← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

عداوة كتامر لذي تمر. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: إما (١) منقطع، فالمعنى عليه: فاعلموا أن معبوداتكم عدوّ لي، لا أعبدها, لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو وليي في الدنيا والآخرة، لا يزال يتفضل عليّ بمنافعهما فأعبده، أو متصل، فالمعنى عليه: فإن كل معبود عدوّ لي إلا رب العالمين، فإنه ليس بعدوّي بل هو وليي ومعبودي. والحاصل: أن إبراهيم ﵇ صوّر الأمر في نفسه كما مر آنفًا تعريضًا بهم، فالمعنى: إني تفكرت في أمري، فرأيت عبادتي للأصنام عبادة للعدو؛ لأن من يغري على عبادتها هو الشيطان؛ فإنه أعدى عدو الإنسان، فاجتنَبتها، وأراهم إبراهيم أن تلك الكلمة نصيحة نصح بها نفسه، فإذا تفكروا قالوا: ما نصحنا إبراهيم إلّا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى للقبول، وأبعث إلى الاستماع منه. ومعنى الآية: أي (٢) إن كانت هذه الأصنام لها تأثير كما تدعون، وتستطيع أن تضر وتنفع فتخلص إليّ بالمساءة، فإني عدو لها, لا أبالي بها, ولا آبَهُ بشأنها, ولكن رب العالمين هو وليي في الدنيا والآخرة، ولا يزال متفضلًا علي فيهما. ونحو الآية قول نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، وقول هود: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾. ٧٨ - ثم وصف معبوده رب العالمين الذي يستحق العبادة بأوصاف استحق لأجلها أن يعبد، فقال:

стр. 8997

١ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ وصورني من النطفة بالتكوين في القرار المكين، ﴿فَهُوَ﴾ وحده ﴿يهدينـ﴾ ـي ويرشدني إلى مصالح الدين والدنيا بضروب الهدايات في كل لحظة ولمحة. والاستقبال (١) في ﴿يهديني﴾ مع سبق العناية بالهداية؛ لأنه يحتمل يهديني للأهم الأفضل، والأتم الأكمل، أو الذي خلقني لأسباب خدمته، فهو يهديني إلى آداب خلته، أي: رب العالمين هو الخالق الذي خلقني وصوّرني فأحسن صورتي، فهو الذي يهديني إلى كل ما يهمني من أمور المعاش والمعاد هداية تتجدد على جهة الدوام والاستمرار. ٢ - ٧٩ ﴿و﴾ هو الإله ﴿الَّذِي هُوَ﴾ وحده ﴿يُطْعِمُنِي﴾؛ أي: طعام شاء ﴿وَيَسْقِينِ﴾ ـي أي شراب شاء؛ أي: هو وحده رازقي بكل منافع الرزق وأنواعها، فمن عنده طعامي وشرابي، وليس الإطعام والسقي عبارتين عن مجرد خلق الطعام والشراب له، وتمليكهما إياه، بل يدخل فيهما إعطاء جميع ما يتوقف الانتفاع بالطعام والشراب عليه، كالشهوة وقت المضغ والابتلاع والهضم والدفع ونحو ذلك، ومن دعاء أبي هريرة ﵁ اللهم اجعل لي ضرسًا طحونًا، ومعدة هضومًا، ودبرًا بشورًا. والمعنى (٢): وهو رازقي بما يسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء، فأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا، يسقيه ما خلق من الأنعام والأناسي. فإن قلت: لِمَ زاد ﴿هُوَ﴾ عقب ﴿الَّذِي﴾ في الإطعام والسقي؟ قلت: لأنهما مما يصدران من الإنسان عادة، فيقال: زيد يطعم ويسقي، فذكر ﴿هُوَ﴾ تأكيدًا وإعلامًا بأن ذلك منه تعالى، لا من غيره بخلاف الخلق والموت والحياة، لا تصدر من غير الله تعالى: اهـ من "فتح الرحمن". وتكرير (٣) الموصول في المواضع الثلاثة المعطوفة للإيذان بأن كل واحد من

стр. 8998

الصلات نعت جليل مستقل في إيجاب الحكم. ٣ - ٨٠ ﴿و﴾ الذي ﴿إِذَا مَرِضْتُ﴾؛ أي: أصابني مرض ﴿فَهُوَ﴾ وحده ﴿يَشْفِينِ﴾ ـي؛ أي: يبرئني ويعافيني من المرض؛ أي: ينعم علي بالشفاء إذا حصل لي مرض، لا الأطباء، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض من الزمان، ومن الأغذية، والشفاء من الأطباء والأدوية، فأعلم إبراهيم أن الذي أمرض هو الذي يشفي، وهو الله تعالى. والخلاصة: أني إذا مرضت لا يقدر على شفائي أحد غيره مما يقدر من الأسباب الموصلة إلى ذلك، وحكي عن بعضهم أنه مرض وضعف حتى اصفر لونه، فقيل له: ألا ندعو لك طبيبًا يداويك من هذا المرض؟ فقال: الطبيب أمرضني. فإن قلت: لِمَ (١) نسب المرض إلى نفسه حيث قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل: وإذا أمرضني، والشفاء إلى الله تعالى حيث قال ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ مع أنهما من الله تعالى؟ قلت: أراد الثناء على ربه، فأضاف إليه الخير المحض الذي هو الشفاء، وأضاف المرض الذي هو النقمة إلى نفسه لرعاية حسن الأدب؛ لأنه لو قال: وإذا أمرضني لعد قومه ذلك عيبًا، ونظيره قصة الخضر حيث قال في العيب: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، وفي الخير المحض ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، وكذا الجن راقبوا هذا الأدب بعينه، حيث قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾. فإن قيل: فهذا يرده قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾؟. فالجواب: أن القوم كانوا لا ينكرون الموت، وإنما يجعلون له سببًا سوى تقدير الله تعالى، فأضافه إبراهيم إلى الله . اهـ. من "زاد المسير".

стр. 8999

وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ معطوف على ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، وإنما نظمهما في سلك صلة واحدة، لما أن الصحة والمرض من متفرعات الأكل والشرب غالبًا، فإن البطنة تورث الأسقام والأوجاع، والخمصة أصل الراحة والسلامة، قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم، وفي الحكمة: ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها. ٤ - ٨١ ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ في الدنيا بقبض روحي عند انقضاء الأجل ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ي بالبعث في الآخرة لمجازاة العمل. أدخل ﴿ثُمَّ﴾ هنا؛ لأن بين الإماتة الواقعة في الدنيا وبين الإحياء الحاصل في الآخرة تراخيًا، ونسبة الإماتة إلى الله تعالى؛ لأنها من النعم الإلهية في الحقيقة حيث إن الموت وصلة لأهل الكمال إلى الحياة الأبدية، والخلاص من أنواع المحن والبلية. ٥ - ٨٢ ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ﴾ وأرجو ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ بترك الأولى، أو هي كذباته الثلاث، وقد تقدم الكلام عليها ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ أي: يوم الجزاء والحساب، روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، أكان ذلك نافعًا له؟ قال: لا ينفع؛ إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". وابن جدعان اسمه عبد الله، وهو ابن عم عائشة ﵂ وكان في ابتداء أمره فقيرًا، ثم ظفر بكنز استغنى به، فكان ينفق من ذلك الكنز، ويفعل المعروف. وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال. وخلاصة مقاله: أن جميع النعم التي يتمتع بها المرء من النشأة الأولى إلى آخر الدهر هي من الله وحده، ولا قدرة لأصنامكم على شيء منها. قرأ الجمهور: ﴿خَطِيئَتِي﴾ بالإفراد، والحسن ﴿خطاياي﴾ بالجمع. واستغفار الأنبياء ﵈ تواضع منهم لربهم، وتعليم لأممهم؛ ليكونوا على حذر وطلب, لأن يغفر الله سبحانه لهم ما فرط منهم.

