره. يقال: تدارأ الرجلان إذا تدافعا. وقرأ عبد الله بن عمر والزهري والمفضل عن عاصم ﴿درى﴾ بكسر الدال وتشديد الياء من غير همز ولا مد. وقرأ عثمان بن عفان وابن عباس وعاصم الجحدري ﴿دريىء﴾ بفتح الدال وكسر الراء ممدودًا مهموزًا. وقرأ أبيّ بن كعب وسعيد بن المسيب وقتادة وزيد والضحاك ﴿دريّ﴾ بفتح الدال وتشديد الراء والياء من غير مد ولا همز. وقرأ ابن مسعود وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وابن يعمر ﴿درىء﴾ بفتح الدال وكسر الراء مهموزًا مقصورًا. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم والوليد بن عتبة عن ابن عامر ﴿دريىء﴾ بضم الدال وتخفيف الياء مع إثبات الهمزة والمد.
وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - وأبو بكر عن عاصم والحسن وزيد بن علي وقتادة وابن وثاب وطلحة وعيسى والأعمش: ﴿توقد﴾ بضم التاء والدال؛ أي: الزجاجة؛ أي: مصباحها مضارع أوقدت مبنيًا للمفعول. وقرأ (١) نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿يوقد﴾ بالياء مضمومة مع ضم الدال؛ أي: المصباح. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿توقد﴾ بفتح الحروف الأربعة وتشديد القاف فعلًا ماضيًا من باب تفعل؛ أي: المصباح أيضًا؛ لأنه هو الذي يوقد. وقرأ
стр. 8588
الحسن والسلمي وقتادة وابن محيصن وسلام ومجاهد وابن أبي إسحاق والمفضل عن عاصم: ﴿توقد﴾ بفتح الحروف الثلاثة الأولى، وضم الدال مضارع توقد، وأصله تتوقد؛ أي: الزجاجة يعني مصباحها. وقرأ عبد الله ﴿وقد﴾ بغير تاء وشدد القاف جعله فعلًا ماضيًا؛ أي: وقد المصباح. وقرأ السلمي وقتادة وسلام أيضًا كذلك. إلا أنه بالياء من تحت ﴿يوقد﴾ وجاء كذلك عن الحسن وابن محيصن. وأصله يتوقد؛ أي: المصابح إلا أن حذف التاء في تتوقد مقيس لدلالة ما أبقى على ما حذف. وفي يتوقد شاذ جدًّا؛ لأن الياء الباقية لا تدل على التاء المحذوفة. وله وجه من القياس. وهو حمله على يعد، إذ حمل يعد على تعد في حذف الواو. وكذلك هذا لما حذفوا من تتوقد بالتاءين حذفوا التاء مع الياء، وإن لم يكن اجتماع التاء والياء مستثقلًا.
وقرأ الجمهور: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بالخفض على أنه صفة لزيتونة. وقرأ الضحاك بالرفع؛ أي: لا هي شرقية ولا غربية. والجملة في موضع الصفة. وقرأ الجمهور: ﴿تَمْسَسْهُ﴾ بالتاء، وابن عباس والحسن بالباء من تحت وحسنه الفصل وإن تأنيث النار مجازي. وهو مؤنث بغير علامة.
٣٦ - وقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ تعلق بمحذوف، صفة لمشكاة، والتقدير: مثل نوره سبحانه كمثل نور مشكاة وكوة كائنة في بيوت ومساجد. ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾ سبحانه وأمر ﴿أَنْ تُرْفَعَ﴾؛ أي: أن تبنى تلك البيوت والمساجد رفيعةً وتطهر وتنظف من الأنجاس والأقذار. وقيل: تعظم فلا يذكر فيها الفحش من القول.
وقد كره (١) بعض العلماء تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة. فلو كان بغير أجرة، لمنع أيضًا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا يتحرزون من الأقذار والأوساخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد. وقد أمر رسول الله ﷺ بتنظيفها وتطييبها. فقال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم، ورفع أصواتكم
стр. 8589
وخصوماتكم، وجمروها في الجمع، واجعلوا لها على أبوابها المطاهر".
وفي "الفتوحات" قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ فيه ستة أوجه:
أحدها: أنه صفة لمشكاة؛ أي: كمشكاة كائنة في بيوت؛ أي: في بيت من بيوت الله.
الثاني: أنه صفة لمصباح.
الثالث: أنه صفة لزجاجة.
الرابع: أنه متعلق بتوقد، وعلى هذه الأقوال لا يوقف على عليم.
والخامس: أنه متعلق بمحذوف. كقوله تعالى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾؛ أي: سبحوه في بيوت.
السادس: أنه متعلق بيسبح؛ أي: يسبح رجال في بيوت. ولفظ فيها حينئذٍ مكرر للتوكيد. كقوله تعالى: ﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ﴾ وعلى هذين القولين فيوقف على عليم. اهـ. "سمين".
قيل (١): المراد بالبيوت هنا، جميع المساجد. فقد قال ابن عباس: بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وقيل: المراد بها أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي، الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلةً. وبيت المقدس بناه داود وسليمان. ومسجد المدينة، ومسجد قباء، بناهما رسول الله ﷺ . اهـ. "خازن".
وقيل: المراد بها (٢) بيوت بيت المقدس. روي ذلك عن الحسن.
وقيل: بيوت النبي ﷺ رواه مجاهد. وقيل: هي البيوت كلها، والقول الأول أظهر لقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
стр. 8590
وقد يقال: على تقدير تعلقه بمشكاة أو بمصباح، أو بتوقد ما الوجه، في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت، ولا تكون المشكاة الواحدة، ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد. وأجيب بأن هذا من الخطاب، الذي يفتح أوله بالتوحيد، ويختم بالجمع، كقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ونحوه.
وقيل: معنى في بيوت، في كل واحد من البيوت فكأنه قال: في كل بيت، أو في كل واحد من البيوت. وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ معطوف على ﴿ترفع﴾؛ أي: وأمر أن يذكر فيها اسمه. واسم (١) الله تعالى كل ما يصح أن يطلق عليه بالنظر إلى ذاته كلفظ الجلالة، أو باعتبار صفة من صفاته السلبية كالقدوس، أو الثبوتية كالعليم. أو باعتبار فعل من أفعاله كالخالق. لكنها توفيقية عند بعض العلماء. وذكر الله هنا عام في كل ذكر توحيدًا كان أو تسبيحًا أو تحميدًا أو تكبيرًا أو تلاوة قرآن، أو مذكرة علوم شرعية، أو ما كان آلةً لها، أو آذانًا، أو إقامة، أو نحوها.
والمعنى مثل نوره كمشكاة، كمصباح موضوع في مشكاة كائنة في بيوت أمر الله بتطهيرها من الأنجاس الحسية، والمعنوية، كاللغو ورفث الحديث. وأمر بذكره فيها، وإخلاص العبادة له.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ سبحانه ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك البيوت، وينزهه ويقدسه عما لا يليق به. ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾؛ أي: في أول النهار وآخره. ﴿رِجَالٌ﴾ فاعل ﴿يسبح﴾. وخصوا بالذكر؛ لأن النساء ليس عليهن حضور المسجد لجمعة ولا لجماعة. اهـ. "سمين".
