← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.

стр. 9101

هو من عند الله سبحانه، وكأنه عاد أيضًا إلى ما افتتح به السورة من إعراض المشركين عما يأتيهم من الذكر؛ ليتناسب المفتتح والمختتم. ذكره أبو حيان. وصيغة التكثير (١): تدل على أن نزوله كان بالدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة، وهو مصدر بمعنى المفعول، سمي به مبالغة، وفي وصفه تعالى بربوبية العالمين إيذان بأن تنزيله من أحكام تربيته تعالى ورأفته للكل. والمعنى: إن هذا القرآن الذي من جملته ما ذكر من القصص السبع لمنزل من جهته تعالى، وإلا لما قدرت على الإخبار، وثبت به صدقك في دعوى الرسالة؛ لأن الإخبار من مثله لا يكون إلا بطريق الوحي. ١٩٣ - ﴿نَزَلَ بِهِ﴾ ﴿الباء﴾: إما للتعدية؛ أي: أنزله ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾؛ أي: جبريل ﵇، أو للملابسة؛ أي: نزل الروح الأمين حالة كونه ملابسًا بهذا القرآن. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم (٢): ﴿نَزَلَ بِهِ﴾ مخففًا ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ بالرفع. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿نزل به﴾: مشددة الزاي. ﴿الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ بالنصب، والفاعل هو الله سبحانه على هذه القراءة. وقد اختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد. وقرىء (٣): ﴿نزل﴾ مشددًا مبنيًا للمفعول، والفاعل هو الله تعالى، ويكون الروح على هذه القراءة مرفوعًا على النيابة. والمراد بالروح الأمين جبريل ﵇، سمي أمينًا؛ لأنه أمين على وحيه تعالى، وموصله إلى أنبيائه، وروحًا لكونه سببًا لحياة قلوب المكلفين بنور المعرفة والطاعة، حيث إن الوحي الذي فيه الحياة من موت الجهالة يجري على يده، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وفي

стр. 9102

"كشف الأسرار" سمي جبريل روحًا؛ لأن جسمه روح لطيف روحاني. وكذا الملائكة روحانيون خلقوا من الروح؛ وهو الهواء. قال بعضهم (١): لا شك أن للملائكة أجسامًا لطيفة، وللطافة نشأتهم غلب عليهم حكم الروح، فسموا أرواحًا. ولجبريل مزيد اختصاص بهذا المعنى؛ إذ هو من سائر الملائكة كالرسول ﵇ من أفراد أمته. واعلم: أن القرآن كلام الله وصفته القائمة به، فكساه الألفاظ بالحروف العربية، ونزله على جبريل، وجعله أمينًا عليه؛ لئلا يتصرف في حقائقه، ١٩٤ - ثم نزل به جبريل كما هو على قلب محمد ﷺ ، كما قال سبحانه: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾؛ أي (٢): نزل به الروح الأمين، وتلاه على قلبك يا محمد حتى وعيته بقلبك، فخص القلب بالذكر؛ لأنه محل الوعي والحفظ والتثبيت، ومعدن الوحي والإلهام، وليس شيء في وجود الإنسان يليق بالخطاب والفيض غيره، وهو ﷺ مختص بهذه الرتبة العلية، والكرامة السنية من بين سائر الأنبياء، فإن كتبهم منزلة في الألواح والصحائف جملة واحدة على صورتهم، لا على قلوبهم، كما في "التأويلات النجمية". قال في "كشف الأسرار": الوحي إذا نزل بالمصطفى ﷺ نزل بقلبه أولًا، كما هو ظاهر الآية؛ لشدة تعطشه إلى الوحي، ولاستغراقه به، ثم انصرف من قلبه إلى فهمه وسمعه، وهذا تنزل من العلو إلى السفل، وهو رتبة الخواص، فأما العوام فإنهم يسمعون أولًا فيتنزل الوحي على سمعهم أولًا، ثم على فهمهم، ثم على قلبهم، وهذا ترق من السفل إلى العلو، فشتان ما بينهما. وفي "الفتاوى الزينية": سئل عن الوحي الأمين جبريل ﵇ كم نزل على النبي ﷺ ؟ أجاب نزل عليه أربعة وعشرين ألف مرة، وعلى سائر الأنبياء لم ينزل أكثر من ثلاثة آلاف مرة. انتهى. قلتُ: وهذا مما لا نقل فيه ويجب الوقف عنه.

стр. 9103

﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾؛ أي: من المخوفين مما يؤدي إلى عذاب الله من فعل أو ترك، وهو متعلق بـ ﴿نَزَلَ بِهِ﴾، مبين لحكمة الإنزال والمصلحة منه، وهذا من جنس ما يذكر فيه أحد طرفي الشيء، ويحذف الطرف الآخر لدلالة المذكور على المحذوف، وذلك أنه أنزله ليكون من المبشرين والمنذرين. قال بعضهم: الإنذار أصل، وقدم لأنه من باب التخلية بالخاء المعجمة، فاكتفى بذكره في بعض المواضع من القرآن. ١٩٥ - ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ متعلق أيضًا بـ ﴿نَزَلَ﴾ وتأخيره للاعتناء بأمر الإنذار. واللسان بمعنى اللغة؛ لأنه آلة التلفظ بها؛ أي: نزل به بلسان عربي ظاهر المعنى، واضح المدلول؛ لئلا يبقى لهم عذر ما؛ أي: لئلا يقولوا: ما نصنع بما لا نفهمه. فالآية صريحة في أن القرآن إنما أنزل عليه عربيًا، لا كما زعمت الباطنية من أنه تعالى أنزله على قلبه غير موصوف بلغة ولسان، ثم إنه ﷺ أداه بلسانه العربي المبين من غير أن ينزل كذلك. وهذا فاسد مخالف للنص والإجماع، ولو كان الأمر كما قالوا .. لم يبق الفرق بين القرآن والحديث. وفي الآية: تشريف للغة العرب على غيرها، حيث أنزل القرآن بها, لا بغيرها وقد سماها مبينًا. ولذلك اختار هذه اللغة لأهل الجنة، واختار لغة العجم لأهل النار. قال سفيان: بلغنا أن الناس يتكلمون يوم القيامة قبل أن يدخلوا الجنة بالسريانية، فإذا دخلوا الجنة تكلموا بالعربية. فإن قلت: كيف (١) يكون القرآن عربيًا مبينًا مع ما فيه من سائر اللغات أيضًا على ما قالوا كالفارسية؛ وهو ﴿سِجِّيلٍ﴾ والرومية؛ وهو ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ والأرمينية؛ وهو ﴿فِي جِيدِهَا﴾ والسريانية؛ وهو ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ والحبشية؛ وهو ﴿كِفْلَيْنِ﴾؟ قلتُ: لما كانت العرب يستعملون هذه اللغات، ويعرفونها فيما بينهم صارت بمنزلة العربية. قال الفقيه أبو الليث: اعلم بأن العربية لها فضل على سائر

стр. 9104

الألسنة، فمن تعلمها أو علم غيره فهو مأجور؛ لأن الله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب. واعلم أن الفارسية شعبة من لسان العجم المقابل للسان العرب. ولها فضل على سائر لغات العجم. وروي أن النبي ﷺ تكلم بها, ولذلك اختيرت في الترجمة عن التكبير في الصلاة لمن لا يعرف التكبير بالعربية. وقال الزمخشري: ﴿بِلِسَانٍ﴾؛ إما (١) أن يتعلق بـ ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾، فيكون المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان؛ وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد ﷺ ، وإما أن يتعلق بـ ﴿نَزَلَ﴾ فيكون المعنى: نزله باللسان العربي المبين لتنذر به؛ لأنه لو نزله باللسان الأعجمي .. لتجافوا عنه أصلًا، وقالوا: ما نصنع بما لا نفهمه فيتعذر الإنذار به، وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك؛ لأنك تفهمه، ويفهمه قومك. ولو كان عجميًا .. لكان نازلًا على سمعك دون قلبك؛ لأنك تسمع أجراس حروف لا تفهم معانيها ولا تعيها. انتهى. ومعنى الآية: أي (٢) وإن هذا القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أنزله الله سبحانه إليك، وجاء به جبريل ﵇، فتلاه عليك حتى وعيته بقلبك لتنذر به قومك بلسان عربي بيِّن واضح؛ ليكون قاطعًا للعذر مقيمًا للحجة، دليلًا إلى المحجة، هاديًا إلى الرشاد، مصلحًا لأحوال العباد. وفي قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ إيماء إلى أن ذلك المنزل محفوظ، وأن الرسول متمكن منه إلى أن القلب هو المخاطب في الحقيقة؛ لأنه موضع التمييز، والعقل والاختيار، وسائر الأعضاء مسخرة له، يرشد إلى ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ وقوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" أخرجاه في "الصحيحين" ولأن القلب إذا غشي عليه، وقطع سائر الأعضاء .. لم يحصل له

стр. 9105

شعور بالألم، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات. وفي قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ تقريع لمشركي قريش بأن الذي حملهم على التكذيب هو الاستكبار، والعناد، لا عدم الفهم؛ لأنه نزل بلغتهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه. ١٩٦ - ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: وإن ذكر القرآن لا عينه. والمراد بذكره: الإخبار بأنه ينزل على محمد، وبأنه من عند الله، وأنه صدق وحق، فهذا الإخبار موجود في كتب الأولين. ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: واحدها زبور، بمعنى كتاب، مثل رسل ورسول؛ أي: لفي الكتب المتقدمة، يعني أن الله تعالى أخبر في كتبهم عن القرآن وإنزاله على النبي المبعوث في آخر الزمان. وقيل: إن الضمير في ﴿إنه﴾ هو يعود إلى رسول الله ﷺ . قاله مقاتل. وقرأ (١) الأعمش: ﴿لَفِي زُبْرِ﴾ بتسكين الباء للتخفيف، والأصل الضم، كما قالوا في ﴿رُسُل﴾ بضمتين ﴿رُسْل﴾ بسكون السين. والمعنى (٢): أي: وإن ذكر هذا القرآن، والتنويه بشأنه لفي كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، وقد أخذ عليهم الميثاق بذلك، وبه بشر عيسى بقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. ١٩٧ - والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾؛ لإنكار (٣) النفي، وإنكاره إثبات، فهي للتقرير داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، و ﴿لَهُمْ﴾ حال من ﴿آيَةً﴾، والضمير راجع إلى مشركي قريش، و ﴿آيَةً﴾ خبر للكون قدم على اسمه الذي هو قوله: ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ ...﴾ إلخ، للاعتناء بالمقدم، والتنويه بالمؤخر، والتقدير: أغفل أهل مكة عن القرآن، ولم يكن لهم آية دالة على أنه تنزيل من رب العالمين، وأنه في زبر الأولين أن يعرفه علماء بني إسرائيل بنعوته المذكورة في كتبهم، ويعرفوا من أنزل عليه؟ أي: قد