стр. 9000

وبعدما ذكر فنون الألطاف الفائضة عليه من الله تعالى من مبدأ خلقه إلى يوم بعثه حمله ذلك على مناجاته تعالى، ودعائه لربط العتيد، وجلب المزيد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخر ما سيأتي إن شاء الله تعالى. الإعراب ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾. ﴿فَجُمِعَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فبعث فرعون في المدائن حاشرين، فجمع السحرة ﴿جُمِعَ السَّحَرَةُ﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جمع﴾. ﴿مَعْلُومٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿وَقِيلَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قيل﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قيل﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿جمع﴾، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الاستبطائي، فيه معنى الحث على الفعل. ﴿أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾. ﴿لَعَلَّنَا﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترج ونصب، و ﴿نا﴾: اسمها. ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾ على كونها معللة للاجتماع. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْغَالِبِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كانوا هم الغالبين نتبعهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر

стр. 9001

تقديره: إذا عرفت أن السحرة جمعت، وأردت بيان ما قالوا بعدما جمعوا: فأقول لك: لما جاء السحرة. ﴿لَمَّا﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان. ﴿جَاءَ السَّحَرَةُ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط لـ ﴿لما﴾. ومحلها الجر بالإضافة ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِفِرْعَوْنَ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿لَمَّا﴾، وجملة ﴿لَمَّا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿أَئِنَّ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿إن﴾: حرف نصب. ﴿لَنَا﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إن﴾. ﴿لَأَجْرًا﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿أجرا﴾: اسم ﴿إن﴾ مؤخر، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْغَالِبِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إِن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كنا نحن الغالبين فلنا أجر، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿نَعَمْ﴾ حرف جواب قائم مقام الجواب المحذوف تقديره: نعم لكم أجر، والجواب المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَإِنَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إنكم﴾ ناصب واسمه. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب وجزاء مهمل لا عمل لها. ﴿لَمِنَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿من المقربين﴾: جار ومجرور خبر ﴿إِنَّكُمْ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على الجواب المحذوف. ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿مُوسَى﴾: فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَلْقُوا﴾ فعل أمر وفاعل. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿أَلْقُوا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما أنتم ملقونه. ﴿فَأَلْقَوْا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ألقوا﴾: فعل ماض وفاعل. ﴿حِبَالَهُمْ﴾: مفعول به

стр. 9002

ومضاف إليه. ﴿وَعِصِيَّهُمْ﴾: معطوف عليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَلْقُوا﴾. ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾: الباء: حرف جر وقسم، ﴿عزة﴾: مقسم به مجرور بباء القسم. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: مضاف إليه، الجار والمجرور متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: نحلف ونقسم بعزة فرعون، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَنَحْنُ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿نحن﴾: ضمير فصل. ﴿الْغَالِبُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب القسم. ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾. ﴿فَأَلْقَى﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ألقى موسى عصاه﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على قوله: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ﴾. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: حرف فجأة. ﴿هِيَ﴾: مبتدأ. ﴿تَلْقَفُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على العصا. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿تَلْقَفُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿ألقى﴾ عطف اسمية على فعلية. ﴿يَأْفِكُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: يأفكونه. ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على قوله: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾. ﴿سَاجِدِينَ﴾: حال من ﴿السَّحَرَةُ﴾، والأصل: فألقى الله السحرة ساجدين. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال ثانية من ﴿السَّحَرَةُ﴾، ولكن بتقدير قد. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾، وجملة ﴿آمَنَّا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿رَبِّ﴾: بدل من ﴿رب العالمين﴾: ﴿مُوسَى﴾: مضاف إليه. ﴿وَهَارُونَ﴾: معطوف على ﴿مُوسَى﴾. ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة مستأنفة.

стр. 9003

﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾ مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿آمَنْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَبْلَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بآمن أيضًا. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب. ﴿آذَنَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه، ﴿أَىَّ﴾ قبل إذني لكم. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿لكبيركم﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾: خبر ﴿إن﴾ ومضاف إليه، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة لإيمانهم. ﴿الَّذِي﴾: في محل الرفع صفة لـ ﴿كبيركم﴾. ﴿عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان، والجملة صلة الموصول. ﴿فَلَسَوْفَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم واستمررتم على فعلكم، وأردتم بيان عاقبتكم .. فأقول لكم. ﴿لسوف تعلمون﴾: و ﴿اللام﴾: زائدة زيدت لتأكيد معنى الكلام، وليست للقسم كما مر في مبحث التفسير. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس للاستقبال البعيد. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب ﴿إذا﴾ المقدرة، وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أقطعن﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده من الناصب والجازم مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾: مفعول به. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: معطوف على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مفسرة لقوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾: جار ومجرور حال من ﴿أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾؛ أي: حالة كونها متخالفات النوع والاسم. ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿أصلبنكم﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لضمير المخاطبين، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم الأولى. ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾

стр. 9004

﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَا ضَيْرَ﴾: ﴿لَا﴾: نافية تعمل عمل إن. ﴿ضَيْرَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف تقديره: لا ضير كائن علينا، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿إِلَى رَبِّنَا﴾: متعلق بـ ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾. ﴿مُنْقَلِبُونَ﴾: خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معللة لعدم الضير. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿نَطْمَعُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، وجملة ﴿نَطْمَعُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها علة ثانية لعدم الضير. ﴿أَنْ يَغْفِرَ﴾: ناصب وفعل منصوب. ﴿لَنَا﴾: متعلق بـ ﴿يَغْفِرَ﴾. ﴿رَبُّنَا﴾: فاعل. ﴿خَطَايَانَا﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض؛ أي: في غفران خطايانا، أو منصوب على المفعولية على تضمين نطمع معنى نرجو. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية. ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: خبر كان ومضاف إليه، وجملة كان مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف؛ أي: لكوننا أول المؤمنين، أو بسبب كوننا أول المؤمنين، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿يَغْفِرَ﴾؛ أي: أول من آمن من أتباع فرعون ورعيته. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾. ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أوحينا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَى مُوسَى﴾: متعلق بـ ﴿أوحينا﴾. ﴿أَنْ﴾: مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول دون حروفه. ﴿أَسْرِ﴾: فعل أمر من أسرى إذا سار ليلًا، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب. ﴿بِعِبَادِي﴾: متعلق بـ ﴿أَسْرِ﴾، أو حال من فاعل ﴿أَسْرِ﴾؛ أي: متلبسًا بعبادي. ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿أَنْ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الإسرار. ﴿فَأَرْسَلَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أرسل فرعون﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على ﴿أوحينا﴾. ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: متعلق بـ ﴿أرسل﴾، أو حال من

стр. 9005

﴿حَاشِرِينَ﴾. ﴿حَاشِرِينَ﴾: مفعول به. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿قَلِيلُونَ﴾: صفة لـ ﴿شرذمة﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من فرعون؛ أي: حالة كونه قائلًا: إن هؤلاء لشرذمة قليلون. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَنَا﴾: متعلق بـ ﴿غائظون﴾. ﴿لَغَائِظُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾، ﴿وَإِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَجَمِيعٌ﴾: خبر ﴿إن﴾، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿حَاذِرُونَ﴾: صفة ﴿جميع﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾. ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أخرجناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على قوله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾. ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾: متعلق بـ ﴿أخرجنا﴾. ﴿وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ معطوفة على ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: أخرجنا إخراجًا مثل ذلك الإخراج العجيب الذي وقع لهم، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك؛ أي: أمرنا كائن كذلك؛ أي: مثل ما فعلنا بهم من الإخراج المذكور، أو صفة ثانية لـ ﴿مقام﴾. ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿أخرجنا﴾. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أتبعوهم﴾: فعل وفاعل ومفعول ثان، والمفعول الأول محذوف تقدير: فأتبعوا أنفسهم إياهم؛ أي: لحقوهم. ﴿مُشْرِقِينَ﴾: حال؛ إما من الفاعل، أو من المفعول، والجملة معطوفة على ﴿أخرجناهم﴾، وذلك لأن إعطاء البساتين وما بعدها لبني إسرائيل إنما كان بعد هلاك فرعون وقومه اهـ. شيخنا. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم. في محل نصب مفعول فيه ظرف زمان. ﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾: فعل وفاعل، والجملة فعل شرط في

стр. 9006

محل جر بالإضافة لـ ﴿لما﴾. ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة جواب ﴿لما﴾، وجملة ﴿لما﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿مدركون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر بمعنى ارتدعوا وانزجروا. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿مَعِيَ﴾: ظرف ومضاف متعلق بمحذوف خبر ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها. ﴿رَبِّي﴾: اسمها مؤخر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿سَيَهْدِينِ﴾ ﴿السين﴾: حرف استقبال. ﴿يَهْدِينِ﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ضمة مقدرة، والنون نون الوقاية، وفاعله ضمير يعود على الله، وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَوْحَيْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أوحينا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى مُوسَى﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى﴾. ﴿أَنِ﴾: مفسرة بمعنى أي. ﴿اضْرِبْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿بِعَصَاكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اضْرِبْ﴾. ﴿الْبَحْرَ﴾: مفعول به، والجملة جملة مفسرة لجملة ﴿أوحينا﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿فَانْفَلَقَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿انفلق﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿الْبَحْرَ﴾، والجملة معطوفة على محذوف تقديره: فضربه فانفلق. ﴿فَكَانَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿كان كل فرق﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿كَالطَّوْدِ﴾: خبر ﴿كان﴾. ﴿الْعَظِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الطود﴾، وجملة ﴿كان﴾: معطوفة على جملة ﴿انفلق﴾. ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾. ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أوحينا﴾. ﴿ثَمَّ﴾: اسم إشارة للمكان البعيد، في محل النصب على الظرفية المكانية متعلق بـ ﴿أزلفنا﴾.