ولفظ فيها تكرير، لقوله: في بيوت للتأكيد والتذكير، لما بينهما من الفاصلة. إن قلنا إن قوله: ﴿في بيوت﴾ متعلق بـ ﴿يسبح﴾. وللإيذان بأن التقديم للاهتمام، لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط. والتسبيح تنزيه الله
стр. 8591
تعالى عما لا يليق به، وجعل عامًا في جميع العبادات قولًا كان أو فعلًا أو نيةً. ولكن أريد به هنا الصلوات المفروضة. كما ينبىء عنه تعيين الأوقات، بقوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾؛ أي: بالغدوات والعشيات.
فالمراد بالغدو وقت صلاة الفجر؛ لأنها مؤداة فيه. وبالآصال ما عداه من أوقات صلوات الظهر والعصر والعشائين؛ لأن الأصيل يجمعها ويشملها. كما في "الكواشي" وغيره؛
٣٧ - أي: يسبح له فيها رجال موصوفون بأنهم ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾؛ أي: لا تشغلهم من غاية الاستغراق في مقام الشهود، وهو في محل رفع صفة أولى لرجال. ﴿تِجَارَةٌ﴾؛ أي: تقليب المال لغرض الربح؛ أي: التصرف في رأس المال طالبًا الربح. وتخصيص (١) التجارة لكونها أقوى الصوارف عندهم، وأشهرها؛ أي: لا يشغلهم نوع من أنواع التجارة ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ لأموالهم، ﴿ولا﴾ شراء لأموال غيرهم. فالبيع ضابطه إعطاء المثمن وأخذ الثمن، والشراء إعطاء الثمن وأخذ المثمن؛ أي: ولا فرد من أفراد البيوع. وعطف البيع على التجارة من عطف الخاص على العام، لشمول التجارة للبيع والشراء. وإن كان في غاية الربح. وإفراده بالذكر من اندراجه تحت التجارة، لكونه أهم من قسمي التجارة، فإن الربح يتحقق بالبيع، ويتوقع بالشراء؛ أي: ربح الشراء متوقع في ثاني الحال عند البيع، فلم يكن ناجزًا كربح البيع، فإذا لم يلههم المقطوع، فالمظنون أولى.
فإن قلت: لم عطف البيع على التجارة مع شمولها له؟
قلت: لأن التجارة هي التصرف في المال، لقصد الربح، والبيع أعم من ذلك، فعطفه عليها لئلا يتوهم القصور على بيع التجارة، أو أريد بالتجارة الشراء لقصد الربح، وبالبيع البيع مطلقًا. اهـ. "فتح الرحمن".
﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ بالتسبيح والتمجيد، أو عن حضور المسجد لإقامة الصلاة كما في "الخازن". ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: وعن إقامتها، وأدائها جماعة في مواقيتها من غير تأخير؛ لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي
стр. 8592
الصلاة. وقد أسقطت التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإعلال، وعوض عنها الإضافة.
قال الراغب: قوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ الآية. ليس ذلك نهيًا عن التجارة وكراهيةً لها، بل نهى عن التهافت والاشتغال عن الصلوات والعبادات بها. انتهى.
قال ابن الشيخ: إقامة الصلاة إتمامها برعاية جميع ما اعتبره الشرع من الأركان والشروط والسنن والآداب، فمن تساهل في شيء منها .. لا يكون مقيمًا لها.
﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾؛ أي: إعطاء المال الذي فرض إخراجه للمستحقين. وإيراده هاهنا، وإن لم يكن مما يفعل في البيوت، لكونه قرين إقامة الصلاة لا يفارقها في عامة المواضع. وقيل: المراد بالزكاة طاعة الله والإخلاص فيها، إذ ليس لكل مؤمن مال.
ومعنى الآية: ينزه الله (١) ويقدسه في أول النهار وآخره، رجال لا تشغلهم الدنيا وزخرفها , ولابيوعهم، ولا تجارتهم عن ذكر ربهم. وهو خالقهم ورازقهم. إذ يعلمون أن ما عنده خير لهم، وأنفع مما بأيديهم. فما عندهم ينفد وما عند الله باقٍ. ويؤدون الصلاة في مواقيتها، على الوجه الذي رسمه الدين، ويؤتون الزكاة المفروضة عليهم، تطهيرًا لأنفسهم من الأرجاس. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
وقرأ الجمهور (٢) ابن كَثير وحفص عن عاصم ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿يُسَبِّحُ﴾ بالياء التحتانية المضمومة والباء الموحدة المشددة المكسورة، و ﴿رجال﴾ فاعل له. وقرأ ابن وثاب وأبو حيوة ومعاذ القارىء ﴿تسبح﴾ بالتاء الفوقانية المضمومة وكسر الباء المشددة، و ﴿رجال﴾ فاعل له.
стр. 8593
وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم والبختري عن حفص ومحبوب عن أبي عمرو والمنهال عن يعقوب والمفضل وأبان ﴿يسبح﴾ بالياء المضموة التحتانية، والباء الموحدة المفتوحة على صيغة المبني للمفعول، وأحد المجرورات الثلاثة المذكورة بعده في وضع المفعول الذي لم يسم فاعله. والأولى منها الذي يلي الفعل؛ لأن طلب الفعل للمرفوع أقوى من طلبه للمنصوب الفضلة. وعلى هذه القراءة، فرجال مرفوع بفعل محذوف، تقديره: يسبحه رجال، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: المسبحون له رجال.
وقرأ أبو جعفر: ﴿تسبح﴾ بالتاء الفوقية المضمومة، وفتح الباء الموحدة على صفة المبني للمجهول. قال الزمخشري: ووجه هذه القراءة أن تسند إلى أوقات الغدو والآصال على زيادة الباء، وتجعل الأوقات مسبحة. والمراد ربُّها كـ: صِيْدَ عليه يومان. والمراد وحشهما انتهى.
ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير التسبيحة الدال عليه تسبح؛ أي: تسبح له هي؛ أي: التسبيحة. كما قالوا.
﴿ليجزى قومًا﴾ في قراءة من بناه للمفعول، ليجزى هو؛ أي: الجزاء. وقرأ أبو مجلز ﴿والإيصال﴾ بدل الآصال.
وقوله: ﴿يَخَافُونَ﴾ يجوز أن يكون نعتًا ثانيًا لرجال، وأن يكون حالًا من مفعول تلهيهم. ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به، لا ظرف على الأظهر، وهو يوم القيامة. ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ صفة لـ ﴿يومًا﴾، كما سيأتي في مبحث الإعراب؛ أي: يسبح له فيها رجال يخافون عذاب يوم تتقلب وتضطرب ﴿فِيهِ الْقُلُوبُ﴾ والأفئدة من شدة الهول والفزع. ﴿و﴾ تشخص فيه الأبصار من الهلع والحيرة، والرعب والخوف.
وقرأ ابن محيصن ﴿تقلب﴾ بإدغام التاء في التاء؛ أي: يخافون (١) يومًا
стр. 8594
تتقلب في ذلك اليوم القلوب بين طمع في النجاة وخوف من الهلاك، وتتقلب فيه الأبصار من أي ناحية يؤمر بهم، أمن ناحية اليمين، أم من ناحية الشمال. ومن أي ناحية يعطون كتابهم، أمن قبل إليمين، أم من قبل الشمال؛ أي: فإنهم وإن بالغوا في ذكر الله تعالى، والطاعات خائفون لعلمم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته.
وقيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشك إلى اليقين، وتنفتح الأبصار من الأغطية. وقيل: يتقلب القلب في الجوف فيرتفع إلى الحنجرة، فلا ينزل ولا يخرج. ويتقلب البصر فيشخص من هول الأمر وشدته. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾.
٣٨ - ثم بين مآل أمرهم وحسن عاقبتهم، فقال: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ واللام (١) فيه للعاقبة والصيرورة لا للعلة متعلقة بمحذوف تقديره: يفعلون ما يفعلون من التسبيح والذكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ليجزيهم الله سبحانه أحسن ما عملوا؛ أي: حسن ما عملوا. فالمفاضلة ليست على بابها، فالمحترز عنه، المجازاة على العمل القبيح. فالمعنى: ليجزيهم الله سبحانه على ما عملوا من الحسنات حسبما وعدهم، من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله، وإلى سبع مئة ضعف.
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ولا يجزون على ما عملوا من السيئات؛ أي: عملوا ما عملوا ليصير مآل أمرهم، وعاقبته الجزاء الحسن، فليست اللام للعلة، كما مر آنفًا؛ لأن هذه مرتبة عامة المؤمنين، وتلك الأوصاف إنما هي لكامل الإيمان.
﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾ سبحانه ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ وإحسانه وكرمه أشياء لم يعدهم بها على أعمالهم، ولم تخطر ببالهم. وهو العطاء الخاص لا لعمل؛ أي: فلا يقتصر في
стр. 8595
إعطائهم على جزاء أعمالهم، بل يعطون أشياء لم تخطر ببالهم. ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿يَرْزُقُ﴾ ويعطي ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إعطاءه ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾؛ أي: من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، أو أن عطاءه لا نهاية له. والرزق: العطاء الجاري، والحساب: استعمال العدد؛ أي: يفيض ويعطي من يشاء ثوابًا لا يدخل تحت حساب الخلق. يقال: فلان ينفق بغير حساب؛ أي: يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه، فهو كناية عن كون الله يعطيهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. بغير نهاية فوق ما وعدهم به. وهذا تذييل ووعد كريم، بأنه تعالى يعطيهم فوق أجور أعمالهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب.
قال بعض السلف (١): نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة .. تركوا كل شغل وبادروا إليها؛ أي: لا في أصحاب الصفة، وأمثالهم الذين تركوا التجارة ولزموا المسجد، فإنه تعالى قال: ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ وأصحاب الصفة وأمثالهم لم يكن عليهم الزكاة. اهـ.
٣٩ - ولما ضرب (٢) الله سبحانه المثل للمؤمنين بأشرف الأمثال وأعلاها .. ضرب المثل للكفار بأشر الأشياء وأخسها، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾.
والحاصل: أن الله سبحانه ضرب للكفار مثلين: مثل لأعمالهم الحسنة بقوله: ﴿كَسَرَاب﴾ الخ، ومثل لأعمالهم السيئة بقوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ الخ. والاسم الموصول مبتدأ أول، و ﴿كَفَرُوا﴾ صلته، و ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ مبتدأ ثان، ﴿كَسَرَابٍ﴾ خبر الثاني. والمبتدأ الثاني وخبره خبر الأول.
أي: والذين كفروا بالله ورسوله، أعمالهم التي هي من أبواب البر كصلة الأرحام وعتق الأرقاء، وعمارة البيت، وسقاية الحاج، وإغاثة الملهوفين، وقرى الأضياف، وإراقة الدماء، ونحو ذلك، مما لو قارنه الإيمان لاستتبع الثواب ولا تتوقف صحته على نية كائنة، كسراب ﴿بِقِيعَةٍ﴾؛ أي: كائن في قيعة. فالباء
стр. 8596
بمعنى في. والسراب هو شبه (١) ماء يرى نصف النهار، عند شدة الحر في البراري، يظنه من رآه ماء. فإذا قرب منه، لم ير شيئًا، وسمي سرابًا؛ لأنه يتسرب؛ أي: يجرى كالماء. ويسمى آلًا أيضًا. قال الشاعر:
إِذَا أَنَا كَالَّذِيْ يَجْرِيْ لِوِرْدٍ ... إِلَى آلٍ فَلَمْ يُدْرِكْ بِلاَلاَ
والقيعة: جمع قاع، كجيرة جمع جار، وهي الأرض المنبسطة المستوية، قد انفجرت عنها الجبال.
﴿يَحْسَبُهُ﴾؛ أي: يتوهمه ويظنه ﴿الظَّمْآنُ﴾ أي: العطشان. وكذا كل من رآه ﴿مَاءً﴾ حقيقةً، وتخصيص الحسبان بالظمآن مع شموله لكل من يراه كائنًا من كان من العطشان، والريان لتكميل التشبيه بتحقيق شركة طرفيه في وجه الشبه. وهو الابتداء المطمع والانتهاء المؤيسى. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾؛ أي: جاء ما توهمه ماءً، وعلق به رجاءه ليشرب منه، فهو غاية لمحذوف؛ أي: يستمر سائرًا إليه حتى إذا جاءه. ﴿لَمْ يَجِدْهُ﴾؛ أي: لم يجد ما حسبه ماء. ﴿شَيْئًا﴾ أصلًا، لا متحققًا ولا متوهمًا، كما يراه من قبل، فضلًا عن وجدان ماءٍ فيزداد عطشًا.
كذلك الكافر، يحسب أن عمله كصدقة ينفعه، حتى إذا مات وقدم على ربه، لم يجد عمله؛ أي: لم ينفعه. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾ سبحانه؛ أي: وجد وعد الله بالجزاء على عمله، والمعنى: وجد عذاب الله له، عند مجيئه.
﴿فَوَفَّاهُ﴾؛ أي: أعطاه وافيًا كاملًا ﴿حِسَابَهُ﴾؛ أي: حساب عمله وجزاءه. يعني: ظهر له بعد ذلك، من سوء الحال، ما لا قدر عنده، للخيبة والقنوط أصلًا. كمن يجيء إلى باب السلطان للصلة، فيضرب ضربًا وجيعًا.
والحاصل (٢): أنه شبه حال الكافر من حيث اعتقاده، أن عمله الصالح ينفعه في الآخرة، فإذا جاء يوم القيامة، لم يجد الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم، والعذاب الأليم، فتغير ظن النفع العظيم إلى تيقن الضُّر العظيم.
стр. 8597
فعظمت حسرته، بحال الظمآن الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب تعلق به، فإذا جاءه لم يجده شيئًا، وإفراد (١) الضمير الراجع إلى الذين كفروا في قوله: ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ لإرادة الجنس، أو لإرادة كل واحد منهم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لا يشغله حساب عن حساب؛ لأنه عالم بجميع المعلومات، فلا يشق عليه الحساب.
وقرأ مسلمة بن محارب (٢): ﴿بقيعاه﴾ بهاء مدورة. كما يقال: رجل عزهاه. وروي أنه قرأ ﴿بقيعات﴾ بتاء مبسوطة. قيل: يجوز أن تكون الألف متولدة من إشباع العين على الأول. وجمع قيعة على الثاني. وروي عن نافع وأبي جعفر وشيبة أنهم قرؤوا ﴿الظمآن﴾ بغير همز. والمشهور عنهم الهمز.
