وقدم (١) الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته؛ لأن التقوى هي ملاك الأمر كله في هذه الحياة، وكرر الأمر بها؛ لأنها العمدة في جميع الأعمال، فيجب على العالم ملاحظتها إذا أراد الإحسان وتجويد العمل.
٢ - ١٠٩ ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ الرسالة ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: جعل أصلًا، وذلك لأن الرسل إذا لم يسألوا أجرًا كان أقرب إلى التصديق، وأبعد عن التهمة ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما ثوابي فيما أتولاه ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن من عمل لله فلا يطلب الأجر من غير الله.
وبه يشير إلى أن العلماء الذين هم ورثة الأنبياء يتأدبون بآداب أنبيائهم، فلا يطلبون من الناس شيئًا في بث علومهم ونشرها, ولا يرتفقون منهم بتعليمهم، ولا بالتذكير لهم، فإن من ارتفق من المسلمين المستمعين في بث ما يذكره من الدين ويعظ به لهم فلا يبارك الله للناس فيما يسمعون، ولا للعلماء أيضًا بركة فيما يأخذون منهم، يبيعون دينهم بعرض يسير، ثم لا بركة لهم فيه، كذا قالوا.
١١٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فقد وضح الأمر لكم وبان نصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه. والفاء (٢) لترتيب ما بعدها على تنزهه عن الطمع، والتكرير للتأكيد والتنبيه على أن كلًّا من الأمانة وقطع الطمع مستقل في إيجاب التقوى والطاعة، فكيف إذا اجتمعا.
ونظير هذا ما يقول الوالد لولده: ألا تتقي الله في عقوقي، وقد ربيتك صغيرًا، ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيرًا. وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته؛ لأن تقوى الله علة لطاعته.
تنبيه: قوله (٣): ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ ذكر في خمسة مواضع: في قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإنما كررت هذه الآية الكريمة في تلك المواضع للتنبيه على أن
стр. 9032
دعوة الرسل الكرام واحدة، وهدفهم واحد، وطريقتهم واحدة، فهم لا يطلبون من أحد أجرًا، ولا مالًا، ولا شيئًا من حطام الدنيا على تبليغهم الرسالة، إنما يطلبون الأجر من الله وحده.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ذكر مكررًا للتأكيد في ثلاثة مواضع: في قصة نوح، وهود، وشعيب، فإن قلت: لِمَ خصت الثلاثة بالتأكيد؟.
قلت: اكتفاء عنه في قصة لوط بقوله: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾، وفي قصة شعيب بقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ لاستلزامهما له.
١١١ - وبعد أن أقام الدليل على صدق رسالته وعظيم نصحه وأمانته لهم .. أرادوا أن يتنصلوا من اتباع دعوته بحجة هي أوهى من بيت العنكبوت، كما ذكره بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم نوح ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ الاستفهام للإنكار؛ أي: لا نؤمن لك ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾؛ أي: والحال أنه قد اتبعك الأخسون؛ أي: الأقلون مالًا وجاهًا، والمراد (١) بهم هنا فقراء الناس وضعفاؤهم، وإنما بادروا للاتباع قبل الأغنياء؛ لاستيلاء الرئاسة على الأغنياء وصعوبة الانفكاك منها، والأنفة عن الانقياد للغير، والفقير خلي من تلك الموانع، فهو سريع الإجابة والانقياد، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا اهـ. "قرطبي" من سورة هود.
وهذا (٢) من كمال سخافة عقولهم وقصرهم أنظارهم على الدنيا، وكون الأشرف عندهم من هو أكثر منها حظًا، والأرذل من حرمها، وجهلهم أنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، والأرذل من حرمه، وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وما زالت أتباع الأنبياء ضعفاء الناس، وقس أتباع العلماء على أتباعهم من حيث وراثتهم لدعوتهم وعلومهم وأذواقهم، ومحنهم وابتلائهم، وذلك لأن العلوم من أرباب المال والجاه والثروة لم تأت إلا نادرًا.
стр. 9033
والمعنى: أي (١) قالوا: كيف نتبعك ونصدقك ونؤمن بك، ونأتسى بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك، ومرادهم أن هذا لن يكون أبدًا، وهذه شبهة لا ينبغي لعاقل أن يركن إليها؛ لأن نوحًا ﵇ بعث إلى الخلق كافة، لا فارق بين غني وفقير وصعلوك وأمير، ولا بين ذوي البيوتات والحسب، وذوي الوضاعة والخسة في النسب، فليس له إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش والبحث عن البواطن، ومن ثم أجابهم بقوله: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فعلًا ماضيًا، وقرأ عبد الله وابن عباس والأعمش وأبو حيوة والضحاك وابن السميقع وسعيد بن أبي سعيد الأنصاري وطلحة ويعقوبـ ﴿وأتباعُك﴾: - بالرفع - جمع تابع كصاحب وأصحاب. وقيل: جمع تبيع كشريف وأشراف، وعن اليماني: ﴿وأتباعِك﴾ - بالجر - عطفًا على الضمير في ﴿لَكَ﴾، وهو قليل وقاسه الكوفيون.
١١٢ - ﴿قَالَ﴾ نوح جوابًا عما يشير إليه قولهم من أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنهم عملوه إخلاصًا أو نفاقًا، وما وظيفتي إلا اعتبار الظواهر، وبناء الأحكام عليها دون التفتيش عن بواطنهم، والشق عن قلوبهم، والظاهر أن ﴿مَا﴾ استفهامية للإنكار في محل الرفع على الابتداء، و ﴿عِلْمِي﴾ خبرها؛ أي: وأيّ شيء (٣) يعلمني ما كان يعمل أتباعي؟ إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه، فمن أظهر الحسن ظننت به حسنًا، ومن أظهر السوء ظننت به ذلك، ولم أكلف العلم بأعمالهم، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان والاعتبار به، لا بالحرف والصناعات، والفقر والغنى، وهم كأنهم يقولون: إن إيمان هؤلاء لم يكن عن نظر صحيح، بل لتوقع مال ورفعة.
١١٣ - ثم أبان أن أمر جزائهم وحسابهم على ربهم، لا عليه، فلا يعنيه استقصاء أحوالهم، فقال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾؛ أي: ما محاسبتهم على ما تحويه سرائرهم ﴿إِلَّا
стр. 9034
عَلَى رَبِّي﴾ المطلع عليها ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾؛ أي: لو كنتم من أهل الشعور والإدراك لعلمتم ذلك، ولكنكم تجهلون فتقولون ما لا تعلمون حيث عيرتموهم بصنائعهم (١)، قرأ الجمهور: ﴿تَشْعُرُونَ﴾ - بالفوقية -، وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميقع والأعرج وأبو زرعة بالتحتية كأنه ترك الخطاب، والتفت إلى الإخبار عنهم.
١١٤ - ولما جعلوا من موانع إيمانهم اتباع هؤلاء الأراذل كانوا كأنهم طلبوا طردهم، فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ ومبعدهم عن مجلسي؛ أي: وما أنا بطارد من آمن بالله واتبعني وصدق ما جئت به من عند الله تعالى، قال ابن عطاء: وما أنا بمعرض عمن أقبل على ربه،
١١٥ - ثم بين وظيفة الرسول، فقال: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾؛ أي (٢): ما أنا إلا رسول مبعوث لإنذار المكلفين وزجرهم عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا من الأعزاء أو الأذلاء، فكيف يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء، والمعنى أي: إنما بعثت منذرًا ومخوفًا بأس الله وشديد عذابه، فمن أطاعني كان مني وأنا منه، شريفًا كان أو وضيعًا، جليلًا كان أو حقيرًا.
١١٦ - ولما أجابهم بهذا الجواب وأيسوا مما راموا .. لجؤوا إلى التهديد، كما بينه بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم نوح له: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ عما تدعو إليه من التوحيد، وعما تقول من الطعن في آلهتنا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾؛ أي: من المقتولين بالحجارة أقبح قتلة، قالوا ذلك - قاتلهم الله - في أواخر الأمر؛ أي: لنرجمنك بالحجارة ولنقتلنك بها إن لم تترك عيب ديننا وسب آلهتنا.
١١٧ - ولما طال مقامه بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وإعلانًا، وكلما كرر عليهم الدعوة صموا آذانهم وصمموا على تكذيبه، وتمادوا في عتوهم واستكبارهم .. استغاث بربه وطلب منه أن يحكم بينه وبينهم، وأن يهلكهم كما أهلك المكذبين من قبلهم لرسولهم، وينجيه والمؤمنين به، كما بينه بقوله: ﴿قَالَ﴾ نوح: يا ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾؛ أي: أصروا على التكذيب بعدما دعوتهم هذه
стр. 9035
الأزمنة المتطاولة، ولم يزدهم دعائي إلا فرارًا
١١٨ - ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾؛ أي: احكم بيني وبينهم حكمًا عدلًا؛ أي: احكم بيننا بما يستحقه كل واحد منا من الفتاحة؛ وهي الحكومة؛ أي: إن قومي كذبوني فيما أتيتهم به من الحق من عندك فاحكم بيني وبينهم حكمًا تهلك به المبطل، وتنتقم منه، وتنصر به الحق وأهله، وجاء في آية أخرى ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ قال ابن الشيخ: أراد به الحكم بإنزال العقوبة عليهم؛ لقوله عقبه: ﴿وَنَجِّنِي﴾؛ أي: خلصني ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من العذاب، ومن إذاية الكفار، وكان المؤمنون ثمانين من الرجال، وأربعين من النساء.
