المراد بهذه الجملة بيان أن فسادهم خالص، ليس معه شيء من الصلاح، فإن حال بعض المفسدين مخلوطة ببعض الصلاح.
والمعنى: أي ولا تطيعوا أمر رؤسائكم الذين تمادوا في معصية ربكم، واجترؤوا على سخطه، وهم الرهط التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون؛ وهو المذكورون في قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾؛ أي: يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون أنفسهم بالعمل بطاعته.
وخلاصة هذا: لا تطيعوا رؤساءَكم وكبراءَكم الدعاة إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق.
١٥٣ - ولما عجزوا عن الطعن في شيء مما دعاهم إليه .. عدلوا إلى التخييل إلى عقول الضعفاء والعامة ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قومه في جواب مقاله ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا صالح؛ أي: ما أنت إلا ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؛ أي: من الذين سحروا كثيرًا، حتى غلب على عقولهم؛ أي: من المسحورين مرة بعد أخرى حتى اختل عقله، واضطرب رأيه، فلا يقبل لك قول، ولا يسمع لك نصح. فبناء التفعيل لتكثير الفعل، أو: إلّا من البشر الذين لهم السحر والرئة، يأكلون كما نأكل، ويشربون كما نشرب، كما قال الفراء،
١٥٤ - فيكون قوله: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؛ أي: مماثل لنا، تأكل كما نأكل، وتشرب كما نشرب تأكيدًا له. والمعنى (١): أنت بشر مثلنا، ولست بملك، فلا نؤمن بك ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾؛ أي: بعلامة تدل على صدقك ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك أنك رسول إلينا.
فإن قلت (٢): لم قال هنا ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ بلا واو، وفي قصة شعيب: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ﴾ بواو، فما الفرق بين الموضعين؟
قلت: ما هنا بدل مما قبله، وثَمَّ معطوف على ما قبله، وخص ما هنا بالبدل؛ لأن صالحًا قلل في الخطاب، فقلّلوا في الجواب، وأكثر شعيب في
стр. 9067
الخطاب فأكثروا في الجواب.
والمعنى: أي إنك بشر مثلنا، فكيف أوحي إليك دوننا، كما حكي عنهم في آية أخرى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾.
روي: أن (١) صالحًا ﵇ قال لهم: أي آية تريدون؟ قالوا: نريد ناقة عشراء - الحامل في عشرة أشهر - تخرج من هذه الصخرة، فتلد سقبا، فأخذ صالح يتفكر، فقال له جبريل: صل ركعتين وسل ربك الناقة، ففعل، فخرجت الناقة وبركت بين أيديهم، ونتجت سقبًا مثلها في العظم. وعن أبي موسى الأشعري ﵁: رأينا مبركها فإذا هو ستون ذراعًا في ستين ذراعًا.
١٥٥ - فـ ﴿قَالَ﴾ لهم صالح: ﴿هَذِهِ﴾ البهيمة التي خرجت من الصخرة ﴿نَاقَةٌ﴾ دالة على نبوتي، أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾؛ أي: حظ ونصيب من الماء، تشرب منه يومًا كالسقي للحظ من السقي ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾؛ أي: ولكم نصيب وحظ من الماء، تشربون منه يومًا، فاقتصروا على شربكم، ولا تزاحموا على شربها، بل تشربون من لبنها فإن فيه كفاية لكم. قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولا تشرب في يومهم ماء.
وقرأ الجمهور: ﴿شِرْبُ﴾ في الموضعين بكسر الشين، وقرأ ابن أبي عبلة بالضم فيهما.
١٥٦ - ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا﴾؛ أي: ولا تمسوا هذه الناقة ﴿بِسُوءٍ﴾؛ أي: بضرر كضرب وعقر ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾؛ أي: فيحل بكم ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: شديد عذابه، فعظم اليوم بالنسبة إلى عظم ما حل فيه، وهو هاهنا صيحة جبريل.
١٥٧ - ثم حكى عنهم أنهم خالفوا أمر نبيهم، فقال: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾؛ أي: قتلوها بطعنة السهم وضربة السيف. وأسند (٢) العقر إلى كلهم مع أن العاقر بعضهم
стр. 9068
لرضاهم به، ولذلك أخذوا جميعًا؛ أي: عقروها بعد أن مكث بين أظهرهم حينًا من الدهر، ترد الماء وتأكل المرعى.
روي (١): أن مسطعًا ألجأها إلى مضيق، فرماها بسهم، فسقطت، ثم ضربها قدار بالسيف في ساقيها. وكان قدار هذا قصيرًا دميمًا وابن زنا، اهـ شيخنا. قال مقاتل: فخرج في أبدانهم خراج مثل الحمص، فكان في اليوم الأول أحمر، ثم صار في الغد أصفر، ثم صار في الثالث أسود، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، وهلاكهم يوم الأحد، انفقعت فيه تلك الجراحات، وصاح عليهم جبريل صيحة، فماتوا بالأمرين، وكان ذلك ضحوة؛ أي: فعقروها وقتلوا مثل هذه الآية العظيمة ﴿فَأَصْبَحُوا﴾؛ أي: صاروا ﴿نَادِمِينَ﴾ ومتحسرين على عقرها، وقتلها ندم الخائفين من العذاب العاجل، أو ندم التائبين عند معاينة العذاب، فلذلك لم ينفعهم الندم كفرعون حين ألجمه الغرق
١٥٨ - ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود على عقرها؛ أي: أهلكهم واستأصلهم، وهو صيحة جبريل ﵇.
فإن قلت (٢): كيف أخذهم العذاب بعدما ندموا على جنايتهم، وقد قال ﷺ : "الندم توبة"؟
قلتُ: ندمهم كان عند معاينة العذاب، وهي ليست وقت التوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية، وقيل: كان ندمهم ندم خوف من العذاب العاجل، لا ندم توبة فلم ينفعهم.
والمعنى: أي (٣) فعقروا الناقة فندموا على ما فعلوا حين علموا أن العذاب نازل بهم؛ إذ أنظرهم ثلاثة أيام، وفي كل يوم منها تظهر مقدمات نزوله كما مر، فندموا حيث لا ينفع الندم، فأخذهم العذاب، وزلزلت أرضهم زلزالًا شديدًا وجاءت صيحة عظيمة. اقتلعت منها قلوبهم، ونزل بهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
стр. 9069
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ العذاب النازل بثمود ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة لمن بعدهم ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم ثمود، أو أكثر الذين سمعوا هذه القصة منك وهم قريش ومن دان دينهم ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بالله وبرسوله الذي أرسل إليهم
١٥٩ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على ما أراد من الانتقام من قوم ثمود بسبب تكذيبهم، فاستأصلهم، فليحذر المخالفون لأمره، حتى لا يقعوا فيما وقعت فيه الأمم السالفة المكذبة ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم حيث لا يعاجلهم بالعذاب، وكانت (١) الناقة علامة لنبوة صالح ﵇، فلما أهلكوها, ولم يعظموها صاروا نادمين حيث لا ينفعهم الندم، والقرآن علامة لنبوة محمد ﷺ ، فمن رفضه، ولم يعمل بما فيه، ولم يعظمه يصير نادمًا غدًا، ويصيبه العذاب، ومن جملة ما فيه الأمر بالاعتبار، فعليك بالامتثال ما ساعدت العقول والأبصار، وإياك ومجرد القال، فالفعل شاهد على حقيقة الحال.
قصص لوط ﵇
١٦٠ - ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾؛ أي: جماعته وأمته يعني أهل سدوم وما يتبعها من القرى ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾؛ أي: لوطًا وإبراهيم ومن تقدمهما من الرسل، أو المراد بالمرسلين نفس لوط، وإنما جمعه اعتبارًا بأن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل؛ لاتفاقهم في دعوة التوحيد وأصول العقائد
١٦١ - ﴿إِذْ قَالَ﴾ ظرف للتكذيبـ ﴿لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ في البلد والسكنى، لا في الدين، ولا في النسب؛ لأنه ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، وهما من بلاد الشرق من أرض بابل، فكان لوط أجنبيًا عنهم، مجاورًا لهم في قريتهم، وهو لوط بن هاران أخي إبراهيم، أو عم إبراهيم على الخلاف، إذ روى أنه هاجر مع عمه إبراهيم إلى أرض الشام، فأنزله إبراهيم الأردن، فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وما والاها، وقوله: ﴿لُوطٌ﴾ بن هاران بن تارخ بدل من ﴿أخوهم﴾، أو عطف بيان له ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾؛ أي: ألا تخافون عقاب الله تعالى على الشرك والمعاصي
١٦٢ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾؛ أي: مرسل من جانب
стр. 9070
الحق ﴿أَمِينٌ﴾؛ أي: مشهور بالأمانة، ثقة عند كل أحد
١٦٣ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: خافوا عقابه على مخالفتي ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ ـي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، فإن قول المؤتمن معتمد
١٦٤ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على التعليم والتبليغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: جعلًا ومكافأة دنيوية، فإن ذلك تهمة لمن يبلغ عن الله تعالى ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما ثوابي على التبليغ ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: مِن رَبِّ العالمين وخالقهم ومصلحهم، بل ليس متعلق الطلب إلا إياه تعالى.