стр. 9106

كان علمهم بذلك آية على صحة القرآن، وحقية الرسول، وكان علماؤهم خمسة: أسد وأسيد وابن يامين وثعلبة وعبد الله بن سلام، فهؤلاء الخمسة من علماء اليهود، وقد أسلموا وحسن إسلامهم. قال ابن عباس ﵄ بعث أهل مكة إلى اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد ﷺ ، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد نعته في التوراة، فكان آية على صدقه ﷺ . وقرأ الجمهور: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ﴾ بالياء من تحت، ﴿آيَةً﴾: بالنصب، وهي قراءة واضحة الإعراب، توسط خبر ﴿يَكُنْ﴾، و ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ هو الاسم، كما مر. قال الزجاج: والمعنى عليه: أو لم يكن لهم علم علماء بني إسرائيل أن محمدًا ﷺ نبي حق، علامة ودلالة على نبوته؛ لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذِكره في كتبهم. وقرأ ابن عامر والجحدري: ﴿تكن﴾ بالتاء من فوق، ﴿آيَةً﴾ - بالرفع - على أنها اسم كان، وخبرها ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾. ويجوز أن تكون تامة. وفي قراءة ابن عامر نظر؛ لأن جعل النكرة اسمًا، والمعرفة خبرًا غير سائغ، وإن ورد شاذًا كقول الشاعر: فَلاَ يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الْوَدَاعَا وقول الآخر: وَكَانَ مِزَاجُهَا عَسَلٌ وَمَاءُ وأحسن ما يقال في توجيه هذه القراءة: أن يقال: إن ﴿يَكُنْ﴾ تامة. وقرأ ابن عباس: ﴿تكن﴾ بالتاء من فوق، ﴿آيَةً﴾: بالنصب، كقراءة من قرأ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ﴾ بتاء التأنيث، ﴿فتنتَهم﴾: بالنصب ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ وقرأ الجحدري (١): ﴿أن تعلمه﴾: بتاء التأنيث، كما قال الشاعر: قَالَتْ بَنُو عَامِرٍ خَالُوا بِنِيَ أَسَدِ ... يَا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضِرَارًا لأَقْوَامِ

стр. 9107

وكتب في المصحف ﴿علموا﴾ بواو بين الميم والألف. قيل على لغة من يميل ألف علموا إلى الواو، كما كتبوا الصلوة والزكوة والربوا على تلك اللغة. والمعنى: أي (١) أغفل أهل مكة عن الإيمان, وليس بكاف لهم شهادة على صدقه أن العلماء من بني إسرائيل نصوا على أن مواضع من التوراة والإنجيل فيها ذكر الرسول ﷺ بصفته ونعته، وقد كان مشركوا قريش يذهبون إليهم ويتعرفون منهم هذا الخبر. ١٩٨ - وبعد أن أثبت بالدليلين السالفين نبوة محمد ﷺ .. ذكر أن هؤلاء المشركين لا تنفعهم الدلائل ولا تجديهم البراهين، فقال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾؛ أي: نزلنا هذا القرآن، كما هو بنظمه المعجب المعجز ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ الذين لا يقدرون على التكلم بالعربية، جمع أعجمي بالتخفيف، ولذا جمع جمع السلامة، ولو كان جمع أعجم لما جمع بالواو والنون؛ لأن مؤنث أعجم عجماء، وأفعل فعلاء لا يجمع جمع السلامة. ١٩٩ - ﴿فَقَرَأَهُ﴾؛ أي: فقرأ ذلك الأعجمي القرآن ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على مشركي مكة قراءة صحيحة خارقة للعادات ﴿مَا كَانُوا﴾؛ أي: ما كان أهل مكة ﴿بِهِ﴾؛ أي: بهذا القرآن ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مع انضمام إعجاز القراءة من الرجل الأعجمي للكلام العربي إلى إعجاز القرآن المقروء لفرط عنادهم، وشدة شكيمتهم في المكابرة. وقيل المعنى (٢): ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم، فقرأه عليهم بلغته .. لم يؤمنوا به، وقالوا: ما نفقه هذا ولا نفهمه، ومثل هذا قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ويقال: رجل أعجمي، ورجل أعجم إذا كان غير فصيح اللسان وإن كان عربيًا، ورجل عجمي إذا كان أصله من العجم وإن كان فصيحًا. إلا أن الفراء أجاز أن يقال: رجل عجمي بمعنى أعجمي. والأعجمي هو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربيًا في النسب.

стр. 9108

وقرأ الحسن: ﴿على بعض الأعجميين﴾، وكذلك قرأ الجحدري. قال أبو الفتح بن جني أصل الأعجمين: الأعجميين، ثم حذفت ياء النسب للتخفيف، كما قالوا: الأشعرون؛ أي: الأشعريون بحذف ياء النسبة، ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع السلامة؛ لأن مؤنثه عجماء. وحاصل المعنى: أي إنا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربي بلسان عربي مبين، فسمعوه، وفهموه، وعرفوا فصاحته، وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله، وبشرت به الكتب السالفة، ومع هذا لم يؤمنوا به، بل جحدوه وسموه تارة شعرًا وأخرى كهانة، فلو أنا نزلنا على بعض الأعجمين الذي لا يحسن العربية، فقرأه عليهم لكفروا به أيضًا، ولتمحلوا لجحودهن عذرًا، وقالوا له: لا نفقه ما يقول. وفي هذا تسلية من الله لرسوله محمد ﷺ على ما حصل من قومه؛ لئلا يشتد حزنه بإدبارهم عنه وإعراضهم عن الاستماعه له. والخلاصة (١): أنا لو نزلناه على بعض الأعجمين، لا عليك فإنك رجل منهم، ويقولون لك: ما أنت إلا بشر مثلنا، وهلا نزل به ملك، فقرأه ذلك الأعجم عليهم، ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق، وأنه منزل من عندنا .. ما كانوا به مصدقين، فخفض من حرصك على إيمانهم به، فإنهم لا يؤمنون به على كل حال. ٢٠٠ - ثم أكد هذا الإنكار أشد تأكيد، فقال: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما أدخلنا التكذيب بهذا القرآن بقراءة الأعجم عليهم؛ أي: على كفار مكة لو فرض ﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ أي: أدخلنا التكذيب بهذا القرآن ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: في قلوب المشركين من كفار مكة بقراءتك عليهم؛ أي (٢): سلكنا التكذيب وأدخلناه في قلوبهم، وقررناه فيها، فكيفما فعل بهم، وعلى أي وجه دبر أمرهم، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من الكفر به والتكذيب له، كما قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ وفي ذلك

стр. 9109

إيماء إلى أن ذلك التكذيب صار متمكنًا في قلوبهم أشد التمكن، وصار كالشيء الجبلي لا يمكن تغييره. وقيل المعنى: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك السلك البديع ﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ أي: أدخلنا القرآن ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: في قلوب مشركي مكة فعرفوا معانيه وإعجازه. وعبارة "الجمل" هنا قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ معمول لـ ﴿سَلَكْنَاهُ﴾. والضمير في ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ للقرآن، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: سلكنا تكذيبه؛ أي: التكذيب به بقراءة النبي مثل إدخالنا التكذيب به في قلوبهم بقراءة الأعجمي. وفي أن الأعجمي لم يقرأه ولم ينزل عليه. قلنا: إن الجملة الشرطية؛ وهي قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ ..﴾ إلخ لا تستلزم الوقوع، اهـ شيخنا. ٢٠١ - فقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ استئناف مسوق لبيان عنادهم؛ أي: فهم مع ذلك السلك المذكور لا يؤمنون بهذا القرآن. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ الملجيء إلى الإيمان به حين لا ينفعهم الإيمان؛ أي: إنهم لا يتأثرون بالأمور الداعية إلى الإيمان, بل يستمرون على ما هم عليه حتى يعاينوا العذاب حين لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار؛ أي: لا يؤمنون إلى هذه الغاية، وهي مشاهدتهم العذاب الأليم. ٢٠٢ - ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾؛ أي: فيأتي هؤلاء المكذبين بهذا القرآن العذاب الأليم ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأة في الدنيا والآخرة، فهو معطوف على ﴿يَرَوُا﴾ ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم لا يعلمون قبل بمجيئه حتى يفجأهم. وقرأ الحسن (١): ﴿فتأتيهم﴾: بالتاء الفوقية؛ أي: الساعة. وقرأ ﴿بغتة﴾ بفتح الغين. وعبارة "الجمل" هنا قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ مقدم من تأخير. وأصل الكلام: حتى يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون، فيرونه فيقولون هل نحن منظرون؛ أي: مؤخرون عن الإهلاك، ولو طرفة عين لنؤمن، فيقال لهم:

стр. 9110

لا، أي: لا تأخير ولا إمهال، اهـ شيخنا. وقال الزمخشري: فإن قلت (١): ما معنى التعقيب في قوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾؟ قلت: ليس المعنى يراد برؤية العذاب ومفاجأته، وسؤال النظرة فيه الوجود، وإنما ترتبها في الشدة، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب، فما هو أشد منها؟ وهو لحوقه بهم مفاجأة، فما هو أشد منه، وهو سؤالهم النظرة. ونظير ذلك أن تقول: إن أسأت مقتك الصالحون، فمقتك الله سبحانه، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين، فما هو اْشد من مقتهم وهو مقت الله انتهى، فوجب أن لا تكون الفاء للترتيب الزماني، بل للترتيب الرتبي. ٢٠٣ - ثم بين أنهم يتمنون التاخير حينئذ ليتداركوا ما فات ﴿فَيَقُولُوا﴾؛ أي: كل أمة معذبة على وجه الحسرة والأسف. والتمني للإمهال ليتداركوا ما فرطوا فيه ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: مؤخرون إلى حين لنؤمن ونصدق، وهو استفهام طمع في المحال. وهو إمهالهم بعد مجيء العذاب، وهم في الآخرة يعلمون أن لا ملجأ لهم، لكنهم يذكرون ذلك استرواحًا. ٢٠٤ - ولما أوعدهم النبي ﷺ بالعذاب قالوا: إلى متى توعدنا به، ومتى هذا العذاب؟ كما قال: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٢) والهمزة فيه للاستفهام التوبيخي التهكمي بهم، حيث استعجلوا ما فيه ضررهم، وحتف أنفسهم، داخلة على محذوف يقتضيه المقام والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيكون حالهم كما ذكر من طلب الإنظار عند نزول العذاب الأليم، وبينهما من التنافي ما لا يخفى على أحد، أو أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره، فيستعجلون ... إلخ. وإنما قدم الجار والمجرور للإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ كون

стр. 9111

المستعجل به عذابه تعالى مع ما فيه من رعاية الفواصل؛ أي: كيف (١) يستعجلون بعذابنا بنحو قولهم تارة: أمطر علينا حجارة من السماء، وأخرى فائتنا بما تعدنا. وقد تبين لهم كيف أخذنا للأمم الماضية، والقرون الخالية، والأقوام العاتية. ٢٠٥ - ثم أبان أن طول العمر لا يغني عنهم شيئًا، وأن العذاب واقع لا محالة، فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾ معطوف على ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾ وما بينهما اعتراض للتوبيخ. والهمزة مقدمة على الفاء، والأصل: فأرأيت بمعنى فأخبرني. والخطاب لكل من يصلح له كائنًا من كان. ولما كانت الرؤية من أقوى أسباب الإخبار بالشيء وأشهرها .. شاع استعمال أرأيت في معنى أخبرني. فالمعنى (٢): أخبرني يا من يصلح للخطاب. ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾: إن جعلنا مشركي مكة متمتعين منتفعين ﴿سِنِينَ﴾ كثيرة مع طيب العيش، ولم نهلكهم ٢٠٦ - ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)﴾ من العذاب ٢٠٧ - ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾؛ أي: لم يغن عنهم شيئًا، ولم ينفعهم تمتعهم المتطاول في رفع العذاب وتخفيفه. فـ ﴿مَا﴾ في ﴿مَا أَغْنَى﴾: نافية، ومفعول ﴿أَغْنَى﴾ محذوف، وفاعله ﴿مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾؛ أو أي شيء أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك التمتيع المؤبد على أن ﴿ما﴾ في ﴿ما﴾ كانوا مصدرية، أو ما كانوا يمتعون به من متاع الحياة الدنيا على أنها موصولة حذف عائدها، فـ ﴿مَا﴾ في ﴿مَا أَغْنَى﴾ مفعول مقدم لـ ﴿أَغْنَى﴾، والاستفهام للنفي. ﴿مَا كَانُوا﴾ هو الفاعل. وهذا المعنى أولى من الأول؛ لكونه أوفق بصورة الإخبار، وأدل على انتفاء الإعناء على أبلغ وجه، وآكده كأن كل من شأنه الخطاب قد كلف بأن يخبر بأن تمتيعهم ما أفادهم، وأي شيء أغنى عنهم فلم يقدر أن يخبر بشيء من ذلك أصلًا. وقرىء ﴿يُمَتَّعُونَ﴾ اسكان الميم وتخفيف التاء، من أمتع الله زيدًا بكذا. والمعنى: أي (٣) إن استعجالهم بالعذاب إنما كان لاعتقادهم أنه غير كائن

стр. 9112

ولا لاحق بهم، وأنهم ممتعون باعمار طوال في سلامة وأمن، فقال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أشرًا وبطرًا واستهزاءً واتكالًا على الأمل الطويل. ثم قال: هو أن الأمر كما يعتقدون من تمتيعهم وتعميرهم، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طولى أعمارهم، وطيب معايشهم؛ أي: هل (١) الأمر كما يعتقدون من عيشهم في النعيم، فأخبرني أن متعناهم في الدنيا برغد العيش، وصافي الحياة، ثم جاءهم بعد تلك السنين المتطاولة ما كانوا يوعدون به من العذاب، فهل ما كانوا فيه من النعيم يدفع عنهم شيئًا منه، أو يخففه عنهم. والخلاصة: أن طول التمتع ليس بدافع شيئًا من عذاب الله سبحانه، وكأنهم لم يمتعوا بنعيم قط، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾، وقال: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ يُعَمرَ، وقال: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾. وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن البصري في الطواف بالكعبة وكان يتمنى لقاءه، فقال: عظني، فلم يزده على تلاوة هذه الآية، فقال: ميمون لقد وعظت فأبلغت. وروي أن عمر بن عبد العزيز كان يقرأ هذه الآية كل صباح إذا جلس على سريره تذكرًا واتعاظًا. وقال يحيى بن معاذ: أشد الناس غفلة من اغتر بحياته الفانية، والتذ بموداته الواهية، وسكن إلى مألوفاته. كان الرشيد حبس رجلًا، فقال الرجل للموكل عليه: قل لأمير المؤمنين كل يوم مضى من نعمتك ينقص من محنتي، والأمر قريب، والموعد الصراط، والحاكم الله، فخر الرشيد مغشيًا عليه، ثم أفاق وأمر بإطلاقه. ٢٠٨ - ثم بين سبحانه أنه لا يهلك قرية إلا بعد الإنذار، وإقامة الحجة عليها،

стр. 9113

فقال: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وما أهلكنا قرية من القرى المهلكة ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾؛ أي: إلا بعد إرسالنا إليهم رسلًا ينذرونهم بأسًا، ويخوفونهم عذابنا على كفرهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف تركت الواو من الجملة بعد ﴿إِلَّا﴾ هنا، ولم تترك منها في قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾؟ قلتُ: الأصل ترك ﴿الواو﴾؛ لأن الجملة صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، وما هنا فقد جاء على الأصل فلا اعتراض. وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف، كما في قوله: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. اهـ "سمين". قال في "كشف الأسرار": جمع منذرين؛ لأن المراد بهم النبي وأتباعه المظاهرون له. ٢٠٩ - قوله: ﴿ذِكْرَى﴾: إما مفعول لأجله لـ ﴿مُنْذِرُونَ﴾؛ أي: تنذرهم لأجل التذكير والموعظة لهم، وإلزام الحجة لهم، وتنبيهًا إلى ما فيه النجاة من عذابنا، أو مفعول مطلق منصوب بـ ﴿مُنْذِرُونَ﴾؛ لأن التذكرة بمعنى الإنذار؛ أي: يذكرون ذكرى. قال النحاس: وهذا قول صحيح؛ لأن معنى ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾: إلا لها مذكرون، أو منصوب بفعل مقدر هو صفة لـ ﴿مُنْذِرُونَ﴾؛ أي: إلا لها منذرون يذكرونهم ذكرى. وقيل: غير ذلك. ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في إهلاكهم، فتهلك قومًا غير ظالمين وقبل الإنذار؛ لأنهم جحدوا نعمتنا، وعبدوا غيرنا بعد الإنذار إليهم، ومتابعة الحجج، ومواصلة المواعيد، ونحو الآية قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ والتعبير (١) عن ذلك بنفي الظالمية مع أن إهلاكهم قبل الإنذار ليس بظلم أصلًا على ما تقرر من قاعدة أهل السنة؛ لبيان كمال نزاهته عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه من الظلم.

стр. 9114

٢١٠ - ولما كان المشركون يقولون: إن محمدًا كاهن، وما يتنزل عليه من نوع ما تتنزل به الشياطين. أكذبهم سبحانه بقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾؛ أي: بهذا القرآن ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ وهذا رد لما زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة من أخبار السماء، بل نزل به الروح الأمين ٢١١ - ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾؛ أي: وما ينبغي التنزل به، ولا يمكن ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: للشياطين؛ أي: وما يصح، وما يستقيم لهم أن ينزلوا بالقرآن من السماء ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: وما يقدرون على ذلك أصلًا. ٢١٢ - ثم إنه تعالى ذكر سبب ذلك، فقال: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: إن الشياطين بعد مبعث الرسول وقبله ﴿عَنِ السَّمْعِ﴾ لما يوحي به إلى الأنبياء ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾؛ أي: لممنوعون حفظًا للوحي عن التخليط قبل نزول الملك به. أما ما لا تعلق له بالوحي من الأخبار المغيبات فقد يستمعون قبل مبعث النبي ﷺ ، وأما بعد بعثته فقد انسد باب السماء على الشياطين، وانقطع نزول الشياطين على الكهنة؛ أي: إن الشياطين لممنوعون عن الاستماع للوحي، كيف لا، ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة، غير مستعدة إلا لقبول ما لا خير فيه أصلًا من فنون الشرور. والمعنى: أي (١) وما نزلت الشياطين بالقرآن ليكون كهانة، أو شعرًا أو سحرًا. وما ينبغي لهم أن ينزلوا به، وما يستطيعون ذلك وإن عالجوه بكل وسيلة، وإنهم عن سمع الملائكة لمحجوبون بالشهب. والخلاصة: أن الشياطين لا تنزل به لوجوه ثلاثة: ١ - أنه ليس من مبتغاهم؛ إذ من سجاياهم الإضلال والإفساد، والقرآن فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو هدى ونور وبرهان مبين، فبينه وبين مقاصد الشياطين منافاة عظيمة. ٢. أنه لو انبغى لهم ما استطاعوا حمله وتأديته، كما قال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.

