محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إِذَا﴾ في محل الجر بـ ﴿حَتَّى﴾ و ﴿حَتَّى﴾ متعلقة بمحذوف وقعت غاية له، تقديره: واستمر ذاهبًا إليه إلى عدم وجدانه شيئًا، وقت مجيئه إياه. والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿يَحْسَبُهُ﴾. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به معطوف على جواب ﴿إِذَا﴾. ﴿عِنْدَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه، في محل المفعول الثاني لوجد؛ أي: وجد الله كائنًا عنده. ﴿فَوَفَّاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿وفاه حسابه﴾: فعل ومفعولان معطوف على وجد. وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: مبتدأ وخبر ومضاف إليه. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾.
﴿أَوْ﴾: حرف عطف وتقسيم. ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾: جار ومجرور معطوف على قوله كسراب. ﴿فِي بَحْر﴾: جار ومجرور صفة لظلمات. ﴿لُجِّيٍّ﴾: صفة لبحر؛ أي: منسوب إلى اللج. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل. والجملة في محل الجر، صفة ثانية لـ ﴿بَحْرٍ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَوْجٌ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية في محل الرفع صفة لموج الأول. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ خبر مقدم. ﴿سَحَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر. والجملة في محل الرفع صفة لموج الثاني. ﴿ظُلُمَاتٌ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه ظلمات. والجملة جملة مفسرة لما قبلها لا محل لها من الإعراب. ﴿بَعْضُهَا﴾: مبتدأ. ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾: خبر. والجملة في محل الرفع صفة لظلمات. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أَخْرَجَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على المبتلى بتلك الظلمات. ﴿يَدَهُ﴾: مفعول به. والجملة في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إِذَا﴾. والظرف متعلق بالجواب. ﴿لَمْ يَكَدْ﴾: جازم وفعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، واسمها ضمير يعود على صاحب اليد. ﴿يَرَاهَا﴾: فعل ومفعول به لأنها بصرية، وفاعله ضمير يعود على صاحب اليد. والجملة الفعلية في محل النصب خبر يكد. وجملة ﴿لَمْ
стр. 8612
يَكَدْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾. وجملة ﴿إِذَا﴾ مستأنفة مسوقة لبيان حال من في تلك الظلمات. ﴿وَمَنْ﴾. ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَمَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَجْعَلِ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل مجزوم بلم. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لجعل. ﴿نُورًا﴾ مفعول أول له. والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب من الشرطية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿له﴾: خبر مقدم ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿نُورٍ﴾: مبتدأ مؤخر مجرور لفظًا، مرفوع محلًا. والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة من الشرطية مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يَغُضُّوا﴾ الغضّ: إطباق الجفن، بحيث يمنع الرؤية. اهـ. "سمين". وفي "المصباح": غض الرجل صوته وطرفه ومن صوته ومن طرفه غضًا من باب قتل إذا خفض. ومنه يقال: غض من فلان غضًا، وغضغضه إذا انتقصه. اهـ. وأدغم أحد المثلين هنا في الثاني بخلاف قوله الآتي: يغضضن. وذلك لأن الثاني هنا متحرك، فأدغم فيه الأول، وفيما سيأتى ساكن، فلم يتأت إدغام الأول فيه أشار له "القرطبي".
﴿فُرُوجَهُمْ﴾: جمع فرج، والفرج الشق بني الشيئين، كفرجة الحائط، والفرج ما بين الرجلين، وكنى به عن السوأة، وكثر حتى صار كالصريح فيه.
﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾؛ أي: أطهر لهم من دنس الريبة، وأفعل هنا: إما مجرد عن معنى التفضيل، أو المراد أنه أزكى من كل شيءٍ نافعٍ، أو أبعد عن الريبة اهـ. "شهاب".
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: يقال: بدا الشيء بدوًا وبدوًا؛ أي: ظهر ظهورًا بينًا. وأبدى إذا أظهر. والزينة ما تزينت به المرأة، من حلي أو كحل، أو غير ذلك.
стр. 8613
﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ الخمر بضم الخاء والميم جمع خمار بكسر الخاء، وهو ما تغطي به المرأة رأسها والستر عمومًا، ويجمع على أخمرة وخمر بضم الخاء وسكون الميم وخمر بضمتين.
﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ جمع حبيب. والجيب من القميص طوقه، وهو فتحة في أعلى القميص يبدو منها بعض الجسد. والجيب أيضًا: القلب والصدر. وعند العامة، الجيب: هو كيس يخاط في جانب الثوب من الداخل، ويجعل فمه من الخارج.
﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ والبعولة: الأزواج، واحدهم بعل. قال في "المفردات" البعل هو الذكر من الزوجين، وجمعه بعولة كفحل وفحولة اهـ.
﴿أَوْ إِخْوَانِهِنَّ﴾ جمع أخ، كالأخوة، فهو جمع له أيضًا. وفي "المصباح" الأخ لامه محذوفة، وهي واو. وترد في التثنية على الأشهر، فيقال: أخوان، وفي لغة، يستعمل منقوصًا، فيقال: أخان، وجمعه إخوة وإخوان بكسر الهمزة فيهما وضمها لغة. وقيل جمعه بالواو والنون، وعلى آخاء وزان آباء أقل. والأنثى أخت، وجمعها أخوات، وهو جمع مؤنث سالم اهـ.
﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾: جمع تابع. قال ابن عباس: التابع: هو الأحمق العنين. وقيل: هو الذي لا يستطيع غشيان النساء، ولا يشتهيهن. وقيل: غير ذلك. كما مر في "مبحث التفسير". وبعضهم فسر التابعين بالممسوحين، وهو ظاهر.
﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾؛ أي: غير أصحاب الإربة، والحاجة إلى النساء، والإربة الحاجة. وفي "المصباح" الإرب بفتحتين، والإربة بالكسر، والمأربة بفتح الراء وضمها الحاجة، والجمع المآرب. والأرب في الأصل مصدر من باب تعب. يقال: أرب الرجل إلى الشيء إذا احتاج إليه فهو آرب على فاعل. والإرب بالكسر، يستعمل في الحاجة وفي العضو. والجمع آراب مثل حمل وأحمال اهـ.
﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾. والطفل: جنس، وضع موضع الجمع، اكتفاءً بدلالة الوصف عليه، كالعدو، في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ قال في "المفردات" الطفل: الولد ما دام ناعمًا، ويطلق على المثنى
стр. 8614
والجمع. والطفيلي رجل معروف بحضور الدعوات. وقال الفناري: حد الطفل من أول ما يولد إلى انقضاء ستة أعوام. والعورات جمع عورة، وهي ما يريد الإنسان ستره من بدنه، وغلب في السوءتين. الدبر والقبل، وأصلها من العار، وذلك لما يلحق في ظهورها من العار؛ أي: المذمة ولذلك سمي النساء عورة، ومن ذلك العوراء؛ أي: الكلمة القبيحة، كما في "المفردات" وقال أهل اللغة: سميت العورة عورة لقبح ظهورها. ولغض الأبصار عنها، مأخوذ من العور، وهو النقص والقبح، ومنه عور العين اهـ. والعامة: على عورات بسكون الواو، وهي لغة عامة العرب، سكنوها تخفيفًا لحرف العلة.
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الأيامى مقلوب أيايم، جمع أيّم، كيتامى مقلوب يتايم جمع يتيم. فقلب قلب مكان، ثم أبدلت الكسرة فتحة والياء ألفًا فصار أيامى. والأيم: من لا زوج له من الرجال والنساء بكرًا كان أو ثيبًا. وقال في "المفردات". الأيم المرأة التي لا بعل لها، وقد قيل: للرجل الذي لا زوج له، وذلك على طريق التشبيه بالمرأة لا على التحقيق اهـ.
وفي "السمين" قوله: ﴿الْأَيَامَى﴾: جمع أيم بزنة فيعل، يقال منه آم يئيم، كباع يبيع، وقياس جمعه أيائم كسيد وسيائد، وأيامى فيه وجهان، أظهرها من كلام سيبويه - رحمه الله تعالى - أنه جمع على فعالى غير مقلوب، وكذلك يتامى. وقيل: إن الأصل أيائم ويتايم في أيم ويتيم فقلبا. وعن رسول الله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من العيمة والغيمة، والأيمة والكزم والقرم" قلت: أما العيمة بالمهملة فشدة شهوة اللبن، وبالمعجمة شدة العطش، والأيمة طول العزبة والكزم شدة شهوة الأكل، والقرم شدة شهوة اللحم اهـ.
﴿وَالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: الصالحين للنكاح والقيام بحقوقه. وفي "المفردات" الصلاح: ضد الفساد، وهما مختصان في أكثر الاستعمال بالأفعال.
﴿مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ جمع عبد؛ أي: رقيق، وله جموع كثيرة، تبلغ نحو اثنين وعشرين صيغة، منها، عبيد وأعابد، وأعبد ذكرتها في كتابي "سلم المعراج على خطبة المنهاج".
стр. 8615
﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ جمع أمة، وهي الرقيقة غير الحرة، ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ استعفف من استفعل، والعفة حصول حالة للنفس، تمتنع بها عن غلبة الشهوة، والمتعفف: المتعاطي لذلك، بضرب من الممارسة والقهر، والاستعفاف طلب العفة، والمعنى يجتهد في العفة وقمع الشهوة.
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، يراد بها شرعًا إعتاق المملوك، بعد أداء شيء من المال منجمًا؛ أي: في موعدين أو أكثر فيقول له: كاتبتك على كذا درهمًا، ويقبل المملوك ذلك، فإذا أداه عتق وصار أحق بمكاسبه، كما صار أحق بنفسه، ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق منى إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك، أو كتبت لك الوفاء بالمال، وكتبت عليَّ العتق، وله أحكام مبسوطة في كتب الفقه. وفي "الأساس" و"اللسان" كتب عليه كذا قضي عليه، وكتب الله الأجل والرزق، وكتب على عباده الطاعة، وعلى نفسه الرحمة، وهذا كتاب الله؛ أي: قدره. قال الجعدي:
يَا بِنْتَ عَمِّيْ كِتَابُ اللهِ أَخَّرَنِيْ ... عَنْكُمْ وَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلاَ
فالمكاتبة: مفاعلة من الجانبين؛ لأن السيد كتب على نفسه العتق، والعبد كتب على نفسه النجوم. اهـ. "شخينا".