١٦٥ - وبعد أن نصحهم بما سلف ذكره .. وبّخهم على قبيح ما ابتدعوه بقوله، فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ والاستفهام (١) فيه للإنكار والتوبيخ، وعبر عن الفاحشة بالإتيان، كما عبر به عن الحلال في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ والذكران جمع الذكر ضد الأنثى، و ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تأتون﴾، والمراد به الناكحون من الحيوان، فالمعنى عليه: أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران وتجامعونهم وتعملون ما لا يشارككم فيه غيركم، يعني أنه منكر منكم ولا عذر لكم فيه، ويجوز أن يكون ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ حالًا من ﴿الذُّكْرَانَ﴾، والمراد به الناس، فالمعنى عليه: أتأتون الذكران من أولاد آدم مع كثرة الإناث فيهم، كأنهم قد أعوزنكم؛ أي: أفقرنكم وأعدمنكم، روي أن هذا العمل الخبيث علمهم إياه إبليس اللعين.
والمعنى: أتجامعون أدبار الرجال من أولاد آدم مع كون النساء أليق بالاستمتاع
١٦٦ - ﴿وَتَذَرُونَ﴾؛ أي: وتتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾؛ أي: ما خلق ربكم لأجل استمتاعكم به حال كونه ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ وحلائلكم. و ﴿من﴾ لبيان الجنس إن أريد بما جنس الإناث، وللتبعيض إن أريد به العضو المباح منهن، وهو القبل تعريضًا بأنهم كانوا يفعلون بنسائهم أيضًا، فتكون الآية دليلًا على حرمة أدبار الزوجات والمملوكات، وفي الحديث: "من أتى امرأة في دبرها فهو بريء مما أنزل على محمد، ولا ينظر الله إليه"، والمعنى؛ أي: وتتركون إناثًا أباحها لكم ربكم هي أزواجكم لأجل استمتاعكم، أو وتتركون فروجًا أحل لكم ربكم حال كونها بعض أزواجكم ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾؛ أي: معتدون مجاوزون الحلال إلى
стр. 9071
الحرام، أو متجاوزون الحد في جميع المعاصي بإتيانكم هذه الفاحشة، أو متجاوزون عن حد الشهوة حيث زدتم هذه الفاحشة على سائر الحيوانات.
أي: بل أنتم قوم أحقاء بأن توصفوا بالعدوان وتجاوز الحدود التي تسيغها العقول، وتبيحها الشرائع بارتكابكم هذا الجرم الذي لم يخطر ببال.
١٦٧ - ولما اتضح لهم وجه الحق، وانقطعت حجتهم لجؤوا إلى التهديد، واستعمال القوة، كما بينه بقوله: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم لوط مهددين له والله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ وتنزجر ﴿يَا لُوطُ﴾ عن تقبيح أمرنا، وإنكارك علينا ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾؛ أي: من المعهودين بالنفي والإخراج من قريتنا على عنف، ورغم أنف، وسوء حال.
والمعنى: أي لئن لم تنته عما أنت عليه من إنكارك ما تنكره من أمرنا وعملنا لننفينك من قريتنا, وليكونن شأننا معك شأن من أخرجناهم من قبلك بالعنف والعسف، واحتباس الأموال، كما هو شأن الظلمة إذا أجلوا بعض من يبغضونهم صادروا أملاكهم.
١٦٨ - ﴿قَالَ﴾ لوط ﵇ معلنًا لهم بأن إبعاده لا يمنعه من الإنكار عليهم ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾ الخبيث، يعني: إتيان الرجال ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾؛ أي (١): من المبغضين له أشد البغض - كأنه يقلي الفؤاد والكبد لشدته؛ أي: ينضح - لا أقف عن إنكار عليه بالإيعاذ. وهو اسم فاعل من القلي وهو البغض الشديد، وهو متعلق بمحذوف؛ أي: لقال من القالين، ومبغض من المبغضين. وذلك المحذوف وهو قال خبر ﴿إن﴾، و ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ صفته. وقوله: ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾: متعلق بالخبر المحذوف، ولو جعل ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ خبر ﴿إن﴾ .. لعمل القالين ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾ فيفضي إلى تقديم الصلة على الموصول، ولكنه يتوسع في المجرورات ما لا يتوسع في غيرها. وإنما قال: ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ دون قالٍ إيماء إلى أنه من القوم الذين لو سمعوا بما تفعلون لأبغضوه، كما يقال: فلان من العلماء، فإنه أشد مدحًا من قولك: فلان عالم، إذ الأول تدل على أنه في عداد زمرة
стр. 9072
العلماء المعروفين بمساهمته لهم في العلم.
أي: إني (١) بريء مما تعملون مبغض له لا أحبه، ولا أرضاه، ولا يضيرني تهديدكم ولا وعيدكم. وإني لراغب في الخلاص من سوء جواركم. ولعله ﵇ أراد إظهار الكراهة في مساكنتهم، والرغبة في الخلاص من سوء جوارهم،
١٦٩ - ولذلك أعرض عن محاورتهم، وتوجه إلى الله سبحانه أن ينجيه من أعمال السوء هو وأهله، قال: ﴿رَبِّ﴾؛ أي: يا ربي، ويا مالك أمري ﴿نَجِّنِي﴾؛ أي: خلصني أنا ﴿وَأَهْلِي﴾؛ أي: وأهل بيتي ﴿مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: من شؤم عملهم الخبيث، وعذابه، وأبعدني من عذابك الدنيوي والأخروي، أو من عقوبة عملهم التي ستصيبهم.
١٧٠ - فأجاب الله سبحانه دعاءه، وأغاثه بعد أن استغاثه، حيث قال: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾؛ أي: نجينا لوطًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: أهل بيته بنتيه. قيل: وامرأته المؤمنة، ومن تابعه على دينه وأجاب دعوته كلهم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ بإخراجهم من بينهم وقت مشارفة حلول العذاب بهم.
١٧١ - ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ هي (٢) امرأة لوط المنافقة اسمها والهة، استثنيت من أهله، فلا يضره كونها كافرة؛ لأن لها شركة في الأهلية بحق الزوج. ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: إلا عجوزًا مقدرًا كونها من الباقين في العذاب؛ لأنها كانت راضية بفعل قومه، وقد أصابها الحجر في الطريق فأهلكها.
وذكر أن امرأة لوط حين سمعت الرجفة التفتت وحدها فمسخت حجرًا، وذلك الحجر في رأس كل شهر يحيض، كذا في كتاب "التعريف والأعلام" للسهيلي. قال في "المفردات": الغابر: الماكث بعد مضي من معه. قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾ يعني: فيمن طال أعمارهم. وقيل: فيمن بقي، ولم يسر مع لوط، وقيل: فيمن بقي في العذاب.
والمعنى: أي فنجيناه (٣) وأهله جميعًا مما حل بأهل القرية من العذاب، فأمرناه بالخروج منها قبل أن ينزل بهم العذاب، إلا عجوزًا قد بقيت ولم تخرج
стр. 9073
معه، وهي امرأته، كما جاء في سورة هود. ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ وكانت عجوز سوء لم تتبع لوطًا في الدين، ولم تخرج معه.
والخلاصة: فنجيناه وأهله من العذاب بإخراجهم من بينهم ليلًا عند حلول العذاب بهم إلا عجوزًا قدر الله سبحانه بقاءها لسوء أفعالها، وقبح طويتها, ولما لها من ضلع في استحسان أفعالهم.
١٧٢ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢)﴾؛ أي: أهلكناهم أشد الإهلاك وأفظعه، بقلب بلدتهم؛ أي: أهلكناهم بالخسف والحصب.
١٧٣ - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على الخارجين من بلادهم والكائنين مسافرين وقت الائتفاك والقلب. ﴿مَطَرًا﴾؛ أي: غير معتاد. وهو الحجارة فأهلكتهم. ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ أي: بئس (١) مطر من أنذر فلم يؤمن، لم يرد بالمنذرين قومًا بأعيانهم، فإن شرط أفعال المدح والذم أن يكون فاعلهما معرفًا بلام الجنس، أو يكون مضافًا إلى المعرف به، أو مضمرًا مميزًا بنكرة، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا؛ وهو مطرهم؛ أي: فبئس مطر جنس المنذرين بعذاب الله، فلم يقبلوا الإنذار، والمخصوص بالذم مطر قوم لوط بالحجارة.
والخلاصة: أي (٢) ثم أهلكنا المؤخرين عن لوط، فأمطرنا عليهم حجارة من السماء. قال وهب بن منبه: أنزل الله عليهم الكبريت والنار، وبئس المطر هذا، وما أشد وطأته، وما أقسى وقعه، فقد أحدث بأرضهم زلزالًا جعل عاليها سافلها.
١٧٤ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي فعل بقوم لوط ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة لمن بعدهم، فليجتنبوا عن قبيح فعلهم، كيلا ينزل بهم ما نزل بقوم لوط من العذاب، أو لدلالة واضحة على شدة بأس الله سبحانه، وعظيم انتقامه من أعدائه. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم لوط بل أقلهم، أو ما كان أكثر من تلوت عليهم هذه القصة ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ فإن أكثر الخلق لئام؛ وهم الكفار، وكرامهم قليل؛ وهم
стр. 9074
المؤمنون.