стр. 9007

﴿الْآخَرِينَ﴾: مفعول به. ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أزلفنا﴾. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ﴿مُوسَى﴾. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: تأكيد لـ ﴿مَن﴾ الموصولة. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أنجينا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر لـ ﴿إِنَّ﴾ مقدم على اسمها. ﴿لَآيَةً﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿آية﴾: اسمها مؤخر، والجملة مستأنفة، ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره معطوف على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُوَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿هو﴾: ضمير فصل. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان لها، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾. ﴿وَاتْلُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطف. ﴿اتل﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به. ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة معطوفة على اذكر المقدر عاملًا في قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾، والظرف بدل من ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ بدل اشتمال، فيكون العامل فيه ﴿أتل﴾، وقيل: منصوب بـ ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: وقت قوله لأبيه. ﴿لِأَبِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَقَوْمِهِ﴾: معطوفة على ﴿أبيه﴾. ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾: فعل ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على قوم إبراهيم وأبيه، والجملة في

стр. 9008

محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَنَظَلُّ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿نظل﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على قوم إبراهيم. ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿عَاكِفِينَ﴾. ﴿عَاكِفِينَ﴾: خبر ظل، وجملة ﴿نظل﴾ في محل النصب معطوفة على جملة ﴿نَعْبُدُ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام التوبيخي. ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ولكنه على تقدير محذوف؛ أي: يسمعون دعاءكم، أو يسمعونكم إذ تدعون، فعلى الأول تكون متعدية لواحد اتفاقًا، وعلى الثاني هي متعدية للاثنين، فقامت الجملة المقدرة مقام المفعول الثاني؛ وهو قول أبي علي الفارسي، وعند غيره الجملة المقدرة حال كما هو مبسوط في محله، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾. ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾. ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾: معطوف عليه أيضًا. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الانتقالي أفادوا بها الإجابة عن استفهامة. ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ في محل المفعول الثاني. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: يفعلون فعلًا مثل ذلك الفعل، أو تجعل الكاف مفعولًا به مقدمًا لـ ﴿يَفْعَلُونَ﴾، ولعله أولى، وجملة قوله: ﴿بَلْ وَجَدْنَا﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري المتضمن معنى الاستهزاء والسخرية، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿رأيتم﴾: فعل وفاعل؛ وهي إما بصرية تتعدى لمفعول واحد، أو علمية بمعنى عرف تتعدى لمفعول واحد أيضًا. ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول به، والتقدير: أنظرتم فأبصرتم ما كنتم تعبدون، أو تأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون،

стр. 9009

والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ويحتمل أن تكون رأيتم بمعنى أخبروني، فتكون متعدية لمفعولين؛ أولهما اسم الموصول، وثانيهما محذوف، وهو جملة استفهامية، والتقدير: أخبروني ما كنتم تعبدون هل هو جدير بالعبادة. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾: خبر كان، وجملة كان صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما كنتم تعبدونه. ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: تأكيد للضمير في ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ ليصح العطف عليه. ﴿وَآبَاؤُكُمُ﴾: معطوف على ﴿الواو﴾ في ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿الْأَقْدَمُونَ﴾: صفة لـ ﴿آباؤكم﴾. ﴿فَإِنَّهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، ﴿إنهم﴾: ناصب واسمه. ﴿عَدُوٌّ﴾: خبره. ﴿لِي﴾: صفة لـ ﴿عَدُوٌّ﴾، أو متعلق به؛ لأنه بمعنى معاد لي. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿رَبَّ﴾: منصوب على الاستثناء، والاستثناء منقطع، وإلا تقدر بـ: لكن، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها تعليلية لمحذوف تقديره: فلا أعبدهم لأنهم عدو لي إلّا رب العالمين ﴿الْعَالَمِينَ﴾: مضاف إليه. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، أو بدل منه، أو عطف بيان له، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو الذي خلقني. ﴿خَلَقَنِي﴾: فعل ماض ونون وقاية، وفاعل مستتر يعود على الموصول ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿يَهْدِينِ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الله، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة لرعاية الفاصلة في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية على كونها صلة الموصول. ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على الموصول الأول. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿يُطْعِمُنِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ونون وقاية ومفعول، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول. ﴿وَيَسْقِينِ﴾: فعل وفاعل مستتر ونون وقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة في محل النصب مفعول به، والجملة معطوفة على

стр. 9010

جملة ﴿يُطْعِمُنِي﴾. ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان مضمّن معنى الشرط. ﴿مَرِضْتُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في حل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿فَهُوَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾، ﴿هو﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَشْفِينِ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة الصلة. ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على الموصول الأول وجملة ﴿يُمِيتُنِي﴾: صلة الموصول. ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾: معطوف على ﴿يُحْيِينِ﴾. ﴿وَالَّذِي﴾: معطوف على الموصول الأول. ﴿أَطْمَعُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿أَنْ يَغْفِرَ﴾: ناصب وفعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الموصول. ﴿لِي﴾: متعلق به. ﴿خَطِيئَتِي﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَغْفِرَ﴾، وجملة ﴿يَغْفِرَ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أَطْمَعُ﴾ على تضمينه معنى أرجو؛ أي: والذي أرجو غفرانه لي يوم الدين، وجملة ﴿أَطْمَعُ﴾ صلة الموصول، والعائد ضمير مستتر في ﴿يَغْفِرَ﴾، ويجوز أن يكون في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض تقديره: والذي أطمعه في غفران خطيئتي. التصريف ومفردات اللغة ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ الميقات: ما وقت به؛ أي: حدّد من مكان أو زمان، ومنه مواقيت الإحرام ومواقيت الصلاة. أصله: موقات؛ لأنه من وقت قلبت ﴿الواو﴾ ياء؛ لوقوعها إثر كسرة، واليوم المعلوم هو يوم الزينة الذي حدده موسى في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾. وفي "الروح": الميقات: الوقت المضروب للشيء؛ أي: لما وقت به وعين من ساعات يوم معين، وهو

стр. 9011

وقت الضحى من يوم الزينة، وهو يوم عيد لهم، كانوا يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة. ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: قوته التي يمتنع بها من الضيم. ﴿تَلْقَفُ﴾؛ أي: تبتلع بسرعة، من لقفه - كسمعه - إذا تناوله بسرعة، كما في "القاموس". ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾؛ أي: نرجو، قال في "المفردات": الطمع: نزوع النفس إلى شيء شهوة له. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ الإيحاء: إعلام في خفاء، ويقال: سرى يسري - بالكسر - سرى - بالضم - وسرى - بالفتح - وأسرى أيضًا؛ أي: سار ليلًا. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ﴾ والشرذمة: الطائفة القليلة، والجمع الحقير القليل يجمع على شراذم. قال الجوهري: الشرذمة: الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء، وثوب شراذم؛ أي: قطع، ومنه قول الشاعر: جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيْصِيْ أخْلاَقُ ... شَرَاذِمٌ يَضْحَكُ مِنْهَا الْخَلاَقْ ﴿قَلِيلُونَ﴾ قال الفراء: يقال: عصبة قليلة وقليلون، وكثيرة وكثيرون، وقال المبرد: الشرذمة: القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها الشراذم، قال المفسرون: وكان الشرذمة الذين قللهم ست مئة ألف، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. ﴿لَغَائِظُونَ﴾؛ أي: فاعلون ما يغيظنا ويغضبنا، يقال: غاظني كذا وأغاظني، ومنه التغيظ والاغتياظ، والغيظ أشد الغضب؛ وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه. ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾ يقال للمجموع: جمع وجميع وجماعة، والحذر: الاحتراز عن المخاوف. قال الفراء: الحاذر الذي يحذرك الآن، والحذر المخلوق كذلك لا تلقاه إلّا حذرًا، وقال الزجاج: الحاذر المستعد، والحذر

стр. 9012

المتيقظ، وبه قال الكسائي ومحمد بن يزيد: قال النحاس: ﴿حذرون﴾ قراءة المدنيين وأبي عمرو، و ﴿حَاذِرُونَ﴾ قراءة أهل الكوفة، قال: وأبو عبيدة لذهب إلى أن معنى ﴿حذرون﴾ و ﴿حَاذِرُونَ﴾ واحد؛ وهو قول سيبويه، وأنشد سيبويه: حَذِرُ أُمُوْرًا لاَ تَضِيْرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ يُنْجِيْهِ مِنَ الأَقْدَارِ وفي "المصباح" حذر حذرًا من باب تعب، واحتذر واحترز كلها بمعنى استعد وتأهب، فهو حاذر وحذر، والاسم منه الحذر مثل حمل، وحذر الشيء إذا خافه، فالشيء محذور؛ أي: مخوف، وحذرته الشيء فحذره، اهـ. ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين، جمع جنة. ﴿وَعُيُونٍ﴾: جمع عين من الماء، قال الراغب: يقال لمنبع الماء عين تشبيهًا بالعين الجارحة؛ لما فيها من الماء. ﴿وَكُنُوزٍ﴾؛ أي: أموال كنزوها وخزنوها في باطن الأرض. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾؛ أي: قصور عالية، ودور فخمة. قال السهيلي في كتاب "التعريف والإعلام": المقام الكريم الفيوم من أرض مصر في قول طائفة من المفسرين، ومعنى الفيوم ألف يوم، كما في "التكملة"؛ وهي مدينة عظيمة بناها يوسف الصديق ﵇، ولها نهر يشقها، ونهرها من عجائب الدنيا، وذلك أنه متصل بالنيل، وينقطع أيام الشتاء، وهو يجري في سائر الزمان على العادة، ولهذه المدينة ثلاث مئة وستون قرية عامرة كلها مزارع وغلال، ويقال: إن الماء قد أخذ أكثرها في هذا الوقت، وكان يوسف جعلها على عدد أيام السنة، فإذا أجدبت الديار المصرية كانت كل قرية منها تقوم بأهل مصر يومًا، وبأرض الفيوم بساتين وأشجار وفواكه كثيرة رخيصة وأسماك زائدة الوصف، وبها من قصب السكر كثير. ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾؛ أي: ملكناها لهم تمليك الميراث. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ بقطع الهمزة، يقال: أتبعه إتباعًا إذا طلب الثاني اللحوق بالأول، وتبعه تبعًا إذا مرّ به ومضى معه. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أي: داخلين في وقت الشروق، يقال: أشرق وأصبح وأمسى وأظهر إذا دخل في الشروق والصباح والمساء والظهيرة. قال الزجاج: يقال:

стр. 9013

شرقت الشمس إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. ﴿تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: تقاربا بحيث رأى كل منهما الآخر، وهو تفاعل من الرؤية. ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾؛ أي: سيدركوننا ويلحقون بنا، اسم مفعول من أدرك الرباعي، ومنه: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾. ﴿الْبَحْرَ﴾: وهو بحر القلزم كما مر، وسمّي البحر بحرًا لاستبحاره؛ أي: اتساعه وانبساطه. ﴿فَانْفَلَقَ﴾؛ أي: انشق. ﴿كُلُّ فِرْقٍ﴾ الفرق: الجزء المنفرق منه. قال في "المفردات": الفرق يقارب الفلق، لكن الفلق يقال اعتبارًا بالانشقاق، والفرق يقال اعتبارًا بالانفصال، والفرق القطعة المنفصلة، وكل فرق بالتفخيم والترقيق لكل القراء، والتفخيم أولى. ﴿كَالطَّوْدِ﴾ الطود: الجبل، ويجمع على أطواد، يقال: طاد يطود إذا ثبت قال امرؤ القيس: فَبَيْنَا الْمَرْءُ فِيْ الأَحْيَاءِ طَوْدٌ ... رَمَاهُ النَّاسُ عَنْ كَثَبٍ فَمَالاَ وقال الأسود بن يعمر: حَلّوا بِأنْقَرَةٍ يَسِيْلُ عَلَيْهِمُ ... مَاءُ الْفُرَاتِ يَجِيْءُ مِنْ أَطْوَادِ ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾؛ أي: قربناهم إلى البحر يعني فرعون وقومه، قال الشاعر: وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى أَوْ لَيْلَةٍ سَلَفَتْ ... فِيْهَا النُّفُوْسُ إِلَى الآجَالِ تَزْدَلِفُ قال أبو عبيدة: أزلفنا جمعنا، ومنه قيل لليلة مزدلفة: ليلة جمع. ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: من التلاوة، وهي القراءة على سبيل التتابع، والقراء أعم. ﴿وَقَوْمِهِ﴾ والقوم: جماعة الرجال في الأصل دون النساء، كما نبّه عليه قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، وفي عامة القرآن أريدوا به والنساء

стр. 9014

جميعًا، كما في "المفردات". ﴿أَصْنَامًا﴾: جمع صنم، قال في "المفردات": الصنم: جثة متخذة من فضة، أو نحاس، والوثن: حجارة كانت تعبد. ﴿فنظل﴾ يقال: ظللت أعمل كذا - بالكسر - ظلولًا إذا عملت بالنهار دون الليل. ﴿عَاكِفِينَ﴾ العكوف: اللزوم، ومنه المعتكف لملازمته المسجد على سبيل القربة. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الجناس المغاير بين ﴿فَجُمِعَ﴾ و ﴿مُجْتَمِعُونَ﴾. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾، وفي قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ كأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم، وقد زاد هذه الاستعارة حسنًا المشاكلة؛ لأنه عبر بـ ﴿ألقى﴾ عن الخرور، فلم يقل: فخروا ساجدين؛ لمشاكلة الإلقاءات المتقدمة. ومنها: الإبهام والتفصيل في قوله: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أبهم ما أوعدهم به، ثم فصله بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الخ.

стр. 9015

ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾؛ أي: فضرب فانفلق. ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: كالجبل في رسوخه وثباته، ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾؛ لأنه كان مقتضى جواب السؤال؛ وهو ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ أن يقولوا: أصنامًا؛ لأنه سؤال عن المعبود فحسب، ولكنهم أضافوا إلى الجواب زيادة شرحوا بها قصتهم كاملة؛ لأنهم قصدوا إظهار ابتهاجهم وإعلان افتخارهم، وذلك شائع في الكلام، وقالوا: نظل؛ لأنهم كانوا يعكفون على عبادتها في النهار دون الليل، وهذه هي مزية الإطناب. ومنها: التعريض في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ فإنه صور المسألة في نفسه والعداوة مستهدفة شخصه، كأنه يعرض بهم قائلًا: لقد فكرت في المسألة مليًا، وأمعنت النظر فيها طويلًا، فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو الذي يتربص بي الدوائر. ومنها: الطباق بين ﴿يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، وكذلك بين ﴿يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. ومنها: مراعاة الأدب في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ لم يقل وإذا أمرضني، بل أسند المرض لنفسه تأدبًا مع الله سبحانه؛ لأن الشر لا ينسب إليه تعالى أدبًا، وإن كان المرض والشفاء كلاهما بيده تعالى وقدرته، وللإشارة إلى أن كثيرًا من الأمراض تحدث بتفريط الإنسان في مأكله ومشربه وغير ذلك. ومنها: حسن النسق في هذه الجمل، فإنه قدم الخلق الذي يجب تقديم الاعتداد به من الخالق على المخلوق، واعتراف المخلوق بنعمته فإنه أول نعمة، وفي إقرار المخلوق بنعمة الإيجاد من العدم إقراره بقدرة الخالق على الإيجاد والاختراع وحكمته، ثم ثنَّى بنعمة الهداية التي هي أولى بالتقديم بعد نعمة الإيجاد من سائر النعم، ثم ثلّث بالإطعام والإسقاء اللذين هما مادة الحياة،

стр. 9016

وبهما من الله استمرار البقاء إلى الأجل المحتوم، وذكر المرض وأسنده إلى نفسه أدبًا كما قلنا مع ربه، ثم أعقب ذكر المرض بذكر الشفاء مسندًا ذلك إلى ربه، ثم ذكر الإماتة مسندًا فعلها إلى ربه لتكميل المدح بالقدرة المطلقة على كل شيء من الإيجاد والإعدام، ثم أردف ذكر الموت بذكر الإحياء بعد الموت، وفيه مع الإقرار بهذه النعمة الاعتراف بالقدرة والإيمان بالبعث، وكل هذه المعاني جمل ألفاظها معطوف بعضها على بعض بحروف ملائمة لمعاني الجمل المعطوفة. ومنها: صحة التقسيم، فقد استوعبت هذه الآيات أقسام النعم الدنيوية والأخروية من الخلق والهداية، والإطعام والإسقاء، والمرض والشفاء، والموت والحياة، والإيمان بالبعث وغفران الذنب. ومنها: التخلص؛ وهو فن عجيب بأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني، فبينا هو فيه إذ أخذ في غيره آخر، وجعل الأول سببًا إليه، فيكون بعضه آخذًا برقاب بعض من غير أن يقطع كلامه، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغًا، فمما جاء من التخلص هذه الآية التي تسكر العقول، وتسحر الألباب، ألا ترى ما أحسن ما رتب إبراهيم كلامه مع المشركين حين سألهم أولًا عما يعبدون سؤال مقرّر، لا سؤال مستفهم، ثم ألحى على آلهتهم باللائمة فأبطل أمرها بأنها لا تضر ولا تنفع، ولا تعي ولا تسمع، وعلى تقليد آبائهم الأقدمين فكسره، وأخرجه من أن يكون شبهة، فضلًا عن أن يكون حجة، ثم أراد الخروج من ذلك إلى ذكر الإله الذي لا تجب العبادة إلّا له، ولا ينبغي الرجوع والأنابة إلّا إليه، فصور المسألة في نفسه دونهم، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ على معنى أني فكرت في أمري، فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو وهو الشيطان فاجتنبتها، وآثرت عبادة من بيده الخير كله، وأراهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه لينظروا، فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلّا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ولو قال: إنهم عدو لكم لم يكن بهذه المثابة، فتخلص عند تصوره المسألة في نفسه إلى ذكر الله تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام، فعظم شأنه وعدد نعمته من لدن خلقه وأنشأه إلى حين يتوفاه مع

стр. 9017

ما يرجى في الآخرة من رحمته؛ ليعلم من ذلك أن من هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له، والاستكانة لعظمته، ثم تخلص من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوابين؛ لأن الطالب من مولاه إذا قدّم قبل سؤاله وتضرعه الاعتراف بالنعمة .. كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة، ثم أدرج في ضمن دعائه ذكر البعث ويوم القيامة ومجازاة الله من آمن به واتقاه بالجنة، ومن ضل عن عبادته بالنار، فتدبر هذه التخلصات البديعة المودعة في أثناء هذا الكلام. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 9018