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ جمع فتاة. وفي "المختار" والفتى الشاب والفتاة الشابة. وقد فتى بالكسر فتاء بالفتح والمد، فهو فتى السن؛ أي: بين الفتاء والفتى أيضًا السخي الكريم، وجمع الفتى في القلة فتية، وفي الكثرة فتيان وجمع الفتاة فتيات اهـ.
﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ البغاء: الزنا، وبغت فلانة بغاءً وهي بغي طلوب للرجال، وهن بغايا. ومنه قيل: للإماء البغايا؛ لأنهن كن يباغين في الجاهلية، يقال: قامت البغايا على رؤوسهم. وفي "المصباح" وبغت المرأة تبغي بغاء بالكسر والمد من باب رمى إذا فجرت، وهي بغي، والجمع البغايا، وهو وصف مختص بالمرأة، فلا يقال: للرجل بغي. قاله الأزهري. والبغي القينة، وإن كانت عفيفة، لثبوت الفجور لها في الأصل. قاله الجوهري. ولا يراد به الشتم؛ لأنه اسم جعل
стр. 8616
كاللقب، والأمة تباغى؛ أي: تزاني اهـ.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: منورهما، وإنما أولناه باسم الفاعل؛ لأن حقيقة النور كيفية؛ أي: عرض يدرك بالبصر، فلا يصح حمله على الذات الأقدس اهـ. "شيخنا". وعبارة "البيضاوي" النور في الأصل، كيفية تدركها بالباصرة أولًا، وتدرك بواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى، لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، إلا بتقدير مضاف، كقولك زيد عدل بمعنى ذو عدل، أو على معنى منور السماوات والأرض. وفي "القرطبي" واختلف العلماء في تأويل هذه الآية. فقيل: المعنى؛ أي: به وبقدرته أنارت أضواؤهما، واستقامت أمورهما، وقامت مصنوعاتهما. فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد؛ أي: به قوام أهلها، وصلاح جملتها، وفلان قمر الزمن، وشمس العصر. ومنه قول النابغة:
فَإنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوْكُ كَوَاكِبُ ... إِذَا ظَهَرَتْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ
وقول الآخر:
هَلَّا قَصَدْتَ مِنَ الْبِلاَدِ لِمُفْضِلٍ ... قَمَرِ الْقَبَائِلِ خَالِدِ بْنِ يَزِيْدِ
ومن ذلك قول الشاعر:
إِذَا سَارَ عَبْدُ اللهِ مِنْ مَرْوَ لَيْلَةً ... فَقَدْ سَارَ مِنْهَا نُوْرُهَا وَجَمَالُهَا
وقول الآخر:
نَسَبٌ كَأَنَّ عَلَيْهِ مِنْ شَمْسِ الضُّحَى ... نُوْرًا وَمِنْ فَلَقِ الصَّبَاحِ عَمُوْدَا
فيجوز إطلاق النور على الله سبحانه، على طريقة المدح، لكونه أوجد الأشياء المنورة وأوجد أنوارها ونورها.
﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ المشكاة: الكورة غير النافذة. وقيل: هي الحديدة، أو الرصاصة التي يوضع فيها الزيت. وقيل: هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح. وقيل: ما يعلق فيه القنديل من الحديدة. وفي "القاموس" وشرحه
стр. 8617
المشكاة: كل كوة غير نافذة، وكلل ما يوضع فيه، أو عليه المصباح. وقيل: المشكاة حبشية معربة، ورسمت بالواو كالصلاة والزكاة.
﴿زُجَاجَةٍ﴾ الزجاج بفتح الزاي وضمها، وكسرها: جسم شفاف يصنع من الرمل والقلى، والإناء: والقطعة منه، زجاجة بتثليث الزاي أيضًا. وأراد به قنديلًا من زجاج صافي أزهر.
﴿مِصْبَاحٌ﴾ المصباح: السراج الضخم الثاقب. ﴿كَوْكَبٌ﴾ والكوكب: كل نجم مضيء. ﴿دُرِّيٌّ﴾؛ أي: مضيء، بضم الدال من غير همز، وبالتشديد منسوب إلى الدرّ، شبه به لصفائه وإضاءته. ويجوز أن يكون أصله الهمز، ولكن خففت الهمزة، وهو فعيل من الدر، وهو دفع الظلمة بضوئه. ويقرأ بالكسر على معنى الوجه الثاني، ويكون على فعيل كسكين وصديق. وفي "المختار"، الدرء الدفع، وبابه قطع، وذرأ طلع مفاجاة، وبابه خضع. ومنه كوكب دري كسكيت لشدة توقده وتلألئه، ودري بالضم منسوب إلى الدر. وفيه أيضًا، ومن المجاز درأ الكوكب إذا طلع كأنه يدرأ الظلام، ودرأت النار أضاءت.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾؛ أي: يبين الله للناس الأشباه والنظائر. تقريبًا للمعقول من المحسوس. اهـ. "بيضاوي".
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال في "المفردات" أصل البيت: مأوى الإنسان بالليل. ثم قد يقال: من غير اعتبار الليل فيه. وجمعه أبيات وبيوت، لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر. ويقع ذلك على المتخذ من حجر ومدر، ومن صوف ووبر، وبه شبه بيت الشعر، وعبر عن مكان الشيء، بأنه بيته. والمراد بالبيوت هنا: المساجد كلها , لقول ابن عباس ﵄: المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم في الأرض. اهـ.
والإذن في الشيء: الإعلام بإجازته والرخصة فيه. وقال الإِمام الراغب: والرفع يقال: تارة في الأجسام الموضوعة إذا أعليتها من مقرها. كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ وتارةً في الناء إذا طولته كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ وتارةً في الذكر إذا توهته، كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾.
стр. 8618
وتارة في المنزلة إذا شرفتها، كقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ والتسبيح تنزيه الله تعالى، وأصله المرُّ السريع في عبادة الله، فإن السبح المر السريع في الماء، أو في الهواء، ويستعمل باللام وبدونها أيضًا. وجعل عامًا في العبادات قولًا كان أو فعلًا أو نية، أريد به هاهنا الصلوات المفروضة، كما ينبىء عنه تعين الأوقات، بقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ و (الغدو) في الأصل مصدر، يقال غدا يغدو غدوًا من باب سما، أي دخل في وقت الغدوة، وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. والمصدر لا يقع فيه الفعل فأطلق على الوقت حسبما يشعر اقترانه بالآصال وهو جمع أصيل، وهو العشي؛ أي: من زوال الشمس إلى طلوع الفجر. وقيل: الآصال جمع أصيل، وهو الوقت بين العصر والمغرب، ويجمع أيضًا على أصائل وأصل وأصلان.
﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ يقال: ألهاه عن كذا، إذا شغله عما هو أهم. ﴿تِجَارَةٌ﴾ قال في "المفردات": التجارة: التصرف في رأس المال طالبًا للربح، وليس في كلامهم تاء بعدها جيم، غير هذه اللفظة. ﴿بَيْعٌ﴾ والبيع إعطاء المثمن وأخذ الثمن، والشراء إعطاء الثمن وأخذ المثمن. كما مرّ.
﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ قال الزجاج: إنما حذفت الهاء؛ لأنه يقال: أقمت الصلاة إقامة، وكان الأصل إقوامًا، ولكن قلبت الواو ألفًا فاجتمعت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي أقمت الصلاة إقامًا، فأدخلت الهاء عوضًا من المحذوف، وقامت الإضافة هنا في التعويض، مقام الهاء المحذوفة. وهذا إجماع من النحويين. انتهى.
﴿يَخَافُونَ﴾ والخوف: توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة. كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن إمارة مظنونة أو معلومة، ويضاد الخوف والأمن. اهـ. من "الروح". ﴿تَتَقَلَّبُ﴾ والتقلب: التصرف والتغير من حال إلى حال، وقلب الإنسان سمي به لكثرة تقلبه من وجه إلى وجه، والبصر يقال: للجارحة الناظرة، وللقوة التي فيها.
﴿كَسَرَابٍ﴾ السراب: ما يشاهد نصف النهار من اشتداد الحو، كأنه ماء
стр. 8619
تنعكس فيه البيوت والأشجار وغيرها، ويضرب به المثل في الكذب والخداع. يقال: أخدع من السراب، وسمي سرابًا؛ لأنه يسرب؛ أي: يجري كالماء. يقال: سرب الفحل؛ أي: مضى وسار، ويسمى الآل أيضًا. ولا يكون إلا في البرية والحر، فيغتر به الظمآن.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ في "المختار" حسبت زيدًا صالحًا، بالكسر أحسبه بالفتح والكسر محسبةً، ومحسبةً بكسر السين وفتحها، وحسبانًا بالكسر ظننته. اهـ. وفي "المصباح" وحسبت زيدًا قائمًا، أحسبه، ما باب تعب، في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس، وحسبانًا بمعنى ظننت. اهـ.
﴿الظَّمْآنُ﴾: العطشان؛ أي: وكذا غيره من كل من يراه، وخص الظمآن؛ لأنه أحوج إليه من غيره، فالتشبيه به أتم. اهـ. "شيخنا". وهو صفة من ظمىء بالكسر يظمأ، والظميء بالكسر ما بين الشربتين والورودين، والظمأ: العطش الذي يحدث من ذلك. اهـ. "الروح".