وحال معنى الأية: أنه (٣) شبه الأعمال الصالحة التي يعملها، من جحدوا توحيد الله وكذبوا بهذا القرآن وبمن جاء به ويظنون أنها تنفعهم عند الله وتنجيهم من عذابه، ثم تخيب في العاقبة آمالهم، ويلقون خلاف ما قدروا بالسراب، يراه من اشتد به العطش، فيحسبه ماء فيطلبه ويظن أنه قد حصل على ما يبغي، حتى إذا جاءه لم يجد شيئًا، هكذا حال الكافرين يحسبون أعمالهم نافعةً منجية لهم من بأس الله، حتى إذا جاءهم العذاب يوم القيامة، لم تنفعهم ولم تغنهم من عقابه، إلا كما ينتفع بالسراب من اشتد ظمؤه، واحتاج إلى ما به يروي غلته.
ثم بين شديد عقابه بقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾؛ أي: ووجد عقاب الله الذي توعد به الكافرين أمامه، وتحول ما كان يظنه نفعًا عظيمًا إلى ضرر محقق، وتجيؤه الزبابية تعتله وتسوقه إلى جهنم، وتسقيه الحميم والفساق، ونحو الآية قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لا يشغله حساب عبد عن حساب آخر.
стр. 8598
وخلاصة ما سلف: أن الخيبة والخسران في الآخرة لمن عملوا صالح الأعمال في الدنيا، كصلة الأرحام وإغاثة الملهوفين ونحو ذلك، وظنوا أنها تنجيهم من عذاب ربهم، وهم مع ذلك جاحدوا وحدانية الله، مكذبون لرسله، فما مثلهم إلا مثل من اشتد ظمؤه ورأى السراب فخاله ماء، وظن أنه قد وجد ضالته فسعى إليه حتى إذا جاءه لم يجد شيئًا، ورجع بخفي حنين.
هذه حالهم في الآخرة،
٤٠ - أما حالهم في الدنيا فكما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ معطوف على كـ ﴿سراب﴾، ولكنه على (١) حذف مضاف واحد، تقديره: أو كذي ظلمات، ودل على هذا المضاف قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فالضمير يعود إلى المضاف المحذوف، وهو قول أبي علي، أو على حذف مضافين، تقديره: أو كأعمال ذي ظلمات، فقدر ذي، ليصح عود الضمير إليه في قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾. وقدر أعمال، ليصح تشبيه أعمال الكفار، بأعمال صاحب الظلمات، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمات. وقيل: لا حاجة إلى حذف ألبتة.
والمعنى: أنه شبه أعمال الكفار في حيلولتها بين القلب، وما يهتدى به بالظلمة، وأما الضميران في ﴿أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ فيعودان على محذوف دل عليه المعنى؛ أي: إذا أخرج يده من فيها اهـ. "سمين".
و ﴿أَوْ﴾ فيه إما للتقسيم؛ لأن أعمال الكفار تنقسم إلى قمسين، قسم: كالسراب، وهو العمل الصالح. وقسم: كالظلمات، وهو العمل السيء. اهـ. "شيخنا".
وفي "البيضاوي": أن ﴿أَوْ﴾ فيه، إما للإباحة، فإن أعمالهم لكونها لاغية، لا منفعة لها، كالسراب، ولكونها خالية عن نور الحق، كالظلمات المتراكمة، من لجج البحر والسحاب والأمواج. فكانه قال: إن شئت مثل بالسراب، وإن شئت مثل بهذه الظلمات. أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب، وإن
стр. 8599
كانت سيئةً فكالظلمات. أو للتقيم باعتبار وقتين، فإنها كالظلمات في الدنيا، وكالسراب في الآخرة. اهـ.
أي: والذين كفروا أعمالهم كسراب، أو كظلمات كائنة. ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾؛ أي: في بحر عميق كثير الماء. منسوب إلى اللج، وهو معظم ماء البحر. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ صفة ثانية لبحر؛ أي: يستر ذلك البحر، ويغطيه بالكلية موج. والموج: ما ارتفع من الماء. ﴿مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة صفة لـ ﴿مَوْجٌ﴾؛ أي: من فوق ذلك الموج الأول موج آخر؛ أي: أمواج متراكمة بعضها على بعض. ﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾؛ أي: غيم. صفة لـ ﴿مَوْجٌ﴾ الثاني؛ أي: من فوق الموج الثاني، الأعلى سحاب غطى النجوم، وحجب أنوارها، وفيه إيماء إلى غاية تراكم الأمواج وتضاعفها، حتى كأنها بلغت السحاب، ﴿ظلمات﴾؛ أي: هذه المذكورات من الأمواج والسحاب، ظلمات متكاثفة متراكمة، ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾.
وفي "الخازن" (١): معناه أن البحر اللجي، يكون قعره مظلمًا جدًّا بسبب غمورة الماء وكثرته وارتفاعه، فإذا تردافت الأمواج ازدادت الظلمة، فإن كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى. ووجه الشبه، أن الله ، ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات، ظلمة البحر، وظلمة الأمواج وظلمة السحاب. وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات، ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول وظلمة العمل.
وقيل: شبه بالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يتغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه، ولكن هذا بعيد عن لغة العرب. كما في "الشوكاني". قال أبيّ بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم، كلامه ظلمة وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار.
والمعنى (٢): أو الذين كفروا أعمالهم القبيحة كظلمات كائنة في بحر عميق،
стр. 8600
يعلوه موج كائن من فوقه موج كائن من فوق ذلك الموج الثاني سحاب ستر ضوء النجوم. وما تقدم ذكره ظلمات متراكمة، وهي ظلمة البحر وظلمة الموج الأول، وظلمة الموج الثاني، وظلمة السحاب. وهذا بيان لكمال شدة الظلمات. كما أن قوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ بيان لغاية قوة النور. إلا أن ذلك متعلق بالمشبه وهذا بالمشبه به.
وقرأ سفيان (١) بن حسين ﴿أو كظلمات﴾ بفتح الواو، جعلها واو عطف تقدمت عليها الهمزة التي لتقرير التشبيه، الخالي عن محض الاستفهام، وقرأ الجمهور: ﴿سحاب﴾ بالتنوين. ﴿ظلمات﴾ بالرفع، على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هذه، أو تلك ظلمات. وقرأ البزي وابن محيصن ﴿سحاب ظلمات﴾ بإضافة ﴿سحاب﴾ إلى ﴿ظلمات﴾، وجه الإضافة أن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها لهذه الملابسة. وقرأ قنبل ﴿سحابٌ﴾ بالتنوين، ﴿ظلمات﴾ بالجر بدلًا من ﴿ظلمات﴾ الأولى.
ثم بالغ سبحانه، في هذه الظلمات المذكورة، بقوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾؛ أي: من (٢) ابتلي بهذه الظلمات، أو الحاضر فيها، وإضماره من غير ذكره لدلالة المعنى عليه، دلالة واضحة ﴿يَدَهُ﴾، وهي أقرب أعضائه المرئية إليه، وجعلها بمرأى منه قريبةً من عينه لينظر إليها. ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يقرب أن يراها لشدة الظلمة فضلًا عن أن يراها.
قال الزجاج وأبو عبيدة: المعنى لم يرها , لم يكد. وقال الفراء إن ﴿يكد﴾ زائدة.