١٧٥ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بقهر الأعداء ﴿الرَّحِيمُ﴾ بنصرة الأولياء، أو (١) لا يعذب قبل التنبيه والإرشاد. وتعذيبه أهل العذاب من كمال رحمته على أهل الثواب. ألا ترى أن قطع اليد المتآكلة سبب لسلامة البدن كله. فالعالَم بمنزلة الجسد، وأهل الفساد بمنزلة اليد المتآكلة، وراحة أهل الصلاح في إزالة أهل الفساد. ولو لم يكن في العزة والقهر فائدة .. لما وضعت الحدود. وقد قيل: إقامة الحدود خير من خصب الزمان.
قال إدريس ﵇: من سكن موضعًا ليس فيه سلطان قاهر، وقاض عادل، وطبيب عالم، وسوق قائمة، ونهر جار .. فقد ضيع نفسه وأهله وماله وولده، فعلى العاقل أن يحترز عن الشهوات، ويهاجر عن العادات، ويجاهد نفسه من طريق اللطف والقهر في جميع الحالات.
إيضاح لهذه القصة بما كتبه الباحثون (٢)
كتبت مجلة السياسة الأسبوعية فصلًا قالت فيه: روت الكتب المنزلة أن الله سبحانه أهلك مدينتي سدوم وعمورة، وثلاث مدن أخرى بجوارهما بأن أمطر عليهم نارًا وكبريتًا من السماء، فلم ينج من سكانها سوى إبراهيم الخليل وأهل بيته، ولوط وابنتيه، ولم يكن إبراهيم من أهل تلك المدن، بل نزح إليها من الشمال طلبًا للكلأ والمرعى بحسب عادة القبائل الرحل في ذلك الزمن.
وكان كثير من المؤرخين يرى أن هذه القصة خرافية، وبعضهم يقول: إنها قصة واقعية، كما تشهد بذلك آثار البلاد المجاورة للبحر الميت (بحيرة لوط).
وقد قام الدكتور أولبرابط بمباحث واسعة في وادي نهر الأردن، وعلى سواحل البحر الميت، حيث يظن أن سذوم وعمورة والثلاثة المدن الأخرى كانت فيها، فاستبان له أن هذه القصة حقيقية بجميع تفاصيلها، وعلم أن إبراهيم ﵇ انحدر حوالي القرن التاسع عشر قبل الميلاد من بلاد ما بين النهرين إلى
стр. 9075
فلسطين، ومعه أهل بيته، وابن أخيه لوط وأهله، ومعهما أنعام كثيرة، فحدث نزاع وشجار بين الرعاة، فرأى لوط حفظًا للسلام أن يفترق عن إبراهيم، واختار منطقة وادي الأردن التي كانت فيها سذوم وعمورة، وأقام بسذوم، واختار إبراهيم المرتفعات التي في الشمال، وضرب خيامه هنالك.
وكشف الدكتور آثارًا تدل على صدق هذه القصة؛ إذ وجد هناك آثار حصن قديم يعلو سطح البحر بنحو خمس مئة قدم، وبجواره المذبح هو حجارة منصوبة على شكل أعمدة، يرجح أن الوثنيين في ذلك الزمن كانوا يقدمون عليها قرابينهم، ويرجح أن البحر الميت طغى على الخمس التي كانت في منطقة الأردن. اهـ.
وبعض علماء الجيولوجيا - طبقات الأرض - يؤكدون أن هذا البحر يغمر اليوم بلادًا كانت آهلة بالسكان. وفي التوراة: إن إبراهيم كان ذات يوم جالسًا بباب خيمته في حر النهار إذ أقبل إليه ثلاثة من الملائكة فاستقبلهم بترحاب عظيم وصنع لهم وليمة، واحتفى بهم، وفي أثناء الطعام علم أنهم ذاهبون إلى سذوم، وكان أهل هذه المدينة مشهورين بشرورهم، وانغماسهم في شهواتهم البهيمية، ولا سيما المحرمة منها، فلما وصلوا إلى سذوم ساروا توًا إلى منزل لوط ابن أخي إبراهيم ليبيتوا عنده، وعلم أهل سذوم بقدومهم، فأرادوا أن يرتكبوا بهم موبقًا، ولكن لوطًا دافع عنهم، وعرض أن يزوجهم - من بنات قومه - لينقذهم، فأبى أهل سذوم إلا أن يرتكبوا بهم الفحشاء، وقد تمكن الضيوف من الفرار، وأقنعوا لوطًا وأهل بيته بالفرار، وحين أشرقت الشمس على الأرض دخل لوط - صوعر - فأمطر الرب على سذوم وعمورة كبريتًا ونارًا من السماء، وقلب تلك المدن، وجميع سكانها، ونظرت امرأة لوط إلى الوراء، فصارت عمود ملح. (اختنقت بالغازات الكثيرة التي التهبت؛ إما بحدوث زلزلة، أو بسقوط صاعقة من الجو).
وفي التاريخ ما يدل على حدوث انقلابات جيولوجية شبيهة بحادثة سذوم وعمورة، فقد يثور بركان، ويتدفق حممه على البلاد المجاورة، فيغمرها ويهلك
стр. 9076
أهلها، وقد تغور بلاد واسعة، فيطمو عليها البحر، وتزول هي وما فوقها من نبات وحيوان وإنسان. وقد تنشق الأرض فتبتلع مدنًا بأسرها.
والخلاصة (١): أن هذه المدن كانت قاعدة لملوك جبارين، وكانت ذات غناء وغياض غنية، بوفرة مائها وخيراتها، وشمل أهلها الفساد، ورتعوا في شهواتهم البهيمية، ولم يبق فيها بر إلا لوط وأهله، فانتقم الله منهم فأمطر عليهم نارًا وكبريتًا من السماء، فألهب البراكين النارية التي فيها، فعجلت دمارهم وخسفت الأرض بهم، وظهرت البحيرة على ما نراه الآن.
قصص شعيب ﵇
١٧٦ - ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾؛ أي: شعيبًا ومن قبله ﵈، أو الجمع للتعظيم، أو لأن من كذب رسولًا فكأنما كذب الجميع، كما مر مرارًا. والأيكة (٢): الغيضة التي تنبت ناعم الشجر، كالسدر والأراك، وهي غيضة بقرب مدين يسكنها طائفة من الناس، فبعث الله إليهم شعيبًا بعد بعثه إلى مدين، ولكن لما كان أخا مدين في النسب .. قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾،
١٧٧ - ولما كان أجنبيًا من أصحاب الأيكة .. قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ولم يقل: أخوهم شعيب، وهو شعيب بن ثويب بن مدين بن إبراهيم ﵇، أو هو ابن ميكيك بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل، وأم ميكيك بنت لوط.
ووقع لفظ الأيكة في القرآن في أربع مواضع (٣)، في الحجر، وفي ق، وهنا، وفي ص، والأولان بأل وبالجر لا غير، والآخران يقرآن بأل وبالجر (٤)، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر في هذه السورة، وفي ص خاصة ﴿ليكة﴾ بلام واحدة وفتح التاء، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث، واللام جزء الكلمة، وهو اسم البلدة لأصحاب الحجر. وقال أبو عبيدة: إن ليكة اسم للقرية التي كانوا عليها، والأيكة اسم للبلاد كلها، كمكة وبكة. وقرأ باقي السبعة ﴿لْئَيْكَةِ﴾ بلام
стр. 9077
التعريف. والمعنى: أي: كذب أصحاب شجر ملتف بقرب مدين شعيبًا، وجملة المرسلين.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ﴾ نبيهم ﴿شُعَيْبٌ﴾ ﵇، ظرف للتكذيب، كما مر نظائره ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله الذي تفضل عليكم بنعمه
١٧٨ - ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ من عند الله، فهو أمرني أن أقول لكم ذلك. ﴿أَمِينٌ﴾ لا خيانة عندي.
١٧٩ - ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ المحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها. ﴿وأطيعونـ﴾ ـي فيما أمرتكم به؛ لما ثبت من نصحي لكم.
١٨٠ - ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أي: على دعائي لكم إلى الإيمان بالله تعالى، أو على أداء الرسالة والتبليغ، والتعليم المدلول عليه بقوله رسول ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾؛ أي: أجرًا وجعلًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾؛ أي: ما ثواب تبليغي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: المحسن إلى الخلائق كلهم، فإني لا أرجو أحدًا سواه، فإن الفيض وحسن التربية منه تعالى على الكل، خصوصًا على من كان مأمورًا بأمر من جانبه.
١٨١ - وبعد أن نصحهم بتلك النصائح .. وعظهم بعظة أخرى، فنهاهم عن نقيصة كانت شائعة بينهم؛ وهي التطفيف في الكيل والميزان, فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾؛ أي: أتموا الكيل لمن أراده وعامل به. ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾؛ أي: من الناقصين حقوق الناس بالتطفيف، يقال: أخسرت الكيل والوزن؛ أي: نقصته؛ أي: إذا بعتم للناس فكيلوا لهم الكيل كاملًا، ولا تبخسوهم حقهم فتعطوه ناقصًا، وإذا اشتريتم فخذوا كما لو كان البيع لكم.
وخلاصة ذلك: خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون.
١٨٢ - ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ﴾؛ أي: بالميزان ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾؛ أي: السوي العدل.