١١٩ - فلما دعا ربه بهذا الدعاء استجاب له، فقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾؛ أي: فأنجينا نوحًا ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين حسب دعائه ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: المملوء بهم، وبكل صنف من الحيوان، وبما لا بد لهم منه من الأمتعة والمأكولات
١٢٠ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾؛ أي: بعد إنجائهم، أو بعد ركوب نوح والمؤمنين على السفينة ﴿الْبَاقِينَ﴾ من قومه من لم يركب السفينة بالطوفان، وفيه تنبيه على أن نوحًا كان مبعوثًا إلى من على وجه الأرض، ولذا قال في قصة الباقين، وفي قصة موسى ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾.
والمعنى: أي فأنجينا نوحًا ومن اتبعه على الإيمان بالله وطاعة رسوله، وأغرقنا من كفر به وخالف أمره، وفي قوله ﴿الْمَشْحُونِ﴾ إيماء إلى كثرتهم، وأن الفلك امتلأ بهم وبما صحبهم
١٢١ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإنجاء والإهلاك، أو إن في ذلك الذي فعل بقوم نوح لاستكبارهم عن قبول الحق واستخفافهم بفقراء المسلمين ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة لمن بعدهم.
والمعنى: أي إن في إنجاء المؤمنين وإنزال سطوتنا وبأسنا بالكافرين لعبرة وعظة لقومك يا محمد المصدقين منهم والمكذبين على أن سنتنا إنجاء رسلنا وأتباعهم إذا نزلت نقمتنا بالمكذبين من قومهم، وكذلك هي سنتي فيك وفي قومك ﴿وَمَا كَانَ﴾: ﴿كَانَ﴾: زائدة عند سيبويه كما تقدم ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم نوح ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ فلم يؤمن من قومه إلا ثمانون من الرجال وأربعون من النساء؛
стр. 9036
أي: ومع كل ما حذر به نوح وأنذر لم يؤمن به إلا القليل، وفي هذا إيماء إلى أنه لو كان أكثرهم مؤمنين .. لما عوجلوا بالعقاب، أو المعنى: وما كان أكثر قومك يا محمد وهم قريش مؤمنين، فاصبر على أذاهم كما صبر نوح على أذى قومه .. تظفر كما ظفر
١٢٢ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على ما أراد من عقوبة الكفار ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب، أو بتأخير العذاب، والمعنى؛ أي (١): وإن ربك يا محمد لهو العزيز في انتقامه ممن كفر به وخالف أمره، الرحيم بالتائب منهم أن يعاقبه بعد توبته.
وفي "التأويلات النجمية": كرر في كل قصة قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١)﴾ دلالة على أن الله وعظمته اقتضت أن يكون أكرم الخلق مؤمنًا به، مقبولًا له، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولا ريب أن أكثر الخلق لئام، والكرام قليلون، كما قال الشاعر:
تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيْلٌ عِدَادُنَا ... فَقُلْتُ لَهَا إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيْلُ
قصص هود ﵇
١٢٣ - ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾؛ أي: كذبت قوم هود هودًا وسائر الرسل الذين ذكرهم هود. فعاد اسم قبيلة هود، سميت باسم أبيها الأعلى، وكان من نسل سام بن نوح ﵇. وأنث الفعل باعتبار إسناده إلى القبيلة.
١٢٤ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ في النسب، لا في الدين. ظرف للتكذيب ﴿هُودٌ﴾ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، قال بعضهم (٢): كان اسم هود عابرًا، وسمي هودًا لوقاره وسكوته، عاش مئة وخمسين سنة، أرسل إلى أولاد عاد حين بلغ الأربعين. وفي "المراح": وكان هود تاجرًا جميل الصوت يشبه آدم، وعاش من العمر أربع مئة وأربعًا وستين سنة. انتهى. ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله ، فتفعلون ما تفعلون
١٢٥ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من جهته تعالى ﴿أَمِينٌ﴾؛ أي: مشهور بالأمانة بينكم
١٢٦ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تعالى وخافوا عقابه ﴿وأطيعونـ﴾ ـي فيما أمركم به من الحق
١٢٧ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي:
стр. 9037
على تبليغ الرسالة وأدائها ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ وجعل ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما أجري وثوابي على تبليغ الرسالة إليكم ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأنه هو الذي أرسلني، فكان أجري عليه، وهو بيان لتنزهه عن المطاع الدنية والأغراض الدنيوية.
وقد (١) جاءت هذه المقالات من قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى هنا على لسان نوح وهود وصالح ولوط وشعيب؛ للتنبيه على أن بعثة الأنبياء أسسها الدعاء إلى معرفة الله سبحانه وطاعته فيما يقرب المدعو إلى الثواب ويبعده من العقاب، وأن الأنبياء مجتمعون على ذلك، وإن اختلفوا في تفصيل الأحكام تبعًا لاختلاف الأزمنة والعصور، وأن الأنبياء منزهون عن المطامع الدنيوية، لا يأبهون بها, ولا يجعلونها قبلة أنظارهم ومحط رحالهم.
١٢٨ - ولما فرغ من دعائهم إلى الإيمان .. أتبعه بإنكار بعض ما هم عليه، فقال: ﴿أَتَبْنُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ - بكسر الراء وفتحها - جمع ريعة، كذلك؛ أي في كل مكان مرتفع ﴿آيَةً﴾؛ أي: بناء عاليًا متميزًا عن سائر الأبنية تفاخرًا حال كونكم ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون (٢) ببنائه، فإن بناء ما لا ضرورة فيه، وما كان فوق الحاجة، عبث. وقيل: المعنى؛ أي (٣): تبنون بكل مكان مرتفع علامة تعبثون فيها بمن يمر بكم وتسخرون منهم؛ لأنكم تشرفون من ذلك البناء المرتفع على الطريق، فتؤذون المارة وتسخرون منهم. قال الكلبي: إنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم، حكاه الماوردي. وقيل: إنهم كانوا يبنون في الأماكن المرتفعة؛ ليعرف بذلك غناهم تفاخرًا.
١٢٩ - ﴿وَتَتَّخِذُونَ﴾؛ أي: وتجعلون لأنفسكم ﴿مَصَانِعَ﴾ وحياضًا عظيمة ومخازن للماء تحت الأرض تجمعون فيها ماء المطر ونحوه ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾؛ أي: راجين أن تخلدوا في الدنيا؛ أي: عاملين عمل من يرجو ذلك، فلذلك تحكمون بناءها. وقيل: ﴿لعل﴾ هنا للتشبيه؛ أي: كأنكم تخلدون. وقيل: للاستفهام التوبيخي؛
стр. 9038
أي: هل أنتم تخلدون في الدنيا. قال أبو حيان: الظاهر (١) أن ﴿لعل﴾ على بابها من الرجاء وكأنه تعليل للبناء والاتخاذ؛ أي: الحامل لكم على ذلك هو الرجاء للخلود، ولا خلود. وفي قراءة عبد الله ﴿كي تخلدون﴾، وفي حرف أبي: ﴿كأنكم تخلدون﴾، وقرىء ﴿كأنكم خالدون﴾. وقرأ الجمهور ﴿تخلدون﴾ مبنيًا للفاعل، وقتادة مبنيًا للمفعول، وقرأ أبي وعلقمة وأبو العالية مبنيًا للمفعول مشددًا ومخففًا مع ضم التاء.
١٣٠ - ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾؛ أي: إذا أخذتم بالعقوبة على أحد بأن ضربتم أحدًا بسوط، أو قتلتم بالسيف ﴿بَطَشْتُمْ﴾؛ أي: فعلتم ذلك حالة كونكم ﴿جَبَّارِينَ﴾؛ أي: متسلطين ظالمين بلا رأفة ولا قصد تأديب، ولا نظر في العاقبة، فأما بالحق والعدل فالبطش جائز، والجبار الذي يضرب ويقتل على الغضب، وهو مذموم في وصف البشر.
والحاصل (٢): أنهم أحبوا العُلُوَّ وبقاء العُلُوِّ، والتفرد بالعلوِ، وكل ذلك ينبه على أن من حب الدينار رأس كل خطيئة، وعنوان كل معصية.
والخلاصة: إذا ضربتم .. ضربتم بالسياط ضرب الجبارين، وإذا عاقبتم قتلتم بلا استحقاق؛ أي: إنكم قوم قساة غلاظ الأكباد ذووا جبروت وعتو، فإذا عاقبتم عاقبتم دون شفقة ولا رأفة، وخلاصة ما قال: إن أفعالكم تدل على حب الدنيا، وعلى الكبرياء والتسلط على الناس بجبروت وعسف.
١٣١ - ثم لما وصفهم بهذه الأوصاف القبيحة الدالة على الظلم والعتو والتمر والتجبر .. أمرهم بالتقوى، فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ؛ أي: خافوا عقاب الله سبحانه، واتركوا هذه الأفعال الذميمة من بناء الأبنية العالية، واتخاذ الأمكنة الشريفة، وإسراف المال في الحياض والرياض، والبطش بغير حق ﴿وأطيعونـ﴾ ـي فيما أدعوكم إليه من التوحيد والعدل والإنصاف، وترك الأمل ونحوها، فإنه أنفع لكم وأجدى.