﴿بِقِيعَةٍ﴾ القيعة بمعنى القاع، أو جمع قاع، وهو: المنبسط المستوى من الأرض. وفي "المصباح" والقاع: المستوى من الأرض، والجمع أقواع وقيعان، فصارت الواو ياء لكسر ما قبلها، والقيعة مثل القاع، وهو أيضًا من الواوي، وبعضهم يقول: وجمع. وقال الهروي: والقيعة جمع القاع، مثل جيرة وجار. وفي "الأساس" هوكسراب بقيعة وبقاع، ونزلوا بسراب قيعان، ولهم قاعة واسعة وهي عرصة الدار، وأهل مكة يسمون سفل الدار القاعة، ويقولون: فلان في العلية، ووضع قماشة في القاعة. وفي "القاموس" و"التاج" ما يفهم منه أن القاع أرض سهلة مطمئنة، قد انفرجت منها الجبال والآكام، ويجمع على أقواع وأقوع، وقيع وقيعان وقيعة.
﴿لُجِّيٍّ﴾ اللجي العميق الكثير الماء منسوب إلى اللج، وهو معظم البحر، هكذا قال الزمخشري، وقال غيره: منسوب إلى اللجة بالتاء، وهي أيضًا معظمه،
стр. 8620
فاللجي هو الماء الكثير العميق.
﴿مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ وأصل السحب الجر، وسمي به السحاب إما لجر الريح أو لجره الماء.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: دخول من الجارة على غض الأبصار، دون الفروج في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ إشعارًا بأن باب النظر موسع دون الفرج؛ لأنه ينظر من المحارم ما سوى العورة، بخلاف الفرج، فإنه لا يحل له إلا فرج حليلته.
ومنها: تقديم غض الأبصار على حفظ الفروج إيذانًا بأن النظر بريدة الزنا، ورائده الذي لا يخطىء.
ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾؛ لأن المراد عما حرم الله تعالى، لا عن كل شيء، فحذف ذلك أكتفاءً بفهم المخاطبين.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾؛ لأن المراد منه مواقع الزينة، وهو من باب إطلاق اسم الحال على المحل. قال الزمخشري: وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر والتصون. وفي قوله: ﴿عَلَى جُيُوبِهِنّ﴾؛ لأن المراد على أعناقهن، وإلا فهو في الأصل طوق القميص.
ومنها: الاحتراس في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فقد أقحم هذا الاعتراض ليبشع ذلك الإكراه عند المخاطب، ويحذره من الوقوع فيه، ولكي يستيقظ أنه كان ينبغي له أن يأنف من هذه الرذيلة، وإن لم يكن زاجز شرعي ووجه التبشيع عليه أن مضمون الآية النداء عليه، بأن أمته خير منه؛ لأنها آثرت التحصن عن الفاحشة، وهو يأبى إلا إكراهها.
стр. 8621
ومنها: إطلاق المصدر على اسم الفاعل، للمبالغة في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بمعنى منورهما، عبر عنه بالمصدر، كأنه عين نورهما. قال الشريف الرضي: وفي الآية استعارة على تفسير بعض العلماء. والمراد عندهم أنه هادي أهل السماوات والأرض، بصوادع برهانه، ونواصع بيانه، كما يهتدى بالأنوار الثاقبة والشهب اللامعة.
ومنها: التشبيه المرسل في قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية. فقد جاء التشبيه هنا بواسطة الأداة، وهي الكاف. والمراد النور الذي شبه به الحق، نور متضاعف قد اجتمع فيه المشكاة والزجاجة، والمصباح، والزيت، حتى لم تبق بقية مما يقوى النور. واختلفوا في هذا التشبيه، هل هو تشبيه تمثيل؛ أي: مركب قصد فيه تشبيه جملة بجملة، من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هداه وإتقانه، صنعته في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة، من النور الذي تتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم. أو تشبيه غير تمثيل؛ أي: غير مركب قصد فيه مقابلة جزءٍ بجزءٍ، وأجاز "القرطبي" الوجهين فراجعه.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ وقد تكلم علماء البيان كثيرًا عن هذا الطباق، والمقصود منه.
ومنها: التنكير في قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ إشعارًا بفخامة شأنه، وبأنه لا أرشق ولا أجمل منه.
ومنها: تشابه الأطراف في هذه الآية، وهو أن ينظر المتكلم إلى لفظة وقعت في آخر جملة من الفقرة في النثر، أو آخر لفظة وقعت في آخر المصراع الأول في النظم، فيبتدىء بها، تأمل في تشابه أطراف هذه الجمل المتلاحقة ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومن أمثلته في الشعر، قول ليلى الأخيلية في الحجاج بن يوسف:
إِذَا نَزَلَ الْحَجَّاجُ أَرْضًا مَرِيْضَةً ... تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِيْ بِهَا ... غُلاَمٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا
стр. 8622
سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشُرْبٍ سِجَالُهُ ... دِمَاءُ رِجَالٍ يَحْلِبُوْنَ حِرَاهَا
ومنها: الإطناب بذكر الخاص بعد العام، تنويهًا بشأنه في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾؛ لأن الصلاة من ذكر الله تعالى.
ومنها: فن الغلو في قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ والغلو: الإفراط في وصف الشيء المستحيل، عقلًا وعادةً، وهو ينقسم إلى قمسين: مقبول وغير مقبول:
القسم الأول: فالمقبول لا بد أن يقربه المتكلم إلى القبول، بأداة التقريب، إلا أن يكون الغلو في مدح النبي ﷺ فلا غلو حينئذٍ. ويجب على المتكلم أن يسبكه في قالب التخيلات، التي تدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة، كالآية الكريمة، فإن إضاءة الزيت من غير مس النار مستحيلة عقلًا، ولكن لفظة يكاد قربته فصار مقبولًا.
والقسم الثاني: وهو الغلو غير المقبول، كقول أبي نواس:
وَأَخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حَتَّى أَنَّهُ ... لَتَخَافُكَ النُّطَفُ الَّتِيْ لَمْ تُخْلَقِ
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ فقد أسند إلى القلوب والأبصار التقلب والاضطراب من الهول والفزع، وحق الإسناد أن يكون لصاحبها.
ومنها: التشبيه التمثيلي الرائع في قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَاب﴾ إلخ. وكذلك في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية. ووجه التشبيه، أن الذي يأتي به الكافر من أعمال البر، ويعتقد أن له ثوابًا عند الله تعالى، وليس كذلك، فإذا وفي عرصات القيامة، لم يجد الثواب الذي كان يظنه، بل وجد العقاب العظيم، والعذاب الأليم. فعظمت حسرته، وتناهى غمه، فشبه حاله بحال الظمآن، الذي اشتدت حاجته إلى الماء، فإذا شاهد السراب في البر .. تعلق قلبه، فإذا جاءه .. لم يجده شيئًا، فكذلك حال الكافر، يحسب أن عمله نافعة، فإذا احتاج إلى عمله .. لم يجده أغنى عنه شيئًا.
стр. 8623
ومنها: العطف على محذوف في قوله: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ فإنه معطوف على مقدر، وليست الجملة معطوفة على ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ بل على ما يفهم منه، بطريق التمثيل، من عدم وجدان الكفرة، من أعمالهم المذكورة عينًا، ولا أثرًا، كأنه قيل: حتى إذا جاء الكفرة يوم القيامة أعمالهم، التي كانوا في الدنيا يحسبونها نافعةً لهم في الآخرة، لم يجدوها شيئًا، ووجدوا حكم الله وقضاءه لهم بالمرصاد.
ومنها: المبالغة في التشبيه في قوله: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾؛ أي: لم يقرب أن يراها. فضلًا عن أن يراها.
ومنها: التقسيم أو التنويع في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
بالنور والهداية وقلوب الكافرين بالظلمة .. أردف ذلك بذكر دلائل التوحيد وساق منها أربعةً.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر لي الآيات السابقة ما يدل على وجوده من أحوال السماء والأرض والآثار العلوية، وأحوال الحيوان .. ذكر هنا أن هذه وغيرها آيات واضحات، دالة على وجود الخالق المدبر للكون، لا خفاء فيها.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر الأدلة الواضحة على توحيده، وأتم بيانها، ثم ذكر أنه يهدي من يشاء، من عباده إلى صراط مستقيم .. أعقبه بدر من لم يهتد بها، وهم المنافقون الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فيقولون: آمنا بالله وبالرسول، ثم يفعلون ضد ما يقولون. فإذا دعوا ليحكم بينهم الرسول فيما يتنازعون فيه .. أبوا وخافوا أن يحيف عليهم. والمؤمن الصادق الإيمان, إذا ما دعي إلى الله والرسول .. قال: سمعًا وطاعةً.
ثم بين بعض أكاذيبهم التي يراؤون بها، ويدعون الإخلاص فيها، فمنها أنهم يحلفون أغلظ الإيمان أنهم مطيعون للرسول في كل ما يأمرهم به، حتى لو أمرهم بالخروج والجهاد لبوا الأمر سراعًا، ثم أمر الرسول بنهيهم عن الحلف والأيمان؛ لأن طاعتهم معروفة، لا تحتاج إلى يمين، وبأن يقول لهم: أطيعوا الله حقًّا، لا رياءً، فإن أبيتم، فإنما علي التبليغ، وعليكم السمع والطاعة. فإن أطعتموني اهتديتم، وإن توليتم، فقد فعلت ما كلفت به، وعلى الله الحساب والجزاء.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...﴾ الآيات. مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين أن من أطاع الرسول .. فقد اهتدى إلى الحق، ومن اهتدى إلى الحق، فجزاؤه دار النعيم .. أردف ذلك وعده الكريم، بأنه سيجعل المؤمنين المطيعين لله ورسوله، خلفاء في الأرض، ويؤيدهم
стр. 8626
بالنصرة والإعزاز، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدو أمنًا، فيعبدون الله وحده، وهم آمنون. ومن جحد هذه النعم من بعد ذلك .. فقد عصى ربه، وكفر أنعمه.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما (١) بشر المؤمنين بأنه سيمكن لهم في الأرض، ويجعل لهم من بعد الخوف أمنًا .. أردف ذلك بأمرهم، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة شكرًا له، على ما أنعم به عليهم. وإحسانًا إلى عباه البائسين الفقراء، كما أحسن إليهم بتبديل ذلهم عزةً، وضعفم قوةً. ثم أعقبه برفع استبعاد تحقق الوعد السابق، مع كثرة عددهم وعُددهم، وبعدئذ ذكر أن مآلهم إلى النار وبئس القرار.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم من مرسل الحسن، قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل الآخر منازعة، فدعي إلى النبي ﷺ وهو محق أذعن وعلم أن النبي ﷺ سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي ﷺ أعرض. فقال: "انطلق إلى فلان"، فأنزل الله ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ...﴾ الآية، سبب (٢) نزول هذه الآية: ما أخرجه الحاكم بسنده، عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح، ولا يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش حتي نكون آمنين مطمئنين، لا نخاف إلا الله، فنزلت: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني بالنعمة ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ هذا حديث صحيح الإسناد لم
стр. 8627
يخرجاه وأقرّه الذهبي.