وقد جاء في سورة المطففين مثل هذا مع التحذير منه، فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥)﴾.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص (١): ﴿القسطاس﴾ - بكسر القاف - والباقون
стр. 9078
بالضم،
١٨٣ - ثم عمم النهي عن البخس في كل حق، فقال: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾؛ أي: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في كيل، أو وزن، أو غيرهما، كالمزروعات والمعدودات، كأخذ بيض كبير وإعطاء بيض صغير، وإعطاء رغيف صغير وأخذ رغيف كبير. وهكذا يقال: بخس حقه إذا نقصه إياه؛ وهو تعميم بعد تخصيص. قال في "كشف الأسرار": ذكر بأعم الألفاظ يخاطب به القافلة، والوزان، والنخاس، والمحصي، والصيرفي. انتهى. أي: ولا تنقصوا (١) شيئًا من حقوق الناس، أي حق كان، كنقص العد، والزرع، ودفع الزيف مكان الجيد، والغصب، والسرقة والتصرف بغير إذن صاحبه، ونحو ذلك.
ثم نهاهم عن جرم أعظم شأنًا، وأشد خطرًا؛ وهو الفساد في الأرض بجميع ضروبه وأشكاله، فقال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ولا تعتدوا على الناس في الأرض حالة كونكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: قاصدين الإفساد والظلم بالقتل، والغارة، وقطع الطريق، والسلب والنهب، والغصب، ونحوها. كإهلاك الزرع والنسل، والدعاء إلى عبادة غير الله، فإنهم كانوا يفعلون ذلك.
والعثي (٢): أشد الفساد فيما لا يدرك حسًا. وقوله: ﴿مُفْسِدِينَ﴾ حال مقيدة؛ أي: لا تعتدوا حال إفسادكم، وإنما قيده به وإن غلب العثي في الفساد؛ لأنه قد يكون منه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحًا راجحًا، كقتل الخضر الغلام، وخرقه السفينة.
١٨٤ - وبعد أن نهاهم عن ذلك خوفهم سطوة الجبار الذي خلقهم، وخلق من قبلهم ممن كانوا أشد منهم بطشًا وعتوًا، فقال: ﴿وَاتَّقُوا﴾ الله ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يا أصحاب الأيكة ﴿و﴾ خلق ﴿الْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: الخلائق الماضين الذين كانوا على خلقة عظيمة، وطبيعة غليظة، كقوم هود وقوم لوط. والجبلة: الخليقة، قاله مجاهد وغيره. يعني الأمم المتقدمة؛ أي: وخافوا بأس الذي خلقكم من العدم للإصلاح في الأرض، وخلق من قبلكم ممن كانوا أشد منكم قوة، وأكثر أموالًا،
стр. 9079
وأولادًا، كقوم هود الذين قالوا من أشد منا قوة؟ فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾ بكسر الجيم والباء وشد اللام. وقرأ أبو حصين والأعمش والحسن بخلاف عنه، والأعرج وشيبة بضمهما وتشديد اللام وتشديد اللام في القراءَتين في بناءَين للمبالغة. وقرأ السلمي: ﴿والجبلة﴾: بكسر الجيم وسكون الياء، وفي نسخة عنه بفتح الجيم وسكون الباء، وهي من جبلوا على كذا؛ أي: خلقوا.
١٨٥ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: أصحاب الأيكة ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾؛ أي: ما أنت يا شعيب إلا رجل من المسحورين؛ أي: ممن سحر عقله مرة بعد أخرى، فصار كلامه جزافًا لا يعبر عن حقيقة، ولا يصيب هدف الحق، أو من المجوفين مثلنا ولست بملك.
١٨٦ - ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾؛ أي: مماثل لنا تأكل وتشرب كما نفعل، فلا مزية لك علينا، فما وجه تخصيصك بالرسالة، وإرسالك رسولًا إلينا.
وإدخال ﴿الواو﴾ (٢) بين الجملتين هنا؛ للدلالة على أن كلًّا من التسحير والبشرية مناف للرسالة مبالغة في التكذيب، بخلاف قصة ثمود، فإنه ترك ﴿الواو﴾ هناك؛ لأنه لم يقصد إلا معنى واحد هو التسحير، وقد مر توجيهه بوجه آخر نقلًا عن شيخ الإِسلام.
ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم: ﴿وَإِنْ﴾؛ أي: وإن الشأن ﴿نَظُنُّكَ﴾؛ أي: نعتقد كونك ﴿لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في دعوى النبوة، فـ ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة واسمها محذوف؛ أي: وإنا لنظنك ممن يتعمد الكذب فيما يقول، ولم يرسلك الله نبيًا إلينا. وقيل (٣): ﴿إن﴾: نافية، واللام بمعنى إلا؛ أي: ما نظنك إلا من الكاذبين، والأول أولى.
١٨٧ - ثم إن شعيبًا كان هددهم بالعذاب إن استمروا على التكذيب، فقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: أي: قطعًا من السحاب ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ
стр. 9080
الصَّادِقِينَ﴾ في دعواك النبوة؛ أي: فإن كنت صادقًا في دعواك الرسالة، فأنزل علينا من السحاب قطعًا يكون فيها العذاب لنا.
وقرأ حفص (١): ﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين، والباقون بالسكون. وهذا شبيه بما قالته قريش لنبينا محمد ﷺ فيما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾.
١٨٨ - وإنما طلبوا ذلك لتصميمهم على التكذيب واستبعادهم وقوعه، فعند ذلك فوض شعيب ﵇ أمرهم إلى الله فـ ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾ من تطفيف الكيل والميزان, فيجازيكم به، فإن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم، وليس العذاب إليّ، وما علي إلا الدعوة والتبليغ، وأنا مأمور به، فلم أنذركم من تلقاء نفسي، ولا أدعي القدرة على عذابكم، وأمره إلى الله تعالى، فينزله في وقته المقدر له لا محالة.
١٨٩ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ أي: فأصروا على تكذيبه بعد وضوح الحجة، وانتفاء الشبهة. ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ والسحابة التي أقامها الله سبحانه فوق رؤوسهم حتى أظلتهم، فأمطرت عليهم نارًا فهلكوا، وقد أصابهم الله سبحانه بما اقترحوا؛ لأنهم إن أرادوا بالكسف القطعة من السحاب فظاهر، وإن أرادوا بها القطعة من السماء .. فقد نزل عليهم العذاب من جهتها.
وفي إضافة العذاب إلى يوم الظلة (٢)، لا إلى الظلة نفسها إيذان بأن لهم يومًا آخر غير هذا اليوم، كالأيام السبعة مع لياليها التي سلط الله فيها عليهم الحرارة الشديدة، وكان ذلك من علامة أنهم يؤخذون بجنس النار؛ أي: في (٣) تلك الإضافة إعلام بأن لهم عذابًا آخر غير عذاب السحاب، كما روي أن الله
стр. 9081
سبحانه فتح عليهم بابًا من أبواب جهنم، وأرسل عليهم هدة وحرًا شديدًا مع سكون الريح سبعة أيام بلياليها، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا بيوتهم، فلم ينفعهم ظل ولا ماء، فأنضجهم الحر، فخرجوا هربًا، فأرسل الله تعالى سحابة فأظلتهم، فوجدوا لها بردًا وروحًا وريحًا طيبة، فنادى بعضهم بعضًا، فلما اجتمعوا تحت السحابة .. ألهبها الله عليهم نارًا، ورجفت بهم الأرض، فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي فصاروا رمادًا.
﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن عذاب يوم الظلة ﴿كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أي: شديد هوله وعذابه، فعظم اليوم لعظم العذاب الواقع فيه وشدته، قال قتادة: إن شعيبًا أرسل إلى أمتين؛ أصحاب مدين، ثم أصحاب الأيكة، فأهلكت مدين بالصيحة والرجفة، وأصحاب الأيكة بعذاب يوم الظلة.
والمعنى: أي (١) وهكذا دأبوا على التكذيب، فجازاهم بجنس ما طلبوا من إسقاط الكسف من السماء، فجعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم أخذ بأنفاسهم لم ينفعهم فيه ظل ولا ماء ولا شراب، فاضطروا أن يخرجوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردًا ونسيمًا، فاجتمعوا كلهم تحتها، فأمطرتهم شواظًا من نار فاحترقوا.
١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من قصة قوم شعيب ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لدلالة واضحة على صدق الرسل، أو المعنى: أي: إن في ذلك الإنجاء لكل رسول ومن أطاعه، والعذاب لكل من عصاه في كل العصور لدلالة واضحة على صدق الرسل. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي (٢): أكثر أصحاب الأيكة، بل كلهم؛ إذ لم ينقل إيمان أحد منهم بخلاف أصحاب مدين، فإن جماعة منهم آمنوا. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ بالله سبحانه، وبرسوله شعيب ﵇، أو (٣) وما كان أكثر قومك يا محمد بمؤمنين مع أنك قد أتيتهم بما لا يكون معه شك من الدليل والبرهان، لو لم يكن
стр. 9082
لهم معرفة بك من قبل، فكيف وهم عارفون بأنك كنت قبل الرسالة أصدقهم لهجة، وأعظمهم أمانة، وأغزرهم عقلًا، وأبعدهم عن كل ذي دنس.
١٩١ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب القادر على كل شيء. ومن عزته نصر أنبيائه على أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالإمهال، فلا يعاجل العقوبة لمن استحقها.