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ الآية، مناسبة

стр. 9019

هذه الآية لما قبلها: أن إبراهيم الخليل ﵇ لما أثنى (١) على ربه سبحانه بما أثنى عليه .. ذكر مسألته ودعاءه إياه بما ذكره، كما هو دأب من يشتغل بدعائه تعالى، فإنه يجب عليه أن يتقدم بالثناء عليه وذكر عظمته وكبريائه؛ ليستغرق في معرفة ربه ومحبته، ويصير أقرب شبهًا بالملائكة الذين يعبدون الله سبحانه بالليل والنهار لا يفترون، وبذا يستنير قلبه إلى ما هو أرفق به في دينه ودنياه، وتحصل له قوة إلهية تجعله يهتدي إلى ما يريد، ومن ثم جاء في الأثر حكاية عن الله تعالى: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما ذكر (٢) إبراهيم ﵇ أنه لا ينفع في هذا اليوم مال ولا بنون، وإنما ينفع البعد عن الكفر والنفاق .. ذكر هنا من وصف هذا اليوم أمورًا تبين شديد أهواله وعظيم نكاله. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما قص على رسول الله ﷺ قصص أبيه إبراهيم وما لقيه من تكذيب قومه له مع ما أرشدهم إليه من أدلة التوحيد، وما حجّهم به من الآيات .. أردف هذا بقصص الأب الثاني؛ وهو نوح ﵇، وفيه ما لاقاه من قومه من شديد التكذيب لدعوته وعكوفهم على عبادة الأصنام والأوثان، وأنه مع طول الدعوة لهم لم يزدهم ذلك إلَّا عتوًا واستكبارًا، وقد كان من عاقبة أمرهم ما كان لغيرهم ممن كذبوا رسل ربهم بعد أن أملى لهم بطول الأمد ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، فأغرقهم الطوفان، ولم ينج منهم إلَّا من حملته السفينة، وهذا القصص مجمل هنا تقدم تفصيله في سورتي الأعراف وهود، وسيأتي بسطه أتم البسط في سورة نوح. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر قصص نوح وقومه، وأن نوحًا دعاهم وحذّرهم عقاب الله

стр. 9020

وطال عليه المطال، ولم يزدهم ذلك إلّا عتوًا ونفورًا فدعا ربه، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون .. أردف ذلك بقصص هود ﵇ مع قومه عاد، وكانوا بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل القريبة من حضرموت ببلاد اليمن، وكانت لهم أرزاق دارّة وأموال وجنات وأنهار وزروع وثمار، وكانوا يعبدون الأصنام والأوثان، فبعث الله فيهم نبيًا منهم يبشرهم وينذرهم ويدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويحذرهم نقمته وعذابه، فكذبوه فأهلكهم كما أهلك المكذبين لرسله. التفسير وأوجه القراءة ٨٣ - ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه والاعتراف بنعمته .. عقبَّه بالدعاء؛ ليقتدي به غيره في ذلك، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾؛ أي (١): علمًا وفهمًا في الدين. وقيل: نبوة ورسالة. وقيل: معرفة بحدود الله تعالى وأحكامه. ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: بالنبيين من قبلي. وقيل: بأهل الجنة. ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾؛ أي: اجعل لي ثناء حسنًا في الآخرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة، وقد أعطى الله سبحانه إبراهيم ذلك بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾ فإن كل أمة تتمسك به وتعظِّمه. وقيل معنى الآية: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾؛ أي (٢): كمالًا في العلم والعمل، أستعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق، فإن من يعلم شيئًا ولا يأتي من العمل بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، ولا لعلمه حكم، ولا حكمة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾؛ أي: وفقني من العلوم والأعمال والأخلاق لما ينظمني في زمرة الكاملين الراسخين في الصلاح، المتنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها، أو اجمع بيني وبينهم في الجنة، فقد أجابه تعالى حيث قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ روي أن النبي ﷺ قال في دعائه: "اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا

стр. 9021

مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين". ٨٤ - ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾؛ أي: جاهًا وحسن صيت في الدينا يبقى أثره إلى يوم الدين، ولذلك ما من أمة إلّا وهم محبون له، مثنون عليه، فحصل بالأول الجاه، وبالثاني حسن الذكر، فقوله: "في الآخرين"؛ أي: في الأمم بعدي، وعبّر عن الثناء الحسن والقبول العام باللسان؛ لكون اللسان سببًا في ظهوره وانتشاره، وبقاء الذكر الجميل على ألسنة العباد إلى آخر الدهر دولة عظيمة من حيث كونه دليلًا على ﵁، ومحبته له، والله تعالى إذا أحب عبدًا يلقي محبته إلى أهل السموات والأرض، فيحبه الخلائق كافة حتى الحيتان في البحر، والطيور في الهواء. وحاصل معنى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ ...﴾ إلخ؛ أي (١): واجعل لي جاهًا وذكرًا جميلًا باقيًا إلى يوم الدين، فإن من صار ممدوحًا بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل يصير داعيًا لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل، فيكون له مثل أجورهم، أو المعنى: اجعل لي من ذريتي في آخر الزمان من يكون داعيًا إلى الله تعالى، وقد أجاب الله دعاءه، فما من أمة إلّا وهي تثني عليه، وجعله الله تعالى شجرة فرّع الله منها الأنبياء. ٨٥ - ولما طلب ﵇ سعادة الدنيا بهذه الدعوة .. طلب سعادة الأخرة، فقال: ﴿وَاجْعَلْنِي﴾ في الآخرة وارثًا ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾، أو اجعلني بعض الذين يرثون جنة النعيم، شبّه (٢) الجنة التي استحقها العامل بعد فناء عمله وانقطاعه بالميراث الذي استحقه الوارث بعد فناء مورّثه وموته، فأطلق عليها اسم الميراث، وعلى استحقاقها اسم الوارثة، وعلى العامل اسم الوارث، والمعنى: واجعلني من المستحقين لجنة النعيم، والمتمتعين بها كما يستحق الوارث مال مورثه، ويمتع به، أو واجعلني ممن يدخلون الجنة (٣)، ويتمتعون بنعيمها كما

стр. 9022

يتمتع المالك بما يملكه ميراثًا، ويؤول إليه أمره من شؤون الدنيا، ومعنى جنة النعيم؛ أي: بستان النعيم الدائم، وفيه إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلّا بكرمه تعالى، وفيه أيضًا إشارة إلى أن طلب الجنة لا ينافي طلب الحق سبحانه، وترك الطلب مكابرة للربوبية. ٨٦ - وبعد أن طلب السعادة الدنيوية والأخروية لنفسه .. طلبها لأقرب الناس إليه؛ وهو أبوه، فقال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ ذنوبه؛ أي: اهد أبي ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: من المشركين الضالين عن طريق الهداية، و ﴿كَانَ﴾: زائدة على مذهب سيبويه، وكان أبوه قد وعده أنه يؤمن به، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، كما قال في آية أخرى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. واعلم (١): أن المغفرة مشروطة بالإيمان، وطلب المشروط يتضمن طلب شرطه، فيكون الاستغفار لأحياء المشركين عبارة عن طلب توفيقهم وهدايتهم للإيمان. روي عن سمرة بن جندب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من رجل توضأ، فأسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته يريد المسجد، فقال حين خرج: بسم الله ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ إلّا هداه الله لصواب الأعمال، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾ إلّا أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شرابها، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ إلّا شفاه الله تعالى، ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾ إلّا أحياه الله حياة الشهداء، وأماته ميتة الشهداء، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ إلّا غفر الله خطاياه ولو كانت أكثر من زبد البحر، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ إلّا وهب له حكمًا، وألحقه بصالحي من مضى، وصالحي من بقي، ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ إلّا كتب عند الله صديقًا، ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾ إلّا جعل الله له القصور والمنازل في الجنة"، وكان الحسن يزيد فيه ﴿واغفر لوالديّ كما ربّياني صغيرًا﴾، كذا في

стр. 9023

"كشف الأسرار". ٨٧ - ثم طلب من ربه عدم خزيه وهوانه يوم القيامة، فقال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ من الخزي بمعنى الهوان والذل؛ أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد بمعاتبتي على ما فرطت، أو بنقص مرتبتي عن بعض الوارثين ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾؛ أي: يوم يبعث الناس من قبورهم كافة وهو يوم القيامة، أو لا تعذبني يوم القيامة. والإضمار في ﴿يُبْعَثُونَ﴾ مع عدم سبق المرجع؛ لكونه معلومًا؛ لأن البعث عام فيدل عليه. ولما كانت مغفرة الخطيئة في قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ ...﴾ إلخ لا تستلزم ترك المعاتبة .. أفرد الدعاء بتركها بعد ذكر مغفرة الخطيئة، وقيّد عدم الإخزاء بيوم البعث؛ لأن الدنيا مظهر اسم الستار. قال أبو الليث: إلى هاهنا كلام إبراهيم، وقد انقطع كلامه، ٨٨ - ثم إن الله وصف ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، ومفعول الفعل محذوف، والتقدير: يوم لا ينفع مال أحدًا، وإن كان مصروفًا في الدنيا إلى وجوه البر والخيرات، ولا ينفع بنون ولا بنات فردًا، وإن كانوا صلحاء مستأهلين للشفاعة جدًّا ٨٩ - ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ﴾ سبحانه، وجاء يوم القيامة ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من الشرك والنفاق؛ أي: إلّا من أتى الله مخلصًا سليم القلب من مرض الكفر والنفاق ضرورة اشتراط نفع كل منهما بالإيمان, قال في "كشف الأسرار": إلا بنفس سليمة من الكفر والمعاصي، وإنما أضاف إلى القلب, لأن الجوارح تابعة للقلب، فتسلم بسلامته، وتفسد بفساده، وفي الخبر: "إن في جسد ابن آدم لمضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب". قال الليث: كان الكفار يقولون: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، فأخبر الله سبحانه أنه لا ينفعهم ذلك اليوم المال والبنون؛ لعدم سلامة قلوبهم في الدنيا، وأما المسلمون فينفعهم خيراتهم، وينفعهم البنون أيضًا؛ لأن المسلم إذا مات ابنه قبله يكون له ذخرًا وأجرًا، وإن تخلف بعده فإنه يذكره بصالح دعائه، ويتوقع منه الشفاعة من حيث صلاحه. انتهى.