стр. 9039
١٣٢ - ثم وصل العظة بما يوجب قبولها بالتنبيه إلى نعم الله التي غمرتهم وفواضله التي عمتهم، وذكرها أولًا مجملة ثم فصلها؛ ليكون ذلك في نفوسهم، فيحتفظوا بها، ويعرفوا عظيم قدرها، فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾؛ أي: وخافوا عقاب الله الذي أعطاكم ﴿بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ مما لا خفاء فيه عليكم من أنواع النعم الحاصلة لكم، أجملها هود ﵇ أولًا،
١٣٣ - ثم فصلها بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ﴾ وأنعمكم ﴿بِأَنْعَامٍ﴾ من الإبل والبقر والغنم. وأعاد الفعل للتقرير والتأكيد ﴿وَبَنِينَ﴾ ذكور، ولم يذكر البنات؛ لأنها لا تعد عندهم من النعم، كما في قوله: ما هي بنعم الولد
١٣٤ - ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤)﴾؛ أي: بساتين وأنهار وأبيار، والمعنى؛ أي (١): واتقوا عقاب الله بطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، فابتعدوا عن اللعب واللهو وظلم الناس والفساد في الأرض، واحذروا سخط من أعطاكم من عنده ما تعلمون من الأنعام والبنين والبساتين والأنهار، تتمتعون بها كما شئتم حتى صرتم مضرب الأمثال في الغنى والثروة والزخرف والزينة، فاجعلوا كفاء هذا عبادة من أنعم بها، وتعظيمه وحده.
١٣٥ - ثم بين السبب في أمرهم بالتقوى، فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن لم تقوموا بشكر هذه النعم ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي (٢): شديد عذابه في الدنيا والآخرة، فإن كفران النعمة مستتبع للعذاب، كما أن شكرها مستلزم لزيادتها. ووصف اليوم بالعظم؛ لعظم ما يحل فيه، وهو هبوب الريح الصرصر هاهنا.
والمعنى: أي إني أخاف عليكم إن أصررتم على كفركم، ولم تشكروا هذه النعم عذاب يوم شديد الهول، تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وترى الناس فيه سكارى حيارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
١٣٦ - وبعد أن بلغ الغاية في إنذارهم وتخويفهم وترغيبهم وترهيبهم .. كانت خاتمة مطافه أن قابلوه بالاستخفاف وقلة الاكتراث والاستهانة بما سمعوا، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قومه في جواب تذكير هود ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا
стр. 9040
أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾؛ أي: وعظك وتذكيرك وتخويفك إيانا من العذاب وعدم وعظك سواء عندنا؛ أي: مستوٍ عندنا، لا نبالي بشيء منه، ولا نلتفت إلى ما تقوله ولا نسمعه.
والمعنى (١): أي هون عليك، وأرح نفسك، فكل هذا تعب ضائع، وجهاد في غير عدو، وضرب في حديد بارد، فإنا لن نرجع عما نحن عليه، وقد حكى الله سبحانه قولهم في سورة هود: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وعادل (٢) ﴿أَوَعَظْتَ﴾ بقوله: ﴿أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ وإن كان قد يعادله: أم لم تعظ، كما قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾؛ لأجل الفاصلة، كما عادلت في قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾، ولم يأت التركيب: ﴿أم صمتم﴾، وكثيرًا ما يحسن مع الفواصل ما لا يحسن دونه. وقال الزمخشري: بينهما فرق؛ يعني بين ما جاء في الآية وبين: أم لم تعظ؛ لأن المراد: سواء علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلًا من أهله ومباشريه، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك أم لم تعظ.
وقرأ الجمهور: ﴿وعظت﴾ بإظهار الظاء، وروي عن أبي عمرو والكسائي وعاصم إدغام الظاء في التاء، وبالإدغام قرأ ابن محيصن والأعمش، إلا أن الأعمش زاد ضمير المفعول، فقرأ: ﴿أوعظتنا﴾.
١٣٧ - ثم ذكروا السبب في أن الوعظ وعدمه سواء بقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة (٣): ﴿خُلُقُ﴾ بضمتين، والمعنى عليه: أي ما هذا الذي جئتنا به من الكذب إلا عادة الأولين، كانوا يسطرونه، أو ما هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الأولين من الآباء والأجداد، فنحن سالكون سبيلهم، مقتدون بهم، أو ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة، والبلاء
стр. 9041
والعافية، ومن اعتقاد أن لا بعث ولا حساب ولا جزاء إلا عادة قديمة، لم يزل الناس عليها من قديم الدهر.
وقرأ عبد الله وعلقمة والحسن وأبو جعفر وأبو عمرو وابن كثير والكسائي (١): ﴿خَلْق﴾ بفتح الخاء وسكون اللام، والمعنى: أي: ما هذا الذي جئتنا به إلا خلق الأولين؛ أي: اختلاقهم وكذبهم، فأنت على مناهجهم، أو ما خلقنا هذا إلا خلق الأمم الماضية، نحيا كحياتهم، ونموت كمماتهم، ولا بعث ولا معاد، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار. وقرأ أبو قلابة والأصعمي عن نافع بضم الخاء وسكون اللام، وتحتمل هذه القراءة ذينك الاحتمالين اللذين في ﴿خُلُقُ﴾ بضمتين.
١٣٨ - ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨)﴾ على ما نحن عليه من الأعمال والعادات
١٣٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ أي: كذبوا هودًا، وأصروا على تكذيبه ومخالفة أمره ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: عادًا بسبب تكذيبهم بريح صرصر عاتية؛ ريح عظيمة ذات برد شديد، كما جاء في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ تلخيصه: أن هودًا أنذر قومه وعظهم، فلم يتعظوا فأهلكوا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في إهلاكنا عادًا بتكذيبها رسولها ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة وعظة لقومك - يا محمد - المكذبين بك فيما أتيتهم به من عند ربك ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم عاد ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بالله وبرسولهم هود ﵇. أو: وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علمنا. أو: وما كان أكثر هؤلاء الذين سمعوا قصتهم من قوم محمد ﷺ مؤمنين
١٤٠ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب المنتقم الشديد في انتقامه ممن يعمل عمل الجبارين، ولا يقبل موعظة واعظ ونصيحة ناصح. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه المؤمنين إن تابوا وأصلحوا.
وهذا تهديد لهذه الأمة كيلا يسلكوا مسالكهم (٢). قيل: خير ما أعطي الإنسان عقل يردعه، فإن لم يكن فحياء يمنعه، فإن لم يكن فخوف يقمعه، فإن
стр. 9042
لم يكن فمال يستره، فإن لم يكن فصاعقة تحرقه وتريح منه العباد والبلاد، كالأرض إذا استولى عليها الشوك فلا بد من نسفها وإحراقها بتسليط النار عليها، حتى تعود بيضاء، فعلى العاقل أن يعتبر ويخاف من عقوبة الله سبحانه، ويترك العادات والشهوات والملاهي والتلفازات، ولا يصر على المخالفات والمنهيات، وقد أهلك الله سبحانه قوم عاد مع شدة قوتهم وشوكتهم بأضعف الأشياء وهو الريح، فإنه إذا أراد يجعل الأضعف أقوى كالبعوضة، ففي الريح ضعف للأولياء، وقوة على الأعداء، ولأن للكمل معرفة تامة بشؤون الله تعالى، لم يزالوا مراقبين خائفين، كما أن الجهلاء ما زالوا غافلين آمنين، ولذا قامت عليهم الطامة في كل زمان - قوّانا الله وإياكم بحقائق اليقين، وجعلنا وإياكم من أهل المراقبة في كل حين -.
الإعراب
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾.
﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول قال إبراهيم. ﴿هَبْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿لِي﴾: جار ومجرور متعلق به. ﴿حُكْمًا﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، على كونها جواب النداء. ﴿وَأَلْحِقْنِي﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر، ونون وقاية ومفعول به ﴿بِالصَّالِحِينَ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿هَبْ لِي﴾. ﴿وَاجْعَلْ﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر معطوف على ﴿هَبْ لِي﴾. ﴿لِي﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿اجعل﴾. ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾: مفعول أول لـ ﴿اجعل﴾، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾. ﴿وَاجْعَلْنِي﴾: فعل وفاعل مستتر ونون وقاية، ومفعول به أول معطوف على ﴿هَبْ لِي﴾. ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صفة لموصوف محذوف وقع مفعولًا ثانيًا لجعل؛ أي: واجعلني
стр. 9043
وارثًا من ورثة جنة النعيم. ﴿وَاغْفِرْ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿هَبْ﴾. ﴿لِأَبِي﴾: متعلق بـ ﴿اغفر﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، واسمها مستتر يعود على الأب. ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾: خبرها، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل الغفران على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: دعائية جازمة. ﴿تُخْزِنِي﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الدعائية، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهي الياء، وفاعله ضمير يعود على الله، و ﴿النون﴾: للوقاية، و ﴿الياء﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿هَبْ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بتـ ﴿تُخْزِنِي﴾. ﴿يُبْعَثُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: في محل النصب على الظرفية بدل من ﴿يَوْمَ﴾ الأول. ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾: فعل وفاعل في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿وَلَا بَنُونَ﴾: معطوف على ﴿مَالٌ﴾ مرفوع بالواو؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، والمستثنى منه محذوف تقديره: يوم لا ينفع مال ولا بنون أحدًا. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء من المستثنى منه المحذوف المذكور. ﴿أَتَى اللَّهَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿بِقَلْبٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَتَى﴾. ﴿سَلِيمٍ﴾: صفة ﴿قلب﴾، والجملة صلة الموصول.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾.
﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا يَنْفَعُ﴾. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾: فعل ونائب فاعل أيضًا معطوف على: ﴿لَا يَنْفَعُ مَالٌ﴾. ﴿لِلْغَاوِينَ﴾: متعلق به. ﴿وَقِيلَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية، أو عاطفة. ﴿قيل﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قيل﴾، وجملة ﴿قيل﴾ في محل النصب حال من الغاوين، ولكنها بتقدير قد. وإن شئت قلت: ﴿أَيْنَ﴾ اسم استفهام في محل النصب على الظرفية المكانية متعلق
стр. 9044
بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْبُدُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كان﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من واو ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: حالة كونكم مجاوزين الله في عبادتكم.
فائدة: واختلفت المصاحف في رسم ﴿مَا﴾ في ﴿أَيْنَ مَا﴾ موصولة بـ ﴿أَيْنَ﴾، أو مفصولة عنها، والفصل أظهر هنا، فليست هذه كالتي في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ فهي زائدة، وترسم موصولة باتفاق، اهـ "كرخي". ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام التوبيخي. ﴿يَنْصُرُونَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾ ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَنْصُرُونَكُمْ﴾.
﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾.
﴿فَكُبْكِبُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿كبكبوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿قيل﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به. ﴿هُمْ﴾: تأكيد للضمير المرفوع في ﴿كبكبوا﴾، ليصح العطف عليه. ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ معطوف على ﴿الواو﴾ في ﴿كبكبوا﴾، وسوغ العطف عليهما الفصل بالجار والمجرور، وبضمير التوكيد. ﴿وَجُنُودُ﴾: معطوف على ﴿الواو﴾ أيضًا. ﴿إِبْلِيسَ﴾: مضاف إليه مجرور بالفتحة للعلمية والعجمة. ﴿أَجْمَعُونَ﴾: تأكيد للواو في ﴿كبكبوا﴾ وما عطف عليه. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾، وجملة ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو ﴿قَالُوا﴾. ﴿تَاللَّهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بفعل قسم محذوف تقديره: نقسم تالله، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، تقديره: تالله إنه. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَفِي﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿في ضلال﴾: جار ومجرور خبر كان. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة
стр. 9045
﴿ضلال﴾، وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إِن﴾، وجملة ﴿إِن﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب على كونها مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿كُنَّا﴾. ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعل مستتر. ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نُسَوِّيكُمْ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَضَلَّنَا﴾: فعل ومفعول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة القسم. ﴿فَمَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿لَنَا﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ شَافِعِينَ﴾: مبتدأ مؤخر، و ﴿مِن﴾ زائدة، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿أَضَلَّنَا﴾. ﴿وَلَا صَدِيقٍ﴾: معطوف على ﴿شَافِعِينَ﴾. ﴿حَمِيمٍ﴾: صفة ﴿صَدِيقٍ﴾.
﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾.
﴿فَلَوْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿لو﴾: حرف تمن بمعنى نتمنى نائب عن الفعل. ﴿أَنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لَنَا﴾: خبر مقدم لـ ﴿أَنَّ﴾ ﴿كَرَّةً﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لفعل محذوف دلت عليه ﴿لو﴾ والتقدير: فنتمنى كون كرة لنا إلى الدنيا، ويجوز أن تكون ﴿لو﴾ شرطية، وجملة ﴿أَنَّ﴾ حينئذ في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلًا لفعل محذوف بعد ﴿لو﴾، تقديره: لو ثبت كون كرة لنا إلى الدنيا، والجملة المحذوفة فعل شرط لـ ﴿لو﴾، وجوابها محذوف تقديره: فلو ثبت كون كرة لنا لفعلنا كيت وكيت، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَنَكُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية إن قلنا: ﴿لو﴾ للتمني. ﴿نكون﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب التمني، واسمها ضمير مستتر فيها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور في محل النصب خبر ﴿نكون﴾، وجملة ﴿نكون﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متقيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: نتمنى كون كرة لنا إلى الدنيا فكوننا من المؤمنين.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾
стр. 9046
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، واللام حرف ابتداء، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ ﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن ربك﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُوَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾.
﴿كَذَّبَتْ﴾: فعل ماض. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿كَذَّبَتْ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿أَخُوهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه مرفوع بالواو. ﴿نُوحٌ﴾: بدل من ﴿أَخُوهُمْ﴾، أو عطف بيان منه، وجملة ﴿قَالَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿أَلَا﴾: أداة عرض. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَكُمْ﴾ جار ومجرور حال من ﴿رَسُولٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، ﴿رَسُولٌ﴾: خبر ﴿إن﴾. ﴿أَمِينٌ﴾: صفة ﴿رَسُولٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معللة لعرضه عليهم الجنوح إلى التقوى. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أني رسول لكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم. ﴿اتقوا﴾: فعل وفاعل: ﴿اللَّهَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فعل أمر وفاعل ونون وقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
стр. 9047
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ﴾ الواو: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿نُوحٌ﴾ ومفعول أول ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال من ﴿أَجْرٍ﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿أَجْرٍ﴾: مفعول ثان لسأل، والجملة في محل النصب. مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِن﴾: نافية. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة. ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول به محذوف، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
تنبيه: وقد صدرت القصص الخمس بالأمر بالتقوى؛ للدلالة على اتفاق الأديان السماوية على وجوب معرفة الحق واتباعه، وكررت الجملة نفسها تأكيدًا لهذه الغاية السامية كما مر.
﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري. ﴿نؤمن﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على قوم ﴿نُوحٌ﴾. ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿اتبعك﴾: فعل ومفعول به. ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب حال من كاف ﴿لَكَ﴾، ولكنها على تقدير قد. ﴿قَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿نُوحٌ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَا﴾: استفهامية في محل الرفع مبتدأ. ﴿عِلْمِي﴾: خبرها ومضاف إليه. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿عِلْمِي﴾، ويحتمل كون ﴿مَا﴾ نافية. ﴿عِلْمِي﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿بِمَا﴾: متعلق به، والخبر محذوف تقديره: وما
стр. 9048
علمي بما كانوا يعملون حاصل، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة كان صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿إن﴾: نافية. ﴿حِسَابُهُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿عَلَى رَبِّي﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب قول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف امتناع وشرط. ﴿تَشْعُرُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول ﴿تَشْعُرُونَ﴾ محذوف، تقديره: ذلك، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: ما عيرتموهم وما نسبتم إليهم شيئًا من نقص، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: حجازية. ﴿أَنَا﴾: اسمها. ﴿بِطَارِدِ﴾ ﴿الباء﴾: زائدة، ﴿طارد المؤمنين﴾: خبرها مجرور لفظًا منصوب محلًا. ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إن﴾: نافية. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة له، والجملة معطوفة على ما قبلها.
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿لَئِنْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَنْتَهِ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿يَا نُوحُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معترضة. ﴿لَتَكُونَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأولى، كررت لتدل على أن ما بعدها جواب القسم لا جواب الشرط. ﴿تكونن﴾: فعل مضارع ناقص في محل الرفع؛ لتجرده عن الناصب والجازم مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، واسمها ضمير يعود على ﴿نُوحُ﴾. ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾: جار ومجرور خبر ﴿تكونن﴾، وجملة ﴿تكونن﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم المحذوف في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾، وجواب الشرط محذوف جريًا على القاعدة المشهورة المذكورة في قول ابن مالك:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ
стр. 9049
تقديره: إن لم تنته يا نوح تكن من المرجومين، وجملة الشرط في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معترضة بين القسم وجوابه.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿نُوحُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف حذف منه حرف النداء، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿كَذَّبُونِ﴾: فعل ماض وفاعل ونون وقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة اجتزاء عنها بكسرة نون الوقاية في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿فَافْتَحْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية؛ لكون ما قبلها علة لما بعدها. ﴿افتح﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿افتح﴾. ﴿وَبَيْنَهُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾. ﴿فَتْحًا﴾: مفعول مطلق، أو مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِن﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾ عطف فعلية على اسمية. ﴿وَنَجِّنِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿نَجِّنِي﴾: فعل دعاء وفاعل ونون وقاية ومفعول به، معطوف على ﴿فَافْتَحْ﴾. ﴿وَمَنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ياء المتكلم، أو مفعول معه. ﴿مَعِيَ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستكن في الصلة. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية، ﴿أنجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب معطوف على ضمير المفعول، أو مفعول معه. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: متعلق بـ ﴿أنجيناه﴾، أو متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الظرف. ﴿الْمَشْحُونِ﴾: صفة لـ ﴿الْفُلْكِ﴾.
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾.
стр. 9050
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿أَغْرَقْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿أنجينا﴾. ﴿بَعْدُ﴾: في محل النصب على الظرفية الزمانية مبني على الضم؛ لانقطاعه عن الإضافة لفظًا لا معنى، والمراد: بعد إنجائهم ﴿الْبَاقِينَ﴾: مفعول ﴿أَغْرَقْنَا﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم. ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، معطوف على جملة ﴿إن﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُوَ﴾: ضمير فصل، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبره. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان لها، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في القصة الرابعة. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿كَذَّبَتْ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَخُوهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿هُودٌ﴾: بدل من ﴿أَخُوهُمْ﴾، أو عطف بيان له، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَلَا﴾: أداة عرض. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والمفعول محذوف تقديره: تتقون الله، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَكُمْ﴾: حال من ﴿رَسُولٌ﴾. ﴿رَسُولٌ﴾: خبر ﴿إن﴾. ﴿أَمِينٌ﴾: صفة له، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها معللة لعرضه عليهم التقوى. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة كما تقدم. ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول محذوف معطوف على ﴿اتقوا الله﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول أول، والجملة معطوفة على
стр. 9051
جملة ﴿إن﴾. ﴿عَلَيْهِ﴾: حال. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿أَجْرٍ﴾: مفعول ثان لسأل. ﴿إن﴾: نافية. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١)﴾.