وهذا آخر (١) القصص السبع التي ذكرها الله سبحانه تسلية لرسوله ﷺ ، وتهديدًا للمكذبين له. وكل قصة من هذه القصص ذكر مستقل متجدد النزول، قد أتاهم من الله تعالى وما كان أكثرهم مؤمنين بعدما سمعوها على التفصيل قصة بعد قصة، بأن لا يعتبروا بما في كل واحدة منها من الدواعي إلى الإيمان, والزواجر عن الكفر والطغيان، وبأن لا يتأملوا في شأن الآيات الكريمة الناطقة بتلك القصص على ما هي عليه، مع علمهم بأنه ﷺ لم يسمع شيئًا منها من أحد أصلًا، وصاروا كأنهم لم يسمعوا شيئًا يزجرهم عن الكفر والضلال واستمروا على ذلك.
تتمة: وقد كرر (٢) سبحانه في هذه السورة في أول كل قصة وآخرها ما كرر تقريرًا لمعانيها في الصدور؛ ليكون أبلغ في الوعظ والزجر، ولأن كل قصة منها كتنزيل برأسه. وفيها من الاعتبار مثل ما في غيرها، فكانت جديرة بأن تفتتح بما افتتحت به صاحبتها، وأن تختتم بما اختتمت به.
تنبيه: جاءت (٣) هذه القصص السبع مختصرة هنا، وفيها البرهان الساطع على أن القرآن جاء من عالم الغيب، فإن النتائج التي حصل عليها النبي ﷺ ، ولم يكن حين نزولها ذا شوكة ولا ذا قوة، وأن ما أصيب به من التكذيب والأذى وكانت عاقبته الفتح والنصر المبين نموذج لما حدث للأنبياء السالفين قبله.
стр. 9083
فائدة: فإن قلت (١): لم لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود، وقوم لوط وغيرهم .. لم يكن لكفرهم، وعنادهم، بل كان كذلك بسبب اقترانات الكواكب، واتصالاتها على ما اتفق عليه أهل النجوم، ومع قيام هذا الاحتمال لم يحصل الاعتبار بهذه القصص. وأيضًا أن الله تعالى قد ينزل العذاب محنة للمكلفين، وابتلاء لهم، وقد ابتلى المؤمنون بأنواع البليات، فلا يكون نزول العذاب على هؤلاء الأقوام دليلًا على كونهم مبطلين مؤاخذين بذلك؟
قلت: إطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به واقتراحهم لهم استهزاء، وعدم مبالاة به يدفع أن يقال: إنه كان بسبب اتصالات فلكية، أو كان ابتلاء لهم، لا مؤاخذة على تكذيبهم؛ لأن الابتلاء لا يطرد.
الإعراب
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤)﴾.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة، ولم ينون ﴿ثَمُودُ﴾؛ لمنعه من الصرف بالعلمية والتأنيث المعنوي. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى، متعلق بـ ﴿كَذَّبَتْ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَخُوهُمْ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿صَالِحٌ﴾: بدل من ﴿أَخُوهُمْ﴾، أو عطف بيان له. ﴿أَلَا﴾: أداة عرض. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَكُمْ﴾: حال من ﴿رَسُولٌ﴾. و ﴿رَسُولٌ﴾: خبر ﴿إن﴾. ﴿أَمِينٌ﴾: صفة ﴿رَسُولٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أني رسول الله، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم اتقوا الله. ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول،
стр. 9084
والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أطيعون﴾: فعل أمر وفاعل ونون وقاية، وياء المتكلم المحذوفة للفاصلة في محل النصب مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اتقوا الله﴾.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: حال من ﴿أَجْرٍ﴾، و ﴿مِنْ﴾: زائدة، و ﴿أَجْرٍ﴾: مفعول ثان لسأل، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة إن على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِن﴾: نافية. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، ﴿تتركون﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تتركون﴾. ﴿مَا هَاهُنَا﴾: ﴿ها﴾: حرف تنبيه، ﴿هنا﴾: اسم إشارة للمكان القريب في محل النصب على الظرفية المكانية، والظرف صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿آمِنِينَ﴾: حال من ﴿الواو﴾ في ﴿تتركون﴾. ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾: بدل من قوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا﴾ بإعادة الجار. ﴿وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ﴾: معطوفات على ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿نخل﴾. ﴿وَتَنْحِتُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تتركون﴾، فهو في حيز الاستفهام الإنكاري التوبيخي. ﴿مِنَ الْجِبَالِ﴾: متعلق بـ ﴿تنحتون﴾. ﴿بُيُوتًا﴾: مفعول به. ﴿فَارِهِينَ﴾ حال من واو ﴿تنحتون﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفتم ما ذكرته لكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم .. فأقول لكم: اتقوا الله. ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في النصب مقول لجواب إذا
стр. 9085
المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فعل وفاعل ومفعول محذوف ونون وقاية معطوف على ﴿اتقوا الله﴾.
﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُطِيعُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة معطوفة على جملة وأطيعوا الله، أو الجملة في محل النصب حال من فاعل أطيعوا. ﴿أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر صفة لـ ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾. ﴿يُفْسِدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُصْلِحُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يُفْسِدُونَ﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، أو حرف كاف ومكفوف. ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾.
﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر. ﴿مِثْلُنَا﴾: صفة لـ ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَأْتِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت ما قلنا لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فنقول لك أئت. ﴿ائت﴾: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة. ﴿بِآيَةٍ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها تقديره: إن كنت من الصادقين فات بآية، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
стр. 9086
﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على صالح، والجملة مستأنفة. ﴿هَذِهِ﴾ مبتدأ. ﴿نَاقَةٌ﴾: خبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لَهَا﴾: خبر مقدم. ﴿شِرْبٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة صفة لـ ﴿نَاقَةٌ﴾. ﴿وَلَكُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿شِرْبُ يَوْمٍ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿مَعْلُومٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾ والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ فكأنه قال: هذه ناقة لها، شرب، وأنتم أقوام لكم شرب يوم معلوم. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَمَسُّوهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿بِسُوءٍ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ﴾. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿يأخذكم﴾: فعل ومفعول به منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي. ﴿عَذَابُ يَوْمٍ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره: لا يكن مسكم إياها بسوء فأخذ عذاب يوم عظيم إياكم. ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة ﴿عقروها﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على جملة ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه، وخبره معطوف على ﴿فَعَقَرُوهَا﴾. ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾: فعل ومفعول به. ﴿الْعَذَابُ﴾: فاعل, والجملة معطوفة على جملة ﴿أصبحوا﴾. ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾ تقدم إعراب هذه الجمل مرارًا فراجعه.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣)﴾.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة
стр. 9087
لبيان قصة قوم لوط. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بـ ﴿كَذَّبَتْ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿أَخُوهُمْ﴾: فاعل. ﴿لُوطٌ﴾: بدل منه، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَلَا﴾: حرف عرض. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَكُمْ﴾: حال. ﴿رَسُولٌ﴾: خبره. ﴿أَمِينٌ﴾: صفة ﴿رَسُولٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة، ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به محذوف معطوف على ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾؛ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ متعلقًا به. ﴿إن﴾: نافية. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَتَأْتُونَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، ﴿تأتون﴾: فعل وفاعل. ﴿الذُّكْرَانَ﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: حال من ﴿الذُّكْرَانَ﴾. ﴿وَتَذَرُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تأتون﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصوف في محل النصب مفعول به. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿رَبُّكُمْ﴾: فاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: ما خلقه. ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾: حال من ﴿مَا﴾، أو من العائد المحذوف. ﴿بَلْ﴾: حرف للإضراب الانتقالي. ﴿أَنْتُمْ قَوْمٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿عَادُونَ﴾: صفة ﴿قَوْمٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾
стр. 9088
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لَئِنْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَنْتَهِ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف دل عليه جواب القسم تقديره: إن لم تنته تكن من المخرجين، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معترضة بين القسم وجوابه. ﴿يَا لُوطُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها معترضة. ﴿لَتَكُونَنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأول. ﴿تكونن﴾: فعل مضارع ناقص في محل الرفع مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، واسمها ضمير مستتر يعود على ﴿لوط﴾ ﴿مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾: خبرها، وجملة ﴿تكونن﴾ جواب القسم، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لِعَمَلِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿الْقَالِينَ﴾. ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿نَجِّنِي﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر ونون وقاية ومفعول به. ﴿وَأَهْلِي﴾: معطوف على ياء المتكلم، أو مفعول معه، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نَجِّنِي﴾، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾، والعائد محذوف تقديره: مما يعملونه. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿نجيناه﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: معطوف على هاء المفعول، أو مفعول معه. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد لـ ﴿أهله﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿عَجُوزًا﴾: مستثنى. ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾: صفة لـ ﴿عَجُوزًا﴾. كأنه قيل: إلا عجوزًا غابرة. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿نجيناه﴾. ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿دَمَّرْنَا﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿أمطرنا﴾. ﴿مَطَرًا﴾: مفعول به. ﴿فَسَاءَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو استئنافية، ﴿ساء﴾: فعل ماض من أفعال الذم، ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة معطوفة على ﴿أمطرنا﴾، أو مستأنفة، والمخصوص بالذم
стр. 9089
محذوف تقديره: مطرهم، والجمل في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾. تقدم إعرابها فراجعه إن شئت.
﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)﴾.
﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان قصة قوم شعيب. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به. ﴿شُعَيْبٌ﴾: فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿أَلَا﴾: أداة عرض. ﴿تَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿لَكُمْ﴾: حال من ﴿رَسُولٌ﴾، و ﴿رَسُولٌ﴾: خبره. ﴿أَمِينٌ﴾: صفة ﴿رَسُولٌ﴾، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة. ﴿اتقوا الله﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَأَطِيعُونِ﴾: فعل وفاعل ومفعول محذوف معطوف على ﴿اتقوا الله﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَسْأَلُكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: حال من ﴿أَجْرٍ﴾. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إن﴾: نافية. ﴿أَجْرِيَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)﴾.
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَكُونُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾: خبره، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿وَزِنُوا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿زنوا﴾ فعل وفاعل معطوف على
стр. 9090
﴿أَوْفُوا﴾. ﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾: متعلق بـ ﴿زنوا﴾. ﴿الْمُسْتَقِيمِ﴾: صفة لـ ﴿القسطاس﴾. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به أول مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿أَشْيَاءَهُمْ﴾: مفعول ثان، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿مُفْسِدِينَ﴾: حال مؤكدة لمعنى عاملها. ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَوْفُوا﴾. ﴿خَلَقَكُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به ﴿وَالْجِبِلَّةَ﴾: معطوفة على الكاف. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: صفة لـ ﴿جبلة﴾، وجملة ﴿خَلَقَكُمْ﴾: صلة الموصول. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَنْتَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿بَشَرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مِثْلُنَا﴾: صفة ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن؛ أي: إنه ﴿نَظُنُّكَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿لَمِنَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿من الكاذبين﴾: في محل المفعول الثاني لظن، وجملة ظنّ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة، وجملة ﴿إن﴾ المخففة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ على كونها مقولًا لـ ﴿قَالُوا﴾.
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾
﴿فَأَسْقِطْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر وتقديره: إذا سمعت يا شعيب ما قلنا لك، وأردت إثبات نبوتك. فنقول لك أسقط. ﴿أسقط﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على شعيب. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به. ﴿كِسَفًا﴾: مفعول به. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: صفة لـ ﴿كِسَفًا﴾، والجملة الفعلية في
стр. 9091
محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبله تقديره: إن كنت من الصادقين فأسقط علينا، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بِمَا﴾: بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿كذبوه﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَأَخَذَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أخذهم﴾: فعل ومفعول به. ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿كذبوه﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، واسمه ضمير مستتر يعود على ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ﴾ خبر ومضاف إليه. ﴿عَظِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾. وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾ تقدم إعرابه مرارًا فلا عود ولا إعادة، والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَنَخْلٍ﴾ النخل والنخيل: شجر التمر المعروف، له ساق مستقيم طويل ذو عقد، واحدته نخلة ونخيلة. وفي "المصباح" ما ملخصه: النخل: اسم جمع، الواحدة نخلة، وكل اسم جمع كذلك يؤنث ويذكر، وأما النخيل بالياء فمؤنثة اتفاقًا. اهـ.
﴿طَلْعُهَا﴾: هو ثمرها في أول ما يطلع، وبعده يسمى خلالًا، ثم بلحًا، ثم بسرًا، ثم رطبًا، ثم تمرًا. وفي "البيضاوي": طلعها: وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، وتشبيهه بنصل السيف من حيث الهيئة والشكل. وفي "المختار": ويقال للطلع ﴿هَضِيمٌ﴾ ما لم يخرج؛ لدخول بعضه في بعض، من قولهم: كشح هضيم. وفي "القاموس" و"التاج": الطلع: المقدار، تقول:
стр. 9092
الجيش طلع ألف، ومن النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، والطرف محدد، أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، والهضيم: النضيح الرخص اللين اللطيف.
وفي "أبي السعود": والهضيم: اللطيف اللين للطف الثمر، أو لأن النخل أنثى وطلع الإناث ألطف؛ وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو، أو مدل متكسر من كثرة الحمل، وإفراد النخل؛ لفضله على سائر أشجار الجنات، أو لأن المراد به غيرها من الأشجار. اهـ.
﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ﴾ يقال: نحته ينحته - من باب ضرب - نحتًا ونحاتة، والنحت: النجر والبري، والنحاتة البراية، والمنحت ما ينحت به.
﴿فَارِهِينَ﴾ قال الراغب: معنى قراءة من قرأ: ﴿فَارِهِينَ﴾ - بالألف - حاذقين؛ أي: ماهرين في العمل، من الفراهة؛ وهي النشاط، فإن الحاذق يعمل بنشاط وطيب قلب. ومن قرأ: ﴿فرهين﴾ جعله بمعنى مرحين أشرين بطرين، فهو على الأول من فره بالضم، وعلى الثاني من فره بالكسر.
﴿شِرْبٌ﴾ - بالكسر - الحظ والنصيب من الماء، كالسقي من السقي. قال الفراء: الشرب: الحظ من الماء. قال النحاس: فأما المصدر فيقال فيه: شرب شربًا وشُربًا، وأكثرها المضموم، والشرب بفتح الشين جمع شارب. والمراد هنا الشِرب بالكسر.
﴿فَعَقَرُوهَا﴾ يقال: عقرت البعير: نحرته، وأصل العقر ضرب الساق بالسيف، كما في "كشف الأسرار" والمعنى هنا؛ أي: رموها بسهم، ثم قتلوها، كما مر في مبحث التفسير.
﴿نَادِمِينَ﴾: اسم فاعل من ندم من باب فرح، والندم والندامة التحسر من تغير رأي في أمر فائت.
﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ﴾ والذكران والذكور جمع الذكر ضد الأنثى من كل حيوان، وجعل الذكر كناية عن العضو المخصوص، كما في "المفردات".
стр. 9093
﴿وَتَذَرُونَ﴾؛ أي: تتركون، يقال: فلان يذر الشيء؛ أي: يقذفه لقلة إعداده به، ولم يستعمل ماضيه.
﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾: من المبغضين، جمع قال، اسم فاعل من قليته أقليه قلى: وقلاء، والقلى أشد البغض؛ وهو مما يجب كسر عين مضارعه؛ لوجود داعي الكسر، وهو كون لامه ياء، كما هو مقرر في محله. وفي "المصباح": قليت الرجل أقليه - من باب رمى - قلى بالكسر والقصر، وقد يمد إذا أبغضه، ومن باب تعب لغة. وعبارة "القاموس": قلاه - كـ: رماه ورضيه - قلى وقلا وقليه أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه، أو قلاه في الهجر وقليه في البغض.
﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾ قال الراغب: سميت العجوز عجوزًا لعجزها عن كثير من الأمور. قال في "المفردات": الغابر: الماكث بعد مضي من معه. قال في "الكشاف": ومعنى الغابرين في العذاب والهلاك: غير الناجين. وفي "المصباح": غبر غبورا - من باب قعد - بقي، وقد يستعمل فيما مضى أيضًا فيكون من الأضداد. وقال الزبيدي: غبر غبورًا مكث، وفي لغة بالمهملة للماضي، وبالمعجمة للباقي. وغُبَّر الشيء - وزان سكر - بقيته. وفي "القاموس": غبر غبورًا مكث وذهب، ضدٌّ، وهو غابر من غُبَّر كرُكَّع، وغُبر الشيء - بالضم - بقيته، اهـ.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢)﴾ والتدمير: إدخال الهلاك على الشيء، والدمار: الهلاك على وجهه عجيب هائل.
﴿الْأَيْكَةِ﴾ في اللغة: الشجرة الكثيفة، وجمعها أيك. قال في "القاموس": أيك يأيك - من باب تعب - أيكًا، واستأيك الشجر التف وصار أيكة، والأيك: الشجر الكثيف الملتف، الواحدة أيكة، فتطلق الأيكة على الواحدة من الأيك، وعلى غيضة شجر ملتفة قرب مدين. قالوا: وكان شجرهم الدوم، وهي قرية شعيب سميت باسم بانيها مدين بن إبراهيم، بينها وبين مصر مسير ثمانية أيام.
﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ يقال: خسرته وأخسرته: نقصته.
стр. 9094
﴿وَزِنُوا﴾: أمر من وزن يزن وزنًا وزنة، والوزن معرفة قدر الشيء.
﴿بِالْقِسْطَاسِ﴾ قال في "القاموس": القُسطاس بكسر القاف وضمّها، وقد قرىء بهما الميزان, أو أقوم الموازين، فإن كان من القسط وهو العدل، وجعلت العين مكررة فوزنه فعلاس، وإلا فهو رباعي. وقيل: هو بالرومية العدل.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ولا تفسدوا، يقال: عثا في الأرض وعثي فيها، وذلك نحو قطع الطريق والغارة، وإهلاك الزروع. وفي "المختار" عثا في الأرض أفسد، وبابه سما، وعثي بالكسر عثوًا أيضًا، وعثى بفتحتين بوزن فتى. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قلت: قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية. وفي "القاموس": عثى كسعى ورمى ورضي. اهـ.
﴿الجبلة﴾ - بكسر الجيم والباء وتشديد اللام المفتوحة -: الخلق المتحد الغليظ، وفي "القاموس": الجبلة والجبلة والجبلة والجبلة وهي التي قرىء بها الوجه وما استقبلك منه، والخلقة والطبيعة، والأصل والقوة وصلابة الأرض. والجبل - بفتح الجيم مع سكون الباء -: مصدر جبله الله على كذا؛ أي: طبعه وخلقه، واسم الطبيعة جبلة. ويقال: جبل فلان على كذا؛ أي: خلق، والمراد أنهم كانوا على خلقة عظيمة.