التفسير وأوجه القراءة
٤١ - والاستفهام (١) في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ للتقرير. والمراد من الرؤية، رؤية القلب. فإن التسبيح الآتي لا يتعلق به نظر البصر؛ أي: قد علمت يا محمد علمًا يشبه المشاهدة في القوة واليقين بالوحي، أو الاستدلال، أن الله ، ينزهه على الدوام في ذاته وصفاته وأفعاله، عن كل ما لا يليق بشأنه من نقص، وآفة أهل السماوات والأرض، من العقلاء وغيرهم، وعبر بـ ﴿مَن﴾ الموضوعة للعقلاء، تغلبًا لهم على غيرهم.
﴿وَالطَّيْرُ﴾ بالرفع عطف على من، جمع طائر، كركب وراكب. والطائر: كل ذي جناح يسبح في الهواء. وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في جملة ما في الأرض، لعدم استقرارها قرار ما فيها؛ لأنها تكون بين السماء والأرض غالبًا؛ أي: تسبحه تعالى حالة كونها ﴿صَافَّات﴾؛ أي: باسطات أجنحتها في الهواء تصففن. وأصل الصف البسط. ولهذا سمي اللحم القديد صفيفًا؛ لأنه يبسط.
والمعنى: أي (٢) ألم تعلم يا محمد، أو أيها المخاطب، بالدليل أن الله سبحانه ينزهه آنًا فآنًا، في ذاته وصفاته وأفعاله، جميع ما في السماوات والأرض من العقلاء وغيرهم، تنزيهًا تفهمه أرباب العقول السليمة، إذ كل المخلوقات في وجودها وبقائها، دالة على وجود خالق لها، متصف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص. وخصّ التنزيه بالذكر، مع دلالة ما فيهما على اتصافه بجميع أوصاف الكمال، من جراء أن سياق الكلام لتقبيح شأن الكفار الذين أخلوا بالتنزيه، فجعلوا الجمادات شركاء له سبحانه، ونسبوا له اتخاذ الولد إلى نحو أولئك، تعالى ربنا عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
стр. 8628
كما ذكر الطير، مع دخولها في جملة ما في الأرض، من قبل أنها غير مستقرة فيهما. وكثرة لبثها في الهواء، وهو ليس من السماء ولا من الأرض، ولاستقلالها ببديع الصنع، وإنبائها عن كمال قدرة خالقها , ولطف تدبير مبدعها، فإن منح تلك الأجرام الثقيلة، الوسائل التي تتمكن بها من الوقوف في الجو، وتتحرك كيف تشاء، وارشادها إلى طريق استعمالها بالقبض والبسط والتحريك يمينًا وشمالًا حجة واضحة الدلالة، على كمال قدرة الصانع المجيد، وحكمة المبدع المعيد. وفي ذلك تقريع للكفار، وتوبيخ لهم، حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له، يعبدونها كعبادته .
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالطَّيْرُ﴾ مرفوعًا عطفًا ﴿مَنْ﴾، و ﴿صَافَّاتٍ﴾ نصب على الحال وقرأ الأعرج: والطيرَ، بالنصب على أنه مفعول معه، وقرأ الحسن وخارجة عن نافع: والطير صافات برفعهما مبتدأ وخبرًا، تقديره: يسبحن. قيل: وتسبيح الطير حقيقي. قاله الجمهور.
﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل واحد من المخلوقات ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ هو ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾؛ أي: دعاءه وتسبيحه، اللذين ألهمهما الله تعالى إياه، فالضمائر (٢) كلها عائدة على كل. قيل: والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر للتأكيد، والصلاة قد تسمى تسبيحًا. وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علمها الله ذلك وألهمها إليه، لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية.
والمعنى: إن (٣) كل مصل ومسبح يعلم ما يجب عليه من الصلاة والتسبيح اللذين كلف بهما, وليس بالبعيد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه، كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة، التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها.
انظر إلى النحل كيف تبني بيوتها السداسية الأشكال، التي لا يتمكن من
стр. 8629
بنائها فطاحل المهندسين، إلا بدقيق الآلات. وإلى العنكبوت، كيف تفعل الحيل اللطيفة، لاصطياد الذباب. وإلى الندب يستلقي في ممر الثور، حتى إذا قرب منه ورام نطحه، شبَّث ذراعيه بقرنيه، ولا يزال ينهش ما بين ذراعيه حتى يثخنه ثم يفترسه. وهذا التسبيح محمول عند البعض على ما كان بلسان المقال، فإنه يجوز أن يكون لغير العقلاء أيضًا تسبيح حقيقة، لا يعمله إلا الله، ومن شاء من عباده. كما في "الكواشي". وقال بعضهم: تسبيح الحيوان والجماد محمول على ما كان بلسان الحال، فإن كل شيء يدل بوجوده وأحواله على وجود صانع واجب الوجود، متصف بصفات الكمال، مقدس عن كل ما لا يليق بشانه.
وروي عن أبي ثابت قال: كنت جالسًا عند محمد بن جعفر الباقر، فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس، وبعد طلوعها؛ قلت: لا. قال: فإنهن يقدسن ربهن، ويسألنه قوت يومهن. وقال بعض العلماء: إنا نشاهد أن الله تعالى ألهم الطيور وسائر الحشرات أعمالًا لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء. وهذا دليل على أن الله تعالى يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه. وقال مجاهد: الصلاة للبشر، والتسبيح لما عداهم.
وقيل: إن الضمير (١) في ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ يعود على الله سبحانه؛ أي: كل فصل منهم ومسبح، قد علم الله سبحانه صلاته وتسبيحه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: بما يفعلونه من الطاعة والصلاة والتسبيح، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، طاعتها، ومعصيتها، وعلمه محيط بها، ومجازيهم عليها.
والمعنى على هذا القول أي: كل واحد من هذه المسبحة قد علم الله صلاته له، وتسبيحه إياه. والأول أرجح، لاتفاق القراء على رفع كل. ولو كان الضمير في ﴿علم لله﴾، لكان نصب (كل) أولى. وذكر بعض المفسرين أنها قراءة طائفة من القراء. وقرأ الحسن (٢) وعيسى وسلام وهارون عن أبي عمرو ﴿تفعلون﴾ بتاء الخطاب. وفيه وعيد وتخويف لكفرة الثقلين، حيث لا تسبيح لهم
стр. 8630
طوعًا واختيارًا.
٤٢ - ثم بين سبحانه، أن المبدأ منه والمعاد إليه. فقال: ﴿وَلِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنه الخالق لهما, ولما فيهما من الذوات والصفات، وهو المتصرف في جميعها إيجادًا وإعدامًا، إبداءً وإعادةً. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ سبحانه خاصة لا إلى غيره ﴿الْمَصِيرُ﴾ والرجوع بالفناء، والبعث بعد الموت، فعلى العاقل أن يعبد هذا المالك القوي، ويسبحه باللسان الصوري والمعنوي.
والمعنى: أن لله ملك السماوات والأرض، وهو الحاكم المتصرف فيهما إيجادًا وإعدامًا، بدءًا وإعادةً، وإليه وحده مصيركم ومعادكم، فيوفيكم أجور أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، فأحسنوا عبادته، واجتهدوا في طاعته، وقدموا لأنفسكم صالح الأعمال.
٤٣ - ثم ذكر سبحانه دليلًا آخر على وحدانيته وقدرته من الآثار العلوية، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ والاستفهام فيه للتقرير. والرؤية هنا بصرية، والخطاب فيه لمحمد ﷺ ، أو لكل ما يصلح للخطاب. والإزجاء: سوق الشيء برفق وسهولة، كما سيأتي. والسحاب: الغيم. سمي به (١) لانسحابه في الهواء؛ أي: انجراره والمراد هنا: قطع السحاب بقرينة إضافة بين إلى ضميره؛ لأنه لا يضاف إلا إلى متعدد. قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر، ولولاه لأفسد المطر ما يقع عليه.
والمعنى: قد رأيت يا محمد، أو أيها المخاطب، رؤية بصرية أن الله يسوق غيمًا إلى حيث يشاء.
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ﴾ سبحانه ويجمع ﴿بَيْنَهُ﴾؛ أي: بين أجزائه، فيضم بعضه إلى بعض، ويجمعه بعد تفرقه، فيجعله شيئًا واحدًا بعد أن كان قطعا، ليقوى ويتصل ويكثف.
стр. 8631
قال الفراء: إن الضمير في بينه راجع إلى جملة السحاب، كما تقول: الشجر قد جلست بينه؛ لأنه جمع وإفراد الضمير باعتبار اللفظ. اهـ. وقرأ (١) ورش: ﴿يولف﴾ بالواو. وباقي السبعة بالهمز. وهو الأصل.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ﴾؛ أي: ثم يجعل سبحانه السحاب ﴿رُكَامًا﴾؛ أي: متراكمًا متراكبًا مجتمعًا بعضه فوق بعض، فإنه إذا اجتمع شيء فوق شيء، فهو ركوم مجتمع. ﴿فَتَرَى﴾؛ أي: تبصر أيها الناظر ﴿الْوَدْقَ﴾؛ أي: المطر إثر تكاثف السحاب وتراكمه. وجملة قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ أي: من ثقبه، حال (٢) من الودق؛ لأن الرؤية بصرية. والخلال جمع خلل، كجبال وجبل. وقيل: هو مفرد، كحجاب. وهو فرجة بين الشيئين. والمراد هاهنا: مخارج القطر. والمعنى: حال كون ذلك الودق، يخرج من أثناء ذلك السحاب، وفتوقه التي حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض.