والمعنى: إذا أخرج يده لم يرها. كما تقول: ما كدت أعرفه. وقال المبرد، يعني: لم يرها إلا من بعد الجهد. قال النحاس: أصح الأقوال في هذا، أن المعنى: لم يقارب رؤيتها، فإذا لم يرها رؤيةً بعيدةً، ولا قريبةً.
وجملة قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ مقررة لما قبلها، من
стр. 8601
كون أعمال الكفرة على تلك الصفة.
والمعنى: ومن لم يجعل الله له هدايةً، فماله من هداية. قال الزجاج: ذلك في الدنيا. والمعنى من لم يهده الله لم يهتد؛ أي: ومن لم يشأ الله سبحانه أن يهديه لنور القرآن، ولم يوفقه للإيمان به فما له من نور؛ أي: فما له هداية ما من أحد أصلًا.
وقيل المعنى: من لم يجعل الله له نورًا يمشي به يوم القيامة، فما له من نور يهتدي به إلى الجنة.
وخلاصة ذلك: من لم يوله الله نور توفيقه ولطفه، فو في ظلمة الباطل لا نور له.
الإعراب
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان أحكام كلية شاملة. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: كافةً يندرج فيها، حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت، اندراجًا كليًّا. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلق بـ ﴿قُلْ﴾، ومقوله محذوف، تقديره: قل للمؤمنين غضوا أبصاركم، لدلالة جوابه عليه، وهو ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾: ﴿يَغُضُّوا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بالطلب السابق. ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿مِنْ﴾ قيل: تبعيضية. وقيل: زائدة. وقيل: ابتدائية. والجملة الفعلية جملة جوابية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿يَغُضُّوا﴾ على كونه مجزومًا بالطلب. ﴿ذَلِكَ أَزْكَى﴾: مبتدأ وخبر. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَزْكَى﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿خَبِيرٌ﴾: خبره والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾. ﴿يَصْنَعُون﴾: فعل وفاعل. والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما يصنعرنه.
стр. 8602
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾.
﴿وَقُلْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعله ضير مستتر يعود على محمد. ﴿لِلْمُؤْمِنَاتِ﴾: متعلق به، ومقوله محذوف، تقديره: اغضضن من أبصاركن، والجملة معطوفة على جملة ﴿قُلْ﴾ الأولى. ﴿يَغْضُضْنَ﴾: فعل مضارع، وفاعل في محل الجزم بالطلب السابق، مبني على السكون، لاتصاله بنون الإناث. ﴿مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَغْضُضْنَ﴾ والجملة جملة جوابية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَيَحْفَظْنَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَغْضُضْنَ﴾. ﴿فُرُوجَهُنَّ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿يُبْدِين﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث. ﴿زِينَتَهُنّ﴾: مفعول به ومضاف إليه. والجملة معطوفة على جملة ﴿يَغْضُضْنَ﴾ على كونها جوابية. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب بدل من ﴿زينتهن﴾. ﴿ظَهَرَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿ما﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿ظَهَرَ﴾. والجملة صلة الموصول. ﴿وَلْيَضْرِبْن﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: لام الأمر. ﴿يضربن﴾: فعل مضارع في محل الجزم بلام الأمر. مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث، ونون الإناث: في محل الرفع فاعل. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ﴾. ﴿بِخُمُرِهِنّ﴾: ﴿الباء﴾: زائدة، أو تبعيضية. ﴿خمرهن﴾: مفعول به. ﴿عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يضربن﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿يُبْدِينَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث. والجملة معطوفة على جملة ﴿وليضربن﴾. ﴿زِينَتَهُنَّ﴾ مفعول به ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لِبُعُولَتِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُبْدِينَ﴾، ﴿أَوْ آبَائِهِنّ﴾: معطوف على ﴿بعولتهن﴾ ومضاف إليه.
стр. 8603
﴿أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾.
﴿أَوْ آبَاءِ﴾: معطوف على ﴿بُعُولَتِهِنَّ﴾، وهو مضاف ﴿بُعُولَتِهِنَّ﴾: مضاف إليه. ﴿أَوْ أَبْنَائِهِنّ﴾: معطوف على بعولتهن أيضًا. ﴿أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾: معطوف ومضاف إليه. ﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ معطوف علي بعولتهن. ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾: معطوف ومضاف إليه. وكذا قوله: ﴿أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ معطوفان على بعولتهن. ﴿أَوْ مَا﴾: اسم موصول في محل الجر معطوف على ﴿بُعُولَتِهِنّ﴾. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾: فعل وفاعل. والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: أو ما ملكته أيمانهن. ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾: معطوف على ﴿بعولتهن﴾ مجرور بالياء ﴿غَيْرِ﴾: بالجر صفة لـ ﴿التَّابِعِينَ﴾، وبالنصب على الاستثناء. أو على الحال، وهو مضاف. ﴿أُولِي﴾ مضاف إليه مجرور بالياء المحذوفة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. أولي مضاف. ﴿الْإِرْبَةِ﴾: مضاف إليه. ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾: حال من ﴿التَّابِعِينَ﴾. ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾: معطوف على ﴿بُعُولَتِهِنّ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الطِّفْلِ﴾؛ لأنه بمعنى الأطفال. ﴿لَمْ يَظْهَرُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ والجملة صلة الموصول. ﴿عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَظْهَرُوا﴾.
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ﴾: ﴿الواو﴾؛ عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿يَضْرِبْنَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية، مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث. ﴿بِأَرْجُلِهِنَّ﴾: متعلق به والمفعول محذوف، تقديره: الأرض. والجملة معطوفة على جملة ﴿وَلَا يُبْدِين﴾. ﴿لِيُعْلَمَ﴾: (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يعلم﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع نائب فاعل، وعلم هنا بمعنى عرف، يتعدى لمفعول
стр. 8604
واحد؛ أي: ليعلم الرجال ما يخفين. والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لعلم الرجال ﴿مَا يُخْفِينَ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَضْرِبْنَ﴾. ﴿يُخْفِين﴾: فعل وفاعل مبني على السكون لاتصاله بنون الإنالث. والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ما يخفينه. ﴿مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾: جار ومجرور حال من ﴿ما﴾ الموصولة، أو من العائد المحذوف. ﴿وَتُوبُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿توبوا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون. و ﴿الواو﴾: فاعل. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من فاعل ﴿توبوا﴾. والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، أو مستأنفة. ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُون﴾: (أي): منادى نكرة مقصودة، حذف منه حرف النداء، في محل النصب مبني على الضم. (ها): حرف تنبيه زائد، تعويضًا عما فات؛ أي: من الإضافة مبني بسكون على الألف المحذوفة لفظًا، لالتقاء الساكنين، وخطًا تبعًا للرسم، للفظ على قاعدة رسم المصحف العثماني؛ لأن اتباعها واجب. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: صفة لأي، تابع للفظه. وجملة النداء واقعة في جواب الطلب، لبيان المخاطبين، لا محل لها من الإعراب. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تُفْلِحُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها؛ أي: توبوا إلى الله سبحانه، لكي تفلحوا.
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾.