стр. 9024

والمعنى: أي (١) لا يقي المرء من عذاب الله تعالى المال، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا، ولا البنون ولو افتدى بهم جميعًا، ولكن ينفعه أن يجيء خالصًا من الذنوب وأدرانها وحب الدنيا وشهواتها. وخص الابن بالذكر؛ لأنه أولى القرابة بالدفع والنفع، فإذا لم ينفع فغيره من القرابة أولى، وأما من أتى بقلب سليم فينفعه ماله الذي أنفقه في الخير، وولده الصالح بدعائه، كما جاء في خبر: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". واختلف في معنى القلب السليم (٢)، فقيل: السليم من الشرك، أما الذنوب فليس يسلم منها أحد، قاله أكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق مريض. وقيل: هو القلب الخالي عن البدعة، المطمئن إلى السنة. وقيل: السالم من آفة المال والبنين. وقيل: السليم الخالص. قال الرازي: أصح الأقوال أن المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة. وسئل أبو القاسم الحكيم عن القلب السليم؟ فقال: له ثلاث علامات؛ أولاها: أن لا يؤذي أحدًا، والثانية: أن لا يتأذى من أحد، والثالثة: إذا اصطنع مع أحد معروفًا لم يتوقع منه المكافأة، فإذا هو لم يؤذ أحدًا فقد جاء بالورع، وإذا لم يتأذ من أحد فقد جاء بالوفاء، وإذا لم يتوقع المكافأة بالاصطناع فقد جاء بالإخلاص، اهـ. ٩٠ - ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾؛ أي: قرّبت وأدنيت ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الشرك والمعاصي؛ ليدخلوها بحيث يشاهدونها من الموقف، ويطلعون على ما فيها من فنون المحاسن، فيفرحون بأنهم المحشورون إليها. وقال الزجاج: قرب دخولهم إياها، ونظرهم إليها، وهو عطف على لا ينفع، وصيغة الماضي لتحقق وقوعه، كما أن صيغة المضارع في المعطوف عليه للدلالة على استمرار انتفاء النفع ودوامه.

стр. 9025

فإن قلت (١): كيف قرّبت مع أنها لم تنقل من مكانها؟ قلتُ: فيه قلب؛ أي: وأزلف المتقون إلى الجنة، كما يقول الحجاج إذا دنوا إلى مكة: قربت مكة إلينا، وفي هذا تعجيل لمسرتهم كفاء ما عملوا لها، ورغبوا عن الدنيا وزخرفها. ٩١ - ﴿وَبُرِّزَتِ﴾؛ أي: ويوم برزت وأظهرت ﴿الْجَحِيمُ﴾؛ أي: نارها ﴿لِلْغَاوِينَ﴾؛ أي: للضالين عن طريق الحق الذي هو الإيمان والتقوى؛ أي (٢): جعلت بارزة لهم بحيث يرونها مع ما فيها من أنواع الأهوال، ويوقنون بأنهم مواقعوها, ولا يجدون عنها مصرفًا، فيزدادون غمًا، والمعنى أنها أظهرت لهم قبل أن يدخلها المؤمنون ليشتد حزن الكافرين، ويكثر سرور المؤمنين، وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد، فإن التبريز لا يستلزم التقريب، ثم في تقديم إزلاف الجنة إيماء إلى سبق رحمته على غضبه. وقرأ الأعمش (٣): ﴿فبرزت﴾ بالفاء بدل ﴿الواو﴾، وقرأ مالك بن دينار ﴿وبَرَزَتْ﴾ بالفتح والتخفيف، ﴿الْجَحِيمُ﴾ بالرفع بإسناد الفعل إليها اتساعًا، ذكره أبو حيان. وفي هذا تعجيل للغم والحسرة؛ إذ نسوا في دنياهم هذا اليوم، كما جاء في قوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾. ٩٢ - ثم ذكر أنه يسأل أهل النار تقريعًا لهم، فقال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾؛ أي: للغاوين يوم القيامة على سبيل التوبيخ، والقائلون الملائكة من جهة الحق تعالى ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ في الدنيا ٩٣ - ﴿تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: أين آلهتكم الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنها شفعاؤكم في هذا الموقف، وتقربكم إلى الله زلفى ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم. و ﴿هَلْ﴾ هنا للاستفهام الإنكاري؛ أي: أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها؟ هل ينفعونكم بنصرتهم

стр. 9026

لكم، أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنفسهم؟ لا، وإنهم وآلهتهم وقود النار. والخلاصة (١): ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله سبحانه من الأصنام والأوثان بمغنية عنكم اليوم شيئًا، ولا هي بدافعة عن نفسها شيئًا، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون، وباب افتعل هاهنا مطاوع فعل، قال في "كشف الأسرار": النصر المعونة على دفع الشر والسوء عن غيره، والانتصار أن يدفع عن نفسه، وإنما قال (٢): ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بعد قوله: ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾؛ لأن رتبة النصر بعد رتبة الانتصار؛ لأن من نصر غيره فلا شك في الانتصار، وقد ينتصر من لا يقدر على نصر غيره. ٩٤ - ثم هذا سؤال تقريع وتبكيت لا يتوقع له جواب، ولذلك قيل: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾؛ أي: فألقي المعبودون في الجحيم مرة بعد أخرى منكوسين على رؤوسهم إلى أن يستقروا في قعرها ﴿هُمْ﴾؛ أي: المعبودون، تأكيد لمرفوع ﴿كبكبوا﴾: ليعطف عليه قوله: ﴿وَالْغَاوُونَ﴾؛ أي: العابدون الذين ضلوا وغووا بعبادتهم ٩٥ - ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾؛ أي: شياطينه وأعوانه؛ أي: ذريته الذين كانوا يغوونهم ويوسوسون إليهم، ويسولون لهم ما هم عليه من عبادة الأصنام وسائر فنون الكفر والمعاصي، ليجتمعوا في العذاب حسبما كانوا مجتمعين فيما يوجبه. وقيل: المراد بجنود إبليس كل من يدعو إلى عبادة الأصنام، وقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ تأكيد لضمير ﴿هُمْ﴾ وما عطف عليه. والمعنى؛ أي (٣): فألقي الآلهة والغاوون الذين عبدوها في النار، والشياطين والداعون إلى عبادتها على رؤوسهم، أو ألقِي بعضهم على بعض، وتأخير الغاوين في الكبكبة عن آلهتهم ليشاهدوا سوء حالهم، فينقطع رجاؤهم منهم قبل دخول الجحيم، ثم ذكر ما يحدث من المخاصمة والمحاجة بين الآلهة والغاوين عبدتها، والشياطين الذين دعوهم إلى تلك العبادة بقوله: ﴿قَالُوا ...﴾ إلخ.

стр. 9027

٩٦ - وجملة قوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: العابدون حين فعل بهم ما فعل معترفين بخطاياهم ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم من المذكورين مخاطبين لمعبوداتهم على أن الله تعالى يجعل الأصنام صالحة للاختصام بأن يعطيها القدرة على النطق والفهم. قال أبو الليث: ومعناه: قالوا وهم يختصمون فيها على معنى التقديم جملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا قالوا حين فعل بهم ما فعل، ٩٧ - ومقول القول ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾ ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، و ﴿اللام﴾: هي الفارقة بينها وبين النافية؛ أي: نقسم ونحلف بالله سبحانه إن الشأن كنا في ضلال وخطأ واضح لا خفاء فيه ٩٨ - ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾: ظرف لكونهم في ضلال مبين، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة الماضية؛ أي (١): تالله لقد كنا في غاية الضلال الفاحش وقت تسويتنا إياكم أيها الأصنام في استحقاق العبادة برب العالمين الذي أنتم أدنى مخلوقاته وأذلهم وأعجزهم ٩٩ - ﴿وَمَا أَضَلَّنَا﴾؛ أي: وما دعانا إلى الضلال عن الهدى ﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾؛ أي: إلا الرؤساء والكبراء البالغون غاية الإجرام والإشراك. والمعنى: أي (٢) قال الغاوون وهم يخاصمون من معهم من الأصنام والشياطين تالله إننا كنا في ضلال واضح، لا لبس فيه حين سويناكم يا هذه الأصنام برب العالمين في استحقاق العبادة، وعظمناكم تعظيم المعبود الحق، وما أضلنا إلا المجرمون من الرؤساء والكبراء، كما جاء في آية ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. وخلاصة ذلك: أنهم حين رأوا صور تلك الآلهة اعترفوا بالخطأ العظيم الذي كان منهم، وندموا على طاعتهم لأولئك الرؤساء والسادة الذين حملوهم على عبادتها وتعظيم شأنها، ثم أكدوا ندمهم على ما فرط منهم، وحسرتهم على ما صنعوا، فقالوا:

стр. 9028

١٠٠ - ﴿فَمَا لَنَا﴾ اليوم ﴿مِنْ شَافِعِينَ﴾ يشفعون لنا من العذاب، كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء ﵈ ١٠١ - ﴿وَلَا﴾ من ﴿صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾؛ أي: ذي قرابة؛ أي: صديق قريب موافق في الدين، كما نرى أن للمؤمنين أصدقاء؛ لأنه لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون، وأما أهل النار فبينهم التباغض والتعادي. والصديق من صدقك في مودته، والحميم القريب المشفق، مأخوذ من حامة الرجل؛ أي: أقربائه، وأفرد الصديق؛ لأنه يطلق على الواحد والإثنين والجماعة والمذكر والمؤنث. وإنما جمع (١) الشافع لكثرة الشفعاء عادة، ألا ترى أن السلطان إذا غضب على أحد ربما شفع فيه جماعة، كما أن إفراد الصديق لقلته. ولو قيل بعدمه لم يبعد، والمعنى؛ أي: فليس لنا اليوم شفيع يشفع لنا مما نحن فيه من ضيق، أو ينقذنا من هلكة، ولا صديق شفيق يعنيه أمرنا، ويودنا ونوده، ونحو الآية ما جاء في آية أخرى حكاية عنهم: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ﴾، وقد أرادوا بهذا الإخبار إظهار اللهفة والحسرة على فقد الشفيع والصديق النافع، وقد نفوا أولًا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعة، ثم ترقوا ونفوا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم، ويتوجع لهم، وإن لم يخلصهم. والخلاصة: أن الأمر قد بلغ من الهول ما لا يستطيع أحد أن ينفع فيه أدنى نفع، وقد مر لك آنفًا أنما جمع الشافع وأفرد الصديق لكثرة الشفعاء عادة وقلة الصديق، ولهذا قال الشافعي ﵁: مَا فِيْ زَمَانِكَ مَنْ تَرْجُوْ مَوَدَّتَهُ ... وَلاَ صَدِيْقٌ إِذَا جَارَ الزَّمَانُ وَفَى فَعِشْ فَرِيْدًا وَلاَ تَرْكَنْ إِلى أَحَدٍ ... هَا قَدْ نَصَحْتُكَ فِيْمَا قُلْتُهُ وَكَفَى ١٠٢ - ثم حكى عنهم تمنيهم الرجوع إلى الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله يعلم أنهم لو ردوا لعادوا إلى ما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، فقال: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا

стр. 9029

كَرَّةً﴾؛ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصب بأن المضمرة بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التمني، فلو هنا للتمني، وأقيم فيه ﴿لَوْ﴾ مقام ليت؛ لتلاقيها في معنى التقدير: أي: تقدير المعدوم وفرضه؛ أي: فليت لنا رجعة إلى الدنيا فنعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل حتى إذا متنا وبعثنا مرة أخرى لا ينالنا من العذاب مثل ما نحن فيه. وهذا كلام التأسف والتحسر، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، فإن من يضلل الله فما له من هاد، ولو رجع إلى الدنيا مرارًا، ألا ترى إلى الأمم في الدنيا، فإن الله تعالى أخذهم بالبأساء والضراء كرارًا، ١٠٣ - ثم كشفه عنهم فلم يزيدوا إلا إصرارًا، جعلنا الله وإياكم من المستمعين المعتبرين، لا من المعرضين الغافلين ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: فيما ذكر من قصة إبراهيم مع قومه ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة لمن يعبد غير الله تعالى، ليعلم أنه يتبرأ منه في الآخرة، ولا ينفعه أحد، ولا سيما لأهل مكة الذين يدعون أنهم على ملة إبراهيم ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم إبراهيم مؤمنين كحال أكثر قريش، وقد روي أنه ما آمن لإبراهيم من أهل بابل إلا لوط وابنه نمرود، أو أكثر هؤلاء الذين يتلو عليهم رسول الله ﷺ نبأ إبراهيم؛ وهم قريش ومن دان بدينهم، وهذا أصح؛ لأن قوم إبراهيم كلهم غير مؤمنين، كذا قاله الشوكاني. والمعنى: أي إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجة عليهم في التوحيد لآية واضحة جلية على أنه تعالى لا رب غيره، ولا معبود سواه، ومع كل هذا ما آمن به أكثرهم، وفي هذا تسلية للرسول ﷺ على ما يجده من تكذيب قومه له مع ظهور الآيات وعظيم المعجزات. ١٠٤ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ المحسن إليهم بإرسالك لهدايتهم ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: لهو القادر على الانتقام منهم ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم؛ إذ لم يهلكهم، بل أخر ذلك، وأرسل إليهم الرسل، ونصب لهم الشرائع ليؤمنوا بها هم أو ذريتهم.

стр. 9030

قصص نوح ﵇ ١٠٥ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ تكذيبًا مستمرًا من حين الدعوة إلى انتهائها، وأنث (١) الفعل لكونه مسندًا إلى ﴿قَوْمُ﴾، وهو في معنى الجماعة، أو الأمة، أو القبيلة، والقوم الجماعة من الرجال والنساء، وأوقع التكذيب على المرسلين؛ وهم لم يكذبوا إلا الرسول المرسل إليهم؛ لأن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق غيره من الرسل، أو لاجتماع الكل على التوحيد وأصول الشرائع، وقيل: كذبوا نوحًا وحده في الرسالة، وكذبوه فيما أخبرهم من مجيء المرسلين بعده ١٠٦ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾: ظرف للتكذيب على أنه عبارة (٢) عن زمان مديد وقع فيه ما وقع من الجانبين إلى تمام الأمر ﴿أَخُوهُمْ﴾ في النسب، لا في الدين؛ لئلا يجهل أمره في الصدق والديانة، ولتعرف لغته، فيؤدي ذلك إلى القبول ﴿نُوحٌ﴾: عطف بيان لـ ﴿أَخُوهُمْ﴾ الله بترك عبادة الأصنام، وإجابة دعوة رسوله الذي أرسله إليكم. والمعنى: أي كذبت قوم نوح رسل الله حين قال لهم أخوهم نوح: ألا تتقون فتحذروا عقابه على كفركم به وتكذيبكم رسله، وقد حكى سبحانه عن نوح ﵇ أنه خوفهم أولًا بقوله: ألا تتقون لأن القوم إنما قبلوا تلك الأديان تقليدًا والمقلد إذا خوف خاف، وما لم يستشعر بالخوف لا يشتغل بالاستدلال والنظر، ١٠٧ - وقد وصف نوح نفسه بأمرين: ١ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من جهته تعالى ﴿أَمِينٌ﴾؛ أي: مشهور بالأمانة فيما بينكم، ومن كان أمينًا على أمور الدنيا كان أمينًا على الوحي والرسالة، أو أمين فيما بعثني به أبلغكم رسالاته، لا أزيد فيها, ولا أنقص منها ١٠٨ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقاب الله في مخالفتي ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله تعالى، فإني لا أخونكم ولا أريدكم بسوء، والفاء لترتيب ما بعدها على الأمانة.

стр. 9031

وقدم (١) الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته؛ لأن التقوى هي ملاك الأمر كله في هذه الحياة، وكرر الأمر بها؛ لأنها العمدة في جميع الأعمال، فيجب على العالم ملاحظتها إذا أراد الإحسان وتجويد العمل. ٢ - ١٠٩ ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ الرسالة ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: جعل أصلًا، وذلك لأن الرسل إذا لم يسألوا أجرًا كان أقرب إلى التصديق، وأبعد عن التهمة ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما ثوابي فيما أتولاه ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن من عمل لله فلا يطلب الأجر من غير الله. وبه يشير إلى أن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء يتأدبون بآداب أنبيائهم، فلا يطلبون من الناس شيئًا في بث علومهم ونشرها, ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، ولا بالتذكير لهم، فإن من ارتفق من المسلمين المستمعين في بث ما يذكره من الدين ويعظ به لهم فلا يبارك الله للناس فيما يسمعون، ولا للعلماء أيضًا بركة فيما يأخذون منهم، يبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركة لهم فيه، كذا قالوا. ١١٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فقد وضح الأمر لكم وبان نصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه. والفاء (٢) لترتيب ما بعدها على تنزهه عن الطمع، والتكرير للتأكيد والتنبيه على أن كلًّا من الأمانة وقطع الطمع مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا. ونظير هذا ما يقول الوالد لولده: ألا تتقي الله في عقوقي، وقد ربيتك صغيرًا، ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرًا. وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته؛ لأن تقوى الله علة لطاعته. تنبيه: قوله (٣): ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ ذكر في خمسة مواضع: في قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإنما كررت هذه الآية الكريمة في تلك المواضع للتنبيه على أن