وقرأ ابن مسعود (٣) وابن عباس والضحاك وأبو العالية ومعاذ العنبري عن أبي عمرو والزعفراني ﴿من خلله﴾ بالإفراد.
﴿وَيُنَزِّلُ﴾ سبحانه ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من الغمام، فإن كل ما علاك سماء، وسماء كل شيء أعلاه. ﴿مِنْ جِبَالٍ﴾؛ أي: من قطع عظام، تشبه الجبال في العظم كائنة ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في السماء، فإن السماء من المؤنثات السماعية. ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ مفعول (ينزل) على أن ﴿من﴾ تبعيضية، والأوليان لابتداء الغاية، على أن الثانية بدل اشتمال من الأولى بإعادة الجار. والبرد محركةً الماء المنعقد؛ أي: ما يبرد من المطر في الهواء فيصلب، كما في "المفردات".
والمعنى: ويُنزل الله سبحانه مبتدئًا من السماء من جبال كائنة فيها بعض برد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ينزل بسكون النون من أنزل، والباقون بفتحها وتشديد الزاي من نزل من باب فعل المضعف. قال بعضهم (٤): إن الله تعالى
стр. 8632
خلق جبالًا كثيرة في السماء، من البرد والثلج، ووكل بها ملكًا من الملائكة، فإذا أراد أن يرسل البرود والثلج على قطر من أقطار الأرض، يأمره بذلك، فثلج هناك ما شاء الله تعالى، بوزن ومقدار في صحبة كل حبة منها ملك يضعها حيث أمر بوضعها.
والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد .. اجتمعت هناك، وصارت سحابًا، فإن لم يشتد البرد .. تقاطرت مطرًا وإن اشتد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها .. نزل بردًا. وقد يبرد الهواء بردًا مفرطًا، فينقبض وينعقد سحابًا، وينزل منه المطر، أو الثلج، وكل ذلك مستند إلى إرادة الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح. وفي "شرح القانون" الفرق بين الدخان والبخار، هو أن تركيب الدخان من الأجزاء الأرضية والنارية، وتركيب البخار من المائية والهوائية. فيكون البخار ألطف من الدخان.
﴿فَيُصِيبُ﴾ ﴿بِهِ﴾؛ أي: بما ينزل من البرد. والباء للتعدية ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده، فيناله ما يناله من ضرر في نفسه وماله، نحو الزرع والضرع والثمرة. ﴿وَيَصْرِفُهُ﴾؛ أي: يصرف سبحانه ذلك البرد ويرده ﴿عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيأمن غائلته وضرره. ﴿يَكَادُ﴾ ويقرب ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾؛ أي: ضوء برق السحاب، فإن السنا بالقصر بمعنى الضوء، وبالمد بمعنى الرفعة والعلو، والبرق لمعان السحاب. ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَار﴾؛ أي: يخطف الأبصار الناظرة له، ويسلبها من فرط الإضاءة، وسرعة ورودها. فسبحان من يظهر الضد من الضد.
وقرأ الجمهور: ﴿سَنَا﴾ مقصورًا. ﴿بَرْقِهِ﴾ مفردًا. وقرأ طلحة بن مصرف ﴿سناء﴾ ممدودًا. ﴿برقه﴾ بضم الباء وفتح الراء جمع برقة بضم الباء. وهي المقدار من البرق، كالغرفة واللقمة، وعنه بضم الباء والراء، أتبع حركة الراء لحركة الباء. كما أتبعت في ظلمات. وأصلها السكون. والسناء بالمد ارتفاع الشأن، كأنه شبه المحسوس من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان، فإن ذلك صيِّب، لا يحس به بصر.
стр. 8633
وقرأ الجمهور (١): ﴿يَذْهَبُ﴾ بفتح الياء والهاء، وأبو جعفر ﴿يذهب﴾ بضم الياء وكسر الهاء. وخرج ذلك على زيادة الباء؛ أي: يذهب الأبصار، أو على أن الباء، بمعنى من، والمفعول محذوف، تقديره: يذهب النور من الأبصار.
٤٤ - ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ﴾ ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة (٢) بينهما، أو بنقص أحدهما أو زيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد، والظلمة والنور، وغيرها مما يقع فيهما من الأمور التي من جملتها ما ذكر، من إزجاء السحاب، وما يترتب عليه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي فصل من الإزجاء إلى التقليب ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ أي: لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم، ووحدته، وكمال قدرته، وإحاطة عمله بجميع الأشياء، ونفاذ مشيئته، وتنزهه عما لا يليق بشأنه العلي. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾؛ أي: لأصحاب العقول الكامله، والبصائر السليمة؛ أي: لكل من يبصر بقلبه، وجارحته.
ويقال: لقوة القلب المدركة: بصيرة وبصر، ولا يكاد يقال: للجارحة بصيرة. كما في "المفردات"، يعني لمن له بصيرة يعبر بها من المذكور إلى معرفة المدبر الحكيم. وسئل سعيد بن المسيب: أي العبادة أفضل؟ قال: التفكر في خلقه، والتفقه في دينه. فعلى العاقل الاعتبار آناء الليل، وأطراف النهار.
وخلاصة معنى الآيتين (٣): انظر أيها الرسول الكريم، إلى السحاب يسوقه الله بقدرته، أول ما ينشئه، ثم يجمع بين ما تفرق من أجزائه، ثم يجعل بعضه متراكمًا فوق بعض، فينزل المطر من فوقه، وحينًا ينزل منه قطعًا كبيرة من البرد، كأنها الجبال فيصيب بما ينزل منه من يشاء من عباده، فيناله الخير والنفع العميم أو الضرر الشديد، إذا كان فوق الحاجة، ويصرفه عمن يشاء أن يصرفه عنه. وإلى ما في هذا السحاب من برق يضيء بشدة وسرعة، حتى ليكاد يخطف الأبصار.
стр. 8634
وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة، إذ فيه توليد الضد من الضد. ففيه توليد النار من الماء.
وانظر أيضًا إلى اختلاف الليل والنهار، وتقلبهما بزيادة أحدهما ونقص الآخر، وإلى تغير أحوالهما بالحرارة والبرودة، إن في هذا لعبرة لمن اعتبر، وعظة لمن تأمل فيه، ممن له عقل. فهو واضح الدلالة على أن له مدبرًا ومقلبًا لا يشبهه شيء. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار". أخرجه البخاري ومسلم.
٤٥ - ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾؛ أي: كل حيوان يدب ويمشي على الأرض، والدابة كل ما يحرك أمامه قدمًا، ويدخل فيه الطير. اهـ من "البحر".
﴿مِنْ مَاءٍ﴾؛ أي (١): من الماء، الذي هو أحد جزء مادته؛ أي: أحد العناصر الأربعة، على أن يكون التنوين فيه للوحدة الجنسية، فدخل فيه آدم المخلوق من تراب، وعيسى المخلوق من روح، أو خلقها من ماء مخصوص، الذي هو النطفة؛ أي: ماء الذكر والأنثى على أن يكون التنوين للوحدة النوعية، فيكون تنزيلًا للغالب منزلة الكل، إذ من الحيوان ما يتولد لا عن نطفة.
قال في "الكواشي": تنكير ماء مؤذن أن كل دابة مخلوقة من ماء مختص بها، وهو النطفة، فجميع الحيوان سوى الملائكة والجن مخلوق من نطفة، وتعريف الماء في قولى تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ نظرًا إلى الجنس الذي خلق عنه جميع الحيوان؛ لأن أصل جميع الخلق من الماء.
وعبارة أبي حيان هنا: فإن قلت: لم نكر الماء هنا، وعرفه في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾؟
стр. 8635
قلتُ: لأن المعنى هنا: خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بهذه الدابة، أو من ماء مخصوص أو هو النطفة. وهناك قصد أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس، الذي وجنس الماء، وهو الأصل الذي هو من العناصر الأربعة.
قالوا: خلق الله ماء فجعل بعضه ريحًا، فخلق منها الملائكة، وجعل بعضه نارًا فخلق منها الجن، وبعضه طينًا فخلق منه آدم، انتهى.
والمعنى على القول الأول؛ أي (١): والله خلق كل حيوان يدب على الأرض، من ماء هو جزء مادته، وخص الماء بالذكر من بين ما يتركب منه من المواد لظهور احتياج الحيوان إليه، ولا سيما بعد كمال تركيبه، ولامتزاج الأجزاء الترابية به. ويخرج من هذا العموم الملائكة، فإنهم خلقوا من نور، والجان فإنهم خلقوا من نار.
وعبارة "الجمل" هنا: وهذا بحسب الأغلب في حيوانات الأرض المشاهدة، وإلا فالملائكة خلقوا من النور، وهم أكثر المخلوقات عددًا، والجن خلقوا من النار وهم بقدر تسعة أعشار الإنس، وآدم خلق من الطين، وعيسى خلق من الريح الذي نفخه جبريل في حبيب مريم، والدود يخلق من نحو الفاكهة ومن العفونات. اهـ. "شيخنا".
فإن قلت: لم خص (٢) الدابة بالذكر، مع أن غيرها مثلها، كما شمله قوله في سورة الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾؟
قلت: لأن القدرة فيها أظهر وأعجب منها في غيرها. وقرأ (٣) الجمهور ﴿خلق﴾ فعلًا ماضيًا كل بالنصب. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش ﴿خالق﴾ اسم فاعل مضاف إلى كل.