﴿وَأَنْكِحُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿مِنْكُمْ﴾: حال من الأيامى. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾: معطوف على ﴿الْأَيَامَى﴾. ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾: حال من ﴿الصالحين﴾. ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾: معطوف على ﴿عِبَادِكُمْ﴾. والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لتقرير حكم النكاح. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه مجزوم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فُقَرَاءَ﴾: خبر ﴿يَكُونُوا﴾. ﴿يُغْنِهِمُ﴾: فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. وعلامة جزمه حذف حرف العلة. ولفظ الجلالة فاعل له. ﴿مِنْ
стр. 8605
فَضْلِهِ﴾: متعلق به. وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة مسوقة لتعليل النهي المحذوف، تقديره: لا تمتنعوا أيها الأولياء من تزويج الأحرار والحرائر، بسبب فقرهم؛ لأنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿وَاسِعٌ﴾: خبر له، ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان. والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. و (اللام): حرف أمر وجزم. ﴿يستعفف﴾: فعل مضارع، مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾. ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة صلة الموصول. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُغْنِيَهُمُ﴾. والجملة الفعلية صلة أن المضمرة أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: إلى إغناء الله سبحانه إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يستعفف﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، يفسره المذكور بعده، تقديره: وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب، فكاتبوهم، أو مبتدأ خبره جملة ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. والأول أرجح لمكان. ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾. ﴿كاتبوا﴾: فعل وفاعل. ﴿وَالَّذِينَ﴾: مفعول به. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة صلة الموصول. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَبْتَغُونَ﴾. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فعل وفاعل. والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: مما ملكته أيمانكم. ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لما في الموصول من معنى الشرط. ﴿كاتبوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة إما مفسرة للمحذوف، لا محل لها من الإعراب، أو خبر المبتدأ في محل الرفع. ﴿إِنْ﴾؛ حرف شرط جازم. ﴿عَلِمْتُمْ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾: الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فِيهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِمْتُمْ﴾. ﴿خَيْرًا﴾: مفعول
стр. 8606
به. وجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية محذوف، دل عليه ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾؛ أي: إن علمتم فيهم خيرًا، فكاتبوهم. وجملة الشرط مستأنفة. ﴿وَآتُوهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول معطوف على ﴿كاتبوا﴾؛ لأنه بمعنى أعطى ﴿مِنْ مَالِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿آتوهمِ﴾، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: ما يستعينون به على أداء النجوم. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل الجر صفة للمال. ﴿آتَاكُمْ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعله ضمير يعود على الله، والمفعول الثاني محذوف، تقديره: آتاكموه، وهو العائد على الموصول. الجملة صلة الموصول.
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُكْرِهُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾: الناهية. والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾. ﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه، ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ متعلق بـ ﴿تُكْرِهُوا﴾. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿أَرَدْنَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿تَحَصُّنًا﴾: مفعول به وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره إن أردن تحصنًا لا تكرهوهن على البغاء. والجملة الشرطية معترضة، لا محل لها من الإعراب. ﴿لِتَبْتَغُوا﴾: اللام: حرف جر وتعليل. ﴿تبتغوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾. والجملة الفعلية، مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، تقديره لابتغائكم ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تُكْرِهُوا﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿من﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ. والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُكْرِهْهُنَّ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿من﴾ مجزوم بمن الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب من الشرطية وجوبًا. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾: جار ومجرور ومضاف
стр. 8607
إليه متعلق بـ ﴿غَفُورٌ﴾. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول لـ ﴿إن﴾. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿من﴾: الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتٍ﴾: مفعول به. ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾: صفة لها. والجملة الفعلية جواب القسم. وجملة القسم مستأنفة، مسوقة لبيان حقيقة الآيات المنزلة. ﴿وَمَثَلًا﴾: معطوف على آيات. ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾: صفة لمثلًا. ﴿خَلَوْا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: حال من فاعل ﴿خَلَوْا﴾، أو متعلق بـ ﴿خَلَوْا﴾. ﴿وَمَوْعِظَةً﴾: معطوف على ﴿آيَاتٍ﴾. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: صفة لـ ﴿موعظة﴾.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾: خبر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾: (الكاف): اسم بمعنى مثل، في محل الرفع خبر، وهو مضاف. ﴿مشكاة﴾: مضاف إليه. ويجوز إعراب الكاف: حرف جر والجار والمجرور خبر ﴿مَثَلُ﴾. والجملة من المبتدأ والخبر، جملة مفسرة لما قبلها , لا محل لها من الإعراب. ﴿فِيهَا﴾: خبر مقدم. ﴿مِصْبَاحٌ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾. ﴿الْمِصْبَاحُ﴾: مبتدأ ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ. والجملة تفسير لما قبلها , لا محل لها من الإعراب. ﴿الزُّجَاجَةُ﴾: مبتدأ ﴿كَأَنَّهَا﴾:
стр. 8608
ناصب واسمه. ﴿كَوْكَبٌ﴾: خبره. ﴿دُرِّيٌّ﴾: صفة لـ ﴿كَوْكَبٌ﴾. وجملة ﴿كأن﴾: في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة من المبتدأ والخبر، جملة مفسرة لما قبلها، لا محل لها من الإعراب. ﴿يُوقَدُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿الْمِصْبَاحُ﴾. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يُوقَدُ﴾، ولكنه على تقدير مضاف، من زيت شجرة. والجملة الفعلية في محل النصب، حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور في قوله: ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾، العائد إلى المصباح، تقديره: المصباح كائن وفي زجاجة حالة كونه يوقد من زيت شجرة. ﴿مُبَارَكَةٍ﴾: صفة لـ ﴿شَجَرَةٍ﴾. ﴿زَيْتُونَةٍ﴾: بدل ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾. ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ﴾: صفة ثانية لـ ﴿شَجَرَةٍ﴾، وزيدت ﴿لا﴾ لتفيد النفي، فلا تكون فاصلة بين الصفة والموصوف. ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾: معطوف على ﴿شَرْقِيَّةٍ﴾. ﴿يَكَادُ﴾: فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة. ﴿زَيْتُهَا﴾: اسمها. وجملة ﴿يُضِيءُ﴾: خبرها. وجملة ﴿يَكَادُ﴾ في محل الجر صفة ثالثة لـ ﴿شَجَرَةٍ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة على جملة شرط محذوف، وقعت حالًا من فاعل ﴿يُضِيءُ﴾، تقديره: يضيء زيتها لو مسته نار لأضاء، ولو لم تمسسه نار لأضاء. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَمْسَسْهُ﴾ فعل ومفعول مجزوم بلم. ﴿نَارٌ﴾: فاعل. والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. وجوابها محذوف، تقديره: لأضاء ذلك الزيت. وجملة ﴿لو﴾ في محل النصب على الحال، معطوفة على شرط محذوف. كما قدرناه آنفًا، والتقدير: يكاد زيتها يضيء، حالة مس النار إياه، وحالة عدم مسها إياه. ﴿نُورٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: نور المصباح الذي شبه به الحق، نور على نور؛ أي: نور بالزيت كائن من نور بالنار. ﴿عَلَى نُورٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نُورٌ﴾؛ أي: هذا النور نور كائن مع نور، فعلى بمعنى مع. والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان فخامة ذلك النور. ﴿يَهْدِي اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير تنفيذ مشيئته تعالى: ﴿لِنُورِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَهْدِي﴾. وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: من يشاؤه. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة معطوفة على جملة ﴿يَهْدِي﴾.
стр. 8609
﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق بـ ﴿يضرب﴾. ﴿اللَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة. ﴿الله﴾: مبتدأ. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، أو معطوقة على جملة ﴿يضرب﴾.