﴿أَتَبْنُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي. ﴿تبنون﴾: فعل وفاعل. ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تبنون﴾. ﴿آيَةً﴾: مفعول به، والجملة الاستفهامية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿تَعْبَثُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿تبنون﴾. ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿تبنون﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَخْلُدُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿تَخْلُدُونَ﴾؛ أي: حالة كونكم راجين ومؤملين أن تخلدوا في الدنيا. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿بَطَشْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها. ﴿بَطَشْتُمْ﴾: فعل وفاعل جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، والظرف متعلق بالجواب. ﴿جَبَّارِينَ﴾: حال من فاعل ﴿بَطَشْتُمْ﴾، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة قوله: ﴿أَتَبْنُونَ﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم اتقوا الله ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فعل وفاعل ونون وقاية ومفعول محذوف معطوف على ﴿اتقوا الله﴾.
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦)﴾.
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
стр. 9052
﴿أَمَدَّكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الموصول، ومفعول به صلة الموصول. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَمَدَّكُمْ﴾، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾ صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: تعلمونه. ﴿أَمَدَّكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة بدل من جملة ﴿أَمَدَّكُمْ﴾ الأولى بدل بعض من كل؛ لأنها أخص من الأولى باعتبار متعلقيهما، فتكون داخلة في الأولى لأن ﴿ما تعلمون﴾: يشمل الأنعام وغيرها. وقيل: هي مفسرة للجملة الأولى، فلا محل لها من الإعراب، وشرط إبدال الجملة من الجملة أن تكون الثانية أوفى من الأولى بتأدية المعنى المراد، ولذلك لا يقع البدل المطابق في الجمل، وإنما يقع بدل البعض من الكل. ﴿بِأَنْعَامٍ﴾: متعلق بـ ﴿أَمَدَّكُمْ﴾. ﴿وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾: معطوفة على ﴿أنعام﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿هُودٌ﴾. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَافُ﴾. ﴿عَذَابَ﴾: مفعول به. ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾، وجملة ﴿أَخَافُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿سَوَاءٌ﴾: خبر مقدم لمبتدأ متصيد من الجملة التي بعدها من غير سابك لإصلاح المعنى. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿سَوَاءٌ﴾؛ لأنه بمعنى مستو، والهمزة للاستفهام. ﴿أَوَعَظْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿أَمْ﴾: حرف معادل لهمزة التسوية عاطف. ﴿لمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لمْ﴾، واسمها ضمير يعود، على ﴿هُودٌ﴾. ﴿مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾: خبر ﴿تَكُنْ﴾، وجملة ﴿تَكُنْ﴾ معطوفة على جملة وعظت، وجملة وعظت في تأويل مصدر من غير سابك لإصلاح المعنى مرفوع على الابتداء، والتقدير: وعظك إيانا وعدمه سواء علينا في عدم مبالاتنا لوعظك، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾.
﴿إن﴾: نافية. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾:
стр. 9053
خبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَمَا نَحْنُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: حجازية. ﴿نَحْنُ﴾: في محل الرفع اسمها. ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾: خبرها، و ﴿الباء﴾: زائدة، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿كذبوه﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة معطوفة مفرعة على جملة ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية، ﴿أهلكناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف مفرع على ﴿كذبوه﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبرها مقدم على اسمها ﴿لَآيَةً﴾: اسمها مؤخر عن خبرها. و ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿إن﴾. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَهُوَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿هو﴾: ضمير فصل. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إنَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ الحكم: هو العلم بالخبر والعمل به. واللحوق بالصالحين يراد به التوفيق للأعمال التي توصل إلى الانتظام في زمرة الكاملين المنزهين عن كبائر الذنوب وصغائرها.
﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾؛ أي: ذكرًا جميلًا بين الناس، بتوفيقي إلى الطريق الحسنة حتى يقتدي بي الناس من بعدي، وهذا هو الحياة الثانية، كما قال:
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ ... فِيْ النَّاسِ أَحْيَاءُ
﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾؛ أي: من الذين يستمتعون بالجنة وسعادتها، فيكون ذلك غنيمة لهم، كما يستمتع الناس بالميراث في الدنيا.
﴿وَلَا تُخْزِنِي﴾ من أخزى يخزي إخزاء أصله من الخزي بمعنى الهوان والذل، وقيّد عدم الإخزاء بيوم البعث؛ لأن الدنيا مظهر اسم الستار كما مر.
стр. 9054
﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ والقلب السليم: هو البعيد عن الكفر والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة.
﴿أزلفت﴾؛ أي: قرّبت الجنة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ عن الكفر والمعاصي بحيث يشاهدونها من الموقف ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾؛ أي: جعلت بارزة؛ أي: ظاهرة ﴿لِلْغَاوِينَ﴾؛ أي: الضالين عن طريق الهدى.
﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وباب افتعل هاهنا مطاوع فعل، قال في "كشف الأسرار" النصر: المعونة على دفع الشر والسوء عن غيره، والانتصار أن يدفع عن نفسه.
﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ والكبكبة: تكرير الكب؛ وهو الإلقاء على الوجه بتكرير معناه، كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها، اهـ "بيضاوي". وفي "روح البيان": الكبكبة: تدهور الشيء في هوة؛ وهو تكرير الكب، وهو الطرح والإلقاء منكوسًا، وجعل تكرير اللفظ دليلًا على تكرير المعنى، كرر عين الكبّ بنقله إلى باب التفعيل، فأصل كبكبوا كبّبوا، فاستثقل اجتماع الباءات، فأبدلت الثانية كافًا، كما في زحزح، فإن أصله زحح من زحّه يزحّه؛ أي: نحا عن موضعه، ثم نقل إلى باب التفعيل، فقيل: زححه، فأبدلت الحاء الثانية زايًا، فقيل: زحزحه؛ أي: باعده، اهـ.
﴿الْغَاوُونَ﴾: اسم فاعل من غوى يغوى غواية إذا ضل عن طريق الهدى.
﴿يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أي: يخاصمون من معهم من الأصنام والشياطين. فافتعل هنا بمعنى فاعل الذي للمشاركة.
﴿إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ من الإجرام؛ وهو الإشراك، وأصل الجرم: قطع الثمرة عن الشجرة، والجرامة رديء الثمر، وأجرم إذا صار ذا جرم، نحو أثمر وألبن، واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ولا يكاد يقال في عامة كلامهم للكسب المحمود.
﴿مِنْ شَافِعِينَ﴾: جمع شافع من الشفاعة؛ وهو طلب الخير من الغير للغير.
﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾: من الصداقة، والصداقة: أن يفرح الشخص
стр. 9055
لفرحك، ويحزن لحزنك، والعداوة على الضد من ذلك. والحميم: هو الذي يهمّه ما أهمّك؛ من الاحتمام؛ وهو الاهتمام، أو من الحامة؛ وهي الخاصة؛ وهو الصديق المشفق. والنفي هنا يحتمل نفي الصديق من أصله، أو نفي صفته فقط، والصديق يحتمل أن يكون مفردًا، وأن يكون مستعملًا في الجمع، كما يستعمل العدو فيه، كما يقال: هم صديق، وهم عدو، اهـ "كشاف". وفي "البيضاوي": جمع الشافع، ووحد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة، وقلة الصديق، ولأن الصديق الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء، أو لإطلاق الصديق على الجمع كالعدو؛ لأنه في الأصل مصدر كالحنين والصهيل، اهـ.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾: تأنيث الفعل المسند إلى القوم باعتبار معناه، وهو الأمة والجماعة، وتذكير الضمير العائد إليه في قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ باعتبار لفظه. وفي "البيضاوي": القوم مؤنث، ولذلك يصغر على قويمة". وفي "المصباح": "القوم يذكر ويؤنث، فيقال: قام القوم، وقامت القوم، وكذلك كل اسم جمع لا واحد له من لفظه، نحو رهط ونفر"، اهـ. فقوله: مؤنث؛ أي: على الأغلب، لا أنه ذهب إلى أنه جمع قائم، والأصل تأنيثه، اهـ "شهاب".
﴿أَخُوهُمْ﴾؛ أي: أخوة نسب، كما يقال: يا أخا العرب، ويا أخا تميم، يريدون: يا من هو واحد منهم، قال الحماسي:
لاَ يَسْأَلُوْنَ أَخَاهُمْ حِيْنَ يَنْدُبُهُمْ ... فِيْ النَّائِبَاتِ عَلَى مَا قَالَ بُرْهَانَا
﴿الْأَرْذَلُونَ﴾: جمع الأرذل، والرذالة الخسة والدناءة، والرذال: المرغوب عنه لرداءته، يعنون أن لا عبرة لاتباعهم لك؛ إذ ليس لهم رزانة عقل وإصابة رأي، قد كان ذلك منهم في بادىء الرأي، وقد استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة حظوظهم من الدنيا.
﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾: وهو من الباب الأول، وأما الشعر بمعنى النظم فهو من الباب الخامس.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾: من الطرد، وهو الإزعاج والإبعاد على سبيل
стр. 9056
الاستخفاف.
﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾؛ أي: من المقتولين رجمًا بالحجارة، قال الراغب في "المفردات": الرجام الحجارة، والرجم الرمي بالرجام، يقال: رجم فهو مرجوم، قال تعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾؛ أي: المقتولين أقبح قتلة، انتهى.
﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾؛ أي: أحكم بيننا، والفتح هنا من الفتاحة بمعنى الحكومة، والفتّاح الحاكم، سمي بذلك لفتحه مغاليق الأمور،، كما سمي فيصلًا لفصله بين الخصومات. وفي "القاموس": الفُتاحة - بالضم والكسر - ويقال: بينهما فتاحات؛ أي: خصومات.
﴿الْمَشْحُونِ﴾؛ أي: المملوء بهم وبكل ما معهم، ومنه الشحناء؛ وهي عداوة امتلأت منها النفوس.
﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾ الريع - بكسر الراء وفتحها -: جمع ريعة؛ وهو في اللغة المكان المرتفع، وقال أبو عبيدة: هو الطريق اهـ. "سمين". وقيل: هو الجبل. اهـ "مصباح" وفي "القاموس": والرِيع - بالكسر والفتح - المرتفع من الأرض، أو كل فجّ، أو كل طريق، أو الطريق المنفرج في الجبل، والجبل المرتفع، الواحدة بهاء، وبالكسر: الصومعة، وبرج الحمام، والتل العالي، وبالفتح: فضل كل شيء كريع العجين والدقيق والبذر. اهـ.
﴿آيَةً﴾ الآية: العلم يهتدي به المارة، وكان بناؤها للعبث واللهو؛ لأنهم كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فلا يحتاجون إليها. وقيل: المراد بها القصور المشيدة، ترفعون بناءها وتجتمعون فيها، فتعبثون بمن يمر بكم.
﴿تَعْبَثُونَ﴾ في "المصباح": عبث عبثًا - من باب تعب - إذا لعب وعمل ما لا فائدة فيه فهو عابث.
﴿مَصَانِعَ﴾: جمع مَصنعَةُ - بفتح الميم مع فتح النون، أو ضمها -؛ وهي الحوض أو البركة، فقوله: ﴿مَصَانِعَ﴾؛ أي: حيضانًا وبُركًا تجمعون فيها الماء، فهي من قبيل الصهاريج. اهـ، شيخنا وفي "المختار": المَصنُعَة - بفتح الميم وضم
стр. 9057
النون، أو فتحها - كالحوض يجمع فيه ماء المطر، والمصانع الحصون. اهـ. وفي "القاموس"، وشرحه "التاج": المَصنَعة والمَصنُعة - بفتح الميم وفتح النون وضمها -: ما يجمع فيه ماء المطر كالحوض، والجمع المصانع، والمصانع أيضًا القرى والحصون والقصور، والمصنعة أيضًا الدعوة للأكل، يقال: كنا في مصنعة فلان، وموضع يعزل النحل بعيدًا عن البيوت، وجميع هذه المعاني صالحة للتفسير بها. وقيل: ﴿مَصَانِعَ﴾؛ أي: قصورًا مشيدة وحصونًا منيعة، أو مآخذ الماء تحت الأرض، كما في "الصحاح" و"القاموس".
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ البطش: السطوة والأخذ بعنف، وتناول الشيء بصولة أو قهرٍ أو غلبة.
﴿جَبَّارِينَ﴾ والجبَّار: الذي يضرب ويقتل على الغضب، والجبّار أيضًا المتسلط العاتي بلا رأفة ولا شفقة.
﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ﴾ والإمداد: اتباع الثاني بما قبله شيئًا بعد شيء على انتظام، وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، والمدّ في المكروه، وأما قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ فهو من مددت الدواة أمدها, لا من القبيل المذكور. اهـ "روح".
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ﴾ والوعظ: زجر يقترن بتخويف، وكلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب، والعظة والموعظة الاسم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التقديم في قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ فقد استوعب الحكم أولًا، ثم طلب الإلحاق بالصالحين، والسر فيه دقيق جدًّا، ذلك أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية؛ لأنه يمكنه أن يعلم الحق وإن لم يعمل
стр. 9058
به، وعكسه غير ممكن؛ لأن العلم صفة الروح، والعمل صفة البدن، وكما أن الروح أشرف من البدن كذلك العلم أفضل من الإصلاح.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ إذ المراد باللسان الثناء الحسن والقبول العام، وذكر اللسان مجاز علاقته السببية؛ لأنه سبب ذلك الثناء، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب. وقيل: هو مجاز من إطلاق الجزء على الكل؛ لأن الدعوة باللسان.
ومنها: إضافة الموصوف إلى الصفة في لسان صدق؛ أي: اللسان الصادق، والثناء الحسن، وإضافة المحل إلى الحال فيه في قوله: ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾؛ أي: الجنة التي هي محل النعيم الدائم.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ حيث استعار الورثة لمستحقي الجنة، شبَّه الجنة التي استحقها العامل بعد فناء عمله بالميراث الذي استحقه الوارث بعد فناء مورثه، فأطلق عليها اسم الميراث، وعلى استحقاقها اسم الوراثة، وعلى العامل اسم الوارث. اهـ "روح".
ومنها: المقابلة البديعة في قوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾ فإنه مقابل قوله في السعداء: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾.
ومنها: إضافة ما للكل إلى الجزء؛ لكونه رئيسه في قوله: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ أضاف السلامة إلى القلب؛ لأن الجوارح تابعة للقلب، فتسلم بسلامته، وتفسد بفساده.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي عما في المستقبل في قوله: ﴿أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، وفي قوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾، وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾، وقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾، وقوله: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦)﴾؛ للدلالة على تحقق الوقوع وتقرره.
ومنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ للدلالة على استمرار انتفاء النفع ودوامه حسبما يقتضيه مقام التهويل والتفظيع.
стр. 9059
ومنها: قوة اللفظ لقوة المعنى في قوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾ وهذا مما انفرد في التنبيه إليه ابن جنّي في كتاب "الخصائص"، فإن الكبكبة تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد أخرى، حتى يستقر في قعرها, وليست الزيادة في اللفظ دالة على قوة المعنى بصورة مطردة، بل إن المدار في ذلك على الذوق، خذ لك مثالًا زيادة التصغير، فهي زيادة نقص، فرجيل أنقص من رجل في المعنى، ولكنه أكثر حروفًا منه.
ومنها: التعبير بصيغة المضارع في قوله: ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ لاستحضار الصورة الماضية.
ومنها: الإيضاح في قوله: ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾؛ وهو أن يذكر المتكلم كلامًا في ظاهره لبس، ثم يوضحه في بقية كلامه، فإن الصديق الموصوف بصفة حميم هو الذي يفوق القرابة، ويربو عليه، وهو أن يكون حميمًا، فالحميم من الاحتمام؛ وهو الاهتمام؛ أي: صديق يهمه أمرنا ويهمنا أمره.
ومنها: التكرير في قوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ للتأكيد والتقرير في النفوس مع كونه علق كل واحد منهما بسبب؛ وهو الأمانة في الأول، وقطع الطمع في الثاني، ونظيره قولك لولدك: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيرًا، ألا تتقي في عقوقي وقد علمتك كبيرًا.
ومنها: إطلاق الكل وإرادة البعض في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ حيث عبّر بالمرسلين عن نوح ﵇، وكذا فيما بعده من الأنبياء، وإنما ذكره بصيغة الجمع تعظيمًا له، وتنبيهًا على أن من كذب رسولًا فقد كذب جميع المرسلين.
ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾.
ومنها الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾؛ أي: احكم بيننا وبينهم بحكمك العادل، استعار الفتّاح للحاكم، والفتح للحكم؛ لأنه
стр. 9060
يفتح المنغلق من الأمر، ففيه استعارة تصريحية تبعية.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ ومحل التوبيخ هو الجملة الحالية؛ أي: تعبثون.
ومنها: إعادة الفعل لزيادة التقرير في قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣)﴾ بعد قوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ فإن التفصيل بعد الإجمال، والتفسير بعد الإبهام أدخل في ذلك، وأوقع في النفس. اهـ "أبو السعود".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
قبلها: أن الله لما قص على رسوله ﷺ قصص عاد وهود .. قصّ أيضًا قصص ثمود وصالح، وقد (١) كانوا عربًا مثلهم، يسكنون مدينة الحجر الذي بين وادي القرى والشام، ومساكنهم معروفة، تتردد عليها قريش في رحلة الصيف وهم ذاهبون إلى بلاد الشام، دعاهم صالح إلى عبادة الله وحده، وأن يطيعوه فيما بلغهم من رسالة ربهم، فأبوا وكذبوا بعد أن أتى لهم بالآيات المصدقة لرسالته فأخذهم العذاب، وزلزلت بهم الأرض، ولم تبق منهم ديارًا ولا نافخ نار.
التفسير وأوجه القراءة
١٤١ - قصص صالح ﵇: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ أنث (٢) اعتبارًا بمعنى القبيلة، أو الجماعة، أو الأمة، وهو اسم جدهم الأعلى، وهو ثمود بن عبيد بن عوص بن عاد بن إرم بن سام بن نوح ﵇.
﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: صالحًا ومن قبله من المرسلين، أو إياه وحده، والجمع باعتبار أن تكذيب واحد من الرسل في حكم تكذيب الجميع؛ لاتفاقهم على التوحيد وأصول الشرائع.