стр. 9115

٣ - أنهم لو انبغى واستطاعوا حمله وتأديته .. لما وصلوا إلى ذلك؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله؛ لئلا يخلطوا الوحي. وقرأ الحسن (١) وابن السميقع والأعمش: ﴿وما تنزلت به الشياطون﴾ - بالواو والنون - إجراءً له مجرى جمع السلامة. قال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين. قال: وسمعت علي بن سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: هذا من غلط العلماء، وإنما يكون بشبهة؛ لما رأى الحسن في آخره ياء ونونًا، وهو في موضع رفع .. اشتبه عليه بالجمع السالم، فغلط. ٢١٣ - ثم لما قرر سبحانه حقية القرآن، وأنه منزل من عنده .. أمر نبيه ﷺ بدعاء الله وحده، فقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الفاء فيه للإفصاح؛ أي: إذا عرفت يا محمد حال الكفار، وأردت بيان ما هو اللازم لك من الأوامر والنواهي .. فأقول لك: لا تعبد مع الله سبحانه إلهًا غيره. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ على إشراكه، الخطاب (٢) للنبي ﷺ ، والمراد به غيره؛ لأنه معصوم من ذلك. قال ابن عباس: يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق عليّ، ولو اتخذت إلهًا غيري لعذبتك، فكيف بغيرك من العباد، وذلك من شأن الحكيم إذا أراد أن يؤكد الخطاب لأحد وجهه إلى الرؤساء في الظاهر. وقيل: خوطب به النبي ﷺ مع استحالة وقوع المنهي عنه (٣)؛ لأنه معصوم، تهييجًا لعزيمته، وحثًا على ازدياد الإخلاص، ولطفًا بسائر المكلفين ببيان أن الإشراك من القبيح والسوء بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فكيف بمن عداه، وأن من كان أكرم الخلق عليه إذا عذب على تقدير اتخاذ إله آخر، فغيره أولى. وحاصل ما في هذه الآيات: أنَّ الله سبحانه أمر نبيه بأربعة أوامر ونواه (٤):

стр. 9116

١ - ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾؛ أي: أخلص العبادة لله وحده، ولا تشرك به سواه، فإن من أشرك به فقد عصاه، ومن عصاه فقد استحق عقابه. وفي هذا حث لرسوله على ازدياد الإخلاص. وبيان أن الإشراك قبيح بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره منه، فيكون الوعيد لغيره أزجر، وله أقبل. وبعد أن بدأ بالرسول وتوعده إن دعا مع الله إلهًا آخر .. أمره بدعوة الأقرب فالأقرب؛ لأنه إذا تشدد على نفسه أولًا، ٢١٤ - ثم ثنى بالأقرب فالأقرب .. كان قوله لسواهم أنفع، وتأثيره أنجع، فقال: ٢ - ﴿وَأَنْذِرْ﴾؛ أي: خوف العذاب الذي يستتبعه الشرك والمعاصي ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾؛ أي: الجماعة الذين كانوا أقرب الناس إليك في النسب، فأقرب الناس إليه بنو هاشم، ثم بنو المطلب، ثم سائر بطون قريش على ترتيب الأقرب فالأقرب؛ أي: وخوف الأقربين من عشيرتك وأهلك بأس الله سبحانه، وشديد عقابه لمن كفر به وأشرك به سواه. وإنما أمره بإنذار الأقربين؛ لأن الاهتمام بشأنهم أهم، فالبداية بهم في الإنذار أولى، كما أن البداية بهم في البر والصلة وغيرهما أولى. وهذه النذارة الخاصة جزء من النذارة العامة التي بعث بها النبي ﷺ كما قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وقال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾. روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ﷺ قريشًا وعم وخص، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، ألا إن لكم رحمًا وسأبلها ببلالها، أصلكم في الدنيا، ولا أغني عنكم من الله شيئًا". وهذا الحديث منه ﷺ بيان للعشيرة الأقربين.

стр. 9117

وفي الحديث والآية (١): دليل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب، وعلى جواز صلة المؤمن والكافر، وإرشاده ونصحه بدليل قوله: "إن لكم رحمًا سأبلها ببلالها". وروى مسلم قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار". ٢١٥ - وبعد أن أمره بإنذار المشركين من قومه .. أمره بالرفق بالمؤمنين، فقال: ٣ - ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾؛ أي: أن جانبك وحالك وتواضع ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ﴾، واقتدى بك ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله سبحانه وبك، وترفق بهم وتجاوز عنهم، فإن ذلك أجدى لك، وأجلب لقلوبهم، وأكسب لمحبتهم، وأفضى إلى معونتك والإخلاص لك. و ﴿مِنَ﴾ للتبيين؛ لأن (من أَتبع) أعم ممن اتسع لدين، أو قرابة، أو نسب، أو للتبعيض، على أن المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان والمصدقون باللسان. فإن قلتَ: لِمَ قال: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولم يقل: واخفض جناحك للمؤمنين، فما النكتة في هذا العدول؟ قلتُ: النكتة في هذا العدول إلى هذا الأسلوب إخراج المؤمن الغير المتابع؛ لأن كل متابع مؤمن، وليس كل مؤمن متابعًا، ولئلا يغتر المؤمن بدعوى الإيمان وهو بمعزل عن حقيقته التي لا تحصل إلا بالمتابعة. انتهى من "التأويلات النجمية". يقال: خفض جناحه إذا ألانه، وفيه استعارة تصريحية، كما سيأتي في مبحث البلاغة. والمعنى: أن جناحك، وتواضع لمن اتبعك من المؤمنين، وأظهر لهم المحبة والكرامة، وتجاوز عما يبدو منهم من التقصير، واحتمل منهم سوء الأحوال، وعاشرهم بجميل الأخلاق، وتحمل عنهم كلهم، فإن حرموك فأعطهم، وإن ظلموك فتجاوز عنهم، وإن قصروا في حقي فاعف عنهم واستغفر لهم.

стр. 9118

٢١٦ - ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾؛ أي خالفوا أمرك: ولم يتبعوك؛ أي: فإن خرجت عشيرتك عن الطاعة وخالفوك، ولم يتبعوك ﴿فَقُلْ﴾ لهم ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: من عملكم، أو من الذي تعملونه؛ أي: فإني بريء من عبادتكم لغير الله تعالى، ولا تبرأ منهم، وقيل لهم قولًا معروفًا بالنصح والعظة لعلهم يرجعون إلى طاعتك، وقبول الدعوة منك. وهذا (١) يدل على أن المراد بالمؤمنين المشارفون للإيمان المصدقون باللسان؛ لأن المؤمنين الخلص لا يعصونه ولا يخالفونه. والمعنى: أي: فإن (٢) عصاك من أنذرتهم من العشيرة فلا ضير عليك، وقد أديت ما أمرت به، ولا عليك إثم مما يعملون، وقيل لهم: إني بريء منكم ومن دعائكم مع الله إلهًا آخر، وإنكم ستجزون بجرمكم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. والخلاصة: فبعد الإنذار من آمن منهم فتواضع له، ومن خالفك فتبرأ منه ومن عمله، وقيل له: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ ...﴾ هو إلخ، ٢١٧ - ثم بين له ما يعتمد عليه عند عصيانهم له، فقال: ٤ - ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ في جميع حالاتك ﴿عَلَى الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، فهو يقدر على قهر أعدائه ﴿الرَّحِيمِ﴾ الذي يرحم من توكل عليه، وفوض أمره إليه بالظفر والنصرة، فهو ينصر أولياءه، ولا تتوكل على الغير، فإن الله تعالى هو الكافي لشر الأعداء لا الغير، والتوكل على الله تعالى في جميع الأمور، والإعراض عما سواه ليس إلا من خواص الكمل. جعلنا الله سبحانه وإياكم من الملحقين بهم. والتوكل: عبارة عن تفويض الرجل أمره إلى من يملك أمره، ويقدر على نفعه وضره، وهو الله العزيز الرحيم. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة (٣): ﴿فتوكل﴾ - بالفاء - على الإبدال من جواب الشرط. وقرأ باقي السبعة: ﴿وَتَوَكل﴾ - بالواو - على العطف على

стр. 9119

﴿وَأَنْذِرْ﴾؛ ٢١٨ - ثم أتبع به قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ ...﴾ إلخ؛ لأنه كالسبب لتلك الرحمة؛ أي: توكل على من يراك ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من نومك إلى التهجد والصلاة وحدك في جوف الليل، في قول أكثر المفسرين، فإن المعروف من القيام في العرف الشرعي إحياء الليل بالصلاة. وقال مجاهد: حين تقوم حيثما كنت. ٢١٩ - ﴿و﴾ يرى ﴿تَقَلُّبَكَ﴾ وتنقلك في أركان الصلاة بالقيام والركوع والاعتدال والسجود والجلوس ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾؛ أي: مع المصلين جماعة إذا كنت إمامًا لهم؛ أي: ويراك إذا صليت جماعة راكعًا وساجدًا وقائمًا. كذا قال أكثر المفسرين. وعن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة ﵀ هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن؟ فتلا هذه الآية. وقيل (١): يراك منتقلًا في أصلاب المؤمنين، وأرحام المؤمنات من لدن آدم وحواء إلى عبد الله وآمنة، فجميع أصول سيدنا محمد ﷺ رجالًا ونساء مؤمنون، فلا يدخلهم الشرك ما دام النور المحمدي في الذكر والأنثى، فإذا انتقل منه لمن بعده .. أمكن أن يعبد غير الله، وآزر ما عبد الأصنام إلا بعد انتقال النور منه لإبراهيم. وأما قبل انتقاله فلم يعبد غير الله تعالى، كذا قالوا، ولكن لا أصل له والله أعلم. وقيل (٢): المراد بقوله: ﴿يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قيامك إلى التهجد. وقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ يريد ترددك في تصفح أحوال المجتهدين في العبادة وتقلب بصرك فيهم، كذا قال مجاهد. ومعنى الآية: أي (٣) وفوض جميع أمورك إلى القادر على دفع الضر عنك، والانتقام من أعدائك الذين يريدون السوء بك، الرحيم إذ نصرك عليهم برحمته، وهو الذي يراك حين تقوم للصلاة بالناس، ويرى تنقلك من حال كالجلوس إلى حال كالقيام فيما بين المصلين إذا كنت إمامًا لهم. وفي الخبر: "أعبد الله كأنك