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾.
﴿فِي بُيُوتٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مشكاة﴾؛ أي: كمصباح مشكاة كائنة في بيوت، أو لمصباح، أو لزجاجة، أو متعلق بـ ﴿يُوقَدُ﴾. وعلى هذا لا يوقف على عليم. ولك أن تقف على عليم، فتعلقه بمحذوف، تقدير: سبحوه في بيوت، أو بيسبح. ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿بُيُوتٍ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿تُرْفَعَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿بُيُوتٍ﴾. والجملة في تأويل مصدر، مجرور بحرف جر محذوف. تقديره: أذن الله في رفعها وتطهيرها، وهي المساجد، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿أَذِنَ﴾ ﴿وَيُذْكَر﴾ معطوف على ترفع. ﴿فِيهَا﴾ متعلق بـ ﴿يذكر﴾ ﴿اسْمُهُ﴾ نائب فاعل. ﴿يُسَبِّحُ﴾: فعل مضارع ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به أيضًا. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾: جار ومجرور حال من ﴿رِجَالٌ﴾. ﴿وَالْآصَالِ﴾: معطوف على ﴿الغدو﴾؛ أي: ملتبسين بالغدو والآصال. ﴿رِجَالٌ﴾: فاعل ﴿يُسَبِّحُ﴾ وجملة ﴿يُسَبِّحُ﴾ في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿بُيُوتٍ﴾. ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾ ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾: معطوف على ﴿تِجَارَةٌ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّه﴾: متعلق بـ ﴿تُلْهِيهِمْ﴾. ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ معطوفات على ﴿ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ﴿يَخَافُون﴾: فعل وفاعل. ﴿يَوْمًا﴾: مفعول به. والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿رِجَالٌ﴾. أو في محل النصب حال من مفعول ﴿تُلْهِيهِمْ﴾. ﴿تَتَقَلَّبُ﴾: فعل مضارع. ﴿فِيه﴾: متعلق بـ ﴿تَتَقَلَّبُ﴾. ﴿الْقُلُوبُ﴾: فاعل لتتقلب. ﴿وَالْأَبْصَارُ﴾: معطوف على القلوب.
стр. 8610
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يجزيهم الله﴾: فعل مضارع ومفعول أول، وفاعل منصوب بأن مضمرة جوازًا بعد لام كي. ﴿أَحْسَنَ مَا﴾: مفعول ثان ومضاف إليه، وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلة الموصول. وجملة ﴿يجزيهم﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام. الجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: فعلوا ما ذكر من التسبيح والصلاة والزكاة لجزاء الله سبحانه إياهم أحسن ما عملوا، أى رجاء جزائه سبحانه. ﴿وَيَزِيدَهُمْ﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ﴿يجزيهم﴾ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلقان به. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿يَرْزُقُ مَنْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الله. والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة. وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة الموصول. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ متعلق بـ ﴿يَرْزُقُ﴾، أو حال من فاعل ﴿يَرْزُقُ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول. ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: مبتدأ ثان. ﴿كَسَرَابٍ﴾: جار ومجرور خبر للمبتدأ الثاني. والمبتدأ الثاني مع خبره، خبر الأول. وجملة الأول مستأنفة، مسوقة لبيان حال عمل الكفار، بعد أن بين المؤمنين بضرب مثل لهم، بقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾. ﴿بِقِيعَةٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿سراب﴾. ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل. ﴿مَاءً﴾: مفعول ثان له. والجملة الفعلية في محل الجر, صفة ثانية لـ ﴿سراب﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لهما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿الظَّمْآنُ﴾ والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَجِدْهُ شَيْئًا﴾: فعل ومفعولان مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿الظَّمْآنُ﴾. والجملة جواب ﴿إِذَا﴾ لا
стр. 8611
محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ و ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بمحذوف وقعت غاية له، تقديره: واستمر ذاهبًا إليه إلى عدم وجدانه شيئًا، وقت مجيئه إياه. والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿يَحْسَبُهُ﴾. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على جواب ﴿إِذَا﴾. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه، في محل المفعول الثاني لوجد؛ أي: وجد الله كائنًا عنده. ﴿فَوَفَّاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿وفاه حسابه﴾: فعل ومفعولان معطوف على وجد. وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾.
﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتقسيم. ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾: جار ومجرور معطوف على قوله كسراب. ﴿فِي بَحْر﴾: جار ومجرور صفة لظلمات. ﴿لُجِّيٍّ﴾: صفة لبحر؛ أي: منسوب إلى اللج. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. والجملة في محل الجر، صفة ثانية لـ ﴿بَحْرٍ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَوْجٌ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل الرفع صفة لموج الأول. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ خبر مقدم. ﴿سَحَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة في محل الرفع صفة لموج الثاني. ﴿ظُلُمَاتٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه ظلمات. والجملة جملة مفسرة لما قبلها لا محل لها من الإعراب. ﴿بَعْضُهَا﴾: مبتدأ. ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾: خبر. والجملة في محل الرفع صفة لظلمات. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَخْرَجَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على المبتلى بتلك الظلمات. ﴿يَدَهُ﴾: مفعول به. والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذَا﴾. والظرف متعلق بالجواب. ﴿لَمْ يَكَدْ﴾: جازم وفعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، واسمها ضمير يعود على صاحب اليد. ﴿يَرَاهَا﴾: فعل ومفعول به لأنها بصرية، وفاعله ضمير يعود على صاحب اليد. والجملة الفعلية في محل النصب خبر يكد. وجملة ﴿لَمْ
стр. 8612
يَكَدْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾. وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة مسوقة لبيان حال من في تلك الظلمات. ﴿وَمَنْ﴾. ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَمَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَجْعَلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بلم. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لجعل. ﴿نُورًا﴾ مفعول أول له. والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب من الشرطية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿له﴾: خبر مقدم ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿نُورٍ﴾: مبتدأ مؤخر مجرور لفظًا، مرفوع محلًا. والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة من الشرطية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَغُضُّوا﴾ الغضّ: إطباق الجفن، بحيث يمنع الرؤية. اهـ. "سمين". وفي "المصباح": غض الرجل صوته وطرفه ومن صوته ومن طرفه غضًا من باب قتل إذا خفض. ومنه يقال: غض من فلان غضًا، وغضغضه إذا انتقصه. اهـ. وأدغم أحد المثلين هنا في الثاني بخلاف قوله الآتي: يغضضن. وذلك لأن الثاني هنا متحرك، فأدغم فيه الأول، وفيما سيأتى ساكن، فلم يتأت إدغام الأول فيه أشار له "القرطبي".
﴿فُرُوجَهُمْ﴾: جمع فرج، والفرج الشق بني الشيئين، كفرجة الحائط، والفرج ما بين الرجلين، وكنى به عن السوأة، وكثر حتى صار كالصريح فيه.
﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾؛ أي: أطهر لهم من دنس الريبة، وأفعل هنا: إما مجرد عن معنى التفضيل، أو المراد أنه أزكى من كل شيءٍ نافعٍ، أو أبعد عن الريبة اهـ. "شهاب".
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: يقال: بدا الشيء بدوًا وبدوًا؛ أي: ظهر ظهورًا بينًا. وأبدى إذا أظهر. والزينة ما تزينت به المرأة، من حلي أو كحل، أو غير ذلك.