١٤٢ - ثم بيّن الوقت الممتد للتكذيب المستمر، فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ النسبي، لا الديني، فإن الأنبياء محفوظون قبل النبوة، معصومون بعدها، وفائدة كونه منهم أن تعرف أمانته ولغته، فيؤدّي ذلك إلى فهم ما جاء به وتصديقه ﴿صَالِحٌ﴾ بن عبيد بن آسف بن كاشح بن حاذر بن ثمود، وعاش صالح من العمر مئتين وثمانين سنة، وبينه وبين هود مئة سنة ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ يا قوم عقاب الله سبحانه بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه
١٤٣ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من عند الله ﴿أَمِينٌ﴾ في جميع ما أرسلت به إليكم
١٤٤ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: عقاب الله سبحانه في مخالفتي؛ لأني رسول الله إليكم ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه؛ لأني أمين على ما أرسلت به إليكم؛ أي: فإن شهرتي فيما بينكم بالأمانة موجبة لتقوى الله، وإطاعتي فيما أدعوكم إليه
١٤٥ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على نصحي لكم وتبليغ ما
стр. 9063
أرسلت به إليكم ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: أجرًا وجعلا ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما أجر تبليغي وثواب دعوتي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإنه الذي أرسلني، فالأجر عليه، بل هو الآجر لعباده الخلّص.
والمعنى: أي (١) كذبت ثمود أخاهم صالحًا حين قال لهم: ألا تتقون عقاب الله على معصيتكم إياه، وخلافكم أمره بطاعتكم أمر المفسدين في الأرض، إني لكم رسول من عند الله، أرسلني إليكم بتحذيركم عقوبته، أمين على رسالته التي أرسلها معي إليكم فاتقوه وأطيعوني، وما أسألكم على نصحي وإنذاري جزاء ولا ثوابًا، ما جزائي إلَّا على رب السموات والأرض وما بينهما.
١٤٦ - ثم خاطب قومه واعظًا لهم، ومحذّرًا نقم الله أن تحل بهم، ومذكرًا بأنعمه عليهم فيما آتاهم من الأرزاق الدارّة، والجنات والعيون، والزروع والثمرات، والأمن من المحذورات، فقال: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ الاستفهام (٢) فيه للإنكار والتوبيخ؛ أي: أتظنون أن تتركوا ﴿فِي﴾؛ أي: في النعم التي أعطاكم الله سبحانه ﴿مَا هَاهُنَا﴾؛ أي: في هذه الدار الدنيا حالة كونكم ﴿آمِنِينَ﴾ من الموت والعذاب، باقين في الدنيا، وأن لا دار للمجازاة؛ أي: لا تظنوا ذلك فإنكم لا تتركون فيها، ولا بد من المجازاة؛ أي: لا ينبغي لكم أن تعتقدوا أنكم تتقلبون في النعم التي في دياركم هذه آمنين من الزوال والعذاب، فلا تطمعوا في ذلك.
١٤٧ - ثم فسّر ذلك المكان بقوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾؛ أي: أتتركون في بساتين يانعة وأنهار جارية
١٤٨ - ﴿وَزُرُوعٍ﴾ زاهرة ﴿وَنَخْلٍ﴾ ناضرة ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾؛ أي: لطيف ليّن في جسمه، والطلع ثمر النخل في أول ما يطلع، وبعده يسمى خلالًا، ثم بلحًا، ثم بسرًا، ثم رطبًا، ثم تمرًا. وأفرد النخل مع دخولها في أشجار الجنات؛ لفضلها على سائر الأشجار، وقد خلقت من فضلة طينة آدم ﵇ ولكن لا أصل له.
والمعنى: أي لا تظنوا أنكم تتركون في دياركم آمنين متمتعين بالجنات
стр. 9064
والعيون والزروع والثمار اليانعة، وأن لا دار للجزاء على العمل، بل عليكم أن تتذكروا أن ما أنتم فيه من نعم وأمن من عدو لن يدوم، وأنكم عائدون إلى ربكم مجازون على أعمالكم خيرها وشرها.
١٤٩ - وقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ معطوف (١) على ﴿تتركون﴾ فهو في حيّز الاستفهام التوبيخي، ومحل التوبيخ الحال؛ وهي قوله: ﴿فَارِهِينَ﴾؛ أي: وهل تنحتون وتبرون ﴿مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ ومساكن حاله كونكم ﴿فَارِهِينَ﴾ بالألف؛ أي: ماهرين وحاذقين في نحتها وبرايتها. وقرىء ﴿فرهين﴾ بلا ألف، كما سيأتي لاحقًا؛ أي: فرحين مرحين بطرين. فهو على الأول من ﴿فَرُه﴾ بالضم فراهة إذا مهر في العمل وحذق، وعلى الثاني من ﴿فره﴾ بالكسر فرهًا إذا فرح ومرح.
وفي "الكرخي" في سورة الأعراف: وإنما كانوا ينحتون بيوتًا في الجبال لطول أعمارهم، فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم. وفي "الخطيب" في سورة هود: وكان الواحد منهم يعيش ثلاث مئة سنة إلى ألف سنة، وكذا كان قوم هود. اهـ.
واعلم: أن (٢) ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات الخيالية؛ وهو طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية؛ وهو طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة، وكل هذه اللذات من لذات أهل الدنيا الغافلين، وفوقها لذات أهل العقبى المتيقظين؛ وهي اللذات القلبية من المعارف والعلوم، وما يوصل إليها من التواضع والوقار والتجرد والاصطبار
١٥٠ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقابه في مخالفتي ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ـي فيما أمرتكم به.
والمعنى (٣): أي وهل تتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا من غير حاجة إلى سكناها مع الجدّ والاهتمام في بنائها، فاتقوا الله، وأقبلوا على
стр. 9065
ما يعود عليكم نفعه في الدنيا والآخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم وتسبيحه بكرة وأصيلا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾ بالتاء للخطاب، وكسر الحاء، وقرأ أبو حيوة وعيسى والحسن بفتح الحاء، وعن الحسن بألف بعد الحاء إشباعًا، وعن عبد الرحمن بن محمد عن أبيه ﴿ينحتون﴾ بالياء من أسفل وكسر الحاء، وعن أبي حيوة والحسن أيضًا ﴿ينحتون﴾ بالياء من أسفل وفتح الحاء، وقرأ عبد الله وابن عباس وزيد بن علي والكوفيون وابن عامر ﴿فَارِهِينَ﴾ بألف، وباقي السبعة بغير ألف، وقرأ مجاهد: ﴿متفرهين﴾ اسم فاعل من تفرّه، والمعنى: نشطين مهتمين.
١٥١ - وقوله: ﴿وَلَا تُطِيعُوا﴾ خطاب لجمهور قومه ﴿أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ وهم كبراؤهم ورؤساؤهم في الكفر والإضلال، وكان (٢) مقتضى الظاهر أن يقال: ولا تطيعوا المسرفين، بلا إقحام ﴿أَمْرَ﴾ فإن الطاعة إنما تكون للأمر - على صيغة الفاعل - كما أن الامتثال إنما يكون للأمر - على صيغة المصدر - فشبّه الامتثال بالطاعة من حيث إن كل واحد منهما يفضي إلى وجود المأمور به، فأطلق اسم المشبّه به وهو الطاعة، وأريد الامتثال؛ أي: لا تمتثلوا أمر المجاوزين للحد بالإشراك والإضلال. وقيل يعني التسعة الذين عقروا الناقة. وفي "النسفي": جعل الأمر مطاعًا على المجاز الإسنادي، والمراد الآمر، فكأنه قال: ولا تطيعوا المسرفين فيما أمروا به. أو المعنى (٣): ولا تطيعوا وتتبعوا المستكثرين من لذات الدنيا وشهواتها، بل اكتفوا واقتصروا منها بقدر الكفاف.
١٥٢ - ثم وصف المسرفين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض الحجر بالكفر والظلم، وهو وصف موضح لإسرافهم ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بالإيمان والعدل عطف على ﴿يُفْسِدُونَ﴾ لبيان خلو إفسادهم عن مخالطة الإصلاح؛ أي:
стр. 9066
المراد بهذه الجملة بيان أن فسادهم خالص، ليس معه شيء من الصلاح، فإن حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
والمعنى: أي ولا تطيعوا أمر رؤسائكم الذين تمادوا في معصية ربكم، واجترؤوا على سخطه، وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ وهو المذكورون في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾؛ أي: يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعته.
وخلاصة هذا: لا تطيعوا رؤساءَكم وكبراءَكم الدعاة إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق.
١٥٣ - ولما عجزوا عن الطعن في شيء مما دعاهم إليه .. عدلوا إلى التخييل إلى عقول الضعفاء والعامة ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قومه في جواب مقاله ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا صالح؛ أي: ما أنت إلا ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؛ أي: من الذين سحروا كثيرًا، حتى غلب على عقولهم؛ أي: من المسحورين مرة بعد أخرى حتى اختل عقله، واضطرب رأيه، فلا يقبل لك قول، ولا يسمع لك نصح. فبناء التفعيل لتكثير الفعل، أو: إلّا من البشر الذين لهم السحر والرئة، يأكلون كما نأكل، ويشربون كما نشرب، كما قال الفراء،
١٥٤ - فيكون قوله: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؛ أي: مماثل لنا، تأكل كما نأكل، وتشرب كما نشرب تأكيدًا له. والمعنى (١): أنت بشر مثلنا، ولست بملك، فلا نؤمن بك ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾؛ أي: بعلامة تدل على صدقك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك أنك رسول إلينا.
فإن قلت (٢): لم قال هنا ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ بلا واو، وفي قصة شعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ﴾ بواو، فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: ما هنا بدل مما قبله، وثَمَّ معطوف على ما قبله، وخص ما هنا بالبدل؛ لأن صالحًا قلل في الخطاب، فقلّلوا في الجواب، وأكثر شعيب في
стр. 9067
الخطاب فأكثروا في الجواب.
والمعنى: أي إنك بشر مثلنا، فكيف أوحي إليك دوننا، كما حكي عنهم في آية أخرى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾.
روي: أن (١) صالحًا ﵇ قال لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: نريد ناقة عشراء - الحامل في عشرة أشهر - تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا، فأخذ صالح يتفكر، فقال له جبريل: صل ركعتين وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم، ونتجت سقبًا مثلها في العظم. وعن أبي موسى الأشعري ﵁: رأينا مبركها فإذا هو ستون ذراعًا في ستين ذراعًا.
١٥٥ - فـ ﴿قَالَ﴾ لهم صالح: ﴿هَذِهِ﴾ البهيمة التي خرجت من الصخرة ﴿نَاقَةٌ﴾ دالة على نبوتي، أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾؛ أي: حظ ونصيب من الماء، تشرب منه يومًا كالسقي للحظ من السقي ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي: ولكم نصيب وحظ من الماء، تشربون منه يومًا، فاقتصروا على شربكم، ولا تزاحموا على شربها، بل تشربون من لبنها فإن فيه كفاية لكم. قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولا تشرب في يومهم ماء.
وقرأ الجمهور: ﴿شِرْبُ﴾ في الموضعين بكسر الشين، وقرأ ابن أبي عبلة بالضم فيهما.
١٥٦ - ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا﴾؛ أي: ولا تمسوا هذه الناقة ﴿بِسُوءٍ﴾؛ أي: بضرر كضرب وعقر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾؛ أي: فيحل بكم ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: شديد عذابه، فعظم اليوم بالنسبة إلى عظم ما حل فيه، وهو هاهنا صيحة جبريل.
١٥٧ - ثم حكى عنهم أنهم خالفوا أمر نبيهم، فقال: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾؛ أي: قتلوها بطعنة السهم وضربة السيف. وأسند (٢) العقر إلى كلهم مع أن العاقر بعضهم
стр. 9068
لرضاهم به، ولذلك أخذوا جميعًا؛ أي: عقروها بعد أن مكث بين أظهرهم حينًا من الدهر، ترد الماء وتأكل المرعى.
روي (١): أن مسطعًا ألجأها إلى مضيق، فرماها بسهم، فسقطت، ثم ضربها قدار بالسيف في ساقيها. وكان قدار هذا قصيرًا دميمًا وابن زنا، اهـ شيخنا. قال مقاتل: فخرج في أبدانهم خراج مثل الحمص، فكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار في الغد أصفر، ثم صار في الثالث أسود، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد، انفقعت فيه تلك الجراحات، وصاح عليهم جبريل صيحة، فماتوا بالأمرين، وكان ذلك ضحوة؛ أي: فعقروها وقتلوا مثل هذه الآية العظيمة ﴿فَأَصْبَحُوا﴾؛ أي: صاروا ﴿نَادِمِينَ﴾ ومتحسرين على عقرها، وقتلها ندم الخائفين من العذاب العاجل، أو ندم التائبين عند معاينة العذاب، فلذلك لم ينفعهم الندم كفرعون حين ألجمه الغرق
١٥٨ - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود على عقرها؛ أي: أهلكهم واستأصلهم، وهو صيحة جبريل ﵇.
فإن قلت (٢): كيف أخذهم العذاب بعدما ندموا على جنايتهم، وقد قال ﷺ : "الندم توبة"؟
قلتُ: ندمهم كان عند معاينة العذاب، وهي ليست وقت التوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، وقيل: كان ندمهم ندم خوف من العذاب العاجل، لا ندم توبة فلم ينفعهم.
والمعنى: أي (٣) فعقروا الناقة فندموا على ما فعلوا حين علموا أن العذاب نازل بهم؛ إذ أنظرهم ثلاثة أيام، وفي كل يوم منها تظهر مقدمات نزوله كما مر، فندموا حيث لا ينفع الندم، فأخذهم العذاب، وزلزلت أرضهم زلزالًا شديدًا وجاءت صيحة عظيمة. اقتلعت منها قلوبهم، ونزل بهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
стр. 9069
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ العذاب النازل بثمود ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة لمن بعدهم ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم ثمود، أو أكثر الذين سمعوا هذه القصة منك وهم قريش ومن دان دينهم ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بالله وبرسوله الذي أرسل إليهم
١٥٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على ما أراد من الانتقام من قوم ثمود بسبب تكذيبهم، فاستأصلهم، فليحذر المخالفون لأمره، حتى لا يقعوا فيما وقعت فيه الأمم السالفة المكذبة ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم حيث لا يعاجلهم بالعذاب، وكانت (١) الناقة علامة لنبوة صالح ﵇، فلما أهلكوها, ولم يعظموها صاروا نادمين حيث لا ينفعهم الندم، والقرآن علامة لنبوة محمد ﷺ ، فمن رفضه، ولم يعمل بما فيه، ولم يعظمه يصير نادمًا غدًا، ويصيبه العذاب، ومن جملة ما فيه الأمر بالاعتبار، فعليك بالامتثال ما ساعدت العقول والأبصار، وإياك ومجرد القال، فالفعل شاهد على حقيقة الحال.
قصص لوط ﵇
١٦٠ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾؛ أي: جماعته وأمته يعني أهل سدوم وما يتبعها من القرى ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: لوطًا وإبراهيم ومن تقدمهما من الرسل، أو المراد بالمرسلين نفس لوط، وإنما جمعه اعتبارًا بأن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل؛ لاتفاقهم في دعوة التوحيد وأصول العقائد
١٦١ - ﴿إِذْ قَالَ﴾ ظرف للتكذيبـ ﴿لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ في البلد والسكنى، لا في الدين، ولا في النسب؛ لأنه ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، وهما من بلاد الشرق من أرض بابل، فكان لوط أجنبيًا عنهم، مجاورًا لهم في قريتهم، وهو لوط بن هاران أخي إبراهيم، أو عم إبراهيم على الخلاف، إذ روى أنه هاجر مع عمه إبراهيم إلى أرض الشام، فأنزله إبراهيم الأردن، فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وما والاها، وقوله: ﴿لُوطٌ﴾ بن هاران بن تارخ بدل من ﴿أخوهم﴾، أو عطف بيان له ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾؛ أي: ألا تخافون عقاب الله تعالى على الشرك والمعاصي
١٦٢ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾؛ أي: مرسل من جانب
стр. 9070
الحق ﴿أَمِينٌ﴾؛ أي: مشهور بالأمانة، ثقة عند كل أحد
١٦٣ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقابه على مخالفتي ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ـي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، فإن قول المؤتمن معتمد
١٦٤ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على التعليم والتبليغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: جعلًا ومكافأة دنيوية، فإن ذلك تهمة لمن يبلغ عن الله تعالى ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما ثوابي على التبليغ ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: مِن رَبِّ العالمين وخالقهم ومصلحهم، بل ليس متعلق الطلب إلا إياه تعالى.
١٦٥ - وبعد أن نصحهم بما سلف ذكره .. وبّخهم على قبيح ما ابتدعوه بقوله، فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ والاستفهام (١) فيه للإنكار والتوبيخ، وعبر عن الفاحشة بالإتيان، كما عبر به عن الحلال في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ والذكران جمع الذكر ضد الأنثى، و ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تأتون﴾، والمراد به الناكحون من الحيوان، فالمعنى عليه: أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران وتجامعونهم وتعملون ما لا يشارككم فيه غيركم، يعني أنه منكر منكم ولا عذر لكم فيه، ويجوز أن يكون ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ حالًا من ﴿الذُّكْرَانَ﴾، والمراد به الناس، فالمعنى عليه: أتأتون الذكران من أولاد آدم مع كثرة الإناث فيهم، كأنهم قد أعوزنكم؛ أي: أفقرنكم وأعدمنكم، روي أن هذا العمل الخبيث علمهم إياه إبليس اللعين.
والمعنى: أتجامعون أدبار الرجال من أولاد آدم مع كون النساء أليق بالاستمتاع
١٦٦ - ﴿وَتَذَرُونَ﴾؛ أي: وتتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: ما خلق ربكم لأجل استمتاعكم به حال كونه ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ وحلائلكم. و ﴿من﴾ لبيان الجنس إن أريد بما جنس الإناث، وللتبعيض إن أريد به العضو المباح منهن، وهو القبل تعريضًا بأنهم كانوا يفعلون بنسائهم أيضًا، فتكون الآية دليلًا على حرمة أدبار الزوجات والمملوكات، وفي الحديث: "من أتى امرأة في دبرها فهو بريء مما أنزل على محمد، ولا ينظر الله إليه"، والمعنى؛ أي: وتتركون إناثًا أباحها لكم ربكم هي أزواجكم لأجل استمتاعكم، أو وتتركون فروجًا أحل لكم ربكم حال كونها بعض أزواجكم ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾؛ أي: معتدون مجاوزون الحلال إلى