стр. 9120

تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وعبر عن المصلين بالساجدين؛ لأن العبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، ٢٢٠ - ثم أكد ما سلف بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده فيسمع ما تقول ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحركاتهم وسكناتهم وبسرهم ونجواهم، فيعلم ما تنويه وتعمله، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. وقصارى ذلك: أنه هو القادر على نفعكم وضركم، فهو الذي يجب أن تتوكلوا عليه، وهو الذي يكفيكم ما أهمكم. ٢٢١ - ولما قال (١) المشركون: لم لا يجوز أن يقال: إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد ﷺ ، كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة، وبالشعر على الشعراء .. فرق الله بين محمد ﷺ وبين الكهنة والشعراء، فقال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُم﴾ وأخبركم أيها المشركون ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ بتقدير همزة الاستفهام قبل حرف الجر، وبحذف إحدى التاءين من ﴿تَنَزَّلُ﴾؛ أي: هل أخبركم أيها المشركون جواب على من تتنزل الشياطين؟ ٢٢٢ - أقول لكم في جوابه ﴿تَنَزَّلُ﴾ الشياطين ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾؛ أي: كثير الإفك والكذب ﴿أَثِيمٍ﴾؛ أي: كثير الإثم والمعاصي، وهو اسم للأفعال المبطئة عن الثواب؛ أي: تتنزل (٢) الشياطين على المتصفين بالإفك والإثم الكثير من الكهنة والمتنبئة كمسيلمة الكذاب، وسطيح، وطليحة؛ لأنهم من جنس الشياطين، وبشهم مناسبة بالكذب والافتراء والإضلال. فإن مسيلمة من المتنبئة، وسطيح وطليحة من الكهنة - جمع كاهن؛ وهو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة، والعرات الذي يخبر عن الأمور الماضية. اهـ شيخنا. وحيث كانت ساحة رسول الله ﷺ منزهة عن هذه الأوصاف استحال تنزلهم عليه. ٢٢٣ - وجملة قوله: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ في محل الجر على أنها صفة لـ ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ﴾

стр. 9121

أَثِيمٍ﴾؛ لكونه في معنى الجمع؛ أي: يلقى الأفاكون الإذن إلى الشياطين، فيتلقون منهم أوهامًا وأمارات لنقصان علمهم، فيضمون إليها بحسب تخيلاتهم الباطلة خرافات لا يطابق أكثرها الواقع ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر الأفاكين؛ أي: كلهم ﴿كَاذِبُونَ﴾ فيما قالوه من الأقاويل، وليس محمد كذلك، فإنه صادق في جميع ما أخبر به من المغيبات، والأكثر هنا: بمعنى الكل، كما أن البعض يأتي بمعنى الكل في قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: كله. والأظهر (١) أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قلما يصدقون فيما يحكون عن الجني. والمعنى: وأكثر أقوالهم كاذبة، لا باعتبار ذواتهم حتى يلزم من نسبة الكذب إلى أكثرهم كون اْقلهم صادقًا على الإطلاق. اهـ "أبو السعود". وقيل: الضمير في ﴿يُلْقُونَ﴾ عائد إلى ﴿الشَّيَاطِينُ﴾، والجملة (٢) في محل النصب حال من الضمير المستتر في ﴿تَنَزَّلُ﴾ العائد إلى ﴿الشَّيَاطِينُ﴾؛ أي: تنزل الشياطين على كل أفاك أثيم حالة كون الشياطين ملقين السميع؛ أي: ما يسمعونه من الملأ الأعلى إلى الكهان. ويجوز أن يكون المعنى: أن الشياطين يلقون السمع؛ أي: ينصتون إلى الملأ الأعلى؛ ليسترقوا منهم شيئًا من المغيبات، ويكون المراد بالسمع على الوجه الأول المسموع، وعلى الوجه الثاني نفس حاسة السمع. ويجوز أن تكون جملة: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الشَّيَاطِينُ﴾؛ أي: وأكثر الشياطين كاذبون فيما يلقونه إلى الكهنة مما يسمعونه من الملأ الأعلى، فإنهم يضمون إلى ذلك من عند أنفسهم كثيرًا من الكذب، كما جاء في الحديث: "تلك الكلمة الصادقة الكلمة التي يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه، ويزيد معها أكثر من مئة كذبة". والكهنة أيضًا يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم. فإن قلت: كيف يصح على الوجه الأول وصف الأفاكين بأن أكثرهم كاذبون

стр. 9122

بعدما وصفوا جميعًا بالإفك؟ قلتُ: يجاب عنه بأن المراد بالأفاك الذي يكثر الكذب، لا الذي لا ينطق إلا بالكذب. فالمراد بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أنه قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الشياطين، وقد سبق الجواب عنه بوجه آخر. وقال شيخ الإِسلام: فإن قلت (١): كيف قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ بعدما حكم بأن كل أفاك أثيم؛ أي: فاجر؟ قلتُ: الضمير في ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لـ ﴿الشَّيَاطِينُ﴾، لا للأفاكين، ولو سلم فالأفاكون هم الذين يكثرون الكذب، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب. انتهى. وقال في "كشف الأسرار": استثني منهم بذكر الأكثر سطيحًا وشقًا وسواد بن قارب الذين كانوا يلهجون بذكر رسول الله وتصديقه، ويشهدون له بالنبوة، ويدعون الناس إليه. انتهى. والغرض الذي سيق لأجله هذا الكلام (٢): رد ما كان يزعمه المشركون من كون النبي ﷺ من جملة من يلقي إليه الشياطين السمع من الكهنة ببيان أن الأغلب على الكهنة الكذب، ولم يظهر من أحوال محمد ﷺ إلا الصدق، فكيف يكون كما زعموا، ثم إن هؤلاء الكهنة يعظمون الشياطين، وهذا النبي المرسل ﷺ من عند الله سبحانه برسالته إلى الناس يذمهم ويلعنهم، ويأمر بالتعوذ منهم. وحاصل معنى الآيات: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾؛ أي: هل أخبركم خبرًا جليًا نافعًا في الدين، عظيم الجدوى في الدنيا، تعلمون به الفارق بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن ببيان جواب سؤال ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾، ثم أشار إلى الجواب عن هذا السؤال بوجهين: ١ - ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾، أي: هي تنزل على كل كذاب فاجر من

стр. 9123

الكهنة، نحو شق بن رهم وسطيح بن ربيعة. قال في "حياة الحيوان": هما كاهنان، فكان شق نصفَ إنسان، له يد واحدة ورجل واحدة، وعين واحدة، وكان سطيح لـ له عظم ولا بنان، إنما كان يطوى كالحصير، لم يدرك أيام بعثة النبي ﷺ ، وكان في زمن ملك كسرى؛ وهو ساسان. انتهى. ٢ - ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾؛ أي: يلقي الأفاكون سمعهم إلى الشياطين، ويصغون إليهم أشد إصغاء، فيتلقون منهم ما يتلقون، وهؤلاء قلما يصدقون في أقوالهم، بل هم في أكثرها كاذبون. وهذا رد على من زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ليس بحق، وأنه شيء أتاه به رئي من الجن، فنزه الله سبحانه رسوله ﷺ عن قولهم وافترائهم، ونبه إلى أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه نزل به ملك كريم، وأنه ليس من قبل الشياطين. والخلاصة: أن هناك فارقًا بين محمد ﷺ والكهنة، ومحمد ﷺ لا يكذب فيما يخبر عن ربه، وما عرف منه إلا الصدق، والكهنة كذابون فيما يقولون، وقلما عرف منهم الصدق في أخبارهم. ٢٢٤ - ولما كان بعض المشركين يقول: إن النبي ﷺ شاعر .. بيّن سبحانه حال الشعراء، ومنافاة ما هم عليه لما عليه النبي ﷺ ، فقال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾؛ أي: شعراء الكفار الذين يهجون رسول الله ﷺ وأصحابه، ويعيبون الإِسلام، ويطعنون فيه منهم عبد الله بن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب ومسافع بن عبد مناف وأبو عزة عمرو بن عبد الله وأمية بن أبي الصلت وأبو سفيان بن حرب الأموي ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾؛ أي: يتبعهم سفهاء العرب، حيث كانوا (١) يحفظون هجاءهم للمسلمين، وينشدونه في المجالس والمجامع، ويضحكون منه؛ أي: إن القرآن ليس بشعر، ولا محمد بشاعر؛ لأن الشعراء يتبعهم الضالون الحائدون عن السنن القويم، والسفهاء المائلون إلى الفساد الذي يجر إلى الهلاك، وأتباع محمد ليسوا كذلك، بل هم الراشدون المراجيح الرزان والساجدون الراكعون الباكون

стр. 9124

الزاهدون. وكان (١) الشعراء يتكلمون بالكذب والباطل، ويقولون: نحن نقول مثل ما قال محمد، وقالوا: الشعر، واجتمع إليهم غواة قومهم يستمعون أشعارهم حين يهجون محمدًا ﷺ أصحابه، وكانون يروون عنهم قولهم، فذلك قوله: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ فهم الرواة الذين يروون هجاء المسلمين. وقيل: ﴿الْغَاوُونَ﴾ هم الشياطين. وقيل: هم السفهاء الضالون. والشعراء (٢) عام يدخل فيه كل شاعر، والمذموم من يهجو ويمدح شهوة محرمة، ويقذف المحصنات، ويقول الزور وما لا يسوغ شرعًا. واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام، فقد يبلغ ما لا خير فيه منه إلى قسم الحرام، وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب. قال في "الكواشي": لا شك أن الشعر كلام حسنه كحسنه، وقبيحه كقبيحه، ولا بأس به إذا كان توحيدًا، أو علمًا ينتفع به، أو حثًا على مكارم الأخلاق من جهاد وعبادة وحفظ فرج وغض بصر وصلة رحم وشبهه، أو مدحًا للنبي ﷺ والصالحين بما هو الحق، انتهى. وقد وردت أحاديث في ذمه وذم الاستكثار منه، ووردت أحاديث أخر في إباحته وتجويزه: فمنها: ما روى مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء"؟ قلت: نعم. قال: "هيه". فانشدته بيتًا، فقال: "هيه"، ثم أنشدته بيتًا آخر، فقال: "هيه"، حتى أنشدته مئة بيت. وفي هذا دليل على العناية بحفظ الأشعار إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعًا وطبعًا. وإنما استكثر النبي ﷺ من شعر أمية؛ لأنه كان حكيمًا، ألا ترى قوله ﷺ : "لقد كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم" حين سمع قوله:

стр. 9125

أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ ... وَكَلُّ نَعِيْمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ والكلام في تحقيق ذلك يطول. وقال الإِمام المرزوقي شارح "الحماسة": تأخر الشعراء عن البلغاء؛ لتأخر المنظوم عند العرب؛ لأن ملوكهم قبل الإِسلام وبعده يتبجحون بالخطابة، ويعدونها أكمل أسباب الرياسة، ويعدون الشعر دناءة؛ لأن الشعر كان مكسبة وتجارة، وفيه وصف اللئيم عند الطمع بصفة الكريم، والكريم عند تأخر صلته بوصف اللئيم، ومما يدل على شرف النثر أن الإعجاز وقع في النثر دون النظم؛ لأن زمن النبي ﷺ زمن الفصاحة. وقرأ عيسى بن عمر (١): ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ بالنصب على الاشتغال، والجمهور بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ نافع وشيبة والحسن بخلاف عنه، والسلمي ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ بسكون التاء مخففًا من تبع الثلاثي وقرأ باقي السبعة مشددًا. والوجهان حسنان. يقال: تبعت واتبعت مثل حقرت واحتقرت. وسكن العينَ الحسنُ، وعبد الوارث عن أبي عمرو. وروى هارون نصبها عن بعضهم، وهو مشكل. ذكره أبو حيان. ٢٢٥ - ثم بين تلك الغواية بأمرين، فقال: ١ - ﴿أَلَمْ تَر﴾ يا من (٢) شأنه الرؤية؛ أي: قد رأيت وعلمت. والاستفهام فيه للتقرير، والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ أي: أن الشعراء ﴿فِي كُلِّ وَادٍ﴾؛ أي: في كل فن من فنون الكذب، وفي كل شعب من شعاب الزور، وفي كل نوع من أنواع المدح أو الذم، والهجاء والشتم، والفحش واللعن، والافتراء والدعاوى، والتكبر والمفاخر، والتحاسد والعب، والإراءة وإظهار الفضل، والدناءة والخسة، والطمع والتَّكَدِّي، والذلة والمهانة، وأصناف الأخلاق الرذيلة، والطعن في الإنساب والأعراض، وغير ذلك من الآفات التي هي من توابع الشعر ﴿يَهِيمُونَ﴾ يقال: هام على وجهه - من باب باع - هيمانًا، بفتحتين،

стр. 9126

إذا ذهب من العشق أو غيره، كما في "المختار"؛ أي: يذهبون على وجوههم لا يهتدون إلى سبيل معين، بل يتحيرون في أودية القيل والقال، والوهم والخيال، والغي والضلال، فتارة يمزقون الأعراض بالهجاء، وتارة يأتون من المجون بكل ما يمجه السمع ويستقبحه العقل، وتارة يخوضون في بحر السفاهة والوقاحة، ويذمون الحق ويمدحون الباطل، ويرغبون في فعل المحرمات، ويدعون الناس إلى فعل المنكرات، كما تسمعه في أشعارهم من مدح الخمر والزنا واللواط ونحو هذه الرذائل الملعونة. والمعنى: أي (١) ألم تعلم أن الشعراء يسلكون الطرق المختلفة من الكلام، فقد يمدحون الشيء حينًا بعد أن ذموه، أو يعظمونه بعد أن احتقروه، والعكس بالعكس، وذلك دليل على أنهم لا يقصدون إظهار الحق، ولا تحري الصدق، لكن محمدًا ﷺ جبلته الصدق، ولا يقول إلا الحق، وقد بقي على طريق واحد؛ وهو الدعوة إلى الله ، والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا. ٢٢٦ - وثاني الأمرين: ذكره بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ في أشعارهم عند التصلف والدعاوى ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ من الأفاعيل، فهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون في الناس لأدنى الأسباب، ويرتكبون الفواحش، وذلك تمام الغواية. ومحمد ﷺ على خلاف ذلك؛ لأنه منزه عن كل ذلك، متصف بمحاسن الأوصاف ومكارم الأخلاق، مستقر على المنهاج القويم، مستمر على الصراط المستقيم، فقد بدأ بنفسه إذ قال له ربه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ ثم بالأقرب فالأقرب، فقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ فليست حاله حال الشعراء. ٢٢٧ - ولما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة استثنى منهم من اتصف بأمور أربعة: ١ - الإيمان.

стр. 9127

٢ - والعمل الصالح. ٣ - وكثرة قول الشعر في توحيد الله والنبوة ودعوة الخلق إلى الحق. ٤ - وأن لا يهجو أحدًا إلا انتصارًا ممن يهجوه اتباعًا لقوله سبحانه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ كما كان يفعل عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير حين كانوا يهجون المشركين منافحة عن رسول الله ﷺ . وقد روي أن رسول الله ﷺ قال لكعب بن مالك: "أهجهم فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل"، وكان يقول لحسان بن ثابت: "قل وروح القدس معك" وفي رواية: "أهجهم وجبريل معك"، وإلى هذا أشار بقوله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله. استثناء للشعراء المسلمين. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال الأوامر واجتناب النواهي. ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ذكرًا ﴿كَثِيرًا﴾ في أشعارهم بأن كان أكثر أشعارهم في التوحيد والثناء على الله، والحث على طاعته، والحكمة والموعظة، والزهد في الدنيا والترغيب في الآخرة، أو بأن لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله سبحانه، ولم يجعلوه همهم وعادتهم، قال أبو يزيد: الذكر الكثير ليس بالعدد والغفلة، لكنه بالحضور. ﴿وَانْتَصَرُوا﴾؛ أي: انتقموا ممن هجاهم بالهجو ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾؛ أي: من بعدما ظلمهم الكفار بالهجو؛ أي: ردوا هجاء من هجا رسول الله ﷺ والمسلمين. وأحق الخلق بالهجو من كذب رسول الله ﷺ وهجاه، كما وقع ذلك الانتصار من شعراء رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا يهجون من هجاه ويحمون عنه، ويذبون عن عرضه، ويكافحون شعراء المشركين وينافحونهم. ويدخل في هذا من انتصر بشعره لأهل السنة وكافح أهل البدعة، وزيف ما يقوله شعراؤهم من مدح بدعتهم، وهجو السنة المطهرة، كما يقع ذلك كثيرًا من شعراء الرافضة ونحوهم، فإن الانتصار للحق بالشعر وتزييف الباطل به من أعظم المجاهدة، وفاعله من المجاهدين في سبيل الله، المنتصرين لدينه، القائمين بما أمر الله بالقيام به. وروى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنه لما نزلت هذه الآية .. جاء

стр. 9128

حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله ﷺ وهم يبكون، قالوا: قد علم الله حين أنزل هذه أنا شعراء، فتلا النبي ﷺ : ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال: أنتم ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قال: أنتم ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾: قال أنتم؛ أي بالرد على المشركين، ثم قال النبي ﷺ : "انتصروا ولا تقولوا إلا حقًا، ولا تذكروا الآباء والأمهات". فقال حسان لأبي سفيان بن حرب: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللهِ فِيْ ذَاكَ الْجَزَاءُ وَإِنَّ أبِيْ وَوَالِدَهُ وَعِرْضِيْ ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ أتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيْهِ ... وَبَحْرِيْ لَا تُكَدَّرُهُ الدِّلَاءُ وقال كعب: يا رسول الله إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال النبي ﷺ : "إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل" وقال كعب: جَاءَتْ سَخِيْنَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبَّهَا ... وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ فقال النبي ﷺ : "لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا". وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بيديه؛ وهو يقول: خَلُّوا بَنِيْ الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيْلِهِ ... الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَنْزِيْلِهِ ضَرْبًا يُزِيْلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيْلِهِ ... وَيُذْهِلُ الْخَلِيْلَ عَنْ خَلِيْلِهِ فقال عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله ﷺ وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : "خَلِّ عُنْفَهُ يا عمر، فَلَهِيَ أسرع فيهم من نضح النبل". أخرجه الترمذي والنسائي.