стр. 8636
ثم فصل سبحانه أقسام الحيوان، مما يدب على وجه الأرض، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ أي: فمن الدوابـ ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيات والحوت ونحوهما. ولما (١) كانت الدابة تشمل المميز وغير المميز غلب المميز، فأعطى ما وراءه حكمه، كأن الدواب كلهم مميزون. فمن ثمة قال: فمنهم بضمير العقلاء، وإنما قال: يمشي على وجه المجاز، وإن كان حقيقة المشي بالرجل؛ لأنه جمعه مع الذي يمشي على وجه التبع، يعني أن تسمية حركة الحية مثلًا ومرورها مشيًا، مع كونها زحفًا للمشاكلة، فإن المشي حقيقة وقطع المسافة والمرور عليها، مع قيد كون ذلك المرور على الأرجل، وإشارة إلى كمال القدرة، وإنها مع عدم وجود آلة المشي كأنها تمشي. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْن﴾ كالإنس والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام والوحوش والفرس والبغال والحمير. ومنهم من يمشي على أكثر من أربع، كالعقارب والعنكبوت والحيوان، والمعروف بأم أربع وأربعين. وإنما لم يذكر هذا القسم. إما لندوره، أو لأنه عند المشي يعتمد على أربع فقط، أو لدخوله في قوله: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مما ذكر ومما لم يذكر، بسيطًا كان أو مركبًا، على ما شاء من الصور والأعضاء، والهيئات والحركات والطبائع، والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته.
وفي "الإرشاد": وإنما لم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع، كالعناكب ونحوها، من الحشرات لعدم الاعتداد بها. وقال في "فتح الرحمن"؛ إنما تركها؛ لأنها في الصورة كالتي تمشي على أربع، أو لأنها إنما تمشي على أربع منها.
وتذكير (٢) الضمير في (منهم)، لتغليب العقلاء، والتعبير عن الأصناف بـ (من)، ليوافق التفصيل الإجمال، وهو (هم) في (منهم)، والترتيب حيث قدم الزاحف على الماشي على رجلين، وهو على الماشي على أربع؛ لأن المشي بلا آلة أدخل في القدرة من المشي على الرجلين، وهو أثبت لها بالنسبة إلى من مشى على أربع. وفي "فتح الرحمن" قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية، فيه
стр. 8637
مجاز التغليب، حيث استعمل ﴿من﴾ وهي لمن يعقل في غيره، لوقوعه تفصيلًا لما يعمهما، وهو كل دابة. وفيه أيضًا مجاز التشبيه إذ إسناد ما ذكر إلى الحية، زحف لا مشي، لكنه يشبهه في السير. اهـ.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ شاءه ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: قادر، فيفعل ما يشاء كما يشاء، فلا يمنعه مانع؛ أي: إن الله على إحداث ذلك وخلقه وخلق ما يشاء من الأشياء لذو قدرة تامة، فلا يتعذر عليه شيء أراده. وعلى الجملة فاختلاف هذه الحيوانات في الأعضاء والقوى ومقادير الأبدان والأعمال. والاختلاف لا بد أن يكون بتدبير مدبر حكيم مطلع على أحوالها، وأسرار خلقها, لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، تعالى الله عما يقول الجاحدون علوًا كبيرًا.
٤٦ - ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أنزلنا عليك يا محمد دلائل واضحات، على طريق الحق والرشاد، لكن لا يصل إلى فهمها إلا من أوتي بصيرة نيرة، وفطرة سليمة تضيء له الفكر، حتى يسير على نهج الحق، ويبتعد عن الغي والضلال.
ومن ثم قال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿يَهْدِي﴾ ويرشد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هدايته ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إلى طريق سويٍّ لا اعوجاج فيه، موصل إلى الجنة، وإلى رضا الله سبحانه، وهو إخلاص العبادة له وحده، والإنابة إليه.
٤٧ - ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾؛ أي: ويقول هؤلاء المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بِشْرٍ المنافق، خاصم يهوديًا في أرض، فدعاه إلى كعب بن الأشرف من أحبار اليهود، ودعاه اليهودي إلى النبي ﷺ ثم تحاكما إلى رسول الله ﷺ فحكم لليهودي، فلم يرض المنافق بقضائه ﵇، فقال: نتحاكم إلى عمر ﵁، فلما ذهبا إليه، قال له اليهودي: قضى لي النبي ﷺ فلم يرض بقضائه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: بلى. فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر ﵁ بيته، وخرج بسيفه، فضرب به عنق المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي،
стр. 8638
لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ﷺ . فصيغة الجمع للإيذان بأن للقائل طائفةً يساعدونه ويتابعونه في تلك المقالة، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانًا، والقاتل منهم واحد.
﴿وَأَطَعْنَا﴾ هما في الأمر والنهي، والإطاعة فعل يعمل بالأمر لا غير؛ لأنها الانقياد، وهو لا يتصور إلا بعد الأمر، بخلاف العبادة وغيرها. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ ويعرض عن قبول حكمهما ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾؛ أي: جماعة من القائلين ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ القول المذكور ﴿وَمَا أُولَئِكَ﴾ الذين يدعون الإيمان والإطاعة، ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم في الاعتقاد والعمل ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ حقيقة؛ أي: بالمؤمنين المخلصين الثابتين على الإيمان, بل هم ممن في قلوبهم مرض، وقد مرنوا على النفاق، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وخلاصة ذلك: لا يدخل في زمرة المؤمنين من يقول آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، ثم يعرض عما تقتضيه الطاعة، ويتجاوز إلى غير المؤمنين.
٤٨ - ثم بين هذا التولي بقوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: وإذا دعي هؤلاء المنافقون إلى كتاب الله وإلى رسوله ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الرسول ﴿بَيْنَهُمْ﴾ فيما اختصموا فيه بحكم الله تعالى. فالضمير في يحكم راجع إلى الرسول؛ لأنه المباشر للحكم، وإن كان الحكم حكم الله حقيقة. وذكر الله لتفخيمه ﷺ والإيذان بجلالة قدره عنده تعالى. ﴿وإذ فريق﴾ وجماعة ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من المنافقين ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن قبول الحكم، ومستكبرون عن اتباع حكمه؛ لأنه لا يحكم إلا بالحق.
وقرأ أبو جعفر ليحكم في الموضعين مبينًا للمفعول.
والمعنى: فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إليه ﷺ لكون الحق عليهم، وعلمهم بأنه ﵇ يحكم بالحق عليهم، ولا يقبل الرشوة. وهذا شرح للتولي، ومبالغة فيه. وإذا الثانية للفجأة جواب إذا الأولى الشرطية. وهذا أحد الدلائل على أن الجواب لا يعمل في إذا الشرطية، خلافًا للأكثرين من النحاة؛ لأن إذا الفجائية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
стр. 8639
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾.
٤٩ - ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ﴾؛ أي: الحكم لهم لا عليهم ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الرسول حالة كونهم ﴿مُذْعِنِينَ﴾؛ أي: منقادين لحكمه لجزمهم بأنه يحكم لهم فقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَأْتُوا﴾؛ لأن الإتيان والمجيء يتعديان بإلى، أو بـ ﴿مُذْعِنِينَ﴾؛ لأنه بمعنى مسرعين في الطاعة.
والمعنى (١): أي وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم .. جاؤوا إلى الرسول مطيعين، لعلمهم بأنه يحكم لهم؛ لأنه لا يحكم إلا بالحق، فإذعانهم لم يكن عن اعتقاد أن حكمه الحق، بل لأنه وافق هواهم، ومن جراء هذا لمَّا خالف الحق قصدهم، عدلوا عنه إلى غيره.
٥٠ - ثم فصل، ما يحتمل أن يكون السبب في عدولهم، عن قبول حكمه ﷺ إذا كان الحكم عليهم، بقوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والاستفهام فيه للإنكار والاستقباح لإعراضهم المذكور، وبيان لمنشأة؛ أي: أذلك الإعراض لأنه في قلوبهم مرض؛ أي: نفاق وكفر. ﴿أَمِ﴾ لأنهم ﴿ارْتَابُوا﴾؛ أي: شكوا في أمر نبوته ﵇، مع ظهور حقيقتها ﴿أَمْ﴾ لأنهم ﴿يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: يجورا عليهم في الحكم، ويظلماهم فيه.
وفي "الفتوحات": والاستفهام (٢) في قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ﴾ للإنكار لكن النفي المستفاد به لا يتسلط على هذه الأمور الثلاثة؛ لأنها واقعة لهم وقائمة بهم. والواقع لا ينفي وإنما هو متسلط على منشئيتها وسببيتها لإعراضهم؛ أي: ليس منشؤه شيئًا من هذه الثلاثة، بل منشؤه شيء آخر وهو ظلمهم، فبينه بالإضراب الانتقالي بقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. اهـ. "شيخنا".
стр. 8640
و ﴿أَمْ﴾ في الموضعين منقطعة، تقدر عند الجمهور ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام، تقديره: بل أرتابوا بل أيخافون. ومعنى الاستفهام هنا التقرير والتوقيف والتوبيخ ليقروا بأحد هذه الوجوه التي عليهم في الإقرار؛ إبهامًا عليهم. وهذا التوقيف يستعمل في الأمور الظاهرة، ويبالغ به تارة في الذم وتارة في المدح. اهـ. "سمين".
ثم أضرب عن الكل، وأبطل منشئيته، وحكم بأن المنشأ شيء آخر من شنائعهم حيث قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ المعرضون عن حكم الله تعالى. ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لأصحاب الحقوق عليهم؛ أي (١): ليس إعراضهم عن الحكم لواحد من هذه الثلاثة، بل لأنهم هم الظالمون؛ أي: يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم، ويتم لهم جحوده، فيأبون المحاكمة إليه لعلمهم بأنه ﵊ يقضي عليهم بالحق.
والحاصل: أنه (٢) ليس ذلك الإعراض لشيء مما ذكر.