стр. 8613
﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ الخمر بضم الخاء والميم جمع خمار بكسر الخاء، وهو ما تغطي به المرأة رأسها والستر عمومًا، ويجمع على أخمرة وخمر بضم الخاء وسكون الميم وخمر بضمتين.
﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ جمع حبيب. والجيب من القميص طوقه، وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض الجسد. والجيب أيضًا: القلب والصدر. وعند العامة، الجيب: هو كيس يخاط في جانب الثوب من الداخل، ويجعل فمه من الخارج.
﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ والبعولة: الأزواج، واحدهم بعل. قال في "المفردات" البعل هو الذكر من الزوجين، وجمعه بعولة كفحل وفحولة اهـ.
﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ جمع أخ، كالأخوة، فهو جمع له أيضًا. وفي "المصباح" الأخ لامه محذوفة، وهي واو. وترد في التثنية على الأشهر، فيقال: أخوان، وفي لغة، يستعمل منقوصًا، فيقال: أخان، وجمعه إخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما وضمها لغة. وقيل جمعه بالواو والنون، وعلى آخاء وزان آباء أقل. والأنثى أخت، وجمعها أخوات، وهو جمع مؤنث سالم اهـ.
﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾: جمع تابع. قال ابن عباس: التابع: هو الأحمق العنين. وقيل: هو الذي لا يستطيع غشيان النساء، ولا يشتهيهن. وقيل: غير ذلك. كما مر في "مبحث التفسير". وبعضهم فسر التابعين بالممسوحين، وهو ظاهر.
﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾؛ أي: غير أصحاب الإربة، والحاجة إلى النساء، والإربة الحاجة. وفي "المصباح" الإرب بفتحتين، والإربة بالكسر، والمأربة بفتح الراء وضمها الحاجة، والجمع المآرب. والأرب في الأصل مصدر من باب تعب. يقال: أرب الرجل إلى الشيء إذا احتاج إليه فهو آرب على فاعل. والإرب بالكسر، يستعمل في الحاجة وفي العضو. والجمع آراب مثل حمل وأحمال اهـ.
﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. والطفل: جنس، وضع موضع الجمع، اكتفاءً بدلالة الوصف عليه، كالعدو، في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قال في "المفردات" الطفل: الولد ما دام ناعمًا، ويطلق على المثنى
стр. 8614
والجمع. والطفيلي رجل معروف بحضور الدعوات. وقال الفناري: حد الطفل من أول ما يولد إلى انقضاء ستة أعوام. والعورات جمع عورة، وهي ما يريد الإنسان ستره من بدنه، وغلب في السوءتين. الدبر والقبل، وأصلها من العار، وذلك لما يلحق في ظهورها من العار؛ أي: المذمة ولذلك سمي النساء عورة، ومن ذلك العوراء؛ أي: الكلمة القبيحة، كما في "المفردات" وقال أهل اللغة: سميت العورة عورة لقبح ظهورها. ولغض الأبصار عنها، مأخوذ من العور، وهو النقص والقبح، ومنه عور العين اهـ. والعامة: على عورات بسكون الواو، وهي لغة عامة العرب، سكنوها تخفيفًا لحرف العلة.
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأيامى مقلوب أيايم، جمع أيّم، كيتامى مقلوب يتايم جمع يتيم. فقلب قلب مكان، ثم أبدلت الكسرة فتحة والياء ألفًا فصار أيامى. والأيم: من لا زوج له من الرجال والنساء بكرًا كان أو ثيبًا. وقال في "المفردات". الأيم المرأة التي لا بعل لها، وقد قيل: للرجل الذي لا زوج له، وذلك على طريق التشبيه بالمرأة لا على التحقيق اهـ.
وفي "السمين" قوله: ﴿الْأَيَامَى﴾: جمع أيم بزنة فيعل، يقال منه آم يئيم، كباع يبيع، وقياس جمعه أيائم كسيد وسيائد، وأيامى فيه وجهان، أظهرها من كلام سيبويه - رحمه الله تعالى - أنه جمع على فعالى غير مقلوب، وكذلك يتامى. وقيل: إن الأصل أيائم ويتايم في أيم ويتيم فقلبا. وعن رسول الله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من العيمة والغيمة، والأيمة والكزم والقرم" قلت: أما العيمة بالمهملة فشدة شهوة اللبن، وبالمعجمة شدة العطش، والأيمة طول العزبة والكزم شدة شهوة الأكل، والقرم شدة شهوة اللحم اهـ.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: الصالحين للنكاح والقيام بحقوقه. وفي "المفردات" الصلاح: ضد الفساد، وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال.
﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ جمع عبد؛ أي: رقيق، وله جموع كثيرة، تبلغ نحو اثنين وعشرين صيغة، منها، عبيد وأعابد، وأعبد ذكرتها في كتابي "سلم المعراج على خطبة المنهاج".
стр. 8615
﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ جمع أمة، وهي الرقيقة غير الحرة، ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ استعفف من استفعل، والعفة حصول حالة للنفس، تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف: المتعاطي لذلك، بضرب من الممارسة والقهر، والاستعفاف طلب العفة، والمعنى يجتهد في العفة وقمع الشهوة.
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، يراد بها شرعًا إعتاق المملوك، بعد أداء شيء من المال منجمًا؛ أي: في موعدين أو أكثر فيقول له: كاتبتك على كذا درهمًا، ويقبل المملوك ذلك، فإذا أداه عتق وصار أحق بمكاسبه، كما صار أحق بنفسه، ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق منى إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك، أو كتبت لك الوفاء بالمال، وكتبت عليَّ العتق، وله أحكام مبسوطة في كتب الفقه. وفي "الأساس" و"اللسان" كتب عليه كذا قضي عليه، وكتب الله الأجل والرزق، وكتب على عباده الطاعة، وعلى نفسه الرحمة، وهذا كتاب الله؛ أي: قدره. قال الجعدي:
يَا بِنْتَ عَمِّيْ كِتَابُ اللهِ أَخَّرَنِيْ ... عَنْكُمْ وَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلاَ
فالمكاتبة: مفاعلة من الجانبين؛ لأن السيد كتب على نفسه العتق، والعبد كتب على نفسه النجوم. اهـ. "شخينا".
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ جمع فتاة. وفي "المختار" والفتى الشاب والفتاة الشابة. وقد فتى بالكسر فتاء بالفتح والمد، فهو فتى السن؛ أي: بين الفتاء والفتى أيضًا السخي الكريم، وجمع الفتى في القلة فتية، وفي الكثرة فتيان وجمع الفتاة فتيات اهـ.
﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ البغاء: الزنا، وبغت فلانة بغاءً وهي بغي طلوب للرجال، وهن بغايا. ومنه قيل: للإماء البغايا؛ لأنهن كن يباغين في الجاهلية، يقال: قامت البغايا على رؤوسهم. وفي "المصباح" وبغت المرأة تبغي بغاء بالكسر والمد من باب رمى إذا فجرت، وهي بغي، والجمع البغايا، وهو وصف مختص بالمرأة، فلا يقال: للرجل بغي. قاله الأزهري. والبغي القينة، وإن كانت عفيفة، لثبوت الفجور لها في الأصل. قاله الجوهري. ولا يراد به الشتم؛ لأنه اسم جعل