стр. 9129

فصل في مدح الشعر (١) روى البخاري عن أبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قال "إن من الشعر لحكمة". وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فجعل يتكلم بكلام، فقال: "إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمًا" أخرجه أبو داود. وروى مسلم عن عمرو بن الثريد عن أبيه، قال: ردفت وراء النبي ﷺ يومًا: "هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ " قلت نعم. قال: "هيه"، فأنشدته بيتًا. الحديث كما مر آنفًا. وعن جابر بن سمرة قال: جالست النبي ﷺ أكثر من مئة مرة، فكان أصحابه يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، وربما تبسم معهم. أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح. وقالت عائشة ﵂: الشعر كلام: فمنه حسن، ومنه قبيح، فخذ منه الحسن، ودع منه القبيح. وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر، وكان عمر يقول الشعر، وكان علي أشعر منهما. وروي عن ابن عباس أنه كان ينشد الشعر، ويستنشده في المسجد، فيروى أنه دعا عمر بن ربيعة المخزومي، فاستنشده القصيدة التي قالها، فقال: أَمِنْ آلِ نُعْمَى أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ ... غَدَاةَ غَدٍ أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُ فأنشده القصيدة إلى آخرها، وهي قريب من تسعين بيتًا، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها، وكان حفظها بمرة واحدة. وبعد أن (٢) ذكر الله سبحانه من الدلائل العقلية، وأخبار الأنبياء المتقدمين ما يزيل الحزن عن قلب رسول الله ﷺ ، ثم بين الدلائل على صدق نبوته، ثم

стр. 9130

أرشد إلى الفارق بينه وبين الكهنة، وبينه وبين الشعراء .. ختم (١) السورة بالتهديد العظيم والوعيد الشديد للكافرين، فقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشعر المنهي عنه وغيره، وأعرضوا عن تدبر هذه الآيات كفرًا بها وعنادًا، فهو عام لكل ظالم، والسين للتأكيد. ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: أي مرجع يرجعون إلى الله تعالى بعد الموت، وأي معاد يعودون إليه، إنهم ليصيرون إلى نار لا يطفأ سعيرها، ولا يسكن لهيبها؛ أي: ينقلبون انقلاب سوء، ويرجعون رجوع شر؛ لأن مصيرهم إلى النار. فإن (٢) في قوله: ﴿سَيَعْلَمُ﴾ تهويلًا عظيمًا، وتهديدًا شديدًا، وكذا في إطلاق ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وإبهام ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. وخصص بعضهم هذه الآية بالشعراء، ولا وجه لذلك، فإن الاعتبار بعموم اللفظ. وقوله: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: ينقلبون منقلبًا أي منقلب، وقدم لتضمنه معنى الاستفهام، ولا يعمل فيه ﴿سَيَعْلَمُ﴾؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، بل هو معلق عن العمل فيه. والمعنى (٣)؛ أي وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وهَجْوِ رسول الله وأصحابه، وبالإعراض عن تدبر هذه الآيات أنهم ينقلبون كمال انقلاب؛ لأن مصيرهم إلى النار؛ وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العذاب؛ وهو شر مرجع، فالمنقلب الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع هو العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها، فصار كل مرجع منقلبًا، وليس كل منقلب مرجعًا. وقرأ ابن عباس والحسن وابن أرقم عنه (٤): ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ بالفاء مكان القاف، والتاء مكان الباء، من الإنقلاب بالنون والتاء الفوقية. والمعنى على هذه القراءة: أن الظالمين يطمعون في الانفلات من عذاب الله تعالى، والانفكاك منه، ولا يقدرون على ذلك؛ أي: وسيعلم الظالمون أن ليس لهم وجه من وجوه

стр. 9131

إلانفلات والفرار، فإنهم يطمعون أولًا أن ينفلتوا من عذاب الله سبحانه فينجوا منه. وقرأ الباقون بالقاف والباء الموحدة من الانقلاب بالنون والقاف والموحدة. الإعراب ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾. ﴿وَإِنَّهُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: خبره ومضاف إليه، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حقيقة تلك القصص، وتأكيد نبوة محمد ﷺ ، فإن إخباره عن الأمم المتقدمة؛ وهو الأمي الذي لا يكتب ولا يقرأ لا يكون إلا عن طريق الوحي. ﴿نَزَلَ﴾: فعل ماض. ﴿بِهِ﴾: متعلق بمحذوف حال من الروح؛ أي: متلبسًا به، فالباء للملابسة. ﴿الرُّوحُ﴾: فاعل. ﴿الْأَمِينُ﴾: صفة له، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿تَنْزِيلُ﴾ أو حال منه. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: متعلق بـ ﴿نَزَلَ﴾. ﴿لِتَكُونَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل وعاقبة، ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، واسمها ضمير يعود على محمد. ﴿مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾: خبرها، والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لكونك من ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿نَزَلَ﴾. ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾. ﴿بِلِسَانٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾؛ لأنه اسم فاعل؛ أي: لتكون من جملة الذين أنذروا بهذا اللسان العربي؛ وهم هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام، أو بدل من الجار والمجرور في قوله: ﴿بِهِ﴾ بإعادة العامل؛ أي: نزل بلسان عربي؛ أي: باللغة العربية. ﴿عَرَبِيٍّ﴾: صفة أولى لـ ﴿لسَانٍ﴾. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ثانية له، أو صفة لـ ﴿عَرَبِيٍّ﴾. ﴿وَإِنَّهُ﴾: ناصب واسمه.

стр. 9132

﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر إن، وجملة ﴿إِنَّهُ﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿أَوَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي المضمن للتقرير داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أغفل أهل مكة عن هذا القرآن، ولم يكن علم علماء بني إسرائيل إياه آية لهم على حقيقته، ﴿لم﴾ حرف نفي وقلب وجزم ﴿يَكُنْ﴾ مضارع ناقص مجزوم بـ ﴿لم﴾ وجملة ﴿يَكُنْ﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿لَهُمْ﴾ متعلقان بمحذوف حال؛ لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدم عليها ﴿آيَةً﴾ خبر ﴿يَكُنْ﴾. ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ﴾ في تأويل مصدر اسم ﴿يَكُنْ﴾ ﴿عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَوْ﴾: شرطية. ﴿نَزَّلْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نَزَّلْنَاهُ﴾، والجملة فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿فَقَرَأَهُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿قَرَأَهُ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل مستتر معطوف على ﴿نَزَّلْنَاهُ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بقرأ. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾. و ﴿مُؤْمِنِينَ﴾: خبر كان، وجملة كان جواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾. ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف. ﴿سَلَكْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به، والتقدير: سلكناه في قلوب المجرمين سلكًا كائنًا مثل ذلك السلك البديع، والجملة مستأنفة. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾، والجملة مستأنفة، أو حال من الهاء في ﴿سَلَكْنَاهُ﴾، أو من ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَرَوُا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد ﴿حَتَّى﴾. ﴿الْعَذَابَ﴾: مفعول يه. ﴿الْأَلِيمَ﴾: صفة له، والجملة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى،

стр. 9133

تقديره: إلى رؤيتهم العذاب الأليم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يَأْتِيَهُمْ﴾: فعل ومفعول معطوف على ﴿يَرَوُا﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْعَذَابَ﴾. ﴿بَغْتَةً﴾: حال من فاعل يأتي، ولكنه في تأويل مشتق؛ أي: حالة كونه باغتًا. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من مفعول ﴿يَأْتِيَهُمْ﴾. ﴿فَيَقُولُوا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يَقُولُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَأْتِيَهُمْ﴾. ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام للاستفهام الاستبعادي المضمن للتحسر. ﴿نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُوا﴾. ﴿فَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)﴾ ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي والتهكمي والإنكاري داخلة على محذوف يقتضيه المقام، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿بِعَذَابِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾. ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيكون حالهم كما ذكر من طلب الإنظار عند نزول العذاب الأليم فيستعجلون بعذابنا، والجملة المحذوفة مستأنفة، هكذا قدره بعض المعربين، ولكنه لا يخلو من إيهام، فالأولى أن يقدر: أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون بعذابنا، وقدم الجار والمجرور لأمرين: لفظي؛ وهو مراعاة الفواصل، ومعنوي؛ وهو الإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ كون المستعجل به العذاب. ﴿أَفَرَأَيْتَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الاستخباري، و ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿رَأَيْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿فَيَقُولُوا﴾، وما بينهما اعتراض، و ﴿رَأَيْتَ﴾: بمعنى أخبرني، فتتعدى إلى مفعولين: أحدهما مفرد والآخر جملة استفهامية غالبًا. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط. ﴿مَتَّعْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿سِنِينَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿مَتَّعْنَاهُمْ﴾، وجواب الشرط محذوف يقدر من معنى المفعول الثاني لـ ﴿رَأَيْتَ﴾ تقديره: إن متعناهم سنين لم يغن عنهم تمتعهم، أي: لم ينفعهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية جملة معترضة لا

стр. 9134

محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿جَاءَهُمْ﴾: فعل ومفعول به. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة الشرط. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يُوعَدُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: ما كانوا يوعدون، ومفعول ﴿أرَأَيْتَ﴾ الأول محذوف معلوم من فاعل ﴿جاء﴾ لأن ﴿أرأيت﴾ و ﴿جاء﴾ تنازعًا في قوله: ﴿مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ والتقدير: إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون أفرأيته؛ أي: ذلك الموعود. ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ ﴿مَا﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَغْنَى﴾. ﴿أَغْنَى﴾: فعل ماض. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿مَا﴾: مصدرية، أو موصولة. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿يُمَتَّعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب خبر كان، وجملة كان صلة ﴿مَا﴾ المصدرية، أو الموصولة، والمصدر المؤول من ﴿مَا﴾ المصدرية في محل الرفع فاعل ﴿أَغْنَى﴾: تقديره: ما أغنى عنهم تمتعهم، أو ﴿مَا﴾ الموصولة في محل الرفع فاعل ﴿أَغْنَى﴾؛ أي: ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون به، وجملة ﴿أَغْنَى﴾ في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أرأيت﴾: لأنها جملة استفهامية، وهذا كله مفهوم مما تقدم في سورة الأنعام مبسوطًا في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ ...﴾ إلخ. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: مفعول به لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. و ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿لَهَا﴾: خبر مقدم. ﴿مُنْذِرُونَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، أو حال منها، وسوغ مجيء الحال منها سبق النفي. ﴿ذِكْرَى﴾: مفعول لأجله لـ ﴿مُنْذِرُونَ﴾ ومنصوب به، أي: ينذرونهم؛ لأجل تذكير العواقب والموعظة، أو مصدر معنوي لـ ﴿الْمُنْذِرِينَ﴾ منصوب به؛ أي: أي إلا لها مذكرون ذكرى، وأعربها الكسائي حالًا؛ أي: حال كونهم مذكرين لها. ﴿وَمَا﴾:

стр. 9135

﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا﴾. ﴿ومَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿تَنَزَّلَتْ﴾: فعل ماض. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَنَزَّلَتْ﴾. ﴿الشَّيَاطِينُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا﴾ ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَنْبَغِي﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على القرآن. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَنْبَغِي﴾، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَنَزَّلَتْ﴾. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَنِ السَّمْعِ﴾: متعلق بـ ﴿لمَعْزُولُونَ﴾، ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿معزولون﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل عدم استطاعتهم. ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت أحوال الكفار، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لا تدع. ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَدْعُ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿مَعَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿إِلَهًا﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿إِلَهًا﴾: مفعول به. ﴿آخَرَ﴾ صفة ﴿إِلَهًا﴾، وجملة ﴿تَدْعُ﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَتَكُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية، ﴿تَكُونَ﴾: فعل مضارع منصوب بن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي، واسمها ضمير يعود على محمد. ﴿مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾: خبرها، وجملة ﴿تَكُونَ﴾ مع أن المضمرة في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن دعاؤك إلهًا آخر فكونك من المعذبين. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَأَنْذِرْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد معطوف على قوله:

стр. 9136

﴿فَلَا تَدْعُ﴾. ﴿عَشِيرَتَكَ﴾: مفعول. ﴿الْأَقْرَبِينَ﴾: صفة لـ ﴿عَشِيرَتَكَ﴾. ﴿وَاخْفِضْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف عليه أيضًا. ﴿جَنَاحَكَ﴾: مفعول به. ﴿لِمَنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اخفض﴾. ﴿اتَّبَعَكَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حال من الضمير المستتر في ﴿اتَّبَعَكَ﴾ ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا امتثلت ما أمرتك به، وأردت بيان ما هو اللازم لك إذا خالفوك .. فأقول لك: إن عصوك. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿عَصَوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَقُل﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب، ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿إِنِّي بَرِيءٌ﴾: ناصب واسمه وخبره. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿بَرِيءٌ﴾، وجملة ﴿إِن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: مما تعملونه. ﴿وَتَوَكَّلْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿توكل﴾: فعل أفعل، وفاعل مستتر يعود على محمد معطوف على الجواب؛ أي: على جملة ﴿فَقُلْ﴾. ﴿عَلَى الْعَزِيزِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَتَوَكَّلْ﴾. ﴿الرَّحِيمِ﴾: صفة لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة ثانية لـ ﴿الْعَزِيزِ﴾. ﴿يَرَاكَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة صلة الموصول. ﴿حِينَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿يَرَاكَ﴾. ﴿تَقُومُ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿حِينَ﴾، ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾: معطوف على الكاف في ﴿يَرَاكَ﴾. ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: حال من كاف ﴿تَقَلُّبَكَ﴾، و ﴿فِي﴾ بمعنى مع؛ أي: حالة كونك مصليًا مع الجماعة. ﴿إِنَّهُ﴾

стр. 9137

ناصب واسمه. هُوَ: ضمير فصل. ﴿السَّمِيعُ﴾: خبره. ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام. ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، أو على محمد إن قدرنا القول، و ﴿الكاف﴾: في محل النصب مفعول أول. ﴿عَلَى﴾: حرف جر. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الجر بـ ﴿عَلَى﴾، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾، وإنما قدم؛ لأن له صدر الكلام، وهو معلق ما قبله من التنبئة عن العمل فيما بعده. ﴿تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿تَنَزَّلُ﴾ في محل النصب ساد مسد المفعول الثاني والثالث إن جعل ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾ متعديًا لثلاثة، ومسد الثاني فقط إن جعل متعديًا لإثنين. ﴿تَنَزَّلُ﴾: فعل مضارع، وهو على حذف إحدى التاءَين، وفاعله ضمير يعود على ﴿الشَّيَاطِينُ﴾. ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿تَنَزَّلُ﴾. ﴿أَثِيمٍ﴾: صفة ﴿أَفَّاكٍ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان المستفهم عنه. ﴿يُلْقُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿السَّمْعَ﴾ هو: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الشَّيَاطِينُ﴾، إن قلنا: إن ﴿الواو﴾ في ﴿يُلْقُونَ﴾ يعود على ﴿الشَّيَاطِينُ﴾، أو الجملة مستأنفة، أو صفة لـ ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، إن قلنا: إن ﴿الواو﴾ تعود على ﴿أَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿أَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ هو: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من واو ﴿يُلْقُونَ﴾ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾ ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾: مبتدأ. ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾: فعل ومفعول به. ﴿الْغَاوُونَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع

стр. 9138

مجزوم بـ ﴿لم﴾، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد، والجملة الفعلية جملة مفسرة لما قبلها، لا محل لها من الإعراب ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿فِي كُلِّ وَادٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَهِيمُونَ﴾، وجملة ﴿يَهِيمُونَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أن﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾ تقديره: ألم تر هيامهم في كل واحد، وفن من فنون القيل والقال. ﴿وَأَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ معطوفة على جملة ﴿أن﴾ الأولى. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَقُولُونَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: يفعلونه. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء. ﴿الَّذِينَ﴾: مسستثنى من ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ المذمومين. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿كَثِيرًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأنه صفة لمصدر محذوف؛ أي: ذكرًا كثيرًا، أو منصوب على الظرفية الزمانية؛ لأنه صفة لظرف محذوف؛ أي: وقتًا كثيرًا. ﴿وَانْتَصَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿وَانْتَصَرُوا﴾. ﴿مَا﴾: مصدرية. ﴿ظُلِمُوا﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف إليه؛ أي: من بعد ظلمهم. ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، والسين حرف استقبال. ﴿يعلم الذين﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بـ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: ينقلبون أي انقلاب؛ لأن أيًّا تعرب بحسب ما تضاف إليه، وقد علقت ﴿يعلم﴾ عن العمل فيما بعدها، والناصب لـ ﴿أَيَّ﴾ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾، كما بينا، وقدم عليه لتضمنه معنى الاستفهام. وأسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها للزومها الصدارة. قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى، وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه لدخل بعض المعاني في بعض" اهـ ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾: فعل وفاعل، وجملة ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ في محل النصب ساد مسد مفعولي ﴿يَعْلَمُ﴾.

стр. 9139

التصريف ومفردات اللغة ﴿لَتَنْزِيلُ﴾: مصدر نزل المضعف، بمعنى اسم المفعول، سمي به مبالغة، وصيغة التفعيل فيه تدل على أن نزوله كان بالدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة، كما مر في مبحث التفسير. ﴿الْأَمِينُ﴾: صفة مشبهة من أمن فهو أمن من باب فعل المكسور اللازم إذا اتصف بالأمانة. والأمانة ضد الخيانة؛ لأنه أمين على وحيه تعالى وموصله إلى من شاء من عباده. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: على روحك؛ لأنه المدرك والمكلف دون الجسد. وفي " الفتوحات": إن أريد بالقلب الروح فظاهر، وإن أريد به العضو فتخصيصه؛ لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولًا على الروح، ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق، ثم تصعد منه إلى الدماغ، فتنتعش بها المتخيلة. وفي "الكرخي" قوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ خصه بالذكر، وهو إنما أنزل عليه ليؤكد أن ذلك المنزل محفوظ، والرسول متمكن من قلبه، لا يجوز عليه التغير، ولأن القلب هو المخاطب حقيقة؛ لأنه موضع التميز والاختيار. والقلب في الأصل لحمة صنوبرية الشكل؛ أي: التي شكلها كشكل الصنوبر، وهو شجر ينبت في البرية دقيق أحد الطرفين غليظ الآخر مع نوع استدارة كقمع السكر، فهذه اللحمة على شكله، فهي دقيقة أحد الطرفين غليظة الآخر مع نوع استدارة كقمع السكر، كما يشاهد ذلك في قلب الدجاجة وغيرها، لكن هنا بمعنى اللطيفة الربانية التي تسمى روحًا ونفسًا، لا بمعنى اللحمة الصنوبرية، اهـ. من "البيجوري على السلم" في المنطق. ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ في الأصل الجارحة المعروفة، ولكن المراد بها هنا معنى اللغة؛ لأنها آلة التلفظ بها. ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾: جمع زبور بمعنى الكتاب، مثل رسل ورسول؛ أي: لفي الكتب المتقدمة. ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ قال صاحب "التحرير": الأعجمين جمع أعجمي،

стр. 9140

ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع سلامة. قلت: وكان سبب منع جمعه أنه من باب أفعل فعلاء، كأحمر حمراء، والبصريون لا يجيزون جمعه جمع سلامة إلا ضرورة، وقد جعله ابن عطية جمع أعجم، فقال: الأعجمون جمع أعجم، وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب، يقال له: أعجم، والأعجمي هو الذي نسبه في العجم، وإن كان فصيح اللسان. وقال الزمخشري: الأعجم الذي لا يفصح، وفي لسانه عجمة أو استعجام، والأعجمي مثله، إلا أن فيه زيادة بياء النسب توكيدًا، اهـ من "السمين". ﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ أي: أدخلنا تكذيب القرآن، أو معرفة معانيه وإعجازه. ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾: اسم مفعول من الإنظار، والإنظار: التأخير والإمهال؛ أي: هل نحن مؤخرون لنؤمن ونصدق. ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾ الاستعجال: طلب عجلة العذاب. ﴿مَا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ من الإيعاد. والإيعاد: التخويف بالعذاب. ﴿ذِكْرَى﴾ أي: تذكرة وعبرة وموعظة لغيرهم. ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ يقال: تنزل إذا نزل في مهلة. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾؛ أي: وما يصح وما يستقيم، وما يتيسر لهم أن ينزلوا بالقرآن من السماء. ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أي: وما يقدرون على ذلك. ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾؛ أي: عن استماع الوحي أصلًا من أول الأمر، أو عن استماع خبر السماء. ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾؛ أي: لممنوعون بالشهب بعد أن كانوا ممكنين من استماع خبر السماء لا الوحي. ﴿عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ العشيرة: أهل الرجل الذي يتكثر بهم؛ أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشيرة هو العدد الكامل، فصارت العشيرة اسمًا لكل جماعة من أقارب الرجل يتكثر بهم، والعشير: المعاشر قريبًا كان أو مقارنًا، كذا في "المفردات". ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ والخفض ضد الرفع والدعة، والسير اللين. ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ مضارع تنزل من باب تفعل، أصله: تتنزل، حذفت منه إحدى التائين.
следующие страницы →