أما الأولان: فلأنه لو كان الإعراض لشيء منهما لأعرضوا عنه ﵇ عند كون الحق لهم، ولما أثنوا إليه مذعنين لحكمه لتحقق نفاقهم وارتيابهم حينئذٍ أيضًا. وأما الثالث فلانتفائه رأسًا، حيث كانوا لا يخافون الحيف أصلًا، لمعرفتهم وتيقنهم أمانته ﷺ ، وثباته على الحق، فمناط النفي المستفاد من الإضراب في الأولين هو وصف منشئيتهما في الإعراض فقط، مع تحققهما في نفسهما.
وفي الثالث: هو الوصف مع عدم تحققه في نفسه.
وفي الرابع: هو الأصل والوصف جميعًا.
ومعنى الآية: أي (٣) أسبب إعراضهم عن المحاكمة إليه ﷺ أنهم مرضى القلوب بالكفر والنفاق أم سببه أنهم ارتابوا وشكوا في نبوته، ﵇ على
стр. 8641
ظهور أمرها؟ أم سببه أنهم يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم؟
وخلاصة ذلك: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم بالكفر والنفاق، أو عروض شك في الدين، أو خوف من أن يجور الله ورسوله عليهم، أيًّا كان الأمر، فهو كفر وضلال، والله عليم بما انطوت عليه قلوبهم من المرض.
ثم أبطل السببين الأولين، وأثبت الثالث، فقال: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: ليس العدول إلا للسبب الأول فحسب، فهم ما عدلوا إلا لما في قلوبهم من المرض والنفاق، وظلمهم لأنفسهم بمخالفة أمر ربهم، ومعصيتهم له فيما أمرهم به، من الرضا بحكم رسوله ﷺ فيما أحبوا وكرهوا، والتسليم لقضائه.
٥١ - وبعد أن نفى عنهم الإيمان الحق، بين صفات المؤمن الكامل، فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِين﴾ بالنصب، على أنه خبر ﴿كَانَ﴾ وأن وما في حيزها اسمها. ﴿إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: إلى كتابه ﴿وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: وإلى سنة رسوله ﷺ ﴿لِيَحْكُمَ﴾ الرسول ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وبين خصومهم، سواء كانوا منهم أو من غيرهم ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ الدعاء وأجبناه ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرهما بالإجابة، والقبول، والطاعة موافقة الأمر طوعًا، وهي تجوز لله ولغيره، كما في "فتح الرحمن".
وقرأ الجمهور (١): قول المؤمنين بالنصب على أنه خبر كان، وأن يقولوا اسما، وهذا أقوى صناعةً؛ لأن الأولى جعل الأعرف اسم كان، وأن يقولوا أوغل في التعريف؛ لأن الفعل المصدَّر بأن لا سبيل إلى تنكيره، بخلاف قول المؤمنين، فإنه يجوز تنكيره، بعزل الإضافة عنه.
والمعنى: إنما كان قول المؤمنين المخلصين عند الدعوة خصوصية، قولهم: سمعنا وأطعنا.
وقرأ علي (٢) وابن أبي إسحاق والحسن قول المؤمنين بالرفع، وهذا أفيد
стр. 8642
بحسب المعنى، لأن محط الفائدة هو الخبر، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر فائدة، وأظهر دلالة على الحديث.
والمعنى: إنما كان مطلق القول الصادر عن المؤمنين خصوصيةً قولهم: سمعنا وأطعنا، لا قولًا آخر. وهذا تعليم أدب الشرع، بمعنى أنَّ ما يجب أن يسلك المؤمنون كذا.
وقرأ أبو جعفر (١) والجحدري وخالد بن إلياس: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، مبنيًا للمفعول، والمفعول الذي لم يسم فاعله، هو ضمير المصدر؛ أي: ليحكم هو؛ أي: الحكم.
والمعنى: ليفعل الحكم بينهم. ومثله قولهم: جمع بينهما، وألف بينهما، وقوله تعالى: ﴿وحيل بينهم﴾.
﴿وَأُولَئِكَ﴾ المنعوتون بما ذكر من النعت الجميل ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ أي: الناجون من غضب الله وسخطه، ومن عذاب النار،
٥٢ - وبعد أن رتب الفلاح على هذا النوع، من الطاعة، أتبعه ببيان أن كل طاعة لله ورسوله موجبة للفوز. فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بامتثال ما أمرا به، واجتناب ما نهيا عنه كائنًا من كان ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما مضى من ذنوبه، أن يكون مأخوذًا بها، فيحمله ذلك على الطاعة وترك المعاصي. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
وأصله (٢): يتقيه، فحذف الياء للجزم فصار يتقه بكسر القاف والهاء. ثم سكن القاف تخفيفًا على خلاف القياس؛ لأن ما هو على صيغة فعل إنما يسكن عينه إذا كانت كلمة واحدة، نحو كَتْفِ في كَتِف فسُكِّن وسطه، كما سُكِّن وسط كَتْفٍ.
стр. 8643
﴿فَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالطاعة والخشية والاتقاء ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم. والخلود في جنات النعيم، والتقلب في رضا المولى الكريم، لا من عداهم. وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه. وإنما فسرنا الفلاح فيما سبق بالنجاة والفوز هنا بالنعيم؛ لأن باب التخلية مقدم على باب التحلية، ولأنه المناسب لسياق الكلام.
وقرأ حفص (١) ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ بإسكان القاف وكسر الهاء، باختلاس على نية الجزم، إجراء للمعتل مجرى الصحيح على لغة من قال: لم أر زيدًا بإسكان الراء. ولم أشتر طعامًا، بإسكانها أيضًا. يسقطون الياء للجازم، ثم يسكنون الحرف الذي قبلها. ومنه قول الشار: قالت سليمى اشتر لنا دقيقًا.
وقرأ الباقون بكسر القاف؛ لأن جزم هذا الفعل بحذف آخره، ولكن قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن نافع: ﴿ويتقهي﴾ بياء موصولة. وقرأ قالون عن نافع: ﴿ويتقه﴾ بكسر الهاء، لا يصل بها الياء. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ويتقه﴾ بإسكان الهاء.
٥٣ - ثم حكى سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه .. أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج إلى الغزو لخرجوا، فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: أقسم المنافقون، وحلفوا بالله ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: أقصى مراتب اليمين، وغايتها ونهايتها في الوكادة والشدة. قيل (٢): جهد اليمين أن يحلف بالله ولا يزيد على ذلك شيئًا. وقيل: بتعداد أسماء الله وصفاته. وأصله من القسامة، وهي أيمان تقسم على المتهمين في الدم، ثم صار اسمًا لكل حلف. والجهد بالفتح: الطاقة. والأيمان جمع يمين، واليمين في اللغة: القوة. وفي الشرع: تقوية أحد طرفي الخبر بذكر الله. قال الإِمام الراغب: اليمين في الحلف مستعار من اليد، اعتبارًا بما يفعله المجاهد والمعاهد عنده من المصافحة.
стр. 8644
قال في "الإرشاد" (١): جهد أيمانهم، نصب على أنه مصدر مؤكد لفعله المحذوف الذي هو في حيز النصب، على أنه من فاعل أقسموا؛ أي: أقسموا بالله تعالى يجهدون أيمانهم جهدًا. ومعنى جهد اليمين: بلوغ غايتها بطريق الاستعارة من قولهم: جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها وطاقتها؛ أي: أقسموا جاهدين بالغين أقصى مراتب اليمين في الشدة والوكادة، فمن قال: أقسم بالله، فقد جهد يمينه. ومعنى الاستعارة: أنه لما لم يكن لليمين وسعٌ وطاقةٌ، حتى يبلغ المنافقون أقصى وسع اليمين، وطاقتها، كان أصله، يجهدون أيمانهم جهدًا، ثم حذف الفعل، وقدم المصدر، فوضع موضعه مضافًا إلى المفعول، نحو فضرب الرقاب، انتهى.
وقيل: هو منتصب على الحال، والتقدير: مجتهدين في أيمانهم، كقولهم: افعل ذلك جهدك وطاقتك جاهدًا. ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾؛ أي: بالخروج إلى الغزو، فإنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : أينما كنت تكن معك، ولئن خرجت خرجنا معك، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا.
﴿لَيَخْرُجُنّ﴾ إلى الغزو جواب لأقسموا؛ لأن اللام الموطئة للقسم في قوله: ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾ جعلت ما يأتي بعد الشرط المذكور جوابًا للقسم، لا جزاء للشرط. وكان جزاء الشرط مضمرًا، مدلولًا عليه بجواب القسم، وجواب القسم وجزاء الشرط، لما كانا متماثلين، اقتصر على جواب القسم، على القاعدة المشهورة عندهم، عند اجتماع القسم والشرط.
والمعنى: أي (٢) وحلفوا بالله جاهدين أيمانهم بالغين غايتها, لئن أمرتهم بالخروج للجهاد، والغزو .. ليلبن الطلب، وليخرجن كما أمرت.
والخلاصة: أنهم أغلظوا الإيمان، وشددوها في أن يكونوا طوع أمرك ورهن إشارتك، وقالوا: أينما كنت نكن معك، فإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فرد الله عليهم وزجرهم عن التفوه بهذه الإيمان الفاجرة، وأمره
стр. 8645
أن يقول بهم بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء المنافقين ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾؛ أي: لا تحلفوا بالله، على ما تدعون من الطاعة والخروج إلى الجهاد، إن أمرتم به. وهاهنا تمّ الكلام، ثم ابتدأ فقال: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ وارتفاع طاعة على أنها خبر لمبتدأ محذوف. والجملة (١) تعليل للنهي المذكور؛ أي: لا تقسموا؛ لأن طاعتكم نفاقية، واقعة باللسان فقط، من غير مواطأة من القلب، وإنما عبر عنها بمعروفة، للإيذان بأن كونها كذلك مشهور معروف لكل أحد. كذا في "الإرشاد".
ويجوز أن يكون طاعة مبتدأ خبرها محذوف؛ لأنها قد خصصت بالصفة.
والمعنى: طاعة معروفة بالإخلاص وصدق النية خير لكم، وأمثل من قسمكم باللسان؛ فالمطلوب منكم هي، لا اليمين الكاذبة المنكرة.