стр. 9032

دعوة الرسل الكرام واحدة، وهدفهم واحد، وطريقتهم واحدة، فهم لا يطلبون من أحد أجرًا، ولا مالًا، ولا شيئًا من حطام الدنيا على تبليغهم الرسالة، إنما يطلبون الأجر من الله وحده. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ذكر مكررًا للتأكيد في ثلاثة مواضع: في قصة نوح، وهود، وشعيب، فإن قلت: لِمَ خصت الثلاثة بالتأكيد؟. قلت: اكتفاء عنه في قصة لوط بقوله: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾، وفي قصة شعيب بقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ لاستلزامهما له. ١١١ - وبعد أن أقام الدليل على صدق رسالته وعظيم نصحه وأمانته لهم .. أرادوا أن يتنصلوا من اتباع دعوته بحجة هي أوهى من بيت العنكبوت، كما ذكره بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم نوح ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ الاستفهام للإنكار؛ أي: لا نؤمن لك ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾؛ أي: والحال أنه قد اتبعك الأخسون؛ أي: الأقلون مالًا وجاهًا، والمراد (١) بهم هنا فقراء الناس وضعفاؤهم، وإنما بادروا للاتباع قبل الأغنياء؛ لاستيلاء الرئاسة على الأغنياء وصعوبة الانفكاك منها، والأنفة عن الانقياد للغير، والفقير خلي من تلك الموانع، فهو سريع الإجابة والانقياد، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا اهـ. "قرطبي" من سورة هود. وهذا (٢) من كمال سخافة عقولهم وقصرهم أنظارهم على الدنيا، وكون الأشرف عندهم من هو أكثر منها حظًا، والأرذل من حرمها، وجهلهم أنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، والأرذل من حرمه، وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وما زالت أتباع الأنبياء ضعفاء الناس، وقس أتباع العلماء على أتباعهم من حيث وراثتهم لدعوتهم وعلومهم وأذواقهم، ومحنهم وابتلائهم، وذلك لأن العلوم من أرباب المال والجاه والثروة لم تأت إلا نادرًا.

стр. 9033

والمعنى: أي (١) قالوا: كيف نتبعك ونصدقك ونؤمن بك، ونأتسى بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك، ومرادهم أن هذا لن يكون أبدًا، وهذه شبهة لا ينبغي لعاقل أن يركن إليها؛ لأن نوحًا ﵇ بعث إلى الخلق كافة، لا فارق بين غني وفقير وصعلوك وأمير، ولا بين ذوي البيوتات والحسب، وذوي الوضاعة والخسة في النسب، فليس له إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش والبحث عن البواطن، ومن ثم أجابهم بقوله: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فعلًا ماضيًا، وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وأبو حيوة والضحاك وابن السميقع وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري وطلحة ويعقوبـ ﴿وأتباعُك﴾: - بالرفع - جمع تابع كصاحب وأصحاب. وقيل: جمع تبيع كشريف وأشراف، وعن اليماني: ﴿وأتباعِك﴾ - بالجر - عطفًا على الضمير في ﴿لَكَ﴾، وهو قليل وقاسه الكوفيون. ١١٢ - ﴿قَالَ﴾ نوح جوابًا عما يشير إليه قولهم من أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنهم عملوه إخلاصًا أو نفاقًا، وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، وبناء الأحكام عليها دون التفتيش عن بواطنهم، والشق عن قلوبهم، والظاهر أن ﴿مَا﴾ استفهامية للإنكار في محل الرفع على الابتداء، و ﴿عِلْمِي﴾ خبرها؛ أي: وأيّ شيء (٣) يعلمني ما كان يعمل أتباعي؟ إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه، فمن أظهر الحسن ظننت به حسنًا، ومن أظهر السوء ظننت به ذلك، ولم أكلف العلم بأعمالهم، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار به، لا بالحرف والصناعات، والفقر والغنى، وهم كأنهم يقولون: إن إيمان هؤلاء لم يكن عن نظر صحيح، بل لتوقع مال ورفعة. ١١٣ - ثم أبان أن أمر جزائهم وحسابهم على ربهم، لا عليه، فلا يعنيه استقصاء أحوالهم، فقال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾؛ أي: ما محاسبتهم على ما تحويه سرائرهم ﴿إِلَّا

стр. 9034

عَلَى رَبِّي﴾ المطلع عليها ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لو كنتم من أهل الشعور والإدراك لعلمتم ذلك، ولكنكم تجهلون فتقولون ما لا تعلمون حيث عيرتموهم بصنائعهم (١)، قرأ الجمهور: ﴿تَشْعُرُونَ﴾ - بالفوقية -، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميقع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية كأنه ترك الخطاب، والتفت إلى الإخبار عنهم. ١١٤ - ولما جعلوا من موانع إيمانهم اتباع هؤلاء الأراذل كانوا كأنهم طلبوا طردهم، فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ ومبعدهم عن مجلسي؛ أي: وما أنا بطارد من آمن بالله واتبعني وصدق ما جئت به من عند الله تعالى، قال ابن عطاء: وما أنا بمعرض عمن أقبل على ربه، ١١٥ - ثم بين وظيفة الرسول، فقال: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾؛ أي (٢): ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا من الأعزاء أو الأذلاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء، والمعنى أي: إنما بعثت منذرًا ومخوفًا بأس الله وشديد عذابه، فمن أطاعني كان مني وأنا منه، شريفًا كان أو وضيعًا، جليلًا كان أو حقيرًا. ١١٦ - ولما أجابهم بهذا الجواب وأيسوا مما راموا .. لجؤوا إلى التهديد، كما بينه بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم نوح له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ عما تدعو إليه من التوحيد، وعما تقول من الطعن في آلهتنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾؛ أي: من المقتولين بالحجارة أقبح قتلة، قالوا ذلك - قاتلهم الله - في أواخر الأمر؛ أي: لنرجمنك بالحجارة ولنقتلنك بها إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا. ١١٧ - ولما طال مقامه بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وإعلانًا، وكلما كرر عليهم الدعوة صموا آذانهم وصمموا على تكذيبه، وتمادوا في عتوهم واستكبارهم .. استغاث بربه وطلب منه أن يحكم بينه وبينهم، وأن يهلكهم كما أهلك المكذبين من قبلهم لرسولهم، وينجيه والمؤمنين به، كما بينه بقوله: ﴿قَالَ﴾ نوح: يا ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾؛ أي: أصروا على التكذيب بعدما دعوتهم هذه

стр. 9035

الأزمنة المتطاولة، ولم يزدهم دعائي إلا فرارًا ١١٨ - ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾؛ أي: احكم بيني وبينهم حكمًا عدلًا؛ أي: احكم بيننا بما يستحقه كل واحد منا من الفتاحة؛ وهي الحكومة؛ أي: إن قومي كذبوني فيما أتيتهم به من الحق من عندك فاحكم بيني وبينهم حكمًا تهلك به المبطل، وتنتقم منه، وتنصر به الحق وأهله، وجاء في آية أخرى ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ قال ابن الشيخ: أراد به الحكم بإنزال العقوبة عليهم؛ لقوله عقبه: ﴿وَنَجِّنِي﴾؛ أي: خلصني ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من العذاب، ومن إذاية الكفار، وكان المؤمنون ثمانين من الرجال، وأربعين من النساء. ١١٩ - فلما دعا ربه بهذا الدعاء استجاب له، فقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾؛ أي: فأنجينا نوحًا ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين حسب دعائه ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: المملوء بهم، وبكل صنف من الحيوان، وبما لا بد لهم منه من الأمتعة والمأكولات ١٢٠ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾؛ أي: بعد إنجائهم، أو بعد ركوب نوح والمؤمنين على السفينة ﴿الْبَاقِينَ﴾ من قومه من لم يركب السفينة بالطوفان، وفيه تنبيه على أن نوحًا كان مبعوثًا إلى من على وجه الأرض، ولذا قال في قصة الباقين، وفي قصة موسى ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾. والمعنى: أي فأنجينا نوحًا ومن اتبعه على الإيمان بالله وطاعة رسوله، وأغرقنا من كفر به وخالف أمره، وفي قوله ﴿الْمَشْحُونِ﴾ إيماء إلى كثرتهم، وأن الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم ١٢١ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإنجاء والإهلاك، أو إن في ذلك الذي فعل بقوم نوح لاستكبارهم عن قبول الحق واستخفافهم بفقراء المسلمين ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة لمن بعدهم. والمعنى: أي إن في إنجاء المؤمنين وإنزال سطوتنا وبأسنا بالكافرين لعبرة وعظة لقومك يا محمد المصدقين منهم والمكذبين على أن سنتنا إنجاء رسلنا وأتباعهم إذا نزلت نقمتنا بالمكذبين من قومهم، وكذلك هي سنتي فيك وفي قومك ﴿وَمَا كَانَ﴾: ﴿كَانَ﴾: زائدة عند سيبويه كما تقدم ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم نوح ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ فلم يؤمن من قومه إلا ثمانون من الرجال وأربعون من النساء؛
следующие страницы →