﴿كِسَفًا﴾: جمع كسفة، مثل سدر وسدرة، كقطعة وقطع وزنًا ومعنًى. وقال الجوهري: الكسفة: القطعة من الشيء، يقال أعطني كسفة من ثوبك؛ أي: قطعة، ويقال: الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش: من قرأ ﴿كسفًا من السماء﴾ جعله واحدًا، ومن قرأ ﴿كسفًا﴾ جعله جمعًا.
﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ والظلة: السحابة التي استظلوا بها، والمظلة الضيَّقة وما يستظل به من الحر أو البرد، وما أظله كالشجر، والجمع ظلل وظلال. ويوم الظلة اشتهر بعذابهم، فقد وقفت فوقهم سحابة أظلتهم بعد حر شديد أصابهم، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا.
стр. 9095
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: إطلاق الجمع على المفرد في قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ للتعظيم؛ لأن المراد بالمرسلين صالح.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١)﴾؛ لأن الأمر لا يطاع وإنما هو صاحبه؛ أي: ولا تطيعوا المسرفين في أمرهم.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿وَلَا تُطِيعُوا﴾؛ أي: ولا تمتثلوا، حيث شبه الامتثال الذي للأمر على صيغة المصدر بالطاعة التي للأمر على صيغة اسم الفاعل، من حيث إن كلًّا منهما يفضي إلى وجود المأمور به، فأطلق اسم المشبه به؛ وهو الطاعة على المشبه؛ وهو الامتثال، فاشتق من الطاعة بمعنى الامتثال لا تطيعوا بمعنى لا تمتثلوا، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعيَّة.
ومنها: الطباق بين ﴿يُفْسِدُونَ﴾ و ﴿يُصْلِحُونَ﴾.
ومنها: الإرداف في قوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ فقد كان يكفي أن يقول: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ولكنه لما كان قوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ لا ينفي صلاحهم أحيانًا أردفه بقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾؛ لبيان كمال إفسادهم وإسرافهم فيها.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾.
ومنها: التنوين في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ للتعظيم والتفخيم.
ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبيخي في قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾.
ومنها: الجناس غير التام في قوله: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ الأول
стр. 9096
من القول، والثاني من قلى إذا أبغض.
ومنها: إطلاق ما للبعض على الكل في قوله: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ لرضاهم به واتفاقهم عليه.
ومنها: الإبهام في قوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ فإن فيه الإبهام بقوله: ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ﴾ وقد أراد به أقبالهن، وفي ذلك مراعاة للحشمة والتصون.
ومنها: العدول عن الجملة الفعلية إلى الصفة في قوله: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، وقوله: ﴿مِنَ الْقَالِينَ﴾ وكثيرًا ما ورد في القرآن خصوصًا في هذه السورة العدول عن التعبير بالفعل إلى التعبير بالصفة المشتقة، ثم جعل الموصوف بها واحدًا من جمع، كقول فرعون: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ وأمثاله كثيرة في القرآن، والسر في ذلك أن التعبير بالفعل إنما يفهم وقوعه خاصة، وأما التعبير بالصفة ثم جعل الموصوف بها واحدًا من جمع، فإنه يفهم أمرًا زائدًا على وقوعه، وهو الصفة المذكورة كالسمة للموصوف ثابتة العلوق به، كأنها لقب، وكأنه من طائفة صارت من هذا النوع المخصوص المشهور ببعض السمات الرديئة.
ومنها: الإطناب في قول: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١)﴾؛ لأن وفاء الكيل هو في نفسه نهي عن الخسران، وفائدته زيادة التحذير من العدوان.
ومنها: توافق الفواصل مراعاة لرؤوس الآيات مثل ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿يُصْلِحُونَ﴾ ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ لأن الإفساد نفس العثي، فهي حال مؤكدة لعاملها. فائدتها: إخراج ما ليس من العثي والعدوان بفساد كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، وكقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة، كما مر في مبحث التفسير.
стр. 9097
ومنها: التكرير في هذه القصص السبع، فإنه كرر في أول كل قصة، وفي آخرها ما كرر مما أشرنا إليه؛ لأن في التكرير تقريرًا للمعاني في الأنفس، وترسيخًا لها في الصدور، وربما اشتبه على أكثر الناس بالإطناب مرة وبالتطويل مرة أخرى.
والتكرير ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: التكرير في اللفظ والمعنى، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع.
والثاني: التكرير في المعنى دون اللفظ، كقولك: أطعني ولا تعص أوامري، فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية، وعلى كل حال ليس في القرآن مكرر لا فائدة فيه.
ونعود إلى الآيات فنقول: إنما كرر القرآن هذه الآيات في أول كل قصة وآخرها؛ لأن هذه القصص قرعت بها آذان أصابها وقر، وقلوب غلف، فلم يكن بد من مراجعتها بالترديد والتكرير، لعل ذلك يفتح مغالقها، ويجلو ما صدأها من رين.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وفي ذلك سلوة لرسوله، وعدة له بأنه مهما أوذي من قومه ولقي منهم من الشدائد، فإن الفلج والفوز له. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ .. أردف هذا ببيان أن هذا القرآن الذي جاء بذلك القصص وحي من الله سبحانه أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇ بلسان عربي مبين؛ لينذر به العصاة ويبشر به عباده المتقين، وأن ذكره في الكتب المتقدمة المأثورة عن الأنبياء الذين بشروه.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بالغ في تسلية رسوله ﷺ ، وأقام الحجة على نبوته، ثم أورد سؤال المنكرين وأجاب عنه .. أردف ذلك بأمره بعبادته وحده، وإنذار العشيرة الأقربين، ومعاملة المؤمنين بالرفق، ثم ختم هذه الأوامر بالتوكل عليه تعالى وحده، فإنه هو العليم بكل شؤونه وأحواله.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أبان امتناع تنزل الشياطين بالقرآن، وأثبت أنه تنزيل من رب العالمين .. أعقب هذا ببيان استحالة تنزلهم على رسول الله ﷺ ، فإنها لا تنزل إلا على كل كذاب فاجر، ورسول الله صادق أمين، ثم ذكر أن الكذابين يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون وحيهم، وهو تخيلات لا تطابق الحق والواقع، وبعدئذ ذكر أن محمدًا ﷺ ليس بشاعر؛ لأن الشعراء يهيمون في كل واد من أودية القول من مدح وهجو، وتشبيب ومجون بحسب الهوى والمنفعة، فأقوالهم لا تترجم عن حقيقة، وليس بينها وبين الصدق نسب، ومحمد ﷺ لا يقول إلا الصدق، فأنى له أن يكون شاعرًا.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي جهم قال: رؤي النبي ﷺ كأنه متحير،
стр. 9100
فسألوه عن ذلك، فقال: "ولمَ! ورأيت عدوي يكون من أمتي بعدي" فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)﴾ فطابت نفسه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ بدأ النبي ﷺ بأهل بيته وفصيلته، فشق ذلك على المسلمين، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾.
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ سبب نزوله ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: تهاجى رجلان على عهد رسول الله ﷺ ، أحدهما من الأنصار والآخر من قوم أخرين، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه؛ وهم السفهاء، فأنزل الله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) ..﴾ الآيات. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة نحوه. وأخرج عن عروة قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ ..﴾ قال عبد الله بن رواحة: قد علم الله إني منهم، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ إلى آخر السورة.
وأخرج (١) ابن جرير والحاكم عن أبي حسن البراد قال: لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ ...﴾ الآية .. جاء عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت، قالوا يا رسول الله: والله لقد أنزل الله هذه الآية، وهو يعلم أنا شعراء هلكنا، فأنزل الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآية، فدعاهم رسول الله ﷺ ، فتلاها عليهم.
التفسير وأوجه القراءة
١٩٢ - والضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ راجع إلى القرآن، وإن لم يجر له ذكر للعلم به؛ أي: إن هذا القرآن ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي (٢): لمنزل من خالق المخلوقين، فليس بشعر، ولا كهانة، ولا أساطير الأولين، ولا غير ذلك مما قالوه فيه، بل
стр. 9101
هو من عند الله سبحانه، وكأنه عاد أيضًا إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر؛ ليتناسب المفتتح والمختتم. ذكره أبو حيان.
وصيغة التكثير (١): تدل على أن نزوله كان بالدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة، وهو مصدر بمعنى المفعول، سمي به مبالغة، وفي وصفه تعالى بربوبية العالمين إيذان بأن تنزيله من أحكام تربيته تعالى ورأفته للكل.
والمعنى: إن هذا القرآن الذي من جملته ما ذكر من القصص السبع لمنزل من جهته تعالى، وإلا لما قدرت على الإخبار، وثبت به صدقك في دعوى الرسالة؛ لأن الإخبار من مثله لا يكون إلا بطريق الوحي.
١٩٣ - ﴿نَزَلَ بِهِ﴾ ﴿الباء﴾: إما للتعدية؛ أي: أنزله ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾؛ أي: جبريل ﵇، أو للملابسة؛ أي: نزل الروح الأمين حالة كونه ملابسًا بهذا القرآن.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم (٢): ﴿نَزَلَ بِهِ﴾ مخففًا ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ بالرفع. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿نزل به﴾: مشددة الزاي. ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ بالنصب، والفاعل هو الله سبحانه على هذه القراءة. وقد اختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد. وقرىء (٣): ﴿نزل﴾ مشددًا مبنيًا للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، ويكون الروح على هذه القراءة مرفوعًا على النيابة.
والمراد بالروح الأمين جبريل ﵇، سمي أمينًا؛ لأنه أمين على وحيه تعالى، وموصله إلى أنبيائه، وروحًا لكونه سببًا لحياة قلوب المكلفين بنور المعرفة والطاعة، حيث إن الوحي الذي فيه الحياة من موت الجهالة يجري على يده، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وفي
стр. 9102
"كشف الأسرار" سمي جبريل روحًا؛ لأن جسمه روح لطيف روحاني. وكذا الملائكة روحانيون خلقوا من الروح؛ وهو الهواء.
قال بعضهم (١): لا شك أن للملائكة أجسامًا لطيفة، وللطافة نشأتهم غلب عليهم حكم الروح، فسموا أرواحًا. ولجبريل مزيد اختصاص بهذا المعنى؛ إذ هو من سائر الملائكة كالرسول ﵇ من أفراد أمته.
واعلم: أن القرآن كلام الله وصفته القائمة به، فكساه الألفاظ بالحروف العربية، ونزله على جبريل، وجعله أمينًا عليه؛ لئلا يتصرف في حقائقه،
١٩٤ - ثم نزل به جبريل كما هو على قلب محمد ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾؛ أي (٢): نزل به الروح الأمين، وتلاه على قلبك يا محمد حتى وعيته بقلبك، فخص القلب بالذكر؛ لأنه محل الوعي والحفظ والتثبيت، ومعدن الوحي والإلهام، وليس شيء في وجود الإنسان يليق بالخطاب والفيض غيره، وهو ﷺ مختص بهذه الرتبة العلية، والكرامة السنية من بين سائر الأنبياء، فإن كتبهم منزلة في الألواح والصحائف جملة واحدة على صورتهم، لا على قلوبهم، كما في "التأويلات النجمية".
قال في "كشف الأسرار": الوحي إذا نزل بالمصطفى ﷺ نزل بقلبه أولًا، كما هو ظاهر الآية؛ لشدة تعطشه إلى الوحي، ولاستغراقه به، ثم انصرف من قلبه إلى فهمه وسمعه، وهذا تنزل من العلو إلى السفل، وهو رتبة الخواص، فأما العوام فإنهم يسمعون أولًا فيتنزل الوحي على سمعهم أولًا، ثم على فهمهم، ثم على قلبهم، وهذا ترق من السفل إلى العلو، فشتان ما بينهما.
وفي "الفتاوى الزينية": سئل عن الوحي الأمين جبريل ﵇ كم نزل على النبي ﷺ ؟ أجاب نزل عليه أربعة وعشرين ألف مرة، وعلى سائر الأنبياء لم ينزل أكثر من ثلاثة آلاف مرة. انتهى.
قلتُ: وهذا مما لا نقل فيه ويجب الوقف عنه.
стр. 9103
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: من المخوفين مما يؤدي إلى عذاب الله من فعل أو ترك، وهو متعلق بـ ﴿نَزَلَ بِهِ﴾، مبين لحكمة الإنزال والمصلحة منه، وهذا من جنس ما يذكر فيه أحد طرفي الشيء، ويحذف الطرف الآخر لدلالة المذكور على المحذوف، وذلك أنه أنزله ليكون من المبشرين والمنذرين.
قال بعضهم: الإنذار أصل، وقدم لأنه من باب التخلية بالخاء المعجمة، فاكتفى بذكره في بعض المواضع من القرآن.
١٩٥ - ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ متعلق أيضًا بـ ﴿نَزَلَ﴾ وتأخيره للاعتناء بأمر الإنذار. واللسان بمعنى اللغة؛ لأنه آلة التلفظ بها؛ أي: نزل به بلسان عربي ظاهر المعنى، واضح المدلول؛ لئلا يبقى لهم عذر ما؛ أي: لئلا يقولوا: ما نصنع بما لا نفهمه.
فالآية صريحة في أن القرآن إنما أنزل عليه عربيًا، لا كما زعمت الباطنية من أنه تعالى أنزله على قلبه غير موصوف بلغة ولسان، ثم إنه ﷺ أداه بلسانه العربي المبين من غير أن ينزل كذلك. وهذا فاسد مخالف للنص والإجماع، ولو كان الأمر كما قالوا .. لم يبق الفرق بين القرآن والحديث.
وفي الآية: تشريف للغة العرب على غيرها، حيث أنزل القرآن بها, لا بغيرها وقد سماها مبينًا. ولذلك اختار هذه اللغة لأهل الجنة، واختار لغة العجم لأهل النار. قال سفيان: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة بالسريانية، فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية.
فإن قلت: كيف (١) يكون القرآن عربيًا مبينًا مع ما فيه من سائر اللغات أيضًا على ما قالوا كالفارسية؛ وهو ﴿سِجِّيلٍ﴾ والرومية؛ وهو ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ والأرمينية؛ وهو ﴿فِي جِيدِهَا﴾ والسريانية؛ وهو ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ والحبشية؛ وهو ﴿كِفْلَيْنِ﴾؟
قلتُ: لما كانت العرب يستعملون هذه اللغات، ويعرفونها فيما بينهم صارت بمنزلة العربية. قال الفقيه أبو الليث: اعلم بأن العربية لها فضل على سائر
стр. 9104
الألسنة، فمن تعلمها أو علم غيره فهو مأجور؛ لأن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب. واعلم أن الفارسية شعبة من لسان العجم المقابل للسان العرب. ولها فضل على سائر لغات العجم. وروي أن النبي ﷺ تكلم بها, ولذلك اختيرت في الترجمة عن التكبير في الصلاة لمن لا يعرف التكبير بالعربية.
وقال الزمخشري: ﴿بِلِسَانٍ﴾؛ إما (١) أن يتعلق بـ ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾، فيكون المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان؛ وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد ﷺ ، وإما أن يتعلق بـ ﴿نَزَلَ﴾ فيكون المعنى: نزله باللسان العربي المبين لتنذر به؛ لأنه لو نزله باللسان الأعجمي .. لتجافوا عنه أصلًا، وقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به، وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك؛ لأنك تفهمه، ويفهمه قومك. ولو كان عجميًا .. لكان نازلًا على سمعك دون قلبك؛ لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها. انتهى.
ومعنى الآية: أي (٢) وإن هذا القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أنزله الله سبحانه إليك، وجاء به جبريل ﵇، فتلاه عليك حتى وعيته بقلبك لتنذر به قومك بلسان عربي بيِّن واضح؛ ليكون قاطعًا للعذر مقيمًا للحجة، دليلًا إلى المحجة، هاديًا إلى الرشاد، مصلحًا لأحوال العباد.
وفي قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ إيماء إلى أن ذلك المنزل محفوظ، وأن الرسول متمكن منه إلى أن القلب هو المخاطب في الحقيقة؛ لأنه موضع التمييز، والعقل والاختيار، وسائر الأعضاء مسخرة له، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ وقوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" أخرجاه في "الصحيحين" ولأن القلب إذا غشي عليه، وقطع سائر الأعضاء .. لم يحصل له
стр. 9105
شعور بالألم، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات.
وفي قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ تقريع لمشركي قريش بأن الذي حملهم على التكذيب هو الاستكبار، والعناد، لا عدم الفهم؛ لأنه نزل بلغتهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه.
١٩٦ - ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن ذكر القرآن لا عينه. والمراد بذكره: الإخبار بأنه ينزل على محمد، وبأنه من عند الله، وأنه صدق وحق، فهذا الإخبار موجود في كتب الأولين. ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: واحدها زبور، بمعنى كتاب، مثل رسل ورسول؛ أي: لفي الكتب المتقدمة، يعني أن الله تعالى أخبر في كتبهم عن القرآن وإنزاله على النبي المبعوث في آخر الزمان.
وقيل: إن الضمير في ﴿إنه﴾ هو يعود إلى رسول الله ﷺ . قاله مقاتل. وقرأ (١) الأعمش: ﴿لَفِي زُبْرِ﴾ بتسكين الباء للتخفيف، والأصل الضم، كما قالوا في ﴿رُسُل﴾ بضمتين ﴿رُسْل﴾ بسكون السين. والمعنى (٢): أي: وإن ذكر هذا القرآن، والتنويه بشأنه لفي كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، وقد أخذ عليهم الميثاق بذلك، وبه بشر عيسى بقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
١٩٧ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾؛ لإنكار (٣) النفي، وإنكاره إثبات، فهي للتقرير داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿لَهُمْ﴾ حال من ﴿آيَةً﴾، والضمير راجع إلى مشركي قريش، و ﴿آيَةً﴾ خبر للكون قدم على اسمه الذي هو قوله: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ ...﴾ إلخ، للاعتناء بالمقدم، والتنويه بالمؤخر، والتقدير: أغفل أهل مكة عن القرآن، ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل من رب العالمين، وأنه في زبر الأولين أن يعرفه علماء بني إسرائيل بنعوته المذكورة في كتبهم، ويعرفوا من أنزل عليه؟ أي: قد