وفي "التاويلات النجمية": ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ بالكذب قولًا، بل أطيعوا فعلًا. فإنه ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾؛ بالأفعال غير دعوى القيل والقال. وقرأ زيد بن علي واليزيدي ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب على المصدر لفعل محذوف؛ أي: أطيعوا طاعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾ من الأعمال، وما تضمرونه من المخالفة، لما تنطق به ألسنتكم، ومطلع (٢) على سرائركم، ففاضحكم ومجازيكم عليه. والتفت من الغيبة إلى الخطاب؛ لأنه أبلغ في تبكيتهم ,
٥٤ - ولمَّا بكتهم بأنه مطلع على سرائرهم تلطف بهم، فأمرهم بطاعة الله، وطاعة الرسول، وهو أمر عام للمنافقين وغيرهم، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ سبحانه بأداء تكاليفه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ باتباعه طاعةً ظاهرة وباطنةً بخلوص اعتقاد، وصحة نية.
وهذا التكرير منه تعالى (٣)، لتأكيد وجوب الطاعة عليهم، فإن قوله: ﴿لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ في حكم الأمر بالطاعة. وقيل: إنهما مختلفان.
فالأول: نهي بطريق الرد، والتوبيخ. والثاني: أمر بطريق التكليف لهم والإيجاب عليهم.
стр. 8646
ثم أكد الأمر السابق، وبالغ في إيجاب الامتثال به، والحمل عليه بالترغيب والترهيب بقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ خطاب للمأمورين، وأصله، فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: فإن تتولوا وتعرضوا عن هذه الطاعة، إثر ما أمرتم بها، وجواب الشرط قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: فاعلموا إنما عليه ﷺ ﴿مَا حُمِّلَ﴾؛ أي: ما كلف، وأمر به من تبليغ الرسالة، وقد فعل ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾؛ أي: ما أمرتم به من الإجابة والطاعة. ولعل (١) التعبير هنا بالتحمل للإشعار بثقله، وكونه مؤونة وكلفة باقية في عهدتهم بعد، كأنه قيل: وحيث توليتم عن ذلك، فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل، فهو وعيد لهم. وقيل: جواب الشرط محذوف، تقديره: فلا ضرر عليه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ ...﴾ إلخ. تعليل لذا المحذوف.
والمعنى: أي فإن (٢) تتولوا عن الطاعة، بعد أن أمركم الرسول بها .. فما ضررتم الرسول بشيء، بل ضررتم أنفسكم؛ لأنه عليه ما أمر به، من تبليغ الرسالة، وقد فعل، وعليكم ما أمرتم به من الطاعة، فإن أنتم لم تفعلوا وتوليتم .. فقد عرضتم أنفسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه .. فقد خرجتم من الضلال إلى الهدى، فالنفع والضرر عائدان إليكم.
﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾؛ أي: وإن تطيعوا الرسول فيما أمركم به من الطاعة .. ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق الذي هو المقصد الأسنى، الموصل إلى كل خير، والمنجي من كل شر. وتأخيره (٣) عن بيان حكم التولي، لما في تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب وجملة قوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ . ويبعد أن يحمل على الجنس، كما في "الشوكاني"؛ لأنه أعيد معرفًا. ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ مقررة لما قبلها؛ أي: ما عليه إلا التبليغ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح، وقد فعل، وإنما بقي ما حملتم، فإن أديتم فلكم، وإن توليتم فعليكم.
والمعنى: أي وإن تطيعوا الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه .. تهتدوا إلى
стр. 8647
الحق الموصل إلى كل خير، المنجي من كل شر، وما الرسول إلا ناصح، وهاد ومبلغ لكم، فإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم أصبتم طريق الصواب، وإن خالفتموه .. أوقعتم أنفسكم في الهلكة.
والخلاصة: أن الرسول فعل ما يجب عليه من أداء الرسالة، وقد بقي عليكم أن تفعلوه. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾.
قيل: يجوز (١) أن يكون قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ماضيًا، وتكون الواو لضمير الغائبين، وتكون هذه الجملة الشرطية مما أمر به رسول الله ﷺ أن يقول لهم، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة. والأول أرجح، ويؤيده الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ويؤيده أيضًا قراءة البزي ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ بتشديد التاء، وإن كانت ضعيفة، لما فيها من جمع الساكنين.
٥٥ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخطاب لعامة الكفرة. و (من) تبعيضية، أو له ﷺ ولمن معه من المؤمنين. و (من) بيانية؛ أي: الذين هم أنتم. وتوسيط الظرف بين المعطوفين لإظهار أصالة الإيمان. والمفعول الثاني محذوف، تقديره: الاستخلاف في الأرض، وتمكين دينهم، وتبديل خوفهم بالأمن.
وأما قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فهو جواب لقسم محذوف، تقديره: وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم في الأرض. وهذا الجواب، قال على المفعول المحذوف، أو جواب للوعد، بتنزيل وعده تعالى منزلة القسم لتحقق إنجازه لا محالة.
وهذه الجملة مقررة لما قبلها، من أن طاعتهم لرسول الله ﷺ سبب لهدايتهم، وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات،
стр. 8648
بالاستخلاف لهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من الأمم، وهو وعد يعم جميع الأمة.
وقيل: هو خاص بالصحابة، ولا وجه لذلك، فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله .. فقد أطاع الله تعالى ورسوله ﷺ . وقد أبعد من قال: إنها مختصة بالخلفاء الأربعة، أو بالمهاجرين، أو بأن المراد بالأرض أرض مكة، وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وظاهر قوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كل من استخلفه الله سبحانه في أرضه، فلا يخص ذلك ببني إسرائيل، ولا أمة من الأمم دون غيرها.
والمعنى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات استخلافهم في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم بالأمن. وأقسم سبحانه: وعزتي وجلالي، ليجعلنهم خلفاء في الأرض، متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم، استخلافًا كائنًا، كاستخلاف الذين من قبلهم، وهم بنو إسرائيل، استخلفهم الله في مصر والشام، بعد إهلاك فرعون والجبابرة. وظاهر الآية العموم كما مر آنفًا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ بفتح الفوقية على البناء للفاعل. وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم بضمها على البناء للمفعول وكسر اللام، فالموصول مرفوع.
وجملة قوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ معطوفة على ليستخلفنهم، داخلة تحت حكمه، كائنة من جملة الجواب. والمراد بالتمكين هنا، التثبيت والتقرير؛ أي: يجعله الله ثابتًا مقررًا، ويوسع لهم في البلاد، ويظهر دينهم على جميع الأديان. والمراد بالدين هنا الإِسلام؛ أي: وليثبتن الله لهم دينهم الذي اختار لهم، ويجعلنه مقررًا ثابتًا، بحيث يستمرون على العمل بأحكامه من غير منازع.
стр. 8649
قال في "التأويلات النجمية": يعني (١) يمكن كل صنف من الخلفاء حمل أمانته التي ارتضى لهم من أنواع مراتب دينهم، فإنهم أئمة أركان الإِسلام، ودعائم الملة الناصحون لعباده، الهادون من يسترشد في الله حفاظ الدين. وهم أصناف: قوم حفاظ أخبار الرسول ﵇، وحفاظ القرآن، وهم بمنزلة الخزنة. وقوم هم علماء الأصول من الرادِّين على أهل العناد، أصحاب البدع بواضح الأدلة، غير مخلطين الأصول بعلوم الفلاسفة وشبههم، فإنها مهلكة عظيمة، لا يسلم منها إلا العلماء الراسخون، والأولياء القائمون بالحق، وهم بطارقة الإِسلام وشجعانه. وقوم هم الفقهاء، الذين إليهم الرجوع في علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات، وهم في الدين بمنزلة الوكلاء، والمتصرفين في الملك.
وذكر الاستخلاف لهم أولًا، وهو جعلهم ملوكًا، وذكر التمكين ثانيًا، فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطروِّ، بل على وجه الاستقرار والثبات، بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدم.
وجملة ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ معطوفة على التي قبلها؛ أي: وليجعلن لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنا، ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه، بحيث لا يخشون إلا الله سبحانه، ولا يرجون غيره، وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسمون ويصبحون إلا على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم كانوا في غاية الأمن والدعة، وأذل الله لهم شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد، ومهد لهم في الأرض، ومكنهم منها، فلله الحمد.
وقال أبو العالية (٢): لما أظهر الله رسوله ﷺ على جزيرة
стр. 8650
العرب .. وضعوا السلاح، وآمنوا، ثم قبض الله نبيه ﷺ فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة، فأدخل الله عليهم الخوف، فغيروا، فغير الله ما بهم.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بالتشديد من بدل المضعف، واختارها أبو عبيد. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر والحسن بالتخفيف من أبدل. واختارها أبو حاتم، وهما لغتان. وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى. فقراءة التشديد أرجح من قراءة التخفيف. قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أن بين التخفيف والتشديد فرقًا، وأنه يقال: بدلته؛ أي: غيرته، وأبدلته أزلته، وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القول صحيح.
والمعنى: أي (٢) وعد الله المؤمنين منكم المصلحين لأعمالهم ليورثنهم أرض المشركين من العرب والعجم، وليجعلنهم ملوكها وساستها كما استخلف بني إسرائيل بالشام حين أهلك الجبابرة، وجعلهم ملوكها وسكانها. وقد وفي سبحانه بوعده، فإنه لم يمت ﵊ حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأخذ الجزية من مجوسي هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، والمقوقس في مصر، والنجاشى ملك الحبشة.
ولما قُبض ﷺ إلى الرفيق الأعلى .. قام بالأمر بعده الخلفاء الراشدون، فنهجوا منهجه، وملكوا خزائنهم، واستعبدوا أبناء القياصرة، وصدق قول رسوله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ أمتي ما زوي لي منها".
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾؛ أي: وليجعلن دين الإِسلام راسخًا قويًا مقررًا، ثابت القدم، ويعظم أهله في نفوس أعدائه، الذين يواصلون الليل بالنهار، في التدبير لإطفاء أنواره، لتعفوا آثاره